← Общие книги

Общие книги · id 96238

صور الإعلام الإسلامي في القرآن الكريم - دراسة في التفسير الموضوعي

عاطف إبراهيم المتولي

Полный текст (355 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المبحث الأول تعريف الإعلام العقدي يمثل الإعلام العقدي أجل عمليات الاتصال على الإطلاق، ولا شك؛ فهو اتصال يشكل رأس الجسد في الإعلام القرآني، يؤسس لما بعده من أنواع الإعلام القرآني، ويمهد لمسائله، والتي بدونه تكون كبناء بيت فوق موج البحر، لايقر له قرار، ولا تقوم له قائمة؛ وذلك لأن الإعلام العقدي من شأنه تقويم النفوس، وإصلاح القلوب، وبناء الفرد الصالح القادر على حمل التكاليف الشرعية، ولهذا لم يكن مسْتَغْرَباً أن يفيض القرآن في مجال العقيدة وتصحيح المفاهيم بتركيز شديد طيلة ثلاث عشرة سنة في مكة المكرمة، استخدم فيها الإعلام القرآني كل وسائله، وأساليبه، لترسيخ العقيدة الصحيحة النقية، والدفاع عنها، ورد شبهات الكافرين، ومقارعتهم بالحجج الدامغات، وبيان فساد أقوالهم وأعمالهم لفساد معتقداتهم. وقبل الخوض في أهداف الإعلام العقدي وذكر صوره وتطبيقاته لابد من تعريفه أولاً، ويتكون هذا المصطلح من لفظين؛ (إعلام) و (عقدي)، يجب تعريف كل واحد منهما، ومن ثَمَّ نقف على تعريف (الإعلام العقدي). أما الإعلام فقد سبق لنا الوقوف عنده، وبيان معناه، لغةً واصطلاحاً (١)، وبقي معنا كلمة (العقدي) ونحتاج - قبل أي شيء في هذا الفصل - للتعرف على لفظ العقيدة، لغة واصطلاحاً، وهذا ما سيكون بمشيئة الله في المطالب التالية:

стр. 107

المطلب الأول: تعريف العقيدة لغةً العقيدة لغة: من العقد؛ وتدور معانيها اللغوية حول الربط، والشد، والإبرام، والإحكام، والتوثق، والتماسك، والإثبات؛ والمعاهدة، ومنه اليقين والجزم، ومنه قوله سبحانه ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (١) وتعقيد الأيمان يكون بقصد القلب وعزمه، أي ما صممتم عليه منها وقصدتموها (٢)، بخلاف لغو اليمين التي تجري على اللسان عادة بدون تعقيد ولا تأكيد (٣). والعقد نقيض الحل، ويقال: عقده يعقده عقداً، والجمع عقود، واعتقدتُ كذا؛ عقدتُ عليه القلب والضمير حتى قيل العقيدة: ما يدين الإنسان به، وله عقيدة حسنة؛ سالمة من الشك (٤)، وقال في المعجم الوسيط: " العقيدة: الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى مُعْتَقِده، والعقيدة في الدين: ما يقصد به الاعتقاد دون العمل (٥). وخلاصته: أن ما عقد عليه الإنسانُ قلبَه جازماً، فهو عقيدة، سواء كان حقاً، أو باطلاً. وهناك رباط وثيق بين هذا المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، يظهر ذلك من خلال المطلب القادم في بيان العقيدة اصطلاحاً. المطلب الثاني: تعريف العقيدة اصطلاحاً العقيدة اصطلاحاً: قال الشيخ عبد الله عبد الحميد الأثري: (هي الأمور التي يجب أن يصدق بها القلب، وتطمئن إليها النفس؛ حتى تكون يقيناً ثابتاً لا يمازجها ريب، ولا يخالطها شك. أي: الإيمان الجازم الذي لا يتطرق إليه شك لدى معتقده، وسمي عقيدة؛ لأن الإنسان يعقد عليه قلبه) (٦) وقال العلامة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله (هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، وتُسمَّى هذه أركانُ الإيمان، وهي التي لا

стр. 108

تتعلق بكيفية العمل، مثل اعتقاد ربوبية الله ووجوب عبادته، واعتقاد بقية أركان الإيمان المذكورة) (١). والتعريف الأول، هو تعريف عام بالعقيدة ككل، وبيان خصائصها؛ من اليقينية والجزم في مسائلها؛ بحيث لا يتطرق لشيء من قضاياها شك، أو ريب. والتعريف الثاني، تضمن الإشارة لأصول العقائد، وأركان الإيمان، وبيان أن العقائد مختصة بالجانب العلمي الغيبي، وليس بالجانب العملي المشاهد. خلاصة: يمكن لنا أن نخلص بتعريف للعقيدة بأنها: مجموع القضايا العلمية الغيبية التي يؤمن بها الفرد بيقين جازم لا ريب فيه. وهذا معنى قوله سبحانه ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (٢). قال أبو العالية ﵀: يؤمنون بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته، وناره، ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الممات، وبالبعث، فهذا غيب كله. وبمثل هذا المعنى جاءت أقوال الصحابة متقاربة، حول أن جميع المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به (٣). ملاحظة: قد يتبادر أن الكتب والرسل مشاهدة منظورة فليست من الغيب، ولكن المراد هو الإيمان بنسبتها إلى الله، أي كون الرسل مبعوثين من عند الله، والكتب منزلة من عند الله كذلك، وهذا أمر غيبي (٤). وبعد الوقوف على معنى العقيدة لغة واصطلاحاً نرجع إلى الكلام على تعريف الإعلام العقدي وهو مقصودنا من هذا المبحث؛ فأقول - وعلى الله اعتمادي -: تعريف الإعلام العقدي: هو الإعلام القائم على تزويد الناس بالمعلومات السليمة، والحقائق الثابتة عن مجموع القضايا العلمية الغيبية التي جاءت في الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة، بحيث تصل بالجماهير لتصور عقدي واضح لا لبس ولا غموض فيه، وتساعدهم على تكوين عقيدة صحيحة بلا أوهام أو خرافات.

стр. 109

المطلب الثالث: موضوعات الإعلام العقدي: يبدو واضحاً من التعريف السابق أن ميدان الإعلام العقدي يشمل الأمور التالية (١): ١١ - ما يتعلق بالله تعالى وكل ما أخبر به عن نفسه تعالى: ذاتا، وصفاتٍ، وأفعالا. والإيمان بوجود الله تعالى بدلائل الفطرة، والعقل، والشرع، والحس، والإيمان بربوبيته بلا شريك ولا معين، والإيمان بألوهيته فهو المستحق للعبادة وحده، والإيمان بأسمائه وصفاته، بلا تحريف، أوتعطيل، أوتكييف، أوتمثيل. ١٢ - الرسل الكرام ﵈، وما يتعلق من الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى، فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالجميع، والإيمان بمن عُلِم اسمه منهم تفصيلاً، وأما من لم يُعْلَم اسمه منهم فعلى وجه الإجمال، وما يليق بهم من صفات، وما يجب في حقهم، وما يستحيل عليهم، وما هو جائز منهم. ١٣ - الملائكة: ما يتعلق بالإيمان بوجودهم. والإيمان بمن علمنا اسمه منهم (كجبريل) ومن لم نعلم اسمه، والإيمان بما علمنا من صفاتهم، وأعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى، كتسبيحه، والتعبد له ليلاً ونهاراً بدون ملل ولا فتور. ١٤ - الكتب: التي أنزلها تعالى على رسله رحمة للخلق، وهداية لهم، ليصلوا بها إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة، وما يتعلق بالإيمان بأن نزولها من عند الله حقاً، والإيمان بما علمنا اسمه منها، كالقرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور؛ والإيمان بما لم يُعْلَم اسمه إجمالاً. ١٥ - اليوم الآخر: هو يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء. وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في منازهم، وأهل النار في منازلهم. ويتعلق به الإيمان بالبعث، والإيمان بالحساب والجزاء، والإيمان بالجنة والنار، وأنهما المآل الأبدي للخلق، ويلحق بالإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه، وغير ذلك.

