بدعوى الجاهلية.
ثم قال: فكيف إذا انضم إلى ذلك ظلم المؤمنين، ولعنهم وسبهم وإهانة أهل الشقاق والإلحاد على ما يقصدونه للدين من الفساد وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى (١).
قال الإمام الذهبي: ولما استشار المسلمون عائشة ﵂ في دفن الحسن ﵁ في حجرتها لما مات فقالت: نعم وكرامة، فبلغ ذلك مروان فقال: كذب وكذبت، والله لا يدفن هناك أبداً، منعوا عثمان من دفنه في المقبرة، ويريدون دفن حسن في بيت عائشة، فلبس الحسين ومن معه السلاح، واستلأم مروان أيضاً في الحديد، ثم قام في إطفاء الفتنة أبو هريرة، أعاذنا الله من الفتن ورضي عن جميع الصحابة فترضى عنهم يا شيعي تفلح، ولا تدخل بينهم، فالله حكم عدل يفعل فيهم سابق علمه، ورحمته وسعت كل شيء، وهو القائل (إن رحمتي سبقت غضبي) و [لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ] الأنبياء ٢٣، فنسأل الله أن يعفو عنا وأن يثبتنا بالقول الثابت. آمين (٢).
وأخيراً: بعد ذكر هذه الوقائع والأحداث والقصص والشواهد، ليس المقصود من إيرادها وسردها إلا شفاء قلوب المؤمنين الصادقين المحبين للصحابة الكرام الأخيار، وآل البيت الأطهار ﵃ وأرضاهم، في
стр. 352
بيان نصرتهم، وأوجه الدفاع عنهم، وأن الله بالمرصاد لكل طاعن ومستهزئ بأفضل القرون، وأنه سبحانه يدفع عنهم، وينتصر ممن عادهم (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب).
وكذا المنهج النبوي في المنافحة عن الصحابة الكرام، ومن بعده أخذوا هذا المنهج وساروا عليه، ولذا النماذج المذكورة شواهد على ما أقول.
ولسنا هنا فقط في مقام من يسرد الشواهد والنماذج، ويتواكل عليها وعلى أمثالها ويؤثر الدعة والسكون والراحة، بل المقصود الأعظم هو استنهاض الهمم للقيام بالواجب تجاه أصحاب النبي ﷺ بما يجب ويلزم، ولنكن وجهاً من أوجه الدفاع طبعاً بالتي هي أحسن - عن الصحابة الكرام ﵃ أجمعين.
والمحروم من حرم هذا الشرف العظيم وهو الذب عن الصحابة الأطهار، خاصة في الأزمان التي يحصل فيها التطاول عليهم ويكثر.
ويكفي في هذا المقام أن نذكر القوم بقول الحبيب المصطفى والنبي المجتبى ﵊: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) (١).
وقال ﷺ : (كل المسلم على المسلم حرام: ماله وعرضه ودمه، حسب
стр. 353
امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم).
وقال ﷺ : (إن من أربى الربا: الاستطالة في عرض المسلم بغير حق) (١).
وقال ﷺ : (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدروهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) (٢).
وأي عرض أعظم من عرض أفاضل الخلق وسادات المسلمين وأولياء الله المتقين أصحاب النبي الأمين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ويكفيك أيها الذاب عن الأعراض الطاهرة قول النبي ﷺ : (من حمى مؤمناً من منافق) أراه قال: (بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مسلما بشيء يريد شينه به، حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال) (٣).
стр. 354
الخاتمة والتوصيات
في ختام هذا التطواف المبارك مع الثلة المباركة نخلص إلى النتائج التالية:
[١] أن جيل الصحابة خير الأجيال، وقرنهم خير القرون، بلا خلاف، لنص المصطفى ﷺ . وما ميزهم على غيرهم، صحبتهم للنبي الكريم، والتماسهم من جميل صفاته، وكريم أخلاقه، وكمال تعاملاته، وهذا ما مكنهم في الأرض وجعلهم الساسة السادة القادة.
يقول الإمام الغزالي: وإنما فضل الصحابة لمشاهدتهم قرائن أحوال الرسول ﷺ واعتلاق قلوبهم أموراً أدركت بالقرائن فسددهم ذلك إلى الصواب، من حيث لا يدخل في الرواية والعبارة، إذ فاض عليهم من نور النبوة ما يحرسهم الأكثر عن الخطأ (١)
فكان لهم من موجب التقدير والاحترام والإجلال ما ليس لغيرهم، حتى إن شاعراً مدح سالم بن عبد الله بن عمر فقال: (وبلال عبد الله خير بلال) فقال له ابن عمر: كذبت، بل (وبلال رسول الله خير بلال) (٢).
وروي أنّه جيء للفاروق عمر بن الخطاب ﵁ برجل بدوي هجا الأنصار، فقال لهم: لولا أن له صحبة من رسول الله ﷺ ما أدري ما نال فيها
стр. 355
لكفيتكموه، ولكن له صحبة منه. فها هو ذا عمر على صرامته في الحق قد توقف عن معاتبته فضلاً عن معاقبته؛ لكونه علم أنّه حظي بشرف الصحبة (١).
فكانوا ﵃ أطوع الناس لله تعالى ورسوله ﷺ وأسرعهم فيئة إلى الحق، وأكرمهم للحق، فما من خلق حسن إلا ولهم منه أكمله، وما من عمل بر إلا وهم أوله، حازوا قصب السبق في كل مجالات الحياة، فهم العلماء العاملون، والرواد المبدعون، وأهل الفكر والفهوم، وكانوا إذا جن عليهم الليل قليلاً ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون، وفي أموالهم حق للسائل والمحروم، فهم رهبان الليل وفرسان النهار.
قال الله تعالى عنهم [وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً] النساء ٨٧، [أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] وقال عنهم [وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً] النساء ١٢٢، [فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] الحشر ٩.
