الفصل الثاني مكارم الأخلاق
تمهيد: تعريف الخلق لغة واصطلاحا:
يطلق الخلق في اللغة على: "الدين والطبع والسجية" (١)، ويمكننا أن نقول إن العرب تطلقه على تلك الصفات الراسخة في أعماق النفس الإنسانية بحيث تصبح طبعًا وسجية يصعب على المرء مخالفتها وتغييرها.
وقد تنبه كثر من العلماء إلى أن الأخلاق صفات النفس الإنسانية الباطنة، يقول ابن منظور: "وحقيقة الخُلُق أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافها ومعانيها الختصة بها بمنزلة الخُلُق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة" (٢)، ويقول الراغب في مفرداته: "الخلَقْ والخُلُق يعني بالفتح وبالضم في الأصل بمعنى واحد، كالشرب والشرب, لكن خص الخلق الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق الذي بالضم بالقوي والسجايا المدركة بالبصيرة" (٣) والأخلاق في الاصطلاح لا تبعد عن المعنى اللغوي، فالعلماء يريدون بها تلك الصفات التي تقوم كالنفس على سبيل الرسوخ، ويستحق الموصوف بها المدح أو الذم، (٤) كما ورد في حديث أشج عبد
стр. 142
القيس، حيت قال الرسول ﷺ له: "إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة" (١)، وقد يطلق العلماء الخلق ويريدون به التمسك بأحكام العشر.
والأخلاق الكريمة تدعو إليها الفطر السليمة، فالبشر كانوا ولا يزالون يعدون الصدق والوفاء بالعهد والجود والشجاعة والصبر أخلاقًا فاضلة يستحق صاحبها الثناء والتكريم، ولا يزالون يعدون الكذب والغدر والجبن أخلاقًا سيئة ترفضها العقول السليمة، وتذم صاحبها، والشريعة جاءَت داعية إلى المعروف من الأخلاق، وتنهى عن المنكر منها.
المبحث الأول دعوة الشريعة الإسلامية إلى مكارم الأخلاق
الأخلاق قسمان: أخلاق كريمة، وأخلاق ذميمة، وقد جاءت الشريعة الإسلامية تدعو إلى تزكية النفوس وتطهيرها حتى تكون كريمة الأخلاق، نبيلة السجايا، مسلم تدع خلقًا كريمًا إلا رغبت فيه، ولا خلقًا ذميمًا إلا حذرت منه، بل إن جميع الأحكام الشرعية تدور مع الأخلاق حيث دارت، فلا ترى حكمًا شرعيًّا يعارض الأخلاق ويصادمها، وحسبك أن الله أثنى على عبده ورسوله محمد ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
ودعا الحق عباده إلى المبادرة إلى رحمته وجنته التي أعدها للمتقين من عباده، وأول صفاتهم تحليهم بالأخلاق الفاضلة الكريمة، من الإنفاق في حال اليسر والعسر وكظم الغيظ والعفو عن الناس ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ
стр. 143
عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وعدّ في آية أخرى الأعمال التي تعتبر بحق أعمالًا صالحة في ميزان الخير فعدَّ الأخلاق الفاضلة من الوفاء بالعهد، والصبر في البأساء والضراء وحين البأس أحد أركانها ﴿لَيسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقد رغب الرسول ﷺ باتباع الأخلاق الحميدة, وحذر من كل خلق ذميم, فالخير الحقيقي في ميزان الرسول ﷺ الخلق الحسن, ففي الحديث: "البر حسن الخلق" (١) والخلق سبيل الإرتقاء إلى مدارج الكمال, وفي الحديث: "إن من خيركم أحسنكم خلقا" (٢) وفي حديث أبي هريرة: "إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقا" (٣).
وحسن الخلق أثقل شيء في الميزان، كما يقول الرسول ﷺ ففي الحديث: "ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق" (٤)، وصاحب الخلق الطيب، يدرك
стр. 144
بحسن خلقه منازل العاملين المجدين، ففي الحديث: "وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ درجة صاحب الصوم والصلاة" (١) , وأكثر ما يدخل الناس الجنة الخلق الحسن، ففي الحديث: "سئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: تقوى الله وحسن الخلق" (٢).
وأحب الناس إلى رسول الله ﷺ وأقربهم منه مجلسًا في يوم القيامة أحسن المؤمنين خلقا، ففي الحديث: "إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن من أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة: الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون" (٣).
وبحسن الخلق يسع المرء الناس، فمال المرء لا يسع الناس جميعًا، وفي الحديث: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق" (٤).
وقد كان الرسول ﷺ أحسن الناس خلقًا، فهو الأسوة والقدوة صلوات الله وسلامه عليه, وقد بلغ بأخلاقه الكريمة منازل عالية، وحسبك شهادة ربه له ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
стр. 145
وقد عَرَف خُلُقَه أصحابُه وأعداؤُه على حدّ سواء، وتحدث به الركبان، ولم يجد الخصوم في خلقه مطعنا.
وقد وصف لنا الصحابي الجليل أنس بن مالك رسول الله ﷺ ، وكان عالما به حق العلم، فهو خادمه الذي لازمه عشر سنين، قال: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس" (١).
وانظر إلى هذه الصورة الرائعة التي ينقلها أنس عن خلق الرسول ﷺ : "خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، والله ما قال لي أفًّا قط، ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا، وهلا فعلت كذا" (٢).
وكما أثنى الله على الأخلاق الفاضلة وأهلها، حذر من الأخلاق الذميمة وأهلها، ففي محكم التنزيل ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ [القلم: ١٠ - ١٣].
ومما وصى به لقمان ابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].
المبحث الثاني المجاهدة في إصلاح الأخلاق وتقويمها
ذهب بعض الباحثين والفلاسفة إلى أن الأخلاق غرائز في النفس الإنسانية لا تقبل تقويمًا ولا تعديلا، وقد استغل هذه المقالة من ثقلت عليهم مجاهدة نفوسهم،
стр. 146
وذهبوا يبررون ما أقاموا عليه من ذميم الأخلاق بأنه ليس في وسعهم تغيير ما غرس فيهم من الأخلاق الذميمة، والصواب من القول أن من الأخلاق الكريمة ما يطبع عليه صاحبه، فهذا يحمد الله على ما آتاه الله من فضيلة، ومن الأخلاق الكريمة ما ينال بالاكتساب والمجاهدة، وقد وقع في حديث أشج عبد القيس عند أحمد والنسائي والبخاري في الأدب المفرد وصححه ابن حبان أن النبي ﷺ قال: "إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة، قال: يا رسول الله، قديما كانا فيَّ أو حديثًا؟ قال: قديمًا، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما" (١)، قال ابن حجر العسقلاني معقبا على الحديث: "فترديده السؤال وتقريره عليه يشعر بأن في الخلق ما هو جبلي وما هو مكتسب" (٢)، وقد نقل ابن حجر مقالة القرطبي في هذا الموضوع حيث يقول: "الخلق جبلة في نوع الإنسان، وهم في ذلك متفاوتون، فمن غلب عليه شيء منها إن كان محمودا، وإلا فهو مأمور بالمجاهدة فيه حتى يصير محمودا، وكذا إن كان ضعيفًا فيرتاض صاحبه حتى يقوى" (٣).
