← Общие книги

Общие книги · id 96234

تعدد الخلفاء ووحدة الأمة فقها وتاريخا ومستقبلا

محمد خلدون مالكي

Полный текст (430 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والتعصب الذي تعَّرض له المصريون على أيدي الفاطميين: ١ - أسند الفاطميون المناصب العليا والوظائف المهمة في الدولة - وخاصة القضاء - إلى الشيعة دون أهل السُّنة، الأمر الذي دفع فريقاً من أهل السُّنة إلى التظاهر باعتناق المذهب الشيعي من أجل الاحتفاظ بمناصبهم، أو الوصول إلى مناصب أعلى، وكذلك اعتنق بعض الذميين الإسلام ودانوا بالمذهب الشيعي، من أجل الغرض نفسه (١)، فعندما دخل جوهر مصر أقرَّ القاضي السُّني، ولكنه ألزمه بإصدار أحكامه وفق عقائد المذهب الشيعي ثمَّ أشرك معه قاضياً مغربياً هو عبد العزيز بن النعمان، اختص بنظر القضايا التي تخص المغاربة، وشيئاً فشيئاً عزل القاضي السُّني وآل القضاء بأكمله إلى قضاة شيعيين (٢). ٢ - اتخذ الفاطميون المساجد الكبرى في مصر مراكز للدعاية الفاطمية، وأهمها: مسجد عمرو بن العاص، ومسجد أحمد بن طولون، والجامع الأزهر، واهتموا بتعيين أحد كبار المتفقهين في مذهب الشيعة للقيام بنشر دعوتهم، وكان يعرف بداعي الدعاة، وكانت منزلته تلي قاضي القضاة ويتزيا بزيه، ويعاونه اثنا عشر نقيباً، وله نواب في سائر البلاد، واشترطوا فيه أن يكون عالماً بجميع مذاهب أهل البيت، وكثيراً ما تقلد رجل واحد منصبيَ قاضي القضاة والدعوة (٣). وبالإضافة إلى الجامع الأزهر، فقد شيَّد الفاطميون سلسلة من الجوامع الأخرى التي كانت بمثابة مراكز لتلقين الدعوة الشيعية (٤). ٣ - أمعن الفاطميون في إظهار شعائرهم الدينية المخالفة لشعائر أهل السنة، ولعل أول تغيير آثار سخط المصريين يتعلق بصوم رمضان، حيث يقضي المذهب الإسماعيلي بأن صوم رمضان وفطره يتم بالرؤية والحساب جميعاً، فإذا أشكل

стр. 282

الأمر في أحدهما التمس في الآخر، فقد أفطر القائد جوهر وأصحابه في سنة ٣٥٨ هـ/ ٩٦٩ م بغير رؤية وصلوا صلاة عيد الفطر بمصلى القاهرة، ولم يعجب ذلك أهل مصر وصلوا غداة هذا اليوم بالفسطاط، لأن القاضي أبا الطاهر الذهلي التمس رؤية الهلال - كما جرت العادة - على سطح جامع عمرو فلم يره، فلما بلغ ذلك القائد جوهر أنكره وتهدد من أعاد فعله، فانقطع طلب الهلال بمصر طوال حكم الفاطميين (١). ومن الشعائر الإسماعيلية التي أظهرها الفاطميون - خلافاً لأهل السُّنة - الزيادة في الأذان بـ «حيَّ على خير العمل»، وزيادة القنوت في الركعة الثانية من صلاة الجمعة، والمنع من قراءة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ .. ﴾ وإزالة التكبير بعد صلاة الجمعة، والأمر بأن يقال في الخطبة: «اللهم صلِّ على محمد النبي المصطفى وعلى عليّ المرتضى وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول، الذين أذهبتَ عنهم الرجس وطهرتهم تطهيراً، اللهم صلِّ على الأئمة الراشدين آباء أمير المؤمنين الهادي المهديين» (٢). ٤ - عُني الفاطميون - في سياق إبرازهم لشعائر المذهب الشيعي - بإحياء ذكرى المناسبات الشيعية والاحتفال بها، مثل الاحتفال بيوم عاشوراء - العاشر من شهر المحرم - وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين بكربلاء، وعيد الغدير المعروف بغدير خُمّ، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وسبب الاحتفال به ما يرويه الشيعة من أن رسول الله ﷺ بعد عودته من حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة، نزل بغدير خُمّ في طريقه إلى المدينة، وأخذ بيد علي بن أبي طالب ﵁ وقال: ... «ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟» قالوا: بلى، فقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه» (٣) ويعلق الشيعة أهمية

стр. 283

كبرى على هذا الحديث، إذ يعتبرونه بمثابة مبايعة علنية من الرسول لعلي بن أبي طالب ﵁. واحتفل الفاطميون كذلك بما عرف بالموالد الستة، وهي: مولد الحسين، ومولد السيدة فاطمة، ومولد الإمام علي، ومولد الحسن، ومولد الإمام الحاضر، والمولد النبوي (١). ٥ - تجاوز عمل الفاطميين في نشر مذهبهم الإسماعيلي طور الدعوة وإظهار الشعائر إلى طور التشكيك في المذهب السُّني والهجوم المباشر على أتباعه، حتى يتحولوا عنه إلى المذهب الإسماعيلي، فهاجموا الشافعي ومالكاً وأبا حنيفة، وهاجموا الخلافة الأموية والخلافة العباسية اللتين عدَّهما أهل السُّنة خلافتين صحيحتين من الناحية الشرعية، وإن لم تكتمل فيهما شروط الإمامة الدينية الكاملة. وكان دعاة المذهب الإسماعيلي منتشرين بين الناس يثيرون بعض الأمور الغامضة في الشرع والطبيعيات، ويجد بعض الناس أنفسهم في حيرة أمام تلك الأمور، فيقول لهم الدعاة: إن الدين مكتوم والأكثر له منكرون وبه جاهلون، وأن معرفة الحقيقة واليقين عند الأئمة الذين خصهم الله بالعلم ومعرفة الأسرار ولو سلَّمت الأمةُ قيادها لهم لَنَجَت من الاختلاف والافتراق، فقد تضمن هذا الكلام تشكيكاً كبيراً في المذهب السُّني، وأنه ليس شافياً وعلى الناس أن يبحثوا عن العلم والحقائق عند أصحاب المذهب الإسماعيلي كما يزعمون (٢). ٦ - وحين وجد الفاطميون أن أغلب أهل السُّنة يصرُّون على مذهبهم ويرفضون التحول إلى المذهب الإسماعيلي، لجؤوا إلى سياسة الضغط والإكراه، وخاصة في الأوقات التي كانوا يشعرون فيها بقوتهم السياسية، فمن ذلك: أن

стр. 284

الخليفة المعز أمر أن يكتب في سائر مدينة مصر «خير الناس بعد رسول الله ﷺ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁»، ومنع الفاطميون أهل مصر من التكني بأبي بكر، فغيَّر من كان يتكنى بهذه الكنية كنيته، وفي سنة ٣٧٢ هـ أمر الخليفة العزيز بالله قطع صلاة التراويح التي كان يؤديها أهل السُّنة في المساجد من جميع البلاد المصرية، وفي سنة ٣٨١ هـ ضُرب رجل بمصر وطيف به في المدينة، حيث عثر لديه على نسخة من كتاب الموطأ للإمام مالك (١)، وأمر الحاكم بأمر الله (٣٨٦ - ٤١١هـ) في سنة ٣٩٥ هـ بنقش سبِّ الصحابة على جدران المساجد وفي الأسواق والشوارع والدروب، وصدرت الأوامر إلى العمال في البلاد المصرية بمراعاة ذلك (٢)، وقتل الحاكم رجلاً يعرف بابن الدقاق ورجلاً يعرف برجاء بن الحسين، لأنهما صليا القيام بالناس في المسجد!! (٣). وتجدر الإشارة إلى أن التعصب الفاطمي ظل قائماً في أيام الخليفة الظاهر بن الحاكم، فقد أخرج كثيراً من فقهاء السنة من مصر، وأورد ذلك المقريزي في أحداث سنة «٤١٦ هـ» فقال: «فيها أمر الظاهر بنفي من وجد من الفقهاء المالكية وغيرهم، وأمر الدعاة الإسماعيليين أن يُحفِّظوا الناس كتاب دعائم الإسلام وكتاب الوزير يعقوب بن كلس في الفقه على مذهب آل البيت وفَرَضَ الظاهرُ لمن يحفظ ذلك مالاً» (٤). استجابة بعض المصريين للمذهب الإسماعيلي: إذا كان أكثر المصريين قد ثبتوا على مذهب أهل السُّنة وقاوموا الدعوة الإسماعيلية، فإنَّ قسماً منهم قد استجابوا لهذه الدعوة وتحولوا إلى المذهب الشيعي الإسماعيلي، ذلك أن الإسماعيليين كانوا يقولون بأنهم من آل بيت رسول الله ﷺ ، ويؤيدون مذهبهم بآيات قرآنية وأحاديث نبوية يؤولونها تأويلاً خاصاً، وإلى جانب قدرتهم في الدعاية وطريقة التأثير في الناس، وامتلاكهم القوة والمال والوظائف،

стр. 285

واستخدامهم الترغيب والترهيب لكسب المؤيدين والأنصار، ولم يكن المستجيبون للمذهب الإسماعيلي من نوع واحد، فمنهم من استجاب من أجل مصلحة شخصية، ومنهم من استجاب ليتحرر من الضغوط التي مارسها الإسماعيلية على المصريين في بعض الأحوال، ومنهم من استجاب بتأثير أساليب الدعوة الأخرى. على أن من دخل في الدعوة الإسماعيلية من المصريين لم يكن متعمقاً فيها، بل توقف عند الأخذ بفقه الإسماعيلية والإيمان والاعتراف بإمامة الخليفة الفاطمي، وعندما اضطرب أمر المذهب الإسماعيلي، ولا سيما بعد ظهور دعوى الألوهية أيام الحاكم ترك هؤلاء ذلك المذهب (١). المقاومة السُّنية للمدِّ الشيعي في مصر: من المعلوم أن مصر كانت قبل الفتح الفاطمي لها تدين بالمذهب السُّني الذي كان المذهب الرسمي للأقاليم التابعة للخلافة العباسية، ومنها مصر، وليس من المبالغة القول: إن مصر كانت من أهم المنابر السُّنية في العالم الإسلامي قبل العصر الفاطمي، ورغم تحول مصر إلى مركز للدعوة الشيعية الإسماعيلية بعد استيلاء الفاطميين عليها، ونشاطهم المكثف في الدعوة إلى مذهبهم وسعيهم الدؤوب إلى القضاء على المذهب السُّني، سواء بالتشكيك فيه والنيل منه، أو بالتضييق على أتباعه فقد ظل أكثر المصريين ثابتين على مذهبهم السُّني أوفياء له، وفي ذلك يقول عبد القاهر البغدادي (ت ٤٢٩ هـ): «وأهل مصر ثابتون على السُّنة إلى يومنا هذا، وإن أطاعوا صاحب القاهرة في أداء خراجهم إليه» (٢). ويقول الأستاذ محمد عبد الله عنان مؤكداً هذه الحقيقة: «إن الأمَّة المصرية لبثت من الناحية المذهبية طوال عهد الدولة الفاطمية محتفظة بمذهبها السُّني، لا تبغي عنه بديلاً» (٣). وفيما يلي ألقي بعض الضوء على أبرز مظاهر المقاومة السُّنية للمدِّ الشيعي

стр. 286

الإسماعيلي في مصر. أ- إظهار الشعائر السُّنية: لم يلتزم أهل مصر بشعائر المذهب الإسماعيلي الذي حاول الفاطميون فرضه عليهم، بل حرصوا على التمسك بالشعائر السُّنية وإظهارها، فقد تمسكوا برؤية الهلال في الصوم والفطر وفقاً لتعاليم المذهب السُّني (١)، وصلى أهل السُّنة التراويح في جماعة أيام الحاكم بأمر الله في جامع عمرو وغيره، رغم منع الحكومة الفاطمية ذلك منذ أيام العزيز بالله. وقد اضطر الحاكم بأمر الله إزاء تمسك أهل السُّنة في مصر بمذهبهم، ونتيجة الضغط السُّني عليه من ناحية المغرب إلى تخفيف الضغوط الدينية على أهل السُّنة، فقرَّب فقهاءَ المالكية في مصر، وسمح لهم بتدريس مذهبهم، وعيَّن في دار الحكمة اثنين من علماء السُّنة، وأعطى أهل السُّنة الحريَّة في إقامة صلاة الضحى والتراويح في شهر رمضان وغيرهما من الشعائر السُّنية، بل إنه أصدر سجلاً يكفل الحرية الدينية في دولته، فمن أراد التمسك بالمذهب السُّني فله ذلك، ومن أراد التحول إلى المذهب الشيعي فله ذلك (٢)، بيد أن الحاكم تراجع عن هذه السياسة المتسامحة وعاد مرة أخرى إلى تشدده مع أهل السُّنة (٣). ب- الطعن في المذهب الإسماعيلي والتشكيك فيه: اتجه فريق من أهل السنة إلى الطعن في المذهب الإسماعيلي والنيل منه، وتشويه صورته، كما طعنوا في نسب الفاطميين الذي ثارت حوله شكوك كثيرة، وقد اختلف المؤرخون في صحة نسب الفاطميين، ولم يصلوا إلى رأي حاسم يمكن الاعتماد عليه بسبب سرية الدعوة الإسماعيلية، والتقية التي مارسوها بسبب الاضطهاد والقتل والتشريد الذي تعرض له الشيعة، ولم يؤرخوا لحركتهم، لأن

стр. 287

الستر أصل من أصول مذهبهم، ومن ضعف العقيدة عندهم كشف المستور (١). ومن أبرز المؤرخين الذين أيدوا صحة النسب الفاطمي: ابن الأثير، والمقريزي وابن خلدون (٢)، وأبرز الذين طعنوا في صحة النسب الفاطمي: البغدادي والرازي والشهرستاني وابن حزم (٣). فمثلاً كان الخليفة العزيز بالله يصعد المنبر فيجد قصاصات الطعن في نسبه، ومن ذلك ما أورده ابن تغري بردي من أنه صعد المنبر فوجد ورقة مكتوب فيها: إنَّا سمعنا نسباً منكَراً ... يتلى على المنبر في الجامع إن كنت فيما تدعي صادقاً ... فاذكر أباً بعد الأب الرابع وإن ترد تحقيق ما قلته ... فانسب لنا نفسك كالطائع أوْ لاَ: دع الأنساب مستورة ... وادخل بنا في النسب الواسع فإنَّ أنساب بني هاشم ... يقصر عنها طمع الطامع (٤) ولا ريب أن الطعن في النسب الفاطمي يعني الطعن في الأساس الذي قامت عليه الخلافة الفاطمية، وهو الانتساب إلى آل البيت (٥). ومن مظاهر طعن أهل السُّنة في المذهب الإسماعيلي طعنهم في علم الأئمة الفاطميين الذين نسبوا إلى أنفسهم علماً خاصّاً يتوارثونه فيما بينهم، وكان هذا الطعن مشوباً بسخرية لاذعة اشتهر بها المصريون، فروي أن العزيز بالله اعتلى المنبر ذات مرة لخطبة الجمعة فوجد ورقة مكتوباً فيها: بالظلم والجور قد رضينا ... وليس بالكفر والحماقة

стр. 288

إن كنتَ قد أُعطيتَ علمَ غيب ... فقل لنا صاحب البطاقة (١) ج- التصدي لغلو الإسماعيلية: رفض أهل السُّنة في مصر متابعة الإسماعيلية في غلوهم وانحرافهم، بل قاوموهم أشد مقاومة، ومن الشواهد الدالة على ذلك: ١) روى الحافظ السلفي أن الخليفة الحاكم بأمر الله كان جالساً في مجلسه العام، وهو حافل بأعيان الدولة، فقرأ بعض الحاضرين قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ النساء/٦٥، وكان القارئ في أثناء ذلك يشير إلى الحاكم، فلما فرغ من القراءة قرأ شخص آخر يعرف بابن المشجر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِن الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ الحج/٧٣ - ٧٤، فلما أنهى ابن المشجر قراءته تغير وجه الحاكم وأمر له بمائة دينار ولم يطلق للقارئ الأول شيئاً، ولكن بعض أصحاب ابن المشجر خوَّفه من الحاكم، وأنه قد يؤاخذه فيما بعد، فخرج ابن المشجر إلى الحج وغرق في الطريق (٢). ٢) عندما وصلت قافلة الحجاج سنة ٣٩٥ هـ إلى مصر أراد بعض الإسماعيلية أن يحملوهم على سبِّ السلف، فأبى الحُجاج وتحملوا في سبيل ذلك السب والبطش (٣). ٣) عندما جهر نفرٌ من غلاة الإسماعيلية بفكرة تأليه الحاكم بأمر لله، قام أهل السُّنة من الغيورين على دينهم بالفتك بكل من يقع في أيديهم ممن يروج لهذه الفكرة التي لا يقول بها إلا كافر، وقتلوا عدداً من القائلين بها، وقد شهدت السنوات من ٤٠٨ هـ إلى ٤١٠ هـ سلسلة من المصادمات والاغتيالات والقتل، قتل في أثنائها

стр. 289

الداعي محمد بن إسماعيل الدرزي سنة ٤٠٨ هـ أثناء سيره في موكب الحاكم (١). د - ازدهار الدراسات السُّنية: على الرغم من تضييق الفاطميين على أتباع المذهب السُّني في مصر، فقد ازدهرت علوم السنة بها، وقام العلماء بإثرائها بكثير من المؤلفات القيِّمة والكتب المهمة، التي كانت مظهراً من مظاهر المقاومة السُّنية للمد الشيعي الإسماعيلي. ففي القرآن وعلومه تفسيراً وقراءة وإعراباً: نبغ في مصر عدد من مشاهير علماء السُّنة، منهم: أبو بكر الأدفوي محمد بن علي بن أحمد المقرئ المفسر النحوي (ت ٣٨٨ هـ) (٢)، وعلي بن إبراهيم بن سعيد الحوفي (ت ٤٣٠هـ) (٣)، والقزويني محمد بن أحمد بن علي المقرئ (ت ٤٥٢ هـ) (٤)، وأبو العباس بن نفيس المصري شيخ القراء (ت ٤٥٣ هـ) (٥). وفي الحديث: برز بمصر عدد كبير من المحدثين السُّنة إبان العصر الفاطمي، منهم على سبيل المثال لا الحصر: أبو بكر محمد بن علي بن حسن المصري المعروف بالنقاش نزيل تنيس (٦)، وعبد الغني بن سعيد (ت ٤٠٩هـ) (٧)، والحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بن عبد الله النعماني المعروف بالحبال ... (ت ٤٨٢ هـ) (٨). وفي الفقه: برز عدد من الفقهاء في المذهبين المالكي والشافعي كان لهم إسهام ملموس في تطوير الدراسات الفقهية السُّنية بمصر، فمن أشهر فقهاء المالكية

стр. 290

بمصر في تلك الفترة: أبو بكر محمد النعالي (ت ٣٨٠ هـ) (١)، وعبد الرحمن ابن عبد الله بن محمد الغافقي الجوهري (ت ٣٨٥ هـ) (٢)، وعبد الوهاب بن نصر البغدادي (ت ٤٢٢ هـ) (٣)، والأبهري الصغير محمد بن عبد الله (٤)، وعبد الجليل بن مخلوف الصقلي (ت ٤٥٩ هـ) (٥). ومن أشهر فقهاء الشافعية أبو العباس أحمد بن محمد الدبيلي (ت ٣٧٣ هـ) (٦)، وأبو الحسن الحلبي علي بن محمد بن إسحاق (٧)، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن شاكر القطان (ت ٤٠٧ هـ) (٨)، والقضاعي محمد بن سلامة بن جعفر بن علي (ت ٤٥٤ هـ) (٩)، والقاضي أبو الحسن الخلعي المصري (ت ٤٩٢ هـ) (١٠). وهكذا ثبت أهل مصر على مذهبهم السُّني، وباءت كل المحاولات الفاطمية الشيعية في تحويلهم عنه بالفشل الذريع، حتى إن أحد الباحثين الكبار في تاريخ الدولة الفاطمية وهو الدكتور أيمن فؤاد سيد، يقرر أنه بعد أكثر من مائتي عام من الحكم الفاطمي في مصر، لم يكن بها إسماعيلي واحد سوى من ارتبط بالسلطة الحاكمة (١١)، ولئن دلَّ ذلك على شيء، فإنما يدل على شدة وفاء المصريين للمذهب السُّني ورسوخه في نفوسهم، وتمكنه من ضمائرهم، كما يدل على عمق الخلاف بين أهل السُّنة والفاطميين، وأن الخلاف لم يكن سياسياً فقط.