ولا يعني بحال من الأحوال، أن هذه الأعطيات والمنح الإلهية الربانية لأولئك القوم وذاك الجيل، كانت موجباً للكسل والتواني، بل كانوا أقوم الناس بالحق، وأقولهم للحق، وأشجعهم في نصرة الحق [وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ] الحشر ٨. والصحابة ﵃ أعرف الناس للحق، واتبع له. يقول الإمام ابن القيم: كل من كان أعرف للحق واتبع
стр. 356
له، كان أولى بالصراط المستقيم. ولا ريب أن أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنهم: هم أولى بهذه الصفة من الروافض. فإنه من المحال أن يكون أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم - جهلوا الحق وعرفه الروافض، أو رفضوه وتمسك به الروافض. ثم رأينا آثار الفريقين تدل على أهل الحق منهما. فرأينا أصحاب رسول الله ﷺ فتحوا البلاد، وقلبوها بلاد إسلام، وفتحوا القلوب بالقرآن والعلم والهدى. فآثارهم تدل على أنهم هم أهل الصراط المستقيم. ورأينا الرافضة بالعكس في كل زمان ومكان، فإنه قط ما قام للمسلمين عدو من غيرهم إلا كانوا أعوانهم على الإسلام، وكم جروا على الإسلام وأهله من بلية؟ وهل عاثت سيوف المشركين عباد الأصنام - من عسكر هولاكو وذويه من التتار- إلا من تحت رؤوسهم؟ وهل عطلت المساجد، وحرقت المصاحف، وقتل سروات المسلمين وعلماؤهم وعبادهم وخليفتهم إلا بسببهم ومن جرائهم؟ ومظاهرتهم للمشركين والنصارى معلومة عند الخاصة والعامة، وآثارهم في الدين معلومة. فأي الفريقين أحق بالصراط
стр. 357
المستقيم؟ وأيهم أحق بالغضب والضلال، إن كنتم تعلمون؟ ولهذا فسر السلف الصراط المستقيم وأهله: بأبي بكر وعمر، وأصحاب رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنهم، وهو كما فسروه، فإنه صراطهم الذي كانوا عليه، وهو عين صراط نبيهم. وهم الذين أنعم الله عليهم، وغضب على أعدائهم، وحكم لأعدائهم بالضلال (١).
وليست هذه المنح والأعطيات والهبات موجبة لعصمة القوم، لا! فهم بشر من جملة البشر، اصطفاهم الله تعالى واختارهم لصحبة نبيه ﷺ ، والقتال عن دينه، فقاموا به حق قيام، وربما أخطأتهم الفطرة البشرية فجاء الدين مقوّما، والشرع مُهذّباً.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وسائر أهل السنة والجماعة وأئمة الدين لا يعتقدون عصمة أحد من الصحابة ولا القرابة ولا السابقين ولا غيرهم بل
стр. 358
يجوز عندهم وقوع الذنوب منهم، والله تعالى يغفر لهم بالتوبة، ويرفع بها درجاتهم، ويغفر لهم بحسنات ماحية، أو بغير ذلك من الأسباب (١).
وبعض من يتحدث عن بشرية الصحابة ﵃ يجعله مدخلاً أو يفتح باباً للآخرين للقدح في القوم والنيل فيهم، والطعن في أعراضهم، وتتبع زلاتهم، وقولهم: إنهم بشر ونحن بشر، وما يقع منا يقع منهم.
قلت: لقد أبعدتم النجعة، فلو اتفقنا في البشرية فلن نتفق معهم في فضلهم ولا منزلتهم ولا مكانتهم ولا علمهم ولا أخلاقهم ولا تواضعهم ولا وفائهم ولا جهادهم ولا صدقهم (فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
لسنا نغلو في القوم، فالغلو مذموم، ولكن أن نجفو حقهم، أو نقصر في مقامهم، فهذا ما تتطلع إليه نفوس حاقديهم، وإلا فإن النبي الأكرم ﷺ يقول لأصحابه: (لا يبلغّني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر) (٢) فالنبي ﷺ قال لأصحابه ﵃ ما قال: تأديباً وتربية لهم وتفخيماً لشأنهم، والحذر من الوقوع في أعراضهم، فقال: (لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً) فشيء: نكرة في سياق النهي، فيعم كل شيء مما يسوؤه ويكرهه ويغضبه في أصحابه (فإني أحب أن أخرج إليكم) من
стр. 359
البيت وألاقيكم، (وأنا سليم الصدر): من مساويكم، وهذا يشمل سلامة الصدر تجاههم في حياته ﵊ وبعد مماته. قال الإمام ابن الملك: والمعنى أنّه ﷺ يتمنى أن يخرج من الدنيا وقلبه راض عن أصحابه من غير سخط على أحد منهم، وهذا تعليم للأمة أو من مقتضيات البشرية (١).
وهاهم الصحابة ﵃ يعرفون لبعضهم فضل بعض، فأخرج الإمام الترمذي عن خيثمة بن أبي سبرة قال: أتيت المدينة فسألت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً فوفقت لي، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، جئت ألتمس الخير وأطلبه، قال: أليس فيكم سعد بن مالك: مجاب الدعوة، وابن مسعود: صاحب طهور رسول الله ﷺ وبغلته، وحذيفة: صاحب سر رسول الله ﷺ ، وعمار: الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه، وسلمان صاحب الكتابين؟ قال قتادة: والكتابان: الإنجيل والفرقان، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب (٢).
وكذا أخرج الإمام البخاري في صحيحه قول أبي الدرداء لما سأل الرجل: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة، فقال: أليس فيكم - أو منكم - صاحب السر الذي لا يعلمه غيره - يعني حذيفة - قال: قلت: بلى، قال: أليس فيكم - أو منكم - الذي أجاره الله على لسان نبيه ﷺ ؟ يعني من الشيطان، يعني: عمار: قلت: بلى، قال: أليس فيكم - أو منكم - صاحب
стр. 360
السواك والوساد أو السرّار؟ قال: بلى ... ) (١) وهذا عبد الرحمن بن عوف لما أراد عمر بن الخطاب أن يقوم في منى ويحدث الناس عمن قال: لو مات أمير المؤمنين لبايعنا فلاناً، فقال: لأقومن العشية فاحذر هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم، فقال عبد الرحمن: لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس يغلبون على مجلسك فأخاف أن لا ينزلوها على وجهها، فيطير بها كل مطير، فأمهل حتى تقدم المدينة دار الهجرة، دار السنة، فتخلص بأصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فيحفظوا مقالتك وينزلوها على وجهها ..