والأدلة على أن الأخلاق قابلة للتعديل والتقويم كثيرة منها:
الأول: الرؤية والمشاهدة، فنحن نشاهد الجبان تحول بالمجاهدة والتدريب إلى شجاع، كما نرى الكذوب بالتربية والتعليم أصبح صادقًا، وكم رأينا من رجال ساءت أخلاقهم عندما خالطوا الأشرار، وكم من رجال حسنت أخلاقهم عندما هدوا إلى الإيمان والأعمال الصالحة وعاشروا عباد الله الصالحين.
الثاني: أننا نرى دائما حيوانات تغيرت طباعها، بالتدريب والتعليم، فقد حدث
стр. 147
أن دُرِّب الهرُّ حتى عاش مع الفأر، والكلب مع الهر، ودربت القردة على أمور كثيرة عجيبة، فإذا أمكن تقويم طماع الحيوان، فالإنسان من باب أولى.
الثالث: جاءت جميع الشرائع داعية إلى مكارم الأخلاق ناهية عن ذميمها، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
وقوله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧].
وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
فلو كان تقويم الأخلاق وتهذيبها غير مستطاع فإن دعوة الشرائع إلى ذلك يكون عبثًا لا طائل تحته، وكل عاقل يعلم أن الله ما أمر إلا بالممكن المستطاع، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
الرابع: صح عن الرسول ﷺ أنه قال: "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشرَّ يوقه"، رواه الخطيب عن أبي هريرة وسنده حسن، (١) ويمكن أن يستدل أيضًا بحديث أشج عبد القيس وقد سبق ذكره، وكان الرسول ﷺ يطلب من ربّه الهداية لأحسن الأخلاق، فمن دعائه في استفتاح الصلاة: "واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئهما إلا أنت" (٢)
стр. 148
المَبحث الثالث أصول الأخلاق الكريمة
أعاد محمد بن يعقوب الفيروز آبادي جميع الأخلاق إلى أربعة وهي: الصبر، والعفّة، والشجاعة، والعدل.
والسرّ في ذلك أن الصبر يحمل صاحبه -كما يقول الفيروز آبادي- على الاحتمال وكظم الغيظ وإماطة الأذى، والحلم، والأناة، والرفق، وعدم الطيش، والعجلة.
والعفة تحمله على اجتناب الرذائل والقبيح من القول والفعل، وتحمله على الحياء وهو ركن كل خير، وتمنعه من الفحش والبخل والكذب والغيبة والنميمة.
والشجاعة تحمله على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته، وتحمله على كظم الغيظ والحلم، فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنانها ويكبحها بلجامها عن السطوة والبطش، كما قال النبي ﷺ : "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب"، وهذه هي حقيقة الشجاعة، وهي ملكة يقتدر بها على قهر خصمه.
والعدل -كما يقول الفيروز آبادي- يحمل صاحبه على اعتدال أخلاقه، وتوسطه بين طرفي الإفراط والتفريط، فيحمله على خلق الجود والسخاء، الذي هو توسط بين الإمساك والتقتير، وعلى خلق الحياء الذي هو توسط بين الذلة والقحة، وعلى خلق الشجاعة الذي هو توسط بين الجبن والتهور، وعلى خلق الحلم الذي هو توسط بين الغضب والمهانة، والتوسط منشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة. (١)
стр. 149
المبحث الرابع نماذج من الأخلاق المأمور بها أو المنهي عنها
١ - الصدق:
الصدق طريق الفلاح والنجاح، والكذب طريق السقوط والضلال، بهذا جاءنا ديننا، والواقع يصدقه، وإن ظن بعض الناس خلاف ذلك فقد أخطؤوا، فالذي يظن أن الكذب منجاة وأن الصدق مهلكة لم يعرف الحق أبدًا، وقد بين هذه الحقيقة الحبيب المصطفى في الحديث الذي يرويه عنه أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود حيث يقول: "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدى إلى الجنّة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق، حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابا" (١)، وحسبك بالصادقين أن الله أثنى عليهم في محكم التنزيل ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣].
وذم الذين أخلفوا الله ما عاهدوه عليه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧].
والصدق كما يكون في الحديث والوعد والعهد، يكون كذلك في العزم بأن
стр. 150
يفعل ما عزم على فعله عندما يأتي وقت الفعل، كمن عزم على الصدقة، ويكون أيضًا في الفعل، ويتحقق الصدق بالفعل بأن يجاهد نفسه حتى يكون عمله الظاهر صورة لنفسه الباطنة، فلا يرائي الناس بعلمه.
والصادق محبوب إلى عباد الله، مؤتمن على الأموال، مقبول الشهادة، موثق الأقوال، بعكس الكاذب، فإن الناس لا يصدقون قوله، ولا يقبلون شهادته، ولا يأتمنونه على أموالهم.
٢ - التواضع:
إذا نظر الإنسان إلى أصله الذي خلق منه، وإلى الكون الذي نشأ فيه، وإذا عرف الإله العظيم الكبير الذي أنشأه وأنشأ الكون من حوله - فإنه لا بدَّ وأن يتواضع لعظمة الله وكبريائه، وسيتبدى هذا التواضع في كلمته التي ينطق بها، وفي حركته التي يدب بها فوق ظهر الأرض، استمع إلى الحق يصف حركة عباد الرحمن في مشيتهم ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
ولا يأتي الكبر إلّا من جهل الإنسان بنفسه، وبالله الذي خلاقه، فالذي يتكبر به الإنسان عرض زائل وعارية مسترجعة: المال يذهب، والسلطان يزول، والجمال يذوي، والحياة لا تدوم، والله وحده الحى القيوم الذي لا يحول ولا يزول ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
والمستكبر يضع نفسه في مكانة لا يستحقها، فهو ينازع الله في صفة من صفاته، والله لا يرضى من عباده شيئًا من ذلك، ففي الحديث القدسي: "يقول
стр. 151
الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في جهنم، ولا أبالي" (١) والمتكبر يمنعه كبره من الاستفادة من حملة الحق والهدى، فيخسر كثيرا ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦].
