← Общие книги

Общие книги · id 96254

نحو ثقافة إسلامية أصيلة

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (309 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أمّا العمل فكل أمة تعمل بكتابها، وهذه الأمة تعمل بالقرآن الذي تضمن خلاصة التعاليم الإلهية، ولا يجوز العمل بالشرائع المنسوخة ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨]. وليس معنى ذلك أن الشرائع السماوية مختلفة فيما بينها اختلافًا كليًّا، فهناك مواضع اتفاق، ومواضع اختلاف، والمجال هنا لا يتسع للتفصيل. (١).

стр. 107

الفصل الخامس الأنبياء والرسل المَبحَث الأول منزلة الأنبياء والرسل الرسل والأنبياء هم الكملة من البشر الذين اختارهم الله واصطفاهم ليكونوا سفراءه إلى خلقه، يتحملون وحيه وتعاليمه وشرائعه، ويبلغون عنه، وهم وحدة واحدة، كلهم يدعو إلى الله، ويعلن العبودية والولاء لجلاله، وهم يمثلون في التاريخ الإنساني المسار الصحيح للبشرية، وهم الشموس والأقمار التي كانت تشرق فتضيء للناس الظلمات، وتخرجهم إلى النور، وهم كثير كثير، فما من أمة إلا خلا فيها نذير، وقد أبلغهم الله وحيه بطرق مختلفة، منهم من كلمه الله، ومنهم من أرسل إليه ملكا، والملك كان يأتي الرسول بطرق مختلفة ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١]. ومن المكلمين نبي الله موسى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. والملك كان يأتي رسولنا ﷺ في صورته التي خلقه الله عليها، وأحيانا يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وأحيانًا يتمثل له الملك رجلًا فيكلمه. والإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور: الأول: التصديق بأن الله أرسلهم فمن كفر برسالة واحد منهم كفر.

стр. 108

الثاني: الإيمان بمن أعلمنا الله بهم بأسمائه، ومن لم يعلمنا بأسمائهم آمنا بهم إجمالًا. الثالث: التصديق بما صح من أخبارهم. الرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد ﷺ . المبَحَث الثاني وظائف الرسل للأنبياء والرسل وظائف كثيرة منها: ١ - البلاغ المبين: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. ٢ - الدعوة إلى الله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. ٣ - التبشير والإنذار: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الكهف: ٥٦]. ٤ - إصلاح النفوس وتزكيتها: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢]. ٥ - تقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائغة: فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ ، بل الرسل جميعًا أنكَروا على قومهم عبادة الأصنام والأوثان والنجوم والكواكب، وكل رسول وجد في قومه انحرافًا أنكره عليهم. ٦ - إقامة الحجة: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].

стр. 109

٧ - سياسة الأمة: ففي الحديث: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي، قام نبي (١) "، وقد كان داود خليفة في الأرض يحكم بين الناس بالعدل ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]. ونبينا محمد ﷺ مأمور بالحكم كذلك ﴿فَاحْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨]. المبحث الثالث أدلَّة صدق الرسُول لم يرسل الله رسولًا إلا وأقام الأدلة الدالة على صدقه، ومن هذه الأدلة حال الرسل وسيرتهم في قومهم، فكل رسول كان مثالًا في قومه في الصدق والأمانة وقول الحق، ومنها تأييد الله لهم ونصرهم على أعدائهم. ومن ذلك الآيات البينات التي يسميها علماء التوحيد المعجزات، فقد كان يؤتى كل رسول آية باهرة تدل على صدقه، ومن ذلك أن إبراهيم ألقي في النار فكانت عليه بردًا وسلامًا، وأعطي موسى تسع آيات بينات فكان يلقي عصاه فتتحول إلى ثعبان مبين، وينزع يده من جيبه فإذا هي بيضاء للناظرين، وأرسل على الذين كذبوه الجراد والقمل والضفادع والدم آيات بينات، وآتى صالحًا الناقة آية مبصرة، حيث أخرج الله لقومه ناقه عشراء من صخرة صماء كما طلبوا، وكان عيسىى ﵇ يحيى الموتى، ويشفي الأبرص والأقرع والأعمي بإذن الله، ويصنع من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله. إعجاز القرآن: وآتى نبينا محمدًا ﷺ كثيرًا من الآيات البينات، فمن ذلك

стр. 110

انشقاق القمر فلقتين، ومن ذلك تسبيح الحصى في يده، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثيره الطعام القليل حتى يكفى الجمع الكثير، وأعظم ما آتاه الله هذا القرآن، والقرآن العظيم آية عظيمة، تخاطب القلوب والعقول، وهو آية دائمة باقية إلى يوم القيامة، وقد تحدى الرسول ﷺ قومه، وهم الفصحاء البلغاء، بأن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بمثل سورة منه، فعجزوا ولم يستطيعوا ذلك، هذا مع شدّة الخصومة، التي تدفعهم إلى معارضة القرآن لإبطال هذا الدين، ولكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلًا. وإذا كان العرب قد عجزوا عن الإتيان بمثل هذا القرآن فغيرهم أعجز، ذلك أن العرب الذين أنزل فيهم القرآن هم ملوك الفصاحة والبلاغة، والتاريخ شاهد على أن القرآن آية معجزة، فلم يأت من يزعم أنه أتى بمثل القرآن ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢]. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٣، ٢٤]. القرآن نمط جديد من الإعجاز: القرآن آية فريدة بين آيات الرسل جميعًا، إذ هي آية باقية دائمة خالدة، لا تزول بوفاة من نزلت عليه، كما هو الحال بالنسبة للرسل السابقين، وهي آية تخاطب العقول والقلوب، كما تخاطب فطره الإنسان عبر الزمِان والمكان، لقد كانت معجزته الوحي المتلو: القرآن، ، يقول الرسول ﷺ : "ما من الأنبياء من

стр. 111

نبي إلا قد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحى الله إليّ، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (١). لم يشأ الحق ﵎ أن يجعل معجزة الرسالة الأخيرة حسيّة تذهل من يراها، فلو شاء لأنزل معجزة قاهرة تلوي أعناق الذين يشاهدونها، فلا يملكون معها جدالًا ولا انصرافًا عن الإيمان بها ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]. لقد شاء الله أن تكون الرسالة رسالة مفتوحة إلى الأمم كلها، وللأجيال كلها، وليست رسالة مغلقة على أهل زمان أو أهل مكان، فناسب أن تكون معجزتها مفتوحة كذلك للبعيد والقريب، لكل أمة ولكل جيل، والخوارق القاهرة لا تلوي إلا أعناق من يشاهدونها، ثمَّ تبقى بعد ذلك قصة تروى، لا واقعًا يشاهد، ها هي معجزة نبينا محمد ﷺ بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا لا تزال كتابًا مفتوحًا ومنهجًا مرسومًا، يستمد منه أهل هذا الزمان ما يقوم حياتهم -لو هدوا إلى "اتخاذه إمامهم- ويلبي حاجاتهم كاملة، ويقودهم بعدها إلى عالم أفضل، وأفق أعلى، ومصير أمثل. (٢) جوانب الإعجاز القرآني: والقرآن معجز في كل جانب من جوانبه، وفي كل ناحية من نواحيه: ١ - فهو معجز في بنائه التعبيري، وتنسيقه الفني، باستقامته على خصائص واحدة، في مستوى واحد، لا يختلف ولا يتفاوت، ولا تتخلف خصائصة، كما هي الحال في أعمال البشر، إذ يبدو الارتفاع والانخفاض