وفي لفظ: قال عبد الرحمن: فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغائهم فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة تطيرها عنك كل مطيّر، وأن لا يعوها وأن لا يضعوها مواضعها، فأمهل حتى نقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها .. (٢).
وفي الحديث نفسه يقول عمر بن الخطاب مثنياً على الصديق ﵄ وعارفاً له فضله، لما أراد أن يحدث في السقيفة فقال: كنت قد زوّرت
стр. 361
مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أدارى عن بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترى من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت. ومعنى زورت: أي هيأت وحسنت. وفي رواية (رويت) من الروية ضد البديهة (١)
ثم قال عمر فيه: وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر. قال الإمام الخطابي: يريد أن السابق منكم الذي لا يلحق في الفضل لا يصل إلى منزلة أبي بكر، فلا يطمع أحد أن يقع له مثل ما وقع لأبي بكر من المبايعة له أولاً في الملأ اليسير، ثم اجتماع الناس عليه وعدم اختلافهم عليه، لما تحققوا من استحقاقه فلم يحتاجوا في أمره إلى النظر ولا إلى مشاورة أخرى، وليس غيره في ذلك مثله (٢).
بل إنهم ﵃ يغمطون من حقوق أنفسهم تجاه أصحابهم، يقول الإمام سعيد بن المسيب، كان بين طلحة وابن عوف تباعد، فمرض طلحة فجاء عبد الرحمن يعوده فقال طلحة: أنت - والله - يا أخي خير مني، قال: لا تفعل يا أخي، قال: بلى - والله - لأنك لو مرضت ما عدتك (٣).
وها هو النبي الأكرم والرسول الأعظم، عليه أفضل الصلاة
стр. 362
والسلام، متى وجد مناسبة أو موقفاً يحتاج للتذكير ببيان فضل القوم بيّن وفعل. عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: صعد ابن مسعود شجرة، فجعلوا يضحكون من دقة ساقيه، فقال النبي ﷺ (إنهما في الميزان أثقل من أحد) (١).
ولذا وجب أن نعرف للصحابة ﵃ حقهم وفضلهم، وهذا يتبين بما يلي:
[٢] فقد بوّب أهل السنة والجماعة في كتب العقائد أبواباً في فضائل الصحابة وآل البيت وأزواج النبي ﷺ ، وحقهم علينا وواجبنا تجاههم، بل غالب المدونات والمصنفات والصحاح بوّبت لمثل هذا. وهذا يدل على أن هذه المكانة والمنزلة للصحابة ﵃ دين وإيمان وعقيدة.
ومجمل الحقوق والواجبات التي ذكرها أهل السنة لأصحاب الرسول ﷺ في أمور:
أ) وجوب محبتهم وإجلالهم وتعظيمهم، دون إفراط في حب أحد منهم، ولا تبرئ من أحد منهم.
قال الإمام القرطبي: قال جل وعلا [وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ] الحشر ١٠. قال: هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة؛ لأنه جعل لمن بعدهم حظاً في الفيء، ما أقاموا
стр. 363
على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأن من سبهم أو واحداً منهم، أو اعتقد فيه شراً، إنّه لا حق له في الفيء روي ذلك عن مالك وغيره (١)
ب) قبول ما جاء في الكتاب والسنة في فضائلهم ومراتبهم ﵃.
ج) سلامة القلوب والألسنة لأصحاب النبي ﷺ ، والترضي عنهم.
قال العوام بن حوشب: أدركت صدر هذه الأمة يقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله ﷺ حتى تألف عليهم القلوب، ولا تذكروا ما شجر بينهم فتجسروا الناس عليهم (٢).
وقال الإمام الشوكاني: وقد جرت عادة هذه الأمة والسواد الأعظم من سلفها وخلفها على الترضي عن الصحابة، والترحم على من بعدهم والدعاء لهم بمغفرة الله وعفوه (٣).
د) الشهادة لمن شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، فكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بها، وعلى رأسهم العشرة، رضي الله عن الجميع.
هـ) إحسان القول في الصحابة ﵃ وأزواج النبي ﷺ الطاهرات المطهرات من كل دنس، وذرّيّاته المقدسين، فمن أحسن القول فيهم برئ من النفاق.
стр. 364
و) حب أهل بيت النبي ﷺ وحفظ وصيته ﵊، فيهم: (اذكروا الله في أهل بيتي).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: محبتهم عندنا فرض واجب، يؤجر عليه، فإنه قد ثبت عندنا في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: خطبنا رسول الله ﷺ بغدير يُدعى: خمّاً، بين مكة والمدينة فقال: يا أيها الناس: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله .. ) فذكر كتاب الله وحض عليه، ثم قال: (وعترتي أهل بيتي، اذكركم الله في أهل بيتي، اذكركم الله في أهل بيتي) ثم قال: ومن أبغضهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً (١).
ز) ذكرهم بالجميل، فمن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل، وذكرهم بسوء يؤدي إلى بغضهم، وربما أدى إلى فجور وكفر، ذكر الشيخ شمس الدين خطيب مدينة بيروت، وإمامها عن السيد عمر الحضرمي من أهل بيروت، أنّه اجتمع برافض من أهل جبل عاملة، فقال له الرافضي: نحن نبغض أبا بكر لتقدمه في الخلافة على عليّ، ونبغض جبريل، لأنه نزل بالرسالة على محمد ولم ينزل على علي، ونبغض علياً لسكوته عن طلب حقه من أبي بكر وهو قادر عليه، ونبغض الله لأنه أرسل محمدا ًولم يرسل علياً. وهذا من أقبح ما يكون من الكفر الذي ما سمع بمثله - والعياذ
بالله -.
стр. 365
وذكر ابن بشكوال بسنده إلى محمد بن عمر بن يونس قال: كنت بصنعاء فرأيت رجلاً والناس حوله مجتمعون عليه فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا رجل كان يؤم بنا في شهر رمضان، وكان حسن الصوت بالقرآن، فلما بلغ [إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً] الأحزاب ٥٦. قال: إن الله وملائكته يصلون على علي النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، فحرص وجذم وبرص وعمي وأقعد مكانه (١).
