٢ - وجود رابطة العالم الإسلامي:
تتشرف السعودية بأنها كانت صاحبة فكرة إنشاء رابطة العالم الإسلامي وهي منظمة غير حكومية تعمل في مجال تنشيط العلاقات بين المسلمين، والدعوة إلى دين الله ، ولا شك أن وجود منظمة المؤتمر الإسلامي بجوار رابطة العالم الإسلامي قد ساعد كثيراً على تنسيق العمل الإسلامي المشترك، وتوفير فرصة لتبادل الخبرات بين المنظمتين.
٣ - تبني السعودية فكرة منظمة المؤتمر الإسلامي:
بعد نجاح السعودية في إنشاء رابطة العالم الإسلامي، وإخراجها إلى حيز الوجود، تبنَّت فكرة تكوين منظمة المؤتمر الإسلامي، وقد تبنى الفكرة الملك فيصل ﵀ وكان الغرض منها وقف النفوذ الشيوعي المتنامي في المنطقة، والوقوف ضد أعوانه والمتسربلين بغطائه من دعاة الفكر القومي، بالإضافة لتنامي الفكر الصهيوني واشتداد الحركة الصهيونية في تحديها لمشاعر المسلمين، ولعل حريق المسجد الأقصى أكبر دليل على ذلك؛ لذلك قام الملك فيصل ﵀ بالدعوة لإنشاء المنظمة (١).
ولما كانت المملكة العربية السعودية هي صاحبة الفضل الأول في التفكير في إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي، فالمظنون بها أن تعمل على رعايتها بعد إنشائها، وأن توفر لها من الأسباب ما يهيئ لها النجاح في بلوغ أهدافها ومقاصدها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتجتهد في إزالة ما يواجهها من مشكلات وعقبات.
٤ - وجود الأماكن المقدسة بالسعودية:
إذا كانت منظمة المؤتمر الإسلامي بنيت على جانب عَقَدي؛ فمن الطبيعي أن يكون مقرها في أرض تحوي الأماكن المقدسة، التي ترنو إليها أنظار المسلمين في كل مكان؛ ألا وهي السعودية، ولا شك أن المملكة العربية السعودية قد أفادت من وجود المقدسات الإسلامية فوق أراضيها فوائد كبرى، من أهمها وأوثقها ارتباطاً بما
стр. 352
نحن بصدد مناقشته أنها اكتسبت خبرة تنظيمية كبيرة تتجلى بصورة واضحة في موسم الحج، ولا ريب أن هذه الخبرة كانت عاملاًَ أساسيّاً من عوامل نجاح منظمة المؤتمر الإسلامي في تحقيق أهدافها.
تقييم عام لمنظمة المؤتمر الإسلامي:
بعد مرور ما يزيد على أربعين عاماً على إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي، ورغم اكتمال كافة مقوماتها التنظيمية والهيكلية، نجد أن عملها قد شابه القصورُ، وللإنصاف: فإن هذا القصور لا يعود بالكلية إلى المنظمة، وإنما لعدة متغيرات، يتصل قسم كبير منها بدول المنظمة، وهذه الأسباب التي أدت للقصور تتمثل في غياب الإرادة السياسية عند جمع كبير من زعماء العالم الإسلامي، بالإضافة لوجود متغيرات سياسية واقتصادية جعلت العالم يختلف في صورته الحالية عن صورته وقت قيام المنظمة، كما نلاحظ من خلال تأمل مبادئ ميثاق المنظمة أن التوجه من خلالها هو لتكريس التجزئة؛ ففكرة احترام السيادة الوطنية هي نتاج للفكر العلماني الأوروبي، وهو يعارض تماماً أصل فكرة منظمة المؤتمر الإسلامي، ويكاد ينسفها من أصلها، وهذا يبين قدرة الدول الغربية على تغيير خط ووجهة هذه المنظمة بما يكفل عدم رجوع الخلافة.
وفي تقييمي لأعمال المنظمة، سأحاول التطرق إلى المشكلات التي واجهت منظمة المؤتمر الإسلامي، ولم تتعامل معها بصورة مرضية.
أولاً: المجال السياسي:
لم تنجح منظمة المؤتمر الإسلامي في وقف مسلسل العدوان على الدول الإسلامية؛ فمثلاً لم تمنع حدوث عدوان الاتحاد السوفييتي على أفغانستان، ولم تستطع أن تعالج النزاع بين إيران والعراق، ولم تستطع إيقاف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الفلسطينيين، والسبب في ذلك يعود - كما أسلفت - لغياب الإرادة السياسية، وأيضاً اتجاه العالم نحو عالم أحادي القطب.
ويمكن لمنظمة المؤتمر الإسلامي تلافي ذلك مستقبلاً، بالعمل على إيجاد آلية لفض النزاعات، وإنشاء معاهدة دفاع مشترك على غرار معاهدة الدفاع العربي المشترك، وتفعيل دور محكمة العدل الإسلامية.
стр. 353
ثانياً: مجال حماية الأقليات:
لم تستطع منظمة المؤتمر الإسلامي حماية الأقليات الإسلامية في بعض البلدان، مثل بلغاريا واليونان، ويرجع السبب في ذلك إلى عدم تحديد مشكلات الأقليات بدقة، واستخدام أسلوب عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية، ويمكن التغلب على هذه المشكلة بتقوية العلاقات مع المنظمات الدولية ذات الاهتمام الخاص بحقوق الإنسان.
ثالثاً: الفرق بين منظمة المؤتمر الإسلامي ومؤسسة الخلافة (١):
١ - الخلافة كمؤسسة دينية سياسية هي السلطة العليا فيما يتعلق بتطبيق تعاليم الشريعة، أما في حالة المنظمة فإن الدول الأعضاء أقوى من المنظمة نفسها، وقد قاتل أبو بكر ﵁ القبائل التي رفضت دفع الزكاة لبيت المال في المدينة المنورة ودافع عن سلطة الخلافة كسلطة عليا، وأما بالنسبة للمنظمة فإنها بنيت على أساس الخضوع التطوعي للدول الأعضاء فيها لمفاهيم إسلامية محددة.
٢ - تمتلك الدول الأعضاء القدرة على العمل فهي تستطيع في نطاق سلطاتها القبض على الأفراد الذي يخرجون عن أنظمتها ومعاقبتهم، وتستطيع فرض الضرائب، وإجبار سكانها على الخدمة العسكرية، ولا تستطيع المنظمة القيام بهذه الأعمال، فهي تعتمد على حكومات الدول الأعضاء فيها لتنفيذ قرارتها، ولا تمتلك المنظمة قرار إعلان الحرب أو الجهاد ضد أي دولة تتحدى قراراتها، ولأن الدول الأعضاء ستتحمل في النهاية مسؤولية تنفيذ القرارات التي تتخذها المنظمة، فإن الدول الأعضاء تجنح إلى كبح جماح المنظمة فيما يتعلق باتخاذ القرارات.
كما لا يخفى تأثير القوى العظمى على الدول الأعضاء فيما يتعلق بإصدار القرارات.
٣ - لا تمتلك المنظمة أي سلطة لتطبيق قراراتها، وإنما تعتمد على حكومات الدول الأعضاء لتنفيذ توصياتها، مما يجعل المنظمة هيئة ضعيفة، وهذا عكس مؤسسة الخلافة التي تملك تنفيذ قراراتها بنفسها.
مما سبق وغيره يتبين لنا أننا لا يمكن أن نعتبر منظمة المؤتمر الإسلامي بديلاً
стр. 354
عن الخلافة بحال من الأحوال، وإن كنا نستطيع أن نعتبرها وسيلة من وسائل التعاون بحدود المتاح في هذا الزمان.
стр. 355
الفصل الثاني: جامعة الدول العربية
خاضت الأمة العربية منذ فجر العصر الحديث عدة تجارب من أجل توحيد شعوبها ودولها، أو التقريب بينها وتنسيق سياساتها الداخلية والخارجية، بغية تحقيق الأهداف والمصالح العربية في ميادين السياسة والاقتصاد وشؤون الاجتماع والثقافة.
وكان من الطبيعي أن يكون السعي إلى التحرر من الاستعمار الأجنبي الذي اجتاحت أمواجه الهادرة معظم الأقطار العربية منذ القرن التاسع عشر، على رأس الأهداف التي توختها الدول العربية في محاولاتها الرامية إلى الاتحاد والتكتل، فضلاً عن العمل على رفع مستوى المعيشة للمواطن العربي، وإرساء دعائم التحديث والتنمية في كافة المجالات.
وقد تُوِّجت تلك التجارب وهذه المحاولات بإنشاء الجامعة العربية التي برزت إلى الوجود سنة ١٩٤٥ م بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.
وجامعة الدول العربية منظمة إقليمية تضم الدول العربية، سواء الآسيوية أو الإفريقية، وتبلغ عدة الدول الأعضاء فيها اثنتين وعشرين دولة.
وترجع فكرة إنشاء جامعة الدول العربية إلى الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، حين ظهرت فكرة «القومية العربية» التي حمل لواءها أبناء الشام الذين اشتد ضيقهم بالسيطرة العثمانية، ولا سيما أن العثمانيين كانوا يعتمدون في حكمهم للعالم العربي على فكرة «الرابطة الإسلامية».
وقد دعا إلى القومية العربية - في مقابل الرابطة الإسلامية - طائفة من المفكرين المسيحيين في بلاد الشام، وفي هذا السياق وضع نجيب عازوري كتابه «يقظة العرب» دعا فيه إلى قيام وحدة عربية تؤلف بين المسلمين والمسيحيين جميعاً، في مقابل دعوة السلطان عبد الحميد إلى فكرة الجامعة الإسلامية (١).
بَيْد أن فكرة القومية العربية لم تحقق في تلك الآونة نجاحاً يُذكر لأسباب منها:
стр. 356
١ - اصطدام الداعين إلى القومية العربية بحركة الاتحاد والترقي في تركيا، والتي كانت تسعى إلى فرض سياسة التتريك على الولايات العثمانية، ومنها الولايات العربية.
٢ - استقطاب الاستعمار الأوربي لقيادات القومية العربية، فعلى سبيل المثال: تعاون الإنجليز مع جمعية اللامركزية، ووفروا لأصحابها مقرّاً دائماً بالقاهرة بعيداً عن مطاردة السلطة العثمانية (١). وكان تأييد إنجلترا لهذه الجمعية مقابل عدم تدخلها في السياسة البريطانية في الشرق الأوسط، وعدم اعتراضها على الاحتلال الإنجليزي للأقطار العربية.
