← Общие книги

Общие книги · id 96234

تعدد الخلفاء ووحدة الأمة فقها وتاريخا ومستقبلا

محمد خلدون مالكي

Полный текст (430 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

تمهيد: مرت فترة طويلة من استقرار وحدة الدولة الإسلامية بعد انتصار عبد الملك بن مروان على عبد الله بن الزبير ﵁، فقد مرَّ حوالي ستين سنة منذ سنة ٧٣ هـ وحتى انهيار الدولة الأموية سنة ١٣٢ هـ، ولا أقصد بهذا أنه لم يكن هناك صراع على الحكم، فهذا لم ينتهِ ولن ينتهي طالما كانت هناك حياة في البشر، فالصراع والتدافع والتنافس سنة الحياة الدنيا، ولكن الذي أقصده هو عدم وصول هذا الصراع إلى درجة أن يكون هناك خليفتان أو أكثر للمسلمين في وقت واحد. وبعد انهيار الخلافة الأموية كانت الخلافة العباسية هي الخلافة الشرعية التي لا ينازع أحد في شرعيتها، ولكن طريقة قيامها حمل في طياته بذرة التعدد في الخلفاء للمرة الرابعة، فقد هرب عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس فاراً من بطش العباسيين، وأقام إمارة أموية مستقلة في الأندلس بعد سقوط الخلافة الأموية في دمشق بحوالي ست سنين، ثم لتتطور بعد ذلك إلى خلافة سنة ٣١٦ هـ نتيجة لعوامل مختلفة أهمها ضعف الخلافة العباسية وإعلان الخلافة الفاطمية سنة ٢٩٥هـ. كما كانت الطريقة التي استغل بها العباسيون العلويين في بداية دعوتهم ثم انقلابهم عليهم بعد ذلك، سبباً في تشكل بذرة الخلافة الفاطمية، والتي كانت أيضاً مظهراً عملياً لتعدد الخلفاء في التاريخ الإسلامي، فاجتمع ولأول مرة ثلاثة خلفاء في وقت واحد. وتسهيلاً للبحث المتداخل والمتشابك زمنياً ومكانياً بشكل كبير، سأتناول الموضوع مجزَّأً إلى ثلاثة مباحث، تبعاً لأطرافه الثلاثة العباسيين والأمويين والفاطميين، مبيناً باختصار نشأة كل خلافة وطبيعة العلاقات التي كانت بين هذه الخلافات الثلاث.

стр. 247

المبحث الأول: الخلافة العباسية نظرة عامة للخلافة العباسية: كانت فترة الخلافة العباسية مليئة بمظاهر التعدد في الخلافة، سواءً كانت هذه المظاهر شكلية أو فعلية، فقد نشأت الدولة العباسية سنة ١٣٢ هـ وهي تحمل في طياتها بذور التعدد، لأنه كان وراء نشوئها عدد من الأسباب، منها المظالم التي كان يقوم بها الأمويون ضد القوميات غير العربية، واستئثارهم بالحكم وسوء توزيع الثروة، وكان من شعارات الثورة العباسية المساواة بين القوميات الإسلامية المختلفة، مما أظهر الروح القومية التي قويت بعد ذلك، وأقامت أسراً ودويلات إقليمية استقلت عن الدولة استقلالاً جزئياً، محافظة على ولائها للخليفة العباسي، ولم تكن ولاية وال في هذه الأقاليم المنفصلة تصبح شرعية إلا إذا أقرها الخليفة العباسي، من هذه الدول: الدولة الأغلبية التي أقامها إبراهيم بن الأغلب في أفريقية، والدولة الطاهرية التي أقامها طاهر بن الحسين في خراسان (١). وقبل ذلك كانت أجزاء من العالم الإسلامي قد انفصلت انفصالاً تاماً عن الخلافة العباسية كالأندلس التي استقل بها عبد الرحمن الداخل بعد قيام الدولة العباسية بقليل، ودولة الأدارسة: بالمغرب التي أسسها إدريس العلوي الفار من وجه الخلافة العباسية. وفي العصر العباسي الثاني الذي يبدأ بوفاة الواثق سنة ٢٣٢ هـ دخلت الخلافة العباسية بفترة ضعفها وظهرت الإمارات المستقلة في الشرق والغرب على حد سواء، كدعوة القرامطة في الشام، والخوارج في المغرب، والإسماعيلية في اليمن والمغرب، والطولونيين والإخشيديين في مصر. هكذا بدت الخلافة العباسية من حيث الجملة، وسأركز البحث على أهم مظهر من مظاهر تعدد الخلفاء أثناء الخلافة العباسية، وهو الخلافة الأموية في الأندلس، والفاطمية في إفريقية والمغرب، ولبيان كيف نشأ التعدد الرابع للخلفاء من رحم هذه

стр. 248

الخلافة أذكر التفاصيل التالية: سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية: لم يكن قيام الدولة العباسية على أنقاض دولة بني أمية حدثاً عابراً من أحداث التاريخ الإسلامي انتهى بمجرد تغيير للأسرة الحاكمة، بل كان في واقع الأمر ثورة جذرية على النظام القديم، تهيأ لها النجاح بفضل دعوة منظمة وتنظيم سري دقيق يعبر - على حد تعبير أحد المستشرقين- عن سخط عناصرَ مهمة من الأمة العربية الإسلامية على الحكم الأموي وعن رغبة مشتركة في إسقاطه (١). وكان معاوية بن أبي سفيان ﵁ قد نجح في انتزاع الخلافة بعد صراع طويل مع الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁، ولم يكن هناك من ينافسه على الخلافة، ولا سيما بعد أن تنازل له عنها الحسن بن علي ﵄ سنة ٤١ هـ فيما عرف بعام الجماعة. بَيْدَ أنَّ هذا الاجتماع حول معاوية ﵁ كان بمثابة هدنة مؤقتة، تحمل في طيَّاتها عوامل الاضطراب والعداوة، وأسباب الثورة والصراع (٢)؛ إذ كان ثمة من المسلمين من ينكر على معاوية استيلاءه على الخلافة وافتئاته على حق آل البيت أولى الناس بهذا المنصب من وجهة نظرهم، ومن هؤلاء تكوَّن حزب الشيعة؛ فهم أنصار آل البيت المتحمسون للدفاع عن حقوقهم في الحكم والخلافة، ولا سيما حق علي ﵁. وهناك كذلك الخوارج وهم الذين يقولون باختيار الخلفاء من بين الأكفاء أنَّى كانت الطبقة التي كانوا ينتمون إليها، كما كانوا يرون عزل الخليفة منذ اللحظة التي يفقد فيها ثقة الأغلبية (٣). وكانت نقطة البداية في معارضة حكم الأمويين حين أخذ معاوية ﵁ البيعة لابنه يزيد من بعده، فكان بذلك أول من سنَّ سنة التوريث من خلفاء بني أمية، وهو ما أثار في نفوس عدد غير قليل من المسلمين شعوراً عارماً بالسخط وعدم الرضا؛ لأن معاوية خالف بذلك سنة النبي ﷺ والخلفاء بعده في اختيار الخليفة،

стр. 249

فقد كان اختيار الخليفة يتم بالشورى والانتخاب، فينتخبه أهل الحل والعقد، ثم تزكي الأمة في مجموعها هذا الانتخاب فيما عرف بالبيعة العامة، أو باستخلاف الإمام السابق للخليفة الذي بعده فيختار - كما فعل أبو بكر ﵁ للأمة أفضل وأكفأ مَن فيها، ويعهد إليه بالأمر بعد أن يستشير الناس ويأخذ مواقفهم، فالعهد للابن لا يخلو من دافع العاطفة وحب الولد والتحيز للأسرة، ثم لا يُضمن - دائماً- أن الولد أو القريب من الكفاءة والفضل بحيث يكون أهلاً لهذا المنصب الخطير (١)، فكان مبدأ التوريث الذي سنَّه معاوية، والتزمه خلفاء بني أمية بعده أحد الاعتراضات الأساسية التي وجهتها المعارضة السياسية إلى الدولة الأموية (٢). ولكنَّ هذا الاعتراض لم تسلم منه دولة الخلافة العباسية نفسها، ولا مَن جاء بعدها، حتى سقوط الخلافة العثمانية، ثم في كثير من البلاد الإسلامية بعد ذلك. وقد تركزت المعارضة السياسية المناوئة لبني أمية في حزبين أساسيين هما: آل البيت أو بنو هاشم من العلويين والعباسيين، والخوارج. ويعنينا في هذا السياق النشاط السياسي للحزب الأول، وهو النشاط الذي توَّجَهُ العباسيون بإسقاط دولة بني أمية، وبناء دولتهم التي عُمِّرت ما يربو على خمسة قرون «١٣٢ - ٦٥٦هـ»، كانت خلافتهم خلالها هي الخلافة الشرعية للمسلمين. والحقُّ أن العلويين كانوا أسبق في المطالبة بالخلافة من العباسيين الذين تأخرت مشاركتهم السياسية الفاعلة إلى مطلع القرن الثاني الهجري، ففي أعقاب وفاة معاوية بن أبي سفيان ﵁، ومبايعة ابنه يزيد بالخلافة ظهرت ثلاث حركات ثورية من طراز واحد، وإن اختلف القائمون بها طبيعة وميولاً، أولها حركة الحسين بن علي ﵁ التي انتهت باستشهاده في كربلاء بالكوفة سنة ٦١هـ، ثم ثورة المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي دعا إلى حق محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بمحمد بن الحنفية في الخلافة، وفي مكة تجمع الهاشميون بعامة حول

стр. 250

ثائرٍ ثالث - إن صح التعبير- على بني أمية هو عبد الله بن الزبير، الذي نجح في إعلان نفسه خليفة، وانضمت إليه مصر والعراق، وأغلب بلاد الشام إلى أن انقلبت الأمور عليه. أما أبناء الأسرة العباسية فظلوا بمنأى عن النشاط السياسي والتطلعات نحو الخلافة حتى عهد عمر بن عبد العزيز (١٠٠ - ١٠١هـ)، وكانت صِلاتهم بالأمويين في مجموعها صِلات طيبة، تقوم على إظهار الطاعة والخضوع من جانب العباسيين، والاحترام والتكريم من جانب الخلفاء الأمويين (١)، ولعل من أبرز مظاهر هذا التكريم ما فعله عبد الملك بن مروان «٦٥ - ٨٦هـ» مع علي بن عبد الله بن عباس؛ حيث أقطعه قرية الحميمة (٢) بمنطقة البلقاء في بلاد الشام، وهي القرية التي شهدت بداية انطلاق الدعوة العباسية. وذلك في الوقت الذي أثار فيه مقتل الحسين حماسة المسلمين؛ فتوحدت صفوف الشيعة وزادت الدعوة لآل علي قوة، واشتد العداء بين الأمويين والعلويين الذين أثاروا الفتن والثورات في الولايات الإسلامية (٣). إذ انتشر التشيع منذ ذلك التاريخ لآل البيت، ونادى فريق من الشيعة بعلي زين العابدين بن الحسين بن علي إماماً، وعُرف هؤلاء بـ «الشيعة الإمامية»، في حين قام فريق آخر بالدعوة لمحمد بن علي بن أبي طالب المعروف بـ «ابن الحنفية»؛ نسبة إلى قبيلة أمه خولة بنت قيس بن جعفر الحنفي، وهي قبيلة بني حنيفة، وكان يتزعم هذا الفريق المختار بن عبيد الثقفي، وقائد حرسه أبو عمرو كيسان؛ ولذلك عرفت هذه الدعوة بالمختارية أو الكيسانية، ونسبت في بعض الأحيان إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، فقيل لها: الهاشمية. على أن محمد بن الحنفية كان زاهداً في الخلافة؛ ولذلك بايع - كما مر -عبدَ الملك بنَ مروان بعد نجاحه في القضاء على فتنة ابن الزبير؛ كذلك فقد تبرأ محمد بن الحنفية من الآراء المنحرفة التي نادى بها كيسان وما تضمنته من أباطيل