ل) الإمساك عما شجر بين الصحابة ﵃ والتماس أحسن الأعذار لهم.
- ولما جاء بعض رسل الخليفة إلى الإمام أحمد فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيما كان بين علي ومعاوية فقال: ما أقول إلا الحسنى، ﵏ أجمعين.
ولذا كان عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الزاهد يقول إذا سئل عن صفين والجمل: أمر أخرج الله يدي منه، لا أدخل لساني فيه.
وهذا هو المنهج الصحيح للتعامل مع تلك الفتن، وإلا فجر اللسان فيها يؤدي إلى تنقصهم وازدرائهم وسبهم، وقد قال الإمام أحمد: من شتم أصحاب النبي ﷺ لا نأمن أن يكون مرق من الدين. قلت: كيف لا، وقد قال معمر بن راشد: أصحاب محمد ﷺ أصابتهم نفحة النبوة. (٢)
стр. 366
وخلاصة الأمر: أن حبّهم إيمان ودين وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان، فمن نظر في سيرهم بعلم وبصيرة، وما منّ الله تعالى به عليهم من الفضائل علم يقيناً أنّهم خير القرون بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنّهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم، وأكرمها على الله تعالى، وكان القرن الأول أكمل الناس في العلم النافع والعمل الصالح. (قاله شيخ الإسلام ابن تيمية).
أنشد نصر بن منصور النميري لنفسه:
أحب علياً والبتول وولدها ... ولا أجحد الشيخين فضل التقدم ...
وأبرأ ممن نال عثمان بالأذى ... كما أتبرأ من ولاء ابن ملجم
وذكر عن أبي العز محمد بن الحسن المقرئ الواسطي:
إن من لم يقدم الصديقا ... لم يكن لي حتى يموت صديقا ...
والذي لا يقول قولي في الفارو ... ق أنوي لشخصه تفريقا ...
ولنار الجحيم باغض ذي النور ... ين يهوي منها مكاناً سحيقاً ...
من يوالي عندي علياً وعادا ... هم طرا عددته زنديقاً (١)
стр. 367
ومن أوجه إكرام الله جل وعلا لأصحاب النبي ﷺ وحفظهم وإعلاء شأنهم ومقامهم:
- أنّه لم يجعل فيهم موسوس، قال الإمام ابن القيم: وليعلم أن الصحابة لم يكن فيهم موسوس ولو كان فضيلة لما ادخرها الله عن رسوله وصحابته وهم خير الخلق وأفضلهم (١)
- وأنه لم يبتل أحدهم بالطرش، يقول الإمام ابن القيم: لا يعرف في الصحابة أطرش (٢)
ويقول: لم يكن في الصحابة أطرش وكان فيهم أضراء، وقل أن يبتلي الله أولياءه بالطرش، ويبتلي كثيراً منهم بالعمى، فمضرة الطرش في الدين، ومضرة العمى في الدنيا والمعافى من عافاه الله منها.
ثم يقول: والذي يليق بهذا الموضع أن يقال: عادم البصر أشدهما ضرراً وأسلمهما ديناً وأحمدهما عاقبة، وعادم السمع أقلهما ضرراً في دنياه، وأجهلهما بدينه، وأسوأ عاقبة، فإنه إذا عدم السمع عدم المواعظ والنصائح وانسدت عليه أبواب العلوم النافعة، وانفتحت له جزر الشهوات التي يدركها البصر ولا يناله من العلم ما يكفه عنها فضرره في دينه أكثر وضرر الأعمى في دنياه أكثر (٣).
стр. 368
وكانوا أزهد الناس مع ما بأيديهم من الأموال (١) ولذا كانت فراستهم أصدق الفراسة (٢).
[٣] أن الصحابة ﵃ عاشوا زمن التشريع، ونزول الوحي، وكان كثير من الصحابة حدثاء عهد بجاهلية، فتعلق ببعضهم، بعض أوصافها، فيأتي الوحي مصححاً ومبيناً وموجهاً ومحذراً، ومن ذلك: ما قاله أبو ذر لبلال ﵄: يا ابن السوداء، فقال له النبي ﷺ : أعيرته بأمه، إنك امرؤ فيك جاهلية (٣).
ومما علق في أذهانهم ﵃ وأرضاهم، الحلف على ما كان جارياً في الجاهلية، فكان بعد إسلام أحدهم يجري على لسانه حلف الجاهلية، فقال النبي ﷺ : (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) قال عمر ﵁: فو الله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ ذاكراً ولا أثراً (٤) ومن هنا قال المصطفى ﷺ : (من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله) (٥).
стр. 369
قال الإمام النووي: إنما أمر بقول: لا إله إلا الله؛ لأنه تعاطى تعظيم صورة الأصنام حين حلف بِها، ومذهب جماهير العلماء أن من قال ذلك أن يمينه لم تنعقد، بل عليه أن يستغفر الله، ويقول: لا إله إلا الله، ولا كفارة عليه سواء فعله أم لا (١).
قلت: والنبي ﷺ أوصى الرجل لما سأله الوصية فقال: لا تغضب ثلاثاً.
مما يدل على أن الغضب من الطبيعة البشرية، إلا أنّها تحتاج لتهذيب، ولذا بين النبي ﷺ أسباب الوقاية منه، وما يفعله المرء إذا غضب، ومن هنا نستطيع فهم واقع الصحابة ﵃ إذ هم من قبل هذه الطبيعة البشرية، ولكنها أنقى وأكمل طبيعة، إذ هي أسرع الطبائع للفيئة إلى الحق. ففي الحديث الصحيح: (استب رجلان عند النبي ﷺ فجعل أحدهما تحمر عيناه، وتنتفخ أوداجه، فقال الرسول ﷺ : (إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال: هل ترى بي من جنون. وفي رواية الإمام البخاري: فانطلق إليه الرجل وقال: تعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال: أترى بي بأس! أمجنون أنا؟ اذهب (٢).
قال الحافظ ابن حجر: واخلق بهذا المأمور أن يكون كافراً أو منافقاً،
стр. 370
أو كان غلب عليه الغضب حتى أخرجه من الاعتدال بحيث زجر الناصح الذي دله على ما يزيل عنه وظن أنّه لا يستعيذ من الشيطان إلا من به جنون ولم يعلم أن الغضب نوع من شر الشيطان، ولهذا يخرج به عن صورته، ويزيد إفساد ماله، كتقطيع ثوبه، وكسر أنيته أو الإقدام على من أغضبه، ونحو ذلك مما يتعاطاه من يخرج عن الاعتدال (١).
