← Общие книги

Общие книги · id 96238

صور الإعلام الإسلامي في القرآن الكريم - دراسة في التفسير الموضوعي

عاطف إبراهيم المتولي

Полный текст (355 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الناس الضعاف من إغرائها، وتحطم الغرور والكبرياء تحطماً. ويجيء المشهد الثالث حاسماً ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ هكذا في جملة قصيرة، وفي لمحة خاطفة: ﴿فخسفنا به وبداره الأرض﴾ فابتلعته وابتلعت داره، وهوى في بطن الأرض التي علا فيها واستطال فوقها جزاء وفاقاً " (١). ومن المعاني الاقتصادية الواردة في قصص القرآن الكريم: ث- حسن الوفاء والعدالة في المعاملات ، مع ذم بخس حقوق الناس. وهذا كله مما يساعد على تكوين مناخ اقتصادي مستقر، تسوده الأمانة، والإنصاف، والاطمئنان، فيزدهر به الاقتصاد، وتنمو به الأسواق، ويعم النفع على الجميع. ويبدو هذا الأمر واضحاً جلياً في سياق قصة شعيب ﵇ مع قومه. قال الله تعالى ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٢). فهاهنا شعيب ﵇ حين أمر قومه بعبادة الله وحده، أَتْبَعَ ذلك بالنهي "عن نقص المكيال والميزان وهو التطفيف إذا أعطوا الناس، ثم أمرهم بوفاء الكيل، والوزن بالقسط آخذين ومعطين" (٣). قال الأستاذ سيد قطب ﵀ "والقضية هنا هي قضية الأمانة والعدالة بعد قضية العقيدة والدينونة أو هي قضية الشريعة والمعاملات التي تنبثق من قاعدة العقيدة والدينونة. . فقد كان أهل مدين وبلادهم تقع في الطريق من الحجاز إلى الشام ينقصون المكيال والميزان، ويبخسون الناس أشياءهم، أي ينقصونهم قيمة أشيائهم في المعاملات. وهي رذيلة تمس نظافة القلب واليد كما تمس المروءة والشرف. كما كانوا بحكم موقع بلادهم يملكون أن يقطعوا الطريق على القوافل الذاهبة الآيبة بين شمال الجزيرة وجنوبها. ويتحكموا في طرق القوافل ويفرضوا ما يشاءون من المعاملات الجائرة التي وصفها الله في هذه السورة. ومن ثم تبدو علاقة عقيدة التوحيد والدينونة لله وحده

стр. 247

بالأمانة والنظافة وعدالة المعاملة وشرف الأخذ والعطاء، ومكافحة السرقة الخفية سواء قام بها الأفراد أم قامت بها الدول. فهي بذلك ضمانة لحياة إنسانية أفضل، وضمانة للعدل والسلام في الأرض بين الناس" (١). ومن الاعتماد على القصص في تأسيس المفاهيم وتصحيح المظاهر السلوكية الاقتصادية ننتقل إلى طريقة أخرى من طرق الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم لتوصيل رسالته لعموم المؤمنين وهي: ٢ - تنويع الخطاب القرآن الكريم في حقيقته تركيب عجيب في بناء آياته، وفي الموضوعات والقضايا التي يتناولها ويتنوع الخطاب في القرآن إنشاءً أو إخباراً، أمراً ونهياً، وترغيباً وترهيباً، ووعداً ووعيداً، وإخباراً وتذكيراً، واعتباراً وإنذاراً. والمتتبع للخطاب القرآني الاقتصادي، يجد أنه يأتي على أنواع عديدة منها: الأسلوب الإنشائي المتضمن للنداء والأمر والنهي والاستفهام. وقد جاء هذا الأسلوب بكثرة ووفرة في آيات القرآن الكريم فمنه: قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٢). والنداء للناس عامة، فقد أباح لهم ربهم الأكل من ممارزقهم في الأرض حلالاً طيباً. " وهذا الأمر بالإباحة والحل لما في الأرض - إلا المحظور القليل الذي ينص عليه القرآن نصاً - يمثل طلاقة هذه العقيدة، وتجاوبها مع فطرة الكون وفطرة الناس. فالله خلق ما في الأرض للإنسان، ومن ثم جعله له حلالاً، لا يقيده إلا أمر خاص بالحظر، وإلا تجاوز دائرة الاعتدال والقصد. ولكن الأمر في عمومه أمر طلاقة واستمتاع بطيبات الحياة، واستجابة للفطرة بلا كزازة ولا حرج ولا تضييق. . كل أولئك بشرط واحد، هو أن يتلقى الناس ما يحل لهم وما يحرم عليهم من

стр. 248

الجهة التي ترزقهم هذا الرزق. لا من إيحاء الشيطان الذي لا يوحي بخير لأنه عدو للناس بين العداوة. لا يأمرهم إلا بالسوء وبالفحشاء " (١). وقوله سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٢). "هذا أمر للمؤمنين خاصة، بعد الأمر العام، وذلك أنهم هم المنتفعون على الحقيقة بالأوامر والنواهي، بسبب إيمانهم، فأمرهم بأكل الطيبات من الرزق، والشكر لله على إنعامه، باستعمالها بطاعته، والتقوي بها على ما يوصل إليه، ...... فالشكر في هذه الآية، هو العمل الصالح. وهنا لم يقل "حلالا "لأن المؤمن أباح الله له الطيبات من الرزق خالصة من التبعة، ولأن إيمانه يحجزه عن تناول ما ليس له." (٣) وقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤). وقوله سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥). هاتان الآيتان " نداء الله تعالى عباده المؤمنين ناداهم بعنوان الإيمان، لأن المؤمن حيٌّ بإيمانه، يسمع، ويعقل، ويقدر على الفعل، والترك، بخلاف الكافر، فإنه لا يسمع، ولا يعقل، ولا يفعل إن أُمِر، ولا يترك إن نُهِي" (٦)، " إن النص يعلق إيمان الذين آمنوا على ترك ما بقي من الربا. فهم ليسوا بمؤمنين إلا أن يتقوا الله ويذروا ما بقي من الربا ..... فإنه لا إيمان بغير طاعة وانقياد واتباع لما أمر الله به ..... فالذين يفرقون في الدين بين الاعتقاد والمعاملات ليسوا بمؤمنين. مهما ادعوا الإيمان وأعلنوا بلسانهم أو حتى بشعائر العبادة الأخرى أنهم مؤمنون! " (٧). قال ﵎ ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (٨) وقال سبحانه ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (٩)