стр. 251

ذات لون شعوبي (١). وبعد وفاة محمد بن الحنفية التفَّ الشيعة حول ولده أبي هاشم عبد الله ونادوا بحقه في الإمامة، وقد جعل أبو هاشم يعيد ترتيب الدعوة إلى آل البيت، ويعمل على تنظيمها تنظيماً جديداً يمتاز بالسرية والإحكام، حتى يتمكن من إدراك هدفه وتحقيق غايته، ويبدو أن سليمان بن عبد الملك الخليفة الأموي «٩٦ - ٩٣هـ» قد أوجس خيفة من نشاطه والتفاف الناس حوله، فاستدعاه إلى دمشق، فلما التقى به وتحدث إليه، لمس فيه الذكاء المتقد والعلم الواسع والقدرة على الإقناع والتأثير في الناس، فدسَّ له من وضع له السم في شرابه في طريق عودته من الشام، فلما أحس بالسمِّ يسري في جسده توجه إلى علي بن عبد الله بن عباس وابنه محمد بالحميمة، فتنازل عن حقه في الخلافة لبني عباس، وأعلم محمداً أن الخلافة صائرة إلى ولده، وأفضى له بأسرار دعوته، وبيَّن له الأسلوب الأمثل الذي يجب أن يتبعه في الدعوة، أو كما يقول ابن الأثير: «وأعلمه كيف يصنع» (٢). وعلى أساس هذه الوصية، ورث محمد بن علي العباسي حق الكيسانية في الإمامة، فما كاد أبو هاشم يموت حتى قصده الشيعة وبايعوه، ثم عادوا إلى مراكزهم، وبدأوا في نشر الدعوة لمحمد بن علي العباسي عن طريق الدعاة» (٣). والحق أن الروايات التاريخية التي أشارت إلى وصية أبي هاشم لبني عباس بالخلافة من بعده تعاني شيئاً غير قليل من النقص والاضطراب، فهي لا تبين على وجه اليقين هل كانت تلك الوصية شفهية أم كانت مكتوبة، وكذلك فثمة خلاف فيمن دُفعت إليه: هل هو علي بن عبد الله أم ابنه محمد الذي قيل إنه كان صغيراً آنذاك (٤). ولذلك فإن نفراً من المؤرخين المحدثين يردون على هذه الرواية القائلة بتنازل أبي هاشم عن حقه في الخلافة إلى محمد بن علي العباسي، ويستندون في ردهم إلى أن الدعوة العباسية شقت طريقها بعد ذلك باسم الدعوة لآل البيت أو الرضا من

стр. 252

آل محمد، وهو تعبير عام يشمل العلويين والعباسيين جميعاً؛ تمويهاً على الشيعة بوجه خاص، الأمر الذي يسقط رواية الوصية، فلو أن الإمامة انتقلت حقّاً من أبي هاشم إلى محمد بن علي لكان صرح بذلك، ولكانت الدعوة وجهت لآل العباس في ذلك الحين (١). وكذلك يستند من يرفضون الرواية القائلة بالوصية إلى أن العباسيين بعد استئثارهم بمنصب الخلافة، عمدوا إلى تدعيم موقفهم أمام دعاوى الشيعة، فاستندوا إلى أن حق الوراثة في التشريع الإسلامي يتيح لهم وراثة النبي ﷺ لأن التشريع يقدم العم في الميراث على ابن البنت؛ ولذلك فإن العباسيين بوصفهم من نسل عم النبي ﷺ أولى بالخلافة من نسل فاطمة بنت رسول الله ﷺ (٢). وفي المقابل يؤكد فريق آخر من الباحثين على أن رواية الوصية لا تمثل شيئاً بالنسبة لطموح العباسيين إلى الخلافة، وهو طموح موجود بالفعل، لا يقلل من شأنه نفي رواية الوصية أو التشكيك في صحتها، ومع ذلك فإنهم يرجحون صحة هذه الرواية لعدة أسباب منها: ١ - إن الدعوة السياسية خرجت إلى دائرة النور مباشرة بعد موت أبي هاشم. ٢ - الشيعة الكيسانية - وهي شيعة أبي هاشم - أطاعت للعباسيين بالفعل، مع أن دعوتها كانت سرية وباطنة منذ مقتل الحسين ﵁، أو على الأقل منها خرجت فرقة العباسية، التي تثبت الإمامة في ولد العباس. ٣ - إن صلة العباسيين بالكيسانية ليست جديدة، فقد كانت قائمة قبل وصية أبي هاشم، فابن عباس كان مؤيداً لحركة المختار في الثأر لآل البيت. ومع ذلك فثمة مسألة جديرة بالملاحظة، وهي أن تنازل أبي هاشم بن محمد ابن الحنفية لا يمكن أن يعد تنازلاً من العلويين جميعاً؛ لأن فريقاً كبيراً منهم ظل متمسكاً بعقائد الشيعة الإمامية، بدليل قيامهم في وجه العباسيين بعد قيام دولتهم (٣).

стр. 253

وكانت بداية دعوة العباسيين سنة مائة من الهجرة كما يقول ابن الأثير: ... «وفي هذه السنة وجه محمدُ بن علي بن عبد الله بن عباس الدعاةَ في الآفاق، وأمرهم بالدعاء إليه وإلى أهل بيته» (١). وهكذا فإن شعار الدعوة العباسية (الدعوة للرضا من آل محمد) جعل البيت الهاشمي كله يقف نداً للبيت الأموي (٢)، ونحن لا يعنينا أن نعرف تفاصيل الدعوة العباسية والأساليب التي استخدموها للوصول إلى نجاح دعوتهم، ولا تفاصيل الحروب التي خاضوها ولكن يهمنا أن نعرف أنها أصبحت بعد انهيار الخلافة الأموية هي الخلافة الشرعية - ولو بناءً على حكم الضرورة - وأنها حكمت الناس بشرع الله، فها هو داود بن علي العباس يخاطب أهل الكوفة بعد استيلائه عليها وانتصاره على محمد بن خالد بن عبد الله القسري أمير الكوفة للأمويين قائلاً: ... « ... لكم ذمة الله ﵎ وذمة رسوله ﷺ وذمة العباس ﵀ أن نحكم فيكم بما أنزل الله ونعمل فيكم بكتاب الله، ونسير في العامة والخاصة منكم بسيرة رسول الله ﷺ » (٣). وبويع أبو العباس بالخلافة في الثاني عشر من ربيع الأول سنة ١٣٢هـ، فخطب خطبة افتتحها بمدح آل النبي ﷺ ، والطعن في أهل الضلال من السبئية الذين نادوا بالخلافة للعلويين، ثم سبَّ الأمويين الذين ابتزوا الخلافة واستأثروا بها وظلموا أهلها (٤). وكانت هذه الخطبة نفسها تحمل في طياتها بذور تعدد الخلفاء، وتبين طبيعة الصراع الذي كان سائداً في ذلك الوقت وترسم ملامح الفترة المقبلة فسياسة العباسيين مع الأمويين والعلويين - كما سيأتي- كانت سبباً في نشوء الخلافة الأموية في الأندلس، وفي نشوء الدولة الفاطمية في المغرب وأفريقية. وبموت مروان بن محمد سقطت الخلافة الأموية بعد أن حكمت العالم الإسلامي تسعين عاماً «٤١ - ١٣٢ هـ/٦٦١ - ٧٥٠ م» وأعلن أبو العباس قيام

стр. 254

الخلافة العباسية في خطبته بالكوفة سنة ١٣٢هـ/٧٥٠ م. سياسة العباسيين في قمع الأمويين واستئصال شأفتهم: انتهج العباسيون تجاه الأمويين الذين انهارت دولتهم سياسة تقوم على أمرين: الأول: القضاء على كل نفوذ لبني أمية بين أنصارهم والمتعصبين لهم، حتى لا يفكروا في إعادة دولتهم مرة أخرى. الثاني: الثأر والانتقام الشخصي من الأمويين لما قدموه إليهم وإلى بني هاشم عامة من إساءة وظلم أيام حكمهم. وهذان الأمران يقضيان بتعقب الأمويين وتتبعهم في كل ناحية من نواحي الدولة، للتنكيل بهم واستئصال شأفتهم، لترسيخ نفوذ العباسيين والتمكين لدولتهم الجديدة. وقد بدأ التنكيل بالأمويين فور قيام الخلافة العباسية، فقتلوا مروان بن محمد آخر خلفائهم، ولم يتوقف العباسيون عن استئصال شأفة البيت الأموي والثأر لموتى بني هاشم على أيديهم؛ وذلك بالفتك بأفراد بني أمية، حتى إن ابن الأثير قد خصص في كتابه الكامل فصلاً ذكر فيه من قُتل من بني أمية (١). ففي الشام بلد الأمويين، تتبع عبد الله بن علي الأمويين رجالاً ونساء وأطفالاً فقتلهم، ولم يفلت منهم إلا القليل هربوا إلى الأندلس، وإلا بعض الأطفال الرضع، ثم زاد على ذلك فنبش قبور أساطينهم مثل: معاوية ويزيد وعبد الملك بن مروان، وكان لا يوجد في القبر إلا العضو بعد العضو؛ غير هشام بن عبد الملك؛ فإنه وجد صحيحاً، لم يَبْلَ منه إلا أرنبة الأنف، فضربه بالسياط وصلبه وحرقه وذراه في الريح» (٢). على أن أعنف عمل انتقامي قام به العباسيون ضد بني أمية يتمثل فيما عُرِف بحادثة نهر أبي فطرس (٣) قرب الرملة من أرض فلسطين؛ حيث نادى عبد الله بن

стр. 255

علي العباسي في بني أمية بالأمان، وأمرهم أن يغدوا إليه لأخذ العطاء، فاستجاب له من بني أمية نحو ثمانين رجلاً توجهوا إليه وجلسوا في مجلسه، فأمر عبد الله بقتلهم جميعاً، فضرب الجند رؤوسهم بالعمد حتى أتوا عليهم في غير رحمة، فلما قُتلوا دعا عبد الله بالغداء وأمر ببسط فبسطت عليهم وجلس يأكل فوقهم وهم يضطربون تحته، فلما فرغ من الأكل قال: ما أعلمني أكلت أكلة قط أهنأ ولا أطيب لنفسي منها، ثم أمر بهم فَجرُّوا من أرجلهم ودفنوا جميعاً في بئر حُفِرت لهم. وأنشد شاعر بني العباس في ذلك قائلاً: أصبح الملك ثابت الآساس ... بالبهاليل من بني العباس طلبوا وتر هاشم فشفوها ... بعد مَيْل من الزمان وياس لا تُقيلنَّ عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة (١) وغراس ذلُها أظهر التوددَ منها ... وبها منكم كحر المواسي ولقد غاظني وغاظ سوائي ... قربهم من نمارق وكراسي أنزلوها بحيث أنزلها اللـ ... ـه بدار الهوان والإتعاس واذكروا مصرع الحسين وزيداً ... وقتيلاً بجانب المهراس والقتيل الذي بحران أضحى ... ثاوياً بين غربة وتناسي (٢) وهكذا كانت الفترة الأولى من الحكم العباسي حافلة بأعمال الانتقام وإراقة الدماء والقسوة الشديدة التي ينكرها الدين، ويأباها الخلق الكريم، وقد أُثر عن أبي العباس أنه قال: «ما أبالي متى طرقني الموت، فقد قتلت بالحسين وبني أبيه من بني أمية مائتين، وأحرقت شلو هشام بابن عمي زيد بن علي، وقتلت مروان بأخي إبراهيم» (٣).