وهذا الصديق ﵁ يقع فيه رجل فيؤذيه مرة وثانية وثالثة، فيقوم وينتصر لنفسه، فيقوم رسول الله ﷺ ، حينها فيقول الصديق للرسول ﷺ : أو جدت عليّ يا رسول الله؟ قال: نزل ملك من السماء يكذبه بما قال لك، فلما انتصرت وقع الشيطان، فلم أكن لأجلس إذ وقع الشيطان. قال الإمام المنذري: هذا مرسل (٢).
قوله " فانتصر منه أبو بكر ": أي: عملاً بالرخصة المجوّزة للعوام، وتركاً للعزيمة المناسبة لمرتبة الخواص، وهو ﵁ وإن كان جمع بين الانتقام عن بعض حقه، وبين الصبر عن بعض حقه، لكن لما كان المطلوب منه الكمال المناسب لمرتبته من الصديقية ما استحسنه النبي ﷺ (٣).
وها هي الفطرة البشرية تبرز في موقف الضعف: فالرسول ﵊ يقول: من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟
стр. 371
فيقوم سعد بن معاذ ويقول: يا رسول الله، والله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة - سيد الخزرج- واحتملته الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم لسعد بن معاذ فقال: لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله، والله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، وتساور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا وسكت (١).
وعائشة ﵂ تقول في سعد بن عبادة: وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحمية: أي أنّه كامل الصلاح. وفي رواية: وكان صالحاً ولكن الغضب بلغ، ومع ذلك لم يغمص عليه في دينه. ولكن احتملته الحمية: أي: حملته على الجهل.
قال العلماء: ومن الحمل الجيد لقوله: " كذبت لا تقتله ولا تقدر على قتله ": أي: أن النبي ﷺ لا يجعل حكمه إليك، فلذلك لا تقدر على قتله. قال الحافظ ابن حجر: وهو حمل جيد (٢).
وقد اعتذر الإمام المازري عن قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة: إنك منافق، أنّ ذلك وقع منه على جهة الغيظ والحنق والمبالغة في زجر سعد
стр. 372
بن عبادة عن المجادلة عن ابن أبي وغيره، ولم يرد النفاق الذي هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر، قال: ولعله ﷺ إنما ترك الإنكار عليه لذلك (١).
ومما يدل على كمالهم وفضلهم، رجوعهم إلى الحق مباشرة:
في الحديث (لما قسّم النبي ﷺ الغنائم يوم حنين فأعطى المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار، كأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فهم غضبوا، فخطبهم النبي ﷺ وقال: يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلاّلاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، كلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمنّ، ثم قال: ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرؤ من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً لسلكت وادي الأنصار وشعبها الأنصار شعار، والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض (٢).
وفي رواية: أما لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم، أتيناك مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فواسيناك، ثم قالوا: رضينا عن الله ورسوله. وفي راوية: قال اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، قال: فبكى القوم حتى اخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً.
стр. 373
قال الإمام ابن القيم: وأما قصة الأنصار وقول من قال منهم: فقد اعتذر رؤساؤهم بأن ذلك كان من بعض أتباعهم ولما شرح لهم النبي ﷺ ما خفي عليهم من الحكمة فيما صنع، رجعوا مذ عنين، ورأوا أن الغنيمة العظمى ما حصل لهم من عود رسول الله ﷺ إلى بلادهم.
وقال الحافظ ابن حجر: وفيه حسن أدب الأنصار في تركهم المماراة والمبالغة في الحياء وبيان أن الذي نقل عنهم إنما كان عن شبانهم، لا عن شيوخهم وكهولهم (١).
فرضي الله عنهم، ما أزكاها من نفوس، وأطهرها من قلوب، وأعلاها من أرواح، وأرضاها من جوارح، علت وسمت في سماء الإسلام.
[٤] أقوال أهل البيت وأفعالهم مع بقية أصحاب النبي ﷺ أظهر دليل، وأقوى حجة وأسطع برهان لدحض أقوال المفترين المغرضين الذين وسعوا الشقة، وأطالوا المفازة بين الفريقين، فمصاهرة الصحابة ﵃ لأل البيت، وتسمية أبناء آل البيت بأسماء كبار الصحابة، لهو أكبر دليل على كمال القرب بينهم.
فعثمان بن عفان تزوج من بنتي الرسول الأكرم ﵊، رقية ثم أم كلثوم ﵄، وتوفين في حياته، حتى قال
стр. 374
النبي ﷺ : (لو كن عشراً لزوجتهن عثمان) (١).
وبنات النبي ﷺ أربع: زينب وهي أكبرهن سناً، وفاطمة وهي أصغرهن سناً - على المشهور - ثم اختلفوا في رقية وأم كلثوم؟
فقيل: إن رقية أكبر سنا من أم كلثوم، لأن عثمان تزوجها أولاً في أول إسلامه ثم أم كلثوم بعدها بعد وقعة بدر، والكبيرة تزوج أولاً، وإن جاء خلافه (٢).
وأشرف منهم وأكرم، سيد ولد آدم، إمام أهل البيت وسيدهم، تزوج من ابنتي أبي بكر وعمر ﴿عائشة وحفصة﴾ ﵃.
وهذا عمر بن الخطاب تزوج من أم كلثوم بنت علي وفاطمة رضي الله عن الجميع (٣).
وعلي تزوج من أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر الصديق بعد وفاته ﵃ (٤).
وكذا سلسلة النسب الشريف لأهل البيت، بينهم وبين غيرهم من غير آل البيت مصاهرات مشهورة معلومة.
- وها هي أقوال أهل البيت ﵃ شامخة منيفة في إبراز مكانة الصحابة
стр. 375
صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهم الشيخين:
عن ابن عباس ﵄ قال: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر (١). وفي لفظ: (حدثني رجال أحبهم إلي عمر) وفي لفظ (حدثني ناس أعجبهم إلي عمر). قوله: شهد عندي: أي اعلمني وأخبرني وبين لي، قال الكرماني: المراد من الشهادة لازمها وهو الإعلام، أي: اعلمني رجال عدول.
وقوله: مرضيون: أي لا شك في صدقهم ودينهم.
قال الإمام ابن دقيق العيد: وفي الحديث رد على الروافض فيما يدعونه من المباينة بين أهل البيت وأكابر الصحابة ﵃. قال الفاكهاني: صدق ﵀ (٢).
قال يحيى بن شداد: سمعت علياً ﵁ يقول: أفضلنا أبو بكر (٣).
وعن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان،
стр. 376
قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويروي هذا عن علي بن أبي طالب من نحو ثمانين وجهاً، وأنه كان يقول على منبر الكوفة، بل قال: لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري. فمن فضله على أبي بكر وعمر جلد بمقتضى قوله ﵁ ثمانين سوطاً.
وقال ﵀: وهذا يقوله لابنه الذي لا يتقيه، ولخاصته، ويتقدم بعقوبة من يفضله عليهما، والمتواضع لا يجوز له أن يتقدم بعقوبة كل من قال الحق، ولا يجوز أن يسميه مفتريا (١).
ومحمد بن الحنفية هو ابن علي بن أبي طالب، واسم الحنفية: خولة بنت جعفر.
وفي رواية: قلت لأبي: يا أبتي: من خير الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أو ما تعلم يا بني؟. قلت: لا، قال: أبو بكر. أخرجه الدارقطني (٢).
وعن النزال بن سبرة قال: وافقنا من علي ذات يوم طيب نفس ومزاج، فقلنا: يا أمير المؤمنين حدّثنا عن أصحابك خاصة، قال: كل أصحاب النبي ﷺ أصحابي، قالوا: حدثنا عن أبي بكر الصديق قال: ذاك امرؤ أسماه الله صديقاً على لسان جبريل ولسان محمد ﷺ . كان خليفة رسول
стр. 377
الله ﷺ على الصلاة رضيه لديننا، ورضيناه لدنيانا (١).
وأخرج الإمام البخاري عن ابن عباس قال: إني لواقف في قوم فدعوا لعمر بن الخطاب، وقد وضع على سريره، إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول: رحمك الله: إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك، لأني كثيراً ما كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: كنت وأبو بكر وعمر، دخلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجوا أن يجعلك الله معهما، فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب (٢).
وأخرج الإمام اللالكائي بسنده عن محمد بن علي بن حسن يذكر عن أبيه قال: قال فتى من بني هاشم لعلي بن أبي طالب حين انصرف، سمعتك تخطب يا أمير المؤمنين في الجمعة تقول: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين فمن هم؟ قال: فاغرورقت عيناه، يعني: ثم انهملت على لحيته ثم قال: أبو بكر وعمر، إمامي الهدى وشيخي الإسلام والمقتدى بهما بعد رسول الله ﷺ ، من اتبعهما هدي إلى صراط مستقيم، ومن اقتدى بهما رشد، ومن تمسك بهما فهو من حزب الله، وحزب الله هم المفلحون (٣).
وروى البزار في مسنده من حديث محمد بن عقيل عن علي أنّه
стр. 378
خطبهم فقال: يا أيها الناس من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين، فقال: أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر، إنا جعلنا لرسول الله ﷺ عريشاً، فقلنا من يكون مع رسول الله ﷺ لئلا يهوي إليه المشركين، فو الله ما دنا أحد إلا أبو بكر شاهراً بالسيف على رسول الله ﷺ ، لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس. قال: ولقد رأيت رسول الله ﷺ وأخذته قريش فهذا يحاده، وهذا يتلتله ويقولون: أنت جعلت الآلهة إلهاً واحداً، فو الله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب ويجاهد هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم! أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ ثم رفع علي بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته ثم قال: أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هو؟ فسكت القوم، فقال علي: فو الله لساعة من أبي بكر خير ملئ الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه.
قال البزار: لا نعلمه يروي إلا من هذا الوجه. قال الإمام ابن كثير: فهذه خصوصية للصديق حيث هو مع رسول الله ﵁ في العريش كما كان معه في الغار ﵁ وأرضاه (١).
وأخرج الإمام البخاري عن علي أنّه قال: اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف، حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي،
стр. 379
فكان ابن سيرين يرى أن عامة ما يروى عن علي الكذب (١).
قوله: (اقضوا كما كنتم تقضون): أي قبل، وذلك أن عليا لما قدم العراق قال: كنت رأيت مع عمر أن تعتق أمهات الأولاد، وقد رأيت الآن أن يسترققن. فقال عبيدة: رأيك يومئذ في الجماعة أحب إليّ من رأيك اليوم في الفرقة فقال: اقضوا كما كنتم تقضون.
وقال: (إني أكره الاختلاف): أي المؤدي للنزاع، قال ابن التين: يعني: مخالفة أبي بكر وعمر.
وكان ابن سيرين يرى - أي يعتقد - أن عامة (أي أكثر) ما يروى عن علي الكذب، والمراد بذلك: ما يرويه الرافضة عن علي من الأقوال المشتملة على مخالفة الشيخين، ولم يرد ما يتعلق بالأحكام الشرعية، فقد روى ابن سعد بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: إذا حدثنا ثقة عن علي بقينا لم نجاوزها. قاله الحافظ ابن حجر (٢).
وروي عن بقية أهل البيت ﵃ ما يدل على فضل الصحابة ومنها:
قال عبد الله بن جعفر: ولينا أبو بكر خير خليفة، أرحمه بنا، واحناه علينا.
وقيل لعلي بن الحسن: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله
стр. 380
صلى الله عليه وسلم قال: كمنزلتهما اليوم وهما ضجيعاه (١).
وقيل لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين: هل كان أحد منكم تبرأ من أبي بكر وعمر؟
قال: لا، ثم قال: أحبهما وأستغفر لهما وتولهما.
وقال جعفر بن محمد: أبو بكر جدي، فيسب الرجل جده، لا نالتني شفاعة محمد ﷺ إن لم أكن أتولاهما وأبرأ من عدوهما.