стр. 110

١٦ - القضاء والقدر: وما يتعلق بالإيمان بأن الله تعالى علم بكل شيء جملة وتفصيلاً، أزلاً وأبداً، والإيمان بأن الله كتب كل شيء في اللوح المحفوظ، والإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى، والإيمان بأن جميع الكائنات مخلوقة لله تعالى بذواتها، وصفاتها، وحركاتها. وإلى جانب ما سبق من أركان العقيدة، وأصول الدين، يجب على الإعلام العقدي أن يتناول أيضاً: ١٧ - بيان زيف الكفر، والشرك، والإلحاد والنفاق. وذلك من خلال التعرض لمعتقداتهم الباطلة، وشبهاتهم المتهافتة، واتباعهم للأهواء، وإيثارهم للشهوات العاجلة. ١٨ - إعلاء عقيدة الولاء والبراء؛ الولاء لله ورسوله والمؤمنين والبراءة من الكفر والكافرين. وببيان تعريف الإعلام العقدي، وموضوعاته، التي يتواصل بها مع الجماهير؛ يمكننا الانتقال إلى المبحث الثاني من هذا الفصل، واستعراض الأهداف المتوخاة، والغايات المرجوة من وراء هذا الفرع من إعلامنا الإسلامي القرآني

стр. 111

المبحث الثاني: أهداف الإعلام العقدي في القرآن كان تصحيح العقائد، والمفاهيم والتصورات، عن الخالق سبحانه، وعالم الغيب؛ هو أحد المقاصد الرئيسة للوحي الإلهي، المنزل على الرسول الكريم ﵊؛ ولهذا فلا نستكثر كل هذا الكم الهائل من الآيات الكريمات، التي تناولت الجانب العقدي من مختلف جوانبه، ولا نستكثر أيضاً انقضاء العهد المكي في تثبيت العقيدة، وترسيخ معانيها. ويمكن لنا من خلال النقاط التالية بيان أهداف الإعلام العقدي في القرآن الكريم: o تعريف الخلق بربهم سبحانه، معرفة صحيحة، تخلو عن الأوهام، والظنون، وأنه سبحانه متفرد بالخلق والأمر ومثل هذا قوله ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ (١) قال العلامة السعدي ﵀: يقول تعالى مبينا أنه الرب المعبود وحده لا شريك له: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وما فيهما على عظمهما وسعتهما، وإحكامهما، وإتقانهما، وبديع خلقهما. ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ فلما قضاهما وأودع فيهما من أمره ما أودع ﴿اسْتَوَى﴾ ﵎ ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ العظيم الذي يسع السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، استوى استواء يليق بجلاله وسلطانه، فاستوى على العرش، واحتوى على الملك، ودبر الممالك، وأجرى عليهم أحكامه الكونية، والدينية، ولهذا قال: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ﴾ المظلم ﴿النَّهَارَ﴾ المضيء، فيظلم ما على وجه الأرض، ويسكن الآدميون، ﴿ ... يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ كلما جاء الليل ذهب النهار، وكلما جاء النهار ذهب الليل، وهكذا أبدا على الدوام، حتى يطوي الله هذا العالم، ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ أي: بتسخيره وتدبيره، الدال على ما له من أوصاف الكمال، فخَلْقُها وعِظَمُها دالٌّ على كمال قدرته، وما فيها من الإحكام، والانتظام، دال على كمال حكمته، وما فيها من المنافع،

стр. 112

والمصالح الضرورية وما دونها دال على سعة رحمته وذلك دال على سعة علمه، وأنه الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ أي: له الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات علويها وسفليها، أعيانها وأوصافها وأفعالها والأمر المتضمن للشرائع والنبوات، فالخلق: يتضمن أحكامه الكونية القدرية، والأمر: يتضمن أحكامه الدينية الشرعية، وثم أحكام الجزاء، وذلك يكون في دار البقاء، ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ أي: عظم وتعالى وكثر خيره وإحسانه، فتبارك في نفسه لعظمة أوصافه وكمالها، وبارك في غيره بإحلال الخير الجزيل والبر الكثير، فكل بركة في الكون، فمن آثار رحمته، ولهذا قال ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) o بيان وحدانية الله ، واستحقاقه وحده للعبادة. مثال ذلك قوله سبحانه ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ (٢)، قال العلامة السعدي ﵀ " يخبر تعالى - وهو أصدق القائلين - أنه ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: متوحد منفرد في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فليس له [ص ٧٨] شريك في ذاته، ولا سمي له ولا كفو له، ولا مثل، ولا نظير، ولا خالق، ولا مدبر غيره، فإذا كان كذلك، فهو المستحق لأن يؤله ويعبد بجميع أنواع العبادة، ولا يشرك به أحد من خلقه، لأنه ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ المتصف بالرحمة العظيمة، التي لا يماثلها رحمة أحد، فقد وسعت كل شيء وعمت كل حي، فبرحمته وجدت المخلوقات، وبرحمته حصلت لها أنواع الكمالات، وبرحمته اندفع عنها كل نقمة، وبرحمته عرّف عباده نفسه بصفاته وآلائه، وبيَّن لهم كل ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم ودنياهم، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب. فإذا علم أن ما بالعباد من نعمة، فمن الله، وأن أحدا من المخلوقين، لا ينفع أحدا، علم أن الله هو المستحق لجميع أنواع العبادة، وأن يفرد بالمحبة والخوف، والرجاء، والتعظيم، والتوكل، وغير ذلك من أنواع الطاعات. وأن من أظلم الظلم، وأقبح القبيح، أن يعدل عن عبادته إلى عبادة العبيد، وأن يشرك المخلوق من تراب، برب الأرباب، أو يعبد المخلوق

стр. 113

المدبر العاجز من جميع الوجوه، مع الخالق المدبر القادر القوي، الذي قد قهر كل شيء ودان له كل شيء. ففي هذه الآية، إثبات وحدانية الباري وإلهيته، وتقريرها بنفيها عن غيره من المخلوقين وبيان أصل الدليل على ذلك وهو إثبات رحمته التي من آثارها وجود جميع النعم، واندفاع [جميع] النقم، فهذا دليل إجمالي على وحدانيته تعالى" (١). o تعظيم الله سبحانه ، بمقتضى معرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا، والتي وردت في مثل قوله ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ (٢). فهذه الآيات الكريمات إعلام رباني، بما له سبحانه من أسماء حسنى وصفات مُثْلى؛ فهو الإله المعبود، ذو العلم المحيط بالسر والعلن، والرحمة الواسعة في الدنيا والآخرة، وهو سبحانه ملك الممالك، الطاهر المبارك، السالم من جميع العيوب والنقائص، المتصف بصفات العز والكبرياء والجبروت فلا يُرَد حكمه، ولا يُعَقَّب على أمره، وهو المبدع لخلقه إيجاداً وتصويراً كما يشاء، فمن علم ذلك لا يسعه إلا أن ينطلق لسانه بالتسبيح له تعالى والخضوع له . o الإعلام برحمه الله تعالى وعنايته بعباده حيث أرسل إليهم الرسل، يهدونهم إلى صراط الله تعالى، ويبينون لهم كيف يعبدون الله. قال ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٣)،قال ابن كثير ﵀ " وقوله: ﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي: يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب، وقوله: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي: أنه تعالى أنزل

стр. 114

كتبه، وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه؛ لئلا يبقى لمعتذر عذر " (١). o محبة الرسل عليهم الصلاة والسلام وتعظيمهم ، والثناء عليهم بما يليق بهم، لأنهم رسل الله تعالى، قاموا بعبادته، وبلغوا رسالاته، ونصحوا لعباده. وقد أخذ الله العهد على بني إسرائيل بذلك فقال لهم ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٢). وخاطب سبحانه أهل الإيمان فقال لهم ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٣) قال ابن كثير ﵀: "قال ابن عباس وغير واحد: يعظموه، ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام" (٤)،ومدح المؤمنين الذين يؤمنون بهم جميعاً من غير تفريق بينهم فقال ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٥) o الإعلام بحكمة الله تعالى ، ورعايته لخلقه، في إنزاله كتباً يهديهم بها، وحيث شرع لكل قوم ما يناسب أحوالهم، قال ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (٦)، قال العلامة السعدي ﵀ " أي: أنزل الله القرآن، والتوراة، والإنجيل، هدى للناس من الضلال، فمن قبل هدى الله فهو المهتدي، ومن لم يقبل ذلك بقي على ضلاله. ﴿وأنزل الفرقان﴾ أي: الحجج البينات، والبراهين القاطعات الدالة على جميع المقاصد والمطالب، وكذلك فصَّل

стр. 115

وفسَّر ما يحتاج إليه الخلق حتى بقيت الأحكام جلية ظاهرة، فلم يبق لأحد عذر ولا حجة لمن لم يؤمن به وبآياته" (١) وقال ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (٢)، وقال ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣). o إعلام الناس بعظمة الله تعالى ، وقوته، وسلطانه، بتعريف الجماهير ببعض خلقه كعالم الملائكة، وصفاتهم الفذة، وقدراتهم العظيمة، ووظائفهم الجليلة، وما يتعلق بذلك من الإيمان بهم، ومحبتهم. ومن هذا النوع قوله سبحانه ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (٤) وقوله سبحانه ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ (٥). وقوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٦) وقوله ﴿ ... عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٧). o إبراز بديع صنع الله في الكون ، وتسخير المخلوقات، وإسباغ النعم، مع بيان أن هذا كله يدفع الإنسان للشكر والاستقامة، والتحقق بعبادة الله سبحانه بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. o بث أجواء الطمأنينة ، والراحة النفسية، والاعتماد على الله تعالى، مهما جرى ووقع من أقدار الله تعالى فلا يُقْلَقُ بفوات محبوب، أو حصول مكروه، لأن ذلك كله بقدر الله، الذي له ملك السموات والأرض، مع تسلية المؤمن عما يفوته من الدنيا، بما يرجوه من نعيم الآخرة، وثوابها. وفي ذلك يقول الله تعالى ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي

стр. 116

أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ (١). o الدفاع عن عقيدة الأمة ورد الشبهات ، وذلك بالدليل الواضح، والبيان الساطع فهذه عشرة كاملة من أهداف الإعلام العقدي ننتقل بعده للمبحث التالي وهو:

стр. 117

المبحث الثالث صور الإعلام العقدي في القرآن الكريم لما كان المقصد العقدي مقصداً محورياً في الوحي الرباني المنزل على عبده ورسوله محمد ﵊ لم يكن عجباً أن نرى حشود الآيات القرآنية، وعساكر الإعلام الربانية في أمنع دروع التعبير، وأمضى أسلحة البيان، تدك التصورات والمفاهيم الجاهلية ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (١)،وتدمدم على المعاندين قلاع الضلال والوثنية ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢)، وتشيد للحق صرحاً عظيماً، أصوله ثابتة ودعائمه راسخة، مدده من السماء، ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ﴾ (٣)، يعلنها للبشرية أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ تنمحي بها أوثان وأصنام، وتذل لها عقائد وأوهام، فقوَّم الله سبحانه بهذا الإعلام العقدي إعوجاج الأفهام، ولم يترك لمحتج حجة، ولم يدع لزائغ شبهة. ويمكننا القول إن الإعلام العقدي في القرآن الكريم تركز في النقاط التالية: عرض الحقائق المجردة عرض الحقائق مدعمة بأدلة الفطرة والعقل والحس إبطال العقائد الضالة، ورد الأقوال الزائفة وتنوعت من أجل ذلك الأساليب والصور الإعلامية القرآنية في موضوعات العقيدة؛ تنوعاً باهراً، بحيث لا تكفي للإحاطة بها رسائل كاملة، أشير إلى أطراف منها في هذا المبحث، وذلك في النقاط الآتية:

стр. 118

٢ - اعتماد تكرار الحقائق ذات المعنى الواحد والإلحاح عليها كأسلوب الإعلامي في عرض الحقائق لتثبيتها وتقريرها، والقاعدة عند المؤسسات الإعلامية والعاملين بالإعلام أن (ما تكرر تقرر)؛ فنجد في تقرير توحيد الله تعالى رباً، ومعبوداً، بأسمائه، وصفاته نجد الأسلوب الخبري في الآيات الآتية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ (١) وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ (٢) وقوله تعالى ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٣) وقوله تعالى ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٤) وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٥) ونجد كذلك الأسلوب الإنشائي بأمره ونهيه واستفهامه في الايات التالية: قوله تعالى ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ (٦) وقوله تعالى ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٧)

стр. 119

وقوله تعالى ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (١) وقوله تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢) وقوله تعالى ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (٣) وقوله تعالى ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٤) فهذه الآيات الكريمات - وأخواتها كثر - في أسلوبيها الخبري، والإنشائي، تقرر وحدانية الله تعالى؛ رباً، خالقاً، وإلهاً معبوداً، تقدم هذه المعاني من خلال الخطاب الهاديء، والبيان الواضح، تسوق الحقائق مجردة، ينتفع بها قسم كبير من الناس (الجماهير)، سلمت فطرهم من شوائب الجاهلية، ينتبهون لما فيها من المعاني الواضحة، ويكتفون بها في التعرف على ربهم ومعبودهم، وما ينبغي له من أسماء الجلال، وصفات الكمال. وذكر الحقائق مجردة، واضحة المعاني، من أعظم العوامل في تكوين وجدان الشعوب والجماهير، وتكرارها على مسامعهم، والإلحاح على معانيها، من أكبر عوامل ترسيخها وتثبيتها في النفوس. وإلى جوار هذا الأسلوب الإعلامي، في القرآن الكريم تأتي أساليب أخرى منها: ٣ - استخدام القصص أسلوباً إعلامياً في بيان معاني العقيدة ، وغرسها في القلوب، وقد بين الله تعالى غايات القصص القرآني فقال سبحانه ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) وقال سبحانه ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى

стр. 120

وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) فتثبيت القلوب على الحق، والاعتبار، والاتعاظ، والتذكير، وبيان المباديء، والثبات عليها، والهداية، والرحمة بالخلق؛ كلها غايات، يحققها الإعلام الرباني، من خلال القصص القرآني. والمسألتان التاليتان هما نموذجان، لهذا الأسلوب الإعلامي، في غرس معاني العقيدة فمن أغراض القصص بيان أن دين الأنبياء واحد؛ وعقيدتهم واحدة، ولهذا يجد القاريء المتأمل كثيراً من قصصِ الأنبياء بصورة مجتمعة، تتكرر فيها مواقف الدفاع عن العقيدة الحقة، والدعوة إلى توحيد الله سبحانه، وترك عبادة ما سواه، على نحو ما جاء في سور (الأعراف، وهود، والشعراء)، فجميع قصص الأنبياء في هذه السور، يبين بلا مجال للبس، أو خطأ؛ أن دين النبيين واحد، ودعوتهم واحدة، كما جاء في قوله تعالى ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقوله سبحانه ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، وقوله سبحانه ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وقوله سبحانه ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢) فهذه دعوة الرسل؛ رب واحد، ودين واحد، وعقيدة واحدة، تترسخ وتثبت بهذا الأسلوب الإعلامي من القصص القرآني البديع الصادق، والذي من أغراضه أيضاً:

стр. 121

إثبات الوحي والرسالة. فالنبي محمد عليه الصلاة والسلاملم يكن كاتباً ولا قارئاً، ثم يأتي بمثل هذا القصص القرآني، دقةً، وإسهاباً، كقصص إبراهيم ويوسف وموسى وعيسى. فورودها في القرآن؛ كان دليلاً على أن محمداً ﵊ رسول من عند الله حقاً، والقرآن وحي الله صدقاً. والقرآن ينص على هذا الغرض نصَّاً في مقدمات القصص أو في أعقابها. جاء في أول سورة "يوسف" قوله سبحانه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (١) وجاء في سورة القصص" قبل عرض قصة موسى قوله سبحانه: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢)، وبعد انتهائها قال الله تعالى ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٣). وللقصص أغراض عديدة (٤)، وفوائد جمة، نكتفي هنا بهذه الإطلالة على هذا الأسلوب الإعلامي في القرآن، لتثبيت وترسيخ معاني العقيدة، ومنه إلى أسلوب

стр. 122

آخر بديع، بليغ، من وسائل القرآن الإعلامية في بيان العقيدة الصحيحة الصافية، وهو: ٤ - الإعلام بضرب الأمثال لتوصيل حقائق العقيدة والإيمان ؛ فالأمثال في القرآن الكريم لها أهميتها وثمرتها العظيمة، وأبرز تلك الثمرات، والفوائد: التفكر، والتدبر، وإعمال العقل، الذي يعيد للإنسان رشده، وصوابه، فيؤوب إلى ربه مسلماً، متوجهاً بقلبه ووجهه إليه. ومن أهم أهداف الأمثال القرآنية كوسيلة إعلامية؛ الأهداف العقدية، والتي تتركز حول: أ- وجوب توحيد الله بالعبادة، وعدم تسويته سبحانه بالأوثان والأصنام، ومن هذا قوله ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ (١) قال الإمام ابن القيم ﵀: " ...... والمعنى هل يرضى أحد منكم، أن يكون عبدُه شريكَه في ماله وأهله، حتى يساويه في التصرف في ذلك، فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرف فيه، كما يخاف غيره من الشركاء، والأحرار. فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم، فلم عدلتم بي من خلقي من هو مملوك لي. فإن كان هذا الحكم باطلا في فطركم، وعقولكم، مع أنه جائز عليكم، ممكن في حقكم؛ إذ ليس عبيدكم ملكا لكم حقيقة، وإنما هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، وأنتم وهم عبادي، فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي، وملكي وخلقي!!!. فهكذا يكون تفصيل الآيات لأولي العقول" (٢).

стр. 123

بمثل هذا المثل الدقيق في كلماته، والقاطع في معناه، أبطل الله عقائد المشركين، وأبان عن ظلمهم، وجهلهم، في مساواتهم أصنامهم، وأوثانهم بالله رب العالمين. ومما جاءت أمثال القرآن ببيانه بياناً شافياً، حاسماً، النقطة التالية: ب- بيان العجز التام لآلهة المشركين المزعومة، وعليه فلا يصلح اتخاذهم آلهة، ولا يستقيم عبادتهم من دون الله. ومن هذه الأمثلة القرآنية قوله سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ (١) قال العلامة السعدي ﵀ " هذا مثل ضربه الله لقبح عبادة الأوثان، وبيان نقصان عقول من عبدها، وضعف الجميع، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذا خطاب للمؤمنين والكفار، المؤمنون يزدادون علما وبصيرة، والكافرون تقوم عليهم الحجة، ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أي: ألقوا إليه أسماعكم، وتفهموا ما احتوى عليه، ...... ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ شمل كل ما يدعى من دون الله، ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ الذي هو من أحقر المخلوقات وأخسها، فليس في قدرتهم خلق هذا المخلوق الضعيف، فما فوقه من باب أولى، بل أبلغ من ذلك لو ﴿يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ وهذا غاية ما يصير من العجز. ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ الذي هو المعبود من دون الله ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ الذي هو الذباب، فكل منهما ضعيف، وأضعف منهما، من يتعلق بهذا الضعيف، وينزله منزلة رب العالمين" (٢). ومن المسائل العظيمة التي ضربت لها الأمثال، تبييناً، وإبطالاً لها؛ إدعاء الألوهية للمسيح ﵇، أو أنه ابن الإله، أو ثالث ثلاثة. وهي النقطة التالية:

стр. 124

ت- إبطال إلوهية عيسى ﵇ وذلك في قوله تعالى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) فالقاريء لهذه الآية يفهم أن تقديرها؛ أنهم إذا اتخذوا عيسى إلهاً، لأنه خلق من غير أب، فآدم أولى، لأنه خلق من غير أب ولا أم، ولا يقول بذلك أحد، وعليه فالمسيح ﵇ ليس رباً، ولا ابناً للرب، ولا شريكاً في الملك، بل كما قال ربه سبحانه ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٢). وهكذا كان إخراج المعاني في صورة المحسوسات (ضرب الأمثال)، من أعظم السبل الإعلامية، لبيان عقيدة الأمة وثوابتها، وتزييف عقائد المشركين، وإبطالها. ومن ضرب الأمثال ننتقل إلى لون آخر من صور الإعلام العقدي في القرآن الكريم، وهو: ٥ - الإعلام بالجدل والحوار عن صحيح الاعتقاد ، وذلك أن كثيراً من الناس - مع ضلالهم - يحسبون أنهم على شيء من الصواب، مغترين ببعض ما عندهم من الأوهام والظنون والشبهات، ويجادلون عن معتقداتهم الباطلة، وأفكارهم الزائفة، فكان أن جاء القرآن الكريم، بهذا الحوار الراقي، والجدال المثمر، وجعله سبيلاً إعلامياً دعوياً، لنشر الدين، ورد أضاليل الكفار، وشبهات الملحدين، فقال سبحانه ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٣) فأمر الله سبحانه نبيه ﵊ بالدعوة لدينه ملتزما الحكمة والرفق، مجادلاً بأحسن ما يمكن

стр. 125

من الجدال. وقال ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (١). وقد نقل لنا القرآن الكريم، نماذج عديدة، من صور الحوار والجدل القرآني، في مجال نصرة العقيدة، منها: أ- حوارات إبراهيم ﵇ وقد تعددت أطرافها، ومنها ما كان مع النمرود، وقد اغتر بملكه، وتمرد على خالقه، "وحاج إبراهيم في ربوبية الله؛ فزعم أنه يفعل كما يفعل الله. فقال إبراهيم له: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: هو المنفرد بأنواع التصرف، وخص منه الإحياء والإماتة لكونهما أعظم أنواع التدابير، فقال ذلك المحاج: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ زعم أنه يفعل كفعل الله ويصنع صنعه، فزعم أنه يقتل شخصا فيكون قد أماته، ويستبقي شخصا فيكون قد أحياه، فلما رآه إبراهيم يغالط في مجادلته ويتكلم بشيء لا يصلح أن يكون شبهة فضلا عن كونه حجة، اطرد معه في الدليل فقال إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾ أي: عيانا يقر به كل أحد حتى ذلك الكافر ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ وهذا إلزام له بطرد دليله إن كان صادقا في دعواه، فلما قال له أمرا لا قوة له في شبهة تشوش دليله، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ أي: تحير فلم يرجع إليه جوابا وانقطعت حجته وسقطت شبهته" (٢).وبهذه الحجة المفحمة، والحق المبين تتساقط مزاعم الكفار والظالمين. ومن جدال القرآن وحواره: ب- حوارات القرآن مع أهل الكتاب، ومن هذا دعوتهم للحوار، ورد كُفْرِيَّاتهم، وبيان فساد تصوراتهم في مواضع عديدة، منها قوله سبحانه ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا

стр. 126

إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (١) فدعاهم سبحانه إلى الحوار، ووضع أصوله، وما يجب أن يجتمعوا عليه من توحيد الله وعدم الشرك به، وعدم اتخاذ الأنداد من دونه. ورد عليهم مزاعمهم فقال ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢) ومثل هذا قوله سبحانه ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ (٣) واجههم الله بما يزعمون، ويفترونه من الكذب، ووضعهم في الموضع الذي يستأهلونه، فما هم إلا بشر من البشر، لا مزية لهم، إلا بتقوى الله، والحرص على طاعته، ثم هم في مشيئة الله تعالى، يغفر لمن شاء، رحمةً منه وفضلا، ويعذب من شاء، حكمةً منه وعدلا. ومن صور الحوار في القرآن: ت- الحوار مع منكري البعث والنشور والحساب، وقد كانت هذه المسألة العظيمة من أعظم معضلات المواجهة بين الرسل وأقوامهم، وقد اشتدوا، واشتطوا في الإنكار والتكذيب، حكى الله عنهم فقال سبحانه ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا

стр. 127

جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (١) فأنكروا المعاد، وكفروا بالبعث، واستبعدوا حصوله، ولسان كافرهم ناطقٌ بذلك، كما حكى الله ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ (٢) فأجابهم سبحانه إلى أن من خلقهم أول مرة قادر على إعادتهم ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ بل إعادتهم أيسر وأسهل فمن بدأ الخلق بلا نظير سابق قادر بداهة أن يعيدهم مرة أخرى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) وبإقامة الحجة، وتفنيد الشبهة، ووضوح الدليل، يحاور المسلم ويجادل دفاعاً عن دينه، ونصرة لعقيدته، مع الالتزام بالأحسن في الأسلوب، وبالأرفق في الخطاب، والله تعالى يعطي على الرفق واللين، ما لا يعطي على العنف والشدة. ومن أساليب الإعلام العقدي في القرآن الكريم: ٦ - تنبيه الفطر السليمة وإصلاح ما طرأ عليها من فساد ببيان حقائق العقيدة ، وتزييف ما يقابلها ومن هذا قوله سبحانه ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ

стр. 128

الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) يأمر تعالى بالإخلاص له في جميع الأحوال وإقامة دينه فقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أي: وجِّهْهُ إلى الدين بإقامة الشرائع الظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج ونحوها. والشرائع الباطنة كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة، وخص الله إقامة الوجه؛ لأن إقبال الوجه تبع لإقبال القلب، ويترتب على الأمرين سَعْيُ البدن، ولهذا قال: ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مقبلا على الله في ذلك معرضا عما سواه. وهذا الأمر الذي أمرناك به هو ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ووضع في عقولهم حسنها واستقباح غيرها، ووضع في قلوبهم الميل إليها، وهذه حقيقة الفطرة. ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عرض لفطرته أفسدها كما قال النبي ﵊:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (٢). فالفطر السليمة هي ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: الطريق المستقيم الموصل إلى الله وإلى كرامته، فإن من أقام وجهه للدين حنيفا فإنه سالك الصراط المستقيم في جميع شرائعه وطرقه (٣). ومن تنبيه الفطر أيضاً قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ (٤) والآية تذكير بما أودع الله في فِطَرِ الخلق، من الإقرار بأنه ربهم، وخالقهم، ومليكهم، لأن الله سبحانه فطر عباده على الدين الحنيف القيم؛ فكل أحد مفطور على ذلك، فلا يحدث له تغير، أو تبدل، إلا بما يطرأ عليه من فاسد

стр. 129

العقائد، وباطل الظنون، والتصورات. فيأتي التنبيه الإعلامي القرآني، فيجلو الفطر، ويزيل ما علاها من الغشاوة، فإذا هي مبصرة للمعاني، مدركة للحقائق. ومن تنبيه الفطر إلى أسلوب إعلامي آخر لتوصيل العقيدة الحقة للقلوب، والوجدان وهي: ٧ - استثارة الحواس ، للنظر في الكون كالنظر في عظيم خلق الله سبحانه في ملكوت السموات والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار والأنهار والزروع والثمار والآيات في هذا كثيرة جداً منها قوله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١)، فهذه الآيات تنبيهات ربانية إلى عظمة قدرته، وبديع صنعته، يحث الله سبحانه الإنسان على التأمل، والتفكير والتدبر، والخطاب لأصحاب الأبصار، والقلوب، الذين يستعملونها في التدبر والتفكر، وفيما هي مهيأة له، فتعقل ما تراه، وتهتدي؛ فالكون كله إضاءات وإشراقات على وحدانية الرب سبحانه، وأنه المستحق للعبودية وحده. وهذا الأسلوب الإعلامي، أسلوب شائع بكثرة في الآيات بحيث يصعب الإحصاء، والاستقصاء، ونختم هذه النقطة بقوله تعالى ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا

стр. 130

(١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ (١)، هذا الحشد من النعم وصنوف الرعايات الربانية لخلقه، وما اشتملت عليه الآيات من استفهام تقريري وما بعدها، يوقظ الأفهام، فالذي أنعم بهذه النعم الجليلة، التي لا يُقَدَّر قَدْرُها، ولا يُحْصَى عددُها، كيف تكفرون به، وتجعلون له أنداداً، وتكذبون ما أخبركم به من البعث والنشور؟ أم كيف تستعينون بنعمه على معاصيه، وتجحدونها؟!! فإذا عمي البعض عن إبصار ما حولهم من الآيات والدلائل، ولم تتحرك قلوبهم نحو ربهم؛ خضوعاً وانقياداً، نقلهم القرآن بأساليبه إلى سبيل ممهد، ومقدمات يسيرة، لا تعقيد فيها، ونتائج يقينية، لا شك، ولا ريب فيها. وهذا الأسلوب الإعلامي هو: ٨ - الإعلام بحقائق الإيمان بمخاطبة العقول ومحاججة الأفهام وذلك بواسطة استعمال القرآن الكريم لمقدمات عقلية، يتحصل بها المعاني الحاسمة، والحجة الدامغة، على أن الحق واحد، وهو توحيد الله تعالى، وأن ما يدعون من دونه ويشركون به باطل، زاهق لا برهان عليه، ولا حجة به، وقد تقررت هذه الأدلة وتكررت في القرآن كثيرا ومن هذه المواضع: قوله تعالى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ (٢)،قال العلامة السعدي ﵀ " فالمشرك يعبد المخلوق، الذي لا ينفع ولا يضر، ويدع الإخلاص لله، الذي له الكمال كله وبيده الأمر والنفع والضر، وهذا من توفر جهله، وشدة ظلمه، فإنه لا يصلح الوجود، إلا على إله واحد، كما أنه لم يوجد، إلا برب واحد. ولهذا قال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ أي: في السماوات والأرض ﴿لَفَسَدَتَا﴾ في ذاتهما، وفسد من فيهما من المخلوقات. وبيان ذلك: أن العالم العلوي والسفلي، على ما يرى، في أكمل ما يكون من الصلاح والانتظام، الذي ما فيه

стр. 131

خلل ولا عيب، ولا ممانعة، ولا معارضة، فدل ذلك، على أن مدبره واحد، وربه واحد، وإلهه واحد، فلو كان له مدبران وربان أو أكثر من ذلك، لاختل نظامه، وتقوضت أركانه فإنهما يتمانعان ويتعارضان، وإذا أراد أحدهما تدبير شيء، وأراد الآخر عدمه، فإنه محال وجود مرادهما معا، ووجود مراد أحدهما دون الآخر، يدل على عجز الآخر، وعدم اقتداره واتفاقهما على مراد واحد في جميع الأمور، غير ممكن، فإذًا يتعين أن القاهر الذي يوجد مراده وحده، من غير ممانع ولا مدافع، هو الله الواحد القهار (١). * وقريب منه ما ذكره الله في قوله تعالى ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٢) فنفى سبحانه بالدليل العقلي (دليل التمانع)، ما افتروه عليه من اتخاذ الولد أو أن للكون إلهين؛ إذ لو كان الأمر كما يزعمون، لانفرد كل إله بمخلوقاته، واستقل بها، ولحرص كل إله على ممانعة الآخر، ومغالبته، مما لا يتصور معه انتظام الكون على هذا النحو المدهش الدقيق، فلا خلل، ولا تناقض، ولا معارضة، فاستحال أن أن يكون هذا النظام، والترتيب من تقدير آلهة متعددة، فلم يبق إلا الإقرار لله بالتفرد والوحدانية. * ومن الأدلة العقلية والبراهين القطعية قوله سبحانه ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ (٣) خطاب الله للكفار المعاندين، فهم لم يُخْلَقوا من غير خالق، إذ كل مخلوق لابد له من خالق، كما أنهم لم يخلقوا أنفسهم، فتعين أن يكون الله هو خالقهم.

стр. 132

* ومن البرهان العقلي أيضاً قوله تعالى يرد فريتهم بنسبة الولد إليه سبحانه ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) كيف يكون لله الولد، وهو الإله السيد الصمد، ولا زوجة له، وهو غني عن عباده، خلقهم أجمعين، ولا يُشْبِهُ خلْقَه، ولا يُشْبِهُهُ أحدٌ من خلقه مطلقاً، بوجه من الوجوه. فهذا البرهان العقلي في القرآن الكريم، ميدان خصبٌ فسيحٌ للعقول الواعية، بمقدمات بسيطة، وحُجَجٍ قاطعة، ونتائج حاسمة، تفحم المعاندين، وتقطع جدالهم، وتُسقِطُ شبهاتهم. ومن الإعلام بمخاطبة العقول ومحاججة الأفهام، إلى أسلوب آخر من أساليب الإعلام القرآني، في نصرة العقيدة وهو: ٩ - الإعلام بذكر سوء عاقبة الكفار ، وحسن المصير لأهل الإيمان؛ فمن رحمة الله تعالى بخلقه، بعد إنزاله الكتب، وإرساله الرسل، أن أبان للناس ما يؤول إليه حالهم، وما تستقر عليه مصائرهم، تبشيراً للمؤمنين، وترغيباً، وإنذاراً للكافرين، وترهيباً. فمن هذا قوله تعالى ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا

стр. 133

أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (١) قال الإمام ابن كثير ﵀ ما مختصره" يخبر تعالى أن مأوى المصطَفَيْنَ من عباده، جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على ربهم، يلبسون فيها الحرير مسورون بالذهب والفضة، يقولون: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الخوف من المحذور، وأراحنا مما كنا نتخوفه، ونحذره من هموم الدنيا والآخرة، وأعطانا هذه المنزلة، وهذا المقام من فضله وَمَنِّه ورحمته، ولم تكن أعمالنا تساوي ذلك. ثم لما ذكر تعالى حال السعداء، شرع في بيان مآل الأشقياء، فقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ .... الآيات)، ثبت في صحيح مسلم: أن رسول الله ﷺ قال: "أما أهل النار الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها ولا يحيون" (٢)، وهذا جزاء كل من كفر بربه وكذب بالحق. ويجأر أهل النار إلى الله سبحانه، يسألون الرجعة إلى الدنيا، ليعملوا غير عملهم الأول، فلا يجيبهم إلى سؤالهم، ولهذا قال هاهنا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أي: أوما عشتم في الدنيا أعمارا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم؟ وقوله: ﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أي: فذوقوا عذابَ النار جزاء على مخالفتكم للأنبياء في مدة أعماركم، فما لكم اليوم ناصر ينقذكم مما أنتم فيه من العذاب والنكال والأغلال" (٣). ومن ذلك قوله ﷻ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا

стр. 134

أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ (١) قال الإمام ابن كثير ﵀ ما مختصره "يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصد عن رسله، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ الآية، أي ندخلهم نارا دخولا يحيط بجميع أجرامهم، وأجزائهم. ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم، فقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ قال ابن عمر: إذا أحرقت جلودهم بدلوا جلودًا بيضا أمثال القراطيس. وقال الحسن ﵀: تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة، كلما أنضجتهم فأكلت لحومهم قيل لهم: عودوا فعادوا ...... وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن، التي تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها ومحالها وأرجائها حيث شاءوا وأين أرادوا، وهم خالدون فيها أبدا، لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولا. وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: من الحيض والنفاس والأذى. والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة ......... وقوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ أي: ظلا عميقا كثيرا غزيرا طيبا أنيقا ..... فعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها " (٢). فهذان الموضعان من آيات الكتاب العزيز - وأخواتهما كثيرات جداً - إعلام إلهي واضح للناس ببيان مصيرهم، وما يؤول إليه حالهم، نتيجة اختيارهم، إما الكفر، وإما الإيمان، وهي آيات داعيات، كل ذي عقل إلى النظر في اختياراته، وما يترتب عليها، والمراجعة لسائر أحواله، والمسارعة إلى التغيير من سيء المعتقدات، ورديء الأفكار والمذاهب، إلى صحيح الاعتقاد، ومرضيِّ التوجهات والتصورات، وجميل الأقوال والأفعال.

стр. 135

وبالترغيب والترهيب، نصل لنهاية هذا الفصل من صور الإعلام العقدي في القرآن الكريم لندخل بإذن الله وفضله إلى صور الإعلام السياسي وهي موضوع الفصل التالي بمشيئة ذي الجلال والإكرام.

стр. 136

الفصل الثاني صور الإعلام السياسي في القرآن الكريم

стр. 137

المبحث الأول تعريف الإعلام السياسي نحتاج - قبل التعريف بهذا النوع من الإعلام القرآني - إلى التعرف على المصطلح، وقد مربنا تعريف الإعلام، ونقف مع تعريف السياسة ومن ثم الإعلام السياسي المطلب الأول تعريف السياسة لغة: يقال: ساسَ الناسَ سياسةً: تولى رياستهم وقيادتهم، وساس الدواب: راضها وأدبها، وساس الأمورَ: دبرها وقام بإصلاحها (١). قال العلامة د. يوسف القرضاوي: " السياسة في اللغة: مصدر ساس يسوس سياسة. فيقال: ساس الدابة أو الفرس: إذا قام على أمرها من العَلَف والسقي، والترويض والتنظيف وغير ذلك. وأحسب أن هذا المعنى هو الأصل الذي أُخِذ منه سياسة البشر. فكأن الإنسان بعد أن تمرس في سياسة الدواب، ارتقى إلى سياسة الناس، وقيادتهم في تدبير أمورهم. ولذا قال شارح القاموس: ومن المجاز: سُسْتُ الرعية سياسة: أمرتهم ونهيتهم. وساس الأمر سياسة: قام به. والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه" (٢). فالسياسة لها في اللغة معنيان: الأول: فعلُ السائس، وهو من يقوم على الدواب، ويروضها. الثاني: القيام على الشيء بما يصلحه. خلاصة: مما سبق؛ يتضح لنا أن مدار معنى كلمة السياسة لغةً، يدور حول معاني التدبير، والإصلاح، والرعاية، والتربية، والقيادة، وتقودنا هذه الخلاصة من معنى السياسة لغةً إلى معناها الاصطلاحي؛ والذي تأثر كثيراً بمعانيها اللغوية. فما هو تعريفها اصطلاحاً؟

стр. 138

المطلب الثاني تعريف السياسة اصطلاحاً: وفي هذه الناحية، نجد تعريفات متعددة للسياسة، عند ذوي الاختصاص كما جاء في موسوعة العلوم السياسية (١) منها: السياسة هي " فن إدارة المجتمعات الإنسانية ". وهي " أساليب الحكم، والإدارة في المجتمع المدني ". أو هي " أفعال البشر، التي تتصل بنشوء الصراع، أو حسمه، حول الصالح العام، والذي يتضمن دائماً استخدام القوة، أو النضال في سبيلها ". أو هي " أصول، أو فن إدارة الشئون العامة ". تعليق على التعريفات السابقة: يتبين لنا مما سبق في التعريفات أن السياسة تتعدد معانيها " فهي عند البعض تشير إلى السلوك المتعلق بمؤسسات وعمليات الحكم، فيما يعتبرها آخرون العملية التي تتعامل بمقتضاها الجماعة البشرية وصولاً لأهدافها ... " (٢). وغير ذلك من المعاني، والتي يمكن أن نخلص منها إلى تعريف يسير للسياسة، فأقول - بعون الله وفضله -: (السياسة هي القيام بأمر الناس وحكمهم بما يصلحهم، وينظم حياتهم). تعريف الإعلام السياسي: وينبني على ما سبق من التعريف والتعليق أن نقول - بعون الله وتوفيقه -: إن الإعلام السياسي، هو الإعلام القائم على تزويد الناس بالمعلومات السليمة، والحقائق الثابتة، عن أصول إدارة المجتمعات الإنسانية، وكيفية تسيير نظم الحكم فيها، بحيث تصل بالجماهير لتصور واضح في طريقة إدارة الشئون العامة للمجتمع. وبهذا التعريف للإعلام السياسي نقترب ونلامس مبحثنا التالي وهو:

стр. 139

المبحث الثاني أهداف الإعلام السياسي في القرآن الكريم تسمو غايات، وأهداف القرآن الكريم، في جميع ما يتناوله من موضوعات؛ فترتفع عن الشخصانية، والهوائية، والعصبية البغيضة، وتعلو بالمكلفين إلى درجات من الصلاح، والاستقامة، بما يحقق لهم حياة كريمة، وعيشاً مستقراً. ومَنْ تأمل في القرآن الكريم، مِنْ جانب التوجيهات الإعلامية السياسية، وجد أهدافاً محددة أكد عليها الكتاب العزيز، ومن هذه الأهداف: ١ - إعلان الحاكمية لله سبحانه: الله تعالى هو الحكم المطلق، الذي له الخلق والأمر، لا معقب لحكمه، ولا راد لأمره، قال سبحانه ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (١) أي وحده وليس لأحد سواه " القضاء قضاؤه، والأمر أمره، فما قضاه وحكم به لا بد أن يقع " (٢). وقد اعتنى القرآن الكريم عناية فائقة بالحاكمية، ويرجع هذا الاهتمام إلى أن مصير الأمة متعلق بهذه القضية، لأن الحاكمية لله في جميع نواحي الحياة وجزئياتها سبيل سعادة الناس، والاطمئنان في معاملاتهم، ومعايشهم؛ قال سبحانه ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ (٣). فحاكمية الله تعالى على خلقه من لوازم توحيده رباً خالقاً مدبراً، وإلهاً معبوداً متفرداً، قال سبحانه ... ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٤) ومثله قوله سبحانه ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٥) فالله تعالى "هو الحاكم في الدارين، في الدنيا، بالحكم القَدَري،

стр. 140

الذي أثره جميع ما خلق وذرأ، والحكم الديني، الذي أثره جميع الشرائع، والأوامر والنواهي. وفي الآخرة يحكم بحكمه القدري والجزائي، ولهذا قال: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازي كلا منكم بعمله، من خير وشر." (١) وقال سبحانه ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢). قال الإمام ابن كثير ﵀:" ينكر تعالى على من خرج عن حُكْم الله المُحْكَم، المُشْتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعَدَلَ إلى ما سواه، من الآراء والأهواء ...... كما كان أهل الجاهلية يَحْكُمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم ....... ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي ومن أعدل من الله في حكمه؟!. لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم أن الله سبحانه أحكم الحاكمين" (٣). ومن أهداف التوجيه الإعلامي السياسي في القرآن الكريم: ٢ - التأكيد على وحدة الأمة الإسلامية: * إن الإسلام هو الرابط الوثيق، والوشيجة الأسمى بين المسلمين، بحيث تتقدم رابطتُه، رابطةَ الدَّم والعِرْق. قال الله ﵎ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٤) فأمر اللهُ المسلمين أن يكونوا أمة واحدة، متينة الروابط، قوية العقيدة، قويمة الخلق، عزيزة الجانب، يتساوى أفرادها في الحقوق والواجبات، تتعاون على ما يجلب لها الخير، ويدفع عنها الضر، وتتكاتف في سبيل نصرة الشريعة المطهرة، وإعلاء كلمة الله. ولذلك شرع الله تعالى للمسلمين من الأحكام والتعاليم ما يجمع شملهم، ويوحد كلمتهم، ويلم شعثهم ويضم شتاتهم، وامْتَنَّ عليهم بذلك فقال سبحانه ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٥).

стр. 141

* إن وحدة المسلمين السياسية، هي نتاج طبيعي لوحدتهم العقائدية، ولقد قرَّرَ الرسول ﵊ هذه الوحدة منذ اللحظة الأولى لبناء الدولة الإسلامية فوضع منهاجاً حدَّدَ من خلاله هوية الأمة والدولة، وتَوَحَّدَ المسلمون على أساس الإسلام. وقد عبَّرت الصحيفة التي كتبها الرسول ﵊ للمسلمين في المدينة عن هذا المعنى فقال: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب محمد النبي، بين المؤمنين المسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس» (١). * وهذا كما جاء في قول الحق تعالى ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٢). إن هذه الوحدة هي السبيل الوحيد للخلاص من حالة الفُرقة والتشرذم التي تشهدها أمتنا، وهي الحل الوحيد لكسر حالة الذل والهوان التي تجلب عليهم الويلات كل يوم. * كما حذرهم ربهم مغبة التنازع والفرقة والاختلاف ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣).فواجب كل مسلم، أن يقوم لله بالحق، نصحاً، وبياناً، وحرصاً على سلامة هذه الأمة من التفكك وعوامل الانهيار، فهي الأمة الخاتمة، وهي خير أمة أخرجت للناس، إن اعتصمت بالوحي الصادق واستقامت على كتاب ربها وسنة نبيها ﵊، وكانت على مثل ما كان عليه رسول الله ﵊ وصحابته الكرام، وتابعت خير القرون فيما كانوا عليه، من علم نافع، وعمل صالح، وحرص على تحقيق الأخوة الإيمانية والوحدة الإسلامية قال سبحانه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤). ومن أهداف الإعلام السياسي في القرآن الكريم ٣ - بيان السنن الربانية للظهور والتمكين في الأرض

стр. 142

فقد اقتضت سنة الله في خلقه، أن يكون التمكين للعباد في الأرض، مرتبطاً بعوامل مادية، يجب على الأمة تحصيلها، قبل تطلعها للظهور على الناس، وقد جاء ذلك في مواطن عديدة من القرآن العظيم، منها قوله سبحانه ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) "هذا وعد من الله لرسوله ﷺ ، بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمةَ الناس والولاةَ عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، ولَيُبَدَّلُنّ بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم، وقد فعل ﵎ ذلك. وله الحمد والمنة" (٢). والملاحظ في هذا الوعد أنه ليس لكل أحد، بل لأناس مخصوصين، موصوفين ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فالإيمان الصادق، الذي لا ارتياب معه، ولا يشوبه شك، هو أساس تمكين المسلمين في الأرض، وتقدمهم على غيرهم، وانضمام العمل الصالح له، شرط ثان لابد من توفره، وقد تحقق كل ذلك في " الصحابة، ﵃، لما كانوا أقوم الناس بعد النبي ﷺ بأوامر الله ، وأطوعهم لله -كان نصرهم بحسبهم، وأظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب، وأيدهم تأييدًا عظيما، وتحكموا في سائر العباد والبلاد. ولما قَصَّر الناس بعدهم في بعض الأوامر، نقص ظهورهم بحسبهم " (٣). ومثل ذلك توجيه موسى ﵇ لقومه ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤) فالاستعانة بالله تعالى من لوازم الإيمان، والصبر من أرفع العمل الصالح، وبهما يحصل الظهور والتمكين، وقد صرح رب العالمين سبحانه بِعِلَّةِ نصرهم على عدوهم وتمكينهم فقال سبحانه ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا

стр. 143

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (١) فما تحقق لهم ظهور ولا تمكين إلا بما تَحَلَّوْ به من صبر ويقين، أشار إلى ذلك ربنا سبحانه فقال ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ (٢). ويبقى معنا هدف رابع أخير، من أهداف الإعلام السياسي في القرآن الكريم وهو: ٤ - تعريف الأمة بأحكام الإسلام في إدارة الحكم والشئون العامة وهذا هدف - أراه - من أشد الأمور ضرورة في عصرنا هذا خاصةً، وقد انتشرت وتأصلت دعوات كثيرة منحرفة، ليس لها من هَمٍّ سوى التخلص من الدين وسلطانه، والتهوين من منزلة النصوص المقدسة، التي نزل بها الكتاب تنظيماً لحياة البشر، وضبطاً لها على الطريق القويم، الذي يجلب لهم المنافع والمكاسب، ويدفع عنهم الأضرار والخسائر. ورغم عدم ورود لفظ السياسة ومشتقاته بالقرآن إلا أن ذلك لا يعني أن القرآن الكريم أهمل الجانب السياسي فلم يتعرض له أو يعتني به " ولا ريب أن هذا القول ضَرْب من المغالطة، فقد لا يوجد لفظٌ ما في القرآن الكريم، ولكن معناه ومضمونه مبثوث في القرآن ............. فالقرآن وإن لم يجئ بلفظ (السياسة) جاء بما يدل عليها، ويُنبئ عنها" (٣). ويتضح هذا المقال حين نستعرض بعضاً من عناوين الموضوعات السياسية وغير ذلك من إشارات القرآن، التي تؤسس لبناء ضخم من مؤسسات عامة، وسلوكيات مُنْضَبِطة. وكشأن القرآن - في كثير من الموضوعات - يكتفي العزيز العليم سبحانه بقواعد، وأسس عامة، في الإرشاد والتوجيه، ثم يترك المجال فسيحاً خصباً للمكلفين، يتوسعون فهماً، وتطبيقاً، واجتهاداً في تحصيل مصالحهم، وتحقيق أسباب الاستقرار، والرخاء في معاشهم، بما لا يخالف، أو يتعارض مع ما جاء به الدستور الإلهي، والبيان الرباني.

стр. 144

ومن هذه الموضوعات التي جاءت الإشارة إليها في القرآن الكريم هدايةًً وتعليماً: الحاكمية لله وحده واجبات الحاكم والمحكوم الملك والسلطان العادل والظالم العدالة المساواة الشورى الخلافة البيعة التمكين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المعاهدات والمواثيق علاقات المسلمين بغير المسلمين القبول بالتعددية الانحرافات السياسية وسوف يتناول الباحث كثيراً من هذه العناوين بشيء من التفصيل في ثنايا المبحث التالي بعنوان: صور الإعلام السياسي في القرآن الكريم.

стр. 145

المبحث الثالث صور الإعلام السياسي في القرآن الكريم: تنوعت أساليب القرآن الكريم في بث تعاليمه التي تنظم شأن المسلمين العام، وتوفر لهم قاعدة من التوجيهات والأسس، الكفيلة - عند تطبيقها - بضمان القيام بأمر الناس، والحكم بينهم، على الوجه الذي يتم فيه رعاية مصالح الدنيا والدين معاً. وكان من هذه الأساليب: اعتماد التكرار في تقرير الأسس والأركان التي يقوم عليها الحكم الإسلامي، وهو أسلوب قرآني مبين، يؤسس المعاني، ويؤكد المفاهيم، قال الإمام السيوطي ﵀:"وله - أي: التكرار - فوائد: منها: التقرير، وقد قيل " الكلام إذا تكرَّر تقرَّر " (١). وعلى هذا سار الإعلام القرآني، لتقرير القضايا الكبرى، في وجدان الأمة، ومن هذا البيان القرآني تكرار ما جاء في الأمر بـ: أداء الأمانات. الحكم بالعدل. طاعة الله ورسوله وولاة الأمر. وقد اجتمعت هذه الأسس الثلاثة للحكم الإسلامي (٢) في قوله سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣) الأساس الأول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال العلامة السعدي ﵀ " الأمانات كل ما ائتمن عليه الإنسان وأمر بالقيام به. فأمر الله عباده
следующие страницы →