стр. 256

لقد استهان العباسيون وعمالهم بدماء الأمويين، فسفكوها ظالمين بغير وجه حق، فلم يرحموا رجلاً ضعيفاً مهزوماً، ولا امرأة لم ترفع في وجههم سلاحاً، ولا طفلاً لا ذنب له إلا أنه خرج من أصلاب بني أمية، ولقد صدر العباسيون في انتقامهم من بني أمية عن حقد دفين وكراهية سوداء يحار الباحث في تعليل أسبابها، والكشف عن بواعثها، فلم يحدث من جانب الأمويين إساءة إلى بني العباس، بل ربطت بين الأسرتين علاقات طيبة تقوم على الخضوع والطاعة من جانب العباسيين، والاحترام والمودة من جانب الأمويين الذين أقطعوا أبناء عبد الله بن عباس قرية الحميمة من بلاد الشام - كما مرَّ بنا -، ولم يكن بين الأسرتين دم مراق، وحتى عندما اكتشف مروان بن محمد أمر الدعوة العباسية وقبض على إبراهيم بن محمد المُلقب بالإمام لم يقتله ولم يعذبه، بل وضعه في سجن حران مع نفر من الخصوم من البيت الأموي نفسه، ومات إبراهيم في السجن بسبب وباء وقع في حرَّان، وذلك حسب بعض الروايات (١)، وإن كان ثمة روايات أخرى تذكر أن مروان بن محمد قتله في محبسه. وكذلك فإن الأمويين لم يكونوا يمثلون خطراً على الدولة العباسية الناشئة بعد أن زالت دولتهم وتهاوت أركانها، وثبتت أركان الدولة الجديدة، «لكنه الحقد الأسود من جانب أبي العباس وأهل بيته ضد الأمويين الذين كان من حظهم العاثر أن يظلهم زمن العباسيين، وأن يصطلوا بنار غضبه، مع أنهم لا ذنب لهم في شيء مما اتهمهم به» (٢). ولم يتردد الإمام الأوزاعي (٣) - فقيه أهل الشام ومحدثهم- في إعلان هذه الحقيقة في وجه عبد الله بن علي العباسي بطل حادثة نهر أبي فطرس، وأحد أعنف أبناء البيت العباسي وأعظمهم سفكاً للدماء، قال الأوزاعي: لما قدم عبد الله بن علي الشام، وقتل بني أمية، جلس على سريره ثم بعث إليَّ فلما صرت إلى البيت أنزلوني عن دابتي، وأخذ اثنان بعضدي وأدخلوني بين الصفوف حتى أقاموني بحيث يسمع كلامي، فقال لي: أنت عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي؟ قلت:

стр. 257

نعم، أصلح الله الأمير. قال: ما تقول في دماء بني أمية؟ قلت: لقد كان بينك وبينهم عهود، وكان ينبغي أن تَفُوا بها، قال: ويحك، اجعلني وإياهم لا عهد بيننا، فأجهشت نفسي وكرهت القتل، فتذكرت مقامي بين يدي الله فلفظتها، فقلت: دماؤهم عليكم حرام، فغضب وانتفخت أوداجه واحمرت عيناه، فقال لي: ويحك ولم؟! قلت: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: ثيب زان، ونفس بنفس، وتارك لدينه» (١)، قال: ويحك، أوَ ليس الأمر لنا ديانة؟! قلت: كيف ذاك؟ قال: أليس كان رسول الله ﷺ أوصى لعلي؟! قلت: لو أوصى إليه ما حكَّم الحكمين، فسكتَ وقد اجتمع غضباً، فجعلت أتوقع أن يسقط رأسي بين يدي، فأومأ بيده أن أخرجوه» (٢). ويُروى كذلك أن الأوزاعي التقى بعد ذلك بأبي جعفر المنصور، فقال له: إن رسول الله ﷺ كان بيده جريدة يستاك بها ويروع عنه المنافقين، فأتاه جبريل فقال: يا محمد ما هذه الجريدة بيدك؟! اقذفها، لا تملأ قلوبهم رعباً، فكيف بمن سفك دماءهم وأنهب أموالهم؟! (٣). الفقهاء والخلافة العباسية: كان المسلمون من أهل السنة ينظرون إلى الخلافة العباسية على أنها خلافة شرعية، يجب طاعة خلفائها بمقتضى عقد البيعة بين الخليفة والرعية. ولعل نظرتهم - ولا سيما الفقهاء منهم - إلى الخلافة العباسية لا تختلف عن نظرتهم إلى الخلافة الأموية من ناحية استيفاء مقومات الشرعية، ولم يشذ عن هذا الموقف سوى طوائف الشيعة الذين كانوا يرون أن الخلافة يجب أن تكون في أبناء علي بن أبي طالب ﵁، وأن العباسيين قد ابتزوهم حقَّهم، واستأثروا بالخلافة دونهم. ولا ريب أن قوة الدعاية العباسية وبراعة تنظيمها هي التي هيأت الرأي العام الإسلامي لقبول خلافتهم، والاعتقاد بأنها خلافة شرعية ولا سيما أن العباسيين

стр. 258

ينتمون إلى بني هاشم، وأن دولتهم قد اشتقت اسمها من العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ . وقد آمن العباسيون إيماناً مطلقاً بحقهم في الخلافة، ويبين ذلك بياناً شافياً خطبة أبي العباس السفاح في أهل الكوفة، وهي الخطبة التي أتمها عمه داود بن علي، فكان مما قاله: « ... ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله ﷺ إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد ... واعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منَّا حتى نسلمه إلى عيسى ابن مريم ﷺ » (١). ومع ذلك فقد كان العباسيون يدركون أن عدداً من المسلمين - من العرب أو الموالي الفرس- لا يرضون بخلافتهم، ويرون أن العلويين أحق بها، وأن العباسيين قد خدعوهم حين صدروا دعوتهم بهذا الشعار المضلل «الرضا من آل البيت» (٢). ولذلك لجأ العباسيون في تثبيت حكمهم وتأكيد شرعيتهم إلى العلماء والقضاة والفقهاء، فجعلوا يقربونهم ويسبغون عليهم ألوان التقدير والاحترام، ويعتمدون عليهم في إدارة وظائف الدولة ومرافقها، ولا سيما القضاء. ونعتقد أن العلماء والفقهاء والقضاة كانوا يؤسسون موقفهم من شرعية الخلافة العباسية على حكم الضرورة أو الواقع، فثمة حِكَمٌ كثيرة تترتب على الاعتراف بهذه الخلافة، ويدلنا هذا على مدى ما يمتاز به الفقه الإسلامي من مرونة تساير الواقع، وهذه الحِكَم المشار إليها هي أن يستمر الاعتراف بوجود الدولة وشرعيتها واتصال حياتها، وأن تُضفَى على الأحكام الصادرة عنها صفة الشرعية ولا سيما الأحكام الدينية، فينتفي بذلك الحرج عن الرعية، ولا تكون حياتهم مخالفة للدين، كما يكون هناك حفظ الوحدة والتعاون في الأمور العامة المشتركة بدل التنابذ والشقاق؛ حتى يقف الكل صفّاً واحداً تجاه الأعداء (٣). ومن جانبه فقد أدرك الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور «١٣٦ - ١٥٨هـ/٧٥٤ - ٧٧٥ م» الدور المهم للعلماء والقضاة في إرساء دعائم الدولة

стр. 259

العباسية، سواء من حيث إضفاء الشرعية على الخلافة، أو من حيث الاستفادة بقدراتهم العملية والعلمية في تصريف شؤون الدولة، فروي عنه أنه قال: ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة نفر لا يكون على بابي أعف منهم، فقيل له: من هم يا أمير المؤمنين؟ قال: هم أركان الملك، ولا يصلح الملك إلا بهم، كما أن السرير لا يصلح إلا بأربع قوائم إن نقصت واحدة تداعى، وذكر أول هؤلاء الأربعة فقال: أما أحدهم فقاض لا تأخذه في الله لومة لائم (١). وقد نجح أبو جعفر المنصور في إقناع طائفة من كبار الفقهاء بقبول منصب القضاء، فكان ذلك اعترافاً ضمنيّاً منهم بشرعية الخلافة العباسية. ومن هؤلاء: ابن أبي ليلى الذي ولي قضاء الكوفة عشرين سنة «١٣٢ - ١٥٣هـ» (٢)، وشريك بن عبد الله الذي ولي قضاء الكوفة منذ سنة ١٥٣هـ ثم ضم إليه الخليفة العباسي المهدي قضاء بغداد سنة ١٥٨هـ (٣)، وسواد بن عبد الله الذي ولي قضاء البصرة من سنة ١٣٨هـ إلى سنة ١٥٦هـ. على أن أشهر من ولي القضاء للعباسيين - غيرَ مدافَع- الفقيهُ الحنفي أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة. تولى القضاء سنة ١٦٦هـ في خلافة المهدي، واستمر في منصبه في عهد الهادي والرشيد، حتى توفي بعد خمسة عشر عاماً قضاها في منصب القاضي، ولم يكن أبو يوسف فقط قاضياً يطبق شرع الله بين المتخاصمين، ويحكم بين الناس بما أنزل الله، ولكنه قام بدور النصيحة السياسية والتوجيه للخليفة، كما قام بدور التقنين لنظم الخراج والزكاة، وقدم مقترحات كثيرة في كتابه الذي ألفه بطلب من الرشيد لحماية الرعية من عسف العمال وحفظ حق الدولة، فقد بدأ كتابه المسمى «كتاب الخراج» بنصيحة للرشيد، يبصره فيها بواجبه نحو رعيته ومسؤوليته عنها أمام ربه، ويحذره من عاقبة التضييع لهذه المسؤولية، فقال له: يا أمير المؤمنين إن الله - وله الحمد - قد قلَّدك أمراً عظيماً، ثوابه أعظم الثواب، وعقابه

стр. 260

أشد العقاب، قلَّدك أمر هذه الأمَّة، فأصبحت وأمسيت وأنت تبني لخلق كثير استرعاكهم الله، وائتمنك عليهم، وابتلاك بهم، وولاك أمرهم، وليس يثبت البنيان إذا أسس على غير التقوى أن يأتيه الله من القواعد فيهدّه على من بناه» (١). على أن هناك من الفقهاء من رفض تقلد منصب القضاء، ليس طعناً في شرعية الحكم العباسي، ولكن إحساساً بخطورة هذا المنصب وإشفاقاً من مسؤولياته وعواقبه في الآخرة؛ فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين» (٢)، ولعل أشهر من رفض منصب القضاء في العصر العباسي، الإمام أبو حنيفة النعمان؛ حيث أشخصه أبو جعفر من الكوفة إلى بغداد، وأراد أن يوليه قضاءها فأبى، فحلف عليه ليفعلن، فحلف أبو حنيفة ألا يفعل، فحلف أبو جعفر مرة ثانية عليه ليفعلن فحلف أبو حنيفة ألا يفعل، فقال الربيع: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف! قال: أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني، فأمر أبو جعفر به إلى الحبس، ثم أحضره مرة أخرى وناقشه في رفضه للقضاء، فقال أبو حنيفة له: والله ما أنا بمأمون الرضى فكيف أكون مأمون الغضب، ولو اتجه الحكم عليك ثم هددتني أن تغرقني في الفرات أو أن تلي الحكم لاخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك، فلا أصلح لذلك (٣). وإذا كان القضاة في الدولة العباسية قد أدوا واجبهم في ترشيد قرارات الخلفاء والعمل على تطبيق الشريعة، والإسهام في توجيه الخلفاء وتبصيرهم بواجباتهم نحو الرعية، من منطلق ما يمليه عليه منصب القضاء من أعباء ومسؤوليات، فإن الفقهاء والعلماء من خارج دائرة وظائف الدولة قد شاركوهم هذه المسؤولية، وإن كانوا أكثر منهم صراحة وأعظم جرأة في نقد الخلفاء وبيان أخطائهم، وتجاوزاتهم فيما يمس حقوق الرعية ومصالحها، ولم يخش العلماء من إعلان كلمة الحق والجهر بها في وجه الخلفاء العباسيين حتى في بداية الدولة، حين كان السيف هو