وهم يخسرون في الآخرة أنفسهم، لأن من اتصف بالكبر يذله الله، ويدخله جهنم وبئس القرار، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
وإذا كانت سنة الله في المتكبرين أن يذيقهم الذل والهوان، فشأنه في المتواضعين أن يعزهم ويكرمهم، ففي الحديث: "ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه" (٢)، والتواضع كما يقول الفضيل بن عياض: "أن تخضع للحق وتنقاد له، ولو سمعته من صبي قبلته، ولو سمعته من جهال الناس قبلته" (٣)، والكبر بخلاف ذلك، ففي الحديث: "الكبر بطر الحق وغمط الناس" (٤).
٣ - الحياء:
يتصف كل أهل دين بخلق أكثر مما يتسمون بغيره, فخلق اليهود الذي يتسمون به الخوف، والنصارى المحبة، وأهل هذا الدين خلقهم الذي يتميزون به خليط من الخوف والحب، ألا وهو الحياء، فقد روى مالك في موطئه قول الرسول ﷺ "إن لكل دين خلقا، وخلق الإسلام الحياء".
стр. 152
والخلق دافع إلى الفضائل، ناه عن الرذائل، فالذي يستحيي من الله، يسارع إلى طاعته، ويبتعد عن معصيته، ويعبده حق عبادته، وفي سنن الترمذي: "استحوا من الله حق الحياء"، وفي الحديث أيضًا: "الحياء لا يأتي إلا بخير" متفق عليه، والحياء من الإيمان، ففي الحديث: "الإيمان بضع وسبعون، أو قال: بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطويق، والحياء شعبة من الإيمان"، متفق عليه.
وفي الحديث الآخر، قال الرسول ﷺ لرجل مر عليه كان يعظ أخاه في الحياء: "دعه فإن الحياء من الإيمان"، متفق عليه، وإذا كان الحياء دافعًا لكل خير، فالتجرد من الحياء يرفع الضوابط والقيود التي تمنع من ارتكاب الموبقات، والوقوع في الزلات، وفي الحديث: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" رواه البخاري.
ولكن لا ينبغي أن يمنع المرءَ حياؤُه من فعل الخيرات، والنهي عن المنكرات، والاستفصال عن أمور الدين، وقد قالت أم سليم للرسول ﷺ "يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ فقال: نعم، إذا رأت الماء" رواه البخاري.
٤ - الإيثار:
الإيثار تفضيل الغير على النفس في الخير، وهو درجة عالية لا تصل إليها إلا النفوس الكبيرة، ولقد تبدت هذه الصفة عند الرعيل الأول في صورة رائعة، وقد شهد لهم الحق ﵎ ببلوغ هذه المرتبة السامية ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
стр. 153
فقد روى أبو هريرة أن رجلًا جاء إلى الرسول ﷺ فقال: "إني لمجهود، قلم يجد الرسول ﷺ عند نساءه ما يكرم به الضيف، فقال الرسول ﷺ : من يضيف هذا الليلة؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ ، وفي رواية هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء، وإذا أرادوا العشاء فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا، فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكل، ... فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى النبي ﷺ فقال: لقد عجب الله من صنيعكما الليلة بضيفكما" متفق عليه.
أي خلق كريم هذا! وأية نفوس هذه! إن هذا شيء فوق الكرم والجود، وقد أثنى الرسول ﷺ على الأشعريين قوم أبي موسى الأشعري، فقال: "إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، وقل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسويّة، فهم مني وأنا منهم" متفق عليه.
ومن درس أخبار المسلمين إثر الهجرة ورأى ما استقبل به الأنصار المهاجرين، وما أكرموهم به يعلم صدق قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
٥ - أداء الأمانة والوفاء بالعهد:
كيف يتصور حال مجتمع ما، لا تؤدى فيه الأمانة، ولا يفي فيه الناس بعهودهم! ! إن الناس في مثل هذه المجتمعات تنعدم ثقة بعضهم ببعض، ويصبح
стр. 154
الناس فيه أقرب إلى الحيوانات التي لا يهمها سوى إشباع نهمها، وتلبية حاجاتها، ولو كان في ذلك تعاسة الآخرين، ولذلك فليس عجيبًا أن يأتي سيل من النصوص آمرًا بأداء الأمانات والوفاء بالعهود ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وعدّ الرسول ﷺ الكذب في الحديث، والخلف بالوعد، وخيانة الأمانة، من علامات النفاق، ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان"، متفق عليه.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي، أن رسول الله ﷺ : "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كان فيه خصلة فهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" متفق عليه.
٦ - البخل:
مدح الله الذين زكوا أنفسهم بتخلصهم من الشح فقال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦].
стр. 155
وأكذب ظن البخلاء الذين يظنون أن البخل بالمال خير، وأخبرهم بالجزاء الرهيب الذي ينتظرهم في يوم القيامة حيث سيعذبون بما جمعوه ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
والشح مهلك للمجتمعات، فمن أجله سفكت الدماء، واستحلت المحارم، روى مسلم في صحيحه قول المصطفى ﷺ : "اتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن يسفكوا دماءهم ويستحلوا محارمهم"، ولما كان مال الإنسان حبيبًا إلى نفسه أثيرًا عنده، فقد جاءَت النصوص واعدة بالثواب الجزيل والأجر الكبير على بذله وإنفاقه في المجالات التي يحبها الله ﵎ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥].
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٥ - ٧].
٧ - الحسد:
الحسود إنسان حقود لجوج، تشقيه سعادة الآخرين، ويؤلمه ما يصيبهم من
стр. 156
نعم، فلا يرى على عبد نعمة إلا وتمنى زوالها، أو تمنى أن تصير إليه، وقد يعقب الأماني السعي في ذلك، والحسد قلما يشفى منه صاحبه، ولذا أمرنا الله بالاستعاذة من الحاسد وحسده ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥].
والحسد أول خطيئة عصى الله بها، فالذي منع إبليس من السجود لآدم الحسد، ﴿قَال أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].
واليهود كفروا بالرسول ﷺ وبما جاء به حسدا، ولم يكتفوا بذلك، بل أعملوا مكرهم في رد المؤمنين عن دينهم ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩].
وقد حذر الرسول ﷺ أمته عن ما يفرق المؤمنين، ويقطع وشائج أخوتهم، ويزرع الأحقاد بينهم، وفي طليعة ما يوجد ذلك الحسد، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا (١) ".
وليس من الحسد أن يتمنى المرءُ نعمة مثل النعمة التي أعطيها عبد ما، فذلك هو الغبطة، وليس من الحسد، ففي الصحيحين عن الرسول ﷺ قال: "لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وأطراف النهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار، قال ابن رجب بعد
стр. 157
أن ساق هذا الحديث وهذا هو الغبطة، وسماه حسدًا من باب الاستعارة" (١).