стр. 249

وقال تعالى ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) وقال سبحانه ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢) فهذه الآيات الكريمات مجتمعات حول تقويم السلوك الإنساني الاقتصادي، من الأمر بأداء الحقوق لأصحابها، ومستحقيها، والنهي عن التبذير والإسراف، والتنفير من البخل، والشح، والتطفيف في الميزان، ووجوب الزكاة في موعدها. وبهذا كله يستقيم سلوك الإنسان في تحصيل وإشباع حاجاته المختلفة، وتسود الاستقامة والتكافل، والوفاء، والعدالة. ومن الأسلوب الإنشائي نتحول إلى قسيمه، وهو: الأسلوب الخبري المعتمد على تكرار الحقائق والمبادئ وهو في القرآن الكريم - كما سبق (٣) - مَدَدٌ لا ينقطع من رب العالمين سبحانه لعباده المؤمنين، يمدهم فيه بالأسس، والأصول، والمفاهيم، تعليماً، وتثبيتاً، وتوجيهاً، في مختلف أوجه النشاط الإنساني ومنها النشاط الاقتصادي. ومن ذلك: " قضية الملكية وهي من أمهات القضايا الاقتصادية، وهي أحد المعالم البارزة في تمييز الأنظمة الاقتصادية. والناظر في آيات القرآن التي تناولت هذه المسألة، يجد تركيزاً صريحاً، ومكثفاً، على أن ملكية الأموال، وغيرها؛ لله . وهي ملكية أصيلة وذاتية وشاملة ومطلقة. جاء في هذا المعنى قوله تعالى ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤)، وقوله سبحانه ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥) وأما ملكية غيره سبحانه فهي ملكية ثانوية مقيدة ونوع من الاستخلاف. مثل قوله سبحانه ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٦) وقوله تعالى ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٧)

стр. 250

وبعد تقرير المعنى السابق يقرر الرب تعالى أمراً آخر وهو الإباحة العامة لكل ما على ظهر الأرض لكل أحد بغض النظر عن عقيدته وعن زمانه ومكانه. ومن هذا قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١). فالآية الكريمة تبين العلاقة بين الموارد والإنسان، فهي مخلوقة ومسخرة له، والانتفاع بها عام لبني الإنسان، لا يستأثر بها قوم دون آخرين" (٢) وهكذا يجري فيض القرآن بالمعاني والمفاهيم فنقرأ في المحرمات قوله تعالى ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). ونقرأ قوله سبحانه ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ (٤). ونقرأ عن عطاء ربنا سبحانه الواسع، والثروات المباحة، ومصادر الانتاج المتاحة قوله سبحانه ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ

стр. 251

الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١) ونقرأ في توجيه القرآن الكريم عباد الرحمن إلى جميل السلوك الاقتصادي، ومحمود التصرف، قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٢) وفي تفسير هذا الآية الكريمة نقرأ كلاماً نفيساً للأستاذ سيد قطب ﵀ " وهذه سمة الإسلام التي يحققها في حياة الأفراد والجماعات؛ ويتجه إليها في التربية والتشريع، يقيم بناءه كله على التوازن والاعتدال. والمسلم - مع اعتراف الإسلام بالملكية الفردية المقيدة - ليس حراً في إنفاق أمواله الخاصة كما يشاء -كما هو الحال في النظام الرأسمالي، وعند الأمم التي لا يحكم التشريع الإلهي حياتها في كل ميدان - إنما هو مقيد بالتوسط في الأمرين الإسراف والتقتير. فالإسراف مفسدة للنفس والمال والمجتمع؛ والتقتير مثله حبس للمال عن انتفاع صاحبه به وانتفاع الجماعة من حوله فالمال أداة اجتماعية لتحقيق خدمات اجتماعية. والإسراف والتقتير يحدثان اختلالاً في المحيط الاجتماعي والمجال الاقتصادي، وحبس الأموال يحدث أزمات ومثله إطلاقها بغير حساب. ذلك فوق فساد القلوب والأخلاق. والإسلام وهو ينظم هذا الجانب من الحياة يبدأ به من نفس الفرد، فيجعل الاعتدال سمة من سمات الإيمان: ﴿وكان بين ذلك قواماً﴾." (٣) ج- ومن أعجب الآيات التي جمعت الأسلوبين الخبري والإنشائي آية الدين قال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ

стр. 252

كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١). فقد تضمنت هذه الآية ما يلي: النداء: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الأمر: فَاكْتُبُوهُ - وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ النهي: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ الأمر: فَلْيَكْتُبْ - وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ - وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ النهي: وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا الأمر: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ - وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ النهي: وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا - وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ - الخبر: ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ - وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ - وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ - فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا الأمر: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ النهي: وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ الأمر: وَاتَّقُوا اللَّهَ الخبر: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهذه أطول آية في القرآن، وقد جاءت كلها في شأن من شئون الاقتصاد، حول الديون وتوثيقها والإشهاد عليها، وجاءت بمثل هذا الأداء اللغوي المتنوع المبدع، لا تشعر لها بطول أو جمود، بل نص كريم، ينضح بالحيوية، والسلاسة، واليسر، والوضوح والتمام في المعنى، والكمال في الحكم.

стр. 253

ولإعلامنا الإسلامي في مثل هذه الايات الكريمات، أعظم القدوة، وأرفع الأسوة، في تنويع أدوات توصيل الرسالة، والاجتهاد في ابتكار وسائل خطاب جديدة، تواكب العصر تقدماً ويسراً، لإيصالها للجماهير المتعطشة لأحكام الإسلام ومبادئه في شتى المجالات والميادين. وبالوصول لهذه النقطة، نختتم هذا الفصل، عن الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم. وننتقل بعون الله وتوفيقه للفصل القادم عن الإعلام الثقافي في القرآن الكريم.