стр. 261

الأداة التي يستخدمها الخلفاء في قمع المعارضة (١). ومن نماذج انتقاد العلماء لبعض تصرفات الخلفاء ما كان بين الفقيه عبد الرحمن بن أنعم والخليفة أبي جعفر المنصور، وكان عبد الرحمن بن أنعم رفيقاً لأبي جعفر في طلب العلم، فزاره بعدما تولى الخلافة، فسأله أبو جعفر، ظنّاً منه أنه سيسمع منه ما يرضيه، كيف رأيت سلطاني من سلطان بني أمية؟ قال ابن أنعم: ما رأيت في سلطانهم من الجور شيئاً إلا رأيته في سلطانك، فقال أبو جعفر: إنا لا نجد الأعوان، فرد عليه ابن أنعم بقول عمر بن عبد العزيز: إن السلطان بمنزلة السوق، يجلب إليها ما ينفق فيها، فإن كان بارّاً أتوه ببرِّهم، وإن كان فاجراً أتوه بفجورهم (٢)، وهكذا حمل ابن أنعم الخليفةَ المسؤولية الأساسية في تحرير الرعية من الظلم وحمايتها من الجور، وأن سلوكه ومواقفه في مناصرة العدل وإنصاف المظلوم ستكون قدوة للعمال الصغار والكبار، وإن خيار الناس سيعاونون معه عندما يرون فيه الجد في نصرة الحق وإنصاف الرعية. والواقع أن انتقاد العلماء لجوانب من سياسة الخلفاء العباسيين كان يتم في إطار من الاعتراف العام بشرعية الخلافة العباسية والالتزام بعقيدة أهل السنة في وجوب طاعة الحاكم وإنكار الخروج عليه. أما انتقاده والاعتراض السلمي عليه أو على بعض تصرفاته؛ فكان الهدف منه تحقيق مصلحة الرعية والدفاع عن حقوقها، ولا سيما أن مذهب أهل السنة يوجب الإنكار على الحاكم إذا تنكب طريق العدل. سياسة العباسيين تجاه العلويين: كان العلويون - كما تقدمت الإشارة- يرون أنهم أحق بالملك والخلافة من غيرهم؛ فكان السعي إلى منصب الخلافة شغلهم الشاغل، ولا سيما بعد مقتل الحسين بن علي ﵄ في كربلاء، وما فتئوا في كل أدوار حياتهم يصطنعون كل وسيلة لإدراك هدفهم. وحين ظهرت الدعوة العباسية في مطلع القرن الثاني الهجري وأعلنت شعار «الرضا من آل محمد» لم يبالِ أنصارها والمتعاطفون معها كثيراً بشخصية من

стр. 262

يلي الخلافة، سواء كان علويّاً أو عباسيّاً، لانشغالهم بحرب بني أمية، وعملهم على تحطيم دولتهم وإزالة ملكهم. وقد سعى أبو سلمة الخلال في الدور الأخير من أدوار الدعوة العباسية إلى تحويل الخلافة إلى العلويين، فأخفق في ذلك وبويع بالخلافة لأبي العباس السفاح، الذي أمر بقتل أبي سلمة الخلال حين اطلع على حقيقة نواياه وميوله نحو العلويين. وقد أعلن العباسيون - كما مر- منذ قيام دولتهم أن الخلافة حق لهم، وأنها لن تخرج من أسرتهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. هنالك أدرك العلويون أن العباسيين قد خدعوهم واستأثروا بالخلافة دونهم، مع أنهم أحق بها منهم، فنابذوهم العداء ونظروا إليهم كما كانوا ينظرون إلى الأمويين من قبل، فظلوا يناضلون ويعملون ابتغاء الوصول على حقهم في الخلافة التي آمنوا بأن العباسيين أقصوهم عنها نهائيّاً، حين جعلوها - كالأمويين- ميراثاً في ذريتهم. وكان الحسنيون - أبناء الحسن بن علي ﵁ أول من طالب من العلويين بحقهم في الخلافة، وذلك في عهد أبي جعفر المنصور، وكانوا يشكلون خطراً كبيراً على الخلافة العباسية، وقد تزعم ثورةَ الحسنيين على بني العباس محمدُ بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، المعروف بالنفس الزكية، ومعه أخوه إبراهيم بن عبد الله. وقد امتنع محمد النفس الزكية وأخوه إبراهيم عن مبايعة أبي العباس السفاح وأخيه أبي جعفر المنصور بعد ذلك، وأقاما في الحجاز، وأعلن النفس الزكية أنه أولى بالخلافة من أبي جعفر المنصور الذي أزعجته حركة النفس الزكية وأقضَّت مضجعه، ومما زاد من مخاوفه أن النفس الزكية كان شخصية محبوبة في بلاد الحجاز، وأنه أنفذ دعاته إلى الآفاق وبويع له في كثير من الأمصار. وقد جعل أبو جعفر المنصور يشدد الضغط على النفس الزكية، فولَّى رياح بن عثمان على المدينة وأمره بالتشدد في طلب النفس الزكية والقضاء على حركته، فاضطر النفس الزكية إلى أن يعجل بالخروج قبل أن يتم أمر دعاته الذين أنفذهم إلى الآفاق.

стр. 263

فخرج في أول رجب سنة ١٤٥هـ، وقيل في ٢٨ جمادى الآخرة سنة ١٤٥هـ. فقبض على رياح بن عثمان والي المدينة وأخيه عباس بن عثمان، وحبسهما في دار مروان. وقد رد أبو جعفر المنصور على ذلك بالقبض على عبد الله المحض والد النفس الزكية، وأمره بتسليم ابنيه محمد النفس الزكية وإبراهيم، فرفض عبد الله قائلاً: والله لو كانا تحت قدمي لما رفعتهما عنهما، سبحان الله آتيك بولديّ لتقتلهما، فأمر بالقبض عليه وعلى أهله من بني الحسن. وبعد عدة مكاتبات بين النفس الزكية وبين أبي جعفر المنصور، لم تؤدِّ إلى نتيجة، عزم الأخير على القضاء على تلك الثورة بالقوة، فسير إلى المدينة ابن أخيه عيسى بن موسى على رأس جيش عدته أربعة آلاف، ثم أتبعه حميد بن قحطبة في جيش كثيف، ووقعت بين الطرفين معركة فاصلة في الثاني عشر من شهر رمضان سنة ١٤٥هـ انتهت بانتصار الجيش العباسي ومقتل محمد النفس الزكية، ومصادرة أموال العلويين في المدينة. ثم توجه عيسى بن موسى إلى البصرة للقضاء على إبراهيم بن عبد الله (شقيق محمد النفس الزكية) بعد أن سيطر على البصرة وبايعه أهلها، ودارت بين الطرفين معركة حاسمة في مكانٍ يقال له: باخمرا (١)، وانتهت بهزيمة إبراهيم وقتله في ذي القعدة سنة ١٤٥هـ. وهكذا حلت بالعلويين النكبة بمقتل الأخوين محمد النفس الزكية وإبراهيم، وتشرد من بقي من بني الحسن على قيد الحياة في البلاد، بعد أن استشهد من استشهد وقتل من قتل وحبس من حبس على أيدي العباسيين وفرَّ الإمام إدريس بن عبد الله أخو محمد وإبراهيم إلى المغرب الأقصى وأسس هناك دولة الأدارسة. وهكذا استخدم المنصور سياسة الإرهاب تجاه العلويين، وامتدت سياسته إلى مصادرة الأموال والممتلكات، ولم يكتفِ المنصور بذلك، بل امتد إرهابه إلى كل من ساعد أو ناصر العلويين في ثورتهم، فإنه أمر بقتل كثير من أشراف البصرة الذين ناصروا الدعوة العلوية وألغى الامتيازات التي كان يتمتع بها أهل المدينة،

стр. 264

وغير ذلك من وسائل التخويف والتنكيل (١). ثورة الحسين بن علي بالمدينة وموقعة فخ سنة ١٦٩ ه ـ: وفي سنة ١٦٩هـ، قام العلويون من الفرع الحسيني بثورة ثانية في الحجاز إبَّان خلافة الهادي (١٦٩ - ١٧٠هـ) الذي اتبع مع العلويين سياسة عنيفة بخلاف المهدي الذي حاول استرضاءهم. وكانت هذه الثورة بزعامة الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن الذي بايعه أهل المدينة بالإمامة. وكان السبب المباشر لتلك الثورة هو تلك المعاملة السيئة التي عامل بها عمر بن عبد العزيز بن عبد الله العلويين وإفراطه في التحامل على الحسينيين منهم، حتى إنه اتهم بعضهم بشرب الخمر، فأمر بجمعهم وجلدهم جميعاً ثمانين سوطاً، وأمر أن يطاف بهم في المدينة حاسري الظهور حتى يفضحهم بين أهلها. ويضاف إلى ذلك السبب أن العلويين لم ينسوا ما أصابهم في المدينة على يد أبي جعفر المنصور من قتل وتعذيب وإرهاب، كما أنهم لم ينسوا حقهم في الخلافة التي استبد بها العباسيون من دونهم. ونتيجة هذه الأسباب؛ خرج الحسين بن علي على الخليفة الهادي وبايعه جمع من أهل المدينة بالخلافة، وقد انضم إلى هذه الحركة بعض الكوفيين الذين كانوا عندئذ بالمدينة. ثم خرج الجميع في اتجاه مكة فقطع عليهم جيش العباسيين الطريق، ودارت معركة بين الفريقين عند وادي «فخّ»، الذي يبعد عن مكة بنحو ستة أميال، تقرر فيها مصير العلويين وكثر فيها ضحاياهم، وفيهم الحسين بن علي زعيمهم، وقد بلغ من كثرة التنكيل بالعلويين في هذه المعركة أن قرنها المؤرخون - لهولها ونتائجها- بمعركة كربلاء، فقال بعضهم: «لم تكن مصيبة بعد كربلاء أشد وأفجع من فخ». وطابع هذه المعركة يشبه طابع معركة كربلاء إلى حد كبير، فأنصار الحسين

стр. 265

بن علي بن أبي طالب في معركة كربلاء قلة معدودة، ولم يكن الثائرون مع الحسين بن علي بن الحسن عند فخ كثرة ملحوظة؛ وشهداء معركة كربلاء من العلويين كثيرون، ويشبه هذا شهداء معركة فخ؛ وقد أعقب استشهاد الحسين بن علي بن أبي طالب في كربلاء حركة ثورية أخرى بالكوفة، وأعقب معركة فخ ثورتان علويتان ببلاد الديلم وفي شمالي إفريقية، وانتهت الأخيرة بقيام دولة الأدارسة (١). وقد استمرت السياسة العباسية في قمع العلويين والتنكيل بهم؛ ففي عهد الرشيد قُبض على موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، وأحضر في قبة إلى بغداد؛ حيث سجن ثم قتل قتلاً خفيفاًٍ. وأظهر أنه مات حتف أنفه. ويرجع السبب في ذلك إلى أن جماعة من حساد موسى بن جعفر من أقاربه وشى به إلى الرشيد، وذكر له أن الناس يحملون إلى موسى خمس أموالهم ويعتقدون إمامته، وأنه عزم على الخروج عليه. فلما مات أدخل عليه الفقهاء ووجوه أهل بغداد، فنظروا إليه، فلم يجدوا فيه أثراً لجرح أو ما يدل على جرم , فشهدوا بذلك (٢). وفي عهد الرشيد أيضاً قتل عبد الله بن الحسن بن علي بن علي زين العابدين، إذ اتهم بأنه يجمع الزيدية ويدعوهم على الخروج عليه، ثم حبسه، ولكن جعفر بن يحيى ضرب عنقه بدون أمر الرشيد (٣).

стр. 266

المبحث الثاني الخلافة الفاطمية في المغرب ومصر مدخل: لم يكن قيام الدولة الفاطمية في المغرب في نهاية القرن الثالث الهجري ... (سنة ٢٩٦ هـ) نتيجة من نتائج الأزمات السياسية الكبرى - فحسب - والتي اصطلى بنارها المشرق الإسلامي منذ بدايات الدولة الأموية، ثم بعد ضعف الخلافة العباسية وتراجع نفوذها على الأقاليم التابعة لها منذ عهد الخليفة المتوكل على الله العباسي (٢٣٢ - ٢٤٧ هـ)، بعد أن تسلط على الحكم عناصرُ غيرُ عربية، فارسية ثمَّ تركية، لا هَمَّ لها إلا جمع الأموال، والعمل على تقوية نفوذها في الدولة من أجل تحقيق مكاسب شخصية، دون اكتراث بمصالح الرعية، وتحوَّل الخليفة العباسي إلى موظف في خدمة رئيس الجند وإن حمل لقب الخلافة، فهو يتقاضى راتباً يحدده له الأتراك، ويقيم في قصره محجوراً عليه وعلى تصرفاته (١). أقول لم يكن قيام الدولة الفاطمية خلافاً سياسياً فقط - كما هو الحال في الخلاف بين الدولة الأموية في الأندلس والدولة العباسية - ولكنه اتخذ مظاهر دينية باختلاف قراءات الطرفين للنصوص التي تحدثت في الخلافة وغيرها، ثم بمحاولة كل طرف نزع الشرعية عن الطرف الآخر، فالكلام عن الدولة الفاطمية ليس كلاماً عن تعددٍ في الخلفاء فقط. وسأذكر في هذا المبحث نشأة الدولة الفاطمية في كل من أفريقية ومصر بصورة مختصرة، مبيِّناً مظاهر الصراع المختلفة بين أهل السُّنة والشيعة الإسماعيلية، بناء على اختلاف نظرة الطرفين في أمور أساسية وفرعية في الدين، وإنْ كان أصل هذا الخلاف الديني - عند التحقيق - سياسياً بامتياز، ولكنه تحول شيئاً فشيئاً إلى خلاف ديني، عندما استدعى كل فريق الأدلة والنصوص وأوَّلها بما يوافق نظرته السياسية.

стр. 267

بدايات الدولة الفاطمية: تقدمت الإشارة إلى أن العلويين تعرضوا للتنكيل والمطاردة على أيدي العباسيين الذين استبدوا بالخلافة وقصروها على أسرتهم، بعد أن كان العباسيون في مرحلة الدعوة يرفعون شعار «الرضا من آل محمد»، وهو شعار يشمل العلويين والعباسيين جميعاً، وحين ظهرت النوايا الحقيقية للعباسيين في الاستبداد بالخلافة، وقام العلويون ومؤيدوهم من الشيعة بثورات ضد العباسيين، كان جزاؤهم القتل والتشريد والتنكيل. فلجأ العلويون الطامحون إلى الخلافة إلى استخدام أسلوب التنظيم الثوري السريٍّ الذي يعتمد على طائفة من الدعاة الأكفاء المخلصين لآل البيت، المؤمنين بحقهم في الخلافة، الذين انتشروا في أرجاء العالم الإسلامي بداية من منتصف القرن الثالث الهجري. وبعد وفاة الإمام جعفر الصادق بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، طرأ على الحركة الشيعية تغيير جوهري، إذ انقسم الشيعة إلى فِرَق كثيرة، أهمُّها وأكبرها فرقتان: (أ) الإمامية الإثنا عشرية: وهي الفرقة التي جعلت الإمامة في ابنه موسى الكاظم، ثمَّ في الأئمة من بنيه إلى الإمام الثاني عشر الحسن العسكري، ومعظم أتباع هذه الفرقة الآن في العراق وإيران. (ب) الإمامية الإسماعيلية: وهي الفرقة التي حصرت الإمامة في إسماعيل بن جعفر الصادق، ثمَّ في ابنه محمد بن إسماعيل، ثمَّ في الأئمة من بَنيه (١)، وينتمي إلى هذه الفرقة الخلفاء الفاطميون الذين أقاموا دولتهم في المغرب الأدنى أو إفريقية أولاً سنة ٢٩٦ هـ، ثمَّ نقلوا دولتهم إلى مصر سنة ٣٥٨ هـ، وظلوا يحكمونها إلى سنة ٥٦٧ هـ. وقد كان الشيعة الإسماعيلية أنشط من غيرهم من طوائف الشيعة، حيث أنفذوا الدعاة إلى أقطار الدولة الإسلامية على اختلافها، وركزوا على الأنحاء

стр. 268

القاصية والأطراف، مثل بلاد المغرب واليمن، ذلك الصقع الذي وصفه أبو العلاء المعري بأنه «كان معدناً للمتكسبين بالتدين والمحتالين على الحق بالتزين» (١). واتخذوا من اليمن مركزاً أساسيّاً لدعوتهم، نظراً لبعده عن مركز الخلافة ووعورة طرقه بسبب طبيعتها الجبلية، فكان اليمن - كما يقول القاضي النعمان - أصلَ الدعوة (٢)، وقد ارتبطت الدعوة الإسماعيلية في اليمن بشخصية شيعية بارزة هي شخصية الداعي شهر بن حوشب، الذي انتهت إليه رئاسة الدعوة بها (٣). وقد رأى شهر بن حوشب أن المغرب إقليم مهيَّأ لنصرة الدعوة الإسماعيلية، وذلك أن التشيع منذ نشأته اتخذ صبغة مضادة للعرب وللعصبية العربية (٤)، فكما اعتمد في المشرق على الموالي والفرس اعتمد في المغرب على الموالي من البربر، فقامت فيه بالفعل أسرة شيعية من الفرع الحسني أسست سنة ١٧٣هـ/ ٧٨٨ م ... «دولة الأدارسة» التي سيطرت - دون مشقة كبيرة - على المغرب الأقصى (٥)، كما اشتمل المغرب الأوسط في النصف الثاني للقرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي - باستثناء الأراضي التابعة لإمام تاهرت (٦) - على إمارات كثيرة تابعة للعلويين بلغ عددها تسع إمارات علوية كما يذكر الجغرافي اليعقوبي، الذي زار

стр. 269

المنطقة بين سنتي ٢٦٣ - ٢٧٦ هـ، الموافق ٨٧٦ - ٨٨٩ م (١). ولذلك أرسل إلى المغرب داعِييَن ماهرَين؛ هما أبو سفيان والحلواني، فنشرا المقالة الشيعية في منطقة قبيلة كتامة وما حولها، وعرف البربر أمر آل البيت، ودعوة هذين الداعيين للإمام المهدي الذي اقترب أوان ظهوره، فتعلقت قلوب أهل كتامة بالشيعة، وحملوا إليهم الأموال والتحف، فلم يمت هذان الداعيان إلا وقد أثمرت دعوتهما في انتظار صاحب البذر «الإمام» على حد تعبير كتَّاب الشيعة. وكان الحلواني يقول لشيعته في المغرب: «بُعثت أنا وأبو سفيان فقيل لنا: اذهبا إلى المغرب، فإنما تأتيان أرضاً بوراً فاحرثاها واكرياها وذللاها إلى أن يأتيها صاحب البذر، فيجدها مذللة فيبذر حبه فيها» (٢). وهكذا فإن الحلواني وأبا سفيان قد أَعَّدا النفوس لقبول فكرة الدخول في الحركة الشيعية، وإقامة دولة لرجل يرتضيه الناس من أهل البيت (٣). وقد دخلت الدعوة الإسماعيلية بالمغرب طوراً حاسماً حين أرسل إليها ابنُ حوشب - بعد وفاة أبي سفيان والحلواني- داعية جديداً يتم ما بدأه السابقان، ويحوِّل الفكر الشيعي من الإطار النظري إلى واقع عملي يتجسد في دولة يحكمها الشيعة بالمغرب، وذلكم الداعية هو أبو عبد الله الشيعي (٤) الذي غادر بلاد اليمن قاصداً مكة، فوصلها في موسم الحج سنة ٢٧٨ هـ، وسأل عن حجاج كتامة واجتمع بهم، وسمعهم يتحدثون عن فضائل آل البيت، فاشترك معهم في الحديث، ثمَّ سألوه عن الجهة التي سوف يرحل إليها بعد الحج، فقال إنه يريد مصر، فسرُّوا بصحبته ورحلوا جميعاً من مكة وهو يخفي عنهم أغراضه، وما لبثوا أن تعلقوا به لما شهدوه من ورَعه وزهده. وقد استطاع أبو عبد الله - بما اجتمع له من ضروب الحيل- أن يقف على جميع أحوال حجاج كتامة، فلما وصلوا مصر أخذ يودعهم، فشقَّ عليهم فراقُه

стр. 270

وسألوه عن حاجته بمصر دون غيرها من البلاد، فقال إنه يريد أن يطلب فيها العلم، فقالوا له: «فأما إذا كنت تقصد هذا، فإن بلادنا أنفع لك وأطوع لأمرك ونحن أعرف بحقك»، وما زالوا به حتى أجابهم إلى المسير بصحبتهم (١). ووصل أبو عبد الله الشيعي إلى أرض كتامة سنة ٢٨٠ هـ، وكان قد جمع المعلومات التي يريدها عن قبيلة كتامة، عن ديارهم وموقعها ومهارتهم في ركوب الخيل وحمل السلاح، وعدم وجود صلة لهم بالخليفة العباسي، وعدم خضوعهم لسلطان الأغالبة، ووجود صراعات داخلية بين قبائل البربر، ونحو ذلك من معلومات مهمة كان يحتاجها قبل دخول الدعوة الإسماعيلية مرحلة الكفاح المسلح (٢). وقد أبدى أبو عبد الله الشيعي نشاطاً كبيراً في نشر الدعوة الإسماعيلية في أوساط قبيلة كتامة، وفي المقابل فقد أكرم أهالي كتامة وفادةَ أبي عبد الله الشيعي، وأحلُّوه من أنفسهم محلَّ الإجلال والإكرام، والتفوا حوله وصاروا من شيعته، ولذلك لم يلبث أبو عبد الله أن كشف عن نواياه لرجال كتامة قائلاً: «أنا صاحب البذر الذي أخبر به أبو سفيان والحلواني» فازدادت محبتهم له، وعظم أمره فيهم، وأتته القبائل من كل مكان (٣). ولم يكد أبو عبد الله الشيعي يطمئن إلى قوة جبهته، وتغلغل المبادئ الإسماعيلية في نفوس أتباعه وشيعته، حتى بدأ جهودَه الحربية الرامية إلى إقامة دولة شيعية بالمغرب، وقد بدأ هذه الجهود حوالي سنة ٢٨٩ هـ، فخضعت له مدن كثيرة، وساعده على هذا النجاح ما كان قد أصاب الدولة الأغلبية - صاحبة الحكم في تونس حينذاك- من ضعف وانحلال. عند ذلك أرسل أبو عبد الله إلى المهدي - الإمام الإسماعيلي صاحب الدعوة، وكان يقيم في مدينة سلمية بالشام - يستدعيه للحضور إلى بلاد المغرب، فأسرع بتلبية الدعوة وخرج من الشام ومعه أموال وفيرة، ويقال إن الخليفة العباسي علم بخروجه، فأرسل إلى عماله في مصر وإفريقية يوصيهم بالقبض عليه، ولكن

стр. 271

عبيد الله استطاع - بالتستر تارة، وببذل المال تارة أخرى - أن يفر من مراقبة الولاة، وانتهت به الرحلة إلى مدينة سجلماسة في المغرب الأقصى حيث قبض عليه واليها وسجنه بها (١). وفي سنة ٢٩٦ هـ تم لأبي عبد اللهِ النصرُ النهائي على الولايات القائمة في شمال أفريقيا: دولة بني مدرار في سجلماسة، ودولة بني رستم في تاهرت، ودولة الأغالبة في إفريقية (تونس)، وأطلق سراح عبيد الله، فقاد الجيش بنفسه، وسار حتى دخل مدينة رقادة في سنة ٢٩٧ هـ، ونزل بقصر من قصورها، وفي يوم الجمعة خطب باسمه على منابر رقَّادة والقيروان - بعد أن قضى نهائيّاً على ملك الأغالبة- ولقب بأمير المؤمنين عبيد الله المهدي (٢). وهكذا توج الشيعة الإسماعيلية جهودهم الضخمة بالوصول إلى عرش الخلافة لتبدأ صفحة جديدة من تاريخ الدعوة الشيعية يسميها بعض الباحثين المحدثين مرحلة «الدعوة الدولة» (٣). وصار هناك خلافتين، خلافة عباسية ببغداد وخلافة فاطمية في رقَّادة، وتبعها بعد قليل إعلان خلافة ثالثة سنة ٣١٦ هـ وهي الخلافة الأموية في الأندلس، فأصبح حكم العالم الإسلامي موزعاً بين خلافات ثلاث - من حيث الظاهر (٤) - خلافتان سنِّيتان هما: الخلافة العباسية في بغداد والخلافة الأموية في قرطبة، وخلافة شيعية هي الخلافة الفاطمية الإسماعيلية في إفريقية. وكان الضعف قد بدأ يدب في جسد الخلافة العباسية السُّنيَّة، بعد أن تفككت إلى دول صغيرة ولا سيما منذ عصر الخليفة الراضي (٣٢٢ - ٣٢٩ هـ)، حيث انفصلت الأقاليم الشرقية عن الخلافة، في حين أخذت بقية الممتلكات العباسية

стр. 272

تستقل تدريجيّاً عن سلطان الخلافة العباسية المركزية. وقد صحب ضعف الخلافة العباسية - كما يذكر الدكتور أيمن فؤاد سيد- مدٌّ شيعي كبير شهده القرن الرابع الهجري أفقد الخلافة العباسية السُّنيَّة الكثير من سيطرتها وسطوتها، حتى نستطيع أن نطلق عليه «عصر انتصار الشيعة»، فقد نجح الزيديون في إقامة دولة حاكمة في طبرستان ٢٥٠ هـ/٨٦٤ م وفي اليمن سنة ٢٨٤ هـ/٨٩٧ م، واستولى القرامطة على جنوب العراق والبحرين والإحساء، ولم يمض نحو ثلاثين عاماً على انتصار الفاطميين إلا وقد ظهر جليّاً انهيارُ سلطة الخلافة العباسية، عندما نجح البويهيون الشيعة في فرض سيطرتهم على بغداد مركز الخلافة السُّنيَّة، فكثرت بها الفتن بين الشيعة والسُّنة، وجهر بالأذان بـ ... «حي على خير العمل» في الكرخ، كما أقيم مأتم عاشوراء لأول مرة في بغداد. وفي الواقع فقد أصبحت الخلافة العباسية - بعد دخول البويهيين إلى مسرح الأحداث- مؤسسة اسمية تمثل السلطة العليا للإسلام السُّني، وتضفي الشرعية على السلطات المطلقة التي تمتع بها العديد من الولاة، الذين كانت لهم السيادة الحقيقية، سواء في الأقاليم أو في العاصمة العباسية نفسها (١). لقد كان الفاطميون يمثلون في هذه الحقبة التاريخية القوةَ الفتية التي تطمح إلى مد نفوذها وسيطرتها على كل الأراضي الإسلامية، مستغلة ضعف الخلافة العباسية، فجعل الفاطميون في إفريقية - بعد أن وطدوا نفوذهم بها إلى حد ما - يتحينون الفرص للعودة إلى الشرق لتحقيق حلمهم الكبير في حكم العالم الإسلامي بدل منافسيهم من السُّنة (٢). وبقيت الدولة الفاطمية في المغرب منذ قيامها إلى انتقال إلى مصر نيفاً ونصف قرن (٢٩٧ - ٣٦٢ هـ) وتولى الحكم في هذه المدة أربعة من خلفائها هم: ١ - المهدي أبو محمد عبد الله (٣): من ٤ ربيع الآخر ٢٩٧ هـ/٩٠٩ م، إلى وفاته في ١٤ ربيع الأول ٣٢٢ هـ.

стр. 273

٢ - القائم بأمر الله أبو القاسم نزار (١): من ١٤ ربيع الأول ٣٢٢ هـ/٩٣٤ م، إلى وفاته في ١٣ شوال ٣٣٤ هـ. ٣ - المنصور بنصر الله أبو الطاهر إسماعيل (٢): من ١٣ شوال ٣٣٤ هـ/٩٤٥ م، إلى وفاته في ٢٩ شوال ٣٤١ هـ. ٤ - المعز لدين الله أبو تميم معد (٣): من أول ذي القعدة ٣٤١هـ/٩٥٢ م، إلى وفاته في ٣ ربيع الآخر ٣٦٥ هـ. وقد بذل هؤلاء الخلفاء الأربعة جهوداً كبيرة لتثبيت أركان دولتهم في المغرب. المقاومة السُّنية للنفوذ الفاطمي والمدِّ الشيعي في المغرب: ورغم هذه الجهود فإن المُلْك لم يصْفَ تماماً لدولة الفاطميين بالمغرب، بل إنهم وجدوا صعوبات كبيرة في إحكام سيطرتهم على المجتمع الإفريقي السُّني، الذي لم يقبل وجود خلافة شيعية تنافس الخلافة السُّنية في بغداد، والتي كان ينظر إليها على أنها الخلافة الشرعية في العالم الإسلامي. ولذلك فقد واجه الخليفة الفاطمي المهدي مقاطعة سلبية وإنكاراً صامتاً من قِبَل أهالي إفريقية وعلمائها المالكية، ومن المعلوم أن المذهب المالكي كان أرسخ قدماً وأعمق جذوراً في المجتمع المغربي بعامة عن غيره من المذاهب السُّنية الأخرى، ولقد ناصب علماءُ المالكية - وهذا أمر طبيعي- دعاةَ المذهب الإسماعيلي العداء، وتبعهم في ذلك عامة الناس، بل إن إفريقية كلها وقفت موقف معارضة سلبية وعدم تعاون شديد الخطورة على كيان الدولة الفاطمية الناشئة (٤). لقد أبدى علماء السنة المالكية - ومن ورائهم العامة - ثباتاً وصلابة في مواجهة أفكار الشيعة ومبادئهم، حتى إن بعضهم قد تعرض للقتل والاغتيال، مثل:

стр. 274

إبراهيم بن محمد الضبي، وأبي بكر بن هذيل (١). وقد ألقى القاضي النعمان - فيلسوف الخلافة الفاطمية ومؤرخها الأول- في كتابه «المجالس والمسايرات» ضوءاً كاشفاً على قضية كراهية السُّنة للخلافة الفاطمية، ويمكن تلمس ذلك في غير موضع بالكتاب، فمن ذلك أن القاضي النعمان عندما عُيِّن قاضياً بمدن المنصورية والمهدية والقيروان وسائر مدن إفريقية زمن الخليفة المنصور لم يعجب ذلك مخالفيه في المذهب من أهل السُّنة، الذين تكلموا في حقه، وتحدثوا عن أنه يثير الدولة عليهم ويحركها، فضاق صدر النعمان بذلك وصبر طويلاً، ثمَّ اشتكى للخليفة المعز الذي أوصاه بالصبر والإعراض عن المغرضين أسوة بجعفر الصادق (٢). وكذلك فقد أورد القاضي النعمان في كتابه «المجالس والمسايرات» تصريحاً مهمّاً للخليفة المهدي يكشف فيه عن شدة كراهيته لأهل إفريقية السُّنة، إذ يقول: ... «وقد ابتلانا الله برعي الحمير الجهال، فإنا لم نزل نتلطف في هدايتهم ومسايرة أحوالهم إلى أن ختم الله لنا بالحسنى، والخروج من بين أظهرهم على أحسن ... حال» (٣). وفي موضع آخر نجد اعترافاً من الخليفة المهدي بكراهية أهل إفريقية لحكم الفاطميين (٤). وقد أسهمت الخلافة العباسية في تعميق موقف المجتمع الإفريقي الرافض للخلافة الفاطمية الشيعيَّة، وليس أدل على ذلك من تلك الوثيقة التاريخية المهمة التي أوردها القاضي النعمان في كتابه «رسالة افتتاح الدعوة»، وهي عبارة عن رسالة من الخليفة العباسي (المكتفي) إلى أهل السنة بإفريقية يأمرهم فيها بالثبات والوحدة ومناجزة المارقين المبدِّلين للدين المحرِّفين للكِلَم عن مواضعه (٥).

стр. 275

وفي ضوء ما تقدم يمكن القول: إن الخليفة المهدي الفاطمي أحسَّ أن الناس في إفريقية ليس لديهم استعداد لقبول فكرة خلافة تقوم على مبادئ الشيعة الإسماعيلية كما صاغها دعاتهم ومفكروهم أثناء فترة الاستتار، ودخلت فيها آراء غريبة كل الغرابة عن صفاء مذهب أهل السُّنة، وقد أحسَّ المهدي أنه ليس بين رعية، وإنما تجاه خصوم، وأنه لن يستطيع السيطرة على أولئك الناس قط (١). وفضلاً عن ذلك فإن السياسة المالية لعبيد الله المهدي كانت سياسة جشع بغير حدود، فهو يجمع المال من الجبايات، ورجاله يتاجرون له ولأفراد بيته، وكلهم يجمعون الأموال بالحق والباطل. ونتيجة لذلك حرص المهدي على البعد عن «رَقَّادة» و «القيروان»، لأنهما مركز المقاومة السُّنية، وأسس مدينة جديدة سنة ٣٠٣ هـ هي مدينة المهدية. التوجه الشرقي للخلافة الفاطمية والتفكير في فتح مصر: لقد كان ضعف موارد بلاد المغرب وضآلة إمكاناتها المادية، وكونها مسرحاً للفتن والاضطرابات التي تنشب من حين لآخر، بين القبائل أو القوى السياسية المتصارعة - إضافة لمقاومة أهل السُّنة لهم - كان سبباً آخر ليفكر الفاطميون بالانتقال إلى مصر. والواقع أن أحلام الفاطميين وطموحاتهم السياسية كانت أكبر من إقامة خلافة شيعية في بلاد المغرب البعيدة عن قلب الأحداث ومركزِها في المشرق، بل كانوا يخططون لبسط نفوذهم على العالم الإسلامي كله، من أجل إقامة خلافة علوية عالمية ينضوي تحت لوائها جميع الشعوب الإسلامية، والقضاء على الخلافة العباسية السُّنية في بغداد (٢)، فامتلاك مصر يعني السيطرة على الشام والحجاز، وبحكم الحجاز يكتسب الفاطميون مركزاً دينياً ممتازاً، لأن هذه البلاد موطن المقدسات الدينية، وحاكمها يعتبر الحاكم الفعلي للدولة الإسلامية، لما لها من

