← Общие книги

Общие книги · id 96238

صور الإعلام الإسلامي في القرآن الكريم - دراسة في التفسير الموضوعي

عاطف إبراهيم المتولي

Полный текст (355 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

* إن وحدة المسلمين السياسية، هي نتاج طبيعي لوحدتهم العقائدية، ولقد قرَّرَ الرسول ﵊ هذه الوحدة منذ اللحظة الأولى لبناء الدولة الإسلامية فوضع منهاجاً حدَّدَ من خلاله هوية الأمة والدولة، وتَوَحَّدَ المسلمون على أساس الإسلام. وقد عبَّرت الصحيفة التي كتبها الرسول ﵊ للمسلمين في المدينة عن هذا المعنى فقال: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب محمد النبي، بين المؤمنين المسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس» (١). * وهذا كما جاء في قول الحق تعالى ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٢). إن هذه الوحدة هي السبيل الوحيد للخلاص من حالة الفُرقة والتشرذم التي تشهدها أمتنا، وهي الحل الوحيد لكسر حالة الذل والهوان التي تجلب عليهم الويلات كل يوم. * كما حذرهم ربهم مغبة التنازع والفرقة والاختلاف ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣).فواجب كل مسلم، أن يقوم لله بالحق، نصحاً، وبياناً، وحرصاً على سلامة هذه الأمة من التفكك وعوامل الانهيار، فهي الأمة الخاتمة، وهي خير أمة أخرجت للناس، إن اعتصمت بالوحي الصادق واستقامت على كتاب ربها وسنة نبيها ﵊، وكانت على مثل ما كان عليه رسول الله ﵊ وصحابته الكرام، وتابعت خير القرون فيما كانوا عليه، من علم نافع، وعمل صالح، وحرص على تحقيق الأخوة الإيمانية والوحدة الإسلامية قال سبحانه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤). ومن أهداف الإعلام السياسي في القرآن الكريم ٣ - بيان السنن الربانية للظهور والتمكين في الأرض

стр. 142

فقد اقتضت سنة الله في خلقه، أن يكون التمكين للعباد في الأرض، مرتبطاً بعوامل مادية، يجب على الأمة تحصيلها، قبل تطلعها للظهور على الناس، وقد جاء ذلك في مواطن عديدة من القرآن العظيم، منها قوله سبحانه ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) "هذا وعد من الله لرسوله ﷺ ، بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمةَ الناس والولاةَ عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، ولَيُبَدَّلُنّ بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم، وقد فعل ﵎ ذلك. وله الحمد والمنة" (٢). والملاحظ في هذا الوعد أنه ليس لكل أحد، بل لأناس مخصوصين، موصوفين ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فالإيمان الصادق، الذي لا ارتياب معه، ولا يشوبه شك، هو أساس تمكين المسلمين في الأرض، وتقدمهم على غيرهم، وانضمام العمل الصالح له، شرط ثان لابد من توفره، وقد تحقق كل ذلك في " الصحابة، ﵃، لما كانوا أقوم الناس بعد النبي ﷺ بأوامر الله ، وأطوعهم لله -كان نصرهم بحسبهم، وأظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب، وأيدهم تأييدًا عظيما، وتحكموا في سائر العباد والبلاد. ولما قَصَّر الناس بعدهم في بعض الأوامر، نقص ظهورهم بحسبهم " (٣). ومثل ذلك توجيه موسى ﵇ لقومه ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤) فالاستعانة بالله تعالى من لوازم الإيمان، والصبر من أرفع العمل الصالح، وبهما يحصل الظهور والتمكين، وقد صرح رب العالمين سبحانه بِعِلَّةِ نصرهم على عدوهم وتمكينهم فقال سبحانه ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا

стр. 143

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (١) فما تحقق لهم ظهور ولا تمكين إلا بما تَحَلَّوْ به من صبر ويقين، أشار إلى ذلك ربنا سبحانه فقال ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ (٢). ويبقى معنا هدف رابع أخير، من أهداف الإعلام السياسي في القرآن الكريم وهو: ٤ - تعريف الأمة بأحكام الإسلام في إدارة الحكم والشئون العامة وهذا هدف - أراه - من أشد الأمور ضرورة في عصرنا هذا خاصةً، وقد انتشرت وتأصلت دعوات كثيرة منحرفة، ليس لها من هَمٍّ سوى التخلص من الدين وسلطانه، والتهوين من منزلة النصوص المقدسة، التي نزل بها الكتاب تنظيماً لحياة البشر، وضبطاً لها على الطريق القويم، الذي يجلب لهم المنافع والمكاسب، ويدفع عنهم الأضرار والخسائر. ورغم عدم ورود لفظ السياسة ومشتقاته بالقرآن إلا أن ذلك لا يعني أن القرآن الكريم أهمل الجانب السياسي فلم يتعرض له أو يعتني به " ولا ريب أن هذا القول ضَرْب من المغالطة، فقد لا يوجد لفظٌ ما في القرآن الكريم، ولكن معناه ومضمونه مبثوث في القرآن ............. فالقرآن وإن لم يجئ بلفظ (السياسة) جاء بما يدل عليها، ويُنبئ عنها" (٣). ويتضح هذا المقال حين نستعرض بعضاً من عناوين الموضوعات السياسية وغير ذلك من إشارات القرآن، التي تؤسس لبناء ضخم من مؤسسات عامة، وسلوكيات مُنْضَبِطة. وكشأن القرآن - في كثير من الموضوعات - يكتفي العزيز العليم سبحانه بقواعد، وأسس عامة، في الإرشاد والتوجيه، ثم يترك المجال فسيحاً خصباً للمكلفين، يتوسعون فهماً، وتطبيقاً، واجتهاداً في تحصيل مصالحهم، وتحقيق أسباب الاستقرار، والرخاء في معاشهم، بما لا يخالف، أو يتعارض مع ما جاء به الدستور الإلهي، والبيان الرباني.

стр. 144

ومن هذه الموضوعات التي جاءت الإشارة إليها في القرآن الكريم هدايةًً وتعليماً: الحاكمية لله وحده واجبات الحاكم والمحكوم الملك والسلطان العادل والظالم العدالة المساواة الشورى الخلافة البيعة التمكين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المعاهدات والمواثيق علاقات المسلمين بغير المسلمين القبول بالتعددية الانحرافات السياسية وسوف يتناول الباحث كثيراً من هذه العناوين بشيء من التفصيل في ثنايا المبحث التالي بعنوان: صور الإعلام السياسي في القرآن الكريم.

стр. 145

المبحث الثالث صور الإعلام السياسي في القرآن الكريم: تنوعت أساليب القرآن الكريم في بث تعاليمه التي تنظم شأن المسلمين العام، وتوفر لهم قاعدة من التوجيهات والأسس، الكفيلة - عند تطبيقها - بضمان القيام بأمر الناس، والحكم بينهم، على الوجه الذي يتم فيه رعاية مصالح الدنيا والدين معاً. وكان من هذه الأساليب: اعتماد التكرار في تقرير الأسس والأركان التي يقوم عليها الحكم الإسلامي، وهو أسلوب قرآني مبين، يؤسس المعاني، ويؤكد المفاهيم، قال الإمام السيوطي ﵀:"وله - أي: التكرار - فوائد: منها: التقرير، وقد قيل " الكلام إذا تكرَّر تقرَّر " (١). وعلى هذا سار الإعلام القرآني، لتقرير القضايا الكبرى، في وجدان الأمة، ومن هذا البيان القرآني تكرار ما جاء في الأمر بـ: أداء الأمانات. الحكم بالعدل. طاعة الله ورسوله وولاة الأمر. وقد اجتمعت هذه الأسس الثلاثة للحكم الإسلامي (٢) في قوله سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣) الأساس الأول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال العلامة السعدي ﵀ " الأمانات كل ما ائتمن عليه الإنسان وأمر بالقيام به. فأمر الله عباده

стр. 146

بأدائها أي: كاملة موفرة، لا منقوصة ولا مبخوسة، ولا ممطولا بها، ويدخل في ذلك أمانات الولايات والأموال والأسرار؛ ....... " (١) * وقد تكرر الأمر بأداء الأمانة في مواضع مثل قوله سبحانه ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٢) فأمر سبحانه مَنْ تحمَّل أمانة أن يقوم بأدائها، ونهى عباده المؤمنين عن التفريط، فيما لديهم من الأمانات، وشدد على وجوب أدائها، ومدح سبحانه الحافظين لها وأورثهم جنة النعيم قال سبحانه ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ (٣)، وجاء في الشرع الحنيف النهي عن مقابلة الخيانة بمثلها، فقال النبي ﵊ (أدِّ الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك) (٤)، بل نفى ﵊ مسمى الإيمان عن فاقد أمانته فقال (لا إيمان لمن لا أمانة له) (٥)، وسَلَكه في سِلْك المنافقين فقال ﵊ (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) (٦)، من أجل ذلك جاء هذا النداء الإلهي، خطاباً لجميع المؤمنين إلى يوم القيامة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٧)، وهو نهي يجمع أنواع الخيانات كلها قليلها وكثيرها. وبحفظ الأمانات، وأدائها لأصحابها، تثبت أولى أسس الحكم الإسلامي، بحيث يرعى كل أفراد المجتمع المسلم أماناتهم، فيؤدون حق الله بلزوم أحكامه، وأداء شعائره، ويرعى الحاكم أمر رعيته، ويقوم بواجباته، ويحفظ المحكومون أمر بلدهم بطاعة ولاة أمورهم من الحكام والعلماء، وجمع القلوب عليهم، والحفاظ على وحدتهم وجماعتهم.

стр. 147

الأساس الثاني ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ "وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأموال والأعراض، القليل من ذلك والكثير، على القريب والبعيد، والبَرِّ والفاجر، والولي والعدو" (١). والمراد بالعدل الذي أمر الله بالحكم به هو ما شرعه الله على لسان رسوله من الحدود والأحكام، ....... قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه، لاشتمالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما، لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم بمصالح العباد ما لا يعلمون. والحكم بالعدل، وهو أصل من أصول الحكم الإسلامي، وهو أساس الملك، به يستتب الأمن والنظام، وتصل الحقوق لأهلها، وهو من مقتضيات الحضارة، والتقدم، والعمران، فلم تهنأ أمة بعيشها إلا في ظلال العدل. والحكم بالعدل أجمعت عليه الشرائع السماوية، وقد أمر الله به نبيه داود ﵇ فقال له ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (٢). وقال لنبيه ﵊ ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣). * وقد تكرر الأمر بالعدل في مواضع جمَّةٍ من القرآن، قال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٤)، ومثله قوله سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ

стр. 148

لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١)،" يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط، أي بالعدل، فلا يعدلوا عنه يمينا ولا شمالا ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه" (٢). وقال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٣)، " فالعدل الذي أمر الله به؛ يشمل العدل في حقه، وفي حق عباده، فالعدل في ذلك أداء الحقوق كاملة مُوَفَّرة، بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من الحقوق المالية، والبدنية، والمركبة منهما في حقه وحق عباده، ويعامل الخلق بالعدل التام، فيؤدي كلُّ والٍ ما عليه تحت ولايته سواء في ذلك ولاية الإمامة الكبرى، وولاية القضاء، ونواب الخليفة، ونواب القاضي ....... " (٤). إن العدل يُشْعِر الإنسان بالأمن على ماله، وعرضه، وسائر حقوقه، فينصرف كل إنسان إلى عمله، ويسهم في بناء مجتمعه وأمته، وينطلق في ميادين التنافس الشريف، في ميادين الخير، وبالعدل تتم المساواة، ويتفاضل الناس بحسب قدراتهم وجهدهم. وبهذا يكون الإسلام قد سبق كل الذين دَعَوْا إلى العدل، وأرسى دعائمه، وطبقه أروع تطبيق في حياة المسلمين. الأساس الثالث: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فأمر بطاعته وطاعة رسوله وذلك بامتثال الأمر، الواجب والمستحب، واجتناب النهي. وأمر بطاعة أولي الأمر وهم: الولاة على الناس، من الأمراء والحكام والمفتين، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم، طاعة لله ورغبة فيما

стр. 149

عنده، ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (١). فالطاعة لله بتنفيذ أحكامه سبحانه، وطاعة الرسول ﵊ فيما يبلغه عن ربه ويبينه من أحكام، وطاعة ولاة الأمر فيما لا معصية فيه، ومتى تحققت هذه الطاعة، وقف هذا الأساس الثالث حارساً على سابقَيْهِ، فتُؤَدَّى الأمانات، وتُحْفَظ الحقوق، ويُحْكَم بالعدل، طاعةً لله سبحانه ولرسوله ﵊. * هذا؛ وقد تكرر الأمر بطاعة الله ورسوله لما فيها من تحقق السعادة للمؤمنين في الدنيا والآخرة، وتأتي طاعة ولي الأمر ومَنْ في منزلته بصورة تابعة لطاعتهم لله سبحانه كما جاء في حديثه ﵊ (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني) (٢). وقال الله تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٣). قال سبحانه ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٤). وقال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (٥). وقال سبحانه ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٦). وقال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٧).

стр. 150

آيات وآيات تربي المسلم، وتوجه مجتمع المسلمين، وترشد أمة الإسلام إلى طاعة الله سبحانه ورسوله ﵊، وطاعة من أوجب الكتاب والسنة طاعته من أولياء الأمور، وأهل الحل والعقد، وهذه الطاعة يترتب عليها رسم هيئة مميزة للأمة، وتحدد ملامح شخصيتها، وأوجه ولائها، حين يكون هَمُّ الحاكم والمحكوم تحصيلَ رضا رب العالمين سبحانه، فتتحد الكلمة، وتتآلف القلوب، وتستقر أحوال الأمة، وتستقيم معايشها، ويتحقق فيهم قول ربهم سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ (١). ومن استعمال التكرار لتقرير المعاني وتثبيت المباديء ننتقل مع صورة أخرى من أجلى صور الإعلام السياسي في القرآن الكريم وهي: استخدام القصص القرآني في بيان الممارسات السياسية الصحيحة منها والخاطئة سبق لنا الكلام على الفوائد العظام، التي تتوافر للمتأملين في القصص القرآني، لما تحمله من تعليم، وعظة، واعتبار، في كافة المجالات التي تتعرض لها القصة القرآنية، ومنها الجوانب السياسية، والتي كان لها نصيب كبير في آيات القرآن وبيانه المعجز، ومن هذه الممارسات: الشورى في قصص القرآن الكريم ملكة سبأ ورجاحة عقل وحكمة قال الله تعالى ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي

стр. 151

مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (١). في هذه الآيات الكريمات، يصور لنا الحق سبحانه، صورة من النظام السياسي القائم في هذه المملكة الغنية، والتي تتمثل في التوافق التام بين الحاكم والرعية، والثقة المتبادلة بين الطرفين، والتعاون على تحصيل الخير والنفع للأمة، والتزام الشورى منهجاً ووسيلة لاتخاذ القرارات المصيرية (ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون). فرغم الطاعة المطلقة، التي يبديها أشراف الناس، وقادتهم، لبلقيس ملكة سبأ، في الرخاء والشدة، في السلم والحرب (قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين)، إلا أنها كانت من العقل والحكمة بحيث لا تستبد بالأمر، ولا تستأثر بالقرار دونهم، فهي تؤكد حرصها الشديد على سماع آرائهم، والاعتماد على مشورتهم، للحفاظ على مملكتهم، وما يتمتعون به من حرية ورخاء، وتجنيبهم ذل الاستعباد، وقهر الجيوش الغازية. فضربت لنا الآيات الكريمات، مثلاً عظيماً في فضل الشورى، وأبانت لنا عن درس بليغ، في كيفية إدارة البلاد، في الظروف الاستثنائية المصيرية، حيث يجتمع أهل الرأي والمشورة، أهل الحل والعقد، يتباحثون، ويتشاورون، فينتفع بمشورتهم العباد والبلاد. وقد كان لهذا النهج السوي، القائم على الشورى، أعظم الأثر في العاقبة الحسنة، التي انتهت إليه مملكة سبأ، وملكتهم الحازمة العاقلة، من الإيمان والإسلام لله رب العالمين. فرعون: تسلط واستبداد وشورى زائفة وبضد هذه الصورة المشرقة – وبضدها تتميز الأشياء - بضد هذه الصورة للحكم الرشيد المبني على الشورى في مملكة سبأ، " ينقل القرآن صورة أخرى مظلمة عن الحكم الذي يقوم على التأله والتسلط، مثل حكم فرعون الذي قال للناس: (أنا ربكم الأعلى)، (ما علمت لكم من إله غيري)، والذي لا يستشير في الأمور الهامة إلا بطانته الخاصة، كما رأينا ذلك في قصة فرعون مع موسى، حين حاور فرعون فأفحمه، فهدده بالسجن، فقال موسى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى

стр. 152

عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (١). فهذه ليست استشارة حقيقية، لأنها تخص (الملأ حوله) فقط، ثم هي استشارة موجهة، فهو لا يأخذ رأيهم في شأن موسى وماذا تكون رسالته، وما حقيقة أمره؟ بل حكم عليه قبل أن يسألهم الرأي: (إن هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره) " (٢). ولما كانت بطانته وأهل مشورته من المنتفعين، وأصحاب المصالح، الذين لا هم لهم إلا المحافظة على امتيازاتهم الخاصة، لما كانت بطانته كذلك، لم يسمع منهم ناصحاً، يردعه عن غيه، ويرده عن موارد الهلاك، فمضى متجبراً مستكبراً، يدفع الحق، ويستضعف المؤمنين؛ حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر. فشتان بين الشورى الجامعة للمنافع، الجالبة للاستقرار، وبين التسلط والاستئثار بالقرار، الجالب للظلم والخراب، وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة. نماذج المُلْك العادل، والمُلْك الظالم المتسلط "ذكر القرآن في المُلك الممدوح: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ (٣) وذكر من آل إبراهيم: يوسف الذي ناجى ربه فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ (٤) وإنما قال من المُلك، لأنه لم يكن مستقلا بالحكم، بل كان فوقه مَلِك، هو الذي قال له: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (٥)، وممَّن آتاهم الله المُلك: طالوت، الذي بعثه الله مَلِكا لبني إسرائيل، ليقاتلوا تحت لوائه، ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ (٦).

стр. 153

وذكر القرآن من قصته مع جالوت التي أنهاها القرآن بقوله: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ (١) وممَّن ذكره القرآن من الملوك: ذو القرنين الذي مكَّنه الله في الأرض وآتاه الله من كل شيء سببا، واتسع مُلكه من المغرب إلى المشرق، وذكر الله تعالى قصته في سورة الكهف، مثنيا عليه. فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ (٢) وفي مقابل هذا ذم القرآن المُلك الظالم والمتجبر، المسلط على خَلق الله، مثل: مُلك النمروذ، وفيه يقول القرآن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ (٣). ومثل: مُلك فرعون الذي قال الله تعالى عنه ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٤) " (٥) ومن الإعلام السياسي بالقصص القرآني، إلى أسلوب قرآني آخر، وهو: ٣ - تنويع الخطاب وهذا الأسلوب، أظهر الأساليب القرآنية، وأكثرها استعمالاً، ويأتي في صدارة وسائل الإعلام القرآني، فنجد الخطاب الإلهي في القرآن متنوعاً إنشاءً أو إخباراً، أمراً ونهياً، وترغيباً وترهيباً، ووعداً ووعيداً، وإخباراً وتذكيراً، واعتباراً وإنذاراً.

стр. 154

ولقد كان للإعلام السياسي ومبادئه ومعانيه حظ كبير ونصيب وافر في آيات الكتاب العزيز، لما يقوم به هذا الجانب الإعلامي من رسالة عظيمة في إمداد الناس بالحقائق الثابتة عن أصول إدارة البلاد ونظم الحكم، وتحقيق صلاح واستقرار الأمور في المجتمع المسلم خاصة، والعالم عامة. وفي النقاط التالية بعض الإشارات لتنويع الخطاب في الإعلام السياسي في القرآن الكريم: صور من الأمر والنهي في الإعلام السياسي في القرآن الكريم: الأمر بالوفاء العهود والمواثيق: وبه تستقيم علاقات الأفراد والدول، وتتفرغ الحكومات لحسن التخطيط والتنمية، وتنضبط المعاملات بجميع صورها، ويشيع جو من الثقة والطمأنينة، تتوحد به الكلمة، وتتراص خلفه الصفوف الوفية من عموم الرعية. قال الله سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١). قال العلامة السعدي ﵀:" هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالوفاء بالعقود، أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها. وهذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه، والتي بينه وبين الرسول، والتي بينه وبين الخلق " (٢). وقال سبحانه ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) "وهذا يشمل جميع ما عاهد العبد عليه ربه من العبادات والنذور والأيمان التي عقدها إذا كان الوفاء بها برا، ويشمل أيضا ما تعاقد عليه هو وغيره كالعهود بين المتعاقدين، وكالوعد الذي يعده العبد لغيره ويؤكده على نفسه، فعليه في جميع ذلك الوفاء وتتميمها مع القدرة" (٤).

стр. 155

ومن أعظم العهود في النظام السياسي الإسلامي البيعة وهي: إعطاء العهد من المبايِع على السمع والطاعة للإمام في غير معصية، في المنشط والمكره والعسر واليسر وعدم منازعته الأمر وتفويض الأمور إليه (١). وقد وردت لفظة بايع في القرآن الكريم، في موضعين، من سورة الفتح: الأول قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢). والثاني قوله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٣). وفي الآيتين تعظيم أمر البيعة، ووجوب الوفاء بها، خاصة وأن الله تعالى حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، ﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾ فإنما يعود وبال ذلك عليه، والله غني عنه، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلا" (٤). والبيعة هي ميثاق الولاء والالتزام بجماعة المسلمين والطاعة لإمامهم، فيلتزم الحاكم بالشريعة، والعدل، والشورى، وتلتزم الأمة بالطاعة، وفي الحديث عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﵊ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ" (٥).

стр. 156

إنها ميثاق عظيم، وعهد أكيد يوحد صفوف الأمة، ويجمع كلمتها، ويحسم مادة الشرور، والخلاف، والنزاع، والشقاق، وبه قيام الحكم المستقر، والقضاء العادل. ومن توجيهات الإعلام السياسي في القرآن الأمر بالشورى (١) قوله تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ (٢) نزلت هذه الآية عقب غزوة أحد، التي خرج إليها الرسول ﷺ نزولاً على رأي الأكثرية من أصحابه، المخالف لرأيه هو، وقد بينت أحداث تلك الغزوة أن رأي الرسول ﷺ ، كان هو الأصوب والأصح، ومع ذلك فقد أمر الله نبيه بعد هذه الأحداث، بأن يستغفر لأصحابه، وبأن يشاورهم في الأمر، على عموم هذا اللفظ وإطلاقه الشامل لكل صغيرة وكبيرة من شئون المسلمين. والنص قاطع في أن مبدأ الشورى مبدأ من مبادئ الإسلام الأساسية في الحكم، وإذا كان القرآن الكريم قد فرض الشورى على الرسول ﷺ ، فإنه لا يَسُوغ لحاكم بعده، أن يتنصَّل من وجوبها، أو يتحلل من حكمها." قال الإمام ابن عَطِيَّة: وَالشُّورَى مِنْ قواعد الشرِيعة وعزائم الأَحكام ; مَنْ لا يستشير أهل العلم وَالدِّين فعزله واجِب. هذا ما لا خلاف فيه. " (٣). " وقال ابن خُوَيْز مَنْدَاد: واجب على الْوُلَاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون , وفيما أَشْكَلَ عليهم من أمور الدِّين , ووجوه الجيش فيما يتعلَّق بالحرب , ووجوه النَّاس فيما يتعلَّق بالمصالح , ووجوه الكُتَّاب وَالْوُزَرَاء وَالْعُمَّال فيما يَتَعَلَّق بمصالح البلاد وَعِمَارتها " (٤).فجعل الإسلام الشورى فريضةً إلهيةً لا اختيارَ للأمة في التخلي عنها، وهي شاملةٌ لحياة المجتمع في الأسرة وفي شئون الدولة وفي أحوال الأمة التي لا تجتمع على ضلالة. وقد مدحهم سبحانه فقال ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٥) فقد ذكر سبحانه الشورى في

стр. 157

أوصاف المؤمنين، مقرونة بمجموعة من الصفات الأساسية، التي لا يتم إسلام ولا إيمان إلا بها، وهي: الاستجابة لله تعالى، وإقام الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله، ويلاحظ أن هذه الآية مكية، يراد بها – والله أعلم – إرساء القواعد ووضع الأسس للحياة الإسلامية. ومما ورد في القرآن من الأساليب الإعلامية في النواحي السياسية: النهي عن اتباع الهوى من أعظم دواعي الضلال، وأسباب الهلاك، وفساد الأمم؛ وانهيار الدول، اتباع الهوى، فإنه يهوي بصاحبه إلى المهالك حتى يورده النار، ويهوي بالمجتمعات، فتختل أنظمتها، وتضطرب المباديء والمفاهيم، وتتداعى القيم، "وتأمل، فكل موضع ذكر الله تعالى فيه الهوى، فإنما جاء به في معرض الذم له ولمتبعيه، وقد رُوِيَ هذا المعنى عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ما ذكر الله – – الهوى في كتابه إلا ذمه" (١). " وأصل الضلال: اتباع الظن والهوى، قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٢)، وهذا وصف للكفار فكل من له نصيب من هذا الوصف فله نصيب من متابعة الكفار بقدر ذلك النصيب. وقال – تعالى – في حق نبيه، ﷺ ، ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣)، فنزهه عن الضلال والغواية، الذين هما: الجهل والظلم، فالضال هو الذي لا يعمل الحق، والغاوي الذي يتبع هواه. . فوصفه بالعلم ونزهه عن الهوى. ومتبع الهوى لا بد أن يضل، سواء عن علم أو عن جهل، فإنه كثيراً ما يترك العلم اتباعاً لهواه، ولا بد أن يظلم إما بالقول أو بالفعل، لأن هواه قد أعماه " (٤). ولهذا تتابع النهي في القرآن عن اتباع الهوى، قال سبحانه ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ (٥)

стр. 158

وقال سبحانه ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ (١) وقال سبحانه ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٢) وقال سبحانه ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ (٣) فَنَهَت الآيات عن اتباع الهوى، وبينت مضاره، ومفاسده؛ التي تعم الأفراد والمجتمعات، فيفشو الظلم، ويسود الباطل، وتنتشر الفتن، فلا يهنأ الناس بعيش ولا استقرار. وكما اشتمل الإعلام السياسي في القرآن على الأمر، والنهي؛ فقد اشتمل أيضاً على: الترغيب بذكر ثمرات ومحاسن السياسات المبنية على الشريعة الإلهية كما في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٤)، وقال سبحانه ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥). ففي هاتين الآيتين، إعلام من الله تعالى لعباده، أنهم إن اتبعوا تعاليم الكتب المنزلة عليهم، والتزموا أحكامها؛ فإنه يهديهم الصراط السوي، وينير لهم دروبهم، حتى يتحقق لهم الأمن، والأمان، والسلام في جميع مجالات حياتهم، ومعايشهم. وقال سبحانه ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ

стр. 159

وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (١).وفي الآية تأكيد على المعنى السابق، وفيه الترغيب الكبير، والحث الشديد، على التمسك بالأحكام الربانية والشريعة الإلهية، وأن ذلك هو السبيل للفوز بتكفير السيئات ودخول الجنات في الآخرة، وتحصيل الخيرات، والبركات، والعيش الرغيد في الدنيا. والخطاب وإن كان موجهاً لأهل الكتاب، فهو عام لغيرهم، فقوله تعالى ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ "يعني القرآن العظيم" (٢)، وهو كتاب المسلمين ونحن أحق بذلك منهم، فإن تمسكنا به وحققنا ما اشترطه ربنا ﵎ عليهم فُزْنا بوعده الصادق الذي لا يتخلف، من الفوز والنعيم الأخروي، والاستقرار والسلام في الحياة الدنيا. وفي مثل هذا المعنى يقول سبحانه ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣). وكما وقفنا على جانب الترغيب سريعاً، نقف هُنَيَّهة عند الترهيب في هذا الجانب: الترهيب ببيان سوء العاقبة للمنحرفين والبغاة والظالمين ومن هذا قول الحق تعالى يحكي عن رهط ثمود المفسدين ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٤). وقال سبحانه عن فرعون ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ (٥).

стр. 160

ومن هذا أيضا هذه الآيات الجامعات عن هلاك الظالمين قوله تعالى ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ (١).فتضمنت الآيات ذكر سوء العواقب والحصاد المر الذي يحصده المتجبرون الظالمون، وأصحاب المكر السييء، من فقدان نعيمهم وملذاتهم وعقابهم في الدنيا، مع ما ينتظرهم من العذاب والنكال في الآخرة. وهذا كله عبرة لأولي الألباب، وعظة لمن كان له قلب حي شهيد. ومن أساليب الإعلام في القرآن الكريم: مدح الصفات الحميدة التي بنبغي التحلي بها للشخصية السياسية المسلمة المعايير الأخلاقية، التي جاء بها القرآن الكريم، هي معايير ثابتة، لجميع المكلفين على تنوع وظائفهم وأعمالهم، ولكنها تزداد تأكيداً، في حق ولاة الأمر من الحكام، والوزراء، وسائر أصحاب الولايات. وقد تضمنت آي الكتاب العزيز، الإشارة والمديح لعديد من الصفات، يحتاج إليه بلا شك كل من له صلة بأمر الإدارة والحكم، وإصلاح شئون الأمة، ويجب أن يكون متصفاً بها، ملتزماً بمقتضياتها. ومن هذه الصفات: الإخلاص والتجرد، ويُعَبَرُ عنها في عصرنا بـ (النزاهة والشفافية) فيحتاج كل السياسيِّين إلى التمتع بهاتين الصفتين لما لهما من تأثير هائل في اتخاذ القرارات، من دون التأثر بأغراض شخصية، أو ميل فكري، بل تكون مصلحة أمته واستقرارها هدفه في كل الأحوال.

стр. 161

ومن ذلك قوله تعالى على لسان النبي ﵊ ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (١). وقوله سبحانه على لسان نوح ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). وقوله سبحانه على لسان شعيب ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٣).وتمتع السياسي بهذه الصفات يكسبه ثقة الآخرين، ويرفعه فوق مستوى الشبهات، ويساعد على قبول أطروحاته في شئون الأمة. ومن الصفات الضرورية أيضاً العلم وهي صفة لازمة لمُتَوَلِّي أمراً عاماً يستطيع به التمييز في الأمور، وتدبير شئون الرعية، ومعرفة الحلال والحرام، ونجد الأثر الفادح، والعاقبة المريرة، حين تصدر الجهال، وساد الرويبضة، وسفهاء القوم. ولهذا نرى الصديق يوسف ﵇ يسوق مسوغات تعيينه قائلاً، فيما حكاه ربنا تعالى ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٤). ويأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالرجوع لأهل العلم المُسْتَنْبِطين، من أهل الحل والعقد ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٥) وبعث اللهُ تعالى طالوتَ ملِكاً، على بني إسرائيل، فلما استنكروا ذلك لفقره، قيل لهم ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾ (٦)، فبالعلم تقوم الحضارات، وتتقدم الأمم، وتمتع السياسيين

стр. 162

بالعلم، يفتح لهم آفاق التخطيط الحسن، وتقدير الأمور، فيكثر صوابهم، ويقل خطأهم. ومن الصفات التي يلزم القائمين على أمور الحكم التحلي بها: القوة والأمانة من لوازم الشخصية السياسية المسلمة، التمتع بالقوة في الحق، وفي الدفاع عن مصالح أمته، وليس القوة الباطشة الظالمة، فإنها مذمومة، لا يليق بمسلم فضلا عن ولاة أمورهم أن يتلبس بها، وأما الأمانة فإنها عماد الشخصية المسلمة، ولا عجب أن شهرة نبينا ﵊ كانت (الأمين)، أمانة يقوم بها بتحمل تبعات مسئوليته، ويؤديها على الوجه الأتم والأكمل. وفي القرآن نقرأ قول جليس سليمان ﵇ ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾ (١)، وقول ابنة الرجل الصالح من مدين ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ (٢) وأبلغ من ذلك كله أمر الله تعالى لنبيه يحيى ﵇ ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ (٣) وبغير هاتين الصفتين، تصبح الشخصية السياسية، مسخاً، بغيضاً، لا يؤتمن على مصلحة نفسه، فضلاً عن أن يكون ولياً لأمر، متحملاً للمسئولية. ومن الصفات اللازمة للمتصدر للشأن العام: الصدق وهذه الصفة - خاصةً - كانت شعار دعوته ﵊ قال الله تعالى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾ (٤)، وبه أمر الله تعالى عباده المؤمنين فقال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ (٥)، ونحن المسلمين أولى الناس بلزوم هذا الخلق الحميد، في جميع معاملاتنا، وعلى كل المستويات، كي تشيع الثقة، والاطمئنان،

стр. 163

ويتحقق الخير للمجتمع كله، قال سبحانه ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١)﴾ (١). ومع وجود غير هذه الصفات - مما ينبغي التمسك به، والمحافظة عليه، كالشجاعة، والحزم، وحسن التأسي والاقتداء، والرفق واللين .... إلخ،- إلا أننا نكتفي بما سبق، ففيه غُنْيَةٌ عن التطويل، بعد وضوح المراد، بفضل الله تعالى. وبهذه الصفات المستقيمة، والخصال القويمة، نختتم الكلام عن الإعلام السياسي في القرآن الكريم، ومن ثم ننتقل للفصل التالي وفيه نتعرف على الإعلام العسكري، وقد يُسَمَّى (الجهادي - أو الحربي) ومن الله أستمد العون وأستلهم الرشاد.

стр. 164

الفصل الثالث صور الإعلام العسكري في القرآن الكريم (الحربي - أو الجهادي)

стр. 165

المبحث الأول تعريف الإعلام العسكري كمثله من المصطلحات لابد لنا من التوقف للتعرف على معناه، وقد مربنا تعريف الإعلام، فنقف مع تعريف العَسْكَرية ومن ثَمَّ الإعلام العسكري. المطلب الأول تعريف العَسْكَرية لغة: قال الجوهري: " العَسْكَر: الجيش ..... ، والعَسْكَرَة: الشِّدَّة. قال طرفة: * ظل في عَسْكَرَةٍ من حبها * وعَسْكَرَ الرجلُ فهو مُعَسْكِرٌ. والمُعَسْكَرُ بفتح الكاف: الموضع" (١). وقال الفيروزآبادي: "العَسْكَرُ: الجمعُ والكثيرُ من كلِّ شيءٍ فارسيٌّ ومن الليلِ: ظُلْمَتُه. ..... والعَسْكَرَةُ: الشِّدَّةُ والجَدْبُ. وعَسْكَرَ الليلُ: تَراكَبَتْ ظُلْمَتُه، والقومُ: تَجَمَّعُوا أو وَقَعُوا في شِدَّةٍ" (٢). جاء في المعجم الوسيط: " (عَسْكَر) القوم بالمكان: تجمعوا، ويقال عَسْكَر الليلُ: تراكمت ظلمته، والشيءَ: جمعه. (العَسْكَر) الجيش ومُجْتَمَعُه، والكثير من كل شيء، يقال: عَسْكَرٌ من رجال، وعَسْكَرٌ من خيل، وعَسْكَرُ الليل ظُلْمَتُه وانجلت عنه عساكر الهموم زال همه ... ، (ج) عساكر ... (العسكري) الجندي ... (المعسكر) مكان العسكر ونحوهم" (٣). خلاصة التعريف اللغوي: أن لفظ العسكر، يدور حول معنى التجمع في الأصل، ثم صار علماً مع مشتقاته على التجمع للجيوش، وأفرادها فيقال لهم: عساكر، وأماكن تجمعها يقال لها: معسكرات، ويُنسب إليها أيضاً فيقال: عن الفرد في الجيش: عسكري، ويقال: علوم عسكرية.

стр. 166

المطلب الثاني تعريف العسكرية اصطلاحاً: لها تعريفات عديدة، ولكنها متقاربة المعاني، متفقة المضمون، وقد استخلصت بعضها، من عدة مواضع منها أن العسكرية هي: " العلم الذي يعالج أمور الحرب باعتبارها ظاهرة اجتماعية، ووضع خير المناهج والمباديء بكل ما يتصل بها من حيث أهدافها وقوانينها وآدابها" (١). أو هي: "هي العلم الذي يعنى بدراسة مختلف شؤون الحرب، والقتال، مثل: أسباب الحرب وأهدافها -آداب الحرب- بناء الجيش القوي - بناء المقاتل - إعداد القادة - التدريب على القتال - الحرب النفسية - المخابرات والأمن ومقاومة الجاسوسية - الانضباط والجندية وتقاليدها - بناء الروح المعنوية وإرادة القتال - إعداد الأمة للحرب - الصناعة الحربية واقتصاديات الحرب ... الخ " (٢). أو هي: " مجموعة المبادِئ التي تشكّل قواعد السلوك الحربي الهادف لإحراز النصر، والرافض لتقبّل الهزيمة " (٣). تعريف الإعلام العسكري: وينبني على ما سبق من التعريف أن نقول - بعون الله وتوفيقه -: إن الإعلام العسكري، هو الإعلام القائم على تزويد الناس بالمعلومات السليمة، والحقائق الثابتة، عن الشئون الحربية، والمبادئ العسكرية، وصولاً إلى تحرير وعي الأمة، وتحفيزها للبقاء حذرةً، جاهزة لمواجهة مخططات الأعداء، والدفاع عن نفسها. وبهذا التعريف للإعلام العسكري نقترب ونلامس مبحثنا التالي وهو:

стр. 167

المبحث الثاني أهداف الإعلام العسكري في القرآن الكريم يمكن لنا أن نلخص هذه الأهداف في النقاط التالية ١ - تنمية روح الانتماء والولاء لأمة الإسلام ومن هذا قوله تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). قال الإمام ابن كثير ﵀ " أي يتناصرون ويتعاضدون، كما جاء في الصحيح: (المؤمن للمؤمن كالبنان يشد بعضه بعضا. وشبك بين أصابعه) (٢). وفي الصحيح أيضا: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) (٣) " (٤). ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (٥). قال العلامة السعدي ﵀ " هذا عقد موالاة ومحبة، عقدها الله بين المهاجرين الذين آمنوا وهاجروا في سبيل الله، وتركوا أوطانهم لله لأجل الجهاد في سبيل الله، وبين الأنصار الذين آووا رسول الله ﷺ وأصحابه وأعانوهم في ديارهم وأموالهم وأنفسهم، فهؤلاء بعضهم أولياء بعض، لكمال إيمانهم وتمام اتصال بعضهم ببعض" (٦). وأقطع من هذا وأظهر قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٧).

стр. 168

ومن أهداف الإعلام العسكري في القرآن الكريم ٢ - حشد أفراد الأمة للتأهب للدفاع عن الدين والمقدسات: ويُراد من ذلك إبقاء المسلمين في حالة من اليقظة، والاستعداد الدائم لمواجهة الأخطار المحدقة، والمخططات السيئة، التي يدبرها أعداء الأمة، وتشمل هذه اليقظةُ، وهذا الاستعدادُ، كلَّ ما مِنْ شأنه أن يُقَوِّي جانب المسلمين، ويُخَوِّف أعداءهم. ومن هذا قوله جل وعز ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾ (١)، قال العلامة السعدي ﵀: " أي ﴿وَأَعِدُّوا﴾ لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم. ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ أي: كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأْي: والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتَعَلُّم الرَّمْيِ، والشجاعة والتدبير" (٢). ومن هذا أيضاً قوله جل شأنه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)﴾ (٣)، قال الإمام ابن كثير ﵀ " يأمر الله عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد وتكثير العدد بالنفير في سبيله. (ثُبَاتٍ) أي: جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، وسرية بعد سرية، ..... ،قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ) أي: عُصبا يعني: سرايا متفرقين (أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) يعني: كلكم" (٤). وبغير هذا الحزم، تُنْتَقَص هيبة الأمة، وتُغْتَصَب أرضها، وتُمْتَهَن

стр. 169

كرامتها، فلابد للأمة من تأهب دائم، وحيطة، وترقب، واستعداد متواصل، كي تظل مرهوبةَ الجانب، مصانةَ المقدسات. ومن أظهر أهداف الإعلام العسكري في القرآن الكريم ٣ - بث وإشاعة روح الثقة في الأمة: وهي ثقة في الله تعالى، ويقينٌ بوعده لعباده المؤمنين، ثقة تبعث على العمل، والأخذ بأسباب القوة، وليست الثقة المخدرة، التي تنغمس معها الأمة في الغرور، وتوقع في الإهمال، وترك دوام اليقظة والحيطة. ومن الآيات التي تشيع هذه الروح في الأمة قوله تعالى ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١)، آية عظيمة وبشرى جليلة بولاية الله لعباده المؤمنين، يحبهم سبحانه، ويؤيدهم، وينصرهم على عدوهم. وعن هذه الآية يقول الشيخ السعدي ﵀ "وهذه بشارة عظيمة، لمن قام بأمر الله وصار من حزبه وجنده، أن له الغلبة، وإن أُدِيلَ عليه في بعض الأحيان لحكمة يريدها الله تعالى، فآخر أمره الغلبة والانتصار، ومن أصدق من الله قيلا" (٢). ومن ذلك قوله تعالى يمدح المؤمنين المصَدِّقين ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ (٣). إنها الثقة الغامرة بالله تعالى وبوعده الصادق، ثقة تَثْبُتُ بها الأقدامُ، وتَرْخُصُ معها النُّفوسُ والنَّفِيسُ في سبيل الله، بكل إيمان وتسليم، فيرد الله عنهم كيد الكافرين، ويدفع أذاهم. وفي هذا المعنى جاء قوله تعالى ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (٤). قال الإمام ابن كثير ﵀ " فيه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على

стр. 170

الأعداء، ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ أي: ولن يحبطها ويبطلها ويسلبكم إياها، بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئا" (١). ومن أهداف الإعلام العسكري في القرآن الكريم ٤ - تربية الأمة على الجدية، وعلو الهمة: فأمة النبي محمد ﵊، أمة ذات مسئوليات جسام، وتحديات عظيمة، فهم أمة النبي الخاتم، صاحب كلمة الله الباقية إلى يوم الدين، القرآن الكريم، وهم الدعاة إلى الله، وحَمَلَةُ شريعته، وحماة دينه ، ولذلك فهم أولى الناس بالجِدِّية التامة في أمورهم، وقد جاءت الآيات تترى تُذَكِّر بالمهام الجليلة، وترشد إلى خيرية الأمة، وما ينبغي أن يكون عليه المسلمون. ومن هذا قوله جل وعز ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ (٢) " وهذا إرشاد من الله للمؤمنين أن يكون منهم جماعة متصدية للدعوة إلى سبيله وإرشاد الخلق إلى دينه، ويدخل في ذلك العلماء المعلمون للدين، والوعاظ الذين يدعون أهل الأديان إلى الدخول في دين الإسلام، ويدعون المنحرفين إلى الاستقامة، والمجاهدون في سبيل الله، ...... ومن المعلوم المتقرر: أن الأمرَ بالشيء أمرٌ بما لا يتم إلا به فكل ما تتوقف هذه الأشياء عليه فهو مأمور به، كالاستعداد للجهاد بأنواع العدد التي يحصل بها نكاية الأعداء وعز الإسلام، وتعلم العلم الذي يحصل به الدعوة إلى الخير وسائلها ومقاصدها، وبناء المدارس للإرشاد والعلم" (٣). ويلحق بهذه المعاني قوله جل وعلا ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٤)

стр. 171

وفي جانب الانضباط السلوكي نقرأ قوله تعالى ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١). وفي الآية ضبط لسلوك المؤمنين بالطاعة لله ورسوله، والصبر، وترك النزاع والشِّقاق، لئلا تَنْحَل العزائم، وتتفرق القُوَى وفي جانب رفع الهمم نقرأ قوله تعالى ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢) فالهمم العالية تستسهل الصعب، وتستصغر العظائم، في سبيل تحقيق غاياتها، والمسلمون في جهادهم عدوهم، إنما يريدون وجه الله، ينشرون الحق، والعدل، فشتان بين مقاصدهم ومقاصد عدوهم الذي يريد العلو والفساد في الأرض. ومن أهداف الإعلام العسكري في القرآن الكريم ٥ - غرس القيم الصحيحة، وتقويم السلوكيات المنحرفة: وهي قيم تحتاج إليها الأمة المجاهدة، تباشر بها المعتاد من حياتها، وتواجه بها الملمات، وتخوض بها المعارك دفاعاً وهجوماً. ومن هذه القيم: الصبر، الشجاعة، وصدق التوكل الله تعالى، ومحبة الفداء، والتضحية، والبذل، والإيثار، والإنفاق في سبيل الله، وقول الحق بلا مخافة للوم لائم، والثبات عند اللقاء. ومن الآيات التي تغرس هذه القيم في الأمة قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣)، حض المؤمنين على ما يوصلهم إلى الفلاح - وهو: الفوز والسعادة والنجاح، وأن الطريق الموصل إلى ذلك لزوم الصبر، الذي هو حبس النفس على ما تكرهه، من ترك المعاصي، ومن الصبر على المصائب، وعلى الأوامر الثقيلة على النفوس، فأمرهم بالصبر على جميع ذلك.

стр. 172

والمصابرة أي الملازمة والاستمرار على ذلك، على الدوام، ومقاومة الأعداء في جميع الأحوال. والمرابطة: وهي لزوم المحل الذي يخاف من وصول العدو منه، وأن يراقبوا أعداءهم، ويمنعوهم من الوصول إلى مقاصدهم، لعلهم يفلحون .... فعلم من هذا أنه لا سبيل إلى الفلاح بدون الصبر والمصابرة والمرابطة المذكورات، فلم يفلح من أفلح إلا بها، ولم يفت أحدا الفلاح إلا بالإخلال بها أو ببعضها. ومن هذا قوله تعالى ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (١) على هذا اليقين والتسليم يحيى المؤمن، لا يصيبه إلا ما كتبه الله عليه وقدره، فهو سبحانه مولاه الكريم يجلب لهم المصالح ويدفع عنهم الأضرار، ولذا تجد المؤمن في جميع أموره معتمداً على مولاه، يثق في رعايته، فلا يخيب أبداً. ومن هذه القيم التي جاء بها الإعلام العسكري في القرآن الكريم: الإقدام والفداء والتخلص من الجبن والجزع، والضعف والخور، والثبات والصبر حين البأس، مع الإخلاص لله سبحانه. وكل هذه المعاني تضمنها قوله تعالى في الآيات الكريمة ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) ومن السلوكيات المذمومة التي حذر الله منها عباده المؤمنين: التخلف عن الجهاد والرضى بمتاع الدنيا وحذرهم من مغبة ذلك ومدح سبحانه أهل الإيمان المجاهدين بالنفس والمال، وأثابهم ثواباً عظيماً قال سبحانه ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ

стр. 173

اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ (١). وكما ذم سبحانه وحذَّر من التقاعس عن الخروج في الجهاد، حذَّر، ووبَّخ مَنْ ترك الإنفاق في سبيله قال سبحانه ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (٢). وهذا الجانب الأخلاقي، هو جانب أساسيٌ، في تمييز شخصية الأمة المسلمة، وتكوين وجدان وقناعات أفرادها، ويمكن القول بلا مبالغة: إن هذا الجانب هو أهم الجوانب لتكوين شخصية الدعاة إلى الله، والمحاربين في سبيله، فبغير هذه القيم والأخلاق يهترِئ نسيج الأمة، وتضعف، وتتلاشى قوتها، أو تنقلب تماماً إلى وحش كاسر، وطوفان مدمر، بدون هذه المنظومة المتكاملة من الأخلاق والقيم، التي تجعل منها قوة نافعة، ورحمةً - بحق - للعالمين. ومن أهداف الإعلام العسكري في القرآن الكريم ٦ - فضح مؤامرات المنافقين والمرجفين و (الطابور الخامس) (٣) ومخططاتهم وكانوا أخطر فئة على الإسلام والمسلمين فهم تظاهروا بالإسلام، واستبطنوا الكفر، وقد بلغ من اهتمام القرآن ببيان خطرهم أن نزلت سورة باسمهم (المنافقون)، وتناولت سورة (براءة) الكثير والكثير من مخازيهم وشنائعهم حتى سماها حبر الأمة عبد الله ابن عباس

стр. 174

رضي الله عنهما (الفاضحة) لأنها فضحت المنافقين، كما تناولتهم أيضاَ أجزاء كبيرة من سورة (النساء)، وأيضاً في سورة (الأحزاب)، وسورة (محمد) ومن الآيات التي فضحت مخططاتهم وبصرت الأمة بصفاتهم ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧)﴾ (١). نزلت في المنافقين من أهل قباء اتخذوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، مضارة للمؤمنين ولمسجدهم الذي يجتمعون فيه، وقصدهم فيه الكفر، ليتفرق المسلمون ويختلفوا، وقد بنوا مسجدهم إعداداً، وإعانة للمحاربين لله ورسوله، الذين تقدم حرابهم واشتدت عداوتهم، وكانوا يحلفون أنهم ما أرادوا إلا الإحسان إلى الضعيف، والعاجز والضرير، فنزل الوحي فكذبهم وكشف بواطن قلوبهم، فبعث إليه النبي ﷺ ، فهُدِّم وحُرِّق، وصار بعد ذلك مزبلة. ومن الآيات التي تناولت خيانة المنافقين وتخذيلهم عن الثبات ونصرة المسلمين، قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)﴾ (٢). هذه عادة المنافقين عند الشدة والمحنة، لا يثبت لهم إيمان، أصابهم الجبن والجزع، ونسوا وعد الله ورسوله، وفاهوا بالكفر ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾، وبعضهم يعتذرون عن البقاء في الميدان بالأعذار الباطلة، وهم كذبة في ذلك، فما أرادوا إلا الفرار من المواجهة، مع كونهم أضعف من أن يدفعوا عن بيوتهم، بل ولا يثبتون على دينهم، فبمجرد أن يتغلب الأعداء، يعطونهم ما طلبوا، ويوافقونهم على كفرهم.

стр. 175

وهذه وقفة أخرى، مع إحدى خياناتهم، لله ورسوله والمؤمنين. يقول تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١)﴾ (١). يكشف الحق تعالى حال المنافقين متعجباً منهم، طَمَّعُوا إخوانهم من أهل الكتاب، في الخروج معهم، ونصرتهم، وموالاتهم على المؤمنين، وهم في كل دعواهم كاذبون، فهم أعجز من أن يتركوا أوطانهم لتعلقهم بها، وأجبن من أن يقاتلوا فلا صبر لهم، وسرعان ما يتولون هاربين. وهكذا؛ كانت تتنزل الآيات، تبصرة لأهل الإيمان، وتنبيهاً لهم وتحذيراً من مؤامرات المنافقين، ولو ذهبنا نستقصي مخازي المنافقين ومؤامراتهم التي فضحها القرآن لطال بنا المقال، وخرجنا عن مقصودنا في هذا البحث، فأكتفي إن شاء الله بما سبق وفيه إشارة للمطلوب. ومن أهداف الإعلام العسكري في القرآن الكريم ٧ - كشف أعداء الأمة والتحذير من كيدهم ومكرهم وهو من أعظم الأهداف، وأشدها أثراً، والحاجة إليه ماسَّةً، لما له من التعريف بالعدو، وصفاته، ومواطن ضعفه، وأساليب كيده، ومكره. ومن الآيات في هذا الجانب، قوله تعالى محذراً من الانخداع بهم، ومحاولة استرضائهم والتقرب منهم ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٢). صيغة تيئيسية - إن صح التعبير - فلا يطلب المسلم رضاهم، أو يخطب ودهم، فمهما فعل، فلن يظفر بمطلوبه، فأولى بالمؤمن أن يعتز بما هو عليه من هدى وبصيرة، والله وليُّه، وناصره.

стр. 176

قوله جل شأنه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (١) وهنا تحذير من الانسياق وراء دعاوى القوم، أو الوقوع في شِراكهم، فإن غاية أمنياتهم، أن يردوهم إلى الكفر، ومبتغى سعيهم أن يُغْرِقوهم في الضلال. وقوله تعالى ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢) بيان إلهي واضح بأعداء المسلمين مرتبين حسب شدة عداوتهم فأولهم اليهود، ثم المشركون، والعجيب أن اليهود جاءوا في صدارة الأعداء، مع كونهم أهل كتاب، يعرفون صدق الرسول وصحة رسالته ﵊، ولكنه الظلم، والعلو في الأرض، وما جزاهم الله به من القسوة والطبع على القلوب، فلا يهتدون. ومن الآيات الكاشفة عن أعداء الأمة قوله تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ (٣). فعداوتهم ظاهرة واضحة، فلا يستقيم الغفلة عنهم، ولا تجاهل أخطارهم. وقوله تعالى ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٤). غلظة أكباد، وقسوة قلوب، فلا رحمة ولا شفقة تخالط مشاعرهم، مع خروج فاجر عن طاعة ربهم، ومتابعة رسوله الأمين ﵊. وكما بينت الآيات عداوتهم الشديدة للإسلام ونبي الإسلام والمسلمين، فقد أكدت النهي عن اتخاذهم أولياء، أو أصفياء، فلا خير فيهم، ولا أمان معهم. وهذه الآيات المتتاليات في هذا المعنى الثابت، والأكيد:

стр. 177

قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾ (١) وقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ (٢) وقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣) وقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤) فكشف الله عن أعداء الأمة، وحذر مغبة الركون إليهم، والتهاون معهم، وبين شرورهم، وحقدهم وبغضهم للمؤمنين، وما يجب على الأمة من أقصى درجات الحذر وشدة المراقبة لعدوهم ودسائسه ومخططاته الخبيثة. ومن أهداف الإعلام العسكري في القرآن الكريم ٨ - الإعلام بأسباب النصر على الأعداء وذلك أن للنصر والتمكين سنناً إلهية، لا تتخلف ولا تتبدل، وأسباباً لابد من تحصيلها، والعمل بمقتضاها، حتى تنعم الأمة بالنصر على عدوها. ومن أسباب النصر على الأعداء: القيام بواجب العبودية لله تعالى وحده إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة طاعة الرسول ﵊

стр. 178

قال سبحانه ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١). وكأن الآيات الكريمات تفيد أهل الإيمان بأنهم إن جاءوا بالإيمان، والأعمال الصالحة المذكورة، فالنصر حليفهم بإذن الله لأن الكفار مهما تجبروا، وطغوا، فإنهم لا يُعجزون رب الأرض والسماء، لا في الدنيا، ولا في الآخرة. ومن أسباب النصر على الأعداء: الثبات، والصبر عند اللقاء. ذكر الله كثيراً. طاعة الله ورسوله. الألفة والاجتماع. ترك الشقاق والنزاع. التواضع والإخلاص لله تعالى نقرأ هذه المعاني في قوله تعالى لعباده المؤمنين ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ (٢) ومن أسباب النصر على الأعداء: الانتصار لله تعالى بنصرة دينه وشريعته إقام الصلاة وإيتاء الزكاة (سبقت معنا) (٣) القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

стр. 179

جاء بهذا الكتابُ العزيزُ، يقول سبحانه ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (١) هذه الآيات، وغيرها، تتابعت على هذه المعاني، من أسباب تحقيق النصر على الأعداء، فمتى تحقق المسلمون بها، تحقق لهم موعود الله سبحانه، فأغاثهم، وأمدهم بجنوده، التي لا يعلمها إلا هو، ونصرهم على عدوهم. هذا ما تيسر للباحث من أهداف الإعلام العسكري في القرآن الكريم، وبه يحين موعد انتقالنا إلى المبحث التالي وهو:

стр. 180

المبحث الثالث صور الإعلام العسكري في القرآن الكريم: ١ - الإعلام ببيان الحكمة وأسباب فرض القتال على المسلمين: اقتضت الحكمة في المرحلة المكية، أن يصبر المسلمون على أذى المشركين، وأن يتجهوا إلى تربية أنفسهم، ونشر دعوتهم، فكان الشعار المعلن ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١). فلما صارت للمسلمين بالمدينة دولة، أُذِنَ لهم في القتال، وجهاد أعداء الله وكان لهذا التشريع حكم عظيمة منها: أ- الدفاع عن الدين ضد الكفار والمشركين: ومن هذا قوله تعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (٢)، فأَذِن الله تعالى لعباده بقتال من عادوهم وأخرجوهم لا لشيء إلا أنهم مؤمنون برب العالمين، والحفاظ على الدين هو إحدى الضروريات الخمس للشريعة الإسلامية (٣). ب- دفع المفسدين، ودرء مخططاتهم: ومن هذا قوله سبحانه ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٤)، فهذه سنة ربانية، يشرف أهل الإيمان بالقيام بها، فيدفعون الفساد والمفسدين، محافظين على صلاح الأرض للعيش فيها، وعبادة رب العالمين. ت- التمكين للعقيدة من الانتشار: قال الله تعالى ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٥)، فالقتال لهؤلاء الذين يحولون بين الناس ودعوة الحق، من دون عدوان على المسالمين.
следующие страницы →