ذلك أن النص القرآني قد يكون مجملًا أو مبهمًا أو عامًّا أو مطلقًا، فتكون السنة بيانًا للمجمل، وتوضيحًا للمبهم، وتخصيصًا للعام، وتقييدًا للمطلق.
جاء الأمر بالصلاة أمرًا مطلقًا عامًّا ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
فبين الرسول أعداد الصلوات، وعدد ركعات كل صلاة، وأوقاتها، وكيفياتها، وما يباح وما لا يباح فيها، وأمر القرآن بالزكاة، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
فبين الرسول ﷺ مقاديرها وشروطها، وأمر القرآن بقطع يد السارق ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
فبين الرسول ﷺ مكان القطع، ومقدار المال الذي يجب فيه القطع، وقد تأتي السنة بأحكام غير مذكورة في القرآن, كتحريم الرسول ﷺ كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وكتحريمه الحمر الأهلية.
حجية السنة
تعرضت السنة في القديم والحديث لهجوم شديد، فمن الذين ينسبون إلى الإسلام من ينكر حجيتها إنكارًا مطلقًا, ومنهم الذي ينكر حجيّة الآحاد من الأحاديث، ومنهم من ينكر حجيّة أحاديث الآحاد في العقائد دون غيرها من الأحكام.
والذين ينكرون حجية السنة مغرضون, يريدون التلاعب بالقرآن، لأن السنة تبين القرآن وتوضحه، فإذا أُقصي التوضيح والبيان - سهل عليهم التلاعب، بآيات القرآن من خلال الآيات المجملة، والنصوص المطلقة، حيث يحملونها على
стр. 177
محامل تناقض ما أراده رب العالمين منها, إن في السنة ضوابط تمنع من التلاعب بكتاب الله، فهم يريدون إقصاء السنة ليتم التلاعب بدين الله.
ومن العجيب أن يطلق منكرو السنة على أنفسهم اسم القرآنيين بحجة أنهم إنما يعتمدون على القرآن دون السنة، وكذبوا في زعمهم، فلو كانوا يحكمون القرآن لأخذوا بالسنة، فإن القرآن يلزم بالأخذ بها، ويضلل ويفسق من لا يأخذ بها، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
أقسام السنة من حيث الإسناد
الأحاديث التي وصلت إلينا منها المقبول المحتج به، ومنها المردود، والمقبول درجات في صحته وقوته، والمردود درجات، فبعضه في الدوجة الدنيا، وبعضه محتمل للنظر، والتصحيح والتضعيف علم له قواعده وأصوله.
المَبحث الثالث الإجماع
الإجماع في اللغة العزم والتصميم على الأمر، قال تعالى ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١].
ويأتي بمعنى الاتفاق على الشيء، كقولك: أجمع القوم على كذا إذا اتفقوا عليه.
والإجماع عند الرعيل الأوّل من الأئمة يطلق على ما علم من الدين بالضرورة، وعندما سئل الإمام الشافعي: هل من إجماع قال: "نعم بحمد الله كثير، في
стр. 178
جملة الفرائض التي لا يسع جهلها، فذلك الإجماع هو الذي لو قلت: أجمع الناس لم تجد حولك أحدًا يعرف شيئًا، يقول لك: هذا ليس بإجماع، فهذه الطريق التي يصدق بها من ادعى الإجماع وفي أشياء من أصول العلم دون فروعه" (١).
الإجماع عند الأصوليين:
يعرف كثير من الأصوليين الإجماع بأنه اتفاق المجتهدين من أمّة محمد ﷺ في عصر من العصور على حكم شرعي.
وهذا النوع من الإجماع مستحيل وجوده، ولا يستطيع أحد من الفقهاء أن يمثل له بمثال، وقد ناقش الشافعي القائلين به طويلًا، وبين ما يرد على القائلين به (٢).
وقد شدد الإمام أحمد النكير على الذي يدعي هذا النوع من الإجماع، ونسب القائلين به إلى الكذب، قال: "من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغنا (٣) "، ودعوى الإجماع على هذا النحو ليست مقالة أهل السنة، يقول الإمام أحمد: "من ادعى الإجماع فقد كذب، هذه دعوى بشر المريسي والأصم، ولكن يقول: لا نعلم نزاعا (٤) ".
стр. 179
المبحث الرابع القياس
القياس في اللغة التقدير للشيء بما يماثله، وفي اصطلاح الأصوليين: "هو إلحاق واقعة لا نص على حكمها بواقعة ورد نص بحكمها، في الحكم الذي ورد به النص، لتساوي الواقعتين في علة الحكم".
ومن أمثلة القياس قياس غير البيع والشراء على البيع والشراء عند النداء لصلاة الجمعة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيعَ﴾ [الجمعة: ٩].
فالبيع محرم يوم الجمعة ابتداء من الأذان، وهذا منصوص على حكمه، والعلة هو الانشغال عن الصلاة، وكل معاملة غير البيع كالإجارة أو الرهن أو الهبة أو الوصية فإن حكمها حكم البيع لأنها تشغل عن الصلاة كالبيع.