٣ - تنافس زعماء التيار القومي على الظفر بمكاسب شخصية اجتماعية وسياسية، مثل عبد الحميد الزهراوي زعيم مؤتمر باريس الذي اختير عضواً في مجلس الشيوخ العثماني، مقابل التنازل عن فكرة القومية العربية (٢).
ظهور فكرة الجامعة العربية:
نتيجة لجملة من المتغيرات السياسية والاقتصادية التي نزلت بالعالم العربي منذ بداية العقد الثالث من القرن العشرين، مثل: تنامي أعداد المُهاجرين اليهود إلى فلسطين، ونشوب الحرب العالمية الثانية التي نالت من أمن المجتمعات العربية، وألحقت أعظم الضرر بأنظمتها الاقتصادية في ظل خضوع معظم الأقطار العربية للاحتلال الإنجليزي أو الفرنسي أو الإيطالي، أقول: نتيجة لهذه المُتغيرات اتجه العرب إلى التفكير في إيجاد نوع من الوحدة تمكنهم من التحرر من براثن الاحتلال، وحماية فلسطين من الوقوع في أيدي اليهود.
وقد أيَّدت إنجلترا فكرة إنشاء جامعة للدول العربية، لأنها كانت تطمع في أن
стр. 357
يقف العرب إلى جانبها أثناء الحرب العالمية، وبالتالي حاولت استرضاءهم بالمساعدة في تحقيق حلم الوحدة العربية، وفي هذا السياق أدلى مستر إيدن وزير الخارجية البريطاني بتصريح في ٢٩ أيار سنة ١٩٤١ م، جاء فيه: «إن كثيراً من مفكري الغرب يرجون للشعوب العربية درجة من الوحدة أكبر مما يوجد بها الآن، ويبدو أنه من الطبيعي ومن الحق وجوب تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية بين البلدان العربية، بل والروابط السياسية أيضاً، وحكومة صاحب الجلالة من ناحيتها ستؤيد أية خطة تلقى من العرب موافقة عامة».
بيد أن التصريح البريطاني قد قوبل من الجانب العربي بفتور شديد، نظراً لمعرفة العرب بالأهداف الحقيقية التي حملت بريطانيا على تأييد فكرة جامعة الدول العربية، ولذلك أصدر الوزير البريطاني المشار إليه تصريحاً ثانياً جاء فيه: «إن حكومة صاحب الجلالة - كما أوضحت من قبل - تؤيد كل حركة يقوم بها العرب لتعزيز الوحدة الاقتصادية، والثقافية، والسياسية بينهم. ومن الجلي أن الخطوة الأولى لتحقيق أي مشروع يجب أن تأتي من جانب العرب أنفسهم» (١).
المشاورات التمهيدية لجامعة الدول العربية:
استجابت الحكومة المصرية برئاسة مصطفى النحاس للنداء البريطاني الثاني، وبدأت تعمل على إيجاد صيغة مناسبة للوحدة العربية منذ عام ١٩٤٣ م، ودعت الدول العربية المستقلة، والتي خضعت للاستعمار بشكل غير مباشر وتمتعت بما يعرف بالحكم الذاتي، إلى إرسال مندوبيها لحضور اجتماع بالإسكندرية، بغية التشاور حول الصيغة الملائمة للوحدة العربية، فحضر مندوبو كل من العراق، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، والسعودية، والأردن (٢).
وقد استمرت جلسات التشاور وتبادل الآراء بين مندوبي الأقطار العربية عاماً كاملاً، وطُرِحت أشكال عدة وتصورات مختلفة للشكل الذي يحسن أن تكون عليه الوحدة العربية، فاقترح البعض قيام وحدة تضم سوريا ولبنان وشرق الأردن وفلسطين في دولة واحدة تُسمى سوريا الكبرى، وكان صاحب هذه الفكرة الأمير
стр. 358
عبد الله الأردني وأيَّده في ذلك نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي، في حين اقترح آخرون إنشاء اتحاد فيدرالي أو كونفدرالي يجمع دول الهلال الخصيب ومصر والسعودية واليمن (١).
وتمخضت المفاوضات والمشاورات عن ميلاد فكرة جامعة الدول العربية، وصدر بروتوكول (٢) الجامعة، والذي لم يحوِ منذ صدوره على أي إشارة يُفهم منها أكثر من تعاون بين دول متعددة، ولا يفهم منها أي توجه وحدوي.
الأساس غير الوحدوي لبروتوكول وميثاق جامعة الدول العربية:
بُني بروتوكول جامعة الدول العربية - ومن بعده الميثاق - على أسس يعنينا منها الأساس التالي:
وهو أنه لا يوجد توجه وحدوي حقيقي للجامعة منذ لحظة تأسيسها، وما هو موجود هو تنسيق وتعاون وحفاظ على كيانات الدول الموجودة، وما تبقى فهو ذر للرماد في العيون، وإنفاق طائل للأموال فيما لا نفع كبير فيه.
ويدل على ذلك ما ورد في البروتوكول مثل: «يكون لهذه الجامعة مجلس يسمى مجلس جامعة الدول العربية تمثل فيه الدول المشتركة في الجامعة على قدم المساواة، وتكون مهمته مراعاة تنفيذ ما تبرمه هذه الدول فيما بينها من الاتفاقات، وعقد اجتماعات دورية لتوثيق الصلات بينها وتنسيق (٣) خططها السياسية تحقيقاً للتعاون بينها، وصيانة لاستقلالها وسيادتها (٤) من كل اعتداء بالوسائل الممكنة» (٥).
стр. 359
ومثل: «القرارت ملزمة لمن يقبلها» (١).
وقد أكد ميثاق الجامعة هذه التوجهات، كما جاء في المادة الأولى منه: ... «تتألف جامعة الدول العربية من الدول العربية المستقلة». وفي المادة الثانية منه التي تقول: «الغرض من الجامعة توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها، وتنسيق خططها السياسية تحقيقاً للتعاون بينها وصيانة لاستقلالها وسيادتها»، والمادة الثامنة منه التي تقول: «تحترم كل دولة من الدول المشتركة في الجامعة نظام الحكم القائم في دول الجامعة الأخرى»، وتشير المادة التاسعة إلى «أن الدول الراغبة بتعاون أوثق وروابط أقوى مما نص عليه هذا الميثاق أن تعقد بينها من الاتفاقات ما تشاء لتحقيق هذه الأغراض». مما يعني أن أي خطوات وحدوية جدية تعتبر خيارات تطوعية، وهامشية بالنسبة للجامعة.
وتدلنا مراجعة ميثاق الجامعة على أنها منظمة ليس هدفها الوحدة، وحتى اسمها يوحي بذلك، فهي جامعة لدول، فهي تنطلق من حقيقة وجود عدة دول تريد أن تجمعها معاً في إطار واحد، وهذا الإطار ليس هدفه الوحدة على الإطلاق، مع ملاحظة أن الذي شجع على إقامتها ملوك السياسة العالمية وهم الإنجليز، وأنها كانت تهدف إلى مقاومة فكرة الخلافة المبنية على الدين، ففكرة الجامعة تقوم على أساس القومية التي ظنوا أنها تعارض فكرة الدين.
والواقع أن ميثاق الجامعة العربية يُعاني ضعفاً شديداً منذ صدوره، نظراً لطبيعة العلاقة المتوترة بين الحُكام العرب، والتي يحكمها ميراث طويل من الشك وعدم الثقة، فضلاً عن وجود الاستعمار الأوربي الذي حدد سقفاً معيناً للوحدة العربية لا يمكن تجاوزه، وكذلك فإن الحرص على أن يخرج ميثاق الجامعة بالإجماع لا بأغلبية الدول الأعضاء - أسهم في خروج الميثاق أضيق مما كان يأمله الشعب العربي.
стр. 360
أجهزة جامعة الدول العربية:
تتكون جامعة الدول العربية من عدة أجهزة تساعدها على أداء أعمالها وتصريف شؤونها، تلك الأجهزة هي:
١ - مجلس الجامعة:
ويتكوَّن من مندوبي الدول الأعضاء في الجامعة، والمعتمدين من قبل دولهم، واختصاصات المجلس هي:
أ- وضع السياسة العامة للجامعة وبيان خطة عمل المجلس.
ب- توثيق الصلات بين الدول الأعضاء، وتنسيق الخطط تحقيقاً للتعاون.
ج- البتُّ في المسائل التي يعرضها عليه الأمين العام أو الدول الأعضاء، واتخاذ القرارات اللازمة.
د- متابعة تنفيذ قراراته، وما تعقده الدول من اتفاقيَّات.
هـ- بحث التقارير التي تعدها المجالس والمنظمات المتخصصة وإصدار القرارات اللازمة في شأن التقارير.
وتقرير وسائل التعاون مع المنظمات الدولية.
ز- بحث الشؤون الإدارية والمالية للجامعة.
ويعقد المجلس دورتي انعقاد في كل عام، الأولى في آذار، والثانية في أيلول، ويجوز عند الضرورة عقد جلسات استثنائية.
ويكون الانعقاد صحيحاً بحضور أغلبية الأعضاء، ويتخذ المجلس قراراته بموافقة أغلبية الأعضاء، ويكون عقد الاجتماعات في مقر الجامعة أو في أيَّة جهة يراها المجلس، ويمكن عقد المجلس في غير هذين الموعدين في الحالات الاستثنائية غير العادية.
وتكون رئاسة المجلس بالتناوب بين المندوبين، وفقاً للحروف الأبجدية لأسماء الدول الأعضاء، ويظل الرئيس يشغل منصبه إلى أن يُعيَّن رئيسٌ جديد،
стр. 361
ويتولى الرئيس رئاسة كل دورة غير عادية تنعقد في أثناء رئاسته، وإذا تعذر على الرئيس القيام بعمله، تولى نيابة عنه أحد أعضاء دولته.
٢ - أمانة الجامعة:
لمجلس جامعة الدول العربية أمين عام، يمكن تحديد اختصاصاته فيما يلي:
١ - الإشراف على سكرتارية المجلس والقيام بحفظ وثائقه.
٢ - المشاركة في اجتماعات المجلس، ويجوز له تكليف أحد معاونيه بحضور جلسات المجلس.
٣ - للأمين العام الحق في إدارة الجلسات، ووضع لوائح تنظيمية للمجلس.
٤ - تصريف الشؤون المالية والإدارية للجامعة، والتحدث باسم الجامعة.
٥ - توجيه نظر المجلس إلى أية مسألة قد تؤدي إلى سوء العلاقات بين الدول الأعضاء.
ويتبع الأمين العام عدة أجهزة هي: مكتب الأمين العام الذي يتولى شؤون مجلس الجامعة ومكتب الأمناء المساعدين، الإدارة العامة للشؤون السياسية، إدارة الشؤون الاقتصادية، إدارة الشؤون الاجتماعية والثقافية، الإدارة العامة لشؤون فلسطين، الإدارة العامة للإعلان، الإدارة العامة للمعاهدات والشؤون القانونية، الإدارة العامة للتنظيم والشؤون الإدارية والمالية، أمانة الشؤون العسكرية، المكتب الرئيسي لمقاطعة إسرائيل (١).
٣ - المنظمات العربية المتخصصة:
يتبع الجامعة العربية عدة أجهزة ومنظمات متخصصة كان الهدف الأساسي من إنشائها الإسهام في تحقيق أهداف الجامعة، وهي: مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، ومنظمة الأقطار العربية المصدِّرة للبترول الأوبك، والمنظمة العربية للتنمية الإدارية، واتحاد إذاعات الدول العربية «إسو»، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والمركز العربي لدراسة المناطق الجافة «أكساد»، ومنظمة العمل العربية، والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، المنظمة
стр. 362
العربية للتنمية الزراعية، والمؤسسة العربية للاتصالات القضائية.
وكلها منظمات كان يمكن الاستفادة منها بشكل أكبر بغرض التقارب الحقيقي بين الدول العربية وصولاً للوحدة الكاملة، والمنظمات النشطة والهامة منها يعود سبب نشاطها وأهميتها لأسباب أخرى غير الوحدة العربية.
نماذج من أنشطة الجامعة العربية:
١ - اتفاقية الدفاع العربي المشترك:
كان ميثاق الجامعة العربية يُعاني قصوراً واضحاً فيما يتعلق برد العدوان عن البلاد العربية، وقد أبرزت حرب فلسطين عام ١٩٤٨م ذلك القصور، الذي حمل مجلس الجامعة على توقيع «معاهدة الدفاع العربي المشترك» في الثالث عشر من إبريل سنة ١٩٥٠ م، وتتضمن المعاهدة بنوداً خاصة بفض المنازعات بين الدول العربية سلميّاً، وأحكاماً تتصل بمواجهة أي اعتداء مسلح على أي إقليم عربي، بحيث يكون الاعتداء على أية دولة عربية اعتداءاً على سائر الدول الأعضاء.
وكذلك أقرت المعاهدة مبدأ الدفاع عن النفس، ونصت على إنشاء قيادة عسكرية موحدة تتكون ممن مُمثلي أركان الجيوش العربية، ودعت المعاهدة إلى اتخاذ كافة التدابير اللازمة - بما فيها التدبير العسكري - لرد العدوان على أية دولة من الدول الأعضاء.
الأجهزة المتعلقة بالأمن العربي:
نتج عن توقيع اتفاقية الدفاع العربي المشترك إنشاء عدد من الأجهزة تكون مهمتها العمل على تحقيق الأمن العربي، وعلى رأس تلك الأجهزة:
أ- مجلس الدفاع المشترك ويتكون من: وزراء الخارجية، ووزراء الدفاع أو من يقوم مقامهم.
ب- الهيئة الاستشارية العسكرية: وتضم رؤساء أركان الجيوش العربية.
ج- اللجنة العسكرية الدائمة: ومن مهامها إعداد الخطط العسكرية لمواجهة الأخطار المتوقعة، ورد أي اعتداء مسلح على أية دولة عربية، وتقديم الاقتراحات
стр. 363
لتنظيم قوات الدول الأعضاء، وتحديد الحد الأدنى لقوات كل منها، فضلاً عن المهام المتعلقة بالتدريبات المشتركة والمعلومات المرتبطة بإمكانيات كل دولة من الناحية الحربية.
د- القيادة العربية الموحدة، حيث نصت المعاهدة على إنشاء قيادة عامة للقوات المشتركة في الميدان، وتكون رئاستها للدولة الأوفر إسهاماً في تقديم القوات والمعدات العسكرية.
التقييم:
لم يتم تنفيذ معاهدة الدفاع العربي على الإطلاق، وحوادث الاعتداء على دول المنظمة أكثر من أن تحصى، وكلها لم تدافع فيها دول الجامعة عن الدول المعتدى عليها، سواء كان الاعتداء خارجياً كما اعتدت إسرائيل على لبنان ومصر وسوريا والأردن وفلسطين والسودان والعراق وتونس، وكما اعتدت أمريكا على العراق، أو داخلياً عندما غزا العراق دولة الكويت.
٢ - المجلس الاقتصادي:
ويهدف إلى تسهيل عمليات التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين الدول العربية الأعضاء في الجامعة.
وقد تم توقيع العديد من الاتفاقيات في إطار هذا المجلس مثل: الاتفاقية الخاصة بتجارة الترانزيت، والسوق العربية المشتركة، بالإضافة لإنشاء أجهزة جديدة بموجب قرارات مجلس الجامعة وهي:
١ - هيئة استغلال مياه نهر الأردن وروافده.
٢ - مركز التنمية الصناعية للدول العربية.
٣ - معهد الغابات العربي.
٤ - المحكمة الإدارية لجامعة الدول العربية (١).
стр. 364
٣ - السوق العربية المشتركة:
أثناء انعقاد دورة المجلس الاقتصادي الرابع سنة ١٩٥٧ م تمت الموافقة على عقد اتفاقية الوحدة الاقتصادية بين الدول العربية، ووقعت عليها اثنتا عشرة دولة، وكانت أهداف الاتفاقية هي:
أ- حرية انتقال الأشخاص ورؤوس الأموال.
ب- حرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية والأجنبية.
ج- حرية الإقامة والعمل ومؤازرة النشاط الاقتصادي.
د- حرية النقل والترانزيت واستعمال وسائل النقل.
هـ- حقوق التملك والإرث.
وانطلاقاً من هذه الأهداف، تقرر في دورة الانعقاد العادية لمجلس الوحدة العربية في سنة ١٩٦٤م إنشاء السوق العربية المشتركة (١).
وقد تمَّ وضع ترتيبات لإنشاء السوق العربية المشتركة، حيث نصت المادة على أن الدول العربية الموقعة على اتفاقية الوحدة الاقتصادية وهي الأردن، وتونس، والسودان، والعراق، والسعودية، وسوريا، ومصر، ولبنان، وليبيا، واليمن، والمغرب، والكويت - منطقة جمركية موحدة، تخضع لإدارة واحدة، كما تم الاتفاق على توحيد التعريفة الجمركية، وتوحيد التشريعات والأنظمة الجمركية.
كما نصت الاتفاقية على توحيد سياسة الاستيراد والتصدير، وأنظمة النقل والترانزيت، وتوحيد السياسات المتعلقة بالزراعة والصناعة والتجارة، والتنسيق بين السياسات النقدية والمالية للدول الأعضاء (٢).
كما أقرَّت الاتفاقية قيام مجلس الوحدة الاقتصادية بالإشراف على السوق العربية المشتركة، وإنشاء لجان تساعد المجلس على إدارة السوق، كما أقرَّت قيام
стр. 365
مكتب فني يكون مقره القاهرة، ويكون استشاريّاً للسوق العربية، وتكون رئاسة مجلس الوحدة الاقتصادية بالتناوب ولمدة عام، أما قرارات المجلس فتتخذ بأغلبية الأصوات.
ومن المؤسف أن كل الجهود التي بذلت من أجل إخراج السوق العربية المشتركة إلى حيز الوجود وتفعيل دورها، قد صادفت فشلاً ذريعاً للأسباب التالية:
١ - تشابه الإنتاج في البلاد العربية.
٢ - وجود الخلافات السياسية بين الدول العربية.
٣ - النعرات القومية.
٤ - التخلف الاقتصادي وعدم قدرة الإنتاج العربي على تحقيق الكفاية الذاتية.
تقييم عام لجامعة الدول العربية:
لقد حوت الجامعة كثيراً من الآليات التي يمكن أن تنتج عملاً وحدوياً ما في اختصاصها، فمثلاً: تعتبر المادة ١٩ والتي تقول: (ينشأ في إطار الجامعة برلمان عربي ويحدد نظامه الأساسي تشكيله ومهامه واختصاصاته) والتي أضيفت في قمة الجزائر في ٢٣/ ٣/٢٠٠٥ م، تعتبر خطوة جيدة، وقد أنشئ هذا البرلمان بعدها في ٢٧/ ١٢/٢٠٠٥ م، وسمي بالبرلمان المؤقت، فهذه المادة تعتبر ممتازة وتتضمن عملاً عربياً وحدوياً كما جاء في تعريف البرلمان (١)، ومن خلال النظر في جدول أعمال الدورة العادية الأولى للبرلمان تظهر أهمية الموضوعات التي يتناولها البرلمان (٢)، ولكن يبقى التساؤل مطروحاً حول نجاحه في تحقيق نقلة نوعية نحو العمل الوحدوي الجاد، وفيما إذا كان سيختلف عن (الاتحاد البرلماني العربي) الذي أنشأ في دمشق عام ١٩٧٤ م؟ والذي كان من أهدافه - التي لم
стр. 366
تتحقق - تنسيق التشريع في الدول العربية وتوحيده، فقد أصبح يكتفي بإصدار البيانات السياسية حول قضايا الساعة في ختام مؤتمراته التي يعقدها.
وسواء كانت الجامعة لا تستطيع تحقيق أي خطوة وحدوية حقيقية أو لا تريد ذلك، فإن التساؤلَ عن جدواها وسبب إنفاق الأموال الطائلة عليها يبقى مشروعاً.
إن المتتبع والراصد لتاريخ جامعة الدول العربية يلاحظ أن الجامعة لم تقم بالدور المرجو منها في سبيل تحقيق الوحدة العربية الحقيقية؛ لعدة أسباب: منها ما يتعلق بميثاق الجامعة نفسه، ومنها ما يتعلق بالدول العربية الأعضاء في الجامعة، ومنها المتغيرات العالمية التي حدثت في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، والذي ترتب عليه ظهور نظام العالم الأحادي القطب أو ما يعرف بالنظام العالمي الجديد، والذي كان من أبرز ملامحه ظهور التكتلات الاقتصادية الكبرى، وفيما يلي نلقي بعض الضوء على هذه الأسباب:
١ - الأسباب المتعلقة بالميثاق:
ولد ميثاق جامعة الدول العربية ضعيفاً منذ البداية لأسباب أشرت إليها عند الحديث عن الميثاق، ولعل من أبرزها خلو هذا الميثاق من إلزام الدول بقرارات مجلس الجامعة، فهذا الميثاق أعطى الدول الأعضاء حق التنصُّل من قرارات الجامعة، وبعضها قد يكون مصيريّاً، حيث ترك الميثاق حرية الالتزام بالقرارات لمن يقبلها فقط.
واحتوى الميثاق أيضاً على مواد تتيح للدول الأعضاء في الجامعة عقد اتفاقيات ثنائية فيما بينها؛ مما أدى لظهور الكيانات الإقليمية التي شتَّتت جهود الدول العربية، ولم تعمل على تحقيق الهدف المنشود منها، مثل الاتحاد المغربي، ومجلس التعاون الخليجي، ومجلس التعاون العربي.
وقد برز فشل الميثاق في تنفيذ آليات جامعة الدول العربية أثناء قيام حرب فلسطين سنة ١٩٤٨م، فلم تفلح جهود الجامعة في وقف العدوان على الشعب الفلسطيني، ففي حين استطاعت الحركة الصهيونية حشد ما يقرب من ثمانين ألف جندي، لم تستطع البلاد العربية مجتمعة أن تحشد سوى أربعين ألف جندي، أي ما
стр. 367
يعادل نصف القوة اليهودية.
وعلى الرغم من احتواء ميثاق جامعة الدول العربية على مادة - وهي المادة رقم (١٨) التي تجيز عزل الدولة الخارجة عن الميثاق من الجامعة، فإنها لم تستعمل ضد أيَّة دولة، على الرغم من قيام كثير من الدول بالخروج على الميثاق، ولعل أبرز مثال على ذلك قيام العراق بغزو دولة الكويت في صيف ١٩٩٠ م، وعجز الجامعة عن اتخاذ موقف ضد حكومة العراق آنذاك.
٢ - أسباب تتعلق بالدول العربية:
كان لسياسة الاستعمار الأوربي في البلاد العربية أثر كبير في تفرقة العرب، وتشرذمهم السياسي وعدم قبولهم لأي أفكار حقيقية للوحدة، فقد قسم الاستعمار الأوربي البلاد العربية لدويلات صغيرة، وأوجد جنسيات متعددة، وأقام الحدود والحواجز الجمركية بين البلاد العربية، وبدأ يلعب على وتر الطائفية في البلاد العربية، وأوجد نظم حكم متصارعة فيما بينها، مثل: النظم الجمهورية والملكية، كما سخر التعليم لخدمة مصالحه (١).
وقد ترتب على هذه السياسة الاستعمارية آثار خطيرة، منها انقسام الدول العربية في سياستها وتوجهاتها، بالإضافة للنظرة الإقليمية الضيقة التي لا تراعي المصلحة القومية، هذه الآثار وغيرها استحقت أن يطلق عليها لفظ (الحرب العربية الباردة) في رأي أحد الباحثين.
٣ - المتغيرات العالمية:
حدثت في العالم عدة متغيرات قلبت موازين القوى، وأثرت بالسلب على جامعة الدول العربية، وهذه المتغيرات تبلورت في ظهور التكتلات الاقتصادية الكبرى في العالم، ودخول العالم عصر القطب الواحد، وقد كان لهذه المتغيرات آثارٌ سلبية على قيام جامعة الدول العربية بدورها المنوط بها، ولعل أبرز هذه الآثار السلبية يتمثل فيما يلي:
١ - انضمام كثير من الدول العربية لاتفاقيات ثنائية مع بعض التكتلات
стр. 368
الاقتصادية، مثل اتحاد دول حوض البحر المتوسط (اليورومتوسط)، وانضمامهم أيضاً للشراكة الاقتصادية مع أوروبا وأمريكا.
٢ - إغراق الأسواق العربية بمنتجات أجنبية تتميز بأنها أجود وأرخص من المنتجات العربية، مما أعاق كثيراً فكرة قيام سوق عربية مشتركة.
٣ - تدني نسبة التجارة البينية بين البلدان العربية لحساب المنتجات الأجنبية.
على أنه يمكن لجامعة الدول العربية أن تحقق آمالها في سبيل توحيد العرب لو عالجت الأسباب التي أعاقت عمل الجامعة ويمكن حصرها في الآتي:
١ - إعادة النظر في ميثاق الجامعة، وتعديله بما يلائم مصلحة الدول العربية دون محاولة إرضاء طرف على حساب طرف آخر.
٢ - الاتفاق على حد معين من التعاون لا يجوز لأية دولة عربية أن تنزل عنه.
٣ - إمداد الجامعة بالكوادر القادرة على تنفيذ مهامها وقراراتها، والبعد عن المحسوبية في تعيين الموظفين بها.
٤ - محاولة إحياء فكرة السوق العربية المشتركة على سبيل التجربة، لإثبات جدية الدول الأعضاء في الاتحاد.
وإذا كنا في مجال تقييم نشاط وفاعلية جامعة الدول العربية، فإن ثمة ظاهرة لافتة للنظر، ألا وهي أن نجاح الجامعة في بعض المجالات استثناء، والأصل هو الإخفاق؛ فمثلاًَ في مجال حل النزاعات العربية، سنجد أنه من بين سبعة وستين نزاعاً لم تنجح الجامعة سوى في حل ستة فقط في الفترة من ١٩٤٥م إلى ١٩٨١م بنسبة لا تتجاوز (١٠%).
وفي مجال الأمن أخفقت جامعة الدول العربية في حماية كثير من دول الجامعة، بداية من العدوان الصهيوني على فلسطين عام ١٩٤٨ م، مروراً بالعدوان الثلاثي على مصر ١٩٥٦ م، وأيضاً عدوان إسرائيل في (٥) حزيران ١٩٦٧ م، على ثلاث دول عربية، واحتلال إرتريا لبعض الجزر اليمنية، وحرب إسرائيل على لبنان في عام ١٩٩٦ م، وفي عام ٢٠٠٦ م، وأصبحت اتفاقية الدفاع العربي المشترك حبراً على ورق.
стр. 369
ولعل الحرب العراقية على الكويت كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فلم تنجح جامعة الدول العربية في إيجاد حل سلمي للأزمة، مما استدعى التدخل الخارجي لعلاجها.
стр. 370
الفصل الثالث: رابطة العالم الإسلامي
مقدمة:
ابتلي العالم الإسلامي منذ العقد الثالث من القرن التاسع عشر، بالاستعمار الأوروبي الذي أدى إلى تفتيت العالم الإسلامي لدويلات صغيرة، ومستعمرات خاضعة له، يستنزف كل إمكانياتها ومواردها ويجعلها مجرد سوق لتوزيع منتجاته التي تضخمت بعد الثورة الصناعية التي شهدتها أوروبا فيما يمكن أن نسميه بعصر الوفرة الإنتاجية.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف، وضع الاستعمار آلية لضمان السيطرة على العالم الإسلامي، وهذه الآلية تعتمد في المقام الأول على غرس بذور الفرقة بين المسلمين، وبدأ يتعامل بنظرية الانتقاء والاختيار فهذا سُّني وهذا شيعي، وهذا صوفي وهذا سلفي، مستهدفاً بذلك تحويل المسلمين إلى مجموعات مذهبية متنافرة، كما شجع الاستعمار الحركات المضادة للعمل الإسلامي كحركة القومية العربية التي تعد القطب المعارض، لأية حركة إسلامية، ولذلك لم يكن مستغرباً أن يتزامن ظهور فكرة القومية العربية في أواخر القرن التاسع عشر مع ازدياد التدخل الأجنبي في البلاد الإسلامية.
وإزاء المؤامرة الاستعمارية التي نسج الغرب الأوروبي خيوطها ضد العالم الإسلامي لم يقف المسلمون مكتوفي الأيدي، بل ظهرت حركات تدعو لوحدة المسلمين، وبذلت جهود حميدة في سبيل توحيد العالم الإسلامي، ونبذ أسباب الفرقة بين وحداته السياسية والجغرافية والمذهبية، وأول هذه الجهود في العصر الحديث هي الجهود التي بذلها جمال الدين الأفغاني (١) في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، بناء على دعوة السلطان عبد الحميد إلى إنشاء الجامعة الإسلامية من أجل التصدي لحركات الفكر القومي التي سادت العالم الإسلامي ومزقت وحدته في ذلك الوقت، وقد أصدر الأفغاني ومحمد عبده جريدة العروة الوثقى (٢) خصيصاً
стр. 371
لغرض إنشاء فكرة قيام تجمع إسلامي.
ولكن ظهور حركة الاتحاد والترقي في تركيا ونجاحها في الوصول إلى الحكم، وعزلها السلطان عبد الحميد أدى إلى فشل فكرة الجامعة.
ثم كانت حركة الإخوان المسلمين - بغض النظر عن موقفنا منها - التي أسسها حسن البنا في الأربعينيات من القرن العشرين في مدينة الإسماعيلية بمصر مرحلة من مراحل محاولة توحيد كلمة المسلمين ونبذ أسباب الفرقة وعوامل التفكك بينهم (١).
ثم جاءت فكرة (رابطة العالم الإسلامي) كواحدة من هذه الجهود التي ترمي لتوحيد العالم الإسلامي، وقد برزت هذه الفكرة في العقد السابع من القرن العشرين، وجاءت محاوِلةً لمَّ شتات المسلمين وتوحيدَ صفوفهم والتنسيقَ بينهم، انطلاقاً من مبدأ عالمية الإسلام، وانطلاقاً من الرغبة في نشر دين الله.
وكانت فكرة رابطة العالم الإسلامي مرشداً لكثير من المنظمات التي ظهرت بعد ذلك، مثل منظمة المؤتمر الإسلامي المُنشأةُ في عام ١٩٦٩ م، أي بعد ظهور رابطة العالم الإسلامي بنحو ثماني سنوات، ولا أبالغ إن قلت: إن الهيكل التنظيمي والإداري، وأجهزة المؤتمر الإسلامي تكاد تكون صورة طبق الأصل من رابطة العالم الإسلامي.
تعريف رابطة العالم الإسلامي:
هي منظمة إسلامية شعبية عالمية جامعة، مقرُّها مكة المكرمة، تقوم بالدعوة للإسلام، وشرح مبادئه وتعاليمه، ودحض الشبهات والافتراءات التي تلصق به، وإقناع الناس بضرورة الالتزام بأوامر ربهم واجتناب نواهيه، وتقديم العون للمسلمين لحل مشكلاتهم، وتنفيذ مشاريعهم الدعوية والتعليمية والتربوية والثقافية، وهي تنبذ العنف والارهاب وتشجع على الحوار مع أصحاب الثقافات الأخرى (٢).
стр. 372
كان تنامي المد الشيوعي السوفييتي، وانتشار الفكر القومي في البلاد الإسلامية، دافعاً وراء إنشاء الرابطة وانطلاقها، أما الاستعمار بصورته التقليدية فلم يكن له أثر يذكر في ظهور فكرة الرابطة، لأن معظم البلاد الإسلامية كانت قد تحررت من النفوذ الاستعماري، ولأن الاستعمار التقليدي كان قد انتهى دوره بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وظهور القوتين الأكبر وهما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي.
تأسيس رابطة العالم الإسلامي:
انعقد المؤتمر الإسلامي العام - الذي أصبح بعد ذلك جزءاً من الهيكل التنظيمي لرابطة العالم الإسلامي- في مدينة مكَّةَ المكرمة بتاريخ ١٤ ذي الحجة ١٣٨١ هـ/ الموافق ١٨ أيار ١٩٦٢ م، وأنشئت بموجب قرار صادر عنه هذه الرابطة وبدعوة من حكومة السعودية، وكان من مؤسسيه: الشيخ محمد الصبان (١)، والندوي (٢)، وغيرهما، واختيرت مدينة مكة المكرمة لتكون مقرًّا للمؤتمر (٣).
وكان قد تزامن مع أعمال المؤتمر إنشاء الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة (٤).
والمتتبع لأهداف المؤتمر وتوصياته يلحظ من خلاله الأسباب التي دعت لتأسيس الرابطة الإسلامية، فالمؤتمر تطرَّق إلى الحديث عن العدالة الاجتماعية قاصداً من وراء ذلك سحب البساط من تحت أقدام دعاة الاشتراكية الذين يتشدقون دائماً بأنهم يحاولون تطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية.
стр. 373
ميثاق رابطة العالم الإسلامي:
نص ميثاق الرابطة الإسلامية على أنه: «نحن أعضاء رابطة العالم الإسلامي الممثلين له تمثيل عقيدة وإيمان نعاهد الله تعالى على:
- أن نؤدي فريضة الله علينا بتبليغ رسالته ونشرها في جميع أنحاء العالم، وأن نؤكد من جديد إيماننا أنه لا سلام للعالم إلا بتطبيق القواعد التي أرساها الإسلام.
- أن ندعو الأمم عامة إلى التسابق في ميدان العمل لخير البشرية وإسعادها، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين أفرادها بإيجاد المجتمع الإنساني الأفضل.
- أن نشهد الله على أننا لا نريد إفساداً لأمر أحد ولا سيطرة ولا هيمنة على أحد.
وفي سبيل تحقيق هذه الأهداف اعتزمنا القيام بما هو آت:
١ - أن نبذل قصارى جهدنا في توحيد كلمة المسلمين، وإزالة عوامل التفكك المحيطة بالمجتمعات الإسلامية المنتشرة في بقاع الأرض.
٢ - أن نذلل العقبات التي تعترض إنشاء جامعة العالم الإسلامي.
٣ - أن نساند كل من يدعو إلى الخير ونساعده على تأدية مهمته الإسلامية.
٤ - أن نستخدم جميع ما نملكه من وسائل روحية، ومادية، وأدبية لتحقيق ما نصبو إليه في هذا الميثاق.
٥ - أن نوحد جهودنا لتحقيق هذه الأغراض بطريق إيجابي سليم.
٦ - أن نطرح كل دعوى جاهلية قديمة منها وحديثة.
٧ - أن نعلن لا شعوبية ولا عنصرية في الإسلام.
وقد حدد الميثاق الوسائل التي تستخدمها الرابطة في سبيل تحقيق أهدافها، مشترطاً عدم تعارضها مع الشريعة الإسلامية، وهذه الوسائل هي:
١ - الدعوة إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على مستوى الأفراد والجماعات والدول.
٢ - تنسيق جهود القائمين بالعمل الإسلامي في العالم وإفادة بعضهم بعضاً.
стр. 374
٣ - تطوير أساليب نشر الدعوة بما يتفق مع القرآن والسنة ولا يخالفهما.
٤ - رفع مستوى الوسائل الإعلامية والدعوية والرعوية والتربوية والتعليمية والثقافية، ورفع إنتاجية العمل بها.
٥ - إقامة الندوات، والدورات التأهيلية والتدريبية والوسائل الإعلامية.
٦ - الاستفادة من موسم الحج في التقريب بين أصحاب الفكر وقادة الرأي وأهل النظر وتوثيق عرى التقارب بينهم، وحثهم على تقديم الحلول العملية لرفع مستوى المسلمين وتحسين أوضاعهم في العالم.
٧ - الإشراف على نشاط المجمع الفقهي الإسلامي، ودعم قيامه بتقديم حلول إسلامية لمشكلات العصر.
٨ - دعم النشاط المؤدي إلى نشر اللغة العربية، ورفع مستوى تعليمها في أوساط الشعوب المسلمة العربية وغير العربية.
٩ - إنشاء مكاتب ومراكز إسلامية تنشط لخدمة الأهداف الإسلامية.
١٠ - تقديم الإغاثة العاجلة للمسلمين المتضررين من الحروب والكوارث الطبيعية.
١١ - الإسهام في تفعيل نشاط المجالس وعمارتها.
الهيكل التنظيمي لرابطة العالم الإسلامي:
١ - المؤتمر الإسلامي العام:
يعد المؤتمر الإسلامي العام أعلى هيئة تشريعية فهو يعبر عن مشاعر الشعوب الإسلامية وآمالها في الوصول لأهدافها العليا، كما أن المؤتمر الإسلامي العام أعلى سلطة في رابطة العالم الإسلامي وهو المعبر عن الشعوب الإسلامية، ويتكون المؤتمر من كبار دعاة الإسلام المرموقين، والناشطين في خدمته حيث يجتمعون للنظر في القضايا الإسلامية الكبرى والعمل على إيجاد حل لمشكلات المسلمين وتحقيق مصالحهم وآمالهم.
стр. 375
٢ - المجلس التأسيسي:
يمثل المجلس التأسيسي السلطة العليا في الرابطة، ويعتمد الخطط التي تتبناها الأمانة العامة للرابطة، ويتكون من ستين عضواً من الشخصيات الإسلامية المرموقة، ويراعى عند اختيارهم تمثيل كل الشعوب والأقليات الإسلامية، ويعينون بقرار من المجلس.
وشروط العضوية في المجلس التأسيسي أن يكون العضو من الدعاة إلى الله ، ويكون له نشاط بارز في العمل الإسلامي، والعمل في المجلس تطوعي لا يتقاضى عنه مرتب ولا مكافأة (١).
٣ - الأمانة العامة:
هي الجهاز التنفيذي للرابطة، ومن اختصاصه الإشراف على الأعمال التي تقوم بها الرابطة، ويقوم الأمين العام والأمناء المساعدون، والموظفون بتنفيذ الخطط والتوجيهات التي يصدرها المجلس التأسيسي.
هيئات الرابطة:
تتبع رابطةَ العالم الإسلامي عدةُ هيئات ذات شخصية اعتبارية، وهي: هيئة الإغاثة الإسلامية، المجمع الفقهي الإسلامي، الهيئة الإسلامية العالمية للتعليم، الهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم، الهيئة الإسلامية العالمية للإعلام، الهيئة العالمية للمرأة والأسرة المسلمة، مؤسسة مكة المكرمة الخيرية، الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، الهيئة العالمية للتعريف بالإسلام، الهيئة العالمية للمسلمين الجدد، الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل، المؤسسة الإعلامية للإعمار والتنمية (٢).
ولو أفردت كل هيئة من هذه الهيئات بحديث مستقل لطال الحديث وتشعب، لذا فسوف أقتصر على تناول المجمع الفقهي الإسلامي، والهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل.
стр. 376
١ - المجمع الفقهي الإسلامي:
المجمع الفقهي الإسلامي هيئة علمية إسلامية، ذات شخصية اعتبارية مستقلة منبثقة عن الرابطة الإسلامية، وقد أنيط بالمجمع الفقهي دراسة القضايا المستجدة التي تحتاج لبيان رأي الشرع فيها، ويتجاوز دور المجمع الفقهي مجرد الإفتاء وبيان الأحكام الشرعية إلى مجابهة القضايا الفكرية التي قد تعترض العمل الإسلامي العام إثباتاً لعالمية الإسلام (١).
وقد جاءت فكرة إنشاء المجمع العلمي الفقهي بناء على طلب من المؤتمر العام الثاني للرابطة الذي انعقد عام ١٣٨٤هـ/ ١٩٦٥م، فأصدر المؤتمر قراراً بتأسيس مجمع فقهي إسلامي يضم مجموعة من العلماء، والفقهاء المحققين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
وفي العام التالي «١٣٨٥هـ-١٩٦٦م» قرر المجلس التأسيسي للرابطة تشكيل هيئة علمية من أعضاء المجلس التأسيسي لدراسة مشروع المجمع الفقهي، وكانت الهيئة مشكلة من سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتى الديار السعودية رئيساً، وبعضوية أصحاب الفضيلة الشيخ أبو الأعلى المودودي (٢)، وأبو الحسن الندوي (٣)، ومحمد بن علي الحركان (٤)، وعبد العزيز بن عبد الله بن باز (٥)، ومحمد محمود الصواف (٦)، ومحمد الفاضل بن عاشور (٧)، ﵏ جميعاً (٨).
وفي عام «١٣٩٣هـ - ١٩٧٥م» (٩) قامت الأمانة العامة للرابطة برفع دراسة الهيئة سالفة الذكر إلى المجلس التأسيسي في دورته الخامسة عشرة، فاتخذ
стр. 377
المجلس قراراً بتأليف مجلس المجمع من عشرة أعضاء من المجلس التأسيسي للرابطة وهم: أبو الأعلى المودودي، وأبو بكر جوص، وحسنين محمد مخلوف (١) وعبد الله بن محمد بن حميد، وعلال الفاسي (٢)، ومنصور المجدوب، ومحمد بن علي الحركان، ومحمد الشاذلي، ومحمد محمود الصواف، ومحمد رشيدي، ويلاحظ من مراجعة أسماء أعضاء مجلس المجمع أنهم يمثلون عدة أقاليم إسلامية دون تفرقة (٣).
وقد أدخلت عدة تعديلات على نظام مجمع الفقه الإسلامي؛ استجابة لمتطلبات التطوير، ولاستيعاب أكبر عدد من الأعضاء لتمثيل أكبر عدد من الدول الإسلامية، ومن ملامح هذا التطوير زيادة عدد أعضاء المجمع إلى ثلاثين عضواً (٤).
وأهداف المجمع كما حددتها لائحته هي: بيان الأحكام الشرعية فيما يواجه المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي، من مشكلات وقضايا مستجدة استناداً إلى مصادر التشريع الإسلامي، وإبراز تفوق الفقه الإسلامي على القوانين الوضعية، وإثبات صلاحية الشريعة الإسلامية واستجابتها لحل كل القضايا التي تواجه الأمة الإسلامية في كل مكان وزمان، ونشر التراث الفقهي الإسلامي وإعادة صياغته، وتوضيح مصطلحاته وتقديمه بلغة العصر ومفاهيمه، وتشجيع البحث العلمي في مجالات الفقه الإسلامي، وجمع الفتاوى والآراء الفقهية للعلماء، والمجامع الفقهية الموثوقة في القضايا المستجدة ونشرها بين عامة المسلمين، والتصدي لما يثار من شبهات وما يرد من مشكلات على أحكام الشريعة الإسلامية (٥).
أما عن الوسائل التي يستخدمها مجمع الفقه الإسلامي في تحقيق أهدافه فتتمثل في: عقد الدورات التي يجتمع فيها أعضاء المجلس لمناقشة أهم القضايا التي تشغل بال المسلمين، وإنشاء مركز للمعلومات لتتبع القضايا التي تحتاج لدراسة، ووضع معاجم للفقه وعلومه توضح مفاهيم المصطلحات الفقهية ونشرها للمشتغلين بالفقه
стр. 378
دراسة وعملاً، وإصدار مجلة علمية محكمة تختص بالدراسات الفقهية، وتنقل بحوث المجمع ومناقشة قراراته، مع ترجمتها لعدة لغات، وقيام تعاون بين المجمع والهيئات والمراكز العلمية المشابهة القائمة في العالم الإسلامي والتبادل العلمي معها، وعقد الندوات العلمية عن قضايا العصر ومستجداته واستكتاب المتخصصين عنها، وترجمة قرارات المجمع ونشرها بكافة الوسائل عن طريق الإنترنت، والفضائيات، والصحف (١).
ويعقد المجلس كل سنتين، وتؤخذ قراراته بالأغلبية، ولا يشترط الإجماع، ومن يبدي اعتراضاً له الحق في تسجيل اعتراضه بجوار اسمه (٢).
أما اختصاصات المجلس فهي طبقاً لنصوص اللائحة:
- بيان حكم الشريعة في الموضوعات المحالة إليه.
- القيام بالدراسات الفقهية فيما يعرض عليه من قضايا المجتمع الإسلامي.
ومن أهم الملحقات بالمجمع الفقهي اللجان العلمية، وهي تختص بالتخطيط والنظر في الأمور العلمية والتطويرية التي تساعد المجمع على القيام بالأعمال المنوطة به، وتختص بإبداء الرأي فيما يكلفها به المجلس من موضوعات، وإجازة بحوث مجلة المجمع (٣).
أما عن الإنجازات الفقهية للمجمع فمنها: اتخاذ قرارات فقهية في حكم الماسونية والانضمام إليها، وحكم الشيوعية والانضمام إليها، وحكم القاديانية والانتماء إليها، وحكم البهائية والانضمام إليها، كما كان للمجمع إسهاماته الفقهية وهي اتخاذه قراراً في حكم التأمين بصوره وأشكاله، وقد بلغت عدد دورات المجمع حوالي سبع عشرة دورة أصدر خلالها العديد من القرارات الفقهية التي تمس الحياة الإسلامية (٤).
стр. 379
٢ - الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل:
تأسست الهيئة كأحد الهيئات التابعة لرابطة العالم الإسلامي بقرار من المجلس التأسيسي للرابطة في دورته (٣٨) المنعقدة خلال شهر شعبان لعام ١٤٢٥ هـ، وتسعى نحو بلورة الفكر الاقتصادي الإسلامي الشامل نظريةً وتطبيقاً، ليكون مرشداً في بناء النظرية الاقتصادية الإسلامية بالمفهوم التنموي الشامل، من خلال تكوين شراكات مع ذوي الملاءة المادية والفكرية من الفقهاء والاقتصاديين والموسرين، وذلك عبر دعم وتنسيق البحوث الأساسية والتطبيقية بين مؤسسات البحث العلمي المعنية.
الأهداف:
- دعم التنسيق والتكامل بين مؤسسات البحث العلمي في مجال الاقتصاد الإسلامي.
- إيجاد هيئة علمية توظف لصالح النظرية الاقتصادية الإسلامية.
- استشراف مستقبل تطبيقات النظرية الاقتصادية الإسلامية.
- بلورة النموذج الإسلامي الاقتصادي الشامل.
- إيجاد الوسائل والنماذج والمنتجات المعينة على تطبيق النظرية الاقتصادية الإسلامية.
- المساهمة في إيجاد حلول بديلة لمشاكل النظام الاقتصادي التقليدي (١).
- بعض إنجازات رابطة العالم الإسلامي في المجال الاقتصادي:
وفي إطار حرص رابطة العالم الإسلامي على النهوض بأحوال المسلمين، وتحسين أوضاعهم الاقتصادية، فقد سعت إلى بناء اقتصاد إسلامي مشترك بين دول العالم الإسلامي، يمتاز بالقوة والاستقرار، واصطنعت في هذه السبيل الوسائل التالية:
١ - المشاركة في المؤتمرات الاقتصادية الدولية:
شاركت رابطة العالم الإسلامي في العديد من المؤتمرات الدولية التي تتناول
стр. 380
موضوعات اقتصادية، مثل: المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي المُنعقد في مدينة مكة عام ١٣٩٦هـ/ ١٩٧٦م، ومؤتمر شؤون الجمعيات الإسلامية للتجار والمهنيين الذي عقد في مدينة ديترويت الأمريكية عام ١٣٩٨هـ/١٩٧٨م، والاجتماع السنوي الرابع لمجلس محافظي البنك الإسلامي للتنمية والمنعقد في كوالالمبور عام ١٣٩٨هـ / ١٩٧٨م، واجتماع لجنة التنسيق بين صندوق التضامن الإسلامي، والمنظمات ذات الأنشطة المتشابهة والذي انعقد في جدة عام ... «١٣٩٨هـ-١٩٧٨م»، كما كان للرابطة مشاركة في مؤتمر السكان المنعقد في المكسيك عام «١٤٠٥هـ-١٩٨٤م»، ومؤتمر السكان الذي عقد في القاهرة عام «١٤١٤هـ-١٩٩٤م» (١).
٢ - الدعوة لتطبيق قواعد الاقتصاد الإسلامي:
لا تدخر رابطة العالم الإسلامي جهداً في الدعوة لتطبيق مبادئ الاقتصاد الإسلامي، فقد قامت بنشر العديد من المقالات في الجرائد الخاصة بالرابطة؛ مثل: جريدة العالم الإسلامي التي خصصت صفحة كاملة للاقتصاد الإسلامي، ومجلة الرابطة التي تصدر موضوعاتها باللغتين، العربية والإنجليزية، بالإضافة لطبع كتب ونشرها تتناول موضوعات الاقتصاد الإسلامي؛ مثل: كتاب مفهوم الفقه الإسلامي لمحمد شوقي الصخري، وكتاب رابطة العالم الإسلامي والنظام العالمي الجديد، وهو عبارة عن مجموعة أبحاث (٢).
٣ - العلاقة مع المؤسسات الاقتصادية والإسلامية:
تحرص رابطة العالم الإسلامي على إقامة علاقة وثيقة مع المؤسسات الاقتصادية الإسلامية انطلاقاً من اهتمامها بتنمية الاقتصاد الإسلامي، ومن الهيئات الاقتصادية التي لها علاقة برابطة العالم الإسلامي: البنك الإسلامي للتنمية، منظمة المؤتمر الإسلامي، غرف التجارة والصناعة، ومؤسسة الأوقاف الإسلامية (٣).
стр. 381
٤ - الإسهام في الاقتصاد عن طريق المجمع الفقهي:
قام مجمع الفقه الإسلامي بدراسة العديد من القضايا الاقتصادية من منظور إسلامي، وقد قام المجمع من خلال ست عشرة دورة، على مدى خمسة وعشرين عاماً، بدراسة موضوعات اقتصادية مهمة؛ مثل: التأمين والمصارف، والأسواق المالية والنقود، والتركات، والتبرعات، والوقف، والدين، والشركات، والأسهم، وبيع وتداول العملات (١).
٥ - محاولة إنشاء السوق الإسلامية المشتركة:
تبنت رابطة العالم الإسلامي فكرة قيام سوق إسلامية مشتركة، وقد مرت هذه الفكرة بمراحل متعاقبة تمثلت في: قيام الأمانة العامة بعرض الفكرة على المؤتمر الإسلامي الثالث الذي انعقد عام ١٤٠١هـ-١٩٨١م، كما قام المؤتمر الإسلامي العام بإصدار توصيات كان منها بناء مؤسسات التضامن والتعاون بين المسلمين لإنجاز المهام المشتركة في المجالات الاقتصادية والتربوية تحقيقاً لقواعد الوحدة، ومن التوصيات المهمة التي أعلنها: إقامة السوق الإسلامية المشتركة لحماية الإنتاج الإسلامي من المنافسة الأجنبية، وتشجيع رأس المال الإسلامي لتنفيذ المشروعات الاستثمارية في البلاد الإسلامية (٢).
وقد تتابعت الاجتماعات التي بحثت سبل إنشاء السوق الإسلامية المشتركة، وبعد استعراض الموقف من المجلس التأسيسي للرابطة قرر المجلس دراسة الأسباب المعوقة لقيام السوق الإسلامية المشتركة، كما قام المجلس بدراسة تقرير الأمانة العامة عن السوق الإسلامية المشتركة وفي النهاية قرر:
١ - أن تقوم الأمانة العامة للرابطة بمساعيها لشرح فوائد هذه السوق.
٢ - أن تقوم الأمانة العامة للرابطة بالاتصال بالدول التي لم تصل منها إجابة حتى تعم الفائدة.
٣ - السعي إلى إنشاء البنوك الإسلامية حتى يسهل إيجاد السوق.
стр. 382
٤ - السعي إلى تطبيقها على مراحل بحيث تبدأ تدريجياً ثم تعمم.
٥ - تشكيل لجنة من ذوي الاختصاص تضع أسس السوق الإسلامية المشتركة
٦ - حث منظمة المؤتمر الإسلامي على سرعة إنشاء السوق الإسلامية المشتركة.
وتقوم الأمانة العامة بإبلاغ هذه الطلبات لمنظمة المؤتمر الإسلامي (١).
وتوالت الجهود، فنظمت وزارة الحج والأوقاف بالاشتراك مع الرابطة ندوة للتنبيه على أهمية السوق الإسلامية المشتركة، كما عرضت فكرة السوق على وزراء المالية، والغرف الصناعية والتجارية في العالم الإسلامي، ولكن ردودهم انحصرت في طلب التريث في إنشاء السوق بسبب اختلاف النظم الاقتصادية في الدول الإسلامية، والتباعد الجغرافي والتفاوت في مستويات الدخل (٢).
٦ - التأكيد على المشروعات المشتركة:
أكد المؤتمر الإسلامي الرابع لرابطة العالم الإسلامي الذي عقد في مكة في عام «١٤٢٣هـ- ٢٠٠٢م» في توصياته الختامية على أهمية المشروعات الاقتصادية التي لها مردود اقتصادي نافع على الدول الإسلامية، وتهدف جهود رابطة العالم الإسلامي في الدعوة لإقامة مشاريع مشتركة إلى:
١ - تشجيع المشروعات المشتركة بين الدول والشعوب الإسلامية من أجل بناء قاعدة صناعية مشتركة تعتمد على الوسائل التقنية والاعتماد على رؤوس الأموال الإسلامية في مختلف المجالات الاقتصادية.
٢ - وضع خطط لنقل التقنيات المتقدمة للعالم الإسلامي (٣).
٧ - دعم برامج التنمية الريفية والاجتماعية والاقتصادية:
تقدم رابطة العالم الإسلامي الدعم المالي للجمعيات التي تقدم خدمات اقتصادية لبعض الفئات في الدول ذات الدخل المنخفض وخصوصاً في القرى والأرياف، وقد
стр. 383
كان للرابطة جهد كبير في رفع مستوى أصحاب الدخل المنخفض في القرى في بعض البلاد الإسلامية. كما دعمت الرابطة بعض الصناعات والمهن التي تعتمد على القطاع الزراعي والرعوي، وتحرص الرابطة كذلك على رعاية الموارد البشرية وتنميتها سياسيّاً، وثقافيّاً، وتعليميّاً من خلال تقديم مساعدات مالية لهم من مخصصات رابطة العالم الإسلامي.
تقييم عام لرابطة العالم الإسلامي:
تواجه الرابطة في عملها عدة مشكلات لعل أبرزها سياسة التكتلات التي تتبعها الدول الأوروبية تحقيقاً لمصالحها التي تعتمد على السيطرة الإعلامية والتكنولوجية، والتفوق العسكري.
ومن المشكلات المؤثرة التي تواجه الرابطة الصراعات والحروب والسياسة غير المتزنة بالإضافة للتخلف والفقر والمرض وارتفاع نسبة الدَيْنِ العام، وفساد البيئة السياسية، والاعتماد على الغير، على الرغم من امتلاك الدول الإسلامية لكثير من الموارد ولكنها غير مستغلة، أو تستعمل في غير محلها بسبب تعرضها للهدر والإسراف، والعالم الإسلامي يمتلك الأموال ولكنها تذهب إلى الأسواق المالية العالمية دون أن يستفيد منها المسلمون بالإضافة لوجود كوادر وخبرات تهاجر لأوروبا نتيجة بعض الأسباب السياسية والاقتصادية (١).
أما الإيجابيات فيمكن معرفتها من خلال استعراض تاريخ وتكوين منظمة رابطة العالم الإسلامي فهي من المنظمات التي تستطيع تحقيق مصالح الأمة الإسلامية، فأهدافها تصب في مصلحة الأمة الإسلامية وتحقق تطلعاتها، كما أن مشكلات العالم الإسلامي - المتكون من أعراق كثيرة وأجناس متنوعة ومتعددة - تحتاج لجهود مثل هذه المنظمة التي جعلت من أهدافها المعلنة تحقيق وحدة العالم الإسلامي، وقد قامت فعلاً بالعمل نحو تحقيق هذا الهدف، فهي تراعي عند تشكيل مجالسها تمثيل كل الشعوب الإسلامية، بالإضافة لقيامها بتوجيه خطاب ديني يرتكز على تدعيم الوحدة الإسلامية (٢)، كما أنها تستخدم موسم الحج فرصة لبث الوعي
стр. 384
في نفوس المسلمين للقضاء على التعصب القومي، ومحاربة الشعوبية، كما أنها في محاربتها للفرقة والاختلاف بين الشعوب الإسلامية، لا تنسى احترام سيادة كل دولة على أراضيها، فهي لا ترمي إلى فرض هيمنتها على أي شعب من الشعوب، ولا تحكمها النظرة القومية المتعصبة، فهي توزِّع خدماتِها على المسلمين جميعاً في مختلف أقطار العالم الإسلامي على وجه المساواة، وفي أحيان كثيرة تقدم مساعداتها للغير، انطلاقاً من مبدأ الأخوَّة في الإنسانية، وكان لهذه السياسة النبيلة أصداءُ بعيدة، حدت ببعض المنظمات الدولية أن تكلف هيئة الإغاثة الإسلامية بالإشراف على تنفيذ كثير من أعمالها الاجتماعية.
لهذا كله فقد نجحت رابطة العالم الإسلامي في تحقيق أهدافها المنشودة - إلى حد ما - ولعل من أبرز مظاهر نجاح الرابطة الإسلامية: طول عمر الرابطة الذي قارب الخمسة عقود، دون أن تتعرض لما تعرضت له المنظمات المشابهة لها من تغيرات صعوداً وهبوطاً، بل ظلت رابطة العالم الإسلامي قوية منذ بدايتها حتى اليوم، وأسباب نجاح الرابطة يعود إلى:
١ - أنها منظمة غير حكومية.
٢ - الشفافية في تناول قضايا العالم الإسلامي، والتعامل مباشرة معها بدون الخضوع لتوجهات حكومية أو ضغوط من أية جهة كانت.
٣ - توفر الاستقلال المالي فلا توجد أية قيود على استخدام أموالها.
٤ - رعاية الدولة المضيفة «السعودية» للمنظمة وتقديم الدعم والعون لها.
٥ - فهمها لاحتياجات المجتمعات المسلمة.
٦ - عالمية الرابطة حيث إنها تراعي في تكوينها تمثيل أنحاء العالم الإسلامي كافة دون النظر إلى الفروقات الإقليمية، تحقيقاً لهدف الرابطة المتمثل في محاربة الشعوبية والقومية التي تفرق ولا تجمع.
٧ - مرونة النظام الإداري المتبع في الرابطة، فهو يتميز بعدة خصائص منها تقليل حجم المستويات الإدارية والتنظيمية ضغطاً للتكاليف.
٨ - وضوح أهداف الإدارات التنظيمية في الرابطة وتحديد اختصاصاتها منعاً للتضارب في اتخاذ القرارات.
٩ - كما أنها إدارة تتبع الأسلوب الديمقراطي في أداء أعمالها بعيداً عن
стр. 385
الاستبداد بالرأي، مما جعل قرارتها مقبولة وسهلة التنفيذ.
١٠ - تراعي إدارة الرابطة المستجدات الإدارية وتحاول تطبيقها، وتستخدم وسائل الاتصال الحديثة في العملية الإدارية مثل شبكة المعلومات الدولية ... «الإنترنت»، ويكفي أن كل إدارة من الإدارات المكونة والتابعة للرابطة لها موقع متميز على شبكة الإنترنت.
١١ - وأخيراً تتميز إدارة رابطة العالم الإسلامي بالمرونة والقدرة على التغيير، فلقد أجرت تغييرات في هياكل هيئاتها وأصبحت نتيجة هذه التغيرات تمتلك شخصية اعتبارية مثل مجمع الفقه الإسلامي وهيئة الإغاثة الإسلامية.
стр. 386
سبل تحقيق الوحدة (الواقع والتوصيات):
١ - واقع الوحدة:
تحقيق الوحدة يجب أن ينبني على فهم الواقع ودراسته بدقة (١)، ولئن كانت مظاهر الوحدة كثيرة وأهمها الوحدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، فإن نظرة سريعة على كل واحدة من هذه المجالات تبين أنها تعاني من مشاكل خطيرة وجديَّة بين الدول الإسلامية:
١ - واقع الوحدة الاجتماعية:
بينما تَبذلُ الدولُ غير الإسلامية المختلفةُ اجتماعياً جهوداً حثيثة للتقارب الاجتماعي كدول الاتحاد الأوربي، نجد الدول الإسلامية التي كانت أصلاً منسجمة اجتماعياً تتجه إلى مزيد من التفرق، فقد انعكست سياسات الدول الإسلامية المتجاورة والمختلفة إلى حد كبير، على العلاقات الاجتماعية بينها، فاختلاف توجهات كل بلد عن البلد المجاور له كان له أبلغ الأثر في التنافر الاجتماعي والتباعد بدل التقارب، بين شعوب هذه الدول، ولست في حاجة لسرد أمثلة على هذا، فيمكن أن نقول: إن هذا موجود مع كل بلد إسلامي أو عربي، مع البلد المجاور معه، ويبدو أن الأمر آخذ في الازدياد ولا تبدو أية جهود تستحق الذكر لوقف هذا التدهور ولتحقيق التقارب في هذا المجال.
٢ - واقع الوحدة الاقتصادية:
وهي شبه مستحيلة حسب الوضع الحالي، فالتفاوت كبير في المستوى الاقتصادي بين الدول الإسلامية، ولا ترغب حتى الدول المتقاربة اقتصادياً ... - فضلاً عن الدول المتفاوتة اقتصادياً - بتوحيد سياساتها الاقتصادية، وقد بلغت التجارة البينية بين الدول الإسلامية - حسب إحصائيات منظمة المؤتمر الإسلامي - ١٣ % فقط، وإن كانت تسعى هذه المنظمة لرفعها إلى ٢٠ % بحلول نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ولكن كل المؤشرات تشير إلى ازدياد
стр. 387
ارتباطات الدول الإسلامية مع الدول غير الإسلامية، على حساب علاقاتها مع الدول الإسلامية، كدخول أغلب هذه الدول في اتفاقيات التجارة العالمية. فالعولمة الاقتصادية شكل جديد من أشكال الهيمنة، والدول الكبيرة تعمل حثيثاً لربط كثير من الدول الإسلامية بها اقتصادياً.
وقد حاولت سوريا منذ فترة قريبة تفعيل اتفاقيات إنشاء السوق العربية المشتركة، ولكنها لم تجد استجابة من بعض الدول العربية ففشلت المحاولة.
٣ - واقع الوحدة السياسية:
وهي متضررة بشكل كبير، بل هي مفقودة تماماً فأنت تجد الشعارات المتضاربة المتعددة المرفوعة في البلدان الإسلامية، كلها تعاكس تحقيق الوحدة السياسية، والبلاد التي تؤمن بضرورة الوحدة وترفع شعاراتها لا تجد طريقها إلى تطبيق هذه الشعارات، ولا تكاد تجد بلداً عربياً أو إسلامياً إلا بينه وبين البلاد المجاورة له علاقات سياسية متوترة، لسبب أو لآخر، أو علاقات حيادية - أقرب إلى السلبية وليس التعاون- في أحسن الأحوال، ولن تجد صعوبة في ضرب الأمثلة على هذا الوضع.
والمشاكل الحدودية المزروعة بين أغلب الدول العربية أو الإسلامية فيما بينها، أو فيما بينها وبين غيرها، تشكل قنابل موقوتة قابلة للانفجار في كثير من هذه البلدان، أو هي متفجرة فعلاً، والأمثلة في هذا كثيرة جداً؛ كالمشكلة المعروفة بين الإمارات وإيران على الجزر، أو بين باكستان والهند على كشمير، أو بين أرمينيا وأذربيجان على إقليم كارباخ ... الخ، والقائمة تطول، وقد بُذلت بعض الجهود لحل هذه المشاكل بين بعض هذه الدول.
ولا يمكن أن ننسى الضغوط السياسية التي تمارسها الدول الغربية على الدول الإسلامية المختلفة، والتي من نتيجتها خضوع بعض البلاد الإسلامية خضوعاً كبيراً لهذه الضغوط حتى أصبحت مجرد منفذة لسياسات هذه الدول، أو كان من نتيجتها الخوف من مواجهة هذه السياسات لدرجة التنازل عن الحقوق والمصالح الوطنية، وأما الدول التي واجهت هذه السياسات فقد أصبحت مستهدفة.
стр. 388
٤ - واقع الوحدة العسكرية:
إن مجرد التفكير فيها من المحرمات عند كثير من الدول الإسلامية أو العربية فضلاً عن حرمتها عند الدول غير الإسلامية عامة والأوربية والأمريكية خاصة.
وكل الاتفاقات في هذا المجال مجمدة تماماً، وما يحصل منها فإنه يحصل على نطاق محدود جداً جداً، وضمن أطر غير عربية وغير إسلامية، وتكون في الغالب موجهة من قبل أوروبا أو أمريكا وتخدم مصالح هذه الدول لا مصالح الدول الإسلامية.
بل إنك لتجد التوترات العسكرية - بدل التعاون - هي السائدة بين بعض الدول الإسلامية، أو على الأقل وجود الشك والريبة في هذه العلاقات.
٢ - التوصيات:
مع هذا الواقع الذي أشرت إلى بعض جوانبه آنفاً، فالسعي إلى الوحدة طريقه طويل وشائك، ولكنه ليس مستحيلاً.
لذا أقترح تجزئة العمل والتركيز على الجانب الاقتصادي والاجتماعي، وتأخير الجانب السياسي والعسكري إلى وقت آخر، على أن يكون التعاونُ الاقتصادي المدخلَ للتعاون والتقارب الاجتماعي.
وأما من يقوم بهذا، فهم الأفراد والمؤسسات الأهلية والأحزاب والمراكز البحثية، ولا يعني هذا عدم الاستفادة من الجهود الرسمية، وتفعيل الاتفاقيات الاقتصادية الموجودة، ولكنه يعني أن من ينهض بعبء هذا الهدف الجليل ينبغي أن يكون من المؤمنين بشرعية وأهمية هذا الهدف من الأفراد والشعوب، لا من الحكومات والرسميين، وذلك بسبب بُعْدِ الأفرادِ والمؤسسات الأهلية أو المدنية عن الضغوط السياسية - في الغالب - التي تمارسها على الحكومات الجهاتُ التي لا تريد لمثل هذا الهدف أن يتحقق.
وقد أثبتت تجربة حزب الله في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، نجاعة أن تتولى الشعوب زمام المبادرة، بدل لوم الحكومات التي لا تستطيع في كثير من الأحيان - في ظل الظروف الدولية - القيام بواجباتها في هذا الشأن.
стр. 389
فينبغي على العقلاء وأهل الشهامة من العلماء في مختلف المجالات ومن السياسيين والإعلاميين ومن له التأثير في مجتمعه في كل بلد، أن يتولوا زمام المبادرة لتحقيق الوحدة الإسلامية، فيبدؤوا بدراسة الواقع الخاص ببلدهم، لمعرفة أفضل الطرق الموصلة إلى هذا الهدف، فهم الأدرى بدقائق أوضاع بلادهم من غيرهم، مع ضرورة التعاون والتنسيق بينهم، ولابد لتحقيق الوحدة من:
١ - دراسة التركيبة الاجتماعية لكل دولة من الدول الإسلامية لمعرفة:
أ) من هم المخاطَبون وما طبيعتهم وما أفكارهم: ويأتي هنا معرفة العقبات الاجتماعية المتأصلة في طبقات المجتمع المسلم، ومطالبتها بالعودة إلى النبع الأصيل لشريعتنا السمحة، كالعودة إلى التكافل الاقتصادي بين أفراد المجتمع في البلد الإسلامي الواحد أو بين الدول الإسلامية المختلفة، ونبذ الأنانية الفردية بين أفراد المجتمع الواحد، أو بين مجتمعات إسلامية مختلفة، متجاورة أو غير متجاورة، ومن ثم توعية المسلمين أن الدعوات التي تُنشر بينهم والتي تفرقهم، أو تصنفهم تصنيفات متعددة، وتعمق التباعد بينهم، ليست من ديننا في شيء، وهي دعوات متهمة وراءها قوى معادية الإسلام ومتسترة وراء واجهات مختلفة.
كما يأتي في إطار العودة بالمسلمين إلى الوحدة الاجتماعية كلُ جهد يبذله العلماء في الدعوة إلى إحياء الإسلام في قلوب الناس، لأنه هو الأساس في أي تقارب اجتماعي فهو الذي يصهر الناس ببوتقة واحدة، فعوامل الوحدة مبثوثة في تعاليم الإسلام المختلفة، ولا حاجة للتدليل على هذا فهو أكثر من أن يحصى بدءً من العقيدة الواحدة، والتاريخ المشترك، وانتهاء بالعبادات المختلفة التي توحد المسلمين.
ب) ومن هي الفئات التي تعادي مشروع الوحدة (١)، ولماذا يمكن أن تعاديه،
стр. 390
وكيف يمكن التعامل معهم: وتبرز هنا مشكلات اجتماعية كثيرة، كالمشكلات الطائفية والعرقية بل والمذهبية، ومشكلات تنبع من اختلاف أتباع الأديان الثلاثة، وما ينبغي من تطمينهم من أن فكرة كهذه ليست دينية بحتة، ولا تؤدي إلى غمطهم حقوقهم، واقناعهم أن هذه الفكرة تخدم مصالح أبناء الوطن على اختلاف اتجاهاتهم، كما وتبرز هنا مشكلات ناتجة عن معاداة الفئات التي لها مصلحة في بقاء الواقع كما هو عليه من المنتفعين من حالة التفرق والضعف، أو من الذين رهنوا ولاءهم لغير الله ورسوله، ولغير مصلحة أمتهم.
وغني عن الذكر أن فكرة كهذه لها أعداء شرسون من خارج المجتمع المسلم كالدول العالمية الاستعمارية التي لا زالت تنظر إلى بعض الدول الإسلامية نظرة المستعمر الانتهازية المخربة، بصورة أو بأخرى.
ويبرز في هذا الإطار جلياً الدور الهام للإعلام وللعاملين فيه من المخلصين لأوطانهم، في اختصار الزمن لتوصيل هذه الفكرة للناس، وفي إطلاق وتوجيه طاقات شباب الأمة الوجهة الصحيحة، بدل هدرها على ما لا نفع فيه لهم ولا لأمتهم، فهم أمل الأمة في مستقبل أفضل.
٢ - دراسة التركيبة الاقتصادية لكل دولة من الدول الإسلامية: لمعرفة الطرق الاقتصادية العملية الممكنة للتقريب بين الدول الإسلامية عامة والمتجاورة فيما بينها خاصة، ومن هم الذين يمكن أن يكونوا حملة هذه المهمة الاقتصادية، أو الذين لهم صلة مباشرة بالاقتصاد، من خبراء أو من كبار التجار والصناعيين والمزارعين، أو المؤسسات التي لها صلة بهم، ومن هم الذين يمكن أن يتضرروا من الوحدة، كالفئات الانتهازية المستفيدة من حالة التجزئة، أو الفاسدين الذين يعرقلون أي تقدم اقتصادي، أوالذين سبقونا في سد الطريق على مثل هذا الهدف (١)، كالعاملين على الاتفاقيات الاقتصادية التي تبطن أهدافاً استعمارية ومصالح كبرى الشركات والقوى الاقتصادية المتنفذة، والتي لها باع طويل في التحكم بمقدرات