стр. 254

الفصل السادس صور الإعلام الثقافي في القرآن الكريم

стр. 255

المبحث الأول تعريف الإعلام الثقافي يحتل الإعلام الثقافي مكانة متميزة ضمن عمليات الاتصال، لأنه يغطي جميع الجوانب المعرفية، ومن شأنه توسيع مدارك جمهور المتلقين، وإمدادهم بالزاد المعنوي اللازم لنفوسهم، وقلوبهم، وبناء الفرد الواعي القادر على خدمة مجتمعه وأمته. وقبل الخوض في أهداف الإعلام الثقافي وذكر صوره وتطبيقاته لابد من تعريفه أولاً، ونحتاج - قبل أي شيء في هذا الفصل - للتعرف على لفظ الثقافة، لغة واصطلاحاً، وهذا ما سيكون بمشيئة الله في المطلبين التاليين: المطلب الأول: تعريف الثقافة لغةً الثقافة لغة: قال الزبيدي ﵀: ثقُفَ بالضم: صار حاذقاً، خفيفاً، فطناً، فهماً. ورجل ثقْفٌ: إذا كان ضابطاً لما يحويه، قائماً به. وثقَّفه: سوَّاه وقوَّمه. وثاقفه: غلبه في الحذق والفطانة وإدراك الشيء. قال: ومن المجاز: التثقيف: التأديب والتهذيب (١). وقال ابن منظور ﵀: ثقِف الشيءِ: حَذَقَه، ورجل ثقِف: حاذق فهِم، وغلام لقن ثقف: ذو فطنة وذكاء، والمراد أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه (٢).

стр. 256

خلاصة: يلاحظ أن المعنى اللغوي للثقافة عند العرب يدور حول المهارة، والذكاء، والتقويم، وإدراك الأشياء، والتمكن منها،، ومن تأمل وجد أن هذه المعاني قريبة من بعضها البعض، فالحذق والفطنة طريق إلى سرعة التعلم، وبه يكون الضبط لما يتعلمه، والظفر به وإدراكه. المطلب الثاني: تعريف الثقافة اصطلاحاً للثقافة تعريفات عديدة، فمنها أنها: "العلوم، والمعارف، والفنون التي يطلب الحذق فيها" (١). ومنها أن الثقافة: " هي مجموعة الأفكار والمُثل والمعتقدات والتقاليد والعادات والمهارات وطرق التفكير وأساليب الحياة والنظام الأسري وتراث الماضي .. " (٢). ومنها أنها: " التراث الحضاري والفكري من جميع جوانبه النظرية والعلمية، الذي تمتاز به أمة وينسب إليهاويتلقاه الفرد من ميلاده حتى وفاته، من ثمرات الفكر والعلم والفن والقانون، والأخلاق" (٣). وقيل هي " الوسائل، التي من شأنها، أن تنتهي بالإنسان إلى تكوين رؤية خاصة، يرى بها الكون، والإنسان" (٤). خلاصة: هذه التعريفات، وإن اختلفت مفرداتها، وصياغاتها، إلا أنها تتآلف بصورة كبيرة، فتعطي لنا تصوراً دقيقاً لمصطلح الثقافة، ويمكن بناءً عليه أن أقول: الثقافة هي الإدراك والوعي بجملة الأفكار، والمعتقدات، والنُّظُم، التي تميز فرداً من الأفراد، أو أمة من الأمم، وتطبعها بطابع مختلف عن غيرها. وبعد الوقوف على معنى الثقافة لغة واصطلاحاً يمكن لنا تعريف الإعلام الثقافي وهو مقصودنا من هذا المبحث؛ فأقول - وعلى الله اعتمادي -:

стр. 257

تعريف الإعلام الثقافي: هو الإعلام القائم على تزويد الناس بالمعلومات السليمة، والحقائق الثابتة عن مجموع الأفكار، والمعتقدات، والعلوم، والمعارف، والنظم، التي يتميز به المجتمع عن غيره من المجتمعات، بحيث تصل بالجماهير لتصور ثقافي واضح، ومتميز، وتساعدهم على تكوين معرفة صحيحة عن خصائص أمتهم الحضارية والفكرية. والإعلام الثقافي على هذا التعريف، ينبغي أن يشتمل على قبسات من جميع الأفكار، والعقائد، والنظم، والمعارف، التي تسهم في تكوين ثقافة الأمة وتمييز كيانها عن غيرها من الأمم والشعوب. وبهذا المعنى، فجميع أنواع الإعلام التي سبقت معنا في هذه الرسالة داخلة - بِقَدَرٍ - في الإعلام الثقافي، والذي نعرض أهدافه في المبحث التالي إن شاء الله تعالى.

стр. 258

المبحث الثاني أهداف الإعلام الثقافي في القرآن الكريم تحديد أسس بناء الشخصية الإسلامية: وهي الأسس، التي تقوم عليها، وتتميز بها شخصية المسلم عن غير المسلمين، وأهمها: الإيمان الحق وبه ينعتق الإنسان من ربقة العبودية والخضوع إلا لله تعالى، ويتحرر من جميع مخاوفه، على أجله أو رزقه، على حاضره، أو مستقبله، ويسمو بقلبه عن التصورات الفاسدة للقضايا الكبرى، كالخلق والغاية منه، والموت والمصير بعده، وينأى بعقله عن الأوهام وسيطرة الخرافات. وفي هذه المعاني كلها جاءت آيات وآيات، منها على سبيل المثال: قوله سبحانه ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (١). وقوله تعالى ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٢). وقوله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣). وقوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤). وقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٥). وقوله سبحانه ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٦). فتشكل هذه الآيات حصناً منيعاً للإنسان، فيحيى عالماً بربه، وما

стр. 259

ينبغي له من تعظيم، وتوحيد، وتنزيه، وعارفاً للغاية من خلقه، فيقوم بعبادته، ومطمئناً مستقراً في تصوراته في جميع مجالات حياته. ومن أسس بناء الشخصية الإسلامية: القيام بالعبودية وتتمثل في دعائم الإسلام وهي التطبيق العملي للعقيدة. والعبادات بدورها تثمر السلوك الصحيح، والخلق القويم، وترسم لشخصية المسلم الطريق السويَّ، فيعيش حياته موصولا بربه، فاعلاً في مجتمعه، يستشعر نبض الإيمان في أعماقه فلا ينبعث من حياته إلا الخير. يقول الحق تعالى ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (١). ويقول سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). وحياة الإنسان كلها، من مولده لمماته، بحركاته وسكناته، كلها عبودية لله قال عزَّ مِن قائل ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (٣). ومن هنا؛ تجد المسلمين متميزين عن غيرهم، بتقلبهم في جميع أحوالهم في طاعة ربهم، وعبادته، قال عنهم ربهم سبحانه ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). ومن أسس بناء الشخصية الإسلامية: الأسوة الحسنة فيبدأ المسلم تكوين شخصيته الإسلامية، سلوكا، وتطبيقا، من توجيهات القرآن الكريم، وسيرة الرسول ﵊، وصحابته ﵃، يقول سبحانه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٥). فهو عليه الصلاة

стр. 260

والسلام، أسوة كل مؤمن، تتعلق بافعاله، وأقواله، أنظار وقلوب المؤمنين، ليقتدوا به، ويسعدوا بمتابعته، بل إن هذا الأمر – الاقتداء والتأسي – هو أحد الأسباب الرئيسة، التي من أجلها جعل الله تعالى رسله الكرام من البشر، لا من الملائكة، لكي يتحقق بهم التأسي، ويتسنى للناس الاقتداء ببشر مثلهم، لهم نفس صفاتهم، ونمط حياتهم ويفعلون أفعال البشر، مثلهم تماماً، فتأنس إليهم الأرواح، وتُقْبِل عليهم القلوب تأسياً واقتداءً. وقد ذكر القرآن الصفات الأساسية، التي ينبغي أن تشكل الأسوة، والقدوة لشخصية المؤمن، كما أرادها الله تعالى، ومنها ما ذكره سبحانه كصفات لبعض عباده، وأنبيائه في قوله سبحانه ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ (١). وقال ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾ (٢). وفي قوله تعالى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ (٣). وغير ذلك من الايات الكريمات التي تبرز الصفات الجليلة التي ينبغي على أهل الإيمان التمسك والاقتداء بها. ومن الأسس الهامة في بناء شخصية المسلم: العلم حيث تتسامى شخصية المسلم بالعلم الذي يكشف له طريق الحق والخير وينير مسالك الحياة فيمضي فيها على هدى، فتتميز شخصيته عن غيره بالفكر والعلم المفيد قال عزَّ مِن قائلٍ مُمْتَنَّاً على نبيه بتعليمه ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (٤). وقال سبحانه ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٥). فجعل سبحانه تعليم العلم إحدى مهمات الرسول الكريم

стр. 261

عليه الصلاة والسلام. ويمكن لنا أن نلحظ أن الله تعالى لم يأمر نبيه ﵊ بطلب الاستزادة من شيء إلا من العلم لعظم أثره في الدين والدنيا فقال ﷻ ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١). ومن أسس الشخصية الإسلامية: العمل فالمسلم العامل له في الحياة أهميته مهما كان عمله مادام عملا شريفا وما دام كسبه حلالا فهو يشارك في عمارة الحياة وازدهارها ويعمل على دفعها إلى الإمام قال الله تعالى حاثاً على العمل ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٢). وقرن سبحانه بين الإيمان والعمل في خمسين موضعاً في القرآن للدلالة على أهمية، بل حتمية العمل ومن ذلك قوله سبحانه ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٣). وأمر سبحانه بفعل الخير في قوله تعالى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤). وحث على العمل فقال سبحانه ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥). وبشَّر العاملين بحسن الأجر فقال تعالى ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (٦). بهذه الأسس تقوم الشخصية المسلمة، وتترجم هذه الأصول إلى ملامح خاصة، تتميز بها عن غيرها، وهي - الملامح الشخصية وبيانها - من أهداف الإعلام الثقافي في القرآن الكريم أيضاً: الإعلام بملامح الشخصية المسلمة في القرآن

стр. 262

فإن كانت الأسس السابقة تشكل التركيبة الداخلية، وعماد الشخصية المسلمة، فإن ملامحها هي تلك المظاهر الخارجية، التي تتضح من خلال التعامل مع الأحداث، والأفراد. ويمكن لنا أن نجمع هذه الملامح في عناوين ثلاثة رئيسة (١) وهي إجمالاً: التحلي بالخُلُق الحسن الجميل الثبات في الرخاء والشدة التعاون والتعاضد والتفاعل في الخير فالملمح الأول: التحلي بالخلق الحسن الجميل ويشمل الأخلاق العظيمة، والشمائل الطيبة التي أكد عليها القرآن، وتجلت في سيرته ﵊، وهو القائل (إن من خياركم أحسنَكم أخلاقاً) (٢). وقد مدح الله تعالى نبيه ﵊ وزكاه فقال له ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٣). فمن هذه الأخلاق الجميلة: التواضع من غير ذُلٍّ يقول تعالى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (٤).وقال سبحانه لنبيه ﵊ ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥). يقول ﵊ (وما تواضع عبد لله إلا رفعه) (٦) والعِزَّة من غير كِبْر

стр. 263

يقول تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). ويقول سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٢). والرفق واللين يقول سبحانه ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣) ويقول ﵊ (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف) (٤).ويقول سبحانه يمدح المؤمنين بأنهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٥). والأمانة وقد أمر الله بها باللفظ المؤكد فقال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٦) ويقول الله تعالى مادحاً عباده المؤمنين ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (٧). وكان النبي الكريم ﵊، معروفاً في قومه بـ الأمين، وكان يحث على الأمانة وأدائها ويقول (أدِ الأمانةَ لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك) (٨). وهنا أكتفي بهذه الأمثلة، على ما أشير إليه، والتي يمتلئ بمثيلها القرآن، فإن الأخلاق من أعظم موضوعات القرآن، وأبرز ملامح الشخصية المسلمة الصادقة، كيف لا وقد قال صاحب الخُلُق العظيم (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) (٩). وأما الملمح التالي فهو:

стр. 264

الملمح الثاني: الثبات في الرخاء والشدة وهذا ثمرة الإيمان الحق، فبه يوقن المؤمن أن ما أخطأه ما كان ليصيبه، وما أصابه ما كان ليخطئه، فيُسَر ويشكر في السراء، ويصبر ويرضى في الضراء. وآيات القرآن الكريم تمثل أعظم وأقوى عوامل التثبيت لأهل الإيمان وفيها قوله تعالى عن القرآن ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١). ولسان حال المؤمن دائماً ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (٢). وقال الرسول الكريم عليه أتم الصلوات والتسليم في بيان فضل هذا الاستقرار والثبات النفسي (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) (٣). وأهل الإيمان ينسبون الفضل لله عند تحقق المسرات، ومنهم سليمان ﵇ الذي قال ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (٤). والقائل أيضاً فيما حكاه القرآن ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (٥). وكما لا تجد من أهل الإيمان إلا الشكر لله في السراء، فإنهم في الضراء، لا يخرجون عن التسليم والصبر والرضا بالقضاء يقول تعالى واصفاً حالهم ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٦).

стр. 265

ومن الثبات والاستقرار النفسي في جميع الأحوال إلى الملمح الرئيس التالي وهو: الملمح الثالث: التعاون والتعاضد والتفاعل في الخير وأصل ذلك توجيه القرآن الكريم ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١). ومن ذلك الدعوة للخير وتعليم الجاهلين قال تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). وقوله تعالى عن وظيفة النبي ﵊ وأتباعه من الدعوة إلى الله على علم وهدى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣). ومن هذا أيضاً قوله تعالى ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤) فينفي الله تعالى الخيرية عن أعمال الناس كلها، إلا تلك الأعمال التي تعود بتحقيق التكافل، والترابط، والألفة، والمحبة، والتصالح، على المجتمع بأسره. ولذلك نجده سبحانه يأمر بالتفاعل، والمبادرة بالإصلاح، صيانةً للأخوة الإيمانية وتعظيماً لهذه الرابطة فيقول ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٥). وبهذه الملامح الرئيسة، وما يتفرع عنها، تحيى الشخصية المسلمة الصادقة، حياة طيبة، مستقرة، متميزة عن غيرها من الشخصيات، في الأعمال، والغايات، والوسائل.

стр. 266

وهذا الأمر أوسع من أن تتسع له هذه الإشارة العابرة، ولكن يحسن الاكتفاء بما سلف، حتى لا نجور على موضوع البحث. وهذا أوان الانتقال لهدف آخر من أهداف الإعلام الثقافي في القرآن الكريم وهو: بيان نظام الحياة داخل المجتمع المسلم والحث على التزامه . وقد أبان القرآن الكريم عن هذا النظام القائم على الدعائم العظيمة والأسس المتينة كالعدالة، والمساواة، والشورى، والتكافل المادي والمعنوي. ونأخذ هنا مثالين اثنين من هذه الدعائم التي تصبغ المجتمع المسلم بما يميزه من الروح العامة، والمبادئ المستقرة: فالدعامة الأولى: العدالة تحقيق العدالَة من أعظم الفرائض التي افترضها الله على البشر، جعلها الله سببًا لاستقرار حياة الناس، وشيوع السعادة، والأمن، وجعل انعدامَها سببًا لزوال الأمم، والمجتمعات، فهي أساسُ المُلك، وهي حامي الأمن. وفيما يلي أمثلة، من وجوه تحقيق العدالة: العدالة في الحكم يقول الله تعالى ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (١) ويقول سبحانه ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ (٢) العدالة مع المخالفين يقول تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣)

стр. 267

العدالة في القول، والعمل يقول سبحانه ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ (١) ويقول سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٢) العدالة مع الأيتام، وفي تعدد الزوجات قال الله تعالى ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (٣). ومع الأمر بالعدل في جميع الأحوال، مع القريب أو البعيد، مع الحبيب أو البغيض، بين أفراد الأسرة خاصة، وبين أفراد المجتمع عامة، مع روح العدالة السارية في شريان الأمة، تنمو ثقافة إحقاق الحق، وإقامة العدل، والإنصاف، فتستقيم شئون الأفراد، وتستقر المجتمعات. الدعامة الثانية: المساواة الناس في شرعة الاسلام، كلهم سواسية كأسنان المشط، لا يتفاضلون الا بالتقوى والعمل الصالح. قال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٤).

стр. 268

وأفراد المجتمع ذكوراً وإناثاً، بيضاً وسوداً، عرباً وعجماً، أشرافاً وسوقة، أغنياء وفقراء، ليس هناك نفس شريفة وأخرى وضيعة، بل الجميع سواء؛ وأصلهم واحد قال الله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ (١). وكان النبي ﷺ يقول (النَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ) (٢). وتظهر المساواة في إنفاذ أحكام الإسلام، وقوانين الشريعة في جميع المسلمين بلا تمييز بينهم. يقول الله تعالى في أحكام القصاص ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (٣). ويقول ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٤). وحين شفع أسامة بن زيد ﵄، في إعفاء المخزومية من حد السرقة، أبَىَ النبيُّ ﷺ -ذلك، ورد الشفاعة في حدود الله؛ لأن ذلك يخل بمبدأ المساواة بين الناس، ويؤدي إلى إيثار ذوي الوجهاء بإعفائهم من العقاب، مع إقامة الحدود على ضعفاء الناس، وبين الرسول ﷺ أن ذلك الأمر إذا ساد في مجتمع أدى به إلى الزوال، فقال (إِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) (٥) ولما طلب وجهاء قريش من النبي ﷺ ، أن يطرد الفقراء والمساكين وضعاف الناس الذين التفوا حوله وآمنوا به، كعمار بن ياسر، وبلال، نزل قول الله تعالى

стр. 269

﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١). فَنَشَر القرآن الكريم، مبدأ المساواة، ومدَّ ظلاله في ربوع المجتمع الاسلامي، بأسلوب مثالي فريد، لم تستطع تحقيقه سائر المبادئ، والمجتمعات الأخرى التي سادتها الطبقية، والعنصرية، وانقسمت لمجتمعات من السادة والعبيد، فيما تمتع المسلمون بروح الأخوة الإيمانية التي يستشعر معها كل مسلم صادق المساواة التامة بينه وبين إخوانه المؤمنين مهما كانت الفوارق المادية، ومهما اختلفت الألسن واللغات والألوان. ومن أهداف الإعلام الثقافي في القرآن الكريم: إعلام الأمة بتراث وفكر الأمم المؤمنة من أتباع الأنبياء والمرسلين السابقين . تثبيتاً لها على مبادئها، وترغيباً لها في جليل الأعمال، وقد تجلى ذلك فيما جاء من قصص القرآن الكريم يحكي فيه أحوال الرسل والمؤمنين، وحملهم لدعوة الخير، وصبرهم على الأذى، ويقينهم في وعد الله بالنصر والتمكين، وما تخللته حياتهم من إبراز للمعاني السامية من الشجاعة في قول الحق والصدع به، والتضحية في سبيل الأفكار والمبادئ، ومحبة توصيل الخير إلى الخلق، والترفع عن الدنايا، وطلب المعالي. والأمثلة على هذه المعاني كثيرة منها قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (٢). فهذه الآية بيان عن وحدة الرسالة، التي دعا إليها الرسل. ومن هذا قوله جل شأنه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) وفي التجرد من المطامع الدنيوية يقول سبحانه حكاية عن نوح ﵇ ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ (٤).

стр. 270

وفي الشجاعة، وقول الحق يحكي تعالى عن هود قوله لقومه ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١). وفي محبة الخير والهدى للخلق يقول سبحانه عن إبراهيم ﵇ ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ (٢). وفي إرادة الإصلاح يقول سبحانه على لسان شعيب ﵇ ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ هود: ٨٨ وعن أسباب النصر والتمكين يأتي قوله سبحانه على لسان موسى ﵇ ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣). وقوله سبحانه عن بني إسرائيل ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٤). وبعد ذكر أحوال ومواقف الأنبياء والمرسلين نقرأ قوله ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٥). وقوله تعالى ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٦). في إشارة وتأكيد على ارتباط أمتنا بهذا التاريخ الطويل من الدعوة وتبليغ دين الله، ووحدة المصير، وجلال المبادئ، وسمو الغايات. ومن أهداف الإعلام الثقافي في القرآن الكريم:

стр. 271

تزويد العقول بحقائق الدين الناصعة، وكشف أباطيل وشبه الخصوم . فقد كان تصحيح المفاهيم، وتبيين الحقائق، وتزييف الباطل، ورد الشبهات، من أجلِّ المقاصد لآيات القرآن الكريم. قال الله تعالى عن القرآن ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١). وقال سبحانه ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (٢). وقال عزَّ مِن قائل ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (٣). ومن تصحيح المفاهيم قوله تعالى ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (٤). فنفى سبحانه أن مجرد الانتساب لأحد الرسالات الثلاث كافياً للنجاة عند الله، مهما عمل الإنسان من عمل، بل لابد من العمل الصالح لدخول الجنة. ومن تبيين الحقائق قوله تعالى رداً على منكري البعث والنشور ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ (٥). ومن تزييف الباطل رده سبحانه على من استنكروا بشرية الرسول ومخالطته للخلق في مطعمهم، ومشربهم، ومطالباتهم بالمعجزات قوله تعالى ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ

стр. 272

تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ (١). وفي رد الشبهات يقول تعالى، رداً على المُرَابين ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢). ومن أهداف الإعلام الثقافي في القرآن الكريم: الدعوة لفتح آفاق الإبداع وإعمال العقول، والتنبيه على آيات الله الكونية ، وذلك لإثراء المجالات العلمية، والاستفادة من هذا الخلق والتسخير في تنمية المجتمعات، وفيما يعود بالنفع والفائدة على الخلق أجمعين. يقول تعالى ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣). ويقول سبحانه ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (٤). ويقول تعالى ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٥).

стр. 273

ويقول سبحانه ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). ويقول ﷻ ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ (٢) ويقول ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (٣). ويقول سبحانه ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٤). وقد أشار خِتامُ كثيرٍ من آيات القرآن الكونية، وذكر النعم، إلى أنه لا ينتفع بهذه الآيات إلا العاقلون والعلماء المتأملون، والمفكرون، ومن ذلك: قوله تعالى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥). وقوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٦). وقوله سبحانه ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٧). والآيات في هذا المعنى كثيرة، ومبثوثة في سور القرآن الكريم، تعرض لعظيم مخلوقات الله تعالى، تنبه لبديع صنعته سبحانه، تنمي الحس والإدراك لدى المتأملين، بما في هذه الايات

стр. 274

من نِعَمٍ مُذَلَّلة، ومِنَنٍ مبذولة، ومخلوقات مسخرة، لا تقوم حياة الناس إلا بها، ولا تنمو وتزدهر علومهم، وصناعاتهم، وحضاراتهم، إلا بالأخذ بأسبابها، والاستفادة منها. هذا ما تيسر للباحث من أهداف الإعلام الثقافي في القرآن الكريم، وإن كنتُ أظن أن الأمر أكبر، وأكثر من هذا، ولما كان مقصودنا في - بحثنا هذا - الإشارة لا الإفاضة، فالرأي الآن الاكتفاء بما سبق، ومن ثم التحليق بإذن الله سريعاً بين صور متعددة وتطبيقات مختلفة من الإعلام الثقافي في القرآن الكريم، وهذا هو موضوع المبحث التالي، والأخير، وعلى الله الكريم أعتمد، ولعونه الفيَّاض أستند.