وإذا تفكر العبد دائمًا في نعم الله عليه، وما وهبه إياه، ونظر إلى من هو دونه في الدنيا، كان ذلك أبعد عن الحسد وأقرب للشكر.
الفصل الثالث المؤلفات في الأخلاق
كتب الأستاذ محمد الغزالي كتاب خلق المسلم، والأستاذ المودودي كتاب نظرية الإسلام الخلقية، ولمحمد عبد الله دراز كتاب في الأخلاق أسماه: دستور الأخلاق في الإسلام، وقد تقدم بهذا الكتاب لنيل إجازة الدكتوراه من السوربون في فرنسا، وقد جمع فخر الدين الحسيني الآيات والأحاديث التي تتعلق بالأخلاق، ورتبها وجعلها في كتاب سماه تهذيب الأخلاق، ومن الكتب الحسنة في هذا الباب كتاب من أخلاق الرسول لعبد المحسن العباد، ولأبي حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين كلام حسن عن الأخلاق.
стр. 158
البَاب الثالث الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي
ويشتمل على أربعة فصول:
الفصل الأول: تعريف الفقه، والفرق بينه وبين الشريعة ومساره عبر القرون.
الفصل الثاني: الأسس التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية.
الفصل الثالث: المؤلفات في الفقه.
الفصل الرابع: مصادر الأحكام الشرعية.
стр. 159
الفصل الأول تعريف الفقه
الشريعة عَلَم على جمع ما أنزله الله من أحكام كما سبق بيانه، إلا أن بعض العلماء المتأخرين جعلوا الشريعة علمًا على الأحكام العملية دون غيرها، وقد قلنا من قبل إن اصطلاح القرآن على خلاف هذا، والاصطلاح الذي وضعه العلماء للأحكام العملية هو: "الفقه، أو علم الفروع"، وسنلم إلمامة سريعة بهذا العلم، كما سنعرض باختصار للأصول التي قام عليها.
مدار الفقه في لغة العرب على الفهم والعلم، قال موسى في دعائه لربه ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ [طه: ٢٧ - ٢٨].
وقال قوم شعيب في خطابهم لنبيهم ﴿قَالُوا يَاشُعَيبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١].
وبعد مجيء الإسلام غلب اسم الفقه على "علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم، كما غلب النجم على الثريا والعود على المندل" (١).
وقد كان اسم الفقه شاملًا للدين كله، فالفقه فقه الكتاب والسنة, لا فرق في ذلك بين العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات والأخبار، يقول ابن عابدين: "المراد بالفقهاء: العالمون بأحكام الله تعالى اعتقادًا وعملًا، لأن تسمية علم الفروع فقهًا حادثة، ويؤيده قول الحسن البصري: إنّما الفقيه المعرض عن
стр. 160
الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينة، المداوم على عبادة ربّه، الورع، الكاف عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم" (١).
وقد خص المتأخرون علم الفقه بفروع الدين دون أصوله كما علمت من عبارة ابن عابدين، وقد عرفوه بقولهم: "هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية" (٢).
فالتعريف كما ترى قصر الفقه على العلم بالأحكام الشرعية العملية، أي التي تتعلق بكيفية عمل، دون تلك التي تتعلق، بالاعتقاد أو الأخلاق.
والفقيه -كما يشعر التعريف- هو الذي يأخذ الأحكام من الأدلة التفصيلية، وهي نصوص الآيات والأحاديث، دون الذي يحفظها من غير معرفة بأدلتها.
أقسام موضوعات الفقه الإسلامي
أغلب الفقهاء يقسمون الفقه إلى قسمين: عبادات ومعاملات، ومنهم من يزيد قسمًا ثالثًا هو العقوبات، ومنهم من يزيد قسمًا رابعًا: هو المناكحات، والأولون يدخلون العقوبات والمناكحات في المعاملات.
وقد بحث الفقهاء في قسم العبادات: الطهارة والمياه، النجاسات، الوضوء، الغسل، التيمم، الحيض، النفاس، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج، الإيمان النذور، الجهاد، الأطعمة الأشربة، الصيد الذبائح.
стр. 161
وأهم مباحث المعاملات: الزواج، الطلاق، العقوبات، البيوع، القرض، الرهن، المساقاه، المزارعة، الإجارة، الحوالة، الشفعة، الوكالة، العاريّة، الوديعة، الغصب، اللقيط، الكفالة، الجعالة، الشركات، القضاء، الأوقاف، الهبة، الحجر، الوصية، الفرائض.
الفرق بين الشريعة والفقه
يمكننا أن نوجز الفرق بينهما في أربع نقاط:
١ - الشريعة تنزيل من الحكيم الخبير، والفقه فهم العلماء لدين الله وشريعته.
٢ - الشريعة صواب كلها، والفقه قد يخطئ في بعض الأحيان.
٣ - الشريعة تشمل العقائد والأحكام، والفقه خاص بالأحكام العملية.
٤ - الشريعة كاملة لا نقص فيها، وهي لازمة للناس جميعًا، والفقه ليس كذلك، فما وافق الشرع فهو ملزم، وإلا فإنه ملزم للمجتهد ومن اقتنع برأيه.
مسار الفقه عبر القرون
الفقه عند المسلمين هو القانون الذي يحكم تصرفاتهم وأعمالهم في جميع الأحوال، وقد كان الفقهاء هم الذين يعلمون هذه الأحكام من الكتاب والسنة، وقد تكون هذه الأحكام منصوصة لا تحتاج إلى إعمال فكر ونظر، وقد تحتاج إلى إعمال فكر ونظر، لأن دلالة النصوص على الأحكام خفية، تحتاج إلى استنباط أو قياس.
وقد حفظ لنا التابعون اجتهادات الصحابة كما حفظ أتباع التابعين أقوال الصحابة والتابعين، وعندما ابتدأ تدوين العلوم بعد القرن الأول دونت أقوال
стр. 162
الصحابة مع أقوال التابعين وتابعيهم، وكان تدوين هذه الأقوال مختلطًا بالسنة، ثئم دون الفقهاء كتب الفقه مجردة عن السنة، إلا أن هذه الكتب كانت مسائلها مدعمة بالنصوص من الكتاب والسنة، وبعض هذه الكتب عرضت مسائل الفقه مجردة عن الأدلة.
وقلت عناية الفقهاء بالأدلة من الكتاب والسنة بعد القرن الرابع الهجري، وكثر الاهتمام بأقوال أئمة الفقه، ومع امتداد الزمان أغرق المسلمون في التقليد، وأصبح كثير من الفقهاء ينظرون إلى أقوال أئمتهم نظرتهم إلى نصوص الشريعة، وزاد الطين بلة أن المتأخرين أهملوا النظر في كتب أئمة المذاهب وتلامذتهم، وعكفوا على كتب المتأخرين، وهذه الكتب اهتم مدونوها فيها باختصار كتب الأوائل اختصارًا جعلها إلى الألغاز أقرب.