وقال: ما أرجو من شفاعة علي شيئاً إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله، ولقد ولدني مرتين.
قال الإمام اللالكائي: معنى هذا الكلام أن أبا بكر جده مرتين، وذلك أن أم جعفر بنت محمد هي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهي زوجة أبيه محمد بن علي بن الحسين، وأم أم فروة هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، فأبو بكر جده من وجهين.
وقال زيد بن علي: أبو بكر إمام الشاكرين، ثم قرأ [وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ]. وقال: البراءة من أبي بكر وعمر براءة من علي.
وسئل عبد الله بن الحسن عن أبي بكر وعمر، فقال: صل الله عليهما ولا صلى على من لا يصلي عليهما (٢).
стр. 381
وقال جعفر بن محمد الصادق: أنا بريء ممن ذكر أبا بكر وعمر إلا بخير (١).
وهذا الحسن بن داود بن علي بن عيسى بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي قال عنه الحاكم: أبو عبد الله كان شيخ آل رسول الله ﷺ في عصره بخراسان وسيد العلوم في زمانه، وكان من أكثر الناس صلاة وصدقة ومحبة للصحابة، وصحبته مدة فما سمعته ذكر عثمان إلا قال: الشهيد ويبكي، وما سمعته ذكر عائشة إلا قال: الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب الله ويبكي (٢).
وعن أبي جعفر قال: من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر فقد
جهل السنة.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: جاء رجل إلى أبي فقال: أخبرني عن أبي بكر؟ قال: عن الصديق تسأل؟ قال: رحمك الله وتسميه الصديق، قال: ثكلتك أمك، قد سماه صديقاً من هو خير مني ومنك رسول الله ﷺ والمهاجرون والأنصار، فمن لم يسمه صديقاً لا صدق الله قوله في الدنيا والآخرة، اذهب فأحب أبا بكر وعمر، وتولهما فما كان من إثم ففي عنقي (٣).
وعن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جده علي بن الحسين ﵁، أنّه
стр. 382
جاءه رجل فقال له: يا ابن بنت رسول الله ﷺ ، ما تقول في عثمان؟ فقال له: يا أخي أنت من قوم قال الله فيهم [لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ] الآية، قال: لا، قال: فو الله لئن لم تكن من أهل هذه الآية فأنت من قوم قال الله فيهم
[وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ] الآية، قال: لا. فو الله لئن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجن من الإسلام.
وقيل: إن محمد بن علي بن الحسين ﵁ روى عن أبيه: أن نفراً من أهل العراق جاءوا إليه فسبوا أبا بكر وعمر ﵄ ثم عثمان ﵁ فأكثروا، فقال لهم: أمن المهاجرين الأولين أنتم؟ قالوا: لا. فقال: أفمن الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم؟ فقالوا: لا، فقال: قد تبرأتم من هذين الفريقين! أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله [وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ] قوموا فعل بكم وفعل (١).
وعن أبي جعفر الباقر أنّه قال: إن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي [وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً ... ] الحجر ٤٧
وأختم بما قاله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر.
стр. 383
قال الإمام الذهبي: هذا والله العظيم قاله علي وهو متواتر عنه؛ لأنه قاله على منبر الكوفة، فقاتل الله الرافضة ما أجهلهم (١).
ولما مات عمر ووضع بين القبر والمنبر، جاء علي حتى قام بين الصفوف فقال: رحمة الله عيك ما من خلق أحب إلي من أن ألقى الله بصحيفة بعد صحيفة النبي ﷺ من هذا المسجى عليه ثوبه.
قال الإمام الذهبي: وقد روي نحوه من عدة وجوه عن علي (٢).
فهذه أقوال أهل البيت، فأين المفترون على الصحابة عنها، ومعلوم مدح الصحابة لأهل البيت والأخذ فيهم بوصية رسول الله ﷺ . فهذا عمر بن الخطاب ﵁ تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵁ وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل سبب ونسب وصهر منقطع إلى يوم القيامة إلا سببي ونسبي وصهري) وقال: فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله ﷺ سبب ونسب (٣).
وقال ابن مسعود: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي.
وعمر كان يقول: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن.
وقالت عائشة: أما إنّه أعلم من بقي بالسنة (٤).
стр. 384
وهذا أبو بكر الصديق وابنته الصديقة بنت الصديق ﵄ يجلون أهل البيت ويكرمونهم حتى قال أبو بكر: ارقبوا محمداً ﷺ في أهل بيته (١).
وعن عروة بن الزبير قال: ذهب عبد الله بن الزبير مع أناس من بني زهرة إلى عائشة، وكانت أرق شيء لقرباتهم من رسول الله ﷺ (٢).
وقول الصديق (ارقبوا محمداً في أهل بيته) يخاطب بذلك الناس، ويوصيهم به، والمراقبة للشيء المحافظة عليه، يقول: احفظوه فيهم فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم (٣).
وقال عمر بن الخطاب للعباس ﵄: والله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم.
قال الإمام ابن كثير: فحال الشيخين ﵄ هو الواجب على كل أحد أن يكون كذلك ولهذا كانا أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين ﵄ وعن سائر الصحابة أجمعين (٤).
ومما يشار إليه: أن أهل التفسير اختلفوا في تأويل قوله [قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى] الشورى ٢٣، والمعنى:
стр. 385
قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم مالاً تعطو فيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني وتذروني أبلغ رسالات ربي وإن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة (١).
قال العلماء: الاستثناء في الآية يجوز أن يكون:
أ - استثناء متصلا، ويكون المعنى: لا أسألكم أجراً إلا هذه، وهو ألا تؤذوا أهل قرابتي، ولم يكن هذا أجر في الحقيقة، لأن قرابته قرابتهم، وكانت صلتهم لازمة لهم في المودة.
ب - ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً، ويكون المعنى: أي لا أسألكم أجراً قط، ولكن أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتك ولا تؤذوهم.
واختلف العلماء في الآية على رأيين:
الأول: أن الخطاب في الآية خاص بقريش، ويصير المعنى: أمرهم بأن يواددوا النبي ﷺ من أجل القرابة التي بينهم وبينه. وهو قول ابن عباس ﵄.
والثاني: أن الخطاب في الآية عام لجميع المكلفين، وتحمل الآية على أمر المخاطبين بأن يواددوا أقارب النبي ﷺ ، وهو قول علي بن الحسين وعمرو بن شعيب والسدي.
стр. 386
والذي عليه المحققون من أهل العلم في تفسيرها هو ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن طاووس قال: عن ابن عباس ﵄ أنّه سئل عن قوله [إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى] فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد ﷺ ، فقال ابن عباس: عجلت: إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة (١).
فيصر المعنى: إلا أن تودوني في قرابتي التي بيني وبينكم، فتكفوا عني أذاكم، وتمنعوني من أذى الناس، كما تمنعون كل من بينكم وبين مثل قرابتي منكم، وكان الرسول ﷺ له في كل بطن من قريش رحم، فهذا الذي سألهم ليس بأجر على التبليغ، لأنه مبذول لكل أحد؛ لأن كل أحد يود أهل قرابته وينتصرون له من أذى الناس.
والذي ذهب إليه سعيد بن جبير، هو ما حكاه عنه البخاري وهو قوله: قربى آل محمد ﷺ ، ومعنى ذلك: أن تودوني في قرابتي، أي تحسنوا إليهم وتبروهم.
قال الإمام ابن كثير: والحق تفسير هذه الآية بما فسرها به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ كما رواه عنه البخاري، ولا ننكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض
стр. 387
فخراً وحسباً ونسباً ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وأهل بيته وذريته ﵃ أجمعين (١).
وقال الإمام الشوكاني: ولا يقوى ما روي من حملها على آل محمد ﷺ على معارضة ما صح عن ابن عباس من تلك الطرق الكثيرة، قد أغنى الله آل محمد عن هذا بما لهم من الفضائل الجليلة والمزايا الجميلة.
وقال: وكما لا يقوى هذا على المعارضة، فكذلك لا يقوى ما روي عنه أن المراد بالمودة في القربى: أن يودوا الله، وأن يتقربوا إليه بطاعته، ولكن يشد من هذا أنّه تفسير مرفوع إلى رسول الله ﷺ ، وإسناده عند أحمد في المسند (٢) وضعف هذا المرفوع الحافظ ابن حجر وقال: وثبت عن الحسن البصري نحوه (٣).
والخلاصة: أن السبب الأقوى في نزول الآية: ما جاء عن قتادة: قال المشركون لعل محمداً ﷺ فيما يتعاطاه يطلب أجراً، فنزلت هذه الآية ليحثهم على مودته ومودة أقربائه (٤).
وحاصل كلام ابن عباس ﵄ أن جميع قريش أقارب النبي
стр. 388
صلى الله عليه وسلم وليس المراد من الآية بنو هاشم ونحوهم، كما يتبادر إلى قول سعيد بن جبير. قاله العلامة العيني (١).
وقال العلامة الشنقيطي: وأما القول بأن قوله تعالى [إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى] منسوخ بقوله [قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ] فهو ضعيف، والعلم عند الله تعالى.
وقال: والتحقيق - إن شاء الله - في معنى الآية: أي إلا أن تودوني في قرابتي فيكم، وتحفظوني فيها، فتكفوا عني أذاكم، وتمنعوني من أذى الناس، كما هو شأن أهل القرابات (٢).
قال الإمام السيوطي: في الآية: وجوب محبة قرابته ﷺ ، فمحبته أولى (٣).
ومن هنا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: محبتهم عندنا فرض واجب يؤجر عليه.
وقال: ومن أبغضهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً (٤).
стр. 389
[٥] أن ما يشيعه البعض من وجوب نسيان أو تناسي التاريخ، ومحو آثار الماضي، وبدء صفحة جديدة، ومحاولة التعايش على أساس سلمي، دون السعي الجاد لتقريب الهوة، لهو أمر صعب المنال، ربما اتفقت النخب لمصالح عامة، لكن ما الذي يقنع العامة ويهدي الخاصة.
مبدأ التعايش المقبول يقوم على أساس عدم المساس بأصل من أصول الدين، من قرآن وسنة ونقلة لهما، ويقوم على عدم المساس بأمهات المؤمنين الطاهرات المطهرات العفيفات النزيهات، مبدأ التعايش المقبول يكون بالبعد عن الكذب والخداع ومحو آثار السباب الممقوت.
مع ما في الدعوة إلى نسيان الماضي، ومحو التاريخ من مخالفة صريحة للقرآن حيث يقول المولى جل شأنه: [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] يوسف ١١١، ويقول : [وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ] هود١٢٠، ويقول سبحانه [أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ] الروم ٩، وقال سبحانه: [أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً]
فاطر ٤٤.
стр. 390
والآيات في هذا المعنى كثيرة، فلا بد من قراءة التاريخ، وأخذ الدروس والعبر منه، مع وجوب تنقيته من كل ما دخله من دسائس، والتاريخ فيه دسائس كثيرة على أصحاب النبي ﷺ ولكن: المظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياء القصاص الذين لا تمييز عنده بين صحيح الأخبار وضعيفها ومستقيمها من سقيمها، ومبادها من قديمها (١).
نعم، مقابلة البدعة لا تكون ببدعة مثلها، والسيئة بمثلها، بل لا بد من مقابلة الحجة بالحجة، والبرهان بمثله، والبدعة بالسنة الصحيحة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقوم من المتسننة رووا ورويت لهم أحاديث موضوعة، بنوا عليها ما جعلوه شعاراً في هذا اليوم (عاشوراء) يعارضون به شعار ذلك القوم، فقابلوا باطلاً بباطل، وردوا بدعة ببدعة، وإن كانت إحداهما أعظم في الفساد، وأعون لأهل الإلحاد (٢).
وفي بيان مثل هذا يقول الإمام ابن كثير: ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، فيها في عاشوراء عملت البدعة الشنعاء على عادة الروافض، ووقعت فتنة عظيمة ببغداد، بين أهل السنة والرافضة، وكلا الفريقين قليل عقل أو عديمه بعيد عن السداد، وذلك أن جماعة من أهل السنة، اركبوا امرأة وسموها عائشة، وتسمي بعضهم بطلحة وبعضهم بالزبير وقالوا: