← Общие книги

Общие книги · id 96238

صور الإعلام الإسلامي في القرآن الكريم - دراسة في التفسير الموضوعي

عاطف إبراهيم المتولي

Полный текст (355 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قوله جل شأنه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (١) وهنا تحذير من الانسياق وراء دعاوى القوم، أو الوقوع في شِراكهم، فإن غاية أمنياتهم، أن يردوهم إلى الكفر، ومبتغى سعيهم أن يُغْرِقوهم في الضلال. وقوله تعالى ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢) بيان إلهي واضح بأعداء المسلمين مرتبين حسب شدة عداوتهم فأولهم اليهود، ثم المشركون، والعجيب أن اليهود جاءوا في صدارة الأعداء، مع كونهم أهل كتاب، يعرفون صدق الرسول وصحة رسالته ﵊، ولكنه الظلم، والعلو في الأرض، وما جزاهم الله به من القسوة والطبع على القلوب، فلا يهتدون. ومن الآيات الكاشفة عن أعداء الأمة قوله تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ (٣). فعداوتهم ظاهرة واضحة، فلا يستقيم الغفلة عنهم، ولا تجاهل أخطارهم. وقوله تعالى ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٤). غلظة أكباد، وقسوة قلوب، فلا رحمة ولا شفقة تخالط مشاعرهم، مع خروج فاجر عن طاعة ربهم، ومتابعة رسوله الأمين ﵊. وكما بينت الآيات عداوتهم الشديدة للإسلام ونبي الإسلام والمسلمين، فقد أكدت النهي عن اتخاذهم أولياء، أو أصفياء، فلا خير فيهم، ولا أمان معهم. وهذه الآيات المتتاليات في هذا المعنى الثابت، والأكيد:

стр. 177

قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾ (١) وقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ (٢) وقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣) وقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤) فكشف الله عن أعداء الأمة، وحذر مغبة الركون إليهم، والتهاون معهم، وبين شرورهم، وحقدهم وبغضهم للمؤمنين، وما يجب على الأمة من أقصى درجات الحذر وشدة المراقبة لعدوهم ودسائسه ومخططاته الخبيثة. ومن أهداف الإعلام العسكري في القرآن الكريم ٨ - الإعلام بأسباب النصر على الأعداء وذلك أن للنصر والتمكين سنناً إلهية، لا تتخلف ولا تتبدل، وأسباباً لابد من تحصيلها، والعمل بمقتضاها، حتى تنعم الأمة بالنصر على عدوها. ومن أسباب النصر على الأعداء: القيام بواجب العبودية لله تعالى وحده إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة طاعة الرسول ﵊

стр. 178

قال سبحانه ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١). وكأن الآيات الكريمات تفيد أهل الإيمان بأنهم إن جاءوا بالإيمان، والأعمال الصالحة المذكورة، فالنصر حليفهم بإذن الله لأن الكفار مهما تجبروا، وطغوا، فإنهم لا يُعجزون رب الأرض والسماء، لا في الدنيا، ولا في الآخرة. ومن أسباب النصر على الأعداء: الثبات، والصبر عند اللقاء. ذكر الله كثيراً. طاعة الله ورسوله. الألفة والاجتماع. ترك الشقاق والنزاع. التواضع والإخلاص لله تعالى نقرأ هذه المعاني في قوله تعالى لعباده المؤمنين ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ (٢) ومن أسباب النصر على الأعداء: الانتصار لله تعالى بنصرة دينه وشريعته إقام الصلاة وإيتاء الزكاة (سبقت معنا) (٣) القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

стр. 179

جاء بهذا الكتابُ العزيزُ، يقول سبحانه ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (١) هذه الآيات، وغيرها، تتابعت على هذه المعاني، من أسباب تحقيق النصر على الأعداء، فمتى تحقق المسلمون بها، تحقق لهم موعود الله سبحانه، فأغاثهم، وأمدهم بجنوده، التي لا يعلمها إلا هو، ونصرهم على عدوهم. هذا ما تيسر للباحث من أهداف الإعلام العسكري في القرآن الكريم، وبه يحين موعد انتقالنا إلى المبحث التالي وهو:

стр. 180

المبحث الثالث صور الإعلام العسكري في القرآن الكريم: ١ - الإعلام ببيان الحكمة وأسباب فرض القتال على المسلمين: اقتضت الحكمة في المرحلة المكية، أن يصبر المسلمون على أذى المشركين، وأن يتجهوا إلى تربية أنفسهم، ونشر دعوتهم، فكان الشعار المعلن ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١). فلما صارت للمسلمين بالمدينة دولة، أُذِنَ لهم في القتال، وجهاد أعداء الله وكان لهذا التشريع حكم عظيمة منها: أ- الدفاع عن الدين ضد الكفار والمشركين: ومن هذا قوله تعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (٢)، فأَذِن الله تعالى لعباده بقتال من عادوهم وأخرجوهم لا لشيء إلا أنهم مؤمنون برب العالمين، والحفاظ على الدين هو إحدى الضروريات الخمس للشريعة الإسلامية (٣). ب- دفع المفسدين، ودرء مخططاتهم: ومن هذا قوله سبحانه ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٤)، فهذه سنة ربانية، يشرف أهل الإيمان بالقيام بها، فيدفعون الفساد والمفسدين، محافظين على صلاح الأرض للعيش فيها، وعبادة رب العالمين. ت- التمكين للعقيدة من الانتشار: قال الله تعالى ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٥)، فالقتال لهؤلاء الذين يحولون بين الناس ودعوة الحق، من دون عدوان على المسالمين.

стр. 181

ث- رد العدوان وتجنب الفتنة في الدين: ومن هذا قوله تعالى ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١) وهذه الآيات تبين أن الواجب على المسلمين، مدافعة ومحاربة كل من يكون سبباً لفتنة الناس عن دين ربهم، فإن كانوا يدفعون عن أنفسهم القتل؛ فدفع الفتنة في الدين أولى، لأنها أشد أثراً وأعظم في الأمة. ج- ابتلاء المؤمنين وتمحيصهم: ويظهر هذا من قوله تعالى ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢). ومن قوله تعالى ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣). فلابد للمؤمنين من الابتلاء بعدوهم، والصبر، والثبات، وجهاده بالنفس، والمال. ح- عقاب الناكثين للعهود والخائنين لله ورسوله ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، وقال سبحانه ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (٥) وهذا أمر لابد منه، فالتهاون مع المجترئين على دولة الإسلام، يزيدهم بغياً عدواناً، وحين يعلمون أن مصير الناكثين، أو الخائنين، أن

стр. 182

يذوق البأس الشديد، وأن يعود بمرارة الهزيمة والخيبة، حين يتحقق ذلك يكون رادعاً لهم عن نكث العهود، وخيانة الله تعالى والرسول ﵊ ... (١) ومن صور الإعلام العسكري في القرآن الكريم: ٢ - استخدام تنوع الخطاب في تأسيس المفاهيم العسكرية ، وحشد الأمة وتحفيزها، ومن صور تنوع الخطاب الإعلامي العسكري: أ- أسلوب النداء: وقد اسْتُخْدِمَ كثيراً في هذا الجانب الإعلامي لما له من وقع عظيم على المستمعين، وتشريف لهم بالنداء الرباني، مما يبث في النفوس روح الحماسة، والمسارعة إلى الطاعة ومن هذا قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٢) قال العلامة السعدي ﵀: "هذا أمر منه تعالى للمؤمنين، أن ينصروا الله بالقيام بدينه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك، نصرهم الله وثبت أقدامهم، أي: يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات " (٣). وقوله سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤)،ومثله قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥). قال ابن كثير ﵀: " أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام؛ ولهذا بدأ رسول الله ﷺ بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه ...... ، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجا، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لكونهم أهل الكتاب" (٦).

стр. 183

ب- خطاب التحريض والإغراء: وفيه دعوة للإقدام والبذل والفداء، ومن هذا قوله جل شأنه ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (١). قال العلامة السعدي ﵀ "هذا حث من الله لعباده المؤمنين وتهييج لهم على القتال في سبيله، وأن ذلك قد تعين عليهم، وتوجه اللوم العظيم عليهم بتركه" (٢). ومن هذا قوله جل شأنه ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣).قال ابن كثير ﵀: "وهذا أيضا تهييج وتحضيض وإغراء على قتال المشركين الناكثين لأيمانهم، الذين هموا بإخراج الرسول من مكة" (٤). وقوله سبحانه ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ (٥). قال البغوي ﵀: " لا تَدَعْ جهاد العدو والانتصار للمستضعفين من المؤمنين ولو وحدك، فإن الله قد وعدك النصرة، ......... وحضهم على الجهاد ورغِّبهم في الثواب" (٦). ت- خطاب الذَّم والتنفير: تحقيراً للأحوال الرديئة، والتقاعس عن مواطن الجهاد ومن ذلك قوله جل وعز ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٧) وتعرض الآية لبعض المسلمين وقد أصابهم الهلع والفزع، حين أُمِروا بالقتال، فقالوا خوراً، وضعفا ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ يريدون تأخيره، طمعاً في المزيد من متاع الدنيا

стр. 184

الزائلة، وسياق الآية، من خلال الاستفهام تعجباً وإنكاراً، مفيد لأقصى درجات الذم والتنفير من هذا الحال. ومثله قوله سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (١) نزلت هذه الآية في الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وكان الجو حاراً، والزاد قليلاً، والمعيشة عَسِرَةً، فآثر بعضهم البقاء، ولم يخرجوا مع النبي ﵊، فعاتبهم ربهم سبحانه، ووبخهم لميلهم للتكاسل، وتثاقلهم عن الجهاد في سبيله، وأكد سبحانه أن ما رضي به هؤلاء لا يساوي شيئاً في الحقيقة مقارنةً بنعيم الآخرة. ث- الترغيب في الثبات في مواطن النزال وجاء هذا في القرآن بعدة طرق منها: * الإعلام بأن النصر من عند الله وحده قال سبحانه ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢). *المدد الإلهي للمؤمنين في المعارك قال تعالى ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (٣). * بيان الغاية السامية لجهاد المؤمنين وما يقابلها للكافرين فيقول سبحانه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (٤).

стр. 185

* بيان ما أعده الله للمجاهدين في سبيله قال مطمئناً للمسلمين الذين سألوا عن شهدائهم، وما لهم عند الله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). ويقول تعالى مبيناً أن المجاهد مأجور على كل حال ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢). ويقول ﵎ مبشراً عباده المؤمنين ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣). نعم فوز عظيم "لا فوز أكبر منه، ولا أجلَّ، لأنه يتضمن السعادة الأبدية، والنعيم المقيم، والرضا من الله الذي هو أكبر من نعيم الجنات. وإذا أردت أن تعرف مقدار الصفقة؛ فانظر إلى المشتري من هو؟ وهو الله ﷻ ، وإلى العوض، وهو أكبر الأعواض وأجلها، جنات النعيم، وإلى الثمن المبذول فيها، وهو النفس، والمال، الذي هو أحب الأشياء للإنسان. وإلى من جرى على يديه عقد هذا التبايع، وهو أشرف الرسل، وبأي كتاب رقم، وهي كتب الله الكبار المنزلة على أفضل الخلق" (٤). إنه وعد صادق، تتصاغر عنده الدنيا بما فيها، وتمتلِئ معه نفوس المؤمنين شوقاً للجهاد، والفداء، والشهادة في سبيل الله، طمعاً في الجزاء العظيم، والتعيم المقيم. ومن أسلوب الترغيب في الجهاد في سبيل الله كصورة من صور الإعلام العسكري، ننتقل إلى أسلوب آخر وصورة جديدة:

стр. 186

فمن صور الإعلام العسكري في القرآن الكريم: ٣ - استخدام الأسلوب القصصي بما له من قدرة على التأثير القوي ، وتثبيت المعاني، وترسيخ المباديء، ومن هذا القصص: أ- قصة طالوت مع بني إسرائيل واشتملت على دروس بليغة منها: * الطاعة لله تعالى ومقاومة هوى النفس. * أصحاب اليقين الصادق هم المنتصرون ولو كانوا فئة قليلة. * الاستعانة بالله والدعاء أمضى أسلحة المؤمنين. قال سبحانه ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١) ب- قصة غزوة الأحزاب واشتملت على دروس بليغة منها: * التذكير بنعم الله تعالى في رد عدوان الأحزاب. * فضح مواقف المنافقين وخيانتهم لله ورسوله وللمسلمين. * ضرورة التأسي بالنبي ﵊. *التصديق بوعد الله ورسوله مع تمام التسليم. وتبدأ القصة من قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ (٢)، حتى قوله تعالى ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (٣)

стр. 187

ت- قصة غزوة حنين وفيها دروس عظيمة ومعنىً بالغ الأهمية والأثر في النفوس وهو: * عدم الاغترار بكثرة العدد. * الحاجة الدائمة لتأييد الله تعالى. * الثبات والسكينة من عند الله وحده. قال الله ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ (١). هذه الآيات، ومثيلاتها في القرآن، تجعل من الجانب العسكري في حياة الأمة، مجالاً حيوياً، فائق الأهمية، مرتبطاً بعقيدة الأمة، فهي - الآيات - تعرض الدرس تلو الدرس، وتوضح الأخطاء، وتدل على مواطن الخلل، وسبل العلاج، ,وتُعرِّف بأسباب وعوامل النصر والغلبة على الأعداء، وتشرح السنن الربانية في الخلق، والتدافع الضروري بين الحق والباطل. وبالقصص القرآني العظيم نختتم الكلام في هذا الفصل الثالث عن الإعلام العسكري في القرآن وننتقل بمشيئة الله تعالى للفصل الرابع وفيه الإعلام الاجتماعي في القرآن الكريم. وعلى الله اعتمادي، لا إله غيره.

стр. 188

الفصل الرابع صور الإعلام الاجتماعي في القرآن الكريم

стр. 189

المبحث الأول تعريف الإعلام الاجتماعي كمثله من المصطلحات لابد لنا من التوقف للتعرف على معناه، وقد مربنا تعريف الإعلام، فنقف مع تعريف الاجتماع ومن ثَمَّ الإعلام الاجتماعي. المطلب الأول تعريف الاجتماع لغة: قال الفيروزآبادي: " الجَمْعُ كالمَنْعِ: تأْليفُ المُتَفَرِّقِ .... وجماعةُ الناسِ ج: جُموعٌ كالجَميعِ .... والمَجْموعُ: ما جُمعَ من هَاهُنا وهَاهُنا .... والجَميعُ: ضِدُّ المُتَفَرِّقِ والجَيْشُ والحَيُّ المُجْتَمِعُ .... وجُمَّاعُ الناسِ كرُمَّانٍ: أخْلاطُهُم من قبائِلَ شَتَّى، ومن كلِّ شيءٍ: مُجْتَمَعُ أصْلِه وكلُّ ما تَجَمَّعَ وانضمَّ بعضُه إلى بعض .... والإجْماعُ: الاتِّفاقُ ... واجْتَمَعَ: ضِدُّ تَفَرَّقَ ... وتَجَمَّعَ .. واسْتَجْمَعَ السيلُ: اجْتَمَعَ من كلِّ موضِعٍ .... وتَجَمَّعوا: اجْتَمَعوا من هَاهُنا وهَاهُنا .... وجامَعَهُ على أمرِ كذا: اجْتَمَعَ معه." (١) وجاء في المعجم الوسيط " (جمع) المتفرق جمعا ضم بعضه إلى بعض ... ، وـ الله القلوب: ألفها .... (أجمع) القوم اتفقوا ..... (استجمع) تجمع ويقال استجمع القوم تجمعوا من كل صوب .... والمسجد الجامع الذي تصلى فيه الجمعة .... (ج) جوامع (الجماعة) العدد الكثير من الناس والشجر والنبات وطائفة من الناس يجمعها غرض واحد ..... (الجمع) الجماعة والمجتمعون والجيش .... (الجمعية) طائفة تتألف من أعضاء لغرض خاص وفكرة مشتركة .... (المجتمع) موضع الاجتماع والجماعة من الناس (المَجْمَع) موضع الاجتماع والمجتمعون والملتقى ومنه مجمع البحرين .... (ج) مجامع " (٢). خلاصة التعريف اللغوي: أن معنى الاجتماع لغةً: دائر في استعماله حول تأليف المتفرق، واتفاق المختلفين، سواء في الرأي، أو في العرق، أو الجنس، أو اللون، وانضمام بعضهم لبعض، مع الألفة، والاتفاق على غرض واحد، وفكرة مشتركة.

стр. 190

المطلب الثاني: تعريف الاجتماع اصطلاحاً: لعلم الاجتماع تعريفات كثيرة، ومن أشهرها: " علم يقوم بدراسة المجتمع في ظواهره ونظمه وبنيته، والعلاقات بين أفراده. أو هو: علم يقوم بدراسة نواحي الحياة الاجتماعية، ومقوماتها الأساسية، والسمات العامة، والقوانين المنظمة لها. أو هو: علم يقوم بدراسة المقومات التي تدفع بالمجتمع إلى التطور، وتؤدي به إلى الوحدة، والتآلف بين أفراده. وآخِراً هو: دراسة العلاقات الاجتماعية. " (١). تعليق: يرى الباحث أن هذه التعريفات لا خلاف حقيقي بينها، بل هي مجمعة، على أن مجال الاجتماع كعلم هو دراسة العلاقات الاجتماعية، نظمها، وسماتها، ولذلك يترجح عندي أن أنسب التعريفات وأخصرها هو التعريف القائل بأن " علم الاجتماع يتناول الحياة المشتركة بين الناس، علاقاتٍ، وظواهر" (٢) وبعد بيان معنى الاجتماع لغةً واصطلاحاً يمكن لنا أن نعْبُر إلى النقطة التالية وهي: تعريف الإعلام الاجتماعي: نخلص مما سبق من التعريفات إلى القول -: إن الإعلام الاجتماعي، هو الإعلام القائم على تزويد الناس بالمعلومات السليمة، والحقائق الثابتة، عن أسس بناء المجتمعات، والقيم الجامعة للأفراد، وتنظيم العلاقات المشتركة بين الناس بما يحقق السعادة، والاستقرار للأفراد والمجتمعات. وبهذا التعريف للإعلام الاجتماعي؛ ننتقل ونلامس مبحثنا التالي وهو:

стр. 191

المبحث الثاني أهداف الإعلام الاجتماعي في القرآن الكريم "عنى الإسلام بالمجتمع عنايته بالفرد. فكل منهما يتأثر بالآخر ويؤثر فيه. وهل المجتمع إلا مجموعة من الأفراد ربطت بينهم روابط معينة؟. فكان صلاح الفرد لازماً لصلاح المجتمع، فالفرد أشبه باللبنة في البنيان، ولا صلاح للبنيان إذا كانت لبناته ضعيفة. كما لا صلاح للفرد إلا في مجتمع يساعده على النمو السليم، والتكيف الصحيح، والسلوك القويم. فالمجتمع هو التربة التي تنبت فيها بذرة الفرد. وتنمو وتترعرع في مناخها، وتنتفع بسمائها وهوائها وشمسها" (١). ويمكن لنا أن نُجْمِل أهداف الإعلام الاجتماعي في القرآن الكريم في النقاط التالية (٢): الإعلام بأسس بناء المجتمعات في الإسلام . ومن هذه الأصول العظيمة: العقيدة والإيمان. وهي أساس الأسس، التي يُبنى عليها المجتمع المسلم، الذي أراده القرآن الكريم حامياً وراعياً لهذه العقيدة الإسلامية، يستضيء بنورها، وينشره في العالمين. قال الله تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٣). وناداهم سبحانه، وأمرهم بالإيمان به وبكتبه ورسله واليوم الآخر فقال سحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٤). ومعنى قيام المجتمع المسلم على العقيدة، احترامها وتقديسها، والالتزام بها، ورد الأباطيل، والشبهات عنها، وبيان فضلها وآثارها في على حياة

стр. 192

الفرد والمجتمع، مع تجلية تصور المجتمع المسلم للإله الواحد الأحد. كما قال سبحانه ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (١) إن العقيدة الإسلامية بأركانها، وخصائصها، أساس مكين لأي بنيان اجتماعي يقوم عليها، فهي مصدر التصورات، وأساس الحكم والتشريعات، وينبوع الفضائل والأخلاق، وأيُّ بنيان لا يقوم على عقيدة فهو بنيان على الرمال، يوشك أن ينهار. الشعائر والعبادات. وهي المقوم الثاني للمجتمع المسلم - بعد العقيدة - فرضها الله على المسلمين، وكلفهم القيام بها , ليتقربوا بها إليه , ويبتغوا بها رضوانه , ويربحوا مثوبته. وتمثل هذه الشعائر، علامات فارقة، وظاهرة، تتميز بهاحياة الفرد المسلم من غير المسلم، كما تتميز بها حياة المجتمع المسلم من غير المسلم. وإقامة هذه الشعائر وتعظيمها دليل على قوة العقيدة في القلوب، واستقرارها في حنايا الصدور. قال تعالى ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٢). ووصف سبحانه مجتمع المؤمنين فقال ﷻ ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣). وهكذا مجتمع المسلمين، أحبة متوادون، ينصر بعضهم بعضاً، ويأمرون بكل حسن جميل من العقائد والأعمال والأخلاق، وينهون عن ضد ذلك من عقائد باطلة، وأعمال سيئة، وأخلاق رديئة، وهم في كل ذلك مقيمون على طاعة ربهم ملازمون لإقامة شعائر دينهم، صلاةً، وزكاةً، وغير ذلك من أوجه

стр. 193

الطاعات، والعبادات. وهذا هو طريق فلاح الأفراد والمجتمعات. قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١).فتميز المجتمع المسلم دون غيره بخصائص وأعمال فريدة، مثل الصلوات الخمس ينادى لها في المساجد، والجُمَع، والحج أعظم اجتماعات البشرية، وفريضة الزكاة وأثرها الاجتماعي الكبير، وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من العبادات والشعائر التي تعزز روح الوحدة والجماعة بين أفراد المجتمع المسلم. أفكار ومفاهيم المجتمع المسلم. حرص الإسلام منذ طلوع فجره على أن يصحح مفاهيم أبنائه , حتى تستقيم نظرتهم إلى الأمور والواقف, ويتحد تصورهم العام للأشياء والقيم. فلم يدعهم لشطحات الفكر , ولا انحرافات الهوى , فيزيغوا عن القصد , ويضلوا عن سواء الصراط , وتتفرق بهم سبل الباطل عن سبيل الحق. ولهذا دأب القرآن , كما د أبت السنة , على تصحيح المفاهيم المغلوطة والأفكار الخاطئة, والتصورات المنحرفة , التي تشيع في أذهان الناس. * فهم بعض الأعراب أن الإذعان مجرد إعلان وتظاهر، فنزل القرآن يصحح هذا المفهوم يقول ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٢) * وأشاع بعض أهل الكتاب من اليهود: أن البر أو التقوى هو الاهتمام برسوم معينة، وشكليات خاصة، ولهذا أقاموا الدنيا وأٌقعدوها حين تحول الرسول من بيت المقدس إلى الكعبة، وجعلها الله له قبله، فنزل القرآن يبين حقيقة البر والتقوى والدين الحق فقال ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ

стр. 194

وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١) *وحسِب بعض الناس أن طريق الإيمان إلى الجنة مفروش بالأزهار والرياحين لا فتنة فيه ولا اضطهاد ولا عذاب، فنزل القرآن يدرأ هذا الوهم، ويُخَطِّئ هذا الفهم إذ يقول ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ (٢) .. ويقول ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ (٣). وهكذا ظل القرآن الكريم ٢٣ عاماً يبين الحقائق ويزيف الأباطيل، ويصحح التصورات والمفاهيم، حتى أصبحت أفكار الإسلام ومفاهيمه وتصوراته هي التي تعمل وحدها في المجتمع المسلم , مثل: فكرة الإسلام عن الإنسان , وعن الحياة والدنيا , وعن المال والغنى والفقر , وعن التدين والبر والتقوى , وعن العدل والإحسان , وعن التقدم والتأخر , وعن التحضر والتخلف , وعن الزهد والقناعة , وعن الصبر والرضا. مشاعر المجتمع المسلم. وكما تميز المجتمع المسلم بما يسوده من أفكار ومفاهيم، يتميز أيضاً بما يسوده من مشاعر وعواطف: * فهناك مجتمعات تسودها مشاعر الحقد الطبقي، أوالتمييز العنصري، أو العصبية القومية. وأما في المجتمع الإسلامي الحق فلا مجال لمشاعر الحقد والصراع بين الطبقات، ولا مشاعر الكبر والتمييز بين الأجناس والألوان. قال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (٤). لما أمرهم سبحانه بتقواه، أعقبه ببيان أن

стр. 195

الناس جميعاً أصل واحد، ونفس واحدة، وهذا أدعى للتواصل، والترابط، والتلاقي، والتعاون كما قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١). نعم يتمايز الخلق، ولكن تميزهم عن بعضهم ليس مبنياً على أجناسهم، وألوانهم، وطبقاتهم، وإنما تقواهم لله، وقيامهم بأمره، واجتنابهم لنواهيه. * وتتفاوت المجتمعات كذلك في مشاعر الولاء والعداء، وهنا نجد ولاء المجتمع المسلم للإسلام وأهله، كما أن عداءه لأعداء الإسلام ومحاربيه، وهذا مبنى على فكرة الولاء لله ورسوله، ومن اتخذ الله ولياً فقد اتخذ عدوه عدواً. قال ﵎ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (٢). وقال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٣). * والمجتمع الإسلامي يتميز بما يسوده من عاطفة الإخاء الوثيق والحب العميق بين أبنائه، قال سبحانه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٤) مهما تناءت بهم الديار، وتفرقت بهم الأوطان، واختلفت منهم الأجناس والألوان وتفاوتت بينهم المراكز والطبقات. قال تعالى ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٥) ... فامتن الله سبحانه على المسلمين بنعمة الإخاء كما امتن عليهم بنعمة الإيمان، وقال يخاطب رسوله ﵊ ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٦). " لقد كان مسجد

стр. 196

النبي ﷺ في المدينة يضم تحت سقفه أجناساً وألواناً وطبقات. ولم يشعروا بأي تفرقة أو تمايز بينهم، فكلهم إخوة، منهم الفارسي كسلمان والرومي كصهيب والحبشي كبلال، والغني كعثمان، والفقير كأبي ذر، وفيهم الأبيض والأسود، والرجل والمرأة، والضعيف والقوي، والرقيق والحر، كلهم إخوة في الإسلام، وتحت راية القرآن" (١). الأخلاق والفضائل. يتميز المجتمع المسلم أيضا بأخلاقه وفضائله. فالأخلاق والفضائل جزء أصيل من كيان هذا المجتمع , وليست من الأعراض الطارئة عليه , ولا من الأمور الهامشية في حياته , بل من الصفات الأساسية للمؤمنين المخلصين ومجتمعاتهم المسلمة. وقد تتابعت آيُ الكتاب العزيز على ذكر جُمَلٍ من الأخلاق والفضائل، التي يسعد من تحلى بها، وتزين بمعانيها في حياته، وأكتفي بذكر موضعين فقط حتى لا أخرج عن المقصود وهو الإشارة والتنبيه لمثل هذه المعاني. قال سبحانه يصف أفراد المجتمع المسلم ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٢). هؤلاء هم أولو الألباب، أهل الوفاء، والصلة، والخشية، والمراقبة، الصابرون، المُصَلُّون، المنفقون لله، حسناتهم تغلب سيئاتهم، فاستحقوا حسن العاقبة والمآل. وقال تعالى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا

стр. 197

بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (١). هؤلاء هم عباد الرحمن حقاً، عاشوا متواضعين، وعلى ربهم مقبلين، ساجدين، وقائمين، متضرعين منيبين، أهل توازن واعتدال في أحوالهم كلها، موحدون مخلصون لله، أبعد خلقه عن مخالفته وعصيانه ﷻ ، كرام لا يجهلون مع الجاهلين، ولا يخوضون مع الخائضين. وكما أبان القرآن الكريم عن مكارم الأخلاق، وحثَّ عليها، فقد نبَّه، وحذَّر من خبيثها، وكَرَّه من مساوئها، كما في المواضع التالية: قال سبحانه ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) وقال ﷻ ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (٤). وهذه خصال مرذولة، سافلة، قد نهى عنها ربنا ﵎. منها الكذب، والسخرية، والاستهزاء بالآخرين، والسب والشتم، وعيب الآخرين باللسان والإشارة، والظن السييء، والتجسس وتتبع عورات الناس، والغيبة، والكبر، والبطر، والخيلاء. وهي صفات سيئة، تقطع أوصال المجتمع، وتنشر الكراهية، والبغضاء بين الأفراد، والجماعات، ويستحيل معها التواصل بين الأفراد، ووينعدم التعاطف والتواد الذي يحتاج إليه المجتمع المسلم.

стр. 198

ومن بيان هذه الأسس، والأصول القرآنية العظيمة، لبناء المجتمع المسلم، ننتقل إلى هدف آخر من أهداف الإعلام الاجتماعي في القرآن الكريم، وهو: تنمية الحس الاجتماعي لدى أفراد المجتمع . " لا يستطيع (الإنسان) أن يعيش وحده , بل لا بد أن يتعاون مع غيره , حتى تستقيم حياته , وتتحقق مطالبه , ويستمر نوعه. وقد قال الشاعر العربي: الناس للناس من بدو وحاضرة ... بعض لبعض - وان لم يشعروا - خدم. (١) والإسلام لا يصور الإنسان وحده، إنما يصوره في مجتمع، ولهذا توجهت التكاليف إليه بصيغة الجماعة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ولم يجئ في القرآن (يا أيها المؤمن) وذلك أن تكاليف الإسلام تحتاج إلى التكاتف والتضامن في حملها والقيام بأعبائها. يستوي في ذلك العبادات والمعاملات .... وقد علَّم الإسلامُ المسلمَ أن يقول إذا ناجى ربه في صلاته: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢). فهو يتكلم بلسان الجماعة, وإن كان وحده, وكذلك إذا دعا ربه دعا بصيغة الجمع: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٣). فالجماعة حيّة في وجدانه، حاضرة على لسانه." (٤). ويتعاظم هذا الحِسُّ الاجتماعي أكثر، وأكثر، كلما ازداد المسلم نهْلاً من كتاب ربه العزيز، وفيه يقول سبحانه عن الصلاة والزكاة ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٥). ويقول تعالى في الصيام ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٦) ويقول تعالى في الحج والعمرة ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٧). فهذه الأوامر الربانية، في هذه الآيات وغيرها، كلها موجهة لعموم المكلفين فرداً فرداً، ونجدها دائماً تخاطبهم مجتمعين كوحدة واحدة، وهذا هو المراد من أفراد المجتمع المسلم، أن يكونوا دائماً

стр. 199

مستشعرين روح الجماعة، متعاونين على البر والتقوى، متعاضدين في القيام بشئون حياتهم ومجتمعاتهم. ومن أهداف الإعلام الاجتماعي في القرآن الكريم: بيان العناية القرآنية الكبيرة بالعلاقات الاجتماعية لا يتصور مجتمع بشري قائم دون حياة مشتركة بين أفراده، وتتنوع العلاقات الاجتماعية تنوعاً كبيراً بين أفراد المجتمع وقد اشتملت آيات القرآن الكريم على وصف للكثير من العلاقات الاجتماعية، توجيهاً، وتقويماً، وتوثيقاً، فقد ورد فيه: أحكام العلاقة بين الزوج والزوجة، وبين الآباء والأبناء، وبين ذوي القربى والأرحام، وبين الأغنياء والفقراء، وبين الأيتام والأوصياء، وبين الجيران، وبين الشركاء، وبين المسلمين وإخوانهم المسلمين، وبين المسلمين وغير المسلمين. ويكفي - إن شاء الله - في هذا المقام مرور سريع على مثالين اثنين من هذه العلاقات في القرآن العظيم. ففي العلاقة بين الزوج والزوجة يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٣) ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا

стр. 200

أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (٢) ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٣) ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٤) ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٥) فالمتتبع لهذه الآيات وغيرها عن علاقة الزوجين يجد وجوهاً متعددة من الإنعام، والتوجيه للمعاشرة بالمعروف، والحلول للمشكلات، حتى أحكام الوفاة والعدة والمواريث، في بيان واضح قريب يسير، ولا يُستغرب مثل هذا الاهتمام القرآني الكبير بالعلاقة بين الزوجين، فهي اللبنة الأولى في بناء المجتمع المسلم الذي يتشكل في مجمله من أُسَرٍ، تقوم على هذين الزوجين، ولذا كانت الآيات مستوعِبة، محيطة، مُعَلِّمة بكل الأسس لبناء الأسرة السعيدة، وبتفاصيل كثيرة لدقائق هذه العلاقة الطاهرة الخطيرة في بناء المجتمع المسلم.

стр. 201

ونجد في العلاقة بين الآباء والأبناء قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ (١). ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ (٢) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (٣) ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ (٤) ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٥). ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ (٦) وهذه العلاقة من أهم العلاقات في المجتمع، أحاطها الله تعالى بعنايته، لطفاً منه ورحمةً بالمجتمع المسلم، فينشأ الأبناء لدى أبوين رحيمين شغوفين بالاهتمام بالأبناء، قبل ولادتهما، وبعد ولادتهما كسوةً، وإطعاماً، وتربيةً، وتنشئةً مستقيمةً، ورعايةً، وتوجيهاً، ومن ثم يأمر الله تعالى بالإحسان

стр. 202

إليهما، ويقرن حقه تعالى بحقيهما، ويشدد على طاعتهما في غير معصية، والتلطف بهما فلا يصل لهما أي أذى ولو كلفظة أُفٍّ، ورعايتهما حال الكبر، والدعاء لهما جزاء تربيتهما لهم في الصغر. ومن أهداف الإعلام الاجتماعي في القرآن الكريم: الإعلام بأهمية القيم الإنسانية الرفيعة للمجتمع في الإسلام . القيم الإنسانية الرفيعة، التي تتطلع إليها البشرية الراقية، هي تلك التي تقوم على احترام كرامة الإنسان وحريته وحرماته، وحقوقه، وصيانة دمه وعرضه وماله وعقله ونسله، بوصفه إنساناً، وعضواً في مجتمع، وهي قيم متعددة منها العلم والعمل والحرية والإخاء والمساواة والعدالة والشورى والتكافل والتعاون وأختار من هذه القيم التي رفع الإسلام شأنها وحث عليها ثلاث قيم إنسانية كمثال على غيرها: أ- العلم العلم قيمة من القيم العليا، التي جاء بها الإسلام. والقرآن الكريم هو كتاب العلم , وأول ما نزل منه على الرسول الكريم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١). والقرآن يجعل العلم أساس التفاضل بين الناس ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢). كما يجعل أهل العلم هم الشهداء لله تعالى بالتوحيد، مع الملائكة ... ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣). وأهل العلم كذلك هم المؤهلون لخشيه الله تعالى وتقواه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (٤) وهم أهل الرفعة في الدنيا والآخرة ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٥).

стр. 203

وحسبنا من العلم " أنه الحاكم على الممالك، والسياسات، والأموال، والأقلام، فمُلْك لا يتأيد بعلم لا يقوم، وسيف بلا علم مِخْراق لاعب، وقلم بلا علم حركةُ عابث، والعلم مُسَلَّط على ذلك كله، ولا يحكم شيء من ذلك على العلم" (١). وإذا ذكر العلم فلابد من ذكر العمل فهما قرينان لا يفترقان في القرآن. ب- العمل " وهو ثمرة العلم، ولهذا قيل: علم بلا عمل، كشجر بلا ثمر .... وهو أيضا ثمرة الإيمان الحق، إذ لا يتصور إيمان بلا عمل .... فالإيمان الصادق لا بد أن يثمر عملاً. ولهذا قرن القرآن بين الإيمان والعمل في عشرات من آياته ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٢) .... ولقد بين القرآن أن الله تعالى خلق السموات والأرض، وخلق الموت والحياة، وجعل ما على الأرض زينة لها، لهدف واضح حدده بقوله سبحانه ... ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ (٣)، ومعنى هذا: أن الخالق جل شأنه لا يريد من الناس أي عمل، ولا مجرد العمل الحسن، بل يريد منهم العمل الأحسن، فالمسلم يجادل ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤)، ويدفع ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ويستثمر مال اليتيم ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فهو يرنو دائماً إلى أحسن العمل وأكمله ,وأتقنه، وأجوده" (٥). وبهذه الروح العلمية العملية عاشت مجتمعات المسلمين قروناً من العز، والسؤدد، والتقدم الحضاري، والرفاهية، حتى ضعفوا، واستكانوا، وذلوا وهانوا، وترك الكثيرون منهم العلم والعمل جميعاً، فوصلنا إلى ما وصلنا إليه في عصورنا هذه، مما لا يحتاج إلى كلام أو بيان، والله المستعان.

стр. 204

فمن أعظم الواجبات على إعلامنا الإسلامي، إحياء هذه القيم، وإعلاء مكانتها، وتربية الأبناء منذ الصغر على تعظيم العلم والعلماء، وتقدير العمل والعاملين. ومن القيم الإنسانية التي أعلاها القرآن الكريم التكافل الاجتماعي. والتكافل بين أبناء المجتمع المسلم، من أعظم مظاهر التعاون والتراحم التناصر: يبدأ هذا التكافل بين الأقارب بعضهم وبعض، كما قال الله تعالى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١). ثم تتسع دائرة هذا التكافل لتشمل الجيران وأبناء الحي الواحد في البلد الواحد، بمقتضى حق الجوار، الذي أكده الإسلام، فقال سبحانه ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (٢). ثم تتسع أكثر وأكثر بحيث تشمل الإقليم كله عن طريق الزكاة، التي تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، قال تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٣). ومنذ فجر الدعوة كان القرآن يدعو بقوة إلى هذا التكافل بجعل المجتمع كالأسرة الواحدة، يحمل فيه الغنىُّ الفقيرَ. واعتبره القرآن أمراً أساسياً من دعائم الدين، لا يحظى برضا الله من لم يقم به، ولا ينجو من عذابه من فرط فيه. ومن ذلك قوله تعالى ... ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ (٤).

стр. 205

وقوله تعالى ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (١). وأوجب سبحانه في المال حقا - أي (دَيْنَاً) - في عنق المكلفين، كما في قوله تعالى في وصف المتقين: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢). ويصف الحق بالمعلومية فيقول: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٣). ووصل الإسلام بهذه الفريضة إلى أعلى درجات الإلزام الخلقي والتشريعي، فجعلها ثالث أركان الإسلام قال الله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤). وقال ﵊ (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) (٥). وأوجب أخذها كرهاً، إن لم تدفع طوعاً، ولم يتردد في قتال من منعوها إذا كانوا ذوى شوكة وقوة. ولا يقتصر تكافل المسلمين فيما بينهم على هذا التكافل المادي، بل يتعداه ليشمل أنواعاً من التكافل المعنوي، كالصداقات بين الأفراد، وبذل النصيحة للآخرين، والمواساة في المصائب والأحزان، والتهنئة والتبريكات في الأفراح والمسرات، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضال، وقد وصف الله تعالى المؤمنين بأنهم ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٦). ووصفهم الله سبحانه بقوله ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧). واشترط تعالى على القاعدين عن الجهاد لعذر المرض او خلافه أن يكونوا من الناصحين للمسلمين فقال

стр. 206

عزَّ وجلّ ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾ (١). وهذان النوعان من التكافل يجمعهما مسمى (التكافل الاجتماعي) يتعاطف من خلاله أفراد المجتمع، وتشيع فيهم المحبة، والمودة، ويهنأ المجتمع أغنياءه وفقراءه، وتختفي الأحقاد، والإحَن، وتنمحي حوادث السلب والنهب والسرقة، ويصبح المجتمع آمناً مطمئناً، يأمن الأغنياء على ثرواتهم، ويبارك الله لهم فيها، وتسكن بلابل الفقراء فلن يضيعوا، ولن يُتْرَكوا فريسة للفقر. بهذه القيم الإنسانية الرفيعة وأخواتها يخاطب الإعلام القرآني مجتمع المؤمنين، فينير لهم دروب الفلاح والنجاح، ويضمن لهم الاستقرار، والسعادة، في حياتهم الدنيا، والفوز والنجاة في الآخرة. ومن القيم الإنسانية الرفيعة ننتقل - بعون الله وفضله - إلى مبحثنا التالي وهو

стр. 207

المبحث الثالث صور الإعلام الاجتماعي في القرآن الكريم ومن أجل توضيح توجيهات القرآن في الجانب الاجتماعي، سلك الإعلام الاجتماعي في القرآن الكريم مسالك عديدة، وتنوعت صور التعبير فيه من خلال نصوص القرآن التي تشكل مجموعة التوجيهات والأحكام الربانية في مجال العلاقات المشتركة بين الناس، والتي على نور مِنْ هُداها تقام المجتمعات، وتنعم بالاستقرار، والسعادة. ومن هذه الصور: ١ - استعمال القصص القرآني في تقرير المفاهيم وتقويم السلوك الاجتماعي . ومن هذه المفاهيم: الاهتمام بتربية الأباء لأبنائهم على التوحيد وطاعة الله ومكارم الأخلاق. والنشء مستقبل الأمة الواعد، إن أحسنت إعداده، ولذلك اهتم القرآن بهذه الطائفة من المجتمع، وخصَّها بمزيد عناية ورعاية، كي تنشأ مستقيمة، واعية بدينها ودنياها. ويظهر هذا المعنى جلياً واضحاً في قصة لقمان وتوجيهاته السامية النفيسة لابنه حيث يقول رب العالمين سبحانه ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (١). ففي القصة توجيهات غالية، تبدأ بتوحيد الله والنهي عن الشرك، ثم تذكر حق الوالدين، والإحسان إليهما، ومعاملتهما بالمعروف، ثم توجيه شريف، بدوام مراقبة الله سبحانه، الذي لا يخفى عليه أي شيء، ثم أمر بالصلاة، والأمر بالمعروف

стр. 208

والنهي عن المنكر، مع الصبر على الأذى، ثم توجيه بالتواضع، وترك الكبر والخيلاء، والتوسط في المشي، والتأدب بخفض الصوت في الخطاب مع الآخرين. ومن هذه المعاني أدب الأبناء مع الآباء، والتعبد لله بطاعتهم وبرهم، والنصح لهم. وهذا الأمر من السلوكيات البارزة التي حث عليها القرآن. وظهر هذا المعنى في قصة إبراهيم ﵇ مع أبيه في سورة مريم حين يدعوه إلى الله، متلطفاً به، صابراً على جفائه، وقد حكى القرآن هذا المشهد في قوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ (١). بمثل هذا اللطف والأدب يكون خطاب الولد لوالده، ولو كان أعلم، وأرفع مكانة، لكنه المقام الذي لا يمكن تجاوزه بحال، ويظهر ذلك من خلال تكرار ﴿يَاأَبَتِ﴾ في الخطاب الإبراهيمي لأبيه، وفيه تحنن، وترفق، واستمالة للقلوب. وفي نفس المعنى يبرز موقف إسماعيل ﵇ حين قصَّ عليه أبوه إبراهيم ﵉ ما يرى في نومه، من أنه يذبحه، فلم يكن منه معارضة أو تلكؤ بل سارع لطاعة ربه، وإعانة أبيه على الطاعة أيضا، واستسلم لأبيه، مستلقياً على وجهه، في مشهد لم تر عين الزمان له مثيلاً. يقول الله تعالى ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٢).

стр. 209

ومما جاء في قصص القرآن من معاني وسلوكيات اجتماعية: أدب الخطاب، وقبول اعتذار المخطئين. وفي هذا السياق " تجيء قصة يوسف مع إخوته في مشهدها الأخير فرغم ظلمهم له وعدوانهم عليه، وتفريقهم بينه وبين أبيه وأخيه ورميهم له في الجُبِّ إلا أنه ﵇ كان على الغاية من سمو الخطاب، ودقة الكلمات، والتواضع الذي قبل معه اعتذار إخوانه، بل دعاهم وأهلهم للمجيء لمصر، والإقامة فيه. يقول الله تعالى ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ (١). فتضمنت الآيات أموراً عديدة من أدب الخطاب وغيره منها الإشارة إلى أعمالهم السيئة بلفظ مجمل ﴿مَا فَعَلْتُمْ﴾ من دون تفصيل. اعتذاره عنهم بقوله ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ وفيه التماس المعاذير للمخطئين. تواضعه في قوله ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ ولم يقل لقد اتقيتُ وصبرتُ.

стр. 210

قبول اعتذار المخطئين في قوله ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾. السمو فوق الآلام بالدعاء لمن أساء إليه في قوله ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾. طي صفحة الماضي بقوله ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. تعظيم الوالدين في قوله ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ وقوله ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾. التلطف في القول في قوله ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ كناية عن الفقر. حسن العبارة في قوله ﴿نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ فذكر نفسه أولاً مع نزغ الشيطان، مع أنه لم يكن منه شيء تجاه إخوانه، وفيه رفع للحرج عنهم. وما أحوج المجتمعات الإسلامية إلى مثل هذا الأدب الرفيع، والتحلي بتلك الأخلاق العالية، لما فيه من جمع للكلمة، وتأليف للقلوب، وتصفية للنزاعات وإطفاءً لنار العداوة بين أفراد المجتمع ومن المعاني الاجتماعية الواردة في قصص القرآن الكريم: الاهتمام باختيار الزوج الصالح ذي الأخلاق الحسنة. عَظَّمَ القرآن الكريم شأن الزواج، وجعله نعمة من النعم الجليلة، وآية من آياته سبحانه في الخلق فقال تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ (١). وأول خطوات هذا الزواج وأخطرها، اختيار الطرف الآخر، والذي يكون شريك الحياة، ولذلك يجب أن يكون الاختيار بعناية، وأن يكون المُخْتار من ذوي الاستقامة، متمتعاً بالإخلاق الطيبة، كي تدوم هذه العلاقة الأساسية في المجتمع. ويبدو هذا الأمر واضحاً جلياً في سياق قصة موسى ﵇ في مدين مع العبد الصالح، والذي رأى في موسى ﵇، الرجل الكفء الأمين، فما كان منه إلا أن عرض عليه تزويجه من ابنته بلا تردد. قال الله تعالى ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ

стр. 211

الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ (١). لقد كان كليم الله موسى ﵇، رجلاً شجاعاً قوياً، صاحب نجدة، لا يتأخر عن مساعدة الآخرين، وها هو يُعين المرأتين ويسقي لهما، بدون مقابل مع حاجته، وقد رأت المرأتان ذلك فحكيا لأبيهما، الذي أرسل ابنته تدعوه للقائه، فرأت من عفته وأمانته ما جعلها تطلب من والدها استئجار الرجل القوي الأمين، وكان الأب حاذقاً فعلم إعجاب بنته بموسى ﵇، وعلم صدق موسى فيما قص عليه، فبادر - وهو الأب الناصح - بطلب تزويجه بابنته، كسباً للرجل الأمين، في مثل أخلاق موسى ﵇، الذي يثق في رعايته وحفاظه على ابنته. وغالب الزيجات الفاشلة في مجتمعات المسلمين، ترجع إلى سوء اختيار الزوج أو الزوجة، مما يترتب عليه مشاكل بين الزوجين، بل بين العائلتين، وما يصحبه من خلافات، وعداوات، وانفصال، وطلاق، وتفكك أسري، وضياع للأولاد .... إلخ. ومن المعاني الاجتماعية الواردة في قصص القرآن الكريم: تطهير المجتمع من الأمراض السلوكية والمنكرات الظاهرة. لا نغالي إذا قلنا: إن قصص القرآن الكريم كله يهدف إلى تأصيل هذا المعنى، والقيام بهذا الواجب، فلو ذهبنا نستعرض قصص القرآن العظيم لهذا الغرض لطال البحث ولم ننته بعد، ولكن نكتفي هنا بذكر مثالين أو ثلاثة للدلالة على العنوان.

стр. 212

فمن الأمراض السلوكية والمنكرات الظاهرة التي تأباها الفطر السليمة، والطباع المستقيمة، عمل قوم لوط (الشذوذ الجنسي). يقول سبحانه ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾ (١). ومن الأمراض السلوكية والمنكرات الظاهرة، ما دأب عليه أهل مدين من تطفيف الموازين، والغش في المعاملات. قال سبحانه ... ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾ (٢). ومن الأمراض السلوكية والمنكرات الظاهرة، ما كان من أصحاب السبت واحتيالهم على أمر الله، قال سبحانه ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى

стр. 213

رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ (١). وفي المواضع الثلاثة السابقة، قيض الله تعالى، من يقوم لوجه الله ناصحاً، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويصبر على ما يواجهه من جحود وإنكار، وإجرام وعصيان، حتى يأتيه وعد الله، بحسن العاقبة للمؤمنين، القائمين على حراسة الفضيلة في المجتمع. ولإعلامنا الإسلامي من قصص القرآن الكريم، ينبوع فيَّاض، بالدروس والعبر، والتوجيه والإرشاد في شتى المجالات، فقط تتجه الأبصار والعزائم، نحو الكتاب العزيز، فترجع - بإذن الله تعالى - بكل خير، وتفوز بالحسنى. ومن الاعتماد على القصص القرآني في تقرير المفاهيم وتقويم السلوك الاجتماعي ننتقل إلى وسيلة أخرى من طرق الإعلام الاجتماعي في القرآن الكريم لتوصيل رسالته لعموم المؤمنين وهي: ٢ - تنويع الخطاب لا يفوت القارئ المتدبر - الذي يقرأ القرآن على مكث - هذا التنوع والتغير المستمر في أسلوب توجيه الخطاب؛ فالقرآن لا يجري على نسق واحد من أسلوب الخطاب؛ بل يتبدل أسلوب خطابه أولا بأول تبعا للسياق، بما يلائم المعنى وطبيعة المخاطبين والتأثير المراد. والمتتبع للخطاب القرآني الاجتماعي، يجد أنه يأتي على أنواع عديدة منها: استخدام أسلوب النداء في توجيه وتصحيح السلوك الاجتماعي. يأتي النداء الإلهي للمؤمنين في القرآن الكريم ليأمرهم بما فيه خيرهم أو ينهاهم عما هو شر لهم، وسر نداء الله تعالى لعباده بوصف الإيمان، هو أنهم بإيمانهم الحق أحياء يسمعون ويعقلون، ويقدرون على الفعل والترك. وقد جاء استخدام هذا الأسلوب في مواضع كثيرة في القرآن العظيم، نورد منها مثالين أو ثلاثة فيما يأتي: توجيه العلاقة بين المسلمين، وشركائهم في المجتمع من غير المسلمين.

стр. 214

قال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)﴾ (١). وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾ (٢). ويقول ﵎ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (٣). ويقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤). وقال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥). لهذه النداءات المتكررة أثر عظيم في أسماع أهل الإيمان، تنبيهاً، وتحفيزاً للمبادرة بالامتثال والتطبيق، وفي الآيات تحذير للمؤمنين من طاعة وموالاة بعض أهل الكتاب، أو الكفار الحاقدين على المسلمين، المغتاظين من ظهور وانتشار الإسلام، فربما جروهم للكفر بعد الإيمان، ويحرم سبحانه على المؤمنين اتخاذ بطانة من غير المسلمين يطلعونهم على بواطن الأمور، وأسرار دولتهم، فإنهم لا يدخرون جهداً في إفساد المسلمين وصرفهم عن دينهم. ولا شك أن وضع مثل هذه الحدود في العلاقات مع غير المسلمين، يحفظ على المسلمين استقلاليتهم، ويصون مجتمعاتهم من المخططات الخبيثة، والمكر السييء. ولا ينافي هذا أبداً، الأمر بحسن معاملتهم، والإنصاف، والعدالة معهم في المجتمع المسلم، قال الله تعالى ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٦). فإن هذا لابد منه، للتعايش بسلام، وتبادل المنافع، وحصول التراضي في المعاملات، وأدعى لقبولهم الدعوة للإسلام.

стр. 215

ومن استخدامات أسلوب النداء في توجيه السلوك الاجتماعي آداب الاستئذان وهو على نوعين: أ- الاستئذان لدخول بيوت الناس في أي وقت، وفيه يقول الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾ (١). ب_ استئذان الخدم والأطفال للدخول على أهل البيت في أوقات محددة، وفيه يقول سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)﴾ (٢). وفي الموضعين السابقين، ينادي الله تعالى عباده بمسمى الإيمان، تشريفاً لهم وتنبيهاً إلى مقتضيات هذا الإيمان من سرعة الاستجابة والطاعة مع الانقياد والتسليم لأحكامه سبحانه، والتي تشتمل على أحكام إلهية تحفظ لهم حرماتهم، بعيداً عن الريبة والشر، وتصونها من المفاسد. ومن استخدامات أسلوب النداء في تقويم السلوك الاجتماعي التثبت في جميع الأمور، ومحاربة الإشاعات. قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ
следующие страницы →