← Общие книги

Общие книги · id 96234

تعدد الخلفاء ووحدة الأمة فقها وتاريخا ومستقبلا

محمد خلدون مالكي

Полный текст (430 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الواسع من الفقهاء للخلافة الأموية في الأندلس، رغم مخالفة هذه البيعة لشرط البلوغ والتي تحدث لأول مرة في التاريخ الإسلامي (١). علاقة الأمويين في الأندلس بالفاطميين: بعد قيام الخلافة العباسية في بغداد واستلام العباسيين للخلافة دون الشيعة (٢) وتفردهم بالحكم رغم اشتراكهما معاً في الثورة ضد الأمويين، استأنفت الدعوة للتشيع بشكل مستقل وسري، وبثَّ الشيعةُ الإسماعيلية دعاتهم في أرجاء الدولة الإسلامية، وظهر أثر هذه الدعوة أول ما ظهر في سجلماسة (جنوب الجزائر)، وتطور إلى إقامة دولة في أفريقية (تونس)، وتعتبر الخلافات المذهبية من القضايا الرئيسة التي وجهت العلاقات بين الدولة الأمويَّة أو العباسيَّة السنيَّة والدولة الفاطميَّة الشيعيَّة الإسماعيليَّة، وقد برزت تلك الخلافات في قضية أساسية هي قضية الإمامة، وإلى جانب ذلك اختلفوا في تأويل القرآن الكريم وتفسيره والسنة والعبادات والمعاملات الشرعية ... ونحوها، ومن نماذج ذلك: الفرق بين الإسلام والإيمان إذ يرى الشيعة أن الإقرار بالله والتصديق لرسوله والإقرار به هو الإسلام، الذي مثله في التأويل مثل الظاهر وهو أول ما يجب على الإنسان أن يعمله ويعتقده، أما الإيمان فهو معرفة حجة الله في أرضه وشاهده على خلقه والاعتقاد بإمامته، والإيمان مثله مثل الباطن، ويجب ألا يفاتح المرء بالإيمان قبل مفاتحته بالإسلام (٣). ومن أمثلة تأويلهم للنصوص أن المعنيين بقوله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ التوبة/٧١ وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ النساء/٥٩ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ

стр. 317

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ المائدة/٥ هم الأئمة (١). ومن أمثلة تأويلهم للعبادات ففي الطهارة أن الظاهر فيها هو الوضوء والغسل بالماء والتيمم بالصعيد لمن يجوز له ذلك من أحداث الأبدان، وتأويلها في الباطن التطهر بالعلم، وفي الصلاة تأويلها في الباطن في الدعوة ومعرفة الإمام (٢). وفي الصيام: في الظاهر الإمساك عن الطعام والشراب ونحوه وذلك في النهار، وفي الباطن كتمان علم الشريعة عن أهل الظاهر والإمساك عن المفاتحة به ممن يؤذن له في ذلك (٣). والحج: في الظاهر قصد بيت الله الحرام وفي الباطن قصد الإمام ومعرفته (٤). ويعتبر الشيعة الإسماعيلية أن ركائز الإسلام ودعائمه سبعة هي بالترتيب: الإمامة، الطهارة، الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، الجهاد (٥)، ومن تأويل باطن هذه الركائز واستكناهه انبثق الفكر الشيعي الإسماعيلي، الذي حرص الأئمة والدعاة الإسماعيليون على بثه والتبشير به بين الناس في مختلف الأقاليم، وهو بلا شك فكر مخالف لما عليه أهل السنة الذين لا يجيزون التأويل الباطني إذا كان لا يدل عليه اللفظ، وروى ابن ماجه وغيره عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فما تعهد إلينا؟ فقال: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم والأمور المحدثات فإن كل بدعة ضلالة، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد» (٦).

стр. 318

لهذا فمنذ قيام الخلافة الفاطمية كان لها أطماع جديَّة في الأندلس، من أجل القضاء على الحكم الأموي فيها بدافع الاختلاف المذهبي ولتأمين حدودها الغربية، فعملت على مد نفوذها في المغربين الأوسط والأقصى، بالتحالف مع قبيلة كتامة البربرية، وكان عبيد الله المهدي (١) بالإضافة إلى ما يقوم به من أعمال حربية وتوسعية في أفريقية والمغرب، مهتماً أيضاً بإعداد الدعاة المهرة وانتقائهم من بين العلماء المخلصين لمبادئ الشيعة، وإرسالهم إلى كثير من أقاليم العالم الإسلامي لبثِّ دعوة الفواطم ونشر مبادئهم، ولا سيما في أرض الأندلس حيث يوجد أعداؤهم التقليديون بنو أمية، وذلك ليمهدوا الطريق أمام الغزو الفاطمي، بالدعاية وبث الأفكار الشيعية في ربوع الأندلس من جهة، وبالجاسوسية من جهة أخرى، لمعرفة الأحوال السياسية والاقتصادية والدينية للبلد المقصود، والتركيز على مواطن الضعف والقوة فيه، وقد كُلِّف بهذه المهمة مجموعة من الجواسيس والدعاة، وراء ستار من المصالح المشروعة، كالتجارة أو العلم أو السياحة الصوفية (٢)، وكان الفاطميون في أفريقية والمغرب يجسُّون النبض ويترقبون الفرصة للهجوم، إما شرقاً نحو مصر أو غرباً نحو الأندلس، مما كوَّن خطراً واضحاً على أمويي الأندلس (٣). لقد أدرك كل من الأمويين والعبيديين خطورة كل منهما على الآخر، كما أدركا الأهمية الإستراتيجية للمغربين الأوسط والأقصى لكل منهما أيضاً، فالمغرب في نظر الخليفة الناصر مفتاح للأندلس (٤)، بينما كان يرى العبيديون أنه لا يمكن أن

стр. 319

يستقر لهم قرار في المغرب وبنو أمية في الأندلس (١) فاحتلالهم للأندلس سيجعل المغرب الإسلامي كله خاضعاً لهم وبهذا ينقسم العالم الإسلامي إلى قسمين: شرقي تابع للخلافة العباسية، وغربي تابع للخلافة العبيدية. ولكن المحاولات الفاطمية لاحتلال المغربين الأوسط والأقصى لم تنجح بسبب المناوأة الأموية من جهة، وسياسة التعسف التي سلكها عبيد الله في نشر التشيع من سبِّ الصحابة وإظهار البدع المحرمة، وإحلال الحرام كشرب الخمر وأكل الخنزير في نهار رمضان!! من جهة أخرى (٢)، فمثلاً أحمد البلوي كان يجعل قبلته في الصلاة حيث يقيم عبيد الله الشيعي ويقول: لست ممن يعبد ما لا يُرى، حتى أفتى علماء المالكية بعدم جواز دفع الزكاة للعبيدية لأنهم على غير الإسلام (٣). ونظراً لعدم نجاح دعاة الدعوة الفاطمية في الأندلس، سلك الفاطميون أسلوب دعم الثورات المناهضة للأمويين في الأندلس. وكانت الثورات الشيعية التي قامت في الأندلس قد سبقت قيام الخلافة الفاطمية بزمن بعيد، ويمكن القول أن ما نجحت به الدعوة الشيعية في أفريقية من إقامة الخلافة الفاطمية، كان هناك ما يقابله في كل نواحي الخلافة العباسية تقريباً، غير أنه لم ينجح في كثير من الأماكن ومن بينها الأندلس، وعند قيام الدولة العبيدية الفاطمية بأفريقيا كانت الأحوال في الأندلس مضطربة ووحدتها السياسية متفككة، لظهور الكثير من حركات التمرد على السلطة المركزية في قرطبة في أواخر عصر الإمارة، فحاول العبيديون مد نفوذهم إلى الأندلس بالاستفادة من الظروف المضطربة التي تعاني منها الأندلس، في وقت كانت الثورات في الأندلس تحتاج

стр. 320

إلى شرعية تستند إليها في ثورتها، ومن الثورات الشيعية التي قامت في الأندلس في عهد الأمويين: ١ - ثورة معلم الصبيان (شقنا) في عهد الداخل: كانت أول حركة ثورية اتخذت التشيع طابعاً لها في الأندلس هي الثورة التي قام بها سنة ١٥١هـ/٧٦٩ م ضد الداخل من قبل معلم صبيان يدعى شقنا أو (شقيا) بن عبد الواحد المكناسي، حيث ادعى أنه من بيت النبوة وأنه من ولد فاطمة والحسين بن علي، وتسمى بعبد الله بن محمد وعرف بالفاطمي، فعمَّت ثورته منطقة واسعة شملت جميع الهضبة التي تتوسط شبه الجزيرة، ما بين ماردة وقورية غرباً إلى ثغور وادي الحجارة وكونكة شرقاً، واستمرت ما يقرب من عشر سنوات من سنة ١٥١هـ/٧٦٨ م إلى سنة ١٦٠هـ/٧٧٧ م، وقد خرج إليه عبد الرحمن بن معاوية (الداخل) من قرطبة عند بادئ أمره، إلا أن الفاطمي اعتصم بالجبال مع أتباعه متجنباً المواجهة في السهول، وعيَّن عبدُ الرحمن بن الداخل حبيباً بن عبد الملك على طليطلة لمواجهة ثورة الفاطمي، وتكررت محاولاته للقضاء عليه فلم يستطع، وذلك في سنة ١٥٢هـ، وفي سنة ١٥٣هـ، وفي سنة ١٥٤هـ، ثم قام في سنة ١٦٠هـ بحملة قوية قام على إثرها اثنان من أتباع شقنا باغتياله، وكانت هذه الثورة أول حركة لإقامة دولة شيعية في المغرب والأندلس، إذ سبقت قيام دولة الأدارسة بنحو عشرين سنة (١). ٢ - ثورة الحسين بن يحيى والي سرقسطة: من الثورات الشيعية التي واجهها الداخل ثورة الحسين بن يحيى بن سعيد بن عبادة الخزرجي والي سرقسطة سنة ١٥٧ هـ، وقد عرفت أسرة الحسين بوقوفها