стр. 112

القوة والضعف في عمل الفرد الواحد، المتغير الحالات، بينما تستقيم خصائص هذا القرآن التعبيرية على نسق واحد، ومستوى واحد، ثابت لا يتخلف، يدلُّ على مصدره الذي لا تختلف عليه الأحوال. ٢ - وهو معجز في بنائه، وتناسق أجزائه وتكاملها، فلا فلتة فيه ولا مصادفة، كل توجيهاته تلتقي وتتناسق وتتكامل، وتحيط بالحياة البشرية، وتستوعبها، وتلبيها وتدفعها، دون أن تتعارض جزئية واحدة من ذلك المنهج الشامل الضخم مع جزئية أخرى، ودون أن تصطدم واحدة منها بالفطرة الإنسانية، إذ تقصر عن تلبيتا ... وكلها مشدودة إلى محور واحد، في اتساق لا يمكن أن تفطن إليه خبرة الإنسان المحدودة، ولا بدّ أن يكون هناك علم شامل غير مقيد بقيود الزمان والمكان هو الذي أحاط به هذه الإحاطة، ونظمه هذا التنظيم. ٣ - وهو معجز في يسر مداخله إلى القلوب والنفوس، ولمس مفاتيحها، وفتح مغاليقها، واستجاشة مواضع التأثر والاستجابة فيها، وعلاجه لعقدها ومشكلاتها في بساطة ويسر عجيبين، وفي تربيتها وتصريفها وفق منهجه بأيسر اللمسات، دون تعقيد ولا التواء ولا مغالطة (١). وهو معجز في إخباره عن المغيبات التي وراء عالم الشهادة كعالم الملائكة والجن واليوم الآخر، والمغيبات الماضية والآتية، وما يكشف الإنسان عنه من تاريخ الإنسان، وما تأتي به الأحداث - يصدق ما جاء به النبي الأميّ الذي لم يخط بالقلم ولم يقرأ من كتاب.

стр. 113

٤ - وهو معجز فيما أخبر به من حقائق الكون، التي لم يهتد الإنسان إلى معرفتها، ولم يكتشف بعض من أسرارها إلا حديثًا. ٥ - وهو معجز في تشريعاته وأحكامه في شمولها وسموها وصلاحيها للإنسان على مرّ العصور. الإعجاز العلمي في القرآن العجيب في أمر هذا القرآن أن إعجازه متجدد على مر الزمان، فكل قوم يصل إليهم هذا القرآن، فينظرون فيه نظر معتبر متبصر، فإنهم يجدون فيه من الآيات والدلائل ما يؤكد لهم أنه من عند الله، ونحن اليوم في هذا العصر نبغنا في العلوم التي كشفت عن شيء من أسرار الكون، فتطلعنا نبحث في مواقع النجوم، ومساراتها، وأحجامها، وأجوائها، بحث العلماء في تكوين الخلق وأسرار المخلوقات، فبحثوا في الذرة والخلية، وغاصوا في أعماق الأرض وقيعان البحار، وإذا كنا نفاجأ بأن من الحقائق التي توصل إليها العلماء بعد دراسات طويلة، وجهود مضنية - قد تحدث عنها هذا القرآن العظيم، أو أشار إليها إشارات واضحة، وكل هذا مما يزيد في الإيمان ويعمقه، ويدلُّ على أن هذا القرآن العظيم منزل من عند العليم الحكيم الخبير، فهذا القرآن قول الله وأمره، والخلق صنعه وخلقه، فإذا تحدث الخالق عن الخلق، وذكر شيئًا من حقاثق الخلق فلا بدَّ أن يتطابق الخبر القولي مع الخلق الكوني، فالقول قوله، والخلق خلقه ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. والنفوس الإنسانية تخضع خضوعًا عظيمًا عندما تعلم أسرارًا مذهلة لم يكن للبشر علم بها، ثم تجد أن النبي العربي الأمي، الذي لم يخط بالقلم، ولا قرأ من

стр. 114

كتاب، ولا درس في جامعة، ولا تعلم من معلم من بني آدم تحدث عن تلك الحقيقة العلمية أو أشار إليها، فلو لم يكن هذا القرآن وحيًا بن الخالق لما استطاع محمد ﷺ أن يقرر هذه الحقائق المجهولة، والأسرار الخفية التي لم يطلع عليها البشر قبل هذا العصر، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]. قسيس نصراني يستخدم النصوص العلمية في التوراة لدعوة الشيوعيين إلى النصرانية: وقد استخدم كاهن نصراني هذا الأسلوب في الدعوة إلى النصرانية، فقد توجه اثنا عشر طالبًا صينيًا كانوا يدرسون في جامعة كلفورنيا، في الولايات المتحدة الأمريكية إلى كاهن كنيسة تسمى "بركلي"، وطلبوا منه أن ينظم لهم دراسة حول الدين النصراني في أيام الأحد، وكان هدفهم من وراء تلك الدراسة هو معرفة مدى تأثر الدين على الحضارة الأمريكية. فدعا ذلك القسيس عالمًا من علماء الرياضة والفلك هو البروفيسور "بيتر، وستونر" وطلب منه أن يتولى مهمة تدريب أولئك الشبان. وقد اختار ذلك الأستاذ العالم بالرياضيات والفلك سفر التكوين من كتاب التوراة، وفيه بقية معلومات تتحدث عن بدء الكون، ولم يدرسهم التوراة على الطريقة التقليدية، أمضى ذلك الأستاذ فترة الشتاء يدرس مع الطلبة تلك المعلومات، ثم يسجلون في كل درس الاستفسارات والأسئلة التي تدور في أذهانهم حول ما يسمعون، ثم يرجعون إلى الكتب العلمية في مكتبة الجامعة للبحث عن مدى صدق ما تحدث عنه سفر التكوين، ذلك السفر الذي يعود إلى

стр. 115

أيام نبي الله موسى قبل بضعة ألوف من السنين، وبعد جلسات كثيرة متواصلة اعتنق أولئك الطلبة الدين النصراني (١). نحن نؤمن بالتوراة والإنجيل، ولكن ما فيهما من نصوص طرأ عليه كثير من التغيير والتحريف والتبديل بفعل الترجمات المستمرة من لغة إلى لغة، وبفعل علماء الضلال الذين أدخلوا في هذين الكتابين ما ليس منهما، وحذفوا منهما نصوصًا لم ترق لهم، فالبقية الباقية من الحق فيهما اختلطت بباطل كثير، أمّا القرآن فهو آخر الكتب السماوية، لم يتغير ولم يتبدل، والحقائق الكونية الموجودة فيه كثيرة وصادقة. نماذج من الإعجاز العلمي في كتاب الله لقد ألفت مؤلفات في هذا الموضوع وأنا أذكر بعض الأمثلة فمن ذلك: ١ - مراحل خلق الجنين، فالقرآن يفصل هذه المراحل تفصيلًا دقيقا، ولم يعرف العلماء هذه التفصيلات إلا قريبًا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج: ٥]. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].

стр. 116

ارجع إلى أوثق المصادر الطبية التي تتحدث عن خلق الجنين، هل تجد في ما حدثنا الله عنه شيئًا يناقض هذه الحقائق التي ذكرها العزيز العليم! ! ٢ - الأذى الذي في المحيض، فقد نهى القرآن الرجال عن معاشرة أزواجهم في المحيض، وعلل ذلك بأن المحيض أذى، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقد تبين للعلماء في هذا العصر أن دم الحيض دم فاسد، يحتوي على ميكروبات عديدة، وجراثيم متنوعة، فإذا عاشر الرجل زوجته أثناء فترة الحيض فلا يأمن أن يصاب بالتهابات وأمراض مؤذية. أضف إلى هذا أن الأعضاء التناسلية في المرأة تكون محتقنة أثناء فترة الحيض، وبخاصة الرحم، الذي يكون محتقنًا إلى درجة النزف، فإذا خالط الرجل زوجته فإن هذا قد يؤدى إلى تمزيق أغشية رحم المرأة فتنتشر العدوى بواسطة الميكروبات الموجودة في الأغشية إلى أمكنة أخرى مما يؤثر في صحة المرأة، ثم هناك أذى من نوع ثالث هو الأذى النفسي الذي يصيب الزوجين، فكثير من الرجال والنساء يصابون باشمئزاز ونفور نفسي ينتج عنه ضعف جنسي قد يكون شديدًا. ٣ - مكان الأعصاب التي تحس بالحرق أو الإصابة: وهذه الأعصاب موجودة في الجلد فقط، ولذلك لو قطعت أمعاء الإنسان بعد فتح بطنه لا يحس بقطعها، وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦].

стр. 117

ولا يعترض على هذا بإحساس الإنسان بالبرودة والحرارة فِي أمعائه، لأن الذي في الجلد هو أعصاب الإحساس بالإصابة والحرق، وهناك أعصاب أخرى كثيرة منتشرة في أجزاء الجسم. ٤ - الكون الآخذ في الاتساع: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]. والقوم الذين لم يقرؤوا القرآن ولكنهم يبحثون في خلق الله تساءلوا قائلين: "ما حجم الفضاء المحيط بنا؟ وقد كان الجواب عن هذا السؤال يقول إن الفضاء ليس له حجم معين، حيث أنه يتسع باستمرار"، يقول الدكتور (أدينغتون) Eddinqton في هذا الموضوع: "يمكننا تمثيل النجوم والمجرات وكأنها قائمة على سطح بالون من المطاط يجري نفخه بصورة مستمرة، وهكذا فإن الأجرام الفلكية تبتعد عن بعضها أكثر فأكثر بفعل التضخم كعنصر مستقل عن حركاتها العادية، وعن الآثار المترتبة على قوى التجاذب فيما بينها" (١)، ولقول "جوليان" معقبا على مقالة البرفسور (أدينغتون): "للكون ميل طبيعي للتوسع، تقابله بصورة تقريبية قوى التجاذب الموجودة في المادة ... إن نصف قطر الفضاء اليوم لا يقل عن عشرة أضعاف نصف قطره الأصلي حسب تقديرات البرفسور (أدينغتون) ومعدل التوسع الفعلي يزداد بصورة مستمرة، ... ومعدل الازدياد هذا سوف يكبر في المستقبل" (١) ٥ - الشمس الجارية في الفضاء: كان الظن أن الشمس تدور حول الأرض، ثم

стр. 118

ثبت لدى العلماء أن الأرض هي التي تدور حول الشمس, ولكن العلماء أخطؤوا عندما زعموا أن الشمس واقفة، وأخيرا تبين لهم أنها تسير بسرعة خارقة، وأفضل تعبير عن حركتها هو الجريان، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] ٦ - في العسل شفاء للناس: قبل ثلاثين سنة فقط كان الشائع في أمريكا أن العسل ناقل للجراثيم، ولم يظهر للعلماء فوائد العسل الطبية إلا منذ عهد قريب، واليوم يدخل العسل في أكثر من خمسين دواءً، وتبين للأطباء أن العسل قاتل للجراثيم، فلم تعش فيه جرثومة واحدة، وتبين لهم أنه علاج جيد لكثير من الأمراض، كفقر الدم، وأمراض الرئة، وأمراض الجهاز التنفسي، وأمراض العين، والأمراض الجلدية، وغيرها كثير (١)، وصدق الله إذ يقول: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩].

стр. 119

الفصل السادس اليَوم الآخِر الإيمان باليوم الآخر ركيزة عظيمة وقاعدة من القواعد المهمة، وأصل من الأصول، وما لم يتحقق هذا فإن العبد يتعثر في مسيرته، ولا يستقيم أمره. وقد حدثنا القرآن كما حدثنا الرسول ﷺ عن علامات هذا اليوم الدالة على قرب وقوعه، وأعظمها خروج الدابة والدجال ونزول عيسى ابن مريم وخروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها. وحدثنا ربنا كما حدثنا نبينا عن حال الإنسان عند الموت وفي القبر وهو الذي سماه القرآن بالبرزخ، ففي الأحاديث وصف دقيق لرحلة الإنسان بعد الموت إلى أن يبعث من قبره. أما حديث القيامة وأهوالها فحديث طويل، حيث يدمر هذا الكون: أرضه وسماؤه، فتكسف شمسه، ويخسف قمره، وتتناثر نجومه، وتنشق سماؤه، وتدك أرضه، وتزول جباله، وتسجَّر بحاره، ولا يبقى إلا الحي القيوم، ثم يبعث الله الخلائق، ويقوم الناس لرب العالمين، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وهو يوم طويل مهول، يجعل الولدان شيبًا، وترى الناس فيه سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. وفي ختام ذلك اليوم يكون الحساب، وتطاير صحف صحف الأعمال، فأمَّا من أوتي كتابه بيمينه فهو من أهل السعادة، فيفرح ويسر وينادى ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢)﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٢].

стр. 120

وأمَّا الأشقياء الذين يؤتون كتابهم بشمالهم، فإنهم يدعون بالويل والثبور وعظائم الأمور. ويساق العباد في نهاية المطاف الأخيار إلى الجنَّة، والأشرار إلى النار، الأخيار في نعيم أبدي سرمدي لا نهاية له، والأشقياء في عذاب أبدي سرمدي لا نهاية له. والإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور: الأول: الإيمان بالبعث وهو إحياء الموتى حين ينفخ في الصور ويقوم الناس لرب العالمين. الثاني: الإيمان بالحساب والجزاء، حيث يحاسب الله العباد على ما قدموا. الثالث: الإيمان بالجنّة والنار، وأن مصير العباد جميعًا إليهما، فالجنة دار الطائعين، والنار دار الكافرين. الأدلة على البعث والمعاد: كثير من الناس يصدق بوجود الخالق المعبود، وقد يتوجه إليه بشيء من العبادة، ولكنه يجادل أشدَّ الجدال في أمر المعاد، وينكر ذلك أشدَّ الإنكار، ومن هؤلاء أهل الجاهلية الذين بعث فيهم الرسول ﷺ ، وليس لهم من حجّة إلا أن عقولهم لم تطق التصديق برجوع الإنسان حيًّا بعد أن تلاشى في التراب وفني فيه، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ

стр. 121

يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٧٨، ٨٢]. لقد ذكر الله في هذه الآيات شبهة منكري البعث ورده عليهم، والرد عليهم يمكن أن يوجز في أربعة أمور: الأول: أن الذي يحيي النفوس بعد موتها إنما هو الله، وهو قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. إذا أراد أن يخلق شيئًا قال له كن فيكون كما شاء. الثاني: أن الذي سيعيد الإنسان حيًّا بعد موته هو الذي أحياه في هذه الدنيا، فلماذا يستبعد الإنسان العودة بعد الموت! ! إن حياتنا في الدنيا دليل على حياتنا الأخرى. الثالث: أن الله قادر على تحويل الأشياء من حال إلى حال، فالحياة تتحول إلى خمود وموت، والميت يقوم حيًّا بإذن ربّه، والشجر الأخضر الذي لا تشتعل فيه النار يتحول إلى شجر يابس يصلح لاشتعال النار فيه، والأرض الميتة الخامدة ينزل عليها الماء فإذا هي تهتز وتنبت ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت: ٣٩]. الرابع: أن القادر على خلق الأعظم قادر على خلق الأدنى ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]. ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١].

стр. 122

الفَصل السَابع القضَاء وَالقدَر سئل الإمام أحمد ﵀ عن القدر، فقال: القدر قدرة الله، والإيمان بقدر الله يعني أن نؤمن أن علم الله محيط بكل شيء، فإنّه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وقد سجل ﵎ في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة، فما من أمر إلا وهو في الكتاب مسطور، ومن ذلك ميلادنا وأقوالنا وأعمالنا رأرزاقنا وآجالنا وعَلِمَ الله السعيد منا والشقي فينا، ولكنه ستر عنّا علم ذلك كله، وأرسل إلينا رسلًا، وأنزل علينا كتبًا، وجعل لنا عقولًا وأسماعًا وأبصارًا، وقال لنا أنا ربكم وإلهكم وعليكم أن تعملوا بطاعتي وتجتنبوا معصيتي، فإن لم تفعلوا عذبتكم بناري، وإن كنتم كما طلبت منكم أدخلتكم جنتي. وليس للعباد أن يعارضوا أمر الله الشرعي الديني بما قدره وكتبه عليهم، فالله شاء منهم أن يعبدوه، ولم يطلعهم على ما قدره فيهم وكتبه عليهم، والقدر لا يُسَلَّم له إلا بعد وقوعه، أمّا قبل وقوعه وحدوثه فإن العبد مطالب بأن يفعل أحسن ما قدر على فعله، والقدر لا حجّة فيه لمن ضل وغوى بعد أن بلغته الرسالة، وقامت عليه الحجّة، فالحساب والعذاب ينظر فيهما إلى قدرة العبد على الاستقامة والطاعة وبلوغه الوحي. والبحث عن الطريقة التي تعمل فيها قدرة الله بحث عقيم، لا يستطيع العقل

стр. 123

الإنساني أن يدرك كيفيته، وما دمنا نؤمن بالله ولا ندري كيف هو، ونؤمن بصفاته ولا ندرك كيفيتها، كذلك القدر نؤمن به ولا نعلم كَيفيته، والذين عقَّدوا الإيمان بالقدر هم الذين خاضوا في كيفية القدر، فجعلوا الإيمان به عويصًا، نحن نؤمن أنه لا يقع في كون الله شيء إلا بقدر الله، وأن أفعال العباد مخلوقة لله ﵎، أمّا كيف يكون ذلك كله بقدر الله فنسلم به، ولا نخوض فيه. وقد ضل في القدر طائفتان، طائفة زعمت أن العبد مجبر على عمله وليس له فيه إرادة ولا قدرة، والثانية الذين قالوا إن العبد مستقل بعمله في الإرادة والقدرة وليس لمشيئة الله وقدرته فيه أثر. ومن نظر في النصوص علم أن العبد له في عمله إرادة وقدرة ولكنها لا تخرج عن مشيئة الله وقدرته. الأصول التي يقوم عليها الإيمان بالقضاء والقدر: هناك عدة أصول يقررها علماء السلف في هذا الموضوع: ١ - أن علم الله الأزلي محيط بالأشياء قبل حدوثها، فالله -جلَّ وعلا- بكل شيء عليم، وهو يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد كتب في اللوح المحفوظ كل شيء. ٢ - أن الله خالق كل شيء، ومن جملة ذلك أفعال العباد، فالله خلق الناس وما يعملون، وخلق الله للأشياء يتم وفق ما قدره الله لها، فالله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. ٣ - لا يقع في ملك الله إلّا ما يشاء، فمشيئة الله محيطة بالخلائق، ومن جملة

стр. 124

ذلك الهداية والضلال، والإيمان والكفر، فلا يمكن أن يقع أمر في هذا الكون إذا لم يرده الباري . ٤ - لا يجوز لأحد أن يناقش الله في قضائه وحكمه ﵎ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. ذلك أن الله ﵎ هو الحكيم الخبير العليم الملك المطاع. ٥ - لا يجوز لأحد أن يحتج بالقدر في مواجهة الأمر الشرعي الديني، فالقدر مستور عن العباد، وقد كلفهم رب العزة بما تضمنه الوحي المنزل، وعليهم الاستقامة وفق ما شرع لهم، ولا يجوز لهم التمرد على شرع الله محتجين بالقدر. ٦ - وبناء على الأصل السابق فإن كل إنسان مسؤول عن تصرفاته وأعماله، ولذلك شرع الإسلام العقوبات في الدنيا، وأنذر المجرمين بالعذاب الأليم في الآخرة. ٧ - والله في ذلك كله ﵎ عادل، ولا يجوز أن ينسب إليه الظلم، عادل في تقديره، وعادل في أمره ونهيه. ٨ - مباشرة الأسباب من القدر، فالله قدَّر أن يكون حرث وزرع وحصاد، وقدَّر أن يأتي الولد بالنكاح، وأن يكون الري بشرب الماء، وأن يكون الدواء سببًا في الشفاء، فلا يجوز إهمال الأسباب احتجاجًا بالقدر، وقد فقه هذا الرسول ﷺ وأصحابه، فأعدوا العدة للحرب والقتال، وفكروا ودبروا، وخططوا.

стр. 125

الفَصل الثامن أثر الإيمَان في الفَرد وَالمُجتمع للإيمان آثار كثيرة طيبة في النفس الغفو الإنسانية وفي المجتمع الإنساني، ومن هذه الآثار: ١ - الرضا النفسي، والاطمئنان القلبي، فالنفوس البشرية دائمة الاضطراب، تزعجها الشدة والبلاء، وتبطرها النعمة والرخاء، وليس مثل الإيمان بالله الواحد الأحد مطمئنًا للنفوس، وجالبًا للسعادة والهناء ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. ٢ - الشجاعة والإقدام، لأنَّ الإيمان يغرس في النفس أن الأرزاق والآجال بيد الله ﵎، وأن العباد مربوبون محكومون أمرهم بيد خالقهم، فما دام العبد متوكلًا على الله، معتمدًا عليه - فإنه لا يرهب الباطل، ولا يخشى الموت، ويواجه الظلم والطغيان بنفس غير هيابة، وهذا هو السرّ في وقوف أهل الصلاح من هذه الأمّة في وجه الظلمة والظالمين. ٣ - الاستقامة والصلاح، فالذي يراقب الله ويخشاه، ويعلم أنه عليه رقيب، وله حسيب، يستقيم على أمر الله، وينتهي عن نهيه، ويصلح في معتقده وعلمه. ٤ - تحرير العباد من التخبط الفكري، والفوضى العقائدية، والعبودية للمادة، وإخراجهم من ظلمات الشرك والجهل والخرافة والدجل إلى نور العلم الذي يكشف الحقائق ويبصر بالصواب، ومن في تاريخ الأمم يعجب من ذلك

стр. 126

الضلال الذي عاش فيه البشر حيث عبدوا الأشجار والأحجار والشموس والأقمار، وألَّهوا البشر والبقر. ٥ - الثبات على خط واحد في اليسر والعسر، شكر في النعمة، وصبر في المصيبة، وفي الحديث "عجبا لأمر المؤمن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، وليس ذلك إلا للمؤمن". ٦ - الوحدة والاتفاق، فاتباع هذا الدين، تأتلف منهم القلوب، وتتفق منهم الأعمال، وكلما استمسكوا بهذا الدين ازدادوا اتحادًا، فالرب واحد، والدين واحد، والرسول واحد، والقبلة واحدة، والتصورات واحدة، والأعمال متقاربة متشابهة، ولا يفرقهم إلا اختلافهم في الدين ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ٧ - الحفاظ على النفوس والأموال، فالإيمان بالله الذي يغرس خوف الله وخشيته في القلوب- يردع النفوس عن الإفساد في الأرض، فتحفظ النفوس والأموال، وتحفظ من ناحية أخرى بسبب عدم بذلها في مسار يضيعها، فأهل الجاهلية كانوا ولا يزالون يبذلون أنفسهم وأموالهم في سبيل آلهة باطلة، لا تضر ولا تنفع، ولا تزال مئات الملايين - إلى اليوم - تذهب في كل عام في سبيل المعتقدات الباطلة. ٨ - التوجه بالأعمال إلى الدار الآخرة، هذا بعكس الكفار الذين لا يؤمنون باليوم الآخر- فإنهم لا ينظرون إلى أبعد من موطئ أقدامهم، تصوراتهم وأعمالهم وإرإداتهم محكومة بإطار الحياة الدنيا، أمّا المؤمن فإنه يحقق قول الله ﴿وَابْتَغِ

стр. 127

فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]. ٩ - العزة، فالإنسان الذي يعرف أصله الطيب، وربَّه الكريم العظيم، وغايته الكبيرة -يشعر بالعزة والكرامة، أمّا الإنسان الذي يظن أن أصله قرد أو جرثومة خبيثة، أو أن إلهه الشمس أو القمر أو البقر، أو أنه خلق عبثًا من غير غاية- فإنه مهين في نفسه، يشعر بالضعة والذلة والهوان، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَال إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]. ١٠ - معرفة شيء من العوالم غير المنظورة كالملائكة والجن والجنَّة والنار وهي كلها من عالم الغيب. ١١ - الحياء من الكرام الكاتبين الذين يراقبون أعمال العباد ويسجلون عليه صغير أعماله وكبيرها، ثم يودع ذلك في كتاب يعرض على العبد في يوم القيامة. ١٢ - العلم بعظمة الله وقوته وسلطانه وجبروته من خلال التعرف إلى صفاته، ومعرفة مخلوقاته العظيمة كالملائكة.

стр. 128

الفصل التَاسع المؤلفات في العقيدَة المؤلفات في العقيدة كثيرة في القديم والحديث، وبعض هذه المؤلفات تعتبر مؤلفات شاملة تناولت كل مسائل الاعتقاد، وبعضها تناول قضية من قضاياه. وأحب أن أنبه في هذا المجال على أمرين: الأول: أن تراثنا العقائدي فيه الغث والسمين، والمشوب والخالي من الشوائب فلكل فرقة من الفرق الإسلامية كتبها العقائدية التي شحنتها بانحرافاتها وضلالها، والكتب العقائدية الصافية هي تلك التي كتبت على طريقة السلف الصالح، والتي تمثل خط أهل السنة والجماعة. الثاني: ينبغي أن يعلم أن مراد كثير من السلف الذين ألفوا في العقيدة هو بيان منهج أهل السنة والجماعة في مسائل الاعتقاد التي اختلف فيها، وضل فيها من ضل من المسلمين، وبالتالي فإن المؤلفات في العقيدة إنما هي ضوابط تعصم من الضلال والانحراف وتبين المنهج السليم الخالي من الزيغ، ولا غنى لطالب العلم عن دراسة هذه القواعد والضوابط. أمّا دراسة العقيدة دراسة تفصيلية وافية فهذا مجاله الكتاب والسنة وقد اتجه بعض العلماء في الحديث إلى تجلية مسائل الاعتقاد من خلال الكتاب والسنة. ومن أفضل كتب العقيدة التي ألفت على منهج السلف الصالح تلك التي كتبها أبو جعفر الطحاوي الحنفي المتوفى في سنة ٣٢١ هـ، وقد شرحها الشيخ علي بن

стр. 129

محمد بن أبي العز الحنفي شرحًا وافيًا، وقد صدر عن دار النذير في الديار العراقية مختصر لطيف لهذا الشرح، عنون له باسم "مختصر شرح العقيدة الطحاوية" ولشيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ باع طويل في كتابة في مسائل العقيدة، ومن راجع قسم العقيدة من كتاب مجموع فتاوى شيخ الإسلام الذي جمعه ابن قاسم وطبع على نفقة المملكة العربية السعودية وجد فيه علمًا جمًّا، ومن مؤلفات شيخ الإسلام في هذا الباب كتاب: الفتوى الحموية الكبرى، والعقيدة التدمرية، والعقيدة الواسطية، وقد شرح الواسطية شرحا لطيفا مختصرًا الشيخ محمد خليل الهراس، رحمه الله تعالى. وللشيخ موفق الدين ابن قدامة كتاب في العقيدة سماه لمعة الاعتقاد ـ ولأبي عثمان إسماعيل الصابوني المتوفى سنة ٤٤٩ هـ مؤلف صغير الحجم عنون له بـ "عقيدة السلف وأصحاب الحديث". وللسفاريني عقيدة شرحها بنفسه في مجلد ضحم وقت بعقيدة السفاريني. وللشيخ أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى كتاب "الإبانة عن أصول الديانة" ومن المُحْدثين الذي ألفوا في باب العقيدة الشيخ أحمد بن حجر آل طامي له كتاب: "تطهير الجنان"، وكتاب: "عقائد السلف". وقد اتجه بعض المعاصرين إلى تجلية العقيدة من خلال الكتاب والسنة النبوية وقد وفقني الله لإصدار سلسلة تحت عنوان: العقيدة الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة، صدر منها عدة أجزاء. ومن المؤلفات الحديثة الحسنة في باب العقيدة ما كتبه الأستاذ سيد قطب، وما كتبه الشيخ يوسف القرضاوي، وما كتبه الشيخ عبد المجيد الزنداني، وما كتبه الدكتور محمد نعيم ياسين وقد خص بعض العلماء

стр. 130

بعض مسائل الاعتقاد بالتأليف، فابن خزيمة ألف كتابًا في التوحيد، وكذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة ١٢٠٦ هـ له كتاب في "التوحيد" يحسن بكل طالب علم يروم تصحيح عقيدته أن يدرسه دراسة متبصر، فإنه فريد في بابه، وقد شرحه شرحا وافيا حفيد المؤلف الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة ١٢٣٣ هـ، وقد عنون لهذا الشرح بـ "تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد". وقد ألف العلامة الشوكاني رسالة لطيفة في مسائل الصفات جلى فيها مذهب السلف، وعنوانها: التحف في مذاهب السلف. وللشيخ محمد الأمين الشنقيطي رسالة صغيرة في باب الأسماء والصفات نافعة جدًّا، وقد طبعت بعنوان "منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات"، وقد جمع الحافظ الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ هـ النصوص الدالة على علو الله على خلقه في مجلد عنون له بـ"العلو للعلي الغفار". وكتب ابن تيمية رسالة في مسألة القدر، ولتلميذه ابن القيم في هذا الموضوع كتاب أسماه: "شفاء العليل" وقد خصص الحافظ ابن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ هـ القسم الأخير من كتابه الشهير بالبداية والنهاية للحديث عن أشراط الساعة واليوم الآخر، وقد طبع في مجلدين كبيرين. وكتب بعض المعاصرين كتبًا في بيان فساد المذاهب المعاصرة، فقد كتب العقاد كتاب: الشيوعية والإنسانية، وكتب عبد الله عزام كتاب: السرطان الأحمر، وكتب سفر عبد الرحمن كتاب العلمانية، وكتب عماد الدين خليل كتاب تهافت العلمانية، وكتب أنور الجندي كتاب: الدهرية، وكتب مسعود الندوى كتاب: الاشتراكية وموقف الإسلام منها.

стр. 131

البَاب الثَّاني الآداب الشرعيَّة وَمكارم الأخلاق ويشتمل على ثلاثة فصول: الأول: الآداب الشرعية وذكر نماذج منها. الثاني: مكارم الأخلاق وذكر نماذج منها. الثالث: المؤلفات في الأخلاق.

стр. 132

الفَصل الأول الآداب الشرعية أدب الله عباده بآداب كثيرة، وهذه الآداب حلية المسلمين تزين نفوسهم الباطنة، وأفعالهم الظاهرة، وآداب النفوس الباطنة هي مكارم الأخلاق، وآداب النفوس الظاهرة تتحقق "باستعمال ما يحمد قولًا وفعلًا ... ، والأدب مأخوذ من المأدبة وهي الدعوة إلى الطعام، سمي بذلك لأنه يدعى إليه" (١) وسنشير إشارات موجزة، إلى أهم الآداب الشرعية التي تتعلق بالأقوال والأفعال، ثم نتحدث بعد ذلك عن الأخلاق. المَبحَث الأول برُّ الوالدين أمرنا الله أن نبر آباءَنا، وجعل حق الوالدين في مرتبة تالية لحقه، فالوالدىن هما السبب الذي شاء الله أن يوجدنا من خلاله، وقد عانيا في سبيل ذلك عناءً كبيرًا، ولاقيا صعابًا جمة، وخاصة الأم التي حملت وليدها كرهًا ووضعته كرهًا، وقد أمرنا بإكرامهما، وتنفيذ رغباتهما، وخفض الجناح لهما، والدعاء لهما ﴿وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: ٢٣، ٢٤].

стр. 133

﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَينِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]. وجاءَت الأحاديث النبوية موافقة للنصوص القرآنية، فقد سئل الرسول ﷺ عن أحب الأعمال إلى الله، فجعل الصلاة على وقتها في المرتبة الأولى، وبر الوالدين في المرتبة الثانية، والجهاد في سبيل الله في المرتبة الثالثة (١)، وعد عظائم الذنوب، فجعل عقوق الوالدين أحدها، "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قبنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، ... وقول الزور (٢) "فإذا تعارض حق الوالدين وحق الله، بأن كان الأب مشركًا، يأمر ولده بالكفر، أو كان مسلمًا يأمر ولده بالمعصية، فلا طاعة للوالد، وحق الله أعظم، ودعوتهما إلى الشرك والمعصية لا تمنع برهما بالمصاحبة الحسنة في الدنيا ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥]. المبحَث الثاني صلة الأرحَام الأرحام: الأقارب، وهم من بينه وبين الآخر نسب، سواء كان يرثه أم لا، سواء كان ذا محرم أم لا (٣) وقد حذرنا الله من قطيعة الرحم، فقال ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا

стр. 134

اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، ومن النصوص الآمرة بصلة ذوي القربى، قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ٨٣]. ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]. ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨]. وقد يظن كثير من الناس أن صلة الرحم تذهب الأوقات والأموال، فأخبر الرسول ﷺ أن الأمر على خلاف ما يظنون، ففي الحديث الذي يرويه أنس بن مالك أن الرسول ﷺ قال: "من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه (١) "، وفي الحديث أن الله قال للرحم: "أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك قالت: بلى يا رب، قال فهو لك (٢) "، وفي الحديث الآخر "إن الرحم شُجْنَة من الرحمن، فقال الله: من وصلك وصلته" ومن قطعك قطعته (٣) ". وتكون صلة الرحم بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة، والإنفاق على القريب، وتفقد أحوال الأقارب، والتغافل عن زلاتهم، والدعاء لهم، والمعنى الجامع: إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، وهذا إنما يستمر إذا كان أهل الرحم أهل استقامة، فإن كانوا كفارًا أو فجارًا، فيوصلون إذا كانت صلتهم تقربهم إلى

стр. 135

الإسلام، فإن أصروا على باطلهم فمقاطعتهم صلتهم، وهذا لا يمنع من الدعاء لهم بالصلاح والهداية. المَبحث الثالث الإحسَان إلى الجَار قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]. وفي الحديث: الذي يرويه البخاري وغيره "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه". والإحسان إلى الجار يكون بكف الأذى عنه، ففي الحديث: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، من قالوا: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه (١) "، ثم بالإحسان إليه، بحسب الطاقة، بأن يُهْدِي إليه، ويسلم عليه، ويلقاه طلق المحيا، ويتفقد أحواله، ويعاونه فيما يحتاج إليه، كل ذلك بحسب الطاقة. المَبحث الرابع الإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السَبِيل قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيرٍ فَلِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥].

стр. 136

وقال: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨]. وقال: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم: ٣٨]. وفي الحديث "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالذي يصوم النهار، ويقوم الليل (١) "وفي الحديث الآخر: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا, وقال بأصبعيه السبابة والوسطى (٢) ". المبحث الخامس النهي عن السخرية والظن والتجسس والغيبة المتكبر في نفسه يصاب بأمراض كثيرة، منا السخرية، وهمز الناس، ولمزهم، وذلك أنه يظن في نفسه الكمال، وواقع الأمر أن فيه نقصا، فتراه يتصيد عيوب الناس، ويدلل على أخطائهم ليدل على كماله ورفعته، والسخرية: الاستهانة بالآخرين وتحقيرهم، والتنبيه على عيوبهم ونفائصهم على وجه يضحك منه، وقد حرم الله علينا السخرية، ونبه الله عباده إلى أن من تسخر منه قد يكون أفضل منك، وعيب بالمرء أن يسخر بمن هو فوقه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]. ومن السخرية المحرمة لمز الناس ونبزهم بالألقاب ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].

стр. 137

ولمز الناس وهمزهم، يكون بالسخرية بهم والطعن في أعراضهم وذكر عيوبهم، ونبزهم بالألقاب: أي مناداتهم بألقاب وأوصاف يكرهونها، وقد أشارت الآية إلى أن المسلمين كالجسد الواحد، فمن رمى أخاه أو لمزه أو نبزه بلقب يكرهه فكأنما فعل ذلك بنفسه، لأن الأمة الإسلامية وحدة واحدة. ومما حذر الله منه اتهام الآخرين اتهامات تقوم على الظنون، فإن الظنون تفسد العلائق بين الناس، وتقود إلى مزالق في الأحكام والتصرفات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. ومما حذرنا الله منه التجسس، لمعرفة أسرار الآخرين والاطلاع على عوراتهم ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢]. وحذرنا ﵎ من الجريمة النكراء وهي اغتياب الناس، وعدّ المغتاب بمثابة ذلك الذي يأكل لحم أخيه وهو ميت ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. "والغيبة ذكرك أخاك بما يكره (١) " كذلك عرفها الرسول ﷺ فإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته وكذبت عليه. المبحَث السادس جملة من الآداب الشرعية والآداب الشرعية كثيرة جدًّا، منها إكرام الضيف، وفي الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" (٢) ومنها الاستئذان عند الدخول ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 138

الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]. ومنها إلقاء السلام ورده ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]. ومنها التسمية في أول الطعام، والحمد في آخره، والأكل باليمين، وقد أدب الرسول ﷺ غلامًا ققال له: "يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك (١) "، ومنها أن يحمد العاطس الله، فيقول له من يسمعه يرحمك الله، وهذا هو تشميت العاطس الوارد في الحديث، فيرد عليه العاطس: يهديكم الله ويصلح بالكم، ففي الحديث: "إذا عطس أحدم، فليقل الحمد لله، وليقل أخوه وصاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم" (٢). ومن الآداب عدم تناجي اثنين دون الثالث، ففي الحديث: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه" (٣). ورغب الإسلام في عيادة المريض، ففي الحديث: "إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع، قيل يا رسول الله، وما خرفة الجنة؟ قال: جناها (٤) ". وأرشدنا الرسول ﷺ إلى عدم الشرب والأكل وقوفا، ففي الحديث الذي يرويه أنس ﵁ "نهى أن يشرب الرجل قائما"، قال قتادة. قلنا لأنس: فالأكل؟ قال: "أشرُّ وأخبث" (٥) أي الأكل قائمًا.

стр. 139

ونهى الرسول ﷺ عن لبس الذهب والحرير ففي الحديث: "نهانا عن الحرير والديباج, والشرب في آنية الذهب والفضة، وقال لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" (١). ومما أرشدنا إليه رسولنا المختار عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام, رعاية الأبناء ورحمتهم وتقبيلهم، وقد كان الرسول ﷺ يقبل الحسن والحسين، وأنكر على من قال له: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم واحدًا فقال له المصطفى: "من لا يرحم لا يرحم" (٢) والمسلم تتعدى رحمته دائرة الإنسان إلى الحيران، وقد أخبرنا الرسول ﷺ عن ذلك الرجل الذي سقى كلبًا، فشكر الله له فغفر له، فقال الصحابة: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؛ فقال: "في كل ذات كبدة رطبة أجر" (٣). وأرشد ﵊ إلى الرفق في معالجة الأمور، وقد قال ﵇ لزوجه عائشة مؤدبًا ومعلمًا عندما سبت اليهود ولعنتهم: "مهلا يا عائشة, إن الله يحب الرفق في الأمر كله" (٤) ووجهنا الإسلام إلى التعاون فيما بيننا على البر والتقوى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. وشبه الرسول ﷺ ترابط الجسد الواحد, "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" (٥).

стр. 140

وحذرنا ﵇ من النميمة، وأخبر أن الذي كان يمشي بالنميمة بين الناس يعذب في قبره (١). ورغبنا الإسلام في السعي في حاجات إخواننا، ففي الحديث: "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة" (٢).

стр. 141

الفصل الثاني مكارم الأخلاق تمهيد: تعريف الخلق لغة واصطلاحا: يطلق الخلق في اللغة على: "الدين والطبع والسجية" (١)، ويمكننا أن نقول إن العرب تطلقه على تلك الصفات الراسخة في أعماق النفس الإنسانية بحيث تصبح طبعًا وسجية يصعب على المرء مخالفتها وتغييرها. وقد تنبه كثر من العلماء إلى أن الأخلاق صفات النفس الإنسانية الباطنة، يقول ابن منظور: "وحقيقة الخُلُق أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافها ومعانيها الختصة بها بمنزلة الخُلُق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة" (٢)، ويقول الراغب في مفرداته: "الخلَقْ والخُلُق يعني بالفتح وبالضم في الأصل بمعنى واحد، كالشرب والشرب, لكن خص الخلق الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق الذي بالضم بالقوي والسجايا المدركة بالبصيرة" (٣) والأخلاق في الاصطلاح لا تبعد عن المعنى اللغوي، فالعلماء يريدون بها تلك الصفات التي تقوم كالنفس على سبيل الرسوخ، ويستحق الموصوف بها المدح أو الذم، (٤) كما ورد في حديث أشج عبد

стр. 142

القيس، حيت قال الرسول ﷺ له: "إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة" (١)، وقد يطلق العلماء الخلق ويريدون به التمسك بأحكام العشر. والأخلاق الكريمة تدعو إليها الفطر السليمة، فالبشر كانوا ولا يزالون يعدون الصدق والوفاء بالعهد والجود والشجاعة والصبر أخلاقًا فاضلة يستحق صاحبها الثناء والتكريم، ولا يزالون يعدون الكذب والغدر والجبن أخلاقًا سيئة ترفضها العقول السليمة، وتذم صاحبها، والشريعة جاءَت داعية إلى المعروف من الأخلاق، وتنهى عن المنكر منها. المبحث الأول دعوة الشريعة الإسلامية إلى مكارم الأخلاق الأخلاق قسمان: أخلاق كريمة، وأخلاق ذميمة، وقد جاءت الشريعة الإسلامية تدعو إلى تزكية النفوس وتطهيرها حتى تكون كريمة الأخلاق، نبيلة السجايا، مسلم تدع خلقًا كريمًا إلا رغبت فيه، ولا خلقًا ذميمًا إلا حذرت منه، بل إن جميع الأحكام الشرعية تدور مع الأخلاق حيث دارت، فلا ترى حكمًا شرعيًّا يعارض الأخلاق ويصادمها، وحسبك أن الله أثنى على عبده ورسوله محمد ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. ودعا الحق عباده إلى المبادرة إلى رحمته وجنته التي أعدها للمتقين من عباده، وأول صفاتهم تحليهم بالأخلاق الفاضلة الكريمة، من الإنفاق في حال اليسر والعسر وكظم الغيظ والعفو عن الناس ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ

стр. 143

عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وعدّ في آية أخرى الأعمال التي تعتبر بحق أعمالًا صالحة في ميزان الخير فعدَّ الأخلاق الفاضلة من الوفاء بالعهد، والصبر في البأساء والضراء وحين البأس أحد أركانها ﴿لَيسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقد رغب الرسول ﷺ باتباع الأخلاق الحميدة, وحذر من كل خلق ذميم, فالخير الحقيقي في ميزان الرسول ﷺ الخلق الحسن, ففي الحديث: "البر حسن الخلق" (١) والخلق سبيل الإرتقاء إلى مدارج الكمال, وفي الحديث: "إن من خيركم أحسنكم خلقا" (٢) وفي حديث أبي هريرة: "إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقا" (٣). وحسن الخلق أثقل شيء في الميزان، كما يقول الرسول ﷺ ففي الحديث: "ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق" (٤)، وصاحب الخلق الطيب، يدرك

стр. 144

بحسن خلقه منازل العاملين المجدين، ففي الحديث: "وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ درجة صاحب الصوم والصلاة" (١) , وأكثر ما يدخل الناس الجنة الخلق الحسن، ففي الحديث: "سئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: تقوى الله وحسن الخلق" (٢). وأحب الناس إلى رسول الله ﷺ وأقربهم منه مجلسًا في يوم القيامة أحسن المؤمنين خلقا، ففي الحديث: "إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن من أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة: الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون" (٣). وبحسن الخلق يسع المرء الناس، فمال المرء لا يسع الناس جميعًا، وفي الحديث: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق" (٤). وقد كان الرسول ﷺ أحسن الناس خلقًا، فهو الأسوة والقدوة صلوات الله وسلامه عليه, وقد بلغ بأخلاقه الكريمة منازل عالية، وحسبك شهادة ربه له ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].

стр. 145

وقد عَرَف خُلُقَه أصحابُه وأعداؤُه على حدّ سواء، وتحدث به الركبان، ولم يجد الخصوم في خلقه مطعنا. وقد وصف لنا الصحابي الجليل أنس بن مالك رسول الله ﷺ ، وكان عالما به حق العلم، فهو خادمه الذي لازمه عشر سنين، قال: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس" (١). وانظر إلى هذه الصورة الرائعة التي ينقلها أنس عن خلق الرسول ﷺ : "خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، والله ما قال لي أفًّا قط، ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا، وهلا فعلت كذا" (٢). وكما أثنى الله على الأخلاق الفاضلة وأهلها، حذر من الأخلاق الذميمة وأهلها، ففي محكم التنزيل ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ [القلم: ١٠ - ١٣]. ومما وصى به لقمان ابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]. المبحث الثاني المجاهدة في إصلاح الأخلاق وتقويمها ذهب بعض الباحثين والفلاسفة إلى أن الأخلاق غرائز في النفس الإنسانية لا تقبل تقويمًا ولا تعديلا، وقد استغل هذه المقالة من ثقلت عليهم مجاهدة نفوسهم،
следующие страницы →