مواقف الفقهاء من القياس
بعض العلماء أنكر القياس ورفض اعتباره دليلًا وحجّة، وآخرون أسرفوا وتوسعوا فيه، ومن هؤلاء من قدمه على خبر الواحد.
والفريق المعتدل هو الذي أثبت القياس ولم ينفه، ولكنه لم يغل ولم يسرف فيه، وهذا قول جماهير علماء أهل السنة، وهؤلاء يقولون: إن القياس حجّة عند فقد النص، يقول ابن حجر العسقلاني: "والحاصل أن المصير إلى الرأي إنما يكون عند فقد النص"، وقد ثبت عن الشافعي والإمام أحمد: "أن القياس يكون عند الضرورة"، وفي كتاب الرسالة للشافعي: "لا يحل القياس والخبر
стр. 180
موجود، كما يكون التيمم طهارة في السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون طهارة إذا وجد الماء، إنما يكون طهارة عند الإعواز"، ولمثبتي القياس ومنكريه حجج كثيرة أثبتها علماء الأصول في مصنفاتهم (١)
المَبحث الخامس الاستحسان
الاستحسان في اللغة طلب الحسن والأحسن، وهو رؤية الشيء حسنًا، كما أن الاستقباح رؤية الشيء قبيحًا، وقد قال الله لموسى في أمر التوراة: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥].
والاستحسان عند الحنفية يطلق إطلاقين: (٢)
الأول: قياس خفي وقع في مقابلة قياس جلي.
ثانيهما: دليل وقع في مقابلة القياس الظاهر سواء كان الدليل نصًّا أو إجماعًا.
وقد مثل الأحناف للأول بالأرض الموقوفة، قالوا: يدخل، فيها شربها وطريقها استحسانا، والشرب والطريق لا يدخلان عندهم في الأرض المباعة إلا بالنص عليهما، ويدخلان في عقد الإجارة من غير نص على ذلك عندهم، والوقف يمكن قياسه على البيع باعتبار أن كلًّا منهما إخراج للعين من ملك صاحبها، فلا يدخل الشرب والطريق إلا بالنص، وهو قياس جلي، ويمكن قياسه على الإجارة باعتبار أن كلا منهما يراد به ملك المنفعة فقط، وهي لا تتأتى إلا بطريقها وشربها، فيدخلان فيه من غير نص عليهما، وهذا قياس خفي، فإذا استقر في عقل المجتهد رجحان القياس الثاني على الأول، لأن المقصود من الوقف مجرد الانتفاع, وهو
стр. 181
لا يتأتى إلا بدخول الطريق والشرب في وقف الأرض وإن لم ينص عليهما كان ذلك استحسانا.
ومثال الثاني: أن الشارع نهى عن بيع المعدوم والتعاقد على المعدوم، ورخص استحسانًا في السلم والإجارة والمزارعة والمساقاة والاستصناع، وهي كلها عقود، المعقود عليه فيها معدوم وقت التعاقد، ووجه الاستحسان حاجة الناس وتعارفهم.
والصحيح أن الاستحسان ليس مصدرًا تشريعيًّا مستقلًا، فهو استدلال خفي، يحيث يرجح على قياس جلي، أو ترجيح قياس على قياس يعارضه بدليل يقتضي الترجيح، يقول الشوكاني: "إن ذكر الاستحسان في بحث مستقل لا فائدة فيه، لأنه إن كان راجعًا إلى الأدلة المتقدمة فهو تكرار، وإن كان خارجًا عنها فليس من الشرع في شيء" (١).
المبحث السادس الاستصحاب
الاستصحاب في اللغة: اعتبار المصاحبة، وفي اصطلاح الأصوليين: هو الحكم على الشيء بالحال التي كان عليها من قبل حتى يقوم دليل على تغير تلك الحال، أو هو جعل الحكم الذي كان ثابتًا في الماضي باقيًا في الحال حتى يقوم دليل على تغيره.
فإذا سئل المجتهد عن حكم عقد أو تصرف، ولم يجد نصًّا في القرآن أو السنة، ولا دليلًا شرعيًّا يدلُّ على حكمه، حكم بإباحة هذا العقد أو التصرف بناء على أن الأصل في الأشياء الإباحة، وهي الحال التي خلق الله عليها ما في الأرض
стр. 182
جميعه، فما لم يقم دليل على تغيرها فالشيء على إباحته الأصلية.
وإذا سئل المجتهد عن حكم حيوان أو جماد أو نبات أو أي طعام أو أي شراب ولم يجد دليلًا شرعيًّا على حكمه، حكم بإباحته، لأن الإباحة هي الأصل، ولم يقم دليل على تغيره.
المَبحَث السَابع المصَالح المرسَلة
الشريعة كلها مصالح، جاءت بجلب المصالح وتكميلها ورفع المفاسد وتقليلها، والعلماء حكموا بذلك بعد استقراء الشريعة إستقراءً يفيد العلم.
