← Общие книги

Общие книги · id 96238

صور الإعلام الإسلامي في القرآن الكريم - دراسة في التفسير الموضوعي

عاطف إبراهيم المتولي

Полный текст (355 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ (١). لقد كان كليم الله موسى ﵇، رجلاً شجاعاً قوياً، صاحب نجدة، لا يتأخر عن مساعدة الآخرين، وها هو يُعين المرأتين ويسقي لهما، بدون مقابل مع حاجته، وقد رأت المرأتان ذلك فحكيا لأبيهما، الذي أرسل ابنته تدعوه للقائه، فرأت من عفته وأمانته ما جعلها تطلب من والدها استئجار الرجل القوي الأمين، وكان الأب حاذقاً فعلم إعجاب بنته بموسى ﵇، وعلم صدق موسى فيما قص عليه، فبادر - وهو الأب الناصح - بطلب تزويجه بابنته، كسباً للرجل الأمين، في مثل أخلاق موسى ﵇، الذي يثق في رعايته وحفاظه على ابنته. وغالب الزيجات الفاشلة في مجتمعات المسلمين، ترجع إلى سوء اختيار الزوج أو الزوجة، مما يترتب عليه مشاكل بين الزوجين، بل بين العائلتين، وما يصحبه من خلافات، وعداوات، وانفصال، وطلاق، وتفكك أسري، وضياع للأولاد .... إلخ. ومن المعاني الاجتماعية الواردة في قصص القرآن الكريم: تطهير المجتمع من الأمراض السلوكية والمنكرات الظاهرة. لا نغالي إذا قلنا: إن قصص القرآن الكريم كله يهدف إلى تأصيل هذا المعنى، والقيام بهذا الواجب، فلو ذهبنا نستعرض قصص القرآن العظيم لهذا الغرض لطال البحث ولم ننته بعد، ولكن نكتفي هنا بذكر مثالين أو ثلاثة للدلالة على العنوان.

стр. 212

فمن الأمراض السلوكية والمنكرات الظاهرة التي تأباها الفطر السليمة، والطباع المستقيمة، عمل قوم لوط (الشذوذ الجنسي). يقول سبحانه ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾ (١). ومن الأمراض السلوكية والمنكرات الظاهرة، ما دأب عليه أهل مدين من تطفيف الموازين، والغش في المعاملات. قال سبحانه ... ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾ (٢). ومن الأمراض السلوكية والمنكرات الظاهرة، ما كان من أصحاب السبت واحتيالهم على أمر الله، قال سبحانه ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى

стр. 213

رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ (١). وفي المواضع الثلاثة السابقة، قيض الله تعالى، من يقوم لوجه الله ناصحاً، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويصبر على ما يواجهه من جحود وإنكار، وإجرام وعصيان، حتى يأتيه وعد الله، بحسن العاقبة للمؤمنين، القائمين على حراسة الفضيلة في المجتمع. ولإعلامنا الإسلامي من قصص القرآن الكريم، ينبوع فيَّاض، بالدروس والعبر، والتوجيه والإرشاد في شتى المجالات، فقط تتجه الأبصار والعزائم، نحو الكتاب العزيز، فترجع - بإذن الله تعالى - بكل خير، وتفوز بالحسنى. ومن الاعتماد على القصص القرآني في تقرير المفاهيم وتقويم السلوك الاجتماعي ننتقل إلى وسيلة أخرى من طرق الإعلام الاجتماعي في القرآن الكريم لتوصيل رسالته لعموم المؤمنين وهي: ٢ - تنويع الخطاب لا يفوت القارئ المتدبر - الذي يقرأ القرآن على مكث - هذا التنوع والتغير المستمر في أسلوب توجيه الخطاب؛ فالقرآن لا يجري على نسق واحد من أسلوب الخطاب؛ بل يتبدل أسلوب خطابه أولا بأول تبعا للسياق، بما يلائم المعنى وطبيعة المخاطبين والتأثير المراد. والمتتبع للخطاب القرآني الاجتماعي، يجد أنه يأتي على أنواع عديدة منها: استخدام أسلوب النداء في توجيه وتصحيح السلوك الاجتماعي. يأتي النداء الإلهي للمؤمنين في القرآن الكريم ليأمرهم بما فيه خيرهم أو ينهاهم عما هو شر لهم، وسر نداء الله تعالى لعباده بوصف الإيمان، هو أنهم بإيمانهم الحق أحياء يسمعون ويعقلون، ويقدرون على الفعل والترك. وقد جاء استخدام هذا الأسلوب في مواضع كثيرة في القرآن العظيم، نورد منها مثالين أو ثلاثة فيما يأتي: توجيه العلاقة بين المسلمين، وشركائهم في المجتمع من غير المسلمين.

стр. 214

قال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)﴾ (١). وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾ (٢). ويقول ﵎ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (٣). ويقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤). وقال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥). لهذه النداءات المتكررة أثر عظيم في أسماع أهل الإيمان، تنبيهاً، وتحفيزاً للمبادرة بالامتثال والتطبيق، وفي الآيات تحذير للمؤمنين من طاعة وموالاة بعض أهل الكتاب، أو الكفار الحاقدين على المسلمين، المغتاظين من ظهور وانتشار الإسلام، فربما جروهم للكفر بعد الإيمان، ويحرم سبحانه على المؤمنين اتخاذ بطانة من غير المسلمين يطلعونهم على بواطن الأمور، وأسرار دولتهم، فإنهم لا يدخرون جهداً في إفساد المسلمين وصرفهم عن دينهم. ولا شك أن وضع مثل هذه الحدود في العلاقات مع غير المسلمين، يحفظ على المسلمين استقلاليتهم، ويصون مجتمعاتهم من المخططات الخبيثة، والمكر السييء. ولا ينافي هذا أبداً، الأمر بحسن معاملتهم، والإنصاف، والعدالة معهم في المجتمع المسلم، قال الله تعالى ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٦). فإن هذا لابد منه، للتعايش بسلام، وتبادل المنافع، وحصول التراضي في المعاملات، وأدعى لقبولهم الدعوة للإسلام.

стр. 215

ومن استخدامات أسلوب النداء في توجيه السلوك الاجتماعي آداب الاستئذان وهو على نوعين: أ- الاستئذان لدخول بيوت الناس في أي وقت، وفيه يقول الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾ (١). ب_ استئذان الخدم والأطفال للدخول على أهل البيت في أوقات محددة، وفيه يقول سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)﴾ (٢). وفي الموضعين السابقين، ينادي الله تعالى عباده بمسمى الإيمان، تشريفاً لهم وتنبيهاً إلى مقتضيات هذا الإيمان من سرعة الاستجابة والطاعة مع الانقياد والتسليم لأحكامه سبحانه، والتي تشتمل على أحكام إلهية تحفظ لهم حرماتهم، بعيداً عن الريبة والشر، وتصونها من المفاسد. ومن استخدامات أسلوب النداء في تقويم السلوك الاجتماعي التثبت في جميع الأمور، ومحاربة الإشاعات. قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ

стр. 216

كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١) " يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا خرجوا جهادًا في سبيله وابتغاء مرضاته أن يتبينوا ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة. فإن الأمور قسمان: واضحة وغير واضحة. فالواضحة البيِّنة لا تحتاج إلى تثبت وتبين، لأن ذلك تحصيل حاصل. وأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين، ليعرف هل يقدم عليها أم لا؟ فإن التثبت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف لشرور عظيمة، ما به يعرف دين العبد وعقله ورزانته" (٢)، وقال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ (٣)."وهذا أيضًا، من الآداب التي على أولي الألباب، التأدب بها واستعمالها، وهو أنه إذا أخبرهم فاسق بخبر أن يتثبتوا في خبره، ولا يأخذوه مجردًا، فإن في ذلك خطرًا كبيرًا، ووقوعًا في الإثم .... بل الواجب عند خبر الفاسق، التثبت والتبين، فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه، عمل به وصدق، وإن دلت على كذبه، كذب، ولم يعمل به، ففيه دليل، على أن خبر الصادق مقبول، وخبر الكاذب، مردود، وخبر الفاسق متوقف فيه كما ذكرنا " (٤). وفي مثل هذا المعنى جاء قوله تعالى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ (٥) " هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق. وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها .... وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين

стр. 217

سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيُقْدِم عليه الإنسان؟ أم لافيحجم عنه؟ " (١) ومن أنواع خطاب الإعلام الاجتماعي في القرآن الكريم إيراد التساؤلات والإجابة عليها في مجال العلاقات الاجتماعية. وهذا الأسلوب في الخطاب من أشدها لفتاً للانتباه، وتأثيراً في الأذهان، واستثارة لعقول السامعين، فتتطلع النفوس لمعرفة الإجابات الربانية، على التساؤلات البشرية. ومن هذه المواضع في القرآن: بيان المواقيت المعتمدة في المجتمع المسلم ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٢) " أي: جعلها الله تعالى بلطفه ورحمته على هذا التدبير ..... , ليعرف الناس بذلك مواقيت عباداتهم من الصيام, وأوقات الزكاة, والكفارات .... ولما كان الحج يقع في أشهر معلومات, ويستغرق أوقاتا كثيرة قال: (وَالْحَجِّ) وكذلك تعرف بذلك, أوقات الديون المؤجلات, ومدة الإجارات, ومدة العدد والحمل, وغير ذلك مما هو من حاجات الخلق، فجعله تعالى, حسابا, يعرفه كل أحد, من صغير, وكبير, وعالم, وجاهل " (٣). ... ومن هذه المواضع في القرآن: بيان أوجه النفقة المشروعة يقول تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٤).

стр. 218

لما سألوا عن النفقة، أجابهم سبحانه فقال: " (قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ) أي: مال قليل أو كثير, فأولى الناس به وأحقهم بالتقديم, أعظمهم حقا عليك, وهم الوالدان الواجب برهما, والمحرم عقوقهما، ومن أعظم برهما, النفقة عليهما, ومن أعظم العقوق, ترك الإنفاق عليهما، ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة, على الولد الموسر، ومن بعد الوالدين الأقربون, على اختلاف طبقاتهم, الأقرب فالأقرب, على حسب القرب والحاجة, فالإنفاق عليهم صدقة وصلة، (وَالْيَتَامَى) وهم الصغار الذين لا كاسب لهم, فهم في مظنة الحاجة لعدم قيامهم بمصالح أنفسهم, وفقد الكاسب, فوصى الله بهم العباد, رحمة منه بهم ولطفا، (وَالْمَسَاكِينِ) وهم أهل الحاجات, وأرباب الضرورات الذين أسكنتهم الحاجة, فينفق عليهم, لدفع حاجاتهم وإغنائهم. (وَابْنَ السَّبِيلِ) أي: الغريب المنقطع به في غير بلده, فيعان على سفره بالنفقة, التي توصله إلى مقصده. ولما خصص الله تعالى هؤلاء الأصناف, لشدة الحاجة, عمم تعالى فقال: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) من صدقة على هؤلاء وغيرهم, بل ومن جميع أنواع الطاعات والقربات, لأنها تدخل في اسم الخير، (فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) فيجازيكم عليه, ويحفظه لكم, كل على حسب نيته وإخلاصه, وكثرة نفقته وقلتها, وشدة الحاجة إليها, وعظم وقعها ونفعها " (١). ومن هذه المواضع في القرآن: العلاقة بين الزوجين (بيان حرمة إتيان الحائض أثاء حيضتها) يقول جلَّ وعلا ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٢). لما سألوا عن المحيض، أخبرهم تعالى أن الحيض أذى, فالواجب الامتناع عن الجماع، حَتَّى ينقطع الدم, فإذا انقطع الدم, وجب الاغتسال قبل أن يغشاها زوجها. " ولما كان هذا المنع لطفا منه تعالى بعباده, وصيانة عن الأذى قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) أي: من ذنوبهم على الدوام (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) أي: المتنزهين عن الآثام

стр. 219

وهذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس والأحداث. ففيه مشروعية الطهارة مطلقا, لأن الله يحب المتصف بها, ولهذا كانت الطهارة مطلقا, شرطا لصحة الصلاة والطواف, وجواز مس المصحف، ويشمل التطهر المعنوي عن الأخلاق الرذيلة, والصفات القبيحة, والأفعال الخسيسة " (١). ومن مواضع إيراد التساؤلات والإجابة عنها في القرآن: بيان حِلُّ الطيبات والصيد وذبائح أهل الكتاب والزواج من نسائهم يقول تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) فأحلَّ الله تعالى لهم كل ما فيه نفع أو لذة, من غير ضرر بالبدن ولا بالعقل، ويدخل في ذلك جميع الحبوب والثمار، وبهيمة الأنعام، وصيد البحر .... كما أباح لهم ما لم يذكوه مما صادته الجوارح المعلَّمة، وزادهم سبحانه بحِلِّ ذبائح أهل الكتاب، وحل التزوج من نسائهم المحصنات. ومن أنواع خطاب الإعلام الاجتماعي في القرآن الكريم استعمال أساليب الأمر والنهي لضبط العلاقات الاجتماعية. وقد جاء هذا الأسلوب بكثرة ووفرة في آيات القرآن الكريم فمنه: الأمر بالحرص والتمسك بالجماعة الواحدة قال الله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ (٣)

стр. 220

ونهى عن الفرقة وحذر من تداعياتها على المجتمع فقال سبحانه ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ (١) وقال تعالى ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ (٢) وأمر بإصلاح ذات البين ونهى عن كل ما يؤدي للخلاف وقطع العلاقات وإفساد ذات البين فقال ﵎ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ (٣) ورغب القرآن في التحلي بالأخلاق الحسنة، التي تقوي علاقات الأفراد بالأفراد، والمجتمعات بمثيلاتها من التجمعات البشرية، وفي هذه المعاني يقول الحق تعالى، عن النفوس الكريمة، السخية، والحليمة ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ (٤) ويأمر سبحانه بالعفو والمعروف والإعراض عن الجاهلين فيقول تعالى ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (٥) ويسرد لنا أوصاف المهديين من عباده ويرغب في العفو والصفح والصبر والمغفرة والتسامح فيقول جل شأنه ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ (٦)

стр. 221

ويمدح رسوله ﵊، الصادق المصدوق، وأبا بكر الصديق، وهما قدوة أهل الإيمان فيقول جل وعلا ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ (١) ويأمر بالعدل والصلة والإحسان وينهى عن الآثام والفواحش فيقول تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ (٢) وهذه وصية جامعة، ودستور شامل، يكفل الاستقرار والهناء، للأفراد والمجتمعات التي تعيش على نور من تعاليمها، وتهتدي بأخلاقها المرضية في حياتها يقول تعالى ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ (٣) فتضمنت هذه الوصية التكافل الاجتماعي بين الفرد وأقاربه، والمجتمع كله، والتوجيه بترك التبذير والبخل، ونهت الآيات عن آفات سلوكية من قتل للنفس التي حرم الله إلا بالحق،

стр. 222

ومقاربة الزنا، وأكل أموال اليتامى ظلماً، والغش، والتطفيف في الموازين، والتعالم والكذب، والفخر والخيلاء. النهي عن جعل اليمين مانعاً من الخير إن كان غيرها خيراً منها قوله تعالى ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). فليس لمؤمن صادق، أن يجعل من يمينه مانعاً له عن الخير، والبر، ولكن إن حلف على شيء ثم رأى غيره خيراً منه، وأحسن في المعاملة، بادر لما هو خير وكفَّر عن يمينه. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) (٢).ولا يخفى ما في هذا الأمر من التيسير على المكلفين، والحث على العمل الصالح، والأثر الكبير على دوام علاقات الناس، وتوثيقها، ونشر للألفة والمودة، وحسم لمادة الخلاف والشقاق، والتهاجر بين أفراد المجتمع. وفي الطلاق، وهو قطع للعلاقة الزوجية، أُحِيطَ بتوجيهات عديدة منها: نهى المطلقات عن كتم الحمل فقال تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣). نهى المُطَلِّقين عن أخذ مال عند الفراق، وعن تعدي حدود الله ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٤).

стр. 223

نهى المُطَلِّقين عن الإضرار بالمرأة فقال تعالى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (١) نهى عن إعضال المرأة وهو حبسها عن النكاح فقال تعالى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وفي الصدقة وهي إحدى صور التكافل جاءت توجيهات عدة منها: النهي عن المنِّ بالصدقة والأذي قال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (٣) النهي عن الإنفاق من الخبيث الرديء من المال قال الله تعالى ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٤) وفي شأن المرأة، جاءت آيات متكاثرة، لضبط مكانتهن في المجتمع، منها: لباس المرأة المسلمة، عفة وستر، وصيانة للحرمات قال الله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥)

стр. 224

التخفيف في أحكام القواعد من النساء بلا تبرج قال سبحانه ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) توجيهات سلوكية داخل وخارج البيت للمرأة قال سبحانه ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾ (٢). وإذ يسَّر الله لنا التعرض لبعض أدوات الأسلوب الإنشائي نقف هنيهة على الأسلوب الآخر، من أساليب البيان، وهو: الأسلوب الخبري المعتمد على تكرار الحقائق والمبادئ وهو في القرآن الكريم مَدَدٌ لا ينقطع من رب العالمين سبحانه لعباده المؤمنين، يمدهم فيه بالأسس، والأصول، والمفاهيم، تعليماً، وتثبيتاً، وتوجيهاً، في مختلف أوجه العلاقات الإنسانية، ومنها العلاقات الاجتماعية، والتي أورد فيما يلي ثلاثاً منها كمثال فقط. ومن هذه الحقائق والقيم: التعددية في المجتمع المسلم، وقبول الآخر، والتعايش على حدود العدل والإنصاف يقول تعالى ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ (٣) ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ (٤)

стр. 225

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) ويقول سبحانه ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢) ويقول ﷻ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ (٣) ومن هذه الحقائق والقيم العدالة بين الرجل والمرأة في التكاليف، والجزاء - آثرت لفظ العدالة هنا على لفظ المساواة، لاعتقادي أن الشرع المطهر لم يسوِ بينهما، بل أقام علاقتهما ومكانتهما في المجتمع، على العدل الإلهي، فلا تُظلم المرأة، أو يهضم حقها، ودليل فهمي هذا قوله جل وعلا على الرجل والمرأة عامة ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ (٤). وقوله سبحانه عن العلاقة بين الرجل وزوجه ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٥) ... . وأيضاً قوله تعالى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (٦) ... -. وأما العدالة بين الرجل والمرأة في التكاليف، والجزاء فكثير جداً في القرآن كما في المواضع التالية: قال الله تعالى ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٧). وقال سبحانه ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ

стр. 226

وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). وقال ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ (٢) وقال سبحانه ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ (٣). فكل هذه الآيات تبين بجلاء، أن النساء شقائق للرجال، وشريكات لهم في العمل الصالح، لا يتعدى على حقوقهم أحد، ولا يضيع لهم عمل، ويوفون أجورهم بأحسن ما كانوا يعملون. ومن هذه الحقائق والقيم حفظ الضروريات الخمس وتشريع الحدود: لتشريع الحدود، حكم إلهية عظيمة، منها ردع الجاني وإصلاحه، وإقامة العدل في الأرض، والحفاظ على الضروريات الخمس (الدين والنفس والعقل العرض والمال) التي أقرتها الشريعة الإسلامية، وهذا التشريع من أعظم عوامل حفظ التوازن الاجتماعي، وضبط العلاقات بين الأفراد،. ومن هذه الحدود لحفظ النفوس: حد قتل العمد قال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤). وكان العرب يقولون: القتل أنفى للقتل.

стр. 227

فجاء القرآن الكريم بهذه الآية المعجزة البليغة، ليبين أن إيقاع القصاص على القاتل فيه حياة لباقي أفراد المجتمع، حيث يرى الناس ما حل بالقاتل من القصاص فيرتدعون، ويتوقفون عن تعديهم على النفوس البشرية، فيحيى الناس آمنون مطمئنون. ومن هذه الحدود: حد الحرابة لضمان أمن المجتمع، بحفظ ممتلكاته، وطرقه من المفسدين يقول سبحانه ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ (١). ولا أعلم في العقوبات الشرعية المقررة على أهل الجنايات أشد من هذه العقوبات، وذلك لعظم جنايتهم على النفوس والممتلكات، وما يبثونه من حالات الترويع والفزع وعدم الاستقرار في المجتمع، فكان العقاب مقابلاً للجناية، شدةً بشدةٍ، وعِظَماً بعِظَمٍ. ومن هذه الحدود المشروعة: حد السرقة لحفظ الأموال، والممتلكات قال ﷻ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). وهذه جناية أخرى تسبب الفوضى في المجتمع، وانعدام الأمن، إضافة الى كونها مصادرة لجهود الآخرين وعدواناً على حقوقهم، فأمر الربُّ ﷻ بقطع العضو الذي صدرت منه الجناية وهو اليد، وهذا كله احتياطاً لحقوق العباد، وحفظاً للأموال. ومن هذه الحدود المشروعة، حد الزنا حسماً للانحراف الخلقي، ولحفظ الأنساب وفيه يقول سبحانه ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ (٣). فيجلد البكر مائة جلدة، ويُغَرَّب عاماً، ويرجم المحصن حتى الموت، وينفذ الحد - إن ثبت - لا يوقفه ولا يعطله شيء، ينفذ وسط شهود من الناس، إقامة لحدود الله، وردعاً وزجراً للمنحرفين، وصيانة للأعراض والأنساب.

стр. 228

ومن هذه الحدود: حد قذف المحصنات لحفظ الأعراض وفيه يقول ﵎ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ (١). والجلد أيضاً عقوبة أهل الفِرَى، الذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا من الفاحشة، يجلدون قطعاً لقالة السوء عن المجتمع، وتطهيراً له من تقاذف السفهاء لأعراض الأبرياء الطاهرين. بهذه العقوبات القرآنية، وما ثبت في السنة المطهرة من قتل المرتد حفظاً للدين، وجلد شارب الخمر، حفظاً للعقل، يتحقق حفظ الضرورات الخمس: دين الإنسان، ونفسه، وعقله، وعرضه، وماله. وبحفظ الضرورات الخمس، يتوفر للناس خير مناخ، يستطيعون فيه بناء مجتمعاتهم، وتقوية علاقاتهم الاجتماعية، بمنأى عن هواجس الخوف والهلع من عدوان المعتدين، وأمن واطمئنان على سلامة أنفسهم وعقولهم، وعفة وطهارة مجتمعهم من فساد المفسدين، وأقوال المفترين. وأجدني وأنا أكتب هذه الكلمات، أقول في نفسي متمنياً راجياً: أفلا يأتي يوم نحيا - وأمتنا - حياة إسلامية، قرآنية، ربانية. وأرجع أردد قول رب العالمين ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (٢). فاللهم أبرم لهذه الأمة عهد رشد، يُحْكَم فيه بكتابك العظيم، وسنة النبي الكريم، عليه أتم الصلوات والتسليم. وبحفظ التوازن الاجتماعي، نختم - بفضل الله - هذا الفصل، ومنه ننتقل إلى الفصل الخامس عن الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم، ومن الله أستمد العون، وعليه اتكالي لا إله غيره.

стр. 229

الفصل الخامس صور الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم

стр. 230

المبحث الأول تعريف الإعلام الاقتصادي كمثله من المصطلحات لابد لنا من التوقف للتعرف على معناه، وقد مربنا تعريف الإعلام، فنقف مع تعريف الاقتصاد ومن ثَمَّ الإعلام الاقتصادي. المطلب الأول تعريف الاقتصاد لغة: قال الجوهري: "والقصد: بين الإسراف والتقتير. يقال: فلان مقتصد في النفقة. وقوله تعالى: ﴿واقصد في مشيك﴾. واقصد بذَرْعك: أي ارْبَعْ على نفسك. والقصد: العدل" (١). وقال الفيروزآبادي: "القصد: استقامة الطريق، والاعتماد ........ ، وضد الإفراط، كالاقتصاد .......... ، و_: العدل" (٢). جاء في المعجم الوسيط: "قَصَدَ الطريق قصداً: استقام .......... ، و_ في الأمر: توسط لم يُفْرِط ولم يُفَرِّط. و_ في الحكم: عدَلَ ولم يَمِل ناحية. و_ في النفقة: لم يُسْرِف ولم يَقْتُر. و_ في مشيه: اعتدل فيه " (٣). خلاصة التعريف اللغوي: أن الاقتصاد لغة: دائر في استعماله حول معاني الاستقامة والاعتدال والتوسط في جميع استخداماته، فهو لوصف الطرق، والمناهج استقامة، وعدالة، وللأشخاص، والتصرفات وسطية، واعتدال. المطلب الثاني: تعريف الاقتصاد اصطلاحاً: لعلم الاقتصاد تعريفات كثيرة، ومن أشهر التعريفات الغربية للاقتصاد أنه: " علم اجتماعي موضوعه الإنسان، ذو الإرادة، يهدف إلى دراسة العلاقة بين الحاجات المتعددة، والموارد المحدودة بغرض تحقيق أكبر قدر ممكن من إشباع الحاجات، عن طريق الاستخدام الكفء للموارد المتاحة، مع العمل على إنمائها بأقصى طاقة ممكنة" (٤).

стр. 231

وقفة مع التعريف السابق: توقف الباحث كثيراً عند تعريفات هؤلاء الغربيين (١)، وإصرارهم على كون سبب المشكلات الاقتصادية، ندرة أو محدودية الموارد في مواجهة تعدد الحاجات، وهذا - فيما يبدو لي - خطأ فادح، وخلل رئيس في التصور لسبب المشكلة، فالموارد أبداً لم تكن يوما محدودة، ولا نادرة. فما استدعى الله تعالى خلقه للحياة الدنيا إلا وقد يسر لهم الأقوات، ووفَّر لهم الأرزاق قال سبحانه ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢) وقال تعالى ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (٣)، فليست مشكلة البشرية الاقتصادية في ندرة الموارد ومحدوديتها، بل في ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، واستئثار فئة قليلة بالثروات، بل نهبها، واغتصاب الأراضي، واستعباد الشعوب المستَضْعَفة، مع سوء التوزيع والاستهلاك للموارد المتاحة (٤)، ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾ (٥). فهذا هو الأصل بركة في الأرزاق، ووفرة في الموارد. تعريف الاقتصاد الإسلامي لما ذكرت تعريف الغربيين للاقتصاد، رأيت لزاما أن أتعرض لتعريف الاقتصاد الإسلامي، وهو الاقتصاد الذي أسسه الإسلام عبر القواعد والتوجيهات القرآنيةوالنبوية. " وقد تعددت عبارات المختصين حول بيان المقصود بالاقتصاد الإسلامي فبينما يذهب البعض إلى أنه:

стр. 232

المذهب الاقتصادي الذي تتجسد فيه الطريقة الإسلامية في تنظيم الحياة الاقتصادية يرى آخرون أن الاقتصاد الإسلامي هو الذي يوجه النشاط الاقتصادي وينظمه وفقًا لأصول الإسلام وسياساته الاقتصادية. ويرى الدكتور محمد عبد الله العربي ﵀ أن الاقتصاد الإسلامي هو ((مجموعة الأصول الاقتصادية العامة التي نستخرجها من القرآن والسنة، والبناء الاقتصادي الذي نقيمه على أساس تلك الأصول بحسب كل بيئة وكل عصر))،وهذا التعريف هو أرضاها، وأقربها، لكونه يكشف بوضوح عن مكونات الاقتصاد الإسلامي وأن منه ما هو ثابت وهو مجموعة الأصول العامة المستخرجة من القرآن والسنة، وأن منه ما قد يتغير بتغير الزمان والمكان وهو البناء الاقتصادي الذي نقيمه على أساس تلك الأصول بحسب كل بيئة وكل عصر" (١). وبعد بيان معنى الاقتصاد اصطلاحاً يمكن لنا أن نعْبُر إلى النقطة التالية وهي: تعريف الإعلام الاقتصادي: نخلص مما سبق من التعريف بالاقتصاد لغة واصطلاحاً إلى القول -: إن الإعلام الاقتصادي، هو الإعلام القائم على تزويد الناس بالمعلومات السليمة، والحقائق الثابتة، عن سلوك الإنسان الاقتصادي في تحصيل وإشباع حاجاته، والتعريف بالموارد المتاحة، وطرق الإنتاج، ووسائل التوزيع، والاستهلاك، والتبادل، بما يحقق الرفاهة للأفراد والمجتمعات. وبهذا التعريف للإعلام الاقتصادي نقترب ونلامس مبحثنا التالي وهو:

стр. 233

المبحث الثاني أهداف الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم القرآن الكريم كتاب هداية، ورحمة للعالمين، لكنه لا يقتصر على تنظيم علاقة الإنسان بربه، بل يمتد لينظم جميع جوانب الحياة، بالشكل الذي يكفل للمؤمنين به حياة طيبة في الدنيا، وسعادة وفوزاً في الآخرة، وقد وصفه الله تعالى بقوله ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١).وقال سبحانه ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). والنصوص الاقتصادية في القرآن الكريم، تشكل مجموعة من القواعد، التي تساعد الإنسان على اتخاذ القرارات المُثْلَى، التي تحقق رفاهته ورفاهة مجتمعه. ويمكن لنا أن نُجْمِل أهداف الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم في النقاط التالية: تحقيق العبودية لله تعالى بكمال الانقياد لقواعد الشريعة في معاملات الاقتصاد . فشمولية تعاليم الإسلام، وأحكام القرآن لجميع الأنشطة والمجالات، تحتم على المسلم التقيد بها، فما من معاملة بين اثنين، إلا ولها حكم في الشريعة الإسلامية، وكلما كان الإنسان ملتزما بهذه الأحكام، كان لله أعْبَدُ، وأهدى سبيلاً. قال الله تعالى ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣). ولا يخرج النشاط الاقتصادي للأفراد والمجتمعات عن هذا المعنى، إذ لابد من التعبد لله تعالى بطاعته فيما أحل وأمر، والانتهاء عما حَرَّم ونهى عنه وزجر. ومن أهداف الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم:

стр. 234

بيان العناية القرآنية الكبيرة بالسلوك الاقتصادي والشأن الاقتصادي بوجه عام "إن الجانب الاقتصادي في حياة الإنسان قد احتل في القرآن موقعاً كَمِّيَّاً، وكيْفيَّاً، ربما لم يحتله جانب آخر من الجوانب الدنيوية ....... ولإدراك ذلك على وجه التقريب علينا أن ننظر في المصطلحات ذات الطابع الاقتصادي، وكيف تكرر ذكرها في القرآن الكريم ومنها: المال، الملك، الرزق، الكسب، الإنفاق، الزكاة، الصدقات، الربا، التجارة، الزراعة، ..... إلخ " (١). ويحسن بنا، أن نورد أمثلة لهذا من الآي الكريمات: قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٢) وقال سبحانه ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣) وقال جل شأنه ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤) وقال سبحانه ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٥) وقال سبحانه ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٦) وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٧) فقد اشتملت هذه الآيات الكريمات على كثير من السلوكيات، والمعاني الاقتصادية، كالبيع، والإنفاق، والربا، والملك، والمياه والبحار، وغيرها مما سبق تعداد بعضها، وسوف يرِدُ معنا - إن شاء الله - آيات أُخَر كثيرة، فنكتفي بهذه الأمثلة. وننتقل للهدف التالي وهو:

стр. 235

الدلالة على منابع الثروات ومصادر الإنتاج . يسهل على المتأمل ملاحظة أن القرآن الكريم مُشْتمِل على عرض مفصل فيَّاض لقطاعات الإنتاج المختلفة وللموارد الطبيعية المتنوعة، وما فيها من منافع عظيمة لمن يحسن استثمارها ومن ذلك: قوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (١) وقوله تعالى ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ (٢) وقوله ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣). فهذه الآيات السابقات إعلام وإرشاد من رب العالمين سبحانه لعباده بما أنزل عليهم من السماء، وأخرج لهم من الأرض، وأجرى لهم في البحار والأنهار، وسخر لهم من البهائم والأنعام، نِعَمٌ، ومِنَنٌ، لا تعد ولا تحصى، بها قوام الحياة، وتمثل منابع الإنتاج، ومصادر تحصيل الثروات. ومن أهداف الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم: الحث على السعي الدءووب، والعمل الجاد، مع ربط الرزق بالإيمان .

стр. 236

وهذا الأمر، من أظهر المعاني، التي حرص عليها القرآن الكريم، ودعا إليها العباد، حتى يستغني المؤمنون عن غيرهم، ويحققوا الكفاية لمجتمعاتهم في سائر المجالات، أو يعيشوا على قدم المساواة مع الآخرين، ينتجون، ويبادلون، ويبيعون، ويشترون، وفي هذا المعنى يأتي قوله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) وقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٢). فهذه دعوة للانتشار والمشي في الأرض، والابتغاء من فضله سبحانه، والتماس الأرزاق، في جنبات الأرض، وما وضع الله سبحانه فيها من السبل المذللة، والعطاء الواسع. غير أن هذا الطلب الحثيث للرزق، والسعي الدءووب للكفاية، لابد أن يكون مقترنا بالتوكل واليقين على رب العالمين جل وعلا، لا أن يغتر الإنسان بكسبه، وعمله، فيطغى، أو يجحد فضله سبحانه، قال تعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣). وقال سبحانه ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٤). وقال تعالى ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٥). فالأرزاق كلها من عند الله ﵎، لا يرزق العبادَ أحد سواه، ولذلك قال الله تعالى ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٦). فلا تُطلب الأرزاق من عند غيره. وبهذا الإيمان والمعتقد يتحرر المؤمن من الخوف على الرزق، ويتخلص من قيود الأخذ والعطاء البشري، فيحيا مطمئناً، لا يساوره شك حول رزقه، ليس عليه سوى بذل الأسباب، والسعي الجاد، ليستعفف عن الاعتماد على الآخرين، أو سؤالهم؛ أعطوه أم منعوه. ومن أهداف الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم:

стр. 237

الإسهام في نشر ثقافة الإحسان ، وأن تنمية المال بالصدقة. لم يأت شيء من تشريعات الإسلام مخالفاً للفطرة، التي فطر الله تعالى الناسَ عليها، من حب المال، والتعلق به، كما أخبر بذلك سبحانه ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (١). وقال تعالى ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٢). غير أن هذا المال ليس غاية في نفسه بل هو أداة ووسيلة يتوصل بها المؤمن الصادق لمرضاة خالقه، ومولى نعمته، ولا يتأتي ذلك للمؤمن حتى يعوِّد نفسه البذل، والإحسان، ويداويها من الشح قال تعالى مادحاَ للكرام المنفقين ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٣). وقال سبحانه ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤). وقد بلغ القرآن بهذا الأمر درجة عالية، حتى صار تركه إلقاءً للنفوس في التهلكة، فقال سبحانه ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ (٥). ففي تفسير الإمام ابن كثير ﵀ "عن أسلم أبي عمران قال: حَمَل رجلٌ من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خَرَقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله ﷺ وشَهِدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار نَجِيَا، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ﷺ ونَصْرِه، حتى فشا الإسلام وكثر أهلُه، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما. فنزل فينا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد" (٦). وإذا كان الإمساك والشح مَهْلكة للممسكين، فالبركة، والتوسعة، والنماء، نعم

стр. 238

الجزاء للمنفقين الكرام. قال سبحانه ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ (١). وقال تعالى ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ (٢). وهكذا ينمي القرآن الكريم الإحسان، وحب البذل، في نفوس المؤمنين، فالإنفاق وإن كان في ظاهره نقصان مال المُنْفِق، إلا أنه على الحقيقة تزكية، ونماء لهذا المال، مما يغري المؤمنين ويشجعهم على نبذ الأثرة والبخل، والتحلي بالجود والكرم، طلباً لحسن العاقبة في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ (٣). ومن أهداف الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم: محاربة الجشع، والرغبة الجامحة في الربح السريع . وذلك أن الله تعالى أراد مجتمع المسلمين، مجتمعَ تراحم، وتعاطف، وتكافل، لا مجتمع أثَرَة، ولا أنانية، ومع كفالة الحرية التامة في المعاملات الاقتصادية، وإطلاقها فيما أحله الله، ومباركة أرباح المتعاملين، إلا أنه سبحانه أمر باجتناب تلك المعاملات المحرمة، والتي يسودها الجشع، والسعي للربح الفاحش، فقال تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤). وقال سبحانه ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٥). وقال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ (٦). فلم يتوعد الرب ﷻ هذا الوعيد الشديد إلا لهؤلاء المرابين، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويثيرون الأحقاد، وينشرون

стр. 239

روح الأنانية بين المجتمع، خلافا لما يحبه الله ويرضاه للمسلمين حيث قال سبحانه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١). وقال تعالى مرشداً وموجهاً أصحاب الأموال الموثرين في تعاملهم مع إخوانهم المدينين ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ (٢). فلا ربا، ولا جشع، بل إنظار لميسرة وسعة، أو تفضل، وإحسان، وعفو، ومسامحة. ومن أهداف الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم: الإعلام ببيان الحلال والطيبات، والتحذير من الحرام والخبائث. يبدو جلياً في تعريفات الاقتصاد للغربيين ومن وافقهم من العرب المسلمين أنه لا عبرة لديهم بحلِّ أو حرمةِ النشاط الاقتصادي، بل بما يأتي به من ربح، فلا حرج لديهم من أنشطة الدعارة، ومصانع السجائر، وتجارة الخمور، وغيرها، فليس هناك ما يفصل بين الخير والشر عندهم، سوى وجود المنفعة، أو انعدامها. وهذا بلا ريب؛ خلاف ما عليه دين المسلمين، قال الله تعالى ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾ (٣). وقد حدد الله تعالى من ضمن مهمات الرسول، وضرورات رسالته، ﵊، أنه يحل الطيبات، ويحرم الخبائث، قال سبحانه ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٤). وقد جاء في القرآن أصناف من المحرمات، والخبائث، ومن هذا قوله ﵎ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ (٥). ومنه قوله سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦). وفي الوقت نفسه يأمر

стр. 240

سبحانه بالأكل من الطيبات، والإنفاق من أطيب المكاسب، يستوي في ذلك المرسلون والمؤمنون قال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (١). وقال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٢). وقال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٣). ومع الأمر بالطيبات أكلاً، وإنفاقاً، يأبى القرآن على أصحاب الأهواء، والمفتئتين أن يحرموا الحلال، وينكر عليهم، فيقول تعالى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤). ويقول سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٥). فأسس القرآن الكريم عقيدة أن المُحَرِّمَ والمُحَلِّلَ هو الله رب العالمين وحده، فإذا أمر؛ أمر سبحانه بالطيب الطاهر، وإذا نهى؛ نهى تعالى عن الخبيث النجس. ومن أهداف الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم: الإعلام ببيان بعض طرق التوزيع العادل للثروات. وذلك حتى لا يظل المال دائراً في وَسَطٍ واحد فقط بين التجار أو الأغنياء، بل ينتشر فتكثر الثمرة، وتعم الفوائد، وتنعدم -أو تكاد- الأحقاد والحسد، من أجل ذلك أبان الله تعالى في القرآن عن بعض الوسائل، لتوزيع الثروات في المجتمع المسلم. ومن هذه الطرق:

стр. 241

الزكاة ومصارفها الثمانية يقول تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١). فتؤخذ الزكاة من أغنياء المسلمين، وترد على فقرائهم. وكما ورد في زكاة الزروع والثمار قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢). ومنها الوصية، يقول سبحانه ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٣). ومنها المواريث، يقول سبحانه ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٤) فأعطى سبحانه كل ذي حق حقه، وتوعد من خالف ذلك بالعذاب المهين فقال سبحانه ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٥). ومنها تقسيم الفيء، وفيه قوله جل شأنه ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا

стр. 242

آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) فتولى سبحانه توزيع الفيء على هذه الأصناف المذكورة، وذكر العلة من هذا التوزيع، كي لا يبقى المال دائراً فقط بين الأغنياء، فيزداد الفقير فقراً، بينما يزداد الغني غِنَىً، ويقع من هنا الخلل في موازين المجتمع، وعلاقة طبقاته بعضهم ببعض، وأكد على وجوب اتباعه ﵊ فيما أمر والانتهاء عما نهى عنه وزجر، وربط كل ذلك بتقوى الله سبحانه، والخوف من شديد عقابه. وبما أبان الله تعالى عن بعض الوسائل، لتوزيع الثروات في المجتمع المسلم، نختم هذا المبحث من أهداف الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم، وننتقل بحول الله وقوته للمبحث التالي وهو:

стр. 243

المبحث الثالث صور الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم وفي سبيل توضيح توجيهات القرآن في جانب الاقتصاد، سلك الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم مسالك عديدة، وتنوعت صور التعبير فيه من خلال النصوص الاقتصادية التي تشكل مجموعة القواعد الأساسية التي يبني عليها الإنسان اختياراته، ليحقق رفاهته ورفاهة مجتمعه. ومن هذه الصور: ١ - استخدام القصص القرآني في تقرير المفاهيم والمباديء الاقتصادية . ومن هذه المفاهيم: أ- مفهوم الادخار وترشيد الاستهلاك . وهما سبيلان، للحفاظ على ثروات الأمة، ودرعان واقيان لها، في الأزمات، وأوقات الشدة. ويظهر هذا المعنى جلياً واضحاً في قصة يوسف ﵇ لما قال المَلِكُ ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (١). فأجاب يوسف الصديق ﵇ ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (٢). فأوضح له السبيل والمخرج من الأيام العجاف بوجوب العمل بمفهوم الادخار، وبصحبته ترشيد الاستهلاك، فينفعهم ما ادخروه أيام رخائهم في أيام شدتهم وقحطهم. وبهذا الحزم وحسن التخطيط، تحيا الأمم مزدهرة، وتنجو من قبضة الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالأمم، فتتركها أثراً بعد عين. ومن هذه المعاني ب- ذم الترف والتباهي ، والإسراف والاستطالة بالثراء على الخلق. وهي آفات، وخطايا سلوكية تُعَجِّل بهلاك الأمم، وضياع الثروات. وفي هذا المعنى جاءت قصة عاد في

стр. 244

سورة الشعراء حين ينهاهم نبيهم هود ﵇، وينكر عليهم أعمالهم قائلاً ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١). فبعد أن دعاهم هود ﵇ لتقوى الله وطاعة رسوله، انتقل لحال خاص من تصرفات القوم " فينكر عليهم الترف في البنيان، لمجرد التباهي بالمقدرة، والإعلان عن الثراء، والتكاثر والاستطالة في البناء، كما ينكر عليهم غرورهم بما يقدرون عليه من أمرهذه الدنيا، وما يسخرونه فيها من القُوَى، وغفلتهم عن تقوى الله ورقابته ......... (وفي الآيات) توجيه إلى أن يُنْفَقَ الجهد، وتنفق البراعة، وينفق المال فيما هو ضروري، ونافع، لا في الترف والزينة ومجرد إظهار البراعة والمهارة ......... وكان الأجدر بهم أن يتذكروا فيشكروا، ويخشوا أن يسلبهم ما أعطاهم، وأن يعاقبهم على ما اسرفوا في العبث والبطش والبطر الذميم" (٢). ولو تأمل متأمل؛ لوجد أن السبب المشترك في جميع الكوارث الاقتصادية، التي تَحُلُّ بالدول، هم هؤلاء المتْرَفُون، الذين يجعلون جل همهم الاستمتاع بالتباهي، والاستطالة بالثراء على الخلق، والاستزادة من كل ما هو غير ضروري، ولا مفيد لأمتهم ومجتمعانهم، فتراهم يعيشون لأنفسهم، لا يشاركون في نهضة، ولا يعاونون في عمل، وضررهم على مجتمعاتهم خطير جداً، مادياً ومعنوياً. ومما جاء في قصص القرآن من معاني وسلوكيات اقتصادية: ت- تقرير حقيقة القيم ، والاستمتاع بالطيبات. وفي هذا السياق " تجيء قصة قارون لتعرض سلطان المال والعلم، وكيف ينتهي بالبوار مع البغي والبطر، والاستكبار على الخلق، وجحود نعمة الخالق. وتقرر حقيقة القيم، فَتُرْخِص من قيمة المال والزينة، إلى جانب قيمة الإيمان، والصلاح، مع الاعتدال والتوازن في الاستمتاع بطيبات الحياة، دون علو في الأرض، ولا فساد" (٣). يقول الله تعالى ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ

стр. 245

الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١). قارون " نموذج مكرر في البشرية. فكم من الناس يظن أن علمه وكده هما وحدهما سبب غناه. ومن ثم فهو غير مسؤول عما ينفق وما يمسك، غير محاسب على ما يفسد بالمال وما يصلح، غير حاسب لله حساباً، ولا ناظر إلى غضبه ورضاه! والإسلام يعترف بالملكية الفردية، ويقدر الجهد الفردي الذي بذل في تحصيلها من وجوه الحلال التي يشرعها؛ ولا يهون من شأن الجهد الفردي أو يلغيه. ولكنه في الوقت ذاته يفرض منهجاً معيناً للتصرف في الملكية الفردية كما يفرض منهجاً لتحصيلها وتنميتها وهو منهج متوازن متعادل، لا يحرم الفرد ثمرة جهده، ولا يطلق يده في الاستمتاع به حتى الترف ولا في إمساكه حتى التقتير؛ ويفرض للجماعة حقوقها في هذا المال، ورقابتها على طرق تحصيله، وطرق تنميته. وطرق إنفاقه والاستمتاع به. وهو منهج خاص واضح الملامح متميز السمات. ولكن قارون لم يستمع لنداء قومه، ولم يشعر بنعمة ربه، ولم يخضع لمنهجه القويم. وأعرض عن هذا كله في استكبار لئيم وفي بطر ذميم .......... وعندما تبلغ فتنة الزينة ذروتها، وتتهافت أمامها النفوس وتتهاوى، تتدخل يد القدرة لتضع حداً للفتنة، وترحم

стр. 246

الناس الضعاف من إغرائها، وتحطم الغرور والكبرياء تحطماً. ويجيء المشهد الثالث حاسماً ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ هكذا في جملة قصيرة، وفي لمحة خاطفة: ﴿فخسفنا به وبداره الأرض﴾ فابتلعته وابتلعت داره، وهوى في بطن الأرض التي علا فيها واستطال فوقها جزاء وفاقاً " (١). ومن المعاني الاقتصادية الواردة في قصص القرآن الكريم: ث- حسن الوفاء والعدالة في المعاملات ، مع ذم بخس حقوق الناس. وهذا كله مما يساعد على تكوين مناخ اقتصادي مستقر، تسوده الأمانة، والإنصاف، والاطمئنان، فيزدهر به الاقتصاد، وتنمو به الأسواق، ويعم النفع على الجميع. ويبدو هذا الأمر واضحاً جلياً في سياق قصة شعيب ﵇ مع قومه. قال الله تعالى ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٢). فهاهنا شعيب ﵇ حين أمر قومه بعبادة الله وحده، أَتْبَعَ ذلك بالنهي "عن نقص المكيال والميزان وهو التطفيف إذا أعطوا الناس، ثم أمرهم بوفاء الكيل، والوزن بالقسط آخذين ومعطين" (٣). قال الأستاذ سيد قطب ﵀ "والقضية هنا هي قضية الأمانة والعدالة بعد قضية العقيدة والدينونة أو هي قضية الشريعة والمعاملات التي تنبثق من قاعدة العقيدة والدينونة. . فقد كان أهل مدين وبلادهم تقع في الطريق من الحجاز إلى الشام ينقصون المكيال والميزان، ويبخسون الناس أشياءهم، أي ينقصونهم قيمة أشيائهم في المعاملات. وهي رذيلة تمس نظافة القلب واليد كما تمس المروءة والشرف. كما كانوا بحكم موقع بلادهم يملكون أن يقطعوا الطريق على القوافل الذاهبة الآيبة بين شمال الجزيرة وجنوبها. ويتحكموا في طرق القوافل ويفرضوا ما يشاءون من المعاملات الجائرة التي وصفها الله في هذه السورة. ومن ثم تبدو علاقة عقيدة التوحيد والدينونة لله وحده

стр. 247

بالأمانة والنظافة وعدالة المعاملة وشرف الأخذ والعطاء، ومكافحة السرقة الخفية سواء قام بها الأفراد أم قامت بها الدول. فهي بذلك ضمانة لحياة إنسانية أفضل، وضمانة للعدل والسلام في الأرض بين الناس" (١). ومن الاعتماد على القصص في تأسيس المفاهيم وتصحيح المظاهر السلوكية الاقتصادية ننتقل إلى طريقة أخرى من طرق الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم لتوصيل رسالته لعموم المؤمنين وهي: ٢ - تنويع الخطاب القرآن الكريم في حقيقته تركيب عجيب في بناء آياته، وفي الموضوعات والقضايا التي يتناولها ويتنوع الخطاب في القرآن إنشاءً أو إخباراً، أمراً ونهياً، وترغيباً وترهيباً، ووعداً ووعيداً، وإخباراً وتذكيراً، واعتباراً وإنذاراً. والمتتبع للخطاب القرآني الاقتصادي، يجد أنه يأتي على أنواع عديدة منها: الأسلوب الإنشائي المتضمن للنداء والأمر والنهي والاستفهام. وقد جاء هذا الأسلوب بكثرة ووفرة في آيات القرآن الكريم فمنه: قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٢). والنداء للناس عامة، فقد أباح لهم ربهم الأكل من ممارزقهم في الأرض حلالاً طيباً. " وهذا الأمر بالإباحة والحل لما في الأرض - إلا المحظور القليل الذي ينص عليه القرآن نصاً - يمثل طلاقة هذه العقيدة، وتجاوبها مع فطرة الكون وفطرة الناس. فالله خلق ما في الأرض للإنسان، ومن ثم جعله له حلالاً، لا يقيده إلا أمر خاص بالحظر، وإلا تجاوز دائرة الاعتدال والقصد. ولكن الأمر في عمومه أمر طلاقة واستمتاع بطيبات الحياة، واستجابة للفطرة بلا كزازة ولا حرج ولا تضييق. . كل أولئك بشرط واحد، هو أن يتلقى الناس ما يحل لهم وما يحرم عليهم من

стр. 248

الجهة التي ترزقهم هذا الرزق. لا من إيحاء الشيطان الذي لا يوحي بخير لأنه عدو للناس بين العداوة. لا يأمرهم إلا بالسوء وبالفحشاء " (١). وقوله سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٢). "هذا أمر للمؤمنين خاصة، بعد الأمر العام، وذلك أنهم هم المنتفعون على الحقيقة بالأوامر والنواهي، بسبب إيمانهم، فأمرهم بأكل الطيبات من الرزق، والشكر لله على إنعامه، باستعمالها بطاعته، والتقوي بها على ما يوصل إليه، ...... فالشكر في هذه الآية، هو العمل الصالح. وهنا لم يقل "حلالا "لأن المؤمن أباح الله له الطيبات من الرزق خالصة من التبعة، ولأن إيمانه يحجزه عن تناول ما ليس له." (٣) وقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤). وقوله سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥). هاتان الآيتان " نداء الله تعالى عباده المؤمنين ناداهم بعنوان الإيمان، لأن المؤمن حيٌّ بإيمانه، يسمع، ويعقل، ويقدر على الفعل، والترك، بخلاف الكافر، فإنه لا يسمع، ولا يعقل، ولا يفعل إن أُمِر، ولا يترك إن نُهِي" (٦)، " إن النص يعلق إيمان الذين آمنوا على ترك ما بقي من الربا. فهم ليسوا بمؤمنين إلا أن يتقوا الله ويذروا ما بقي من الربا ..... فإنه لا إيمان بغير طاعة وانقياد واتباع لما أمر الله به ..... فالذين يفرقون في الدين بين الاعتقاد والمعاملات ليسوا بمؤمنين. مهما ادعوا الإيمان وأعلنوا بلسانهم أو حتى بشعائر العبادة الأخرى أنهم مؤمنون! " (٧). قال ﵎ ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (٨) وقال سبحانه ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (٩)

стр. 249

وقال تعالى ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) وقال سبحانه ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢) فهذه الآيات الكريمات مجتمعات حول تقويم السلوك الإنساني الاقتصادي، من الأمر بأداء الحقوق لأصحابها، ومستحقيها، والنهي عن التبذير والإسراف، والتنفير من البخل، والشح، والتطفيف في الميزان، ووجوب الزكاة في موعدها. وبهذا كله يستقيم سلوك الإنسان في تحصيل وإشباع حاجاته المختلفة، وتسود الاستقامة والتكافل، والوفاء، والعدالة. ومن الأسلوب الإنشائي نتحول إلى قسيمه، وهو: الأسلوب الخبري المعتمد على تكرار الحقائق والمبادئ وهو في القرآن الكريم - كما سبق (٣) - مَدَدٌ لا ينقطع من رب العالمين سبحانه لعباده المؤمنين، يمدهم فيه بالأسس، والأصول، والمفاهيم، تعليماً، وتثبيتاً، وتوجيهاً، في مختلف أوجه النشاط الإنساني ومنها النشاط الاقتصادي. ومن ذلك: " قضية الملكية وهي من أمهات القضايا الاقتصادية، وهي أحد المعالم البارزة في تمييز الأنظمة الاقتصادية. والناظر في آيات القرآن التي تناولت هذه المسألة، يجد تركيزاً صريحاً، ومكثفاً، على أن ملكية الأموال، وغيرها؛ لله . وهي ملكية أصيلة وذاتية وشاملة ومطلقة. جاء في هذا المعنى قوله تعالى ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤)، وقوله سبحانه ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥) وأما ملكية غيره سبحانه فهي ملكية ثانوية مقيدة ونوع من الاستخلاف. مثل قوله سبحانه ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٦) وقوله تعالى ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٧)

стр. 250

وبعد تقرير المعنى السابق يقرر الرب تعالى أمراً آخر وهو الإباحة العامة لكل ما على ظهر الأرض لكل أحد بغض النظر عن عقيدته وعن زمانه ومكانه. ومن هذا قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١). فالآية الكريمة تبين العلاقة بين الموارد والإنسان، فهي مخلوقة ومسخرة له، والانتفاع بها عام لبني الإنسان، لا يستأثر بها قوم دون آخرين" (٢) وهكذا يجري فيض القرآن بالمعاني والمفاهيم فنقرأ في المحرمات قوله تعالى ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). ونقرأ قوله سبحانه ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ (٤). ونقرأ عن عطاء ربنا سبحانه الواسع، والثروات المباحة، ومصادر الانتاج المتاحة قوله سبحانه ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ
следующие страницы →