← Тараджим

Тараджим · id 96239

بهجة المحافل وأجمل الوسائل بالتعريف برواة الشمائل

برهان الدين اللقاني

Полный текст (742 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لوحة من النسخة (د)

стр. 37

النص المحقق

стр. 38

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال العبد الفقير الحقير أبو الإمداد الفاني، إبراهيم المالكي اللقاني: الحمد لله الذي اصْطَفَى لنقل السُّنَّةِ المحمَّديَّة رجالاً، وقَلَّدَهُم أمانة نَقْدِها، فأوْسَعَوا في مضمار السبق للتعديل والتجريح مَجَالاً، لا يخشون في الله لَوْمَة لائم، فهم ليوث الحق زُيِّنُوا بالعمائم، أحمدُهُ وأشكُرُه وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تزحزح قائلها عن النار، وتمحو اسمه من ديوان الأشقياء إلى ديوان الأتقياء الأخيار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي المختار، الشاهد برسالته الأشجار والأحجار، وعجم الوحوش في الصحاري والقفار، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار، وصحابته المهاجرين والأنصار، صلاة وسلاماً دائمين ما تعاقب الليل والنهار. وبعد: فهذا تعليق لطيف وهيكل (١) شريف، أَتَعَرَّضُ فيه للتعريف برواة «الشمائل»، رجاء أن يكون لي عند الله بواسطة خدمته ﷺ من أجل الوسائل، اقتصرت فيه على أدنى ما يَحْصُل به التعريف، أعجلني فيه قصد الاختصار للتَّخفيف، لكني فيه مع كساد البضاعة معذور، وبعين الفروسية في مضمار الحفظ غير منظور، ولو كنت أعلم أني سُبِقْتُ إليه على هذا الكتاب، ما تَطَفَّلْتُ على موائد الكمال واللباب، وربما تَعَرَّضْتُ فيه للأصل وإن لم أُعَدُّ لذلك من الأهل، وسميته «بهجة

стр. 39

المحافل وأجمل الوسائل بالتعريف برواة الشمائل». فأقول: وبالله أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل. المسألة الأولى: قال بعض علمائنا: قال النووي: شيوخ الإنسان في العلم آباء في الدين، ووصلة بينه وبين رَبِّ العالمين، فَيَقْبُحُ به جهلهم، وكيف لا يَقْبُحُ جهل الإنسان وهم الوَصْلَةُ بينه وبين ربه الكريم الوهاب، مع أنه مأمور بالدعاء لهم وبِبِرِّهم، وذِكْرِ مآثرهم، والثناء عليهم، والشكر لهم انتهى. إذا عَلِمْتَ هذا فلنا في هذا الكتاب أسانيد متنوعة، ومشايخ عدة من أجلهم وأفضلهم عالم وقته بلا نزاع، ومحدث عصره من غير دفاع، العلامة الرحلة أبو النجا سالم السَّنْهُوري (١)، بَلَّ الله بالرحمة ثراه، وجعل الجنة مثواه، وأخبرنا به مراراً. قال: حدثنا به الشيخ نجم الدين الغَيْطي (٢) بقراءتي عليه، قال: أخبرنا به شيخ الإسلام أبو يحيى زكريا الأنصاري (٣)، قال: أخبرنا به أبو الفتح ابن أبي بكر بن الحسين المدني مشافهةً (٤)، عن الحافظَيْن أبي الفضل

стр. 40

العراقي (١) وأبي الحسن (٢) الهيثمي (٣) سماعاً قالا: أخبرنا به أبو (٤) محمد بن إسماعيل بن الخباز، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن القيم (٥) (ح) وأنبأني عالياً العِزّ أبو محمد الحنفي (٦)، عن الصلاح ابن أبي عمر (٧) وغيره، قالوا -وكذا ابن القيم-: أخبرنا به الفخر أبو الحسن علي بن أحمد بن البخاري (٨) سماعاً، أخبرنا به أبو اليُمْن (٩) زيد بن الحسن الكندي، وقال ابن الخباز: أخبرنا به عبد الله بن محمد بن عبد الله حُضوراً، وأبو العباس أحمد بن

стр. 41

عبد الدائم (١) إذناً، قالا: أخبرنا به الافتخار عبد المطلب بن الفضل الهاشمي (٢)، زاد ابن عبد الدايم فقال: وأخبرنا به عبد الرحمن بن أبي الكرم (٣)، قال الثلاثة: أخبرنا به أبو شجاع عمر بن محمد بن عبد الله البسطامي (٤)، زاد الافتخار فقال: وأخبرنا به أبو حفص عمر بن بن علي الكرابيسي (٥)، وأبو علي الحسن بن بشير البلخي، وعبد الرحيم (٦) بن النعمان الوَلْوَالجي، قال الأربعة: أخبرنا به أبو القاسم أحمد بن محمد البلخي (٧)، أخبرنا به أبو القاسم علي بن أحمد بن علي الخزاعي، أخبرنا به أبو سعيد الهيثم بن كُليب الشاشي (٨)، حدثنا به أبو عيسى الترمذي. المسألة الثانية: ينبغي أن ننبه على المصنف بالتعريف، ليتصوره القاصر على وَجْهٍ لَطِيف.

стр. 42

فنقول: هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة الترمذي الضَّرير، أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، في القديم والحديث، صَنَّفَ «الجامع» و «العِلَل» تصنيف رجل متقن. قال ابن الأثير (١): وبه كان يضرب المثل، تلمذ للإمام الهمام سلطان المحدثين، محمد بن إسماعيل البخاري، وشاركه في شيوخه مثل قتيبة بن سعيد، وعلي بن حُجر وابن بَشَّار، وغيرهم، روى عنه: أبو العباس محمد بن أحمد بن مُحبُوب، وأبو سعيد الهيثم بن كُليب الشَّاشِي، وأبو ذر محمد بن إبراهيم، وأبو محمد الحسن بن إبراهيم القطان، وأبو حامد أحمد بن عبد الله التاجر، وأبو الحسن (٢) الوَذاري وغيرهم. قال الحافظ أبو جعفر بن الزبير (٣): وأما ما ذكره بعض الناس من أنه لا يَصِحُّ سماع أحد في جامع الترمذي عن أبي عيسى ولا روايته عنه، فهذا باطل قاله من قاله؛ فإن الروايات للجامع عن هؤلاء الثقات منتشرة شائعة عنهم وعن جملة معروفين إلى المصنف. وتوفي ﵀ بقرية يقال لها بوغ من قرى ترمذ، وكان موته بعد موت أبي داود بنحو أربع سنين؛ لأن أبا داود مات يوم الجمعة سادس

стр. 43

عشر شوال بالبصرة، سنة خمس وسبعين ومائتين، ومات الترمذي ليلة الاثنين، لثلاث عشرة ليلة مضت من شهر رجب، سنة تسع وسبعين ومائتين. وقال صاحب «التذكرة» (١): محمد بن عيسى بن سَوْرَة بن موسى بن الضَّحَّاك السُّلَمي، أبو عيسى التِّرْمِذي الضَّرير، الحافظ العلَّامة، صاحب كتاب «الجامع» وغيره، طاف البلاد، وسمع خلقاً كثيراً من الخراسانيين، والعراقيين، والحجازيين، وغيرهم، روى عنه محمد بن المنذر شَكَّر، والهيثم بن كليب، وأبو العباس المحبوبي، وخلق. قال الترمذي: سمع مني محمد بن إسماعيل البخاري حديث عطية عن أبي سعيد «لا يحل لأحد يَجْنُبُ في هذا المسجد غيري وغيرك» قلت: وحدث هو عن مسلم بحديث «احصوا هلال شعبان لرمضان». وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان ممن جمع وصنَّفَ وحفظ وذاكر. وقال أبو سعد الإدريسي: كان أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث صنف كتابه «الجامع» و «العلل» تصنيف رجل عالم متقن كان يضرب به المثل في الحفظ. قال أبو العباس المُسْتَغْفِري: مات أبو عيسى بترمذ في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين.

стр. 44

له ثلاثي واحد (١): قال أبو عيسى الترمذي: ثنا إسماعيل بن موسى الفزاري: ثنا عمرو بن شاكر: عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه كالقابض على الجمر» انتهى. تنبيه: هو منسوب (٢) إلى ترمذ، مدينة قديمة على طرف نهر بَلْخ، ويقال له: جيحون، خرج منها جماعة كثيرة من العلماء، والناس يختلفون -كما قاله ابن الأثير- في كيفية النسبة إليها، فبعضهم يقول: بفتح التاء ثالثة الحروف، وبعضهم يقول بضمها، وبعضهم يقول بكسرها، والمتداول على لسان أهل تلك المدينة فتح التاء وكسر الميم، قال: والذي كنا نعرفه فيه قديماً كسر التاء والميم جميعاً، والذي يقوله المُتْقِنون وأهل المعرفة: ضم التاء والميم، وكل واحد يقول معنى لما يدعيه. قلت: الحق أن تلك الأوجه لغات ثابتة في تلك البلدة كما نبه عليه بعض الحفاظ، والمشهور من أهل هذه البلدة رجلان أحدهما هذا الإمام، وثانيهما أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الفقيه الشافعي الترمذي، روى ببغداد عن يحيى بن بُكير المصري، وغيره، وروى عنه عبد الباقي

стр. 45

بن قانع، وكان ثقة زاهداً، مات في المحرم سنة خمس وتسعين (١) ومائتين، ومولده سنة مائتين. المسألة الثالثة: أنه قال قائل: كيف تدخل الأحاديث التي فيها صفته الشريفة في الحديث وقد عَرَّفُوه بأنه ما أضيف إلى النبي ﷺ قولاً له، أو فعلاً له، أو تقريراً، وهي ليست واحداً منها؟ انتهى. فقلنا: قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر: الأحاديث التي فيها صفة النبي ﷺ داخلة في قسم المرفوع بالاتفاق، مع أنها ليست قولاً له ﷺ ولا فعلاً ولا تقريراً، انتهى. على أن العلامة شمس الدين الكرماني عرف الحديث بقوله (٢): اعلم أن علم الحديث موضوعه ذات النبي ﷺ من حيث إنه رسول الله، وحَدُّهُ هو: علمٌ يُعْرَفُ به أقوال رسول الله ﷺ ، وأفعاله، وأحواله، وغايته: هو الفوز بسعادة الدَّارَيْن، انتهى. فزاد في التعريف «وأحواله» فإن قلت: هذا التعريف للحديث فكيف يجعله الكرماني تعريفاً لعلم الحديث؟ قلت: يقال له: الحديث، ويقال له: علم الحديث.

стр. 46

ولفظ شيخ الإسلام في «فتح الباقي» (١): والحديث -ويرادفه الخبر على الصحيح-: ما أضيف إلى النبي ﷺ . قيل: أو إلى صحابي، أو إلى من دونه قولاً أو فعلاً أو تقريراً أو صفة ويُعَبَّر عن هذا بعلم الحديث رِوايةً، ويُحَدُّ بأنه: علمٌ يشتمل على نقل ذلك، وموضوعه: ذات النبي ﷺ من حيث إنه نبي، وغايته الفوز بسعادة الدَّارَيْن، انتهى المراد منه، غايته: أن قَيْدَ الحيثية مُرَاعى، والله أعلم. المسألة الرابعة: قال الجلال (٢) في «القوت» (٣): قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر في كتاب «شروط الأئمة» (٤) لم ينقل عن أحد من الأئمة الخمسة أنه قال شَرَطْتُ في كتابي هذا أن أُخْرِج على كذا، لكن لما سُبِرَت كُتُبَهم علم بذلك شرط كل واحد منهم، فشرط البخاري ومسلم: أن يُخْرِجَا الحديث المجمع على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور. وأما أبو داود والنسائي فَكُل من كتابيهما منقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: الصحيح المخرَّج في الصحيحين. الثاني: صحيح على شرطهما، وقد حكى أبو عبد الله بن منده أن شرطهما إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركها إذا صح الحديث

стр. 47

باتصال الإسناد من غير قَطْع ولا إرسال، فيكون هذا القسم من الصحيح إلا أن طريقه لا يكون طريق ما أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما بل طريقه طريق ما ترك البخاري ومسلم من الصحيح لما بَيَّنَّا أنهما تركا كثيراً من الصحيح الذي حفظاه. والقسم الثالث: أحاديث أخرجاها من غير قطع منهما بصحتها، وقد أبانا علتها بما يفهمه أهل المعرفة، وإنما أودعا هذا القسم في كتابيهما لرواية قوم لها واحتجاجهم بها، فأورداها وبَيَّنَا سَقَمَها لتزول الشبهة، وذلك إذا لم يَجِدا له طريقاً غيره؛ لأنه أقوى عندهما من رأي الرجال. وأما أبو عيسى الترمذي فكتابه -يعني «الجامع» - على أربعة أقسام: قسم صحيح مقطوع به، وهو ما وافق البخاري ومسلماً. وقسم على شرط أبي داود والنسائي كما بينا في القسم الثاني لهما. وقسم آخر كالقسم الثالث لهما أخرجه وأبان عن علته. وقسم رابع أبان هو عنه، وقال: ما أخرجت في كتابي إلا حديثاً عمل به بعض الفقهاء. فعلى هذا الأصل كل حديث احتجَّ به محتج أو عَمِلَ بموجبه عامل، أخرجه سواء صحَّ طريقه أم لم يصح، وقد أزاح عن نفسه، فإنه تَكَلَّم على كل حديثٍ بما فيه، وكان من طريقته أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور عن صحابي قد صح الطريق إليه، وأُخْرِجَ حديثه في الكتب الصحاح، فيورد في الباب ذلك الحكم من حديث صحابي أخر لم

стр. 48

يخرجوه من حديثه ولا يكون الطريق إليه كالطريق إلى الأول إلا أن الحكم صحيح، ثم يتبعه أن يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، ويعد جماعة، منهم الصحابي الذي أخرج ذلك الحكم من حديثه، وقَلَّ ما يَسْلُكُ هذه الطريق إلا في أبواب معدودة، انتهى. ولفظ الحازمي في «شروط الأئمة» (١): مذهب من يُخَرِّج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه، وفي من روى عنهم وهم ثقات أيضاً، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزم إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصلح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات. قال: وهذا باب فيه غموض، وطريق إيضاحه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل، ومراتب مداركهم، فلنوضح ذلك بمثال وهو أن يُعْلَمَ أن أصحاب الزهري مثلاً على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مَزِيَّة على التي تليها. فالأولى: حديثها في غاية الصحة، نحو مالك، وابن عيينة، وعبيد الله بن عمر، ويونس، وعقيل، ونحوهم، وهي غاية مقصد البخاري. والثانية: شاركت الأولى في التثبت غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من لا يزامله في السفر ويلازمه في الحضر، والثانية لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه، فكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهذه شرط مسلم،

стр. 49

نحو الأوزاعي، والليث ابن سعد، والنعمان بن راشد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وابن أبي ذئب. والثالثة: جماعة لزموا الزهري كالطبقة الأولى، غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح فَهُم بين الرد والقبول، وهم شرط أبي داود والنسائي، نحو سفيان بن حسين، وجعفر بن برقان وإسحاق بن يحيى الكلبي (١). والرابعة: قوم شاركوا أهل الثالثة في الجرح والتعديل وتفردوا بقلة ممارستهم لحديث الزهري، لأنهم لم يصاحبوا الزهري كثيراً وهو شرط الترمذي. قال: وفي الحقيقة شرط الترمذي أَبْلَغ من شرط أبي داود لأن الحديث إذا كان ضعيفاً، أو من حديث أهل الطبقة الرابعة فإنه يَتَبيَّن ضعفه ويُنَبِّهُ عليه فيصير الحديث عنده من باب الشواهد والمتابعات، ويكون اعتماده على ما صَحَّ عند الجماعة، ومن هذه الطبقة زمعة بن صالح (٢)، ومعاوية بن يحيى الصَّدَفي، والمثنى بن الصباح. والخامسة: قوم من الضفعاء والمجهولين، لا يجوز لمن يُخَرِّج الحديث على الأبواب أن يخرج لهم إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود فَمَن دونه، فأما عند الشيخين فلا كبحر بن كنير السَّقَّاء، والحكم بن عبد الله الأيلي، وعبد القدوس بن حبيب، ومحمد بن سعيد

стр. 50

المصلوب. وقد يخرج البخاري أحياناً عن أعيان الطبقة الثانية، ومسلم عن أعيان الطبقة الثالثة، وأبي داود عن مشاهير الرابعة، وذلك لأسباب تقتضيه. وقال الذهبي في «الميزان» (١): انحطت رتبة جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائي لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما. وقال أبو جعفر بن الزبير (٢): أولى ما أُرْشِدُ إليه ما اتَّفَقَ المسلمون على اعتماده، وذلك الكتب: الخمسة، والموطأ الذي تَقَدَّمَهَا وضعاً ولم يتأخر عنها رتبة، وقد اختلفت مقاصدهم فيها، وللصحيحين فيها شَفُوف (٣)، وللبخاري لمن أراد التفقه مقاصد جليلة، ولأبي داود في حصْرِهِ أحاديث الأحكام واستيعابها ما ليس لغيره، وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه فيه غيره، وقد سلك النسائي أغمض تلك المسائل وأجلَّها انتهى.

стр. 51

١ - باب ما جاء في خَلْق رسول الله ﷺ - وفي نسخة «خلق النبي ﷺ ». (وهو خبر عن مبتدأ محذوف، والأصل: هذا باب .. إلخ، وجُوِّز فيه النَّصب بفعلٍ مُقَدَّر كاقرأ وافهم وخُذ، والأول أرجح لبقاء أحد ركني الإسناد) (١). والباب لغةً: ما يتوصل به لغيره وهو حقيقةٌ في الأجْرَام كباب الدار، مجاز في المعاني كباب خلق رسول الله. (واصطلاحا ألفاظ مخصوصة دالَّة على معاني مخصوصة، وسميت تلك الألفاظ بابًا لأنه يُتَوَصَّلُ بها إلى معنى آخر. قال الزمخشري: وبوبت الكتب لأن القارئ إذا ختم بابًا وشرع في آخر كان أنشط وأبعث له، كالمسافر إذا قطع مسافة وشرع في أخرى، ولذا كان القرآن سورًا. قيل: ولأنه أسهل في وجدان المسائل والرجوع إليها، وأدعى لحسن

стр. 52

الترتيب والنظم) (١). وجملة أبواب هذا الكتاب خمسون باباً والله أعلم. واعلم أن الإسناد حكاية طريق المتن، والسَّنَد: الطريق الموصل للمتن، ولابن جماعة كلام فيه نظر، فقول المصنف: أخبرنا .. إلخ إسناد، ونفس الرجال سَنَد. وقد اختصروا «حد ثنا» على «ثنا» و «أخبرنا» على «أنا»، ولم يختصروا «أنبأنا» خلافاً للشارح، واختصروا «حدثني» على «ثن» ولم يختصروا «أخبرني» ولا «أنبأني»، وهذا في الرَّسْم، وأما النُّطْق فيجب الإتمام. كما اختصروا في الخط «قال»: الواقعة في الإسناد، وخَصُّوصاً في مَحلٍّ تتكرر فيه مثل «قال: قال» ويجب -صِناعَة- نُطْق القاري بها، فإن لم ينطق بها فقيل: يَبْطُل السماع، والأصحُّ أنه لا يبطل، و «أخبر» مُتَعَدٍّ لواحدٍ بنفسه على ما يُشْعِرُ به كلام «الصحاح» (٢)، و «القاموس» (٣)، وللمخبر عنه وبه بحرف الجر، وما في الشارح فيه نظر. ١ - حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ، وَلاَ بِالْقَصِيرِ، وَلاَ بِالأَبْيَضِ

стр. 53

الأَمْهَقِ، وَلاَ بِالآدَمِ، وَلاَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ، وَلاَ بِالسَّبْطِ، بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً، وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعَرَةً بَيْضَاءَ. قوله: أبو رجاء قُتَيْبَة بن سعيد (١) هو من باب تقديم الكنية على اللقب (٢)، واسمه علي (٣)، وجده حميد (٤) بن طَرِيف الثقفي البَلْخِي أحد أئمة الحديث، روى عن مالك، وابن لهيعة، والليث، وأبي عَوَانة، وخلق. وروى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن المديني، وابن معين، وخلق كثير. وثقه يحيى وأبو حاتم والنسائي وغيرهم. وأثنى عليه أحمد، وقال: هو آخر من سمع من ابن لهيعة. وقال غيره: ثقة مات سنة أربعين ومائتين عن نحو تسعين سنة، كتب الحديث عن ثلاث طبقات. قوله: مالك بن أنس (٥)، يعني: ابن مالك بن أبي عامر بن عَمرو بن

стр. 54

الحارث الأَصْبَحِي الحِمْيَرِي، أبو عبد الله المدني. شيخ الأئمة، ومقبول هذه الأمة، إمام دار الهجرة، ورأس أهل المذاهب المشتهرة. روى عن: نافع، ومحمد بن المنكدر، وجعفر الصادق، وحميد الطويل، وخلقٍ كثير. وروى عنه: نافع (١)، وربيعة، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري ويزيد بن عبد الله الهادي، وهُمْ من شيوخه، وابن جُرَيج، والأوزاعي، وهما أكبر منه، والليث، ووهب بن خالد، وهما من أقرانه، وشعبة، والسفيانان، وخَلْق، وقيل إن أبا حنيفة روى عنه، وفيه بحث. قال البخاري: عن علي بن المديني: لمالك نحو ألف حديث، وأصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر، انتهى، ومفهوم العدد لا يفيد حصراً. قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: من أَثْبَت أصحاب الزهري؟ قال: مالك أثبت في كل شيء. وقال الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك النجم، كفى بالمرء شرفاً أن يقول: حَدَّثني مالك. وقال ابن المديني: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: كان وُهَيْب

стр. 55

لا يَعْدِلُ بمالك أحداً. وقال الواقدي: مات بالمدينة، وفي سِنِّهِ وعُمْرِهِ خلاف، ولا خلاف أنه مات سنة تسع وسبعين ومائة بالمدينة، ودفن بالبقيع، وقبره معروف، وعليه قبة، ويلي جانبه قبر لنافع. قال السخاوي: إما نافع القارئ، أو نافع مولى ابن عُمَر، وَوُلد سنة ثلاث وتسعين فَسِنُّهُ على هذا أربع وثمانون سنة (١)، وقيل: سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة ست وتسعين، وقيل: سنة سبع وتسعين، وقيل: سنة تسعين. تنبيه: الأَصْبَحِي (٢) بفتح الباء الموحدة (٣) نسبةً إلى ذي أَصْبَح (٤)، بَطْن من حِمْيَر، فهو من العرب بل من أولاد ملوك حمير؛ لأن الأذواء (٥) بلغة

стр. 56

حمير لا تستعمل إلا في الملوك. حِلْفُهُ في قريش في بني تيم الله فهو لقريش مولى حِلْف لا مولى عَتَاقة، كما عليه الجمهور خلافاً لابن إسحاق، وسَبَّبَ غلطه هذا [ما] (١) كان من مالك في حقه مما هو معلوم من التواريخ (٢). وهو من تابع التابعين على الصحيح، وقيل: من التابعين، وشُبهة قائلة أنه أدرك عائشة بنت سعد بن أبي وقاص وقد قيل: إنها صحابية، والصحيح فيها أنها تابعية فقد عدها جماعة في التابعيات كالكلاباذي، ولم يعدها ابن عبد البر في الصَّحَابيات. قوله: ربيعة بن أبي عبد الرحمن (٣)، اسمه فَرُّوخ -بفتح الفاء وضم الراء مشددة في آخره خاء معجمة، ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية- التيمي مولى آل المنكدر أبو عثمان، ويقال: أبو عبد الرحمن المدني الفقيه، أحد الأعلام المعروف بربيعة الرأي. روى عن أنس، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيب، ويزيد مولى المُنْبَعِث، وخلق وعنه يحيى الأنصاري، وشعبة، والأوزاعي، والليث، والسفيانان، والدراوردي وخلق.

стр. 57

قال أحمد: ثقة، وأبو الزناد أعلم منه. وقال أبو حاتم والنسائي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت أحد مفتي المدينة. وقال الخطيب: كان فقيهاً عالماً حافظاً للفقه والحديث، وقدم على أبي العباس السفاح الأنبار وكان أَقْدَمَهُ لِيُوَلِّيه القضاء فيقال إنه توفي بالأنبار، ويقال: بل توفي بالمدينة. وكان مالك يقول: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة. قال ابن حبان: مات سنة ست وثلاثين ومائة، وعنه أخذ مالك الفقه. قوله: عن أنس بن مالك: هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار أبو حمزة الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ ، وأحد المكثرين من الرواية عنه ﵊، صح عنه أنه قال: قدم النبي ﷺ المدينة وأنا ابن عشر سنين وأن أمه أم سليم أتت به النبي ﷺ لما قدم فقالت له: هذا أنس غلام يخدمك فقبله، وأن النبي ﷺ كَنَّاه أبا حمزة ببقلة كان يجتنبها (١) ومازحه النبي ﷺ فقال له: «يا ذا الأذنين» وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: خرج أنس مع رسول الله صلى الله عليه

стр. 58

وسلم إلى بدر وهو غلام يخدمه، أخبرني أبي عن مولى لأنس أنه قال لأنس: أشهدت بدراً؟ قال: وأين أغيب عن بدر لا أم لك. قال ابن حجر: وإنما لم يذكروه في البدريين؛ لأنه لم يكن في سن من يقاتل. وقال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان: ثنا أبو داود، عن أبي خلدة قلت لأبي العالية: أسمع أنس من النبي ﷺ ؟ قال: خدمه عشر سنين، ودعا له النبي ﷺ ، وكان له بستان يحمل الفاكهة في السنة مرتين، وكان فيه ريحان تجي منه ريح المسك، وكانت إقامته بعد النبي ﷺ بالمدينة، ثم شهد الفتوح ثم قطن البصرة ومات بها. قال علي بن المديني: كان آخر الصحابة موتاً بالبصرة. وقال البخاري: حدثنا موسى: حدثنا إسحاق بن عثمان (١): سألت موسى بن أنس كم غزا أنس مع النبي ﷺ ؟ قال: ثمان غزوات. ورواه ابن السكن من طريق صفوان بن هبيرة عن أبيه قال: قال لي ثابت البناني قال لي أنس بن مالك: هذه شعرة من شعر رسول الله ﷺ فضعها تحت لساني، قال: فوضعتها تحت لسانه فدفن وهي تحت لسانه.

стр. 59

وقال معتمر عن أبيه: سمعت أنس بن مالك يقول: لم يبق أحد صلى إلى القبلتين غيري. قال جرير بن حازم: قلت لشعبة بن الحبحاب: متى مات أنس؟ قال: سنة تسعين. أخرجه ابن شاهين. وقال سعيد (١) بن عفير، والهيثم بن عدي، ومعتمر بن سليمان: مات سنة إحدى وتسعين. وقال ابن شاهين: حدثنا عثمان بن أحمد [حدثنا حنبل] (٢):حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا معتمر بن سليمان عن حميد مثله، وزاد وكان عمره مائة سنة. وقال ابن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن يزيد الهذلي أنه حضر أنس بن مالك سنة اثنتين وتسعين. وقال أبو نعيم الكوفي: مات سنة ثلاث وتسعين وفيهما أرخه الدارمي (٣) وخليفة، وزاد: وله مائة وثلاث سنين. وحكى ابن شاهين عن يحيى بن بُكَير أنه مات وله مائة سنة وسنة،

стр. 60

قال: وقيل مائة وسبع سنين، ورواه البغوي عن عمر بن شبة عن محمد (١) بن عبد الله الأنصاري كذلك. وقال الطبراني: حدثنا جعفر الفريابي ثنا إبراهيم بن عثمان المصيصي: ثنا مخلد بن الحسين (٢) عن هشام بن حسان عن حفصة عن أنس قال: قالت أم سليم: يا رسول الله: «ادع الله لأنس» فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه»، قال أنس: فلقد دَفنتُ من صُلْبي سوى ولد ولدي مائة وخمسة وعشرين وإن أرضي لتثمر في السنة مرتين. وقال جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس: جاءت بي أم سليم إلى النبي ﷺ وأنا غلام فقالت: «يا رسول الله أنس ادعُ الله له». فقال النبي ﷺ : «اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة» قال: قد رأيت اثنين وأنا أرجو الثالثة. وقال جعفر أيضاً عن ثابت: كنت مع أنس فجاء قهرمانه فقال: يا أبا حمزة عطشت أرضنا قال: فقام أنس فتوضأ وخرج إلى البرية فصلى ركعتين ثم دعا، فرأيت السَّحَاب تَلْتئم قال: ثم أمطرت حتى ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله فقال: انظر أين بلغت السماء، فنظر فلم تعد أرضه إلا يسيراً وذلك في الصيف.

стр. 61

وقال علي بن الجعد عن شعبة عن ثابت: قال أبو هريرة: ما رأيت أحداً أشبه صلاة برسول الله ﷺ من ابن أم سليم يعني أنساً. وروى الطبراني في «الأوسط» (١) من طريق عبيد بن عمرو (٢) الأصبحي عن أبي هريرة أخبرني أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان يشير في الصلاة، وقال: لا نعلم (٣) روى أبو هريرة عن أنس غير هذا الحديث. وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: حدثنا ابن (٤) عون عن موسى بن أنس أن أبا بكر لما استخلف بعث إلى أنس ليوجهه إلى البحرين على السعاية فدخل عليه عمر فاستشاره فقال: ابعثه فإنه لبيب كاتب، قال فبعثه. ومناقب أنس وفضائله كثيرة جداً انتهى كلام الحافظ بِرُمَّتِه (٥)، سقناه بطوله لنفاسته وغزارة فوائده. قلت: الذي رَجَّحَهُ النووي من الأقوال في وفاته قول أبي نعيم الكوفي أنها كانت سنة ثلاث وتسعين. تنبيه: رجال هذا الإسناد كلهم مدنيون، وكلهم علماء فقهاء أجلاء، وصَدَّر كتابه بسند رُبَاعي إشارة للعُلُو، ولم يقع له ثلاثي في هذا الكتاب،

стр. 62

ووقع له في «الجامع» حديث واحد كما قَدَّمْنَاه. ٢ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَبْعَةً، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلا بِالْقَصِيرِ، حَسَنَ الْجِسْمِ، وَكَانَ شَعَرُهُ لَيْسَ بِجَعْدٍ، وَلا سَبْطٍ أَسْمَرَ اللَّوْنِ، إِذَا مَشَى يَتَكَفَّأُ. قوله: حُمَيْد بن مَسْعدة البصري (١)، مصغر حَمَد، ومسعدة بفتح الميم وسكون السين المهملة السَّامي الباهلي. يروي عن: حماد بن زيد، وعبد الوارث، وعبد الوهاب، وخلق. روى عنه عدة منهم: الترمذي، وجماعة. وَثَّقَهُ النسائي وغيره، مات سنة أربع وأربعين ومائتين. و «السَّامي» (٢): بفتح السين المهملة نسبة إلى سَامة بن (٣) لؤي بن غالب. و «البَاهِلي» (٤): نسبة إلى بَاهِلة بن أعصر بن سعد بن قيس عَيْلَان (٥) بن مُضَر وبَاهِلة أيضاً اسم امرأة إليها يُنْسَبُ خلق كثير.

стр. 63

و «البصري»: نسبةً إلى البَصْرة مثلثة الباء الموحدة، بلد معروف شهرته تغني عن ذكره، بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ سنة سبع عشرة من الِهجْرة، لم يُعْبَد بأرضها صَنَم. تنبيه: مسعدة بن اليسع (١) الباهلي والد حُميد سمع من متأخري التابعين، قال الذهبي (٢): هالك، كَذَّبَه أبو داود. وقال أحمد: خرقنا حديثه منذ دهر. قوله: عبد الوهاب الثَّقَفي (٣): هو عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثَّقِفي البَصْري. يروي عن: أيوب السختياني، وجعفر الصادق، والجُرَيْري، وعِدَّة. وروى عنه جماعة منهم: الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق، وابن المديني، وابن معين، وطائفة. قال ابن معين: ثقة اختلط بِأَخَرَة. وقال الفلاس: مات سنة أربع وتسعين ومائة. و «الثَّقَفي» (٤): بفتح الثاء المثلثة والقاف، نسبة إلى ثقيف بن منبه بن بكر

стр. 64

بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن (١) عيلان (٢)، وقيل: إن اسم ثقيف قيس (٣) نزلوا الطائف وانتشروا في البلاد في الإسلام. قال ابن الأثير في «اللباب» (٤): واشتهر بالنسبة إليهم من العلماء أبو محمد بن عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصَّلت بن عبيد الله بن الحكم بن أبي العاصي بن بشر الثقفي البصري، سمع أيوب السختياني وغيره، روى عنه الشافعي وغيره، وكان ثقة فاختلط قبل موته بثلاث سنين، وكانت ولادته سنة عشر ومائة، ووفاته سنة أربع وتسعين ومائة. تتمة: ما حَدَّث به المختلط إن حُمِلَ عنه قبل اختلاطه فَمَعْمول به وإن حُمِلَ عنه بعد اختلاطه فغير مَعْمول به، وإن جُهِلَ حَالُه فموقوف حتى يَرِد من طريق آخر ليس المختلط واسطة فيه فَيُعْمَل به لغلبة الظن أنه ضبطه، ويأتي له مزيد إيضاح، والله أعلم. قوله: رَبْعَة، يمكن جعل التاء فيه مما بنيت عليها الكلمة فلا حاجة إلى تقدير نفس أو نسمة إذ ليست للتأنيث. قوله: ليس بالطويل .. إلى آخره هذا صفة كاشفة لربعة مثل: «ولا طائر

стр. 65

يطير بجناحيه»، وعطف البيان (١) خاص بالأسماء الجامدة، والبَدَلية متكلفة (٢). قوله: أَسْمَر اللَّوْن، في معنى لونه السمرة، لا لونه أسمر فإنه لا يدفع الاعتراض. واعلم أن الجعودة وَصْف حقيقي للشعر، وسببي (٣) لديه (٤)، فهناك وقع بالمعنى الثاني، وهنا بالمعنى الأول. وجَرَّد «حَسَن الجسم» مِنْ «كان»، وأدخلها على «الشعر» لاختلاف الموصوفين، فتدبره. قوله: أسمر اللون: قال الحافظ أبو الفضل العراقي: هذه اللفظة (أعني أسمر اللون) (٥) انفرد بها حميد عن أنس، ورواه غيره من الرواة عنه بلفظ أزهر اللون، ثم نظرنا من روى صفة لونه ﵇ غير أنس فكلهم وصفه بالبياض دون السمرة وهم خمسة عشر صحابياً، فتكون رواية حميد شاذة.

стр. 66

قوله: عن حميد (١)، هو حميد بن أبي حميد الطَّويل، أبو عبيدة البصري، مولى طلحة الطَّلْحات. روى عن: أنس، والحسن، وعِكْرِمة، وثابت البُنَاني، وغيرهم. وعنه جماعة منهم: شعبة، والحمادان، والسفيانان، وابن عُلَيَّة، ويحيى القطان، وخلق. وثَّقَهُ ابن معين وأبو حاتم. وقال مؤمل بن إسماعيل عن حماد: عامة ما يروي حميد عن أنس سمعه من ثابت. وقال الفلَّاس: مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، وهو ابن خمس وسبعين سنة. تنبيهات: الأول: كان حميد قصيراً، وإنما لقب بالطويل لِطُول كان في يَدَيْه (٢). الثاني: [أبو] (٣) حميد والد حميد قيل اسمه تير بفوقية مكسورة ثم

стр. 67

تحتية ساكنة، ثم راء، وقيل: شيرويه (١)، وقيل: طَرْخَان وقيل: مِهْران. الثالث: هذا السَّنَد كله بصريون حتى أنس لأنه سكن البصرة، وقد تَقَدَّم الكلام عليه. ٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، رَجُلا مَرْبُوعًا، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ. قوله: حدثنا محمد بن بَشَّار العَبْدي (٢): هو محمد بن بشار بن عثمان العَبْدي، كنيته أبو بكر البصري، الحافظ، المعروف بِبُنْدَار -بضم الموحدة وسكون النون وفتح الدال بعدها ألف بعدها راء-، ومعناه بالعربية: سوق العلم. روى عن: ابن مهدي، وأبي عاصم، وابن عون، ويحيى القطان، وعفان وخلق. وروى عنه: البخاري، ومسلم، والمصنف، وإبراهيم الحربي، وابن خزيمة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وخلق.

стр. 68

قال أبو حاتم (١): كتبت عن بُندار نحواً من خمسين ألف حديث، وكتبت عن أبي موسى شيئاً وهو أثبت من بندار. وقال العجلي: بصري ثقة كثير الحديث، وكان حائكاً (٢). وقال أبو حاتم: صدوق. وضعفه ابن معين. وقال النسائي: لا بأس به. قال البخاري وغيره: مات في رجب سنة ثنتين وخمسين ومائتين. يقال: وله خمس وثمانون سنة. و «العَبْدِي» (٣): بفتح العين، وسكون الباء الموحدة، وفي آخرها دال مهملة، هذه النسبة إلى عبد القيس من (٤) ربيعة بن نزار، وهو عبد القيس بن أفصي بن دغمن (٥) بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، ينسب إليه خلق كثير منهم الجارود العبدي، وَفَدَ على رسول الله ﷺ ،

стр. 69

وكان سَيِّد عبد القيس واسمه بشر، والجارود لقب؛ لأنه أغار في الجاهلية على ناس من العَرَب فاستأصلهم فقيل له ذلك، قُتِلَ في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه بأرض فارس مجاهداً. قوله: محمد بن جعفر (١)، الهُذَلي البَصْري الحافظ المعروف بغُنْدر. روى عن: شعبة بن الحجاج زوج أمه، والسفيانين، وابن جريج، وهو الذي لقبه بِغُنْدر بضم الغين المعجمة وهو مُحَرِّك الشَّر ومُثيره لما ألقى عليه أسئلة حين دَرَّس بمسجد البصرة مكان الحسن البصري، -شيخ غندر- (٢)، وكان محمد متغالياً في مدح الحسن لا يرى أحداً في مكانه، فقال له: اسكت يا غندر، ومنذ لقبه به لم يُدْعَ بمحمدٍ إلا قليلاً. روى عنه: أحمد، ويحيى، وإسحاق، وابن المديني، وابن المثنى، وابن بَشَّار، وآخرون. قال عبد الرحمن بن مهدي: كنا نستفيد من كتب غندر في حياة شعبة، وغندر في شعبة أثبت مني؛ لأنه كان ربيب (٣) شعبة في بيته. وقال ابن المبارك: إذا اخْتَلَف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حَكَمٌ بينهم.

стр. 70

وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله على غفلة (١)، مات في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين ومائة. و «الهُذَلي» (٢): بضم الهاء، وفتح الذال، وبعدها لام هذه النسبة إلى هذيل بن مدركة بن إلياس بن مُضَر بن نِزار بن مَعْد بن عَدْنان، وأهل وادي نخلة بالقرب من مكة من هُذَيْل، ينسب إليه كثير من العلماء أجلهم عبد الله بن مسعود ﵁. قوله: ثنا شُعْبة (٣)، بن الحَجَّاج بن الوَرْد العَتَكي الأَزْدي، مولاهم، أبو بِسْطَام الواسطي، الحافظ، العَلَم، أحد أئمة الإسلام. نزل بالبصرة، ورأى الحسن، وابن سيرين، وروى عن: معاوية بن قُرَّة، والأزرق بن قيس، وإسماعيل بن رَجَاء، وثابت البناني، وأنس بن سيرين، وقتادة، والحكم (٤)، ومنصور، وخلق كثير. وروى عنه: الأعمش، وأيوب، وابن إسحاق، وسعد بن إبراهيم، وهم من شيوخه، والثوري، وجرير بن حازم، والحسن بن صالح، وهم من أقرانه، وإبراهيم بن طَهْمَان، وابن المبارك، وابن مَهدي، وغُنْدَر، وخلق.

стр. 71

كثير، حديثه نحو ألفي حديث، وكان يَلْثَغ بالتاء فيجعلها ثاء (١). قال أحمد: شعبة أثبت في الحكم من الأعمش، وأحسن حديثاً من الثوري، لم يكن في زمن شعبة مثله. وقال الشافعي: لولا شعبة ما عُرِفَ الحديث بالعراق. وكان سفيان يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة مأموناً ثبتاً حُجَّةً صاحب حديث، وكان أكبر من الثوري بعشر سنين. وقال أبو بكر بن مَنْجُويه: مولده سنة اثنتين وثمانين، ومات سنة ستين ومائة، وكان من سادات أهل زَمَانه حفظاً وإتقاناً وورعاً وفضلاً، وهو أول من فَتَّشَ بالعراق عن أَمْرِ المُحَدِّثين وجَانَبَ الضعفاء والمتروكين، وصار عَلَماً يُقتدى به، وتبعه على هَدْيِه أهل العراق، والله أعلم. قوله: أبي إسحاق (٢)، اسمه: عمرو بن عبد الله بن عُبيد الهَمْدَاني، أبو إسحاق السَّبيعي، الكوفي، التابعي، أحد الأَعْلَام. روى عن: علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وجابر بن سمرة، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وأنس، وابن عمر، وابن عباس، وخلق من الصحابة والتابعين.

стр. 72

وروى عنه: ابناه يوسف ويونس، وشعبة بن الحجاج، والسفيانان، وشَريك، والأعمش، وخلق. وثَّقَهُ أحمد، ويحيى، وأبو حاتم، وغير واحد. وقال أبو حاتم: هو أحفظ من أبي إسحاق الشَّيباني، ويُشْبِهُ الزهري في كثرة الرواية، واتساعه في الرجال. وقال الحُمَيْدي عن سفيان: مات سنة ست وعشرين ومائة. وفي «اللباب» (١): سنة سبع وعشرين ومائة، و «السَّبِيعي» (٢): بفتح السين المهملة، وكسر الباء الموحَّدة، وبعدها مثناة من تحت ساكنة، وفي آخرها عين مهملة، نسبةً إلى سبيع بطن من همدان وهو السبيع بن صعب بن معاوية بن كثير بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن حيوان (٣) بن نوف بن همدان، وقيل هو سبيع بن سبع بن معاوية، وبالكوفة محلة معروفة يقال لها: السبيع لنزول هذه القبيلة بها. تنبيه: أبو إسحاق هذا ممن اختلط في آخر عمره، واعلم أن ما رواه المُخْتَلِط في حال اختلاطه مما اعتمد فيه على حفظه فهو ساقط لا يحتج به، وكذلك ما انبهم حاله فلا يدري هل هو مما رواه وحُمِلَ عنه قبل اختلاطه أو بعده، والمراد سقوطه عنه خاصةً، فأما إذا جاء من طريق ثِقَةٍ

стр. 73

آخر لا يكون ذلك المختلط واسطة فيه (١) أو اعتمد المختلط فيه على كتابه دون حفظه، وكذا ما حَدَّث به قبل اختلاطه وإن حَدَّث به بعده فإن الجميع يحتج به ويتبين ذلك بالراوي عنه، فإنه قد يكون سمع منه قبل اختلاطه فقط، أو بعده فقط، أو فيهما، مع التمييز أو عدمه. وارجع في هذا لما بَيَّنَهُ العِرَاقي في «شرح ألفيته» (٢) تَبْعاً لابن الصلاح في «معرفة من اخْتَلَط من الثقات» (٣). قوله: سمعت البَرَاء بن عَازِب (٤)، هو البَرَاء بن عَازِب بن الحارث بن عَدِي بن جشم بن مَجْدعة بن حارثة بن الحارث بن عمرو بن مالك بن الأَوْس الأنصاري الأَوْسي، يكنى أبا عُمارة، ويقال أبو عمرو، له ولأبيه صحبة، ولم يذكر ابن الكَلْبي في نَسَبِهِ «مجدعة»، وهو أصوب. قال أحمد (٥): حدثنا يزيد عن شريك عن أبي (٦) إسحاق عن البراء، قال: «استصغرني رسول الله ﷺ يوم بدر أنا وابن عمر فردنا فلم نشهدها».

стр. 74

وقال أبو داود الطيالسي في «مسنده»: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمع البراء يقول: «اسْتُصْغِرت أنا وابن عمر يوم بدر». ورواه عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء نحوه، وزاد: «وشهدتُ أُحُداً». أخرجه السَّرَّاج. وروى عنه أنه غزا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة غزوة، وفي رواية خمس عشرة، إسناده صحيح. وعنه قال: «سافرتُ مع رسول الله ﷺ ثمانية عشر سفراً».أخرجه أبو ذر الهروي. وروى أحمد (١) من طريق الثوري عن أبي (٢) إسحاق عن البراء قال: «[ما] (٣) كل ما نحدثكموه عن رسول الله ﷺ سمعناه منه بل حدثناه أصحابنا، وكان شغلنا رعية الإبل». وهو الذي افتتح الري سنة أربع وعشرين في قول أبي عمرو الشيباني، وخالفه غيره، وشهد غزوة تستر مع أبي موسى، وشهد البراء مع علي الجمل وصفين وقتال الخوارج، ونزل الكوفة وابتنى بها داراً. مات في إمارة مصعب بن الزبير، وأرخه ابن حبان سنة اثنتين وسبعين،

стр. 75

وقد روى عن النبي ﷺ جملة من الأحاديث، وعن أبيه، وعن أبي بكر (١) وعُمر، وغيرهما من أكابر الصحابة، وروى عنه من الصحابة أبو جحيفة، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وجماعة آخرهم أبو إسحاق السبيعي (٢). ٤ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَهُ شَعَرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَمْ يَكُنْ بِالْقَصِيرِ، وَلا بِالطَّوِيلِ. قوله: محمود بن غَيْلان العَدَوي (٣)، مولاهم، أبو أحمد المَرْوَزِي. يروي عن: ابن عُيينة، وأبي عاصم، وأبي داود الطيالسي، وخلق. وروى عنه: البخاري، ومسلم، والمَصنِّف، والنسائي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وخلق. وَثَّقَهُ النسائي. وقال أحمد: أعرفه بالحديث، صاحب سنة، قد حبس بسبب القرآن. وقال البخاري وغيره: مات في رمضان سنة تسع وثلاثين ومائتين.
следующие страницы →