والمبحوث فيه هنا المصالح المرسلة أي المطلقة التي لم يشرع الشارع حكمًا لتحقيقها، ولم يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها، وسميت مطلقة لأنها لم تقيد بدليل الاعتبار أو دليل الإلغاء، ومثالها المصلحة التي شرع لأجلها اتخاذ السجون، أو ضرب النقود، أو إبقاء الأرض الزراعية التي فتحها الصحابة في أيدي أهليها ووضع الخراج عليها.
وتوضيح هذا أن المصالح التي نيطت الأحكام بها ثلاثة أنواع:
الأول: أن يشهد الشرع باعتبار تلك المصلحة كالإسكار، فإنه وصف مناسب لتحريم الخمر لتضمنه مصلحة حفظ العقل، وقد نص الشرع على اعتبار هذه المصلحة فحرم لأجلها الخمر.
الثاني: أن يلغى الشرع تلك المصلحة ولا ينظر إليها كما لو ظاهر ملك من امرأته، فالمصلحة في تكفيره بالصوم لأنَّه هو الذي يردعه لخفة العتق ونحوه عليه، لكن الشرع ألغى هذه المصلحة، وأوجب الكفارة بالعتق من غير نظر إلى وصف
стр. 183
المكفِّر بكونه فقيرًا أو ملكًا، وهذا الوصف يسمى الغريب عند جماعة من أهل الأصول.
الثالث: أن لا يشهد الشرع لاعتبار تلك المصلحة بدليل خاص، ولا لإلغائها بدليل خاص، وهذا ما يسمى بالمصلحة المرسلة، وسميت مصلحة لاشتمالها على المصلحة، وسميت مرسلة لعدم التنصيص على اعتبارها ولا على إلغائها.
والإمام مالك يراعي المصلحة المرسلة في الحاجيات والضروريات كما قرره علماء مذهبه، ودليل مالك على مراعاتها إجماع الصحابة عليها كتولية أبي بكر لعمر، واتخاذ عمر سجنا، وكتبه أسماء الجند في ديوان، وعثمان جمع الناس على مصحف واحد ونشره وحرق ما عداه، وعليٌّ حرق الغلاة الذين ألهوه، والحنفية حجروا على المفتي الماجن والطبيب الجاهل والمكاري المفلس، والمالكية أباحوا حبس المتهم وتعزيره توصلًا إلى إقراره، والشافعية أوجبوا القصاص من الجماعة إذا قتلوا الواحد، فأهل المذاهب كلهم يعملون بالمصالح المرسلة وإن قرروا في أصولهم أنها غير حجّة كما أوضحه القرافي في التنقيح (١).
والذين منعوا من الاحتجاج بالمصالح المرسلة قالوا: إن هذا الباب مضلّة للأفهام ومزلة للعقول، لأن العقول قد تعدّ ما ليس مصلحة مصلحة، وقد تعدُّ المصلحة غير مصلحة، فاليهود حرموا بسبب هذا طيبات أحلت لهم حتى قيل إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعًا، والواجب عليهم مئتان وثمانية وأربعون أمرًا.
стр. 184
المَبحَث الثامن العُرف
" العرف عادة تواضع الناس على اتباعها، معتقدين في قوتها الإلزام، إذ هم يصنعونها بأنفسهم، ويتبعونها على نسق متواتر، حتى تصبح عامّة على نحو يعتقدون معه أنها ملزمة لهم في التعامل" (١).
وكانت أعراف البشر من أعظم ما صدَّ الناس عن أتباع الرسل، فالأعراف والتقاليد ميراث الأجداد، لها سلطان عظيم على النفوس، واحترام كبير عند الأجيال، يفتخرون بالحفاظ عليها، والسير وفق مقتضياتها، ويرون الخروج عليها إثمًا عظيمًا، ولو كانت هذه الأعراف مخالفة للحق الذي ترتضيه العقول السليمة، والشرائع المنزلة ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَال مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَال أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾ [الزخرف: ٢٢ - ٢٥].
والمراد بالأمّة التي وجدوا عليها آباءَهم عاداتهم عادات الآباء وتقاليدهها وطريقتهم، فهم لها متبعون وإن خالفت الحق، وكانت باطلًا، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَينَا عَلَيهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. [البقرة: ١٧٠].
وفي كثير من الأحيان تكون الأعراف دينًا يتبع، وقد يصنع هذه الأعراف
стр. 185
الحكام الظلمة، وقادة الفكر، ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧].
والشركاء هم الزعماء والقادة الذين يشرعون ما لم يشرعه الله، ومن هؤلاء عمرو بن عامر أبو خزاعة الذي غير دين العرب كما ثبت ذلك في أحاديث صحيحة، رواها صاحبا الصحيح وغيرهما.