ولا نزال حتى اليوم نرزح تحت بلاء التقليد الأعمى الذي لا يأبه بالدليل، وإن كانت هناك بوادر خير، حيث أقبل كثير من طلبة العلم على دراسة الكتاب والسنة، وهم مع ذلك لا يهملون فقه الأئمة.
стр. 163
الفصل الثاني الأسس التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية
قامت هذه الشريعة المباركة على أسس كثيرة، استقرأها العلماء من نصوص الكتاب والسنة، ونحن سنكتفي بثلاثة منها في هذا الكتاب:
أولًا: اليسر ورفع الحرج:
هذه الصفة بينة واضحة في جميع أحكام هذه الشريعة، وكونها ميسرة لا حرج فيها هو نتيجة منطقية لسعتها وكمالها، وقد نص الله على هذا المعلم في أكثر من موضع في كتابه الكريم ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦].
وقد بلغ اليسر في الشريعة إلى درجة التخفيف من الواجبات عند وحود الحرج، والسماح بتناول القدر الضروري من المحرمات عند الحاجة، فالذي لا يستطيع استعمال الماء لعدم القدرة عليه أبيح له التيمم ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣].
والمريض والمسافر يباح لهما الفطر ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
стр. 164
وقال في حق الذي لا يجد قوتا حلالا:
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾ [البقرة: ١٧٣].
وقال الرسول ﷺ للمريض: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" (١).
وكان من معالم اليسر في هذا الدين المبارك أن أباح الله لنا الطيبات، ولم يحرم علينا طعامًا ولا شرابًا إلا إذا كان خبيثًا، وإباحة الطيبات كلها هو مقتضى رفع الله تلك الآصار التي حملها الأمم من قبلنا، فقد وضع الله على الذين هادوا آصارًا وأغلالًا بسبب تمردهم على ربهم ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيهِمْ شُحُومَهُمَا إلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَو الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَينَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦].
لقد جاء النبي الأمي ﷺ كما أخبر الله في الكتب السابقة وفي القرآن ليرفع عن البشرية الآصار والأغلال التي حملتها الأمم عبر القرون، ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
стр. 165
لفد كان الوحي وهو يتنزل يأخذ النبي ﷺ والمؤمنين معه بمنهج اليسر، ويقوم معوجَّ المسلمين في هذا الجانب، ويسددهم حين يكون الانحراف.
وقد فقه الرسول ﷺ هذا المنهج الذي أراده الله بهذه الأمّة، فقام على تحقيقه في نفسه وفي الآخرين، فكانت حياة الرسول ﷺ يسوا كلها, كيف لا، وقد وعده الله بأن يكون كذلك، ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى: ٨].
إن الناظر في سيرة الرسول ﷺ يعجب لذلك اليسر المدهش الذي كان يأخذ به نفسه في عبادته ودعوته وتعامله مع أصحابه وأعدائه، كان يصوم من الشهر حتى يقول القائل لا يفطر، ويفطر من الشهر حتى يقول القائل لا يصوم، وإذا وجد طعاما أكل، وإذا وجد شرابًا: عسلا أو غيره شرب، وإلا صبر، يدعى فيستجيب، ويسأل فيعطى، في كلمات قليلة يعالج أمراضًا نفسية استحكمت في النفوس، وفي بساطة وسهولة يقيم الحجّة على الخصوم، وبالطريقة نفسها كان يقود المجتمع المسلم، ويقود الجيوش.
وكان يرقب الرسول ﷺ صحبه الكرام، فإذا رأى منهم ميلًا إلى التعسير ردهم إلى التيسير، وأرشدهم إلى الأخذ بالرفق، وقد وجههم توجيها عامّا إلى هذا انمهج المبارك، فقد ثبت عنه في صحيحي البخاري ومسلم قوله: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا (١) "، "ودخل المسجد يوما، فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به، فقال ﷺ : "لا، حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد" رواه البخاري والنسائي (٢)، وهكذا يرد الرسول ﷺ زوجه إلى اليسر، إذا أتعبها طول القيام في صلاة الليل، فلا حرج عليها أن تصلي قاعدة، ودخل يومًا على زوجه
стр. 166
عائشة، وعندها الحولاء بنت تويت، وكانت تذكر من عبادتها، وأنها لا تنام الليل، فردها الرسول ﷺ إلى المنهج الوسط قائلا: "مه، عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وكان أحب الدين إلى الله ما داوم عليه صاحبه"، رواه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ والنسائي (١).
إن التشديد على النفوس بالعبادة والطاعة نهج أخذ به المتعبدون أنفسهم في الأمم الخالية، ولم يكن منهجا موفقا، ولذلك حذرنا الرسول ﷺ من سلوكه، ففي سنن أبي داود: "لا تشددوا على أنفسكم، فيشدد عليكم، فإن قوما شَدَّدوا على أنفسهم، فشُدِّد عليهم، كتلك بقاياهم في الصوامع والديار، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم (٢) ".
ثانيا: العدل
تتطلع الشعوب دائمًا إلى إيجاد قوانين تتصف بالعدل وتنفي الظلم والجور، وكم يكون مصاب البشر أليمًا عندما يجدون القوانين التي يرجونها لإقرار العدل والإنصاف تقنن الظلم بحيث يكون هو النظام الذي يحكم في رقاب العباد. إننا لا نريد بالعدل هنا تطبيق القاعدة القانونية، فجور القاضي وظلم الحاكم في الحكم بخلاف القانون ليس هو المراد هنا، بل المراد هو اتصاف القانون بالعدل.
إنَّ الذين يضعون القوانين البشرية لا يمكنهم أن ينسلخوا من طبائعهم البشرية، ولذلك نراهم يميلون بالقوانين تجاه الفئة الحاكمة، فتعطيها من المصالح والمنافع ما لا تعطي غيرها، وهي في هذه الحالة تقرر الظلم وهي تعلم بذلك، وفي بعض
стр. 167
الأحيان تضع القوانين الظالمة بسبب جهلها بالحكم العادل الذي يجب أن تقننه، وقد حدثنا الله عن طبيعة الإنسان فقال: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
فواضعو القوانين البشرية بشر فيهم ظلم وجهالة، وبسبب ذلك يقررون كثيرًا من القواعد القانونية التي تتصف بالظلم.