стр. 291

المواجهة والصراع بين الخلافتين العباسية والفاطمية: لم يكد الفاطميون يُتمُّون فتح مصر حتى تطلعوا إلى بسط نفوذهم على الشام التي كانت السيطرة عليها تمثل أهمية استراتيجية لكل نظام يتولى حكم مصر، حيث كان الفاطميون يرون في سوريا الشمالية الطريق إلى العراق، وأن سيطرتهم عليها ستضمن لهم الوصول إلى بغداد المركز الروحي والسياسي للعالم الإسلامي السُّني (١)، وقد كان جوهر أرسل جيشاً إلى الشام بقيادة جعفر بن فلاح، ففتح الرملة ثمَّ دمشق وأقام الدعوة للخليفة الفاطمي المعز في سنة ٣٥٩ هـ، ثمَّ أتم فتح الشام سنة ٣٦٠ هـ، واعترف حكام حلب الحمدانيون بالخلافة الفاطمية. وكان الفاطميون يهدفون من وراء فتح الشام إلى اتخاذها قاعدة انطلاق للهجوم على بغداد، لوضع نهاية لحكم البويهيين والخلافة العباسية، بيد أن موقعة دمشق مع القرامطة، الذين استغاث بهم فلول الإخشيديين، ومقتل جعفر بن فلاح في ذي القعدة سنة ٣٦٠ هـ قد بددت أحلام الفاطميين (٢). وقد شجعت المواجهات العسكرية بين الفاطميين والقرامطة أهالي الفرما وتنيس (٣) على التمرد على الفاطميين ونبذ دعوتهم، فلبسوا السواد شعار العباسيين، بيد أن الفاطميين نجحوا في قمع هذا التمرد وإعادة الهدوء إلى هذه الأقاليم بين سنتي ٣٦٠ - ٣٦٣ هـ (٤). وتجدر الإشارة إلى أن عضد الدولة البويهي أبا شجاع فنا خسروا قد اعترف في عهد الطائع العباسي بفضل آل البيت وخاطب العزيز بـ «الحضرة الشريفة» وأقر له بأنه في طاعته (٥)، فكان ذلك مكسباً سياسيّاً ودبلوماسيّاً للفاطميين في مواجهتهم مع العباسيين.

стр. 292

وكذلك - في سياق المواجهة غير المباشرة مع العباسيين - سعى الفاطميون إلى أن تقام لهم الخطبة في مكة والمدينة، حتى تكون لهم السيادة الفعلية على العالم الإسلامي، وبالفعل أقيمت الخطبة للمعز بالحجاز سنة ٣٦٣ هـ (١)، كما أقيمت للعزيز سنة ٣٦٥ هـ (٢). وظل الفاطميون حريصين على ذلك التقليد الاستراتيجي إلى أن ضعفت دولتهم ودبت الفوضى والمشكلات الداخلية في أوصالها. ومع نهاية عهد العزيز بالله حول سنة ٣٨٢ هـ اتسعت مملكة الفاطميين، وأقيمت الدعوة لهم في أنحاء متفرقة من العالم الإسلامي في اليمن والموصل فضلاً عن الشام وإفريقية، وكذلك فقد اشترط العزيز بالله على رسل بيزنطة أن يخطب له في جامع القسطنطينية يوم الجمعة (٣). وفي عهد الخليفة الفاطمي المستنصر «٤٢٧ - ٤٨٧ هـ» انتشر الدعاة الفاطميون على امتداد الأراضي الشرقية التابعة للعباسيين ثمَّ السلاجقة، يتلقون تعليماتهم مباشرة من رئاسة الدعوة المركزية في القاهرة، من أجل الإطاحة بالخلافة العباسية وإرساء العقيدة الشيعية في العالم الإسلامي، وبإغراء من هؤلاء الدعاة، أقام الديالمة الدعوة للفاطميين سنة ٤١٥ هـ في البصرة والكوفة والموصل وأعمال الشرق، وكذلك نجح المؤيد في الدين الشيرازي في إظهار الدعوة الفاطمية في شيراز وأرض فارس والأهواز (٤). وهكذا كان نشاط الحكومة الفاطمية في القاهرة وخارجها موجهاً للإطاحة بالخلافة العباسية، ولكن إذا كان الفاطميون قد كسبوا عن طريق الدعوة أراضي جديدة تابعة للعباسيين، فإنهم قد خسروا بعض الأراضي من ممتلكاتهم في بلاد

стр. 293

الشام، لعل أهمها حلب التي خرجت من حوزتهم سنة ٤١٥ هـ (١). وفي عهد الخليفة الظاهر «٤١١ - ٤٢٧ هـ» تحسنت العلاقات الفاطمية البيزنطية، وكان هدف الظاهر من تقوية صلته بالإمبراطور البيزنطي التفرغ لمواجهة العباسيين ثمَّ السلاجقة (٢)؛ وقد وقعت هدنة بين الفاطميين والبيزنطيين سنة ٤١٨ هـ (٣)، واتفاقية أخرى سنة ٤٢٧ هـ لمدة عشر سنوات، جددت سنة ٤٣٩ هـ (٤). موقف العباسيين من الأطماع الفاطمية: ورغم ضعف الخلافة العباسية ووقوع خلفائها تحت الهيمنة السياسية للبويهيين الشيعة، والتهديد الفاطمي لها في مصر وجنوب الشام، فإن العباسيين جعلوا يناوئون الفاطميين ويتربصون بهم، ويشوهون صورتهم منذ مطلع القرن الخامس الهجري، ولا سيما بعد ظهور السلاجقة السُّنة على مسرح الأحداث السياسية للمشرق الإسلامي ونجاحهم في غضون سنوات قليلة من بناء إمبراطورية سُّنية قوية كانت خير سند للخلافة العباسية في صراعها ضد الفاطميين الشيعة. وكانت بداية الهجوم العباسي السُّني على الفاطميين الشيعة يتمثل في ذلك ... «المحضر» الذي صدر في بغداد سنة ٤٠٢ هـ يقدح في نسب الفاطميين ويطعن في اتصالهم بآل البيت، وقد وقع عليه كبار العلماء والقضاة والفقهاء في بغداد (٥)، وفي سنة ٤٤٤ هـ صدر ببغداد «محضر» آخر يتضمن ما تضمنه المحضر السابق من طعن في نسب الفاطميين (٦). وقد سعى العباسيون - بمساعدة السلاجقة - إلى تضييق الخناق على الفاطميين لإضعاف دولتهم تمهيداً لإسقاطها، وبالفعل استجاب حاكم إفريقية المعز بن باديس الزيري لتحريض العباسيين، فقطع الخطبة للفاطميين وأقامها للعباسيين

стр. 294

سنة ٤٤١ هـ، بعد أن كان قد ضرب عملة جديدة خاصة به ليس عليها أسماء الفاطميين، فكانت ضربة موجعة لهم (١). وكذلك نجح العباسيون في تحريض الإمبراطور البيزنطي على الخلفاء الفاطميين، وعقدوا معه اتفاقاً أنهى بموجبه تموين القمح الذي كان يرسله إلى مصر، كما أقيمت الخطبة للخليفة القائم بأمر الله العباسي في جامع القسطنطينية، مما أدى بالمستنصر إلى التحوط على ما في كنيسة قمامة سنة ٤٤٧ هـ-١٠٥٥ م، وأغلق أبواب كنائس مصر والشام، وطالب الرهبان بالجزية لأربع سنين، وزاد الجزية على سائر النصارى (٢). وقد رد الفاطميون على التهديد العباسي بتوجيه جهودهم ونشاطهم وتركيزه في الشرق وخصوصاً اليمن المهد الأول للدعوة الإسماعيلية، كما سعى الفاطميون إلى منافسة العباسيين تجاريّاً من خلال السيطرة على الشاطئين الإفريقي والعربي للبحر الأحمر، وعلى المنفذ الجنوبي المؤدي إلى الهند (٣). وفي الوقت نفسه صعّد الدعاة الفاطميون المواجهة الحربية مع العباسيين، حيث قام داعي الدعاة المؤيد في الدين هبة الله الشيرازي بتأييد ثورة أبي الحارث البساسيري ضد الخليفة العباسي، مستغلاً الفوضى التي اجتاحت العراق في أعقاب سقوط البويهيين، ومستعيناً بالأموال والذخائر التي أمدَّه بها الوزير اليازوري من القاهرة، ونجح البساسيري في الاستيلاء على بغداد وإقامة الخطبة بها للمستنصر الفاطمي لمدة عام سنة «٤٥٠ هـ-١٠٥٨ م» وكان أول من أيده ودعا لصاحب مصر أهل الكرخ وألزم البساسيري الخليفة القائم بأمر الله العباسي بكتابة كتاب أشهد عليه العدول بأنه لا حق لبني العباس في الخلافة مع وجود بني فاطمة الزهراء، وأرسل البساسيري الكتاب إلى المستنصر في مصر، وظل محفوظاً لدى الفاطميين إلى أن أعاده صلاح الدين إلى العباسيين فور استيلائه على مقاليد الأمور في مصر

стр. 295

بعد ذلك بنحو مائة عام. على أن الخلافة الفاطمية لم تكن ظروفها - في ظل تقلص ممتلكاتها وتعرضها لأزمات اقتصادية متوالية - تسمح بإمداد البساسيري بقوة تسنده وتدعم موقفه، ولذلك لم يجد طغرلبك السلجوقي صعوبة تذكر في القضاء على فتنة البساسيري وإعادة الدعوة للعباسيين في بغداد مرة أخرى بعد انقطاع دام اثني عشر شهراً (١)، بل مد السلاجقة نفوذهم إلى الشام واستولوا على بعض ممتلكات الفاطميين بها، ولم يبق للفاطميين نفوذ إلا على مصر وجنوب فلسطين والحجاز واليمن، لتدخل الخلافة الفاطمية بعد ذلك مسلسل الضعف والانحطاط والتراجع، إلى أن سقطت سنة ٥٦٧ هـ. اضمحلال الخلافة الفاطمية وسقوطها: ظلت الخلافة الفاطمية في مصر عزيزة الجانب مهيبة السلطان إلى الشطر الأول من خلافة المستنصر بالله (٤٢٧ - ٤٨٧هـ)، ففي عهده امتد سلطان الفاطميين إلى بلاد الشام وفلسطين والحجاز وصقلية وشمال إفريقية، وكان اسمه يذاع على كافة منابر البلاد الممتدة من المحيط الأطلسي غرباً حتى البحر الأحمر شرقاً، بل في بغداد نفسها نحواً من سنة. على أن عهد المستنصر نفسه حمل بذور الضعف والانهيار، وانطوى على عوامل الانحلال والتفكك، ففي عهده ضربت مصر مجاعة طاحنة أعقبها أوبئة مهلكة، فيما اصطلح المؤرخون على تسميته بالشدة العظمى أو الشدة المستنصرية، التي استمرت نحو ثمانية أعوام (٤٤٦ - ٤٥٤هـ) عصفت خلالها باقتصاد البلاد، وحصدت أرواح آلاف المصريين (٢). وقد نتج عن تدهور الاقتصاد المصري اضطراب الأوضاع الداخلية في البلاد، حتى إن منصب الوزارة قد تداوله أربعون وزيراً في تسع سنوات بعد قتل

стр. 296

الوزير اليازوري سنة ٤٥٠ هـ (١)، وهو دليل على مدى ما بلغته البلاد من فساد واضطراب في الشطر الثاني من خلافة المستنصر. وتوالى انفصال أجزاء الدولة، فانفصل شمال إفريقيا «المغرب» كله وخطب للعباسيين، وفي سنة ٤٦٣ هـ دخل النورمان صقلية واستولوا عليها، فخرجت بذلك عن حكم الفاطميين، بعد أن ظلت جزءاً من أملاكهم منذ قيام دولتهم. وفي الوقت نفسه تطلع السلاجقة بعد استقرار نفوذهم في العراق إلى ضم بلاد الشام، فاستلبوا من الفاطميين أكثر مدن الشام، بحيث لم يبقَ للخلافة الفاطمية سوى بعض المدن الساحلية، وهكذا كان ظهور السلاجقة- أتباع المذهب السُّني - عاملاً من عوامل إضعاف الخلافة الفاطمية. ثم أنشب الانقسام أظفاره داخل البيت الفاطمي نفسه، حيث كان المستنصر قبل وفاته قد جعل ولاية العهد من بعده لأكبر أبنائه أبي منصور نزار، فلما مرض أراد أخذ البيعة له، فظل الأفضل وزيره ومدبر دولته يحول بينه وبين هذا الأمر حتى توفي المستنصر، فعقد الأفضل البيعة لابنه المستعلي بالله، فخرج نزار إلى الإسكندرية حيث بايعه واليها التركي ناصر الدولة أفتكين بالخلافة، التي عده الأفضل خارجاً عليها، فجهز جيشاً وخرج على رأسه لقتال نزار ووالي الإسكندرية، ثم اعتقلهما فأمر المستعلي بقتلهما، وانقسم الفاطميون - منذ ذلك التاريخ - إلى مستعلية يؤمنون بحق المستعلي بالله في الخلافة، ونزارية يرون أن نزاراً أحق بها من أخيه (٢). وقد استغل الأفضل بن بدر الجمالي ذلك الانقسام داخل البيت الفاطمي، فقبض على زمام السلطة بيد من حديد واستبد بالأمور دون الخليفة الذي لم يكن له مع الأفضل أمر ولا نهي، إذ كان الأفضل يدبر أمر الدولة تدبير سلطنة وملك، لا تدبير وزارة (٣). وبدأت السلطة تنتقل فعليّاً ورسميّاً من أيدي الخلفاء إلى أيدي الوزراء وأصبح

стр. 297

هؤلاء ألعوبة في يد أولئك، يحجرون عليهم ويتحكمون في مصائرهم كما يريدون (١). وتضخم نفوذ الوزراء واتسعت سلطاتهم، وتحول منصب الوزارة من وزارة تنفيذ إلى وزارة تفويض، حتى سمي العهد الأخير من أيام الفاطميين ... (٤٦٦ - ٥٦٧ هـ) عصر نفوذ الوزراء (٢). ثم عجلت الحروب الصليبية بنهاية الدولة الفاطمية، وكانت سبباً من أسباب سقوطها، حيث استغل السلطان نور الدين محمود بن زنكي - صاحب الشام وبطل الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين - الخلاف الشاجر بين شاور وزير الخليفة العاضد آخر خلفاء الفاطميين، وضرغام صاحب الباب على منصب الوزارة، فتدخل في شؤون مصر بعد أن استنجد به شاور، في حين لجأ ضرغام إلى الصليبيين. وبعد حملات ثلاث أنفذها نور الدين محمود إلى مصر بقيادة الأمير أسد الدين شيركوه، نجح شيركوه في الحملة الثالثة سنة ٥٦٤ هـ في الاستيلاء على مصر، فقلده الخليفة العاضد الفاطمي منصب الوزارة، فلم ينعم بها طويلاً، حيث توفي بعد شهرين، فخلفه في الوزارة ابن أخيه صلاح الدين يوسفُ بن أيوب، الذي نجح في تثبيت نفوذه في مصر في غضون سنوات ثلاث، أعلن بعدها رسميّاً سقوطَ الخلافة الفاطمية، حيث أمر في الجمعة الثانية من المحرم سنة ٥٦٧ هـ، بقطع الخطبة للخليفة العاضد الفاطمي آخر خلفاء الفاطميين، والدعاء للخليفة العباسي المستضيء بأمر الله (٣). ثم توفي العاضد بعد قطع الخطبة بثلاثة أيام، لتبدأ صفحة جديدة في تاريخ مصر الإسلامية عُرِفت بعصر سلاطين بني أيوب، الذين ضربوا أروع الأمثلة في جهاد الصليبيين، بعد أن فشل الفاطميون في مقاومتهم وطردهم من الأراضي الإسلامية فشلاً ذريعاً.

стр. 298

موقف المصريين من سقوط الخلافة الفاطمية: ذكرت أن أكثر المصريين لم يعتنقوا المذهب الشيعي الإسماعيلي، ولا عرف عنهم ميلٌ إلى مبادئه، فلم يدن بهذا المذهب إلا العناصر التي تعاونت مع الخلافة الفاطمية ودارت في فلكها، وهي الأقليات الأجنبية التي وفدت إلى مصر في صحبة الفاطميين، أو استعانوا بهم طوال فترة حكمهم، هؤلاء فقط هم الذين يمكن القول إنهم اعتنقوا المذهب الإسماعيلي، بالإضافة لعدد قليل من المصريين الذين تأثروا بالدعاية الفاطمية. ولذلك فإن قيام صلاح الدين بقطع الخطبة للفاطميين، وتحويلها للخلافة العباسية قد قُوبل بترحيب المصريين، من العامة والفقهاء والعلماء، وقد وصف المقريزي موقف المصريين قائلاً: «فلم ينكر أحد عليه ولا تحرك له» (١)، وقول المقريزي دليل على رضا الشعب المصري عن العودة إلى المذهب السُّني رسميّاً، وكراهية الفاطميين المخالفين لهم في المذهب العقدي. ولا يفوتني في هذا المقام أن صلاح الدين كان قد مهد لقطع الخطبة، ليس بالتقرب إلى عامة المصريين فحسب، بل خاطب مشاعرهم الدينية من خلال خطب الجمع التي سبقت إسقاط الخطبة للعاضد، وأمر أن يذكر العاضد في الخطبة بكلام يحتمل التلبيس على الشيعة فكان الخطيب يقول: «اللهم أصلح العاضد لدينك» والجمعة التي قبلها تحسس موقفهم بأن أبطل الأذان بـ «حي على خير العمل» وأمر أن يذكر في الخطبة الخلفاء الراشدون (٢)، فلما لم يجد رد فعل لدى العامة تجاه ذلك، تشجع وأمر بأن تكون الخطبة للخليفة العباسي. مما أثار اعتراض كثير من أنصار الفاطميين وأشياعهم، الذين كانوا - في معظمهم - من غير المصريين (٣)، فقام جماعة من هؤلاء واتفقوا على إقامة خليفة ووزير، وكاتبوا الصليبيين في بيت المقدس يلتمسون مساعدتهم في تحقيق انقلابهم، ولكن صلاح الدين نجح في كشف مؤامرتهم وأحبط خطتهم، وقتلهم جميعاً عام ٥٦٩ هـ (٤)، وبمقتل هؤلاء قُضي على آخر أمل لأتباع الدولة الفاطمية في مصر، وانتهى دور الفاطميين السياسي في التاريخ.

стр. 299

المبحث الثالث الخلافة الأموية في الأندلس تمهيد: كان ما فعله العباسيون بالأمويين في بداية خلافتهم سبباً غير مباشر لنشوء الإمارة الأموية في الأندلس، فقد تتبع العباسيون الأمويين بالقتل في كل مكان، وخاصة عندما دبَّر لهم أبو العباس الملقب بالسفاح مؤامرة قتل فيها الكثير منهم عند أبي فطرس (١)، ونجا منها عبد الرحمن بن معاوية (٢) ومعه ابنه الصغير سليمان وخادمه المخلص بدر، وفرَّ منهم في رحلة طويلة وشاقة، امتدت حوالي ست سنوات متنقلاً بين قبائل البربر في المغربين الأوسط والأقصى، قبل أن يصل إلى الأندلس - التي كانت تمزِّقها حرب أهلية، وكان جده هشام بن عبد الملك قد وهبه جميع الأخماس التي اجتمعت للخلفاء في الأندلس - ويعلن قيام الإمارة الأموية المستقلة هناك، ثم ليعلنها أحد أحفاده سنة ٣١٦ هـ خلافةً أمويةً. ويعود قيام الدولة الأموية في الأندلس إلى أسباب سياسية بحتة، إذ لم يكن هناك أي خلاف مذهبي أو عَقَدي بينها وبين الدولة العباسية، والخلاف بين المذهب الرسمي في الأندلس وبين المذهب الرسمي في الدولة العباسية إنما جاء انعكاساً للخلاف السياسي بينهما ومتأخراً عنه، وبقي محصوراً بمسائل فرعية (٣).

стр. 300

بل قد وردت في التاريخ أخبارٌ للتعاون بين الدولة العباسية في بغداد والأموية في الأندلس، عندما كان الأمر يتعلق بالجهاد وفتح البلاد، وقد حصل ذلك مرتين: الأولى: ساعدت فيها الخلافة العباسية الأمويين في الأندلس عندما قام والي مصر للرشيد داود بن يزيد سنة ١٧٤هـ/٧٩٠ م بإرسال جيش إلى الأندلس، لنجدة الأمير هشام بن عبد الرحمن الداخل لمساعدته على حسم النزاع بينه وبين الفرنجة في الشمال، عندما أحاط الخطر بالإمارة الأموية (١). وتكرر هذا في ولاية عبد الله بن المسيب الضبي على مصر، عندما استنجد به الأمير هشام بن عبد الرحمن الداخل، فلبى الضبي طلب الأمير هشام وجهز جيشاً لنجدته (٢)، ومن المستبعد أن يقوم والي مصر بهذا العمل دون علم الخليفة العباسي، خاصة وأن مصر كانت على مدى التاريخ الأموي والعباسي القاعدة التي تنطلق منها القوات التي ترسل إلى المغرب والأندلس. والثانية: ساعد فيها الأمويون في الأندلس الأغالبةَ التابعين للخلافة العباسية عندما حاصر البيزنطيون المسلمين في حصن ميناو (مينو)، وكانت في هذه الأثناء قد وصلت مراكب غزاة البحر الأندلسيين بقيادة أصبغ بن وكيل المعروف بفرغلوش

стр. 301

سنة ٢١٤هـ/٨٢٩ م، فاستغاث بهم الأفارقة في ميناو فهب الأندلسيون لنجدتهم واقتحموا عدة قلاع حتى وصلوا إلى ميناو، فهرب البطريق تودط إلى قصريانة وذلك في جمادى الآخرة ٢١٥هـ/أغسطس٨٣٠ م، ثم اتحدت القوات الأفريقية والأندلسية وواصلت فتح الجزيرة، ففتحوا (بلرم) صلحاً في رجب سنة ٢١٦هـ (١). ولا شك أن هذا فيه أبلغ التعبير عن مدى الارتباط العميق الذي يجمع المسلمين سواء في المشرق أو في الأندلس، وخاصة عندما تبتعد العلاقات عن الخلافات السياسية. ولعل كل ما سبق - وغيره - كان السبب وراء عدم إعلان الخلافة في الأندلس لفترة طويلة جداً، تجاوزت مائة وخمسة وسبعين عاماً. وسأقسم الحديث عن الأندلس إلى ثلاثة أقسام وفقاً للمراحل التي مر بها هذا البلد؛ المرحلة الأولى من قبيل الفتح حتى نهاية عصر الولاة، والمرحلة الثانية من بداية عصر الإمارة المستقلة حتى إعلان الخلافة في الأندلس، والمرحلة الثالثة تبدأ بإعلان الخلافة الأموية فيها وتنتهي بسقوط هذه الخلافة: أولاً - الأندلس من قبيل الفتح حتى نهاية عصر الولاة: حكم ملوكُ القوط الأندلسَ نحواً من أربعمائة سنة قبل الإسلام، ويعتبر حكمهم للأندلس حكماً أجنبياً مفروضاً له مظهره العسكري ومظهره الديني، وله مساوئه التي كان أبرزها عظم نفوذ الكنيسة وتسلط رجال الدين، واستحواذ الكنيسة على قدر كبير جداً من الأراضي الزراعية وإعفائها من الضرائب، وكذلك انقسام المجتمع إلى طبقات؛ طبقة النبلاء ورجال الدين بكل مميزاتها والغالبية العظمى من الشعب، ثم الرقيق (٢).

стр. 302

هكذا كان الوضع قبل فتح الأندلس عندما أمر الخليفة الوليدُ بن عبد الملك عاملَه على أفريقية موسى بن نصير بفتحه، الذي بدأ سنة ٩٢ هـ (١) بقيادة طارق بن زياد (٢)، وتم بمساعدة موسى بن نصير من سنة ٩٣ هـ إلى سنة ٩٥ هـ (٣)، وبعد عزل موسى بن نصير نتيجة وشاية عليه، ومقتل ابنه عبد العزيز بن موسى بن نصير، دخلت الأندلس مرحلة من التخبط السياسي استمر قرابة أربعين سنة، تغير خلالها عشرون والياً، نتيجة للصراعات والانتماءات القبلية المتعددة والمتنافسة، ولم يستطع أحد منهم استيعاب اللعبة السياسية بل كانوا جميعاً أطرافاً مكشوفة في الصراع (٤)، وكان ارتباط هذه الولاية الأموية بالسلطة المركزية واهياً، وبعد مقتل الخليفة الوليد بن يزيد سنة ١٢٦هـ/٧٤٤ م لم تعد دمشق مركز الخلافة تعطي أهمية لأمور ولاياتها في الغرب الإسلامي (٥). استمر الأمر على هذا بعد قيام الخلافة العباسية بسبب انشغالها بتثبيت الحكم في بداية عهدها، فقد كانت السلطة العباسية السياسية خارج الخلافة لا تتعدى حدود مصر الغربية، فقد كانت ثورات البربر في أفريقية - الذين انتشرت بينهم مبادئ الخوارج بشكل كبير - تعزل العباسيين عن الاهتمام بالمغرب والأندلس، فقد كان الصراع شديداً (٦)، وقامت ولايات من البربر على يد زعماء من العرب منها: ولاية (تاهرت) التي أسسها عبد الرحمن بن رستم بمساعدة الإباضية (١٣٧ - ٢٩٧هـ)، وولاية (سجلماسة) التي أسسها بنو مدرار (١٦٧ - ١٥٧هـ)، و (تلمسان) التي أسسها أبو فروة الصنهاجي (٧).

стр. 303

ثانياً - الأندلس في عصر الإمارة الأموية: شجعت الأوضاعُ المضطربة في أفريقية النزعةَ الاستقلالية للأندلس، وكان آخر الولاة فيها قبل دخول عبد الرحمن الداخل إليها، هو يوسفُ بن عبد الرحمن الفهري (١) من زمن مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، واستمر عليها أيام السفاح وأول أيام أبي جعفر المنصور بعده، حتى استولى عليها عبد الرحمن الداخل سنة ١٣٨ هـ في خلافة أبي جعفر المنصور، ونجح في القضاء على عدة ثورات ضده (٢)، وأعلن من قرطبة انفصال إقليم الأندلس عن حكم الدولة العباسية انفصالاً تاماً، مُنْهياً بذلك عهد تبعية الولاة الصوري للعباسيين (٣). ولابد من الإشارة هنا إلى أن عبد الرحمن الداخل اتبع سياسة واقعية في بداية عهده تجاه العباسيين ساهمت في طمأنتهم، فإنه أخذ في بداية حكمه يدعو للمنصور العباسي (١٣٦ - ١٥٨ هـ/٧٥٤ - ٧٧٥ م) ولم يقطع الخطبة له مباشرة، بل أبقاها على منابر الأندلس أشهراً دون السنة (٤)، ثم تغير الحال عندما أظهر المنصور

стр. 304

عداءه له وتآمر على قتله والخلاص منه، فأمر بقطع الدعاء في الخطبة للخليفة العباسي، ولكنه لم يَتَسَمَّ خلال حكمه بألقاب الخلافة، لئلا يثير شعور المسلمين من حوله، وإنما أطلق على نفسه لقب الأمير، وأمر بالدعاء للأمراء الأمويين أبناء الخلائف، وتداول الأمراءُ الأمويون حكمَ الأندلس بعده، ولم يتلقبوا كذلك بلقب الخلفاء أو بلقب أمير المؤمنين تأدباً مع لقب الخلافة، واكتفوا بلقب أبناء الخلائف، على أساس خلافة آبائهم الأموية السابقة، وكان أهل الأندلس يسلِّمون على الأمير بقولهم: السلام عليك يا ابن الخلائف (١). محاولات العباسيين استرداد الأندلس من أمراء بني أمية: لم تقم محاولات مباشرة من قبل الخلافة العباسية لاستعادة الأندلس، لعدة أسباب منها: - البعد الجغرافي الكبير ووجود الحاجز المائي بينهما، وخاصة إذا عرفنا ضعف الأسطول العباسي وعدم اهتمامهم ببنائه، ومنها انشغال المنصور في بداية

стр. 305

حكمه بقمع ثورات العلويين، وثورة عمه عبد الله بن علي، ولأنَّ تأثير استقلال الأندلس على الخلافة العباسية لم يكن على المستوى المنظور والعاجل مقارنة مع ما كانت تواجهه من ثورات حولها، ولكنه ترك أثراً ظهر فيما بعد، بتشجيع دول أخرى على إعلان الاستقلال عن الخلافة العباسية، مع تفاوت مراتب هذا الاستقلال من دولة إلى أخرى، أضف إلى ذلك كثرة أعداء العباسيين في المغرب، فقد كان عبد الرحمن الفهري قد سيطر على أفريقية والمغرب الأوسط منذ فترة، ولما هُزم الفهري أمام الخوارج أرسل الخليفة العباسي في سنة ١٤٢ هـ جيشاً بقيادة أبي الأحوص العجلي لاسترداد المغرب منهم، وتقابل الجيشان في منطقة مقداس على شاطئ البحر هُزم فيها الجيش العباسي، ثم أرسل المنصور سنة ١٤٣ أو ١٤٤ هـ جيشاً أكبر بلغ أربعين ألفاً بقيادة محمد بن الأشعث، ومعه ثمانية وعشرون من كبار قواده، فهَزمَ ابنُ الأشعث جيشَ الخوارج بقيادة أبي الخطاب المعافري، وأعاد أفريقية إلى الخلافة العباسية ودخل القيروان منتصراً (١)، ولكن ظل المغرب الأقصى منفصلاً عن الخلافة منذ ثورة ميسرة المطغري سنة ١٢٢ هـ/٧٣٩ م، ولم يتعد نفوذ الخلافة العباسية حدود إفريقية ويحيط بها بحر متلاطم من الأعداء؛ فقد كانت دولة برغواطة في تامسنا، ودولة بني واسول في سجلماسة، وبنو يفرن ومغيلة بتلمسان، أما الخوارج الإباضية فقد انتشروا في مناطق مختلفة من تاهرت وجبل نفوسة، والتحق قسم من الخوارج بالأدارسة، هذا ما آل إليه المغرب في الوقت الذي كان فيه عبد الرحمن الداخل في الأندلس منشغلاً بتشييد دولته (٢). ومع ذلك فقد حاول المنصور إعادة السيطرة للعباسيين على الأندلس بإقناع الداخل في بداية الأمر، فبعث له رسالة سنة ١٤٢هـ/٧٥٩ م يعاتبه فيها على قطع

стр. 306

الدعوة له ويدعوه إلى طاعته فلم يردَّ له الداخل جواباً (١)، فلم يكن أمام الخلفاء العباسيين إلا اعتماد أسلوب المؤامرات لتصفية الخصم البعيد، فظهرت نتيجة لذلك محاولتان لاسترجاع الأندلس: ١ - المحاولة الأولى: ثورة العلاء بن المغيث على عبد الرحمن الداخل سنة ١٤٧هـ/٧٦٤ م: بعث المنصور رسالة إلى واليه على إفريقية محمد بن الأشعث يأخذ رأيه في مدى إمكانية إعادة الأندلس إلى حظيرة الدولة العباسية، ويبدو أن ابن الأشعث كان متفائلاً جداً فقد سارع إلى إبداء الرأي الإيجابي وهوَّن عليه المسألة، ورشَّح لها العلاء بن المغيث الذي حصل من المنصور على دعم مادي كبير، وسِجلٍ بالولاية على الأندلس إذا نجحت ثورته، إضافة إلى لواء الدولة العباسية قائلاً له: «إن كان فيك محمل لمناهضة عبد الرحمن وإلا فأََبعثُ بمن يُعينك» (٢). وكان العلاء بن مغيث قائداً لحامية باجة (٣) إلى الجنوب الغربي من الأندلس (البرتغال) وتم هذا الاتصال في سنة ١٤٦ هـ/٧٦٣ م، وبعد عام من الاتصالات في سنة ١٤٧هـ، أُعلنت الثورة في لَقَنْت (٤) من عمل باجة، حيث ظهر العلاء داعياً للعباسيين ولطاعة أبي جعفر المنصور، وتغلب على غرب الأندلس، وانضم إليه الكثير من المتضررين من حكم عبد الرحمن الداخل، ولكن الثورة فشلت وقُتل قادتها، واختار الداخل رؤوس العلاء وكبار أصحابه وأراد أن يعطي المنصور درساً قاسياً يجعله يفكر كثيراً قبل الإقدام على خطوة مماثلة، فعلَّق في أذن كل

стр. 307

رأس رقعة تحمل اسم صاحبها ومكانه، ووضعها في جواليق (١) وأعطاها إلى من رمى بعضها في سوق القيروان، وألقى رأس العلاء ومعه العلم الأسود وسِجِل المنصور له أمام سرادق المنصور عندما كان يحج في مكة (٢). ثم قام الداخل بالرد على محاولات العباسيين من خلال حلفائه في المغرب (٣)، ففي سنة ١٤٨ هـ أخذ أبو قرة المغيلي بمناوشة الوالي العباسي الأغلب بن سالم التميمي (١٤٨ - ١٥١هـ/٧٦٥ - ٧٦٨ م)، ثم شنَّ حرباً ضروساً على والي القيروان عمر بن حفص (١٥١ - ١٥٤ هـ/٧٦٥ - ٧٧٠ م) المعروف بهزار مرد وقد اشتد أوار الحرب بينهما عندما استطاع أبو قرة أن يجمع المغاربة بمختلف فرقهم ونحلهم في حلف ضم اثني عشر عسكراً، يقدر مجموعهم بنحو سبعين ألف

стр. 308

مقاتل، تقدَّم أبو قرة بأكثر من نصف هذا العدد نحو مدينة طبنة قاعدة الزاب سنة ١٥٤هـ/٧٧٠ م لمقاتلة عمر بن حفص الذي جاء لتحصين هذه المدينة، ثم تقدمت المجموعة الأخرى وضربوا عليها حصاراً محكماً، لكن دهاء الوالي العباسي وإقدامه حال دون تنفيذ خطة البربر ضده، فقد استطاع أن يُحدِث تصدعاً في هذا الحلف بإغراء أحد قواد المعسكر البربري بمبلغ من المال، فانسحب من الحلف بجنده ثم تبعته جموع أخرى، عند ذلك لم يجد أبو قرة بُداً من الانسحاب والعودة إلى تلمسان دون قتال، ولم يصمد عبد الرحمن بن رستم هو الآخر أمام طلائع عمر بن حفص فانهزم وعاد إلى تاهرت، أما أبو حاتم بن لبيب المغيلي زعيم إباضية طرابلس فتقدم نحو القيروان، وحاصرها مدة زادت على ثمانية أشهر حتى نفد زاد أهل المدينة، ودخلها أخيراً بعد أن حرقها وحطَّم أبوابها وقتل واليها عمر بن حفص سنة ١٥٤هـ/٧٧٠ م. وكان الخليفة أبو جعفر المنصور قد بعث يزيد بن حاتم إلى أفريقية لنجدة عمر بن حفص ومساعدته ولما وصل إلى نواحي (سرت) تقابل مع أبي حاتم فقتله مع عدد كبير من جنده وعادت بذلك أفريقية من جديد إلى الخلافة العباسية سنة ١٥٥هـ/٧٧١ م ولم يقدَّر لهذه الجهود الأموية المغربية أن تنجح في القضاء على النفوذ العباسي في المغرب بسبب كثرة الخلافات بين القبائل. اقتنع المنصور بمحاولته تلك ولم يكررها، وانشغل بمشاكله القريبة منه، ورغم نجاح عبد الرحمن الداخل في إخماد هذه الثورة، وتمتين الصرح الأموي في الأندلس، إلا أنه لم يلجأ إلى تحدي الخلافة العباسية في لقب الخلافة تهيباً من خطورة هذه المبادرة، لأنَّ المجتمع المسلم لم يكن يقبل حتى ذلك الوقت بفكرة تعدد الخلفاء (١).

стр. 309

٢ - المحاولة الثانية: مؤامرة مشتركة من أربعة أطراف بالاتفاق مع المهدي سنة ١٦١ هـ/٧٧٨ م: اشترك فيها المهدي بن المنصور ضد عبد الرحمن الداخل، وكان لا يَقِلُّ كرهاً له من أبيه المنصور ورغبةً في استرداد الأندلس، ولكنه - متبعاً أسلوب وسياسة أبيه- لم يُقدِم على تجهيز الجيوش لبُعد الشُقة، فاعتمد على المحاولات الشخصية والثورات الداخلية. وقد اشترك في هذه المحاولة - التي كانت من أخطر الحركات والمؤامرات التي تعرض لها عبد الرحمن الداخل - أربع جهات؛ اثنتان من داخل الأندلس واثنتان من خارجها، عبر جبهتين شمالية وجنوبية، أما الجبهة الشمالية فكانت بالاشتراك من سليمان بن يقظان الكلبي المعروف بالأعرابي أمير برشلونة اليمني، والحسين بن يحيى الأنصاري بالاتفاق مع شارلمان، وأما الجبهة الجنوبية فكانت بالاتفاق بين عبد الرحمن بن حبيب الفهري الصقلبي (١) قادماً من أفريقية بجيش كبير، وبين الرماحس بن عبد العزيز الكتاني (٢)، ولولا اختلاف المشتركين بهذه المؤامرة وافتقارهم إلى التنسيق بينهم، لكانت فيها نهاية عبد الرحمن الداخل والدولة الأموية، ولكن يبدو أن هذه المؤامرة قد دبرت على عجل ولم تكن الأطراف المشتركة فيها تثق ببعضها ولا يجمعها إلا عداوة الداخل، مما أدى إلى وقوع الخلاف بينهم، وقيام عبد الرحمن الداخل بمقاتلة كل طرف على حدة وهزيمتهم جميعاً (٣).

стр. 310

أشاع الداخل بعد انتصاره على هذه الثورة بعزمه على غزو الشام وانتزاعه من العباسيين، وأخذ يكاتب أنصاره من بني أمية بالشام ويعدهم بتأييده، حتى أنه أعدَّ الترتيبات وعهد بولاية الأندلس إلى ابنه سليمان، والظاهر أن ما ذكره المؤرخون من عزم عبد الرحمن الداخل على غزو الشام لم يكن إلا تهديداً وإزعاجاً للعباسيين، ومجرد رغبة تقف عوامل كثيرة دون تحقيقها، وقد استمرت العلاقات سيئة بين الدولتين، فعلاقة الرشيد بعبد الرحمن لم تكن في يوم من الأيام علاقة حسنة، وكان العباسيون يرون الأمويين في الأندلس مغتصبين للحكم ومتمردين يجب القضاء عليهم (١). ويمكن الإشارة إلى نية لمحاولة ثالثة أراد القيام بها المعتصم فعاجلته المنية (٢) ولم يفكر الأمويون ولا العباسيون بعدها في مواصلة تلك المحاولات المستحيلة. وكان من أسباب فشل الخلافة العباسية في استرجاع الأندلس إضافة إلى ما سبق ذكره هو شخصية عبد الرحمن الداخل فقد كان يتصف بصفات نادرة، حتى قيل: ملك الدنيا ابنا بربريتين الداخل والمنصور، حتى أن المنصور لم يأنف من مدحه ووصفه بصقر قريش وهو خصمه العنيد، وهذه الشهادة خير دليل على ما كان يتمتع به الداخل من صفات، فقد ذكر المؤرخون أن أبا جعفر المنصور قال لأصحابه: «أخبروني عن صقر قريش من هو؟ قالوا: أمير المؤمنين الذي راضَ الملكَ، وسكَّن الزلازل، وحسم الأدواء وأباد الأعداء، قال: ما صنعتم شيئاً، قالوا: فمعاوية، قال: ولا هذا. قالوا: فعبد الملك بن مروان، قال: ولا هذا، قالوا: فمن يا أمير المؤمنين؟ قال: عبد الرحمن بن معاوية الذي عبر البحر وقطع القفر، ودخل بلداً عجميّاً مفرداً، فمصَّر الأمصار وجنَّد الأجناد، ودوَّن الدواوين، وأقام ملكاً بعد انقطاعه، بحسن تدبيره وشدة شكيمته (٣).

стр. 311

دور العلماء في الأندلس في التمهيد لإعلان الخلافة: بعد كل فشل للعباسيين في استعادة الأندلس لسلطة الخلافة العباسية، كانت خطوات الأندلس تتعزز نحو إعلان الخلافة الأموية، وكان الأمراء الأمويون يقتربون من إعلان خلافتهم شيئاً فشيئاً، وكان قيام الأمير عبد الرحمن الأوسط (١) بصك النقود باسم الأمويين، بعد أن كانوا يتعاملون بالنقود المشرقية العباسية، خطوة أخرى نحو تعزيز الاستقلال الأموي عن العباسيين. ولا بد هنا من ذكر ما كان لمؤلفات بقي بن مخلد (٢) - الذي شجعه الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم على نشر المذهب الشافعي في الأندلس بعد معارضة فقهاء المالكية له - من دور طيب في تهدئة الاضطرابات وحالة الفوضى التي عمَّت البلاد في آخر عهد الأمير عبد الله بن محمد (٣)، فقد سلَّمت هذه المؤلفات بأحقيَّة البيت الأموي في الرياسة والحكم، وثبتت الحق الشرعي للأمير في الرياسة على الجماعات الإسلامية، وتسمى الأمير تبعاً لذلك بالإمام أو إمام الجماعة، الأمر الذي مهَّد لعبد الرحمن الناصر حفيد الأمير عبد الله بن محمد ومكَّنه من رفع الإمارة إلى مستوى الخلافة سنة ٣١٦ هـ/٩٢٨ م، وخلَّف بقيُّ بنُ مخلد من بعده نفراً طيباً من تلاميذه الذين درسوا المذهب الشافعي على يديه، مثل هارون بن نصر القرطبي المتوفى ٣٠٢هـ/٩١٤ م، وعثمان بن وكيل، وعثمان بن سعيد الكناني ويعرف بحرقوص المتوفى ٣٢٠ هـ/٩٣٢ م، وأسلم بن عبد العزيز المتوفى سنة ٣١٩هـ/٩٣١ م، وابن أمية الحجاري صاحب كتاب أحكام القرآن (٤).

стр. 312

ثم جاء عبد الرحمن الثالث (١) سنة ٣١٦ هـ وأنهى عصر الإمارة وأعلن نفسه خليفة للمسلمين، بعد أن أصبح الناس في الأندلس وغيره يتقبلون فكرة تعدد الخلفاء، فقد كانت مهام الخلافة في الأندلس تمارس عملياً لفترة طويلة، قاربت مائة وخمسة وسبعين عاماً، نشأ عليها الناس واعتادوها، وبعدما وهنت الخلافة العباسية في بغداد أيام المقتدر، وهبطت قيمة لقب الخلافة بعد أن أعلن أكثر من واحد نفسه خليفة للمسلمين، فقد أَعلن أبو عبد الله محمد بن إبراهيم طباطبا في جمادى الأولى سنة ١٩٩ هـ نفسه خليفة في دولة بني طباطبا العلوية الحسنية، وأعلن المهدي الفاطمي نفسه خليفة في أفريقية سنة ٢٩٦ هـ، ودعي بعد ذلك بإمرة المؤمنين لكل من الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن طباطبا باليمن (ت سنة ٢٩٨ هـ) ولحاكم سجلماسة جنوبي جبال الأطلس (٣٤٢هـ-٩٥٣ م) (٢). ثالثاً - الأندلس في عصر الخلافة الأموية: في ٢ ذي الحجة ٣١٦ هـ/٩٢٩ م أعلن عبد الرحمن الناصر الخلافة الأموية في الأندلس (٣)، وبهذا الإعلان أصبح أول خليفة أموي في الأندلس، وتسمى بـ (أمير المؤمنين الناصر لدين الله)، وكان وراء إعلانه نفسَه خليفةً عدة أسباب وهي:

стр. 313

١ - انحدار سمعة الخلافة العباسية إلى الحضيض وتحوُّلِها إلى مطيَّة للقواد الأتراك وأطماعهم، بعد أن انفردت بهذا اللقب بعد الأمويين، باعتبار أن الخلافة كمؤسسة دينية ودنيوية لا يمكن أن تتجزأ، مما أدى إلى إضعاف العلاقات الروحية التي كانت تربط بين الناس وبين الخليفة العباسي، ثم جاء اغتيال الخليفة المقتدر (٢٩٥ - ٣٢٠ هـ/٩٠٧ - ٩٣٢ م) على يد قائده التركي مؤنس، ليضع الخلافة أمام منعطف خطير وضعف مستطير، مما شجَّع الناصر على إعلان نفسه خليفة (١). ٢ - ظهور الدولة الفاطمية وإعلانها الخلافة الفاطمية في المغرب منافسة الخلافة العباسية في بغداد على هذا اللقب، وكان إعلان الفاطميين لخلافتهم رغم وجود الخلافة العباسية خرقاً لمبدأ ضرورة وحدة الخلافة وعدم جواز تعددها، فجاء إعلان الناصر الخلافة الأموية بمثابة رد على الدعوة العبيدية الفاطمية، القريبة من حدوده، وليدعم نفوذه تجاه الخلافة الفاطمية المعروفة بعدائها للعباسيين والأمويين معاً (٢). ٣ - تحقق الوحدة السياسية في الأندلس بعد ستة عشر عاماً من النضال قام بها الناصر بعد تسلمه الحكم مُتَّبعاً سياسات مختلفة لتحقيق هدفه (٣)، وكان ربع

стр. 314

القرن الذي سبقه فترة ضعف للحكم الأموي، انحصر فيها حكم بني أمية في قرطبة وحدها لكثرة الذين حاولوا الاستقلال بمناطقهم، فكان انتصار الناصر على ثورة ابن حفصون وولديه، التي استمرت أربعين سنة وأنهكت ثلاثة أمراء من قبله، علامة قوية على استقرار الحكم وقوته (١). ولم تظهر معارضة لإعلان الخلافة الأموية، سواء في الأندلس أو في غيرها، باستثناء ما جاء من اعتراض الخليفة الفاطمي حيث قال عن الناصر: ...

стр. 315

«وهو يزعم أنه أمير المؤمنين! إننا أهل ذلك دونه ودون سواه» (١). مستند فقهي لشرعية إعلان الخلافة في الأندلس: لابد هنا من الإشارة إلى الحكم الفقهي المتعلق بأسر الخليفة أسراً لا خلاص له منه، والذي يقضي بزوال شرعية الخليفة ووجوب تنصيب غيره مكانه، لعدم جواز خلو منصب الخلافة، والأمر الذي حصل في بغداد للخلفاء كان أشبه بالأسر الذي يصبح الخليفة معه لا حول له ولا قوة، وإن كان الشبه ضعيفاً، من هنا كانت شرعية إعلان الناصر نفسه خليفة في الأندلس لها أساس فقهي مقبول إلى حد ما (٢). دور العلماء في بقاء الخلافة الأموية في الأندلس: يمكن ملاحظة دور العلماء في بقاء الخلافة الأموية في الأندلس في العدد الكبير من الفقهاء الذي أورده ابن الخطيب في كتابه (أعمال الأعلام في من بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام) والذين أيدوا الدعوة إلى بيعة هشام المؤيد بن المستنصر في سنة ٣٦٦ هـ وكانت الخلافة يومها في أوج قوتها، ثم بدأت بعدها بالانحدار، وقد بلغ عدد الفقهاء الذين ذكرهم الخطيب ١٣٨ فقيهاً، رغم أن هشاماً المؤيد كان يومها في الحادية عشرة من عمره، ورغم أن هذا العدد فيه تضخيم، لأن بعض الأسماء قد تكررت وبعضها ولد عام البيعة، وذلك لرغبة ابن الخطيب في تبرير مبايعة أبي فارس عبد العزيز المريني سلطان المغرب لابنه الصغير أبي زيان محمد السعيد، وهذا تولى العرش سنة ٧٧٤ هـ/١٣٧٢ م تحت وصاية الوزير أبي بكر بن غازي صديق ابن الخطيب الذي أكرمه وأمَّنه عندما لجأ إليه فاراً من الأندلس، إلا أن بقية الفقهاء الذين ذكرهم ابن الخطيب تكفي لإثبات التأييد

стр. 316

الواسع من الفقهاء للخلافة الأموية في الأندلس، رغم مخالفة هذه البيعة لشرط البلوغ والتي تحدث لأول مرة في التاريخ الإسلامي (١). علاقة الأمويين في الأندلس بالفاطميين: بعد قيام الخلافة العباسية في بغداد واستلام العباسيين للخلافة دون الشيعة (٢) وتفردهم بالحكم رغم اشتراكهما معاً في الثورة ضد الأمويين، استأنفت الدعوة للتشيع بشكل مستقل وسري، وبثَّ الشيعةُ الإسماعيلية دعاتهم في أرجاء الدولة الإسلامية، وظهر أثر هذه الدعوة أول ما ظهر في سجلماسة (جنوب الجزائر)، وتطور إلى إقامة دولة في أفريقية (تونس)، وتعتبر الخلافات المذهبية من القضايا الرئيسة التي وجهت العلاقات بين الدولة الأمويَّة أو العباسيَّة السنيَّة والدولة الفاطميَّة الشيعيَّة الإسماعيليَّة، وقد برزت تلك الخلافات في قضية أساسية هي قضية الإمامة، وإلى جانب ذلك اختلفوا في تأويل القرآن الكريم وتفسيره والسنة والعبادات والمعاملات الشرعية ... ونحوها، ومن نماذج ذلك: الفرق بين الإسلام والإيمان إذ يرى الشيعة أن الإقرار بالله والتصديق لرسوله والإقرار به هو الإسلام، الذي مثله في التأويل مثل الظاهر وهو أول ما يجب على الإنسان أن يعمله ويعتقده، أما الإيمان فهو معرفة حجة الله في أرضه وشاهده على خلقه والاعتقاد بإمامته، والإيمان مثله مثل الباطن، ويجب ألا يفاتح المرء بالإيمان قبل مفاتحته بالإسلام (٣). ومن أمثلة تأويلهم للنصوص أن المعنيين بقوله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ التوبة/٧١ وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ النساء/٥٩ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ

стр. 317

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ المائدة/٥ هم الأئمة (١). ومن أمثلة تأويلهم للعبادات ففي الطهارة أن الظاهر فيها هو الوضوء والغسل بالماء والتيمم بالصعيد لمن يجوز له ذلك من أحداث الأبدان، وتأويلها في الباطن التطهر بالعلم، وفي الصلاة تأويلها في الباطن في الدعوة ومعرفة الإمام (٢). وفي الصيام: في الظاهر الإمساك عن الطعام والشراب ونحوه وذلك في النهار، وفي الباطن كتمان علم الشريعة عن أهل الظاهر والإمساك عن المفاتحة به ممن يؤذن له في ذلك (٣). والحج: في الظاهر قصد بيت الله الحرام وفي الباطن قصد الإمام ومعرفته (٤). ويعتبر الشيعة الإسماعيلية أن ركائز الإسلام ودعائمه سبعة هي بالترتيب: الإمامة، الطهارة، الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، الجهاد (٥)، ومن تأويل باطن هذه الركائز واستكناهه انبثق الفكر الشيعي الإسماعيلي، الذي حرص الأئمة والدعاة الإسماعيليون على بثه والتبشير به بين الناس في مختلف الأقاليم، وهو بلا شك فكر مخالف لما عليه أهل السنة الذين لا يجيزون التأويل الباطني إذا كان لا يدل عليه اللفظ، وروى ابن ماجه وغيره عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فما تعهد إلينا؟ فقال: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم والأمور المحدثات فإن كل بدعة ضلالة، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد» (٦).

стр. 318

لهذا فمنذ قيام الخلافة الفاطمية كان لها أطماع جديَّة في الأندلس، من أجل القضاء على الحكم الأموي فيها بدافع الاختلاف المذهبي ولتأمين حدودها الغربية، فعملت على مد نفوذها في المغربين الأوسط والأقصى، بالتحالف مع قبيلة كتامة البربرية، وكان عبيد الله المهدي (١) بالإضافة إلى ما يقوم به من أعمال حربية وتوسعية في أفريقية والمغرب، مهتماً أيضاً بإعداد الدعاة المهرة وانتقائهم من بين العلماء المخلصين لمبادئ الشيعة، وإرسالهم إلى كثير من أقاليم العالم الإسلامي لبثِّ دعوة الفواطم ونشر مبادئهم، ولا سيما في أرض الأندلس حيث يوجد أعداؤهم التقليديون بنو أمية، وذلك ليمهدوا الطريق أمام الغزو الفاطمي، بالدعاية وبث الأفكار الشيعية في ربوع الأندلس من جهة، وبالجاسوسية من جهة أخرى، لمعرفة الأحوال السياسية والاقتصادية والدينية للبلد المقصود، والتركيز على مواطن الضعف والقوة فيه، وقد كُلِّف بهذه المهمة مجموعة من الجواسيس والدعاة، وراء ستار من المصالح المشروعة، كالتجارة أو العلم أو السياحة الصوفية (٢)، وكان الفاطميون في أفريقية والمغرب يجسُّون النبض ويترقبون الفرصة للهجوم، إما شرقاً نحو مصر أو غرباً نحو الأندلس، مما كوَّن خطراً واضحاً على أمويي الأندلس (٣). لقد أدرك كل من الأمويين والعبيديين خطورة كل منهما على الآخر، كما أدركا الأهمية الإستراتيجية للمغربين الأوسط والأقصى لكل منهما أيضاً، فالمغرب في نظر الخليفة الناصر مفتاح للأندلس (٤)، بينما كان يرى العبيديون أنه لا يمكن أن

стр. 319

يستقر لهم قرار في المغرب وبنو أمية في الأندلس (١) فاحتلالهم للأندلس سيجعل المغرب الإسلامي كله خاضعاً لهم وبهذا ينقسم العالم الإسلامي إلى قسمين: شرقي تابع للخلافة العباسية، وغربي تابع للخلافة العبيدية. ولكن المحاولات الفاطمية لاحتلال المغربين الأوسط والأقصى لم تنجح بسبب المناوأة الأموية من جهة، وسياسة التعسف التي سلكها عبيد الله في نشر التشيع من سبِّ الصحابة وإظهار البدع المحرمة، وإحلال الحرام كشرب الخمر وأكل الخنزير في نهار رمضان!! من جهة أخرى (٢)، فمثلاً أحمد البلوي كان يجعل قبلته في الصلاة حيث يقيم عبيد الله الشيعي ويقول: لست ممن يعبد ما لا يُرى، حتى أفتى علماء المالكية بعدم جواز دفع الزكاة للعبيدية لأنهم على غير الإسلام (٣). ونظراً لعدم نجاح دعاة الدعوة الفاطمية في الأندلس، سلك الفاطميون أسلوب دعم الثورات المناهضة للأمويين في الأندلس. وكانت الثورات الشيعية التي قامت في الأندلس قد سبقت قيام الخلافة الفاطمية بزمن بعيد، ويمكن القول أن ما نجحت به الدعوة الشيعية في أفريقية من إقامة الخلافة الفاطمية، كان هناك ما يقابله في كل نواحي الخلافة العباسية تقريباً، غير أنه لم ينجح في كثير من الأماكن ومن بينها الأندلس، وعند قيام الدولة العبيدية الفاطمية بأفريقيا كانت الأحوال في الأندلس مضطربة ووحدتها السياسية متفككة، لظهور الكثير من حركات التمرد على السلطة المركزية في قرطبة في أواخر عصر الإمارة، فحاول العبيديون مد نفوذهم إلى الأندلس بالاستفادة من الظروف المضطربة التي تعاني منها الأندلس، في وقت كانت الثورات في الأندلس تحتاج

стр. 320

إلى شرعية تستند إليها في ثورتها، ومن الثورات الشيعية التي قامت في الأندلس في عهد الأمويين: ١ - ثورة معلم الصبيان (شقنا) في عهد الداخل: كانت أول حركة ثورية اتخذت التشيع طابعاً لها في الأندلس هي الثورة التي قام بها سنة ١٥١هـ/٧٦٩ م ضد الداخل من قبل معلم صبيان يدعى شقنا أو (شقيا) بن عبد الواحد المكناسي، حيث ادعى أنه من بيت النبوة وأنه من ولد فاطمة والحسين بن علي، وتسمى بعبد الله بن محمد وعرف بالفاطمي، فعمَّت ثورته منطقة واسعة شملت جميع الهضبة التي تتوسط شبه الجزيرة، ما بين ماردة وقورية غرباً إلى ثغور وادي الحجارة وكونكة شرقاً، واستمرت ما يقرب من عشر سنوات من سنة ١٥١هـ/٧٦٨ م إلى سنة ١٦٠هـ/٧٧٧ م، وقد خرج إليه عبد الرحمن بن معاوية (الداخل) من قرطبة عند بادئ أمره، إلا أن الفاطمي اعتصم بالجبال مع أتباعه متجنباً المواجهة في السهول، وعيَّن عبدُ الرحمن بن الداخل حبيباً بن عبد الملك على طليطلة لمواجهة ثورة الفاطمي، وتكررت محاولاته للقضاء عليه فلم يستطع، وذلك في سنة ١٥٢هـ، وفي سنة ١٥٣هـ، وفي سنة ١٥٤هـ، ثم قام في سنة ١٦٠هـ بحملة قوية قام على إثرها اثنان من أتباع شقنا باغتياله، وكانت هذه الثورة أول حركة لإقامة دولة شيعية في المغرب والأندلس، إذ سبقت قيام دولة الأدارسة بنحو عشرين سنة (١). ٢ - ثورة الحسين بن يحيى والي سرقسطة: من الثورات الشيعية التي واجهها الداخل ثورة الحسين بن يحيى بن سعيد بن عبادة الخزرجي والي سرقسطة سنة ١٥٧ هـ، وقد عرفت أسرة الحسين بوقوفها
следующие страницы →