стр. 275

المبحث الثالث صور الإعلام الثقافي في القرآن الكريم لا يخفى على أحد، أن القرآن الكريم، كان معجزة بيانية، أحكمت ألفاظه وفُصِّلَت معانيه، قال سبحانه ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١). فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يحاذَى ولا يدانَى، فكله حق، وصدق، وعدل، وهُدَىً، ليس فيه مجازفة، ولا كذب، ولا افتراء، في غاية نهايات البلاغة، وكلما تكرر حَلا، وعَلا. ومعاني القرآن الكريم، ومقاصده الشريفة، مُنَزَّلة في قوالب لغوية، وتعبيرية فريدة مؤثرة، تخطف الألباب، وتشد إليها الأسماع، وتتنوع أساليب التعبير عنها، والخطاب فيها، تنوعاً ظاهراً، بين خطاب العام والخاص، والغائب والحاضر، والجماعة والمفرد، والإنشاء والخبر، إلى آخر هذه الأساليب في التعبير القرآني البليغ. ومن هذا: الخطاب الثقافي العام في القرآن الكريم أقصد به نداء الله تعالى عباده بقوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ والذي تكرر تسع عشرة مرة واشتمل على العديد من القضايا، التي تدل على شمولية وعالمية الرسالة الثقافية في القرآن الكريم، ويمكن لنا أن نضع بعض العناوين الكاشفة للخطاب العام في القرآن الكريم الناس والتوحيد يقول الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) ويقول سبحانه ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) ويقول جلَّ شأنه ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٤)

стр. 276

ويقول الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (١) وهذا أصل أصول الثقافة القرآنية، الذي لا يمكن الاستغناء عنه، أو استبداله، فالثقافة القرآنية، ثقافة ربانية واضحة صافية، تبين ما ينبغي لله سبحانه، من توحيد في ربوبيته ملكاً، وخلقاً، ورزقاً، وتدبيراً، وتوحيد في أسمائه وصفاته فلا يُوصف إلا بما وصف به نفسه تعالى أو وصفه به رسوله ﵊، وتوحيد في إلهيته سبحانه فلا يعبد غيره، ولا يُصرف شيء من العبادات إلا إليه وهذا حق شهادة التوحيد لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله الناس واليوم الآخر يقول سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) ويقول ﵎ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٣) ويقول سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٤) ويقول تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٥) ويقول ﵎ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾ (٦)

стр. 277

هذه الآيات الكريمة، تتناول أصلاً من أصول الإيمان وهو الإيمان باليوم الآخر وما فيه من بعث ونشور وحساب وثواب وعقاب، ولطالما جادل المشركون في ذلك، وأنكروا البعث والنشور، فكانت آيات القرآن تنزل بالرد عليهم، بالحجة والبرهان، وبيان طلاقة القدرة الإلهية، وأنه سبحانه خلقهم أول مرة من غير مثال سابق، وكذلك يعيدهم بقدرته. الناس وآلهتهم المزعومة ويقول سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (١) هذه الآية الكريمة، تمثل برهاناً قرآنياً عقلياً، على فساد عقول هؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله، كالذين عبدوا الشمس والقمر، والجن والملائكة، الحجارة، وكلها مخلوقات لله، ضعيفة لا تملك نفعاً ولا ضراً، ولا تَخْلُق ولا تُميت، وتعجز عن استخلاص ما ينوشه الذباب منها على ضعفه وصغر حجمه، فأنى لها – وحالها هذا – أن تكون معبوداً يُطلب منه جلب المنافع، أو دفع المضار. الناس والرسول ويقول ﵎ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾ (٢) ويقول سبحانه ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ (٣) ويقول تعالى ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩)﴾ (٤)

стр. 278

هذه الآيات الكريمة بيان بصدق الرسول ﵊، وأنه ما جاء إلا بالحق، الواجب اتباعه، فينذر المفرطين المعرضين، ويبشر المؤمنين الصادقين. وفي اتباعه ﵊ الخير كله في الدنيا والفوز والفلاح في الآخرة. الناس والقرآن يقول سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) ويقول تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ (٢) ويقول سبحانه ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾ (٣) جعل الله تعالى القرآن الكريم روحاً، تحيى به النفوس والقلوب، وتبصر به العيونُ الحقائقَ، وجعله نوراً مبيناً يهتدي به من اتبع تعاليمه وأحكامه. والقرآن شفاء لكل أمراض الشبهات والشهوات، بما فيه من الحق الصريح، والقصص والعِبَر، والشرائع والشعائر. الناس والرزق الحلال، وعداوة الشيطان يقول تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ (٤) وهذا نداء عام أيضاً يعم المؤمن والكافر لبيان " أن إنعام الله تعالى يعم كل الناس، وأن الكفر لا يحجب الإنعام الإلهي، وناداهم جميعاً بأن يأكلوا مما في الأرض حلالاً أحله الله لهم، طيباً لا شبهة فيه، ولا إثم، ولا يتعلق به حق الغير" (٥)، ونهاهم عن اتباع إغواء وإضلال الشيطان، فهو عدوهم الذي لا يترك فرصة إلا استغلها في كيدهم والمكر بهم.

стр. 279

الناس والأصل الواحد، وصلة الأرحام، والتواصل يقول سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (١) ويقول تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ (٢) وهاتان الآيتان، أصلان عظيمان، يشكلان أساس الاتصال الإنساني المبني على المساوة التامة بين الخلق، وعلى اعتبار تنوع الأعراق والألوان والألسنة سببا للتواصل والتعارف، وليس سببا للتفرق والعداوة. ويستطيع الناظر المتأمل أن يعرف أنه بقدر ابتعاد الناس وقربهم من مفاهيم القرآن الكريم وتعاليمه، تكون درجة اتصالهم وتعايشهم، فكلما كان اتصالهم لله، خالياً عن أغراض الدنيا، كلما عظم هذا الاتصال وامتدَّ، وكان سبباً لتحصيل أي منافع دنيوية بعد ذلك، في ظلال هذا التواصل القرآني الراقي، الذي يحفظ كرامات الخلق، وينظم تعاملاتهم. ومن صور الإعلام الثقافي في القرآن الكريم استخدام الاستفهام لحفز الأفهام، وبث المعارف المتنوعة وقد رأيت من الفائدة، وضع بعض العناوين الكاشفة لمعاني الآيات، كما يلي: الخالق القدير، وصنعته المبْهِرَة يقول الله تعالى ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (٣) ويقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٤)

стр. 280

ويقول الله تعالى ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) ويقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢) هذه الآيات المتتابعة، المثيرة للأذهان بما فيها من الاستفهام، تنبه القلوب، إلى قدرة علام الغيوب ﷻ ، وصنعته العظيمة، وتبني في اليقين الإنساني تعظيم الرب سبحانه، المدعم بما يراه حوله في عالم الشهادة، من آيات شاهدات على أنه على كل شيئ قدير. العليم الخبير، وعلمه المحيط يقول الله تعالى ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (٣) ويقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤) ويقول الله تعالى ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (٥) ويقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٦)

стр. 281

وفي الآيات تنبيه للغافلين، بأن الله تعالى لا يخفى عليه شيئ من أحوالهم، وما يقتضيه ذلك، من تربية للنفوس على مراقبته سبحانه، فينشأ الوازع (الضمير) ويوجه الجوارح لما يوافق محبة مولاه. ولقد شقيت مجتمعاتٌ، ومجتمعاتٌ، بغياب الوازع، وانعدام الضمير، فلا يكادون يمتنعون عن المخالفات، مالم يكن هناك رادع من قانون، أو سلطة تجبر على الالتزام بتوجهات المجتمع، فإذا غابت هذه الوسائل، رتع الذئب في الغنم، وعَبَّ كلٌ بما يقدر عليه، بلا وازع أو حرج، وأما من تربى على هذه الآيات، واستحضرها في حركاته وسكناته، فهو المستقيم دوماً، وإن غابت قوانين وسلطات الأرض، فإنه يبقى ممتنعاً لحق سلطان الرب ﷻ . السنن الإلهية، في إهلاك الظالمين، وعقابهم يقول الله تعالى ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ (١) ويقول الله تعالى ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (٢) ويقول الله تعالى ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (٣) تشتمل الآيات على الإعلام بمصير الأمم الكافرة، الظالمة، وأسباب إهلاكها، من معاداة الله ورسله، وتكذيبهم لدعوات الرسل، وإسرافهم على أنفسهم بارتكاب كل منكر وزور

стр. 282

من القول والفعل. وهذه سنن الله تعالى في خلقه، وفي الآيات تحذير من سلوك تلك المسالك، من الجحود، والنكران، والعصيان. من مظاهر الإنعام ويقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (١) ويقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) ويقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ (٣) ويقول الله تعالى ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٤) والآيات الكريمة فيها بيان لصاحب النعم، التي لا تعد، ولا تحصى، وإعلام بمُسْديها للخلق، رأفة منه، ورحمةً بعباده، وتيسيراً لمعاشهم. فيحيى الإنسان في ظل ممدود من نعمة الله عليه، منذ أخرجه من بطن أمه، وجعل له سمعاً، وبصراً، وفؤاداً، تحيط به المِنَن، وتحوطه العناية والرعاية. وإذا أبصر العبد هذا كله تلزمه حالة من الشكر لربه بقلبه، ولسانه، وجوارحه. وبذات الأسلوب بيَّن القرآن الكريم، بعض أحوال المنحرفين، ومنهم: المنحرفون من أهل الكتاب يقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٥)

стр. 283

ويقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ (١) ويقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (٢) عجيب أمر هؤلاء المنحرفين من أهل الكتاب، فرغم ما اصطفاهم الله تعالى به من العلم والمعرفة، والرسالة، والتكريم، إلا أنهم تنكَّروا لذلك كله، وأعرضوا عن النور المبين، وآثروا العرض الزائل، والمتاع الفاني، والرياسة الدنيوية، وتعاونوا مع الكفار، وفاهت ألسنتهم وقلوبهم بالبغضاء والأحقاد على أهل الإيمان، وجاءوا بكل نقيصة، فحق فيهم مثل الكلب، ومثل الحمار، مهما حمل من علم لم ينتفع به. كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول المنافقون، وسوء طويتهم يقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٣) ويقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٤)

стр. 284

ويقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) ويقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٢) وهذا صنفٌ آخر من المنحرفين، آمنوا ثم كفروا، عاشوا مخادعين، يسرون الكفر، ويظهرون الإسلام، يوالون أعداء الله ورسوله والمؤمنين، ويكيدون ويمكرون بالإسلام والمسلمين، يفرحون بأذيتهم، ويركبهم الحزن والنكد لانتصارهم وانتشار دعوتهم. المتباطئون، المتثاقلون يقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٣) ويقول تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٤) والآيتان بما تحملانه من استفهام تعجبي، إنكاري، لوم وتوبيخ، للمتخاذلين عن الجهاد في سبيل الله، المتباطئين عن تلبية النداء، طلباً منهم للراحة، والسلامة. وهذان الاستفهامان، وما احتفَّ بهما من سياق، وضع للدنيا بما فيها من شهوات وملذات، في حجمها الأصلي، فهي مجرد متاع عما قليل ينفد، وأما الآخرة، فإليها يشمر المجاهدون، وللفوز فيها يسعى العاملون.

стр. 285

الكلمة الطيبة يقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ (١) وهذه الآية الكريمة، تُبْرِزُ عالياً، المكانة السامية التي تحتلها كلمة التوحيد الكلمة الطيبة، التي تثمر جميع خصال الخير، وينتفع بها الناس أجمعين، وتتمتع بالثبات والرسوخ، كالشجرة الباسقة المثمرة، التي تعود على الناس بالنفع من كل زواياها. وفي الآية تأصيل لمعنى خيرية الأمة وانتفاع الناس بها، وهي ثقافة سلام ومحبة ومودة، يتمثل حاملها هذه المعاني فيعيش من حوله ينعمون بفكر مستنير، وعمل رشيد، ونصح صادق. الباب المفتوح، والرحمة المبذولة يقول الله تعالى ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) والآية حث على المبادرة بالتوبة النصوح، وتقديم النفقة الطيبة، التي يقبلها رب العالمين سبحانه متفضلاً، وتنتهي الآية بالترغيب في عفوه سبحانه بذكر اسميه الكريمين جل شأنه التواب الرحيم، فيتوب على عباده التائبين، ويرحم ضعفهم. وفي الآية تأسيس لثقافة الرجوع عن الخطأ وعدم التمادي فيه، والمسارعة إلى أوجه التكافل المختلفة، رغبة فيما عند الله من الثواب، وليس لمصالح فانية. ومن الاستفهام لتنبيه العقول والأفهام، في القضايا المختلفة، ننتقل بمشيئة الله لصورة أخرى، من صور تنوع خطاب الإعلام الثقافي في القرآن الكريم وهي: استخدام الأسلوب الإنشائي في الإعلام بحدود الحلال والحرام
следующие страницы →