القوانين الوضعية اليوم تقرّ الربا، وتبيح الزنا واللواط، وتجيز شرب الخمر، وتمنع من قتل القاتل واقتصاص الإنسان ممن اعتدى عليه، ولا تزال هذه القوانين تخص بعض فئات المجتمع بحقوق دون بقية أفراد المجتمع.
وفي كثير من الأحيان يغفو واضع القانون في تقرير العقوبة، فيقرر العقوبة العظيمة للذنب الحقير، وقد يحكم بالعقوبة على غير من ارتكب الجرم، والشريعة الإسلامية ليست من وضع البشر، بل من عند خالق البشر، الذي يتصف بالعدل التام، يقول ﵎ ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠].
ويقول: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
ويقول: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥].
قال: قتادة: "صدقا فيما قال: وعدلا فيما حكم (١) "وقال ابن كثير (٢): "كل ما أخبر الله به فحق لا مرية فيه، ولا شك، وكل ما أمر به فهو العَدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهي إلا عن مفسدة، كما
стр. 168
قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وإذا كان منزل الشريعة متصف بالعدل المطلق - فإن شريعته لا بدَّ أن تكون كذلك متصفة بالعدل المطلق، فالأحكام الشرعية هي العدل، والعدل هو الشريعة الإسلامية، فلا تميل القواعد القانونية الشرعية إلى جانب الحاكم ضد مصالح المحكوم، ولا تعطي الرجال حقوقا بحيث تظلم النساء، ولا يمكن أن تخطئ المقدار المناسب للجريمة، لأن واضعها يتصف بالعلم المطلق الشامل .
ثالثا: حفظ مصالح العباد (١):
يقرر علماء الشريعة بعد استقرائهم لأحكام الشريعة ونصوصها أن مقصد الشريعة الإسلامية تحقيق مصالح العباد على الوجه الأكمل، يقول ابن تيمية: "إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها (٢) "، ويقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام: "والشريعة كلها مصالح، إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح" (٣).
وقد عالج الإسلام صلاح الإنسان بصلاح أفراده الذين هم أجزاء نوعه، وبصلاح مجموعه وهم النوع كله، فابتدأ الدعوة إلى إصلاح الاعتقاد الذي هو إصلاح مبدأ التفكير الإنساني، الذي يسوقه إلى التفكير الحق في أحوال هذا العالم، ثم عالج الإنسان بتزكية نفسه وتصفية باطنه، لأن الباطن محرك الإنسان
стр. 169
إلى الأعمال الصالحة كما ورد في الحديث: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (١).
وقد عالج بعد ذلك إصلاح العمل، وذلك بالتشريعات التي أنزلها.
رابعا: التدرج في التشريع حين تنزل التشريع:
التدرج في التشريع نوعان:
الأول: التدرج في تشريع جملة الأحكام، بمعنى أنها لم تشرع كلها مرة واحدة، وإنما شرعت شيئًا فشيئًا، ففي ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة فرضت الصلاة، وفي السنة الأولى من الهجرة شرع الأذان والقتال كما شرعت أحكام من النكاح كالصداق والوليمة، وفي السنة الثانية شرع الصوم وصلاة العيدين ونحر الأضاحي، والزكاة، وحولت فيها القبلة، وأحلت الغنائم للمجاهدين، وفي السنة الثالثة كان تشريع أحكام المواريث وأحكام الطلاق، وشرع قصر الصلاة في السفر وفي الخوف في السنة الرابعة، وفيها شرعت عقوبة الزنا، وأنزل الله أحكام التيمم والقذف، وفرض الحج.
وفي السنة السادسة بين الله أحكام الصلح والإحصار، وفيها حرم الله الحمر والميسر والأنصاب والأزلام، وفي السابعة حرمت الحمر الإنسية، وشرعت أحكام المزارعة والمساقاة، وفي السنة الثامنة شرع حدّ السرقة، وفي التاسعة شرع اللعان، ومنع الكفار من دخول مكة، وفي العاشرة حرّم الربا تحريمًا لا خفاء فيه.
الثاني: التدرج في تشريع الحكم الواحد، فكثير من الأحكام لم تشرع كما هي
стр. 170
عليه الآن من أوّل الأمر، بل تدرج الشارع في شرعها، فالصلاة مثلًا فرضت ركعتين في أول الأمر، ثم زيدت بعد الهجرة وأقرت في السفر، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن عائشة قالت: "فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر الرسول ﷺ ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الفريضة الأولى".
ولم تبين أحكام الصلاة جملة واحدة بل فصل الله ذلك على فترات، وكذلك الزكاة والصيام والجهاد، والخمر لم يحرم مرة واحدة، ولكنها حرمت على أحوال، فقد بين الله أولًا أن إثم شربها أعظم من المنافع التي فيها، ثم حرم تناولها قرب الصلاة، فلا يجوز قربان الصلاة حال السكر، ثم حرمها بعد ذلك تحريمًا قاطعًا.
الفصل الثالث المؤلفات في الفقه
أمهات كتب الفقه الإسلامي كثيرة منها: كتاب المغني لابن قدامة الحنبلي، وكتاب المحلى لابن حزم الظاهري، وكتاب المجموع للنووي الشافعي، ولكنه لم يتمه، وكتاب الذخيرة للقرافي المالكي، وحاشية ابن عابدين في فقه الحنفية.
ومن أفضل المؤلفات كتاب فقه السنة، ومؤلفه كاتب معاصر هو الشيخ سيد سابق، وقد خص جمع من العلماء آيات الأحكام وأحاديث الأحكام بالتأليف، فمن القسم الأول أحكام القرآن لابن العربي، وأحكام القرآن للجصاص، وأحكام القرآن للقرطبي، وهذا المؤلف مع عنايته بآيات الأحكام إلا أنه لم يهمل بقية الآيات فقد فسر القرآن كله.
ومن القسم الثاني كتاب سبل السلام للصنعاني، وكتاب نيل الأوطار للشوكاني، وميزة هذه المؤلفات أنها جعلت النصوص التي تستفاد منها الأحكام
стр. 171
موضعًا للدراسة، بحيث يتمكن الدارس من معرفة الحكم بدليله، وهذا هو الفقه الحق.
وقد خص بعض العلماء مسألة من مسائل الفقه بالتأليف دون غيرها، فأبو الحسن الندوي كتب كتاب الأركان الأربعة تحدث فيها عن الصلاة والزكاة والصيام والحج، والشيخ ناصر الدين الألباني كتب صفة صلاة النبي ﷺ ، كما ألف حجة النبي ﷺ ، وكتاب صلاة التراويح، وقد خصصْتُ مباحث النيات في العبادات بمؤلف، والتأليف في مسألة أو أكثر من مسائل الفقه كثير.