стр. 321

بجانب علي ضد معاوية ﵄ (١). ٣ - حركة عمر بن حفصون (٢) وعلاقتها بالتشيع: كانت ثورة ابن حفصون أخطر التمردات التي حصلت في الأندلس وأعنفها لحصانة موقعها وشدة بأس قائدها، فقد كادت تعصف بكيان بني أمية في الأندلس وامتدت أكثر من أربعين سنة ما بين سنتي ٢٦٧ - ٣١٦ هـ/٨٨١ - ٩٢٩ م، وعاصرت ثلاثة من الأمراء؛ محمد بن عبد الرحمن وابنه المنذر، وعبد الله بن محمد وستة عشر عاماً من إمارة عبد الرحمن الناصر وذلك قبل أن يقضي عليها الناصر، وكان لهذه الثورة صلة حقيقية أو شكلية بالتشيع، لأن ابن حفصون اتصل بالعبيديين - من بين من اتصل بهم (٣) - ليستفيد من رغبتهم في مد نفوذهم إلى الأندلس، وليحقق أهدافه في القضاء على الدولة الأموية، فأرسلوا إليه رجلين وخاطبوه بالحض على طاعتهم وإقامة دعوتهم، حتى ذكر صاحب كتاب (في ذكر بلاد الأندلس وصفاتها) أن ابن حفصون بايع عبيد الله الشيعي فكتب له عبيد الله بعهده على جميع الأندلس. وأكد ابن حزم هذا الاتصال حينما ذكر أن عمر بن حفصون خطب في أعماله بِرَيَّة (ببشتر) لعبيد الله المهدي صاحب أفريقية، وأذن للصلاة في جميع أعماله بـ (حي على خير العمل) (٤).

стр. 322

محاولة أخرى: بعد فشل ثورة ابن حفصون تجددت محاولات الفاطميين للسيطرة على الأندلس بعد إعلان قيام الخلافة الأموية فيها، وكان ما قام به أحد أعوان الخليفة الفاطمي، وهو الجغرافي المعروف ابن حوقل منتحلاً شخصية تاجر، ليدرس ظروف الأندلس ومدى قوتها العسكرية، تمهيداً لغزو الأندلس (١)، ولكن كان للظروف دورها في حسم الصراع بين الخليفتين الأموي والفاطمي، وإنقاذ الأندلس من غزو مرتقب على يد الدولة الفاطمية، لأن خصومة الشيعة مع العباسيين لم تكن أقل ضراوة منها مع الأمويين بل كانت لها الأولوية، وخاصة بعد خروج مصر من قبضة العباسيين منذ ولاية أحمد بن طولون في منتصف القرن الثالث الهجري (في أيام المستعين) (٢). وكان سقوط مصر بيد (جوهر) كبير قواد المعز الفاطمي (سنة ٣٥٨هـ) سبباً في تحول أنظار الفاطميين كلياً نحو الشرق، إضافة إلى شخصية عبد الرحمن الناصر القوية، فقد كان سياسياً مرناً وقائداً فذاً وإدارياً صلباً. وكما كان الداخل يرغب في غزو الشام وانتزاعه من العباسيين، وإعادته لسيطرة الأمويين، كان الناصر أيضاً يرغب بشدة في توحيد العالم الإسلامي تحت راية الخلافة الأموية، بل كان يهيئ نفسه وقواده لهذا المشروع الكبير، بعد إزالة الخلافة الفاطمية من أفريقية والمغرب، والإطاحة بخلافة بني العباس في المشرق، وكان عبد الرحمن الناصر يهتم بالجنود المغاربة ويعقد عليهم الآمال ويحثهم بشكل متكرر على الاستعداد لتحقيق هذا المشروع، ويرسل لهم الرسائل المتتابعة، كما أمر عماله في الأندلس بالتأهب والاستعداد وكان يريد بالإضافة إلى إحياء ملك أجداده أن يخلص الحجر الأسود من القرامطة، ولكن هذه الفكرة ظلت حبيسة المخيلة لم تتعداها، إذ لم تنزل حيز التطبيق وثبت أنه يستحيل تنفيذها لبعد الشقة

стр. 323

بين الأندلس والمشرق وعدم توفر الإمكانات لهذا المشروع الضخم (١). رد فعل الأمويين في الأندلس على الدعوة الفاطمية: تمثل بأربع نقاط: ١ - تشجيع المواجهة العلمية ضد الفاطميين: فقام الناصر بدعم فقهاء المالكية في الشمال الإفريقي والمغرب، بل وصل إلى فقهاء المالكية في مصر كاتصاله بأبي إسحق محمد بن القاسم المعروف بابن القرطبي المتوفى سنة ٣٥٥ هـ/٩٦٦ م وبعث إليه بعشرة آلاف دينار ليفرقها على علماء المالكية، ولم يغفل الناصر استخدام نفس أسلوب الفاطميين في التجسس فكان له عيون ووسطاء منبثون في جميع أنحاء المغرب، يوافونه بما يهمه من أخبار الدولة الفاطمية في المغرب، وساعدهم في مهمتهم الجاسوسية وجود الجاليات الأندلسية المقيمة في كثير من المدن والثغور المغربية، وأما الحكم المستنصر (٢) فكان يشجع العلماء على الكتابة والتأليف في نسب العلويين، وقد كان الفقهاء السنِّيون عامة والأندلسيون خاصة أكثر الفقهاء معارضة للفاطميين دائماً، إذ يروي ابن الفرضي أن الفقيه القرطبي يحيى بن عمر (ت ٢٨٩ هـ/٩٠١ م) الذي استوطن مدينة القيروان، كان شديد التعصب لمذهب أهل السُّنة، كارهاً للبدع حاملاً عليها، وكان يعتز كل الاعتزاز بولائه لبني أمية، لذا كان فقهاء السُّنة، من الجاليات الأندلسية أكثر الفقهاء في المغرب عرضة للاضطهاد الفاطمي، وكان الصراع المذهبي في أفريقية والمغرب على أشده بين أهل السُّنة والشِّيعة، وقد أصبح الفقهاء يؤلفون الدعامات القوية للحرب ضد الفواطم، ومن بين هؤلاء الفقهاء الفقيه أبو الحسن الخلاَّف الذي قال: إن قتال الفاطميين أفضل من قتال المشركين، وكان يرى في محاربة الفواطم فرضاً وواجباً على كل مسلم، ومنهم ربيع القطان الذي اتخذ عهدا على نفسه بأن لا يشبع من طعام ولا نوم حتى يقطع الله دابر بني عبيد، وقال: كيف لا أخرج لمحاربة الفواطم وقد سمعت الكفر بأذني (٣).

стр. 324

٢ - استقبال أي لاجئ سياسي يهرب من اضطهاد الشيعة كإسماعيل بن عبد الرحمن القرشي الذي رحل من مصر ووفد على الحكم المستنصر سنة ٣٦٠ هـ. ٣ - إنشاء المدن البحرية مثل المرية وبناء الأسطول الأندلسي لمواجهة الأسطول الفاطمي (١). ٤ - إعلان الخلافة الأموية لتقوية الصف الداخلي في مواجهة الفاطميين. ٥ - التحالف السياسي والعسكري مع أمراء النواحي المغربية؛ فقد كوَّن الخلفاء الأمويون شبكة علاقات كبيرة مع أطراف مغربية عديدة، للوقوف بوجه الفاطميين وبوجه حلفائهم الصنهاجيين وَرَثَتِهم في حكم أفريقية والمغرب، بعد انتقال الفاطميين إلى مصر، وممن استجاب للأمويين: - موسى بن أبي العافية المكناسي سنة ٣١٧ أو ٣١٩ هـ، الذي تمكن من بسط نفوذه في المغرب الأقصى (توفي سنة ٣٢٦ هـ/٩٣٧ م) (٢). - ومن أبرز من استجابوا لدعوة الناصر من أمراء العدوة محمد بن خزر المتوفى سنة ٣٤٨ هـ/٩٥٩ م عظيم أمراء زناتة البربرية، فأعلن الدعوة للأمويين في كل مراكز المغرب الأوسط ودخل في حروب مستمرة مع العبيديين. - كما قام الأمويون بتأكيد علاقتهم بالرستميين الإباضيين الخوارج، بغض النظر عن الاختلاف المذهبي بينهما (٣)، فدعم الناصرُ ثورةَ القائد الخارجي مخلد بن

стр. 325

كيداد المعروف بـ (صاحب الحمار) (١) ضد الفاطميين. - ومثل ذلك ارتباط الأمويين مع إمارة بني مدرار، وبرغواته في بداية الأمر، وبني صالح أصحاب نكور. - وكان للأمويين في مرحلة معينة صلات مع الأدارسة أنفسهم ضد الفاطميين، وإن كانت هذه الصلات مؤقتة تحركها قوة الأمويين وانتصاراتهم في المغرب، ثم لا تلبث أن تختفي بضعفهم (٢). - بل إن القائد الشيعي حميد بن يصل المكناسي، الذي خدم الدولة الفاطمية مدة طويلة، وأصبح من أكبر قوادها في المغرب، لجأ إلى محمد بن خزر حليف الأمويين في الأندلس، وبعث بولائه إلى الناصر فأجابه بالقبول، وأوسع عليه بالعطايا والهدايا ورفع منزلته حيث عينه قائداً لقواته في المغرب الأوسط (٣). - إعلان الطاعة للناصر من قبل سكان جزائر بني مزغنة (الجزائر العاصمة حالياً)، في آخر ذي القعدة من سنة ٣٢٨ هـ حيث قدم إلى قرطبة وفد من وجوه سكان جزائر بني مزغنة من أعمال الشيعة يحمل كتاباً إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر يخطبون وده. وكان الناصر في كل هذه الاتصالات يبرز نفسه كحامي السُّنة والدين ويحرضهم على الفواطم، ويبذل لهم الأموال والمؤن والعتاد، وقد وجَّه إليهم سفيره

стр. 326

وخاصته، القاضي محمد بن عبد الله بن أبي عيسى سنة ٣١٦ هـ/ ٩٢٨ م محملاً بالهدايا والألطاف والأموال إلى رؤساء القبائل البربرية، وكان محمد بن عبد الله هذا من أصل مغربي كما كان دبلوماسياً حكيماً، عرف كيف يستهوي قلوبهم ويستميل نفوسهم، ويحكم المواصلة بينهم وبين خليفة الأندلس، ويقول في ذلك ابن حيان: «فلم يلبث أن هويت إليه أفئدة كثير منهم ومن زعمائهم بين مصحح في ولايته، مستجيب لدعوته مغتنم لعطيته مستعين بعونه» (١). الصراع المباشر بين الأمويين والفاطميين في المغرب: لم يكتف عبد الرحمن الناصر عند حد التحريض والنشاط الدعائي والدعم السياسي والاقتصادي والعسكري للقبائل المغربية ضد العبيديين فحسب، بل تعدى ذلك إلى احتلال بعض الثغور الواقعة على الساحل الغربي المواجهة للشاطئ الأندلسي الجنوبي، ومن أمثلة التدخل الأموي المباشر في المغرب: - الاستيلاء على مليلة سنة ٣١٤/ ٩٢٦ هـ (٢). ثم الاستيلاء على سبتة بعدها بخمس سنوات سنة ٣١٩ هـ/٩٣١ م، حيث وجَّه عبد الرحمن الناصر أسطولاً بحرياً إليها بقيادة أمية بن إسحاق القرشي عامله على الجزيرة الخضراء فدخلها بدون مقاومة، وتسلم المدينة من صاحبها الرضى بن عصام، ولما علم الأدارسة من بني محمد باحتلال سبتة حاولوا استرجاعها ولكن حاميتها ردُّوهم على أعقابهم ولما أدركوا فشلهم اعتذروا لعبد الرحمن الناصر واعترفوا له بخلافته اعترافاً ضمنياً، بأنه صاحب الحق الشرعي في الخلافة ووراثة عرش أجداده بني أمية فقبل منهم وأظهر تصديقهم، انسجاماً مع سياسة التسامح التي كان يتبعها مع رؤساء الأقاليم (٣).

стр. 327

- الاستيلاء على أصيلا سنة ٣٢٢هـ/٩٣٤ م: بعد خلع أهل مدينة أصيلا طاعة بني أمية سنة ٣٢٢هـ/٩٣٧ م بعد أن كان قد بعثوا بولائهم للناصر سنة ٣١٩هـ/٩٣١ م، أرسل لهم الناصر أسطوله، وأعادهم إلى الطاعة. - الاستيلاء على مدينة طنجة سنة ٣٢٣هـ/٩٣٥ م: كان أهل طنجة قد بايعوا الناصر بعد استيلائه على سبتة، ولما نقضوا العهد وجه لهم أسطوله في رمضان سنة ٣٢٣هـ/٩٣٥ م وأخضعهم. - الاستيلاء على جزيرة أرشقول سنة ٣٢٥ هـ: بعد فشل محاولة فتحها سنة ٣٢٠ هـ، وكانت هذه المحاولة استجابة لطلب حليفه موسى بن أبي العافية الذي لم يستطع فتح هذه الجزيرة فطلب من الناصر المدد، فأرسل له أسطولاً من مائة وعشرين قطعة حربية على متنها نحو من سبعة آلاف جندي بحري منهم خمسة آلاف بحار (١). ولما علم بذلك عبيد الله المهدي أرسل جيشاً من عشرة آلاف مقاتل بقيادة حميد بن يصل المكناسي صاحب تاهرت وابن أخي مصالة بن حبوس وقد انتهت هذه الحرب بفرار موسى وأصحابه من مدينة فاس ومضوا إلى حصن (عين إسحاق) ببلاد تاسول فتحصنوا به، وبعث موسى إلى الناصر لدين الله يستنجده، فلم يتأخر هذا الأخير وجرَّد إليه قوة كبيرة من الجند بقيادة قاسم بن طلمس فنزلت في مدينة سبتة، ثم كتب الناصر يستنفر القبائل المغربية ضد صاحب الشيعة، ولم يكتف بهذا بل أرسل مرة أخرى وحدة بحرية، قام بتجهيزها على جناح السرعة، إذ أن الأسطول الأندلسي في هذه الفترة كان يقوم بالجهاد في سواحل الفرنجة، واستطاع موسى أن يهزم أعداءه بفضل الإمدادات السريعة، وعاد حميد بن يصل إلى تاهرت مفلولاً (٢). وهكذا استطاع الناصر أن يستولي على معظم الثغور البحرية المغربية مثل

стр. 328

سبتة وأصيلا وطنجة وجزيرة أرشقول، وأصبح يتحكم في غرب البحر الأبيض المتوسط (١). وظهرت آثار سياسة عبد الرحمن الناصر المغربية في الوفود الكثيرة التي كانت ترد بلاطه مزودة بالهدايا المغربية الجميلة، وبالرسائل الرستمية العديدة، التي تتضمن تجديد الولاء والطاعة، والاعتراف بأحقيته في الخلافة دون الفواطم وبني العباس، وتشتمل أيضاً على أخبار مستفيضة عن بلاد المغرب وأحواله، يشرحون فيها سياستهم وأعمالهم إزاء جيرانهم الفواطم، وعما أحرزوه من انتصارات حاسمة على الجيوش الفاطمية (٢). وتكرر الصدام بين الفاطميين والأمويين سنة ٣٤٤ هـ/٩٥٥ م في عهد المعز لدين الله الفاطمي عندما كان مركب للناصر يسير نحو الشرق محملاً بالأمتعة بقصد التجارة فلقي في البحر مركباً فيه رسول من صقلية إلى المعز لدين الله الفاطمي

стр. 329

فأخذ ما في المركب وقطع عليه الطريق، فأرسل المعز انتقاماً لذلك أسطولاً إلى المرية وأحرق المراكب التي في مينائها وأخذ ذلك المركب، وكان رد فعل الناصر أن أمر بإطلاق اللعنة على ملوك الشيعة على جميع منابر الأندلس، وجهز أسطولاً إلى بلاد أفريقية اقتتل مع عساكر المعز وعاد إلى الأندلس، وفي السنة التالية (٣٤٥هـ/٩٥٦ م) أبحر أسطول كبير من سبعين سفينة وهاجم مدينة الخزر (القالة حالياً) وتوجه إلى مدينة طبرقة غرب مدينة بنزرت التونسية وتعداها إلى مدينة سوسة شمال مدينة المهدية فخربها. لم يسكت الخليفة الفاطمي المعز عن هذه الغارات فبعث قائده جوهراً الصقلي في سنة ٣٤٧هـ/٩٥٨ م إلى المغرب لإخضاع البربر لسلطان الفواطم والقضاء على النفوذ الأموي فيه فاكتسح المغرب الأوسط والأقصى وأخضع البربر، ولكنه لم يستطع أن يحتل القواعد الأموية الساحلية ولم يستطع أن يفتح سبتة، وبعث الناصر صاحب شرطته على رأس أسطول ليؤازر موانيه ضد هجوم جوهر (١). وكامتداد للصراع بين الفاطميين والأمويين حصلت مواجهة عسكرية مباشرة بين الأدارسة والأمويين بعد ثورة الحسن بن جنون، أيام الحكم المستنصر الذي اضطر إلى التدخل المباشر واستئصال شوكة الأدارسة مخالفاً السياسة التقليدية المتسترة وراء القبائل المغربية فأرسل جيوشه وأساطيله في شوال سنة ٣٦١هـ/٩٧١ م إلى مدينة سبتة واحتل مدينة تطوان وطنجة وأصيلا، وفرَّ الحسن بن جنون، وعيَّن الحكم المستنصر على المغرب جعفرَ بن علي بن حمدون أحد قادة المعز لدين الله الفاطمي الذي فكر في توليته أفريقية وعدل عن ذلك وولى بني زيري (٢).

стр. 330

خلاصة القول إن سياسة الأمويين نحو دول المغرب ونحو الفاطميين في عهد الناصر والمستنصر وابن أبي عامر في زمن هشام المؤيد، كانت متشابهة، وكانت آخر مواجهة بين الأمويين في الأندلس وبين الفاطميين ثورة أبي ركوة زمن المستنصر الأموي ببرقة ضد الفواطم، لولا صمود جيوشهم وتمكنها من قتل أبي ركوة الأموي والقضاء على ثورته، وبهذه الثورة أسٍدل الستار على الصراع الأموي الفاطمي، لأن الخلافة الأندلسية دخلت مرحلة من أسوأ مراحلها، وهي مرحلة الضعف والإنحلال (١). وبصفة عامة فإن الأندلس بقيت أموية خالصة لم يقم فيها تجمع شيعي يمكن أن يكون له كلمة، يقول المقدسي واصفاً شدة حكومة قرطبة على الشيعة والتشيع وبالذات بعد ظهور العبيديين: «إن الأندلسيين إِنْ ظهروا على شيعي أو معتزلي قتلوه» (٢). ما نستنتجه من هذا الفصل: تبين لي أنه على الحقيقة لم يكن هناك تعدد للخلفاء، بل كان الأمر أقرب إلى تبادل أدوار الخلافة بين العباسيين والأمويين، فالخلافة العباسية كانت خلافة شرعية بعد سقوط الدولة الأموية في دمشق ولفترة طويلة ولم تنازعها الأندلس في هذا اللقب، إلا عندما ضعفت وصارت أقرب إلى الصورة منها إلى الحقيقة، فعندها برز عبد الرحمن الناصر خليفة في الأندلس، وهو وإن لم يملك كل البلاد الإسلامية - أو حتى أغلبها - لكنه كان ممسكاً بزمام الأمور في مكان خلافته بقوة، ولم يشترط جمهور الفقهاء لتصحَّ خلافة الخليفة أن يكون مسيطراً على كل الأرض الإسلامية (٣)، إذاً فالخلافة الأموية في الأندلس والخلافة العباسية لم تكونا تعتبران إلا خصمين سياسيين يتبعان المبادئ نفسها، وأما الخليفة الفاطمي فلا يمكن اعتباره خليفة للمسلمين؛ ليس لأنه كان يمثل خصومة وصراعاً مذهبياً بين السنَّة والشيعة إضافة إلى الخصومة السياسية، ولكن لأنه كان يعلن المبادئ المخالفة لجوهر

стр. 331

الإسلام - التي أشرت إلى بعضها - لذا لا يمكن اعتباره إلا متغلباً بقوة السيف، إضافة إلى أن الخلافة الفاطمية ومنذ نشأتها لم تعترف بالخلافة العباسية في بغداد أو الأموية في دمشق وقرطبة، بل لم تعترف بالخلفاء الراشدين الثلاثة الأُوَل، ونازعت الكلَّ كما نازعها الكلّ في لقب الخلافة، وكانت خصماً حقيقياً ومظهراً عملياً للتعدد مبنياً على نظرتهم الخاصة إلى الإمامة، أما الأمويون في الأندلس فقد برزوا كخلفاء سدّاً للفراغ السياسي الحاصل في الساحة، ولعدم اعترافهم بخلافة الفاطميين التي أُعلنت في أفريقية قبلهم، أو التي كانت في مصر بعد ذلك. فآل الأمر في الواقع إلى وجود خليفة واحد فقط وليس ثلاثة خلفاء كما قال المؤرخون، وعندما أُعلن سقوط الخلافة الأموية عادت الخلافة إلى العباسيين على ضعف الخليفة العباسي آنذاك. إذاً مرة أخرى لا تعدد شرعياً في التاريخ، فالأمة الإسلامية والتي هي الإطار السياسي الرئيس الذي يمكِّن الشعوب الإسلامية على اختلاف خصوصياتها اللسانية والثقافية والقومية من الاتحاد والتعاون لتحقيق غايات الوجود الإنساني كما حددها الشرع الحنيف، هذه الأمة لم تقبل أن تكون لها خلافات متعددة تمثل كل منها جزءاً من الشرعية، وما وُجد إنما هو إماراتٌ مستقلة أو شبه مستقلة أو صراعات على الحكم ليس فيها ما يستشف منه جواز تعدد الخلفاء أو ما يدل على أنه كان مبنياً على قاعدة شرعية أو حكم فقهي يجيز التعدد، وبقيت العقيدة الإسلامية والانتماء إلى الأمة الإسلامية الواحدة هما الأساس المتين الذي حافظ تاريخياً على بقاء وحدة الأمة الثقافية والاقتصادية والعملية رغم تباين القوميات والشعوب الإسلامية، بل رغم قيام تقسيمات سياسية ودويلات مستقلة. ويكفينا بعد هذه الجولة التاريخية الواسعة التي عرفنا خلالها رجحان قول من قال بضرورة وحدة الخلافة - بعد أن عرفنا قوة أدلته - أن نلاحظ أن ضعف الخلافة كان دائماً مقترناً بمخالفة الشرع وأهم مخالفتين للشرع هنا هما: التنازع على الخلافة، وأن يتولى منصب الخلافة من لم تتحقق فيه الشروط، كالصبي. أما ظاهرة التنازع على الخلافة فقد كانت دائماً مؤشراً على الضعف كما حصل في:

стр. 332

١ - آخر الخلافة الراشدة في عهد سيدنا علي ومعاوية ﵄. ٢ - زمن الأمويين في عهد ابن الزبير ومن عاصره من الخلفاء الأمويين. ٣ - داخل الخلافة العباسية نفسها في عهد المستعين حيث كان خليفة في بغداد والمعتز خليفة في سامراء، وكذا لما خرج على الأغلب بن سالم التميمي (الذي استعمله المنصور على المغرب سنة ١٤٨ هـ) أبو قرة بن دوناس اليفرني المغيلي من الصفرية بجهة تلمسان وبايعت له زناتة بالخلافة، قبل أن يفر من الأغلب لما زحف إليه (١). ٤ - وكما حصل أيام حكم ملوك الطوائف، حتى بلغ عدد الخلفاء ستةً في وقت واحد، ومعهم صاحب مصر العبيدي والعباسي ببغداد عدا من كان يدعي الخلافة في أقطار الأرض من العلوية والخوارج (٢). ٥ - وكما حصل في أيام الحموديين سنة ٤١٢ هـ - الذين أعلنوا سقوط الخلافة الأموية في الأندلس - فقد كان هناك خليفتان في وقت واحد، يحيى بن حمود (المعتلي بالله) في قرطبة، والقاسم بن حمود (المأمون) في إشبيلية (٣). وأما تولي الصبي للخلافة: فقد كان الضعف في مؤسسة الخلافة مقترناً به على الدوام، وهو يعتبر صورة من صور التشبث بالدنيا من خلال التمسك بكرسي الحكم؛ إما من الخليفة الذي قبله كما حصل مع هشام المؤيد في الأندلس الذي ولاه أبوه الحكمُ المستنصر الخلافةَ وهو صبي لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، الأمر الذي أدى إلى أن يسيطر ابن أبي عامر على الخلافة ثم سقوطها بعد ذلك، أو ممن حَوْلَ الخليفةِ الصبي نفسِه ليتحكموا بمقاليد الأمور معه، كما حصل مع المقتدر الذي ولي الخلافة وهو صبي بكيد من الأتراك حتى يتحكموا بالخلافة (٤).

стр. 333

الباب الرابع: التعدد والوحدة في المستقبل ويشتمل على ثلاثة فصول: - الفصل الأول: منظمة المؤتمر الإٍسلامي. - الفصل الثاني: جامعة الدول العربية. - الفصل الثالث: رابطة العالم الإسلامي.

стр. 334

تمهيد: إن أي سعي لتحقيق الوحدة يحتم دراسة محاولات إقامة الوحدة، سواء كانت فاشلة، أو جزئية، أو شكلية، ثم الاستفادة من الأخطاء لتجنبها، ومن الإيجابيات للبناء عليها، ويحتم علينا معرفة عوائق الوحدة وحوافزها، وهذه مهمة كبيرة تحتاج إلى جهود مجموعة كبيرة من الباحثين، فضلاً عن بعض الأجهزة الرسمية للدول. وسأقتصر هنا على دراسة ثلاثة نماذج لما يمكن اعتباره محاولات وحدة أو تقريب إسلامي، وهي منظمة المؤتمر الإسلامي، وجامعة الدول العربية، ورابطة العالم الإسلامي.

стр. 335

الفصل الأول: منظمة المؤتمر الإسلامي (١) في إطار التحديات التي واجهت - وما زالت تواجه - العالم الإسلامي، ومحاولات المسلمين الدؤوبة لإيجاد مكان لهم على خريطة العالم الممتلئة بالتكتلات، وُلِدت فكرة منظمة المؤتمر الإسلامي، والتي كان يرجى منها أن تكون حلقة من حلقات الاتحاد الإسلامي. وقد جاءت فكرة منظمة المؤتمر الإسلامي كرد فعل على فَقْدِ مؤسسة الخلافة ومحاولة لاستعادتها، بعد شعر المسلمون بالفراغ الذي خلفه فَقْدُ هذه الخلافة (٢)، ولكنها لشدة المعارضين وقوتهم لم تتحقق الأهداف التي انطلقت فكرة إنشائها منها، إلى أن وقعت حادثة حريق المسجد الأقصى فتجددت فكرة إنشاء هذه المنظمة، وتم ذلك، وسأتناول منظمة المؤتمر الإسلامي من حيث التعريف والنشأة والإنجازات، مع تقييم عام لأداء هذه المنظمة. ١ - تعريف منظمة المؤتمر الإسلامي: هي منظمة إقليمية تضمُّ الدول الإسلامية، التي تدين بدين الإسلام، ويبلغ عدد أعضائها سبعاً وخمسين دولة، والغرض الأساسي من إنشائها توحيد جهود المسلمين للدفاع عن مصالحهم، وقد تأسست المنظمة في الرباط بالمغرب في ١٢ رجب ١٣٨٩ هـ/أيلول ١٩٦٩ م. ويقف وراء إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي جملة أسباب يمكن تقسيمها إلى أسباب مباشرة وأسباب غير مباشرة؛ أما الأسباب غير المباشرة فهي: تنامي مشكلة الأقليات الإسلامية، والرغبة في مواجهة هذه المشكلات، وتخلف الأمة الإسلامية حضاريّاً، والرغبة الحقيقية في تدارك هذه الحالة من الركود أو التخلف الحضاري، فضلاً عن إخفاق جامعة الدول العربية في معالجة قضايا العالم الإسلامي وحل مشكلاته، وإخفاق الفكر القومي الذي انتشر في حقبة الستينيات، وما ترتب عليه من مصادمات سياسية، وقيام تجارب وحدوية فاشلة (٣).

стр. 336

أما السبب الرئيس المباشر لقيام منظمة المؤتمر الإسلامي، فكان حريق المسجد الأقصى على يد المتطرفين اليهود عام ١٩٦٩ م. فقد طلب مفتي القدس بعد الحريق عقد قمة إسلامية لمواجهة الاعتداءات اليهودية على المقدسات الإسلامية، وقد استجاب للنداء كل من السعودية والأردن ومصر لعقد مؤتمر لمناقشة تطورات الحادث، ووجدت الدعوى استجابات من المغرب وباكستان (١). مراحل إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي: مرَّ إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي بعدة مراحل حتى تم إنشاؤها؛ فقد نوقشت فكرتها في أربعة مؤتمرات إسلامية؛ هي: ١ - مؤتمر القمة الإسلامية الأول: عقد هذا المؤتمر في الرباط سنة ١٣٨٩هـ- ١٩٦٩م، وحضرته وفود سبع وعشرين دولة إسلامية، وقرر هذا المؤتمر تكليف وزراء خارجية الدول الإسلامية بالإجماع بإنشاء أمانة عامة للمؤتمر في جدة. ٢ - مؤتمر وزراء الخارجية الإسلامي الأول: عقد هذا المؤتمر في جدة سنة ١٣٩٠هـ- ١٩٧٠م، وتم الاتفاق فيه على عقد اجتماعات دورية، وإنشاء أمانة عامة يكون مقرها المؤقت مدينة جدة؛ حتى يتم تحرير القدس التي ستصبح المقر الدائم (٢). ٣ - مؤتمر وزراء الخارجية الثاني وإعداد ميثاق المنظمة: عقد هذا المؤتمر في كراتشي عام ١٣٩٠ هـ/١٩٧٠ م، وكانت محاور هذا المؤتمر تدور حول مبادئ وأهداف منظمة المؤتمر الإسلامي، كما تطرق هذا المؤتمر إلى صياغة الميثاق وبيان عناصره الأساسية. ٤ - مؤتمر وزراء الخارجية الثالث وإقرار الميثاق: عقد هذا المؤتمر في مدينة جدة سنة ١٣٩٢ هـ/١٩٧٢ م، وقد تمخض هذا

стр. 337

المؤتمر عن إنشاء المنظمة، وتم إعلان اللغات المعتمدة بها؛ وهي العربية والإنجليزية والفرنسية، كما تم تعيين أمين عام للمنظمة (١). وقد حدثت خلافات حول اسم المنظمة، فإطلاق لفظ المؤتمر عليها يجعلها أشبه بعمل مؤقت، حيث إن المؤتمرات تكون غالباً من أجل عقد اتفاقية أو معاهدة، أو إصدار مجموعة من القرارات، أما إطلاق لفظ المنظمة فمعناه هيئة مكونة نتيجة رغبات مجموعة من الدول للقيام بأعمال ذات اهتمام مشترك (٢). جذور منظمة المؤتمر الإسلامي: نتيجة لتنامي المد القومي الذي ساد العالم العربي في فترة الستينيات، تبنى الملك فيصل بن عبد العزيز ﵀ وكان آنذاك وليّاً للعهد، فكرة عقد مؤتمر إسلامي في مدينة مكة المكرمة في موسم الحج سنة ١٣٨١هـ- ١٩٦٢ م، حضره مجموعة من مندوبي الدول، كما حضره مندوبون غير حكوميين، وقد أسفر هذا المؤتمر عن تأسيس رابطة العالم الإسلامي، ولذلك تعد فكرة الرابطة الإسلامية التي نشأت برعاية الملك فيصل ﵀ هي الأصل لفكرة منظمة المؤتمر الإسلامي، ولم يكتفِ الملك فيصل بذلك، بل دعا لإنشاء تكتل سياسي إسلامي في مواجهة المد الشيوعي والخطر الصهيوني، الذي كان يهدد العالم الإسلامي في ذلك الوقت (٣). ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي: يتألف ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي من ديباجة وأربع عشرة مادة، وتبدأ الديباجة بإعلان المجتمعين - وهم وزراء خارجية ثلاثين دولة إسلامية - اقتناعهم بأن عقيدتهم المشتركة تشكل عاملاً قويّاً لتقارب الشعوب الإسلامية، ويقررون الحفاظ على القيم الروحية والأخلاقية والاجتماعية الموجودة في الإسلام، كما أنهم يؤكدون تمسكهم بميثاق الأمم المتحدة، وحقوق الإنسان، ويجمعون على توثيق أواصر

стр. 338

الصداقة الأخوية والروحية القائمة بين شعوبها، وحماية حريتها، كما أنهم يقررون توحيد جهودهم لإقامة سلام عادل عالمي، يوفر الأمن والحرية والعدالة لشعوبهم، وقد وافقوا على ميثاق المؤتمر الإسلامي. وقد حددت المادة الثانية من الميثاق أهداف منظمة المؤتمر الإسلامي وهي (١): ١ - تعزيز التضامن الإسلامي بين الدول الأعضاء. ٢ - دعم التعاون بين الدول الأعضاء في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية، وفي المجالات الحيوية الأخرى. ٣ - العمل على محو التفرقة العنصرية، والقضاء على الاستعمار بجميع أشكاله. ٤ - اتخاذ التدابير اللازمة لدعم السلام والأمن الدوليين القائمين على العدل. ٥ - تنسيق العمل من أجل الحفاظ على سلامة الأماكن المقدسة وتحريرها ودعم كفاح الشعب الفلسطيني، ومساعدته على استرجاع حقوقه وتحرير أراضيه. ٦ - دعم كفاح جميع الشعوب الإسلامية في سبيل المحافظة على كرامتها واستقلالها وحقوقها الوطنية. ٧ - إيجاد المناخ الملائم لتعزيز التعاون والتفاهم بين الدول الأعضاء والدول الأخرى. كما حدد الميثاق مبادئ منظمة المؤتمر الإسلامي والمبنية على: ١ - المساواة التامة بين الدول الأعضاء. ٢ - احترام حق تقرير المصير وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء. ٣ - احترام سيادة واستقلال ووحدة أراضي كل دولة من الدول الأعضاء. ٤ - حل ما قد ينشأ من منازعات بين الدول الأعضاء بحلول سلمية كالمفاوضة أو الوساطة أو التوفيق أو التحكيم. ٥ - امتناع الدول الأعضاء في علاقاتها فيما بينها عن استخدام القوة أو التهديد

стр. 339

باستعمالها ضد وحدة وسلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة عضو (١). هيئات منظمة المؤتمر الإسلامي: حدد الميثاق هيئات منظمة المؤتمر الإسلامي في أربع هيئات رئيسة هي: مؤتمر ملوك ورؤساء الدول والحكومات، ومؤتمر وزراء الخارجية، و الأمانة العامة ، والمؤسسات التابعة لها، ومحكمة العدل الدولية الإسلامية، وفيما يلي تعريف موجز بكل هيئة من الهيئات وبيان مختصر لأبرز وظائفها واختصاصاتها: ١ - مؤتمر الملوك والرؤساء: يعد هذا المؤتمر السلطة العليا في المنظمة، وتعقد جلسات القمة مرة كل ثلاث سنوات؛ للنظر في قضايا العالم الإسلامي وما يجد من مشكلات تواجه الدول الأعضاء (٢). ٢ - مؤتمر وزراء الخارجية: يعقد هذا المؤتمر مرة كل سنة على مستوى وزراء الخارجية، وإن كان من حقه عقد جلسات في أي وقت عند الضرورة، وشريطة أن تكون الجلسات الاستثنائية بطلب أي دولة من الدول الأعضاء، أو بطلب من الأمين العام أو موافقة ثلثي الأعضاء، ومن اختصاص المؤتمر أيضاً إصدار التوصيات، والنظر في وسائل تنفيذ السياسة العامة للمؤتمر، ومراجعة ما تم إنجازه من قرارات سابقة. وللمؤتمر أيضاً الحق في تعيين الأمين العام للمنظمة وتعيين الأمناء المساعدين بناء على توصية من الأمين العام، وتحديد موعد ومكان الدورة القادمة للمؤتمر. وتتخذ قرارات المؤتمر بموافقة ثلثي الأعضاء، كما يختار المؤتمر رئيساً له في كل دورة (٣). ٣ - الأمانة العامة: يرأس الأمانة العامة للمؤتمر الإسلامي أمين عام يُعيَّن لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، ومن اختصاصه:

стр. 340

١ - تعيين موظفي الأمانة العامة من مواطني الدول الأعضاء، شريطة أن تتوافر فيهم الكفاءة والنزاهة. ٢ - تأمين الاتصال بين الدول الأعضاء، وتقديم تسهيلات المرور للتشاور. ٣ - متابعة تنفيذ قرارات وتوصيات المؤتمر وتقديم تقارير عن ذلك. ٤ - إعداد الاجتماعات بالتعاون مع الدولة المضيفة للمؤتمر في نطاق النواحي المالية والإدارية والتنظيمية (١). ٥ - تقديم أوراق العمل والمذكرات في نطاق قرارات وتوصيات المؤتمر، وتسهيل أداء عمل موظفي منظمة المؤتمر الإسلامي بإعطائهم امتيازات وحصانات تتمثل في عدم خضوعهم لسلطات أية دولة، وأن يكون لهم حق التمتع بالأهلية القانونية (٢). ٤ - الأجهزة المتفرعة عن منظمة المؤتمر الإسلامي: هي الأجهزة المنشأة في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي؛ بِناء على قرار من المؤتمر الإسلامي للملوك والرؤساء في أول مؤتمر إسلامي لوزراء الخارجية، وتُكتسب عضويتُها بصورة تلقائية من الدول الأعضاء، أما مصادر تمويلها فتتمثل في مساهمات الدول الأعضاء الإلزامية ومن الإسهامات التطوعية أو مصادر دخل المنظمة، ويعتمد المؤتمر الإسلامي لوزراء خارجية الدول الإسلامية ميزانيتها، وهذه الأجهزة هي: ١ - مركز البحوث الإحصائية والاقتصادية والاجتماعية والتدريب: تأسس هذا المركز بناء على قرار المؤتمر الإسلامي الثامن لوزراء الخارجية، الذي عقد في مدينة طرابلس عام ١٣٩٩هـ- ١٩٧٧م، ويهدف هذا المركز إلى دعم التعاون الاجتماعي والاقتصادي بين الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، وتنمية التعاون في مجال الإحصاءات والبحوث والتدريب والتعاون الفني، ويتبع المركز عدة وسائل في تحقيق أهدافه وهي:

стр. 341

١ - جمع ونشر الإحصائيات والمعلومات الاجتماعية والاقتصادية حول الدول الأعضاء. ٢ - إجراء بحوث حول التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول الأعضاء، للمساعدة في وضع اقتراحات من شأنها بدء وتعزيز التعاون بينها. ٣ - تنظيم ودعم برامج تدريبية في مجالات مختارة؛ لتلبية الحاجات المعلنة للدول الأعضاء بشكل خاص، ومساعدتها في تدريب موظفيها الإداريين والفنيين في المجالات ذات الصلة (١). ٢ - مركز البحوث والتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية: بدأ نشاطه سنة ١٩٨٠ م بناءً على اقتراح من تركيا في الدورة السابقة للمؤتمر الإسلامي الذي عقد في إسطنبول بتركيا عام ١٩٧٦ م، وصدرت لائحته التنفيذية في المؤتمر الإسلامي التاسع في داكار عاصمة السنغال سنة ١٩٧٨ م، واعتمدت في مؤتمر بغداد الثاني عشر عام ١٩٨١ م. وتتمثل أهداف المركز فيما يلي: ١ - إعداد بحوث ونشر كتب وقوائم وأدلة وألبوم صور تتعلق بالشعوب الإسلامية وتاريخ الآداب والعلوم فيها. ٢ - تنظيم مؤتمرات ومعارض وندوات في مقر المركز والدول الأعضاء متعلقة بتاريخ الشعوب المسلمة وتاريخ الآداب والعلوم في الإسلام، ونشر نتائج المركز ونشاطاته، وتشجيع المجتمع الدولي على إجراء مزيد من الدراسات في مجالات الثقافة والحضارة الإسلامية. ٣ - الاهتمام بأوضاع الأقليات المسلمة في غير الدول الأعضاء وتعزيز العلاقة بين هذه الأقليات والدول الأعضاء. ٤ - الاحتفاظ بأدلة وقوائم وسجلات لمجموعة من الخبراء في نشاط البحث، والتعريف بهم في مختلف فروع التراث الثقافي. ٥ - إنشاء وتطوير مكتبات مرجعية للتوثيق والمعلومات؛ لخدمة احتياجات

стр. 342

الدول الأعضاء والباحثين والطلاب. ٦ - تعزيز الدراسات في مجالات الثقافة والحضارة الإسلامية والمشاركة في تنظيم دراسات علمية في هذا المجال. ٣ - الجامعة الإسلامية للتكنولوجيا: تأسست بناء على قرار المؤتمر التاسع في داكار سنة ١٩٧٨م، وقد سميت في البداية بالمركز الإسلامي للتكنولوجيا والتدريب المهني، ثم تغير اسمها إلى المعهد الإسلامي للتكنولوجيا، وتتمثل أهدافه فيما يلي: ١ - توفير التعليم التكنولوجي في العلوم الهندسية والتكنولوجية للدول الأعضاء، وتدريب المهندسين والموجهين في مجال التكنولوجيا. ٢ - تعزيز وتوجيه البحوث في المجالات الصناعية والتكنولوجية، وفي مجالات التعليم المهني والفني. ٣ - إجراء امتحانات ومَنح شهادات ودبلومات ودرجات أكاديمية للأشخاص الذين تلقوا دراساتٍ في الجامعة واجتازوا امتحاناتها. ٤ - منح درجات أكاديمية للأشخاص البارزين من الدول الأعضاء بموافقة الجمعية العامة المشتركة، بتوصية من المجلس. ٥ - تعزيز التعاون الفني وتبادل الخبرات، ونشر المعلومات الأساسية في مجال تنمية الموارد البشرية من خلال دورات قصيرة وخاصة، وندوات دراسية ونشر مطبوعات (١). ٦ - تحقيق التنسيق بين أهداف الجامعة وغيرها من المؤسسات الوطنية والإقليمية في الدول الإسلامية والمؤسسات الدولية. ٧ - تقديم خدمات استشارية للحكومات والأجهزة الدولية والمؤسسات. ٨ - التعاون مع الأمانة العامة والأجهزة الفرعية للمنظمة. ٤ - المركز الإسلامي لتنمية التجارة: تأسس هذا المركز في مؤتمر القمة الثالث المنعقد بالسعودية عام ١٩٨١ م،

стр. 343

ووفقاً لنطاقه الأساسي يمكن تحديد أهدافه فيما يلي: ١ - تنظيم معارض تجارية ومعارض متخصصة لترويج منتجات الأعضاء. ٢ - تعميق الصلة بين رجال الأعمال وتنظيم لقاءات دورية بينهم. ٣ - إقامة ندوات وحلقات تدريبية يشارك فيها رعايا الدول الأعضاء. ٤ - الإسهام في نشر المعلومات والبيانات التجارية بين الدول الأعضاء. ٥ - إجراء دراسات وبحوث. ٦ - مساعدة الدول الأعضاء في إنشاء منظمات واتحادات وطنية لتطوير التجارة (١). ٥ - مجمع الفقه الإسلامي: تأسس طبقاً لقرار المؤتمر الثالث في مكة الذي قرر إنشاء مجمع للفقه الإسلامي يكون من أهدافه: ١ - تحقيق الوحدة الإسلامية نظريّاً وعمليّاً، عن طريق جعل السلوك موافقاً لأحكام الشريعة الإسلامية. ٢ - تقوية روابط العالم الإسلامي بعقيدته. ٣ - الاسترشاد بالشريعة الإسلامية ودراسة مشكلات الحياة المعاصرة، والاجتهاد فيها اجتهاداً أصيلاً لتقديم الحلول حسب مقتضيات الشريعة الإسلامية وضوابطها (٢). ٦ - صندوق التضامن الإسلامي (٣): تأسس صندوق التضامن الإسلامي بناء على قرار مؤتمر القمة الإسلامي الثاني والذي انعقد في لاهور عام ١٣٩٤هـ- ١٩٧٤م وكان من أهدافه: ١ - اتخاذ جميع الخطوات للنهوض بالمستوى الفكري والأدبي للعالم الإسلامي. ٢ - تقديم مواد الإغاثة المطلوبة في حالات الطوارئ، مثل الكوارث الطبيعية

стр. 344

أو البشرية في العالم الإسلامي. ٣ - منح مساعدات ومعونات مالية وإغاثية للجماعات والمجتمعات الإسلامية؛ بغية تحسين مستوياتها الدينية والثقافية والاجتماعية. ٧ - الجامعة الإسلامية في النيجر (١): تأسست بناء على قرار مؤتمر القمة الثاني في لاهور عام ١٩٧٤م، وتتكون الجامعة من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، وكلية اللغة والآداب العربية، ومعهد التعليم العالي والتربية وتدريب المعلمين، والمركز الإفريقي للنهوض بالتراث الإسلامي، ومركز (اقرأ) للتدريب المهني، وكلية البنات للدراسات الإسلامية واللغة العربية، وقسم الدراسات العليا. وتهدف الجامعة الإسلامية بالنيجر إلى تحقيق المطالب الآتية: ١ - محاولة الحفاظ على الهُويَّة الإسلامية في إفريقيا، وتحسين ظروف المسلمين الأفارقة. ٢ - تمكين الطلاب من اكتساب المعرفة العلمية والتكنولوجية. ٣ - تعزيز البحث العلمي ودراسة المشكلات الاجتماعية في إطار الضوابط الإسلامية المقررة. ٤ - العمل على إحياء التراث الإسلامي في إفريقيا، والاجتهاد في نشره في أنحاء العالم. ٥ - نشر اللغة العربية والاهتمام بالدراسات الإسلامية. ٦ - تشجيع النشاط الثقافي والاجتماعي والرياضي. وتتوزع أجهزة منظمة المؤتمر الإسلامي بحيث تغطي أكبر رقعة جغرافية في العالم الإسلامي، فمركز البحوث الإحصائية، ومركز بحوث التاريخ والفنون مقرهما في أنقرة واستانبول في تركيا، والجامعة الإسلامية للتكنولوجيا تقع في دكا ببنجلاديش، والمركز الإسلامي لتنمية التجارة يقع في الدار البيضاء بالمغرب، ومجمع الفقه الإسلامي وصندوق التضامن الإسلامي ووقفه مقرهما في جدة بالمملكة

стр. 345

العربية السعودية، والجامعة الإسلامية في النيجر. ويتبع منظمة المؤتمر الإسلامي عدة منظمات تسهم في إثراء نشاطها وتعزيز جهودها التي تستهدف تحقيق مصالح الدول الأعضاء مثل: البنك الإسلامي للتنمية، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، ووكالة الأنباء الإسلامية الدولية، ومنظمة إذاعات الدول الإسلامية، كما يتبع المنظمة عدة لجان مثل لجنة القدس. قضية العضوية في منظمة المؤتمر الإسلامي: تثير قضية العضوية بمنظمة المؤتمر الإسلامي الكثير من الإشكاليات والجدل؛ لافتقادها لمعايير واضحة تحدد الشروط التي يجب أن تتوافر في الدولة التي تطلب العضوية، فمنظمة المؤتمر الإسلامي تتميز بأنها منظمة قائمة على عقيدة الإسلام، وهذا يجعل لها خصوصية في العضوية (١). ومن دلائل الاضطراب في قضية العضوية بالمنظمة أن المنظمة قبلت عضوية دول لا يطلق عليها لقب دولة، وهو الشرط الرئيس في قبول الدولة عضواً في أية منظمة، فقد قبلت عضوية زنجبار رغم أنها تتبع دولة تنزانيا، وقبلت تركيا كعضو فعال رغم التوجهات العلمانية فيها، كما قبلت عضوية عدد من الدول دون شروط محددة، مثل قبول عضوية أوغندا في عهد عبيدي أمين عام ١٩٧٤، والغابون نتيجة لإسلام رئيسها، وسورينام بحجة وجود أقلية إسلامية فيها. وقد ترتب على عدم وجود معاييرَ ضابطة للعضوية - تضخم عدد الدول المنضمة للمنظمة، فأصبح عدد الدول بها ما يقرب من سبع وخمسين دولة، تتوزع على قارات العالم الخمس، فيوجد ست وعشرون دولة من إفريقيا، وخمس وعشرون دولة من آسيا، ودولة أوربية واحدة وهي ألبانيا، ودولتان من أمريكا اللاتينية وهما سورينام وغويانا. وتنقسم العضوية في المنظمة إلى: عضوية كاملة تبيح للدولة التمتع بكافة الامتيازات والحقوق، وعضوية بصفة مراقب تسمح ببعض الامتيازات، ولها حق

стр. 346

تبادل الوثائق (١). منظمة المؤتمر الإسلامي والتجارة البينية: من المعلوم أن للنشاط الاقتصادي أهمية كبيرة في تعميق الارتباط بين الشعوب، فتكتل الشعوب وراء المصالح المرتبطة بالاقتصاد عامل رئيس من عوامل الوحدة، ولم تغب هذه الفكرة عن منظمة المؤتمر الإسلامي؛ ولذلك خصصت المادة الثانية من ميثاق الجامعة للتأكيد على دعم التعاون بين الدول الأعضاء في المجالين الاقتصادي والاجتماعي وتحديد السبل والوسائل التي تكفل هذا التعاون. مظاهر اهتمام منظمة المؤتمر الإسلامي بالتجارة: وفي إطار اهتمام منظمة العالم الإسلامي بتنمية التجارة بين دول المنظمة، قامت بإنشاء جهاز مستقل ذي شخصية اعتبارية يسمى المركز الإسلامي لتنمية التجارة، وقد سبق التعريف به، ولكن يهمنا هنا الحديث عن دوره في تنمية التجارة والذي تمثل في: ١ - إقامة المعارض التجارية، والمعارض المتخصصة لتعزيز منتجات الأعضاء. ٢ - الاتصال بين رجال الأعمال وتنظيم لقاءات بينهم. ٣ - نشر البيانات عن الحركة التجارية في الدول الأعضاء (٢). ومن مظاهر اهتمام منظمة المؤتمر الإسلامي بدعم التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء محاولة إنشاء السوق الإسلامية المشتركة، والتي تواجه صعوباتٍ في إنشائها، بسبب غياب الإرادة السياسية وتشابه الإنتاج بين الدول الأعضاء. ومن الجهود - أيضاً - إنشاء مصرف إسلامي يمنح القروض للدول الأعضاء، لتنمية حركة التجارة بها وتطوير وسائلها (٣).

стр. 347

من إنجازات المنظمة: بعيداً عن الكلام الخاص بتحقيق الوحدة الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية بين المسلمين، نتحدث عن إنجازين مهمين من إنجازات منظمة المؤتمر الإسلامي؛ ألا وهما: محكمة العدل الإسلامية ، ومعالجة مشكلات الأقليات المسلمة، وهما هدفان رئيسان رُوعيا عند إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي. ١ - محكمة العدل الإسلامية: أسست هذه المحكمة بناء على قرار مؤتمر القمة الإسلامية الثالث، والذي انعقد في مدينة الطائف عام ١٩٨١م، وتُعد هذه المحكمة أول هيئة قضائية في تاريخ العلاقات الدولية الإسلامية، كما تعد محكمة العدل الدولية الإسلامية الجهاز القضائي الخاص بمنظمة المؤتمر الإسلامي (١). وتعود فكرة إنشاء هذه المحكمة إلى اقتراح كويتي بسبب نشوب الحرب العراقية الإيرانية، والتي استمرت نحو ثماني سنوات، ومقر المحكمة في مدينة الكويت، وفي القمة الإسلامية الرابعة في الرباط عام ١٩٨٤م، صيغت ملامح النظام الأساسي للمحكمة بصورة شبه كاملة، ولكن المؤتمر قرر إرجاء البت في إنشاء المحكمة، وفي مؤتمر القمة الذي انعقد في الكويت تم الاتفاق على النظام الأساسي للمحكمة. تشكيل المحكمة: تشكل المحكمة من سبعة قضاة ينتخبون من قبل المؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، ويشترط في القاضي أن يكون مسلماً عدلاً من رعايا إحدى الدول الأعضاء بالمنظمة، لا يقل عمره عن أربعين عاماً، وأن يكون مؤهلاً للتعيين في منصب القضاء في بلده (٢). اختصاص المحكمة: لمحكمة العدل الإسلامية اختصاصان رئيسان؛ وهما: إصدار الأحكام القضائية، الفصل في المنازعات والخلافات التي تنشأ بين الدول الأعضاء، فضلاً

стр. 348

عن الإفتاء وإصدار الآراء الاستشارية في المسائل القانونية (١). كما يجوز للمحكمة أن تشكل لجنة من الخبراء والشخصيات المرموقة، للقيام بالوساطة والتوفيق والتحكيم في الخلافات التي قد تنشأ بين دولتين أو أكثر من الدول الأعضاء إذا طلبت الأطراف المتنازعة ذلك (٢). النقد الذي وجه لمحكمة العدل الإسلامية: واجهت محكمة العدل الإسلامية منذ نشأتها العديد من أوجه النقد؛ سواء في فكرتها أو تشكيلها أو ميثاقها؛ فمن حيث الفكرة واجهت المحكمة نقداً بخصوص تناقض نظامها الرئيس المبني على اعتبار الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسيّاً للأحكام مع دساتير بعض الدول الإسلامية؛ فهناك دول تنص دساتيرها على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع وسن القوانين مثل مصر، والعراق، وأفغانستان، والسعودية، والبحرين، وعمان، واليمن، وموريتانيا، وجزر المالديف، وبروناي، وإيران، والكويت، وهناك دول لا تعلن عن توجهها الإسلامي في الدستور وهي سوريا، ولبنان، والسودان، والصومال، وجيبوتي، وجزر القمر، وجامبيا، وسيراليون، وإندونيسيا، وأوزبكستان، وألبانيا، وهناك دول تعلن في دساتيرها أنها علمانية وهي تركيا، وتركمانستان، وطاجيكستان، وقرغيزيا، وأذربيجان، والسنغال، والنيجر، ومالي، وتشاد، وبوركينا فاسو، وغينيا، وقد عرقل هذا التناقض مشروع ميثاق المحكمة فترة طويلة (٣). ومن النقد الذي وجه للمحكمة: قصر مدة القضاة؛ حيث إن مدة أربع سنوات غير كافية لاكتساب الخبرة المناسبة، فتحديد مدة ولاية القاضي ليس له ما يبرره. وانتقدت المحكمة كذلك بسبب غلبة الطابع السياسي عند تشكيل المحكمة، وخصوصاً في البند الذي ينص على عدم جواز تعيين أكثر من قاضٍ من دولة واحدة، ووجه الاعتراض هنا أن الإسلام يعتبر المؤمنين أمة واحدة، تجمعهم رابطة

стр. 349

الأخوة هنا بغض النظر عن تعدد الأعراق أو اختلاف البلدان، أما الارتكان لتحديد جنسية القاضي، فقد يفوت على المحكمة فرصة اختيار الكفاءات، والتي قد تتركز في دولة واحدة دون غيرها (١). ٢ - مشكلات الأقليات المسلمة: كان تعامل منظمة المؤتمر الإسلامي مع مشكلات الأقليات الإسلامية في العالم يسير في اتجاهين؛ وهما: الموقف من الأقليات الإسلامية؛ حيث قامت المنظمة بدراسة أحوال الأقليات الإسلامية في العالم، وإعداد تقارير بأعدادها، كما قامت المنظمة بإعداد تقارير عن حقوق الإنسان في العالم للاستفادة منها في توفير أكبر قدر من الضمانات الدولية للحفاظ على حقوق هذه الأقليات (٢). أما الاتجاه الثاني فتمثل في العناية بمشكلة الأقليات الإسلامية الأكثر تضرراً مثل مشكلة المسلمين في الفلبين، وبلغاريا، واليونان؛ فقد راعت المنظمة عند تعاملها مع هذه المشكلة عاملين هما: ١ - عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، وتطبيق قاعدة الالتزامات التعاقدية فيما بين الدول المعنية. ٢ - توظيف إمكانيات وقدرات الدول الأعضاء، وبصفة خاصة العلاقات المتميزة التي قد تجمع رؤساء بعض الدول الإسلامية وهذه الدول التي تشهد فيها معاناة الأقليات الإسلامية. ولما كانت مشكلات الأقلية المسلمة في بلغاريا، واليونان، والفلبين من أعتى المشاكل التي واجهت منظمة المؤتمر الإسلامي. فسأحاول إبراز جهود المنظمة في التعامل معها ومواجهتها فيما يلي: ١ - المنظمة ومسلمو بلغاريا: لم تقدم المنظمة أية مساعدة حقيقية لمسلمي بلغاريا، ولم تعتمد في التخفيف عنهم مبدأ نصرة المظلوم، وإنما كانت الأحوال تسير طبقاً لرغبة النظام الشيوعي في بلغاريا.

стр. 350

٢ - المنظمة ومسلمو تراقيا: تقع منطقة تراقيا في غرب بلاد اليونان، وتعاني الأقلية المسلمة فيها اضطهاداً شديداً من قبل الحكومة اليونانية، وقد اقتصر دور منظمة المؤتمر الإسلامي على مجرد جمع معلومات وعرض المشكلة بأبعادها، دون إجبار الحكومة اليونانية على منع الاعتداءات على المسلمين. ٣ - مشكلة مسلمي الفلبين: استطاعت المنظمة علاج هذه المشكلة وإيجاد مخرج لها، وقد نجحت في ذلك نجاحاً كبيراً؛ حيث توصلت لعقد اتفاق طرابلس سنة ١٩٧٦ م بين المسلمين وحكومة الفلبين، حصل بمقتضاها المسلمون على الحكم الذاتي في أربعةَ عشرَ إقليماً في جنوب الفلبين، لكن هذا الاتفاق لم يُنفذ، واكتفت (جبهة تحرير مورو) بالحكم الذاتي في أربعة أقاليم (١). مقر منظمة المؤتمر الإسلامي: يقع مقر منظمة المؤتمر الإسلامي في جدة بالمملكة العربية السعودية، وقد أعطى وجود المقر في السعودية للمنظمة فاعلية وقوة؛ لعدة أسباب وهي: ١ - القدرة المالية للسعودية: تتميز المملكة العربية السعودية - سواء على المستوى الحكومي أو المستوى الشعبي - بالقدرة على تمويل أية مشروعات، ومن المعروف أن كثيراً من المنظمات تحتاج لتمويل يساعدها في تسيير أعمالها وتحقيق أهدافها، ومنظمة المؤتمر الإسلامي على الرغم من تعدد مواردها المالية؛ سواء من مساهمات الدول الأعضاء، أو التبرعات فهي تعاني نقصاً في الموارد نتيجة عدم وفاء كثير من الدول بالتزاماتها المادية. ومن المعروف - أيضاً - أن تكاليف المقر - سواء المقر الرئيس للمنظمة أو مقر مجمع الفقه الإسلامي، وصندوق التضامن الإسلامي - في أشد الاحتياج للتمويل؛ ولذلك كان من الطبيعي أن يكون وجود المقر في السعودية ضماناً له من العثرات المالية.

стр. 351

٢ - وجود رابطة العالم الإسلامي: تتشرف السعودية بأنها كانت صاحبة فكرة إنشاء رابطة العالم الإسلامي وهي منظمة غير حكومية تعمل في مجال تنشيط العلاقات بين المسلمين، والدعوة إلى دين الله ، ولا شك أن وجود منظمة المؤتمر الإسلامي بجوار رابطة العالم الإسلامي قد ساعد كثيراً على تنسيق العمل الإسلامي المشترك، وتوفير فرصة لتبادل الخبرات بين المنظمتين. ٣ - تبني السعودية فكرة منظمة المؤتمر الإسلامي: بعد نجاح السعودية في إنشاء رابطة العالم الإسلامي، وإخراجها إلى حيز الوجود، تبنَّت فكرة تكوين منظمة المؤتمر الإسلامي، وقد تبنى الفكرة الملك فيصل ﵀ وكان الغرض منها وقف النفوذ الشيوعي المتنامي في المنطقة، والوقوف ضد أعوانه والمتسربلين بغطائه من دعاة الفكر القومي، بالإضافة لتنامي الفكر الصهيوني واشتداد الحركة الصهيونية في تحديها لمشاعر المسلمين، ولعل حريق المسجد الأقصى أكبر دليل على ذلك؛ لذلك قام الملك فيصل ﵀ بالدعوة لإنشاء المنظمة (١). ولما كانت المملكة العربية السعودية هي صاحبة الفضل الأول في التفكير في إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي، فالمظنون بها أن تعمل على رعايتها بعد إنشائها، وأن توفر لها من الأسباب ما يهيئ لها النجاح في بلوغ أهدافها ومقاصدها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتجتهد في إزالة ما يواجهها من مشكلات وعقبات. ٤ - وجود الأماكن المقدسة بالسعودية: إذا كانت منظمة المؤتمر الإسلامي بنيت على جانب عَقَدي؛ فمن الطبيعي أن يكون مقرها في أرض تحوي الأماكن المقدسة، التي ترنو إليها أنظار المسلمين في كل مكان؛ ألا وهي السعودية، ولا شك أن المملكة العربية السعودية قد أفادت من وجود المقدسات الإسلامية فوق أراضيها فوائد كبرى، من أهمها وأوثقها ارتباطاً بما

стр. 352

نحن بصدد مناقشته أنها اكتسبت خبرة تنظيمية كبيرة تتجلى بصورة واضحة في موسم الحج، ولا ريب أن هذه الخبرة كانت عاملاًَ أساسيّاً من عوامل نجاح منظمة المؤتمر الإسلامي في تحقيق أهدافها. تقييم عام لمنظمة المؤتمر الإسلامي: بعد مرور ما يزيد على أربعين عاماً على إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي، ورغم اكتمال كافة مقوماتها التنظيمية والهيكلية، نجد أن عملها قد شابه القصورُ، وللإنصاف: فإن هذا القصور لا يعود بالكلية إلى المنظمة، وإنما لعدة متغيرات، يتصل قسم كبير منها بدول المنظمة، وهذه الأسباب التي أدت للقصور تتمثل في غياب الإرادة السياسية عند جمع كبير من زعماء العالم الإسلامي، بالإضافة لوجود متغيرات سياسية واقتصادية جعلت العالم يختلف في صورته الحالية عن صورته وقت قيام المنظمة، كما نلاحظ من خلال تأمل مبادئ ميثاق المنظمة أن التوجه من خلالها هو لتكريس التجزئة؛ ففكرة احترام السيادة الوطنية هي نتاج للفكر العلماني الأوروبي، وهو يعارض تماماً أصل فكرة منظمة المؤتمر الإسلامي، ويكاد ينسفها من أصلها، وهذا يبين قدرة الدول الغربية على تغيير خط ووجهة هذه المنظمة بما يكفل عدم رجوع الخلافة. وفي تقييمي لأعمال المنظمة، سأحاول التطرق إلى المشكلات التي واجهت منظمة المؤتمر الإسلامي، ولم تتعامل معها بصورة مرضية. أولاً: المجال السياسي: لم تنجح منظمة المؤتمر الإسلامي في وقف مسلسل العدوان على الدول الإسلامية؛ فمثلاً لم تمنع حدوث عدوان الاتحاد السوفييتي على أفغانستان، ولم تستطع أن تعالج النزاع بين إيران والعراق، ولم تستطع إيقاف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الفلسطينيين، والسبب في ذلك يعود - كما أسلفت - لغياب الإرادة السياسية، وأيضاً اتجاه العالم نحو عالم أحادي القطب. ويمكن لمنظمة المؤتمر الإسلامي تلافي ذلك مستقبلاً، بالعمل على إيجاد آلية لفض النزاعات، وإنشاء معاهدة دفاع مشترك على غرار معاهدة الدفاع العربي المشترك، وتفعيل دور محكمة العدل الإسلامية.

стр. 353

ثانياً: مجال حماية الأقليات: لم تستطع منظمة المؤتمر الإسلامي حماية الأقليات الإسلامية في بعض البلدان، مثل بلغاريا واليونان، ويرجع السبب في ذلك إلى عدم تحديد مشكلات الأقليات بدقة، واستخدام أسلوب عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية، ويمكن التغلب على هذه المشكلة بتقوية العلاقات مع المنظمات الدولية ذات الاهتمام الخاص بحقوق الإنسان. ثالثاً: الفرق بين منظمة المؤتمر الإسلامي ومؤسسة الخلافة (١): ١ - الخلافة كمؤسسة دينية سياسية هي السلطة العليا فيما يتعلق بتطبيق تعاليم الشريعة، أما في حالة المنظمة فإن الدول الأعضاء أقوى من المنظمة نفسها، وقد قاتل أبو بكر ﵁ القبائل التي رفضت دفع الزكاة لبيت المال في المدينة المنورة ودافع عن سلطة الخلافة كسلطة عليا، وأما بالنسبة للمنظمة فإنها بنيت على أساس الخضوع التطوعي للدول الأعضاء فيها لمفاهيم إسلامية محددة. ٢ - تمتلك الدول الأعضاء القدرة على العمل فهي تستطيع في نطاق سلطاتها القبض على الأفراد الذي يخرجون عن أنظمتها ومعاقبتهم، وتستطيع فرض الضرائب، وإجبار سكانها على الخدمة العسكرية، ولا تستطيع المنظمة القيام بهذه الأعمال، فهي تعتمد على حكومات الدول الأعضاء فيها لتنفيذ قرارتها، ولا تمتلك المنظمة قرار إعلان الحرب أو الجهاد ضد أي دولة تتحدى قراراتها، ولأن الدول الأعضاء ستتحمل في النهاية مسؤولية تنفيذ القرارات التي تتخذها المنظمة، فإن الدول الأعضاء تجنح إلى كبح جماح المنظمة فيما يتعلق باتخاذ القرارات. كما لا يخفى تأثير القوى العظمى على الدول الأعضاء فيما يتعلق بإصدار القرارات. ٣ - لا تمتلك المنظمة أي سلطة لتطبيق قراراتها، وإنما تعتمد على حكومات الدول الأعضاء لتنفيذ توصياتها، مما يجعل المنظمة هيئة ضعيفة، وهذا عكس مؤسسة الخلافة التي تملك تنفيذ قراراتها بنفسها. مما سبق وغيره يتبين لنا أننا لا يمكن أن نعتبر منظمة المؤتمر الإسلامي بديلاً

стр. 354

عن الخلافة بحال من الأحوال، وإن كنا نستطيع أن نعتبرها وسيلة من وسائل التعاون بحدود المتاح في هذا الزمان.

стр. 355

الفصل الثاني: جامعة الدول العربية خاضت الأمة العربية منذ فجر العصر الحديث عدة تجارب من أجل توحيد شعوبها ودولها، أو التقريب بينها وتنسيق سياساتها الداخلية والخارجية، بغية تحقيق الأهداف والمصالح العربية في ميادين السياسة والاقتصاد وشؤون الاجتماع والثقافة. وكان من الطبيعي أن يكون السعي إلى التحرر من الاستعمار الأجنبي الذي اجتاحت أمواجه الهادرة معظم الأقطار العربية منذ القرن التاسع عشر، على رأس الأهداف التي توختها الدول العربية في محاولاتها الرامية إلى الاتحاد والتكتل، فضلاً عن العمل على رفع مستوى المعيشة للمواطن العربي، وإرساء دعائم التحديث والتنمية في كافة المجالات. وقد تُوِّجت تلك التجارب وهذه المحاولات بإنشاء الجامعة العربية التي برزت إلى الوجود سنة ١٩٤٥ م بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. وجامعة الدول العربية منظمة إقليمية تضم الدول العربية، سواء الآسيوية أو الإفريقية، وتبلغ عدة الدول الأعضاء فيها اثنتين وعشرين دولة. وترجع فكرة إنشاء جامعة الدول العربية إلى الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، حين ظهرت فكرة «القومية العربية» التي حمل لواءها أبناء الشام الذين اشتد ضيقهم بالسيطرة العثمانية، ولا سيما أن العثمانيين كانوا يعتمدون في حكمهم للعالم العربي على فكرة «الرابطة الإسلامية». وقد دعا إلى القومية العربية - في مقابل الرابطة الإسلامية - طائفة من المفكرين المسيحيين في بلاد الشام، وفي هذا السياق وضع نجيب عازوري كتابه «يقظة العرب» دعا فيه إلى قيام وحدة عربية تؤلف بين المسلمين والمسيحيين جميعاً، في مقابل دعوة السلطان عبد الحميد إلى فكرة الجامعة الإسلامية (١). بَيْد أن فكرة القومية العربية لم تحقق في تلك الآونة نجاحاً يُذكر لأسباب منها:
следующие страницы →