стр. 276

صبغة دينية تضفي على القائمين عليها صفة الرسمية والوقار» (١). الفاطميون في طريقهم إلى فتح مصر: لقد حاول الفاطميون ومنذ السنوات الأولى من قيام الخلافة الفاطمية بالمغرب أن يفتحوا مصر، وقد تجلى ذلك في ثلاث محاولات فاشلة قبل محاولتهم الناجحة سنة ٣٥٨ هـ، وهذه الحملات هي: الحملة الأولى «سنة ٣٠١ هـ»: وكانت بقيادة أبي القاسم الفاطمي ابن الخليفة عبيد الله المهدي الذي وجهها إلى مصر بمعاونة حباسة بن يوسف عامل الفاطميين على برقة، وقد نجحت في احتلال الإسكندرية والفيوم، لكن الخليفة العباسي المقتدر بالله سيَّر لمواجهتها جيشاً كثيفاً بقيادة مؤنس الخادم، فتمكن من هزيمة الفاطميين وطردهم من مصر (٢). الحملة الثانية «سنة ٣٠٧ هـ»: وكانت بقيادة أبي القاسم ابن الخليفة المهدي، فاستولى على الإسكندرية سنة ٣٠٧هـ/٩١٩ م دون عناء، ثمَّ سار إلى الجيزة، وتوغل في بلاد الوجه القبلي حتى تمكن من الاستيلاء على الأشمونين (٣) والفيوم، فأرسل الخليفة المقتدر العباسي قائده مؤنس الخادم للمرة الثانية على رأس جيش إلى مصر، فانتصر على الفاطميين واستولى على سفنهم وأحرقها (٤). الحملة الثالثة «سنة ٣٢١ - ٣٢٤ هـ»: بعد اضطراب أحوال الخلافة العباسية بوفاة الخليفة المقتدر، أرسل المهدي حملة ثالثة إلى مصر بقيادة حبشي بن أحمد المغربي سنة ٣٢١ هـ، ولكن محمد بن طغج الإخشيد أوقع الهزيمة بها سنة ٣٢٢ هـ، ولما توفِّي الخليفة عبيد الله

стр. 277

المهدي استلم بعده ابنه أبو القاسم الخلافة وتلقب بالقائم، واستأنف سياسة أبيه في غزو مصر سنة ٣٢٤ هـ، إلا أن الإخشيد تمكن مرة ثانية من إلحاق الهزيمة بهم (١). الخليفة المعز لدين الله وتحقيق هدف الفاطميين في فتح مصر: بعد وفاة كافور سنة ٣٥٧ هـ -والذي كان قد خَلَفَ محمد بن طغج الإخشيد- زالت آخر عقبة أمام الفاطميين نحو تحقيق حلمهم في فتح مصر، إذ لم تكن هناك شخصية قوية تخلف كافوراً في تولي شؤون الحكم، التي آل أمرها إلى الوزير جعفر بن الفرات، فعجز عن التوفيق بين رغبات الطائفتين الإخشيدية والكافورية، في الوقت الذي استمرت فيه الأزمات الاقتصادية نتيجة فساد الإدارة السياسية (٢). مما دعا المصريين إلى مكاتبة المعز لدين الله بإفريقية يطلبون منه إرسال جيش للاستيلاء على مصر، لعلهم يجدون في الخلافة الفاطمية قوة فتية قادرة على إقالة البلاد من عثرتها، وتدارك ما اعتراها من تدهور وفساد (٣)، ولإدراكهم مدى ضعف الخلافة العباسية التي استبد بالأمر فيها البويهيون الشيعة. وكان الخليفة المعز قد بيَّت النيَّة للانتقال إلى الشرق قبل فتح مصر بوقت طويل، يدل على هذا الدنانير الفاطمية الثلاثة التي تحمل مكان الضرب «مصر» والتي كانت مؤرخة في السنوات ٣٤١ هـ، ٣٤٣ هـ، ٣٥٣ هـ، أي قبل دخول الفاطميين مصر وتأسيس القاهرة، وذلك بغرض ترويجها (٤). يقول المقريزي مشيراً إلى الاضطراب السياسي والاختلال الاقتصادي الذي عانت منه مصر في أعقاب وفاة كافور: «ثمَّ مات كافور فكثر الاضطراب وتعددت الفتن، وكانت حروب كثيرة بين الجند والأمراء قُتل فيها خلق كثير، وانتهبت أسواق البلد، فاشتد خوف الناس، وضاعت أموالهم، وتغيرت نياتهم، وارتفع السعر وتعذر وجود الأقوات، واختلف العسكر، فكاتب الكثير منهم المعز

стр. 278

لدين الله الفاطمي، وعظم الإرجاف بمسير القرامطة إلى مصر، وتواترت الأخبار بمجيء عساكر المعز من المغرب، إلى أن دخلت سنة ٣٥٨ هـ ودخل القائد جوهر بعساكر الإمام المعز لدين الله " (١). وبدأ المعز يعد العدة للغزو، فجمع كل ما استطاع جمعه من مال حتى قيل إنه صرف على إعداد الجيش أربعة وعشرين مليوناً من الدنانير عدا ما حمله ألف جمل من صناديق الذهب للصرف منها على الحملة، وحشد في الجيش كل من استطاع حشده من جنده، حتى قيل إنه كان يزيد على مائة ألف جندي، وحتى وصفه أحد المصريين عند رؤيته بأنه «مثل جمع عرفات كثرة وعدة» واختار المعز لقيادة هذا الجيش قائده القدير «جوهر الصقلي» الذي مهَّد له ملك شمال أفريقيا كله، فقد كان يتفاءل به ويؤمن بمقدرته الحربية حتى قال مرة لزعماء المغرب: «والله لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر». وخرج جوهر بجيشه في ١٤ ربيع الثاني سنة ٣٥٨ هـ، وسار في نفس الطريق الذي سلكه فيما بعد رومل في الحرب العالمية الثانية، ولأنه كان يعلم مبلغ ما سيعانيه الجيش من صعاب وعقبات عند عبوره هذه الصحراء الممتدة الجدباء، فقد عَبَّد الطرق وحفر الآبار، وبنى المنازل للاستراحة على طول الطريق من تونس إلى مصر، فوصل الإسكندرية ودخلها دون قتال، ودخل الفسطاط صلحاً (٢). وهكذا نجحت هذه الحملة في القضاء على الحكم العباسي بمصر وتحويل هذا الإقليم المهم إلى ولاية فاطمية تدين بالولاء للخليفة الشيعي المقيم في المغرب، وستظل مصر كذلك مدة أربعة أعوام، أصبحت بعدها مقرّاً ومركزاً للحكم الفاطمي حيث انتقل إليها الخليفة الفاطمي المعز لدين الله بشكل نهائي سنة ٣٦٢ هـ. أسباب نجاح الفاطميين في فتح مصر: لا شك أن نجاح الحملة الفاطمية الرابعة في الاستيلاء على مصر له أسبابه الموضوعية التي يمكن إجمالها بشكل موجز فيما يلي:

стр. 279

١ - استقرار الحكم الفاطمي في بلاد المغرب، بعد المغامرة العسكرية الكبيرة التي قام بها الخليفة المعز لدين الله، ليضمن ولاء الشمال الأفريقي كله قبل التوجه لغزو مصر، وقد عهد المعز بمهمة توطيد أركان الحكم الفاطمي في المغرب الأقصى لقائده الفذ جوهر الصقلي، ففي سنة ٣٤٧ هـ قاد جوهر حملة عسكرية ناجحة ضد قبائل البربر المناهضين للخلافة الفاطمية، ولا سيما في إقليمي سلجماسة وتاهرت، فتمكن من إخضاع مراكز المقاومة البربرية للحكم الفاطمي حتى إنه أسر ابن واسول أمير سجلماسة الذي كان يدين بالولاء للخلافة العباسية ويخطب لخلفائها (١). وفي سنة ٣٥٧ هـ قام جوهر بحملة مماثلة بغرض فرض النظام في المغرب الأقصى (٢). ٢ - أحسن الخليفة المعز لدين الله تنظيم جيوشه وإعدادها، وهي جيوش جرارة تجاوزت المائة ألف، وفتح خزائنه لقائده جوهر، وأمره أن يأخذ منها ما يكفيه (٣). ٣ - فساد الأحوال السياسية واضطراب الأوضاع الاقتصادية في مصر قبيل الغزو الفاطمي، الأمر الذي جعل الشعب المصري يستسلم بسهولة ودون مقاومة تذكر عندما جاءه الجيش الفاطمي (٤). ٤ - ضعف الدولة العباسية وتمزقها داخليّاً، واستبداد بني بويه الشيعة بالحكم فيها، بحيث لم يعد للخليفة العباسي الشرعي معهم سوى السلطة الدينية وذكر اسمه في الخطبة ونقشه على السكة (٥). ولذلك فقد كانت الخلافة العباسية مشغولة بأوضاعها السيئة عن دفع الخطر الفاطمي الشيعي عن مصر، الأمر الذي سهَّل مهمة الفاطميين وأعطاهم المبرر

стр. 280

لفتح مصر (١). ٥ - التمهيد الفكري والديني الذي قام به الفاطميون قبل فتح مصر، وتجنيد الدعاة لنشر المذهب الشيعي في ربوع مصر قبل إرسال الحملة العسكرية إليها. السياسة المذهبية للفاطميين ومحاولة تحويل مصر إلى المذهب الإسماعيلي: الواقع أن استيلاء الفاطميين على مصر لم يكن مجرد حدث من أحداث السياسة، انتهى بسقوط دولة وقيام دولة أخرى على أنقاضها، بل كان أشبه بانقلاب ديني ثقافي اجتماعي واسع، صحبه تحول سياسي كبير، حيث أصبحت مصر تابعة للخلافة الفاطمية الشيعية، وانقطعت صلتها الرسمية بالخلافة العباسية السُّنية، وقد حرص الفاطميون منذ اللحظة الأولى لدخولهم مصر على أن يكون لهم بها نفوذ ديني راسخ، فجعلوا المذهب الإسماعيلي مذهباً رسميّاً لها، وحاولوا نشر هذا المذهب بكل سبيل ممكنة بين المصريين السُّنة، بل إن الفاطميين جعلوا من مصر قاعدة أساسية ومركز انطلاق وتوجيه للنشاط الإسماعيلي خارج مصر، بعد أن كانت مصر مركزاً سنيّاً يقاوم الإسماعيلية في بلاد المغرب (٢). وبدا واضحاً أن الأمان الذي بذله الفاطميون لأهالي مصر، وتضمن إطلاق الحرية الدينية للمصريين وعدم إكراههم على ترك المذهب السُّني واعتناق المذهب الشيعي، كان مجرد إجراءٍ سياسي أو خدعة سياسية، لعدم إثارة الشعور الديني للمصريين وضمان خضوعهم للحكم الجديد، لأن الفاطميين لم يحترموا عهدهم، وركزوا اهتمامهم على تحويل المصريين إلى المذهب الشيعي، وكانت السنوات الأربع التي حكم فيها جوهر من أهم فترات التاريخ الفاطمي في مصر «٣٥٨ - ٣٦٢ هـ» حيث تمت فيها التغييرات المذهبية والإدارية اللازمة التي عبرت عن مظاهر انتقال السيادة إلى الفاطميين (٣). وفيما يلي إطلالة سريعة على أبرز الوسائل التي اصطنعها الفاطميون لتحويل مصر إلى المذهب الشيعي الإسماعيلي، وبيان موجز لمظاهر القمع والتضييق

стр. 281

والتعصب الذي تعَّرض له المصريون على أيدي الفاطميين: ١ - أسند الفاطميون المناصب العليا والوظائف المهمة في الدولة - وخاصة القضاء - إلى الشيعة دون أهل السُّنة، الأمر الذي دفع فريقاً من أهل السُّنة إلى التظاهر باعتناق المذهب الشيعي من أجل الاحتفاظ بمناصبهم، أو الوصول إلى مناصب أعلى، وكذلك اعتنق بعض الذميين الإسلام ودانوا بالمذهب الشيعي، من أجل الغرض نفسه (١)، فعندما دخل جوهر مصر أقرَّ القاضي السُّني، ولكنه ألزمه بإصدار أحكامه وفق عقائد المذهب الشيعي ثمَّ أشرك معه قاضياً مغربياً هو عبد العزيز بن النعمان، اختص بنظر القضايا التي تخص المغاربة، وشيئاً فشيئاً عزل القاضي السُّني وآل القضاء بأكمله إلى قضاة شيعيين (٢). ٢ - اتخذ الفاطميون المساجد الكبرى في مصر مراكز للدعاية الفاطمية، وأهمها: مسجد عمرو بن العاص، ومسجد أحمد بن طولون، والجامع الأزهر، واهتموا بتعيين أحد كبار المتفقهين في مذهب الشيعة للقيام بنشر دعوتهم، وكان يعرف بداعي الدعاة، وكانت منزلته تلي قاضي القضاة ويتزيا بزيه، ويعاونه اثنا عشر نقيباً، وله نواب في سائر البلاد، واشترطوا فيه أن يكون عالماً بجميع مذاهب أهل البيت، وكثيراً ما تقلد رجل واحد منصبيَ قاضي القضاة والدعوة (٣). وبالإضافة إلى الجامع الأزهر، فقد شيَّد الفاطميون سلسلة من الجوامع الأخرى التي كانت بمثابة مراكز لتلقين الدعوة الشيعية (٤). ٣ - أمعن الفاطميون في إظهار شعائرهم الدينية المخالفة لشعائر أهل السنة، ولعل أول تغيير آثار سخط المصريين يتعلق بصوم رمضان، حيث يقضي المذهب الإسماعيلي بأن صوم رمضان وفطره يتم بالرؤية والحساب جميعاً، فإذا أشكل

стр. 282

الأمر في أحدهما التمس في الآخر، فقد أفطر القائد جوهر وأصحابه في سنة ٣٥٨ هـ/ ٩٦٩ م بغير رؤية وصلوا صلاة عيد الفطر بمصلى القاهرة، ولم يعجب ذلك أهل مصر وصلوا غداة هذا اليوم بالفسطاط، لأن القاضي أبا الطاهر الذهلي التمس رؤية الهلال - كما جرت العادة - على سطح جامع عمرو فلم يره، فلما بلغ ذلك القائد جوهر أنكره وتهدد من أعاد فعله، فانقطع طلب الهلال بمصر طوال حكم الفاطميين (١). ومن الشعائر الإسماعيلية التي أظهرها الفاطميون - خلافاً لأهل السُّنة - الزيادة في الأذان بـ «حيَّ على خير العمل»، وزيادة القنوت في الركعة الثانية من صلاة الجمعة، والمنع من قراءة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ .. ﴾ وإزالة التكبير بعد صلاة الجمعة، والأمر بأن يقال في الخطبة: «اللهم صلِّ على محمد النبي المصطفى وعلى عليّ المرتضى وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول، الذين أذهبتَ عنهم الرجس وطهرتهم تطهيراً، اللهم صلِّ على الأئمة الراشدين آباء أمير المؤمنين الهادي المهديين» (٢). ٤ - عُني الفاطميون - في سياق إبرازهم لشعائر المذهب الشيعي - بإحياء ذكرى المناسبات الشيعية والاحتفال بها، مثل الاحتفال بيوم عاشوراء - العاشر من شهر المحرم - وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين بكربلاء، وعيد الغدير المعروف بغدير خُمّ، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وسبب الاحتفال به ما يرويه الشيعة من أن رسول الله ﷺ بعد عودته من حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة، نزل بغدير خُمّ في طريقه إلى المدينة، وأخذ بيد علي بن أبي طالب ﵁ وقال: ... «ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟» قالوا: بلى، فقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه» (٣) ويعلق الشيعة أهمية

стр. 283

كبرى على هذا الحديث، إذ يعتبرونه بمثابة مبايعة علنية من الرسول لعلي بن أبي طالب ﵁. واحتفل الفاطميون كذلك بما عرف بالموالد الستة، وهي: مولد الحسين، ومولد السيدة فاطمة، ومولد الإمام علي، ومولد الحسن، ومولد الإمام الحاضر، والمولد النبوي (١). ٥ - تجاوز عمل الفاطميين في نشر مذهبهم الإسماعيلي طور الدعوة وإظهار الشعائر إلى طور التشكيك في المذهب السُّني والهجوم المباشر على أتباعه، حتى يتحولوا عنه إلى المذهب الإسماعيلي، فهاجموا الشافعي ومالكاً وأبا حنيفة، وهاجموا الخلافة الأموية والخلافة العباسية اللتين عدَّهما أهل السُّنة خلافتين صحيحتين من الناحية الشرعية، وإن لم تكتمل فيهما شروط الإمامة الدينية الكاملة. وكان دعاة المذهب الإسماعيلي منتشرين بين الناس يثيرون بعض الأمور الغامضة في الشرع والطبيعيات، ويجد بعض الناس أنفسهم في حيرة أمام تلك الأمور، فيقول لهم الدعاة: إن الدين مكتوم والأكثر له منكرون وبه جاهلون، وأن معرفة الحقيقة واليقين عند الأئمة الذين خصهم الله بالعلم ومعرفة الأسرار ولو سلَّمت الأمةُ قيادها لهم لَنَجَت من الاختلاف والافتراق، فقد تضمن هذا الكلام تشكيكاً كبيراً في المذهب السُّني، وأنه ليس شافياً وعلى الناس أن يبحثوا عن العلم والحقائق عند أصحاب المذهب الإسماعيلي كما يزعمون (٢). ٦ - وحين وجد الفاطميون أن أغلب أهل السُّنة يصرُّون على مذهبهم ويرفضون التحول إلى المذهب الإسماعيلي، لجؤوا إلى سياسة الضغط والإكراه، وخاصة في الأوقات التي كانوا يشعرون فيها بقوتهم السياسية، فمن ذلك: أن

стр. 284

الخليفة المعز أمر أن يكتب في سائر مدينة مصر «خير الناس بعد رسول الله ﷺ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁»، ومنع الفاطميون أهل مصر من التكني بأبي بكر، فغيَّر من كان يتكنى بهذه الكنية كنيته، وفي سنة ٣٧٢ هـ أمر الخليفة العزيز بالله قطع صلاة التراويح التي كان يؤديها أهل السُّنة في المساجد من جميع البلاد المصرية، وفي سنة ٣٨١ هـ ضُرب رجل بمصر وطيف به في المدينة، حيث عثر لديه على نسخة من كتاب الموطأ للإمام مالك (١)، وأمر الحاكم بأمر الله (٣٨٦ - ٤١١هـ) في سنة ٣٩٥ هـ بنقش سبِّ الصحابة على جدران المساجد وفي الأسواق والشوارع والدروب، وصدرت الأوامر إلى العمال في البلاد المصرية بمراعاة ذلك (٢)، وقتل الحاكم رجلاً يعرف بابن الدقاق ورجلاً يعرف برجاء بن الحسين، لأنهما صليا القيام بالناس في المسجد!! (٣). وتجدر الإشارة إلى أن التعصب الفاطمي ظل قائماً في أيام الخليفة الظاهر بن الحاكم، فقد أخرج كثيراً من فقهاء السنة من مصر، وأورد ذلك المقريزي في أحداث سنة «٤١٦ هـ» فقال: «فيها أمر الظاهر بنفي من وجد من الفقهاء المالكية وغيرهم، وأمر الدعاة الإسماعيليين أن يُحفِّظوا الناس كتاب دعائم الإسلام وكتاب الوزير يعقوب بن كلس في الفقه على مذهب آل البيت وفَرَضَ الظاهرُ لمن يحفظ ذلك مالاً» (٤). استجابة بعض المصريين للمذهب الإسماعيلي: إذا كان أكثر المصريين قد ثبتوا على مذهب أهل السُّنة وقاوموا الدعوة الإسماعيلية، فإنَّ قسماً منهم قد استجابوا لهذه الدعوة وتحولوا إلى المذهب الشيعي الإسماعيلي، ذلك أن الإسماعيليين كانوا يقولون بأنهم من آل بيت رسول الله ﷺ ، ويؤيدون مذهبهم بآيات قرآنية وأحاديث نبوية يؤولونها تأويلاً خاصاً، وإلى جانب قدرتهم في الدعاية وطريقة التأثير في الناس، وامتلاكهم القوة والمال والوظائف،

стр. 285

واستخدامهم الترغيب والترهيب لكسب المؤيدين والأنصار، ولم يكن المستجيبون للمذهب الإسماعيلي من نوع واحد، فمنهم من استجاب من أجل مصلحة شخصية، ومنهم من استجاب ليتحرر من الضغوط التي مارسها الإسماعيلية على المصريين في بعض الأحوال، ومنهم من استجاب بتأثير أساليب الدعوة الأخرى. على أن من دخل في الدعوة الإسماعيلية من المصريين لم يكن متعمقاً فيها، بل توقف عند الأخذ بفقه الإسماعيلية والإيمان والاعتراف بإمامة الخليفة الفاطمي، وعندما اضطرب أمر المذهب الإسماعيلي، ولا سيما بعد ظهور دعوى الألوهية أيام الحاكم ترك هؤلاء ذلك المذهب (١). المقاومة السُّنية للمدِّ الشيعي في مصر: من المعلوم أن مصر كانت قبل الفتح الفاطمي لها تدين بالمذهب السُّني الذي كان المذهب الرسمي للأقاليم التابعة للخلافة العباسية، ومنها مصر، وليس من المبالغة القول: إن مصر كانت من أهم المنابر السُّنية في العالم الإسلامي قبل العصر الفاطمي، ورغم تحول مصر إلى مركز للدعوة الشيعية الإسماعيلية بعد استيلاء الفاطميين عليها، ونشاطهم المكثف في الدعوة إلى مذهبهم وسعيهم الدؤوب إلى القضاء على المذهب السُّني، سواء بالتشكيك فيه والنيل منه، أو بالتضييق على أتباعه فقد ظل أكثر المصريين ثابتين على مذهبهم السُّني أوفياء له، وفي ذلك يقول عبد القاهر البغدادي (ت ٤٢٩ هـ): «وأهل مصر ثابتون على السُّنة إلى يومنا هذا، وإن أطاعوا صاحب القاهرة في أداء خراجهم إليه» (٢). ويقول الأستاذ محمد عبد الله عنان مؤكداً هذه الحقيقة: «إن الأمَّة المصرية لبثت من الناحية المذهبية طوال عهد الدولة الفاطمية محتفظة بمذهبها السُّني، لا تبغي عنه بديلاً» (٣). وفيما يلي ألقي بعض الضوء على أبرز مظاهر المقاومة السُّنية للمدِّ الشيعي
следующие страницы →