стр. 172
الفصل الرابع مصادر الأحكام الشرعية
تمهيد: في التعريف بعلم أصول الفقه:
هذا المبحث عِلْم من العلوم الشرعية يطلق عليه اسم "أصول الفقة", أي أدلة الفقه التي تستفاد منها الأحكام الشرعية، وهي كثيرة منها الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب والمصالح المرسلة والعرف والاستحسان.
وبعض هذه الأدلة متفق عليه كالكتاب والسنة، وبعضها مختلف فيه كالعرف والاستحسان.
وقد بحث العلماء في علم أصول الفقه في كل دليل من الأدلة التي يؤخذ منها الفقه، وفي البرهان على أنّه حجّة على الناس، ومصدر تشريعي يلزمهم اتباع أحكامه، وفي شروط الاستدلال به، وفي أنواعه الكلية، وفيما يدل عليه كل واحد منها من الأحكام الشرعية الكلية.
وبحثوا أبضًا في الأحكام الشرعية الكلية التي تستفاد من تلك الأدلة، وفيما يتوصل به إلى فهمها من النصوص، وإلى استنباطها من غير النصوص من القواعد لغوية وتشريعية، وبحثوا أيضًا في من يتوصل إلى استمداد الأحكام من أدلتها وهو المجتهد، فبينوا الاجتهاد وشروطه، والتقليد وحكمه.
وقد عرف العلماء أصول الفقه بقولهم: "هو العلم بالقواعد والبحوث التي يتوصل بها إلى استفادة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية".
وسنتناول في هذا المؤلف أدلة الفقه بشيء من الاختصار.
стр. 173
المبحث الأول القرآن الكريم
أول مصدر تستفاد منه الأحكام الشرعية هو القرآن الكريم، وهو في اصطلاح العلماء كلام الله ﵎، الذي نزل به جبريل على قلب محمد ﷺ بألفاظ عربية، ليكون معجزة دالة على صدقه، وهدى ونورًا يضيء الطريق أمام البشر، وهو المدون في المصاحف، المحفوظ في الصدور، المتعبد بتلاوته، المنقول إلينا نقلًا متواترًا بطريق المشافهة وبطريق الكتابة.
شرح بعض ما يتعلق بالتعريف:
أولًا: القرآن كلام الله:
الذي عليه أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله، وقد استدلوا على دعواهم بقوله تعالى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].
والكلام اسم للفظ والمعنى، وما قذفه الملك في روع الرسول ليس قرآنًا كقوله ﷺ في الحديث الذي يرويه ابن حبان في صحيحه: "إنَّ روح القدس نفث في: روعي أن نفسا لن تموت، حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب"، وترجمات القرآن ليست قرآنًا، لأن المترجم هو ما فقهه المترجم من القرآن، والقرآن اللفظ والمعنى، ولذلك لا يجوز أن تقرأ الترجمة في الصلاة، كما لا يجوز أن تستنبط منها الأحكام.
стр. 174
ثانيا: نزول القرآن:
نزل القرآن من عند الله مفرقًا في مدى ثلاثة وعشرين عامًا، وقد جعل هذا التنزيل المستمر للرسول ﷺ على صلة دائمة بربه، وهذا مما أعانه على ثبات قلبه، وخفف عنه ما كان يلاقيه من عنت، وقد كان القرآن يبين معالم الإيمان شيئًا فشيئًا، ويصوغ الفرد المسلم، والأسوة المسلمة، والجماعة المسلمة, بتعاليمه المتتابعة التي تعالج النفوس، وتحدد الأهداف، وتبين الوسائل، وتكشف الشبهات، ولقد كانت تعاليمه هي الموجه والمعلم والمرشد للرعيل الأول، وفي ظلها تربى أصحاب محمد ﷺ ، فهم الجيل الذي تربى على القرآن.
القرآن عربي اللفظ:
وما ورد فيه من كلمات مأخوذة من غير العربية كالاستبرق والصراط والياقوت وأسماء الأعلام كإبراهيم وعيسى فهي من الكلمات التي أدخلتها العرب في لغتها، وصاغتها على أوزانها وجرت بها كلماتها، فعادت عربية.
وما دام القرآن عربيًّا فلا مناص من أراد أن يكشف عن أسراره أن ينال قسطا وافرا من لغة العرب.
ثالثا: تواتر القرآن:
القرآن نقل إلينا نقلًا متواترًا، لم ينتقص منه حرف، ولم يزد فيه كلمة، وقد بلغنا بطريق المشافهة وبطريق الكتابة، وقد كتبه الخليفة الراشد أبو بكر الصديق، ثم عثمان بن عفالط، وقد وزع نسخًا من المصاحف التي كتبت في أمصار الدولة الإسلامية.
стр. 175
الحديث القدسي والقرآن
الحديث القدسي لفظه ومعناه من الله ﵎ على الصحيح كقوله ﷺ "قال الله تعالى: يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا"، والفرق بينه وبين القرآن أنه غير معجز في لفظه، ولا متعبد بتلاوته، وقد يكون متواترًا وقد لا يكون متواترًا، أمّا القرآن فإنه معجز متواتر ولا بدَّ (١).
المبحَث الثاني السنة النبوية
السنة أقوال الرسول ﷺ وأفعاله وتقريراته، فالقولية مثل قوله ﷺ : "لا وتران في ليلة"، رواه الخمسة إلا ابن ماجه، والسنة الفعلية مثل ما روته عائشة أن الرسول ﷺ كان يرقد فإذا استيقظ تسوك، ثم توضأ، ثم صلى ثماني ركعات يجلس في كل ركعتين ويسلم، ثمَّ يوتر بخمس ركعات، لا يجلس ولا يسلم إلا في الخامسة" رواه أحمد.
ومثال السنة التقريريّة، ما رواه أبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله قالا: "سافرنا مع رسول الله ﷺ ، فيصوم الصائم، ويفطر المفطر، فلا يعيب بعضهم على بعض" رواه مسلم.
منزلة السنة من القرآن
السنة بيان للقرآن قال تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
стр. 176
ذلك أن النص القرآني قد يكون مجملًا أو مبهمًا أو عامًّا أو مطلقًا، فتكون السنة بيانًا للمجمل، وتوضيحًا للمبهم، وتخصيصًا للعام، وتقييدًا للمطلق.
جاء الأمر بالصلاة أمرًا مطلقًا عامًّا ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
فبين الرسول أعداد الصلوات، وعدد ركعات كل صلاة، وأوقاتها، وكيفياتها، وما يباح وما لا يباح فيها، وأمر القرآن بالزكاة، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
فبين الرسول ﷺ مقاديرها وشروطها، وأمر القرآن بقطع يد السارق ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
فبين الرسول ﷺ مكان القطع، ومقدار المال الذي يجب فيه القطع، وقد تأتي السنة بأحكام غير مذكورة في القرآن, كتحريم الرسول ﷺ كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وكتحريمه الحمر الأهلية.
حجية السنة
تعرضت السنة في القديم والحديث لهجوم شديد، فمن الذين ينسبون إلى الإسلام من ينكر حجيتها إنكارًا مطلقًا, ومنهم الذي ينكر حجيّة الآحاد من الأحاديث، ومنهم من ينكر حجيّة أحاديث الآحاد في العقائد دون غيرها من الأحكام.
والذين ينكرون حجية السنة مغرضون, يريدون التلاعب بالقرآن، لأن السنة تبين القرآن وتوضحه، فإذا أُقصي التوضيح والبيان - سهل عليهم التلاعب، بآيات القرآن من خلال الآيات المجملة، والنصوص المطلقة، حيث يحملونها على
стр. 177
محامل تناقض ما أراده رب العالمين منها, إن في السنة ضوابط تمنع من التلاعب بكتاب الله، فهم يريدون إقصاء السنة ليتم التلاعب بدين الله.
ومن العجيب أن يطلق منكرو السنة على أنفسهم اسم القرآنيين بحجة أنهم إنما يعتمدون على القرآن دون السنة، وكذبوا في زعمهم، فلو كانوا يحكمون القرآن لأخذوا بالسنة، فإن القرآن يلزم بالأخذ بها، ويضلل ويفسق من لا يأخذ بها، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
أقسام السنة من حيث الإسناد
الأحاديث التي وصلت إلينا منها المقبول المحتج به، ومنها المردود، والمقبول درجات في صحته وقوته، والمردود درجات، فبعضه في الدوجة الدنيا، وبعضه محتمل للنظر، والتصحيح والتضعيف علم له قواعده وأصوله.
المَبحث الثالث الإجماع
الإجماع في اللغة العزم والتصميم على الأمر، قال تعالى ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١].
ويأتي بمعنى الاتفاق على الشيء، كقولك: أجمع القوم على كذا إذا اتفقوا عليه.
والإجماع عند الرعيل الأوّل من الأئمة يطلق على ما علم من الدين بالضرورة، وعندما سئل الإمام الشافعي: هل من إجماع قال: "نعم بحمد الله كثير، في
стр. 178
جملة الفرائض التي لا يسع جهلها، فذلك الإجماع هو الذي لو قلت: أجمع الناس لم تجد حولك أحدًا يعرف شيئًا، يقول لك: هذا ليس بإجماع، فهذه الطريق التي يصدق بها من ادعى الإجماع وفي أشياء من أصول العلم دون فروعه" (١).
الإجماع عند الأصوليين:
يعرف كثير من الأصوليين الإجماع بأنه اتفاق المجتهدين من أمّة محمد ﷺ في عصر من العصور على حكم شرعي.
وهذا النوع من الإجماع مستحيل وجوده، ولا يستطيع أحد من الفقهاء أن يمثل له بمثال، وقد ناقش الشافعي القائلين به طويلًا، وبين ما يرد على القائلين به (٢).
وقد شدد الإمام أحمد النكير على الذي يدعي هذا النوع من الإجماع، ونسب القائلين به إلى الكذب، قال: "من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغنا (٣) "، ودعوى الإجماع على هذا النحو ليست مقالة أهل السنة، يقول الإمام أحمد: "من ادعى الإجماع فقد كذب، هذه دعوى بشر المريسي والأصم، ولكن يقول: لا نعلم نزاعا (٤) ".
стр. 179
المبحث الرابع القياس
القياس في اللغة التقدير للشيء بما يماثله، وفي اصطلاح الأصوليين: "هو إلحاق واقعة لا نص على حكمها بواقعة ورد نص بحكمها، في الحكم الذي ورد به النص، لتساوي الواقعتين في علة الحكم".
ومن أمثلة القياس قياس غير البيع والشراء على البيع والشراء عند النداء لصلاة الجمعة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيعَ﴾ [الجمعة: ٩].
فالبيع محرم يوم الجمعة ابتداء من الأذان، وهذا منصوص على حكمه، والعلة هو الانشغال عن الصلاة، وكل معاملة غير البيع كالإجارة أو الرهن أو الهبة أو الوصية فإن حكمها حكم البيع لأنها تشغل عن الصلاة كالبيع.
مواقف الفقهاء من القياس
بعض العلماء أنكر القياس ورفض اعتباره دليلًا وحجّة، وآخرون أسرفوا وتوسعوا فيه، ومن هؤلاء من قدمه على خبر الواحد.
والفريق المعتدل هو الذي أثبت القياس ولم ينفه، ولكنه لم يغل ولم يسرف فيه، وهذا قول جماهير علماء أهل السنة، وهؤلاء يقولون: إن القياس حجّة عند فقد النص، يقول ابن حجر العسقلاني: "والحاصل أن المصير إلى الرأي إنما يكون عند فقد النص"، وقد ثبت عن الشافعي والإمام أحمد: "أن القياس يكون عند الضرورة"، وفي كتاب الرسالة للشافعي: "لا يحل القياس والخبر
стр. 180
موجود، كما يكون التيمم طهارة في السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون طهارة إذا وجد الماء، إنما يكون طهارة عند الإعواز"، ولمثبتي القياس ومنكريه حجج كثيرة أثبتها علماء الأصول في مصنفاتهم (١)
المَبحث الخامس الاستحسان
الاستحسان في اللغة طلب الحسن والأحسن، وهو رؤية الشيء حسنًا، كما أن الاستقباح رؤية الشيء قبيحًا، وقد قال الله لموسى في أمر التوراة: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥].
والاستحسان عند الحنفية يطلق إطلاقين: (٢)
الأول: قياس خفي وقع في مقابلة قياس جلي.
ثانيهما: دليل وقع في مقابلة القياس الظاهر سواء كان الدليل نصًّا أو إجماعًا.
وقد مثل الأحناف للأول بالأرض الموقوفة، قالوا: يدخل، فيها شربها وطريقها استحسانا، والشرب والطريق لا يدخلان عندهم في الأرض المباعة إلا بالنص عليهما، ويدخلان في عقد الإجارة من غير نص على ذلك عندهم، والوقف يمكن قياسه على البيع باعتبار أن كلًّا منهما إخراج للعين من ملك صاحبها، فلا يدخل الشرب والطريق إلا بالنص، وهو قياس جلي، ويمكن قياسه على الإجارة باعتبار أن كلا منهما يراد به ملك المنفعة فقط، وهي لا تتأتى إلا بطريقها وشربها، فيدخلان فيه من غير نص عليهما، وهذا قياس خفي، فإذا استقر في عقل المجتهد رجحان القياس الثاني على الأول، لأن المقصود من الوقف مجرد الانتفاع, وهو