وعندما جاء الإسلام غير الأعراف الباطلة وحاربها، وأقَرَّ الصحيح منها، وقد راعى العلماء المسلمون الأعراف السائدة في الديار التي يعيشون فيها إذا لم تصادم النصوص الشرعية، وقد أشار إلى هذا ابن عابدين بقوله:
والعرف في الشرع له اعتبار ... لذا عليه الحكم قد يدار
وقد غلا بعض العلماء فجعلوه دليلًا شرعيًّا، والأمر ليس كذلك، فالأدلة التي استدلوا بها لا تنهض على جعل العرف أحد أدلة الشريعة المعتمدة، يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف "وبالنظر الدقيق في العرف وأمثلته، وما قاله الأصوليون والفقهاء فيه -يتبين أن العرف ليس دليلًا مستقلًا يشرع الحكم في الواقعة بناء عليه، وإنما هو دليل يتوصل به إلى فهم المراد من عبارات النصوص، ومن ألفاظ المتعاملين وإلى تخصيص العام منها وتقييد المطلق، ويستند إليه في تصديق قول أحد المتداعيين، إذا لم توجد لأحدهما بينة، وفي رفض بعض الدعاوي التي يكذبها العرف، وفي اعتبار الشرط الذي جرى به العرف، وفي الترخيص بمحظور دعت إليه ضرورة الناس وجرى به عرفهم، وفي أمثال هذا مما يجعل اجتهاد المجهد أو قضاء القاضي ملائمًا حال البيئة ومتفقًا وإلف الناس ومصالحهم" (١) والذين قالوا إن العرف دليل شرعي اشترطوا فيه عدة شروط
стр. 186
هي:
١ - أن يكون ذلك العرف مطردًا أو غالبًا.
٢ - أن لا يخالف العرف نصًّا شرعيًّا، يقول السرخسي: "وكل عرف ورد النص بخلافه فهو غير معتبر".
٣ - ألا يكون العرف مخالفًا لنص أو شرط أحد المتعاقدين.
٤ - أن يكون العرف سابقًا أو مقارنًا لزمن الشيء الذي يحمل على العرف، فلا عبرة بالمتأخر (١).
ومن الأعراف الصحيحة المعتبرة التعارف على البيع بالتعاطي من غير أن توجد صيغة لفظية لعقد البيع، وتعارفهم لبس الثياب الجديدة في الأعياد، ودخول الحمام العام بدون تعيين زمن للمكث فيه، ومن غير تعيين لمقدار الماء الذي يستعمل أو يستهلك للاغتسال.
والعرف نوعان: عملي وقولي، والأمثلة التي ذكرت هي للعرف العملي، أمّا العرف القولي فمثاله إطلاق اسم الدابة في بعض الديار على الفرس وفي بلاد أخرى على الحمار، مع أن الدابة لغة اسم لكل ما يدب على الأرض.
المَبحث التَاسع شرع مَن قبلنَا (٢)
هذه المسألة لها طرفان وواسطة، طرف يكون فيه شرع من قبلنا شرعًا لنا إجماعًا، وطرف يكون فيه غير شرع لنا إجماعًا، وواسطة هي محل الخلاف. أمَّا الطرف الذي يكون فيه شرعًا لنا إجماعًا- فهو ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ثم ثبت بشرعنا أنَّه شرع لنا كالقصاص، فإنه ثبت بشرعنا أنه كان
стр. 187
شرعًا لمن قبلنا في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].
ثم صرح القرآن بأنّه شرع لنا في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
أمّا الطرف الثاني: الذي يكون فيه غير شرع لنا إجماعًا فهو أمران.
أحدهما: ما لم يثبت بشرعنا أصلًا كالمأخوذ من الإسرائيليات.
الثاني: ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لهم، وصرح في شرعنا بنسخه كالآصار والأغلال التي كانت عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وقد ثبت في صحيح مسلم أنه ﷺ لما قرأ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قال الله: قد فعلت.
والواسطة التي هي محل النزاع والخلاف: هي ما ثبت بشرعنا أنه شرع لمن قبلنا، ولم يصرح بنسخه في شرعنا.
والأرجح في هذا ما ذهب إليه الشافعي من كونه ليس بشرع لنا بدليل قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
المَبحَث العَاشر مَذهَب الصحابي
إذا قال الصحابي قولًا، فإمّا أن يخالفه صحابي آخر أو لا يخالفه، فإن خالفه صحابي مثله لم يكن قول أحدهما حجّة على الآخر، وإن لم يخالف الصحابي
стр. 188
صحابيًّا آخر، فإمّا أن يشتهر قوله في الصحابة أو لا يشتهر، فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجّة.
وقالت طائفة منهم: هو حجّة، وليس بإجماع، وقالت طائفة قليلة من المتكلمين وبعض الفقهاء المتأخرين: لا يكون إجماعًا ولا حجة، وإن لم يشتهر قوله، أو لم يعلم اشتهر أم لا، فاختلف فيه الناس: هل يكون حجة أم لا؟ فالذي عليه جهور الأمّة أنّه حجّة، هذا قول جمهور الحنفية، صرح به محمد بن الحسن، وذكر عن أبي حنيفة نصًّا، وهو مذهب مالك وأصحابه، وتصرفه في موطئه يدل عليه، وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي عبيد، وهو منصوص الإمام أحمد في غير موضع عنه، واختيار جمهور أصحابه، وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد (١).
ومذهب الشافعي هذا صرح به في كتابهِ الرسالة قال: "ولقد وجدنا أهل العلم يأخذون بقول واحد (أيّ الصحابة) مرة ويتركونه أخرى، ويتفرقون في بعض ما أخذوا منهم، قال (أي مناظره): فإلى أي شيء صرت من هذا؟ قلت: اتباع قول واحدهم إذا لم أجد كتابًا ولا سنة ولا إجماعا ولا شيئًا في معناه يحكم" (٢).
وقال في الأم: "إن لم يكن في الكتاب والسنة صرنا إلى أقاويل أصحاب رسول الله ﷺ ، أو واحد منهم، ثمَّ كان قول أبي بكر وعمر أو عثمان إذا صرنا فيه إلى التقليد أحب إلينا، وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة، لنتبع القول الذي معه الدلالة" (٣).
стр. 189
وهذان النصان يدلان على أن مذهب الشافعي الجديد كمذهبه القديم أن قول الصحابي حجّة، وهذا يبطل ما نسبه كثير من أصحابه إليه أن مذهبه الجديد ليس قول الصحابي بحجة.
تنبيه:
قول الصحابي إن لم يكن فيه مجال للرأي فهو في حكم الحديث المرفوع، كما تقرر في علم الحديث، فيقدم على القياس، ويخص به النص، إن لم يعرْف الصحابي بالأخذ من الإسرائيليات.
المبحَث الحَادي عَشَر نصوص الكتاب والسنة هي الأقوى
إذا كانت أدلة الأحكام بهذه الكثرة فليست في القوة في درجة واحدة، فنصوص الكتاب والسنة المتواترة هي الأقوى، ثم يليها نصوص السنة الأحادية، ثم المجمع عليه، فالقياس.
قال الشافعي في كتابه الرسالة: "يحكم بالكتاب والسنة المجتمع عليها، الذي لا اختلاف فيها، فنقول لهذا: حكمنا بالحق في الظاهر والباطن.
ويحكم بالسنة قد رويت من طريق الانفراد، لا يجتمع الناس عليها، فنقول: حكمنا بالحق في الظاهر، لأنه قد يمكن الغلط فيمن روى الحديث.
ونحكم بالإجماع ثم القياس، وهو أضعف من هذا، ولكنها منزلة ضرورة، لأنه لا يحل القياس والخبر موجود، كما يكون التيمم طهارة في السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون طهارة إذا وجد الماء، إنما يكون طهارة في الإعواز.
стр. 190
وكذلك يكون ما بعد السنة حجة إذا أعوز من السنة (١).
فالشافعي يجعل الأدلة على ثلاث مراتب من حيث القوة:
الأولى: نصوص الكتاب والسنة المجتمع عليها، وهي السنة المتواترة، أو الصحيحة صحة لا يختلف عليها بحيث يصححها كافة أهل العلم، وهذه في غاية القوة، ونحن نجزم بأننا حكمنا بالحق في الظاهر والباطن كما يقول الشافعي- عندما حكمنا بها.
الثانية: نصوص السنة الآحادية، وهي التي رويت من طريق الانفراد، كما يقول الشافعي، وهنا نكون حكمنا بالحق في الظاهر، لأنه قد يمكن الغلط فيما روي بطريق الآحاد.
الثالثة: وهي أضعف من المرتبتين السابقتين، وهي الحكم بالإجماع ثم القياس، وهي منزلة ضرورة، لا تستخدم إلا عند فقد النص.
طريقة السلف في تناول الأحكام
هذا الذي ذكرناه عن الشافعي من تقديم نصوص الكتاب والسنة على الإجماع هو منهج السلف في تناول الأحكام، فقد جاء في كتاب عمر لقاضيه شريح: "اقض بما في كتاب الله، فإن لم تجد فبما سنه رسول الله، فإن لم تجد فبما قضى به الصالحون قبلك، وفي رواية بما أجمع عليه الناس".
يقول ابن تيمية: "وعمر قدم الكتاب، ثمَّ الإجماع، وكذلك ابن مسعود
стр. 191
قال مثل ما قال عمر، وكذلك ابن عباس، كان يفتي بما في الكتاب، ثمَّ بما في السنة، ثمَّ بسنة أبي بكر وعمر ... وهذه الآثار ثابتة عن عمر وابن مسعود، وابن عباس، وهم من أشهر الصحابة بالفتيا والقضاء، وهذا هو الصواب (١). "فلما انتهت النوبة إلى المتأخرين ساروا عكس هذا السير، وقالوا: إذا نزلت النازلة بالمفتي أو الحاكم، فعليه أن ينظر أولًا: هل فيها اختلاف أم لا؟ فإن لم يكن فيها اختلاف لم ينظر في كتاب، ولا في سنّة، بل يفتي ويقضي فيها بالإجماع، وإن كان فيها اختلاف اجتهد في أقرب الأقوال إلى الدليل، فأفتى به وحكم به، وهذا خلاف ما دلَّ عليه حديث معاذ، وكتاب عمر، وأقوال الصحابة.
والذي دلَّ عليه الكتاب والسنة أسهل عليه بكثير من علمه باتفاق الناس في شرق الأرض وغربها على الحكم، وهذا إن لم يكن متعذرا فهو أصعب شيء وأشقَّه إلّا فيما هو من لوازم الإسلام، فكيف يحيلنا الله ورسوله على ما لا وصول لنا إليه، ويترك الحوالة على كتابه وسنة رسوله اللذين هدانا بهما، ويسرهما لنا، وجعل لنا إلى معرفتهما طريقًا سهلة التناول من قرب.
ثم ما يدريه؟ فلعلَّ الناس اختلفوا، وهو لا يعلم، وليس عدم العلم بالنزاع علمًا بعدمه، فكيف يقدم عدم العلم على أصل العلم كلّه؟
ثمَّ كيف يسوغ ترك الحق المعلوم إلى أمر لا علم له به، وغايته أن يكون موهومًا، وأحسن أحواله أن يكون مشكوكًا قيه شكًا متساويًا أو راجحا؟ (٢) "وحين نشأت هذه الطريقة تولد عنها معارضة النصوص بالإجماع المجهول، وانفتح باب دعواه، وصار من لم يعرف الخلاف من المقلدين إذا احتج عليه
стр. 192
بالقرآن والسنة، قال: هذا خلاف الإجماع، وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام وعابوا من كل ناحية على من ارتكبه وكذبوا من ادعاه" (١).
وقد ذكر ابن تيمية أن بعض المتأخرين قالوا: يبدأ المجتهد بأن ينظر أولًا في الإجماع، فإن وجده لم يلتفت إلى غيره، وإن وجد نصًّا خالفه اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه، وقال بعضهم: الإجماع نسخة، وصوب ابن تيمية طريقة السلف.
المبحَث الثَّاني عَشَر المؤلفات في أصول الفِقه
ألف الشيخ الدكتور محمد سليمان الأشقر في أصول الفقه مؤلفًا قصد به تيسير أصول الفقه للمبتدئين، وعنوانه: "أصول الفقه للمبتدئين".
وهناك عدة مؤلفات يمكن أن تجعل للطلبة المتوسطين مثل: أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف، وأصول الفقه لبدران أبي العينين، وأصول الفقه لأبي زهرة. ومن المؤلفات في أصول الفقه للمتقدمين كتاب المستصفى في أصول الفقه للغزالي، وكتاب الموافقات للشاطبي، وكتاب أحكام الأحكام للآمدي، وكتاب أحكام الأحكام لابن حزم.
ومن المؤلفات في تاريخ الفقه: تاريخ التشريع الإسلامي للخضري، وخلاصة تاريخ التشريع الإسلامي لعبد الوهاب خلاف، وتاريخ الفقه الإسلامي لمؤلف هذا الكتاب.
стр. 193
البَابُ الرابع الأسرة في الإسلام
ويشتمل على مقدمة وأربعة فصول:
المقدمة: في بيان مدى اهتمام الإسلام بالأسرة.
الفصل الأول: منهج الإسلام في تكوين الأسرة.
الفصل الثاني: تعدد الزوجات.
الفصل الثالث: منهج الطلاق في الإسلام.
الفصل الرابع: المرأة في الإسلام.
الفصل الخامس: المؤلفات في الأسرة.
стр. 194
مقَدّمَة اهتمام الإسلام بالأسرَة
كل الشرائع التي أنزلها الباري اهتمت بالأسرة اهتمامًا كبيرًا، ونستطيع أن نقول: إن الأسر بمثابة الخلايا التي تكون جسم المجتمعات الإنسانية، وهي التي تقيم الروابط والعلائق بين أبناء المجتمع الواحد، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤].
ولا يتصور أن تقوم الحياة الإنسانية على استقامة إذا هدمت الأص، وتقطعت العلائق التي تقيمها الأسر بين بني البشر، والذين ينادون بهدم نظام الأسرة، ويزعمون أنه نظام عتيق ينبغي الخلاص منه ضالون، وهما لا يريدون بالبشرية خيرا، وقد كانت دعوتهم ولا زالت صوتًا نشازًا على مرّ التاريخ الإنساني، فالشيوعية تدعو إلى شيوعية المال والنساء، وتحطيم الأسر، واجتثاث أصولها، ولكن دعوتهم لم تصادف نجاحًا، حتى في البلاد التي حكموها لا تزال الأسرة قاعدة المجتمع، ولا يزال رجالات الحزب في روسيا والصين يكونون الأسر ويتزوجون.
وفي مقابل هؤلاء زعم أقوام من الذين غلوا في العبد أن العلاقة الجنسية قذارة ووساخة، وزعموا أن الرجل المثالي هو الذي يترهبن ولا يتزوج، وأن المرأة المثالية هي التي تعزف عن الزواج وتتبتل، ولو رضيت البشرية بهذا المسار لانتهى الوجود الإنساني في هذه الأرض. إن هذه الدعوة تصادم الفطرة الإنسانية،
стр. 195
وتصادم الحق الذي ينبغي أن تقوم عليه حياة البشر.
وقد تمرد النصارى على دينهم المحرف، فعاد المجتمع الذي يدعوه دينه المحرف إلى الرهبنة مجتمعا أقرب إلى الإباحية منه إلى الرهبنة، وما حديث دول الغرب وما يجري في مجتمعاتهم بين رجالهم ونسائهم بسر. إن الذي يقرره الإسلام أن الزواج هو سنة الحياة، وهو يقتضي تكوين الأسرة على أسس وأصول، وإن لم يحدث ذلك فإنه يقع فساد كبير.
حكمة الزواج:
للزواج حكم تدركها عقول أولي الألباب، وقد أشارت إليها نصوص الكتاب العزيز، فمن ذلك:
١ - أنه سكن للنفوس، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
وكلمة (تسكنوا) تعني حاجة فطرية بعيدة الغور في النفس الإنسانية وإذا لم تلبَّ هذه الحاجة الفطرية فإن البديل هو القلق النفسي، والتعب القلبي، وقد عدّ علماء النفس العزوف عن الزواج أحد أسباب الأمراض النفسية السائدة في عالم الغرب.
والزواج سكن لأن زوج الإنسان جزء منه، فحواء مخلوقة من آدم، فالرجل والمرأة متوافقان نفسيًا، وروحيًا، ولذلك فإن المشاعر الإنسانية الراقية من الود والرحمة تنشأ وتنمو في ظلال العلاقة الزوجية ﴿وَجَعَلَ بَينَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
стр. 196
٢ - والزواج سبيل تكاثر الجنس الإنساني فوق ظهر البسيطة، كذلك شاء الخالق ﵎ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [سورة النساء: ١].
٣ - إن عزوف البشر جميعًا عن الزواج ينهي الوجود الإنساني ويوقفه، وقيام العلاقة بين الرجل والمرأة على الإباحية من غير نظام يؤدي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، وتضييع الأولاد لعدم من يدعيهم.
٤ - وإذا شاءَت المرأة أن تقوم على تربية الأولاد الذين لا ينسبون إلى أب فإن ذلك يشق عليها، ذلك أن المرأة ضعيفة، وخاصة في حملها حيث تحتاج إلى العون والرعاية، ثم حين تضع حملها، وتحتاج إلى النفقة على نفسها وولدها، وليس من العدل أن تتولى وحدها القيام على الأولاد.
وإذا قيل إن الدولة هي التي تربي الأولاد وتقوم عليهم، فالجواب واضح، إن الملاجئ لا تربي أطفالًا، ولا تعطي حنانًا، والأطفال ليسوا كأبناء الحيوانات يمكنهم أن يتربوا في الحظائر، إن الأطفال الذين ينزعون من أحضان الأمهات، ويفقدون رعاية الآباء، ويعيشون معيشة القطيع يخرجون حاقدين على المجتمعات التي أهملتهم واحتقرتهم، يخرجون مرضى النفوس، ثمَّ يكونون بلاء على أمتهم.
ترغيب الإسلام في الزواج:
امتن الله على عباده بأنه خلق لهم من أنفسهم أزواجًا ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢].
стр. 197
وأمر بإنكاح الأيامى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢].
وفي الحديث: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءَة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج" (١)، وبين القرآن أن الزواج سنّة المرسلين ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨].
ولما كان الزواج له دافع فطري قوي في نفس الإنسان - فإن الإسلام لم يكثر من الأمر به والحث عليه، وإنما بين مشروعيته، ووضع له الضوابط، وحارب الاتجاهات المنحرفة والغالية، فقد حارب الزنا، كما حارب الرهبنة، وأبطل الاتجاهات القائمة على التقرب إلى الله بترك الزواج.
стр. 198
الفَصل الأول منهج الإسلام في تكوين الأسرَة
١ - الاختيار:
يحث الإسلام كلًّا من الرجل والمرأة على إحسان اختيار الطرف الآخر عند إرادة الزواج، والاختيار عند البشر له مقاييس مختلفة، فمنهم من يرى مقياس الصلاح هو الغني، وآخرون يرونه الحسب، وفريق يراه الجمال، وفريق يراه القدرة على العمل الشاق المضني.
والإسلام لا يمانع في أن يشترط الزوج في زوجه واحدًا من هذه الشروط أو أكثر، ولكنه يأمر بأن يكون ذلك كله محكومًا بالصلاح الديني، فإذا كان الزوج المنتظر ملتزمًا بأحكام الشرع، تقيًّا ورعًا صاحب خلق، فلا بأس أن نشترط بالإضافة إلى ذلك الجمال أو الحسب أو الغنى، ولكن إذا فقد الصلاح الديني، فإن صاحبة الدين الأقل جمالًا أو غنىً أو حسبا أفضل في ميزان الإسلام وأحرى بالتوجه إلى الزواج منها، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" متفق عليه (١).
إن المال قد يذهب، والجمال قد يذوي، والحسب قد يجلب الغرور، والدين يزين بالتقوى، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ويحفظ الحقوق، ويأمر بالعدل
стр. 199
والرحمة، ويمنع من الانحراف والزيغ والطغيان والتبذير، والإسلام يأمر المرأة الصالحة بأن تكون مثال الزوجة الخيرة، فدينها يأمرها بأن تكون كذلك "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله" رواه ابن ماجة (١).
وقد حث الرسول ﷺ على تزويج الرجل المرضى في دينه وأمانته، وهدد الذين يزوجون على غير ذلك بالبلاء العظيم، ففي الحديث: "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" رواه الترمذي (٢).
وإذا لم يراع هذا المقياس قامت البيوت على دخن، فالزوج الضال يفتن زوجته، ولا يرعى حقوقها، والمرأة التي لا تراعي حق الله لا ترعى حق الزوج، وهنا يحدث الخلاف والشقاق والفتن.
٢ - الخطبة
إذا رام الرجل أن يتزوج امرأة معينة- فإن الإسلام يرشده إلى النظر إليها، ليعرف إذا كانت نفسه تميل إليها أم لا، ففي الحديث "إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" رواه أبو داود (٣) وأمر الرسول ﷺ رجلًا من أصحابه خطب امرأة أن ينظر إليها، وعلل ذلك بقوله، "فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" رواه أحمد والترمذي والنسائي (٤) والأمر
стр. 200
يتوقف على مجرد النظر الذي يستطيع المرء أن يحكم بعده إذا ما كان يرغب في الزواج منها أم لا، وهذا يكفي فيه النظر إلى ما يظهر غالبًا كالوجه والكفين، وكذلك الطول والحجم، أمّا النظر إلى الشعر والصدر ونحو ذلك فهذا مما نهى الشارع عن كشفه، ولم يرد من النصوص ما يبيح للمرأة كشفه للخاطب.
ولم يبح الإسلام للخاطب، والمرأة المخطوبة أن يخلوا ببعضهما، كما يفعل الذين يزعمون الحضارة والرقي من مقلدي الغرب، حيث يخلو الخاطب بالمخطوبة، وقد يسافر بها، وعقد الزواج لم يتم بعد، وينشأ من هذا مفاسد كثيرة، فالمرأة في حال الخطبة أجنبية، والخلوة بالأجنبية حرام، وقد يقع المحذور حال الخلوة، وفي بعض الأحيان يفسخ الرجل الخطبة فتخسر المرأة كثيرًا، خاصة في المجتمعات الإسلامية التي لا يزال أهلها يقيمون للعفاف والشرف وزنًا كبيرًا بعكس المجتمعات الغربية.
وما يزعمه دعاة الاختلاط أن فترة الخطبة سبيل لتحقيق التعارف الذي يقيم الحياة الزوجية على أسس قويمة ليس بصواب، لأن كل واحد من الخاطبين إذا كان يرغب في الآخر يتكلف غير طباعه، فلا يتمكن الآخر من معرفته على حقيقته، وإنما تعرف الأخلاق من خلال من عَرَفَ الشخصَ في عمله أو بمجاورته، أو نحو ذلك.
٣ - الرضا:
وهذا المبدأ شرط من شروط عقد الزواج، لا يتم الزواج إلا به، ويتحقق هذا الشرط بالصيغة التي تدل عليه، فيقول ولي الأمر مثلًا: زوجتك ابنتي فلانة، فيقول الخاطب: قبلت، وهذا يسمى الإيجاب والقبول، ولا يشترط في تحقق
стр. 201
القبول في الزوج رضا شخص آخر.
أما في المرأة فإن الزواج لا يتمُّ إلا إذا وافقت على الزوج، فإذا رفضته- فإن من حق القاضي أن يوقف هذا الزواج ويفسخه إذا رفع الأمر إليه، ولكن يكفي سكوت المرأة البكر إذا استؤذنت، ولم تتكلم، فحياؤها قد يمنعها من الموافقة في كثير من الأحيان، أمّا الثيب فلا بدَّ من أن توافق نطقا، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "لا تنكح الأيم (١) حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن" قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: "صمتها" متفق عليه، وفي صحيح مسلم "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وأذنها سكوتها" (٢).
وروى البخاري عن خنساء بنت خذام: "أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسولَ الله ﷺ ، فردَّ نكاحها" (٣).
وروى أبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة أن الرسول ﷺ قال: "اليتيمة تستأمر في نفسها، فإن صمتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها" (٤).
٤، ٥ - الولي والشهود
روى الإمام أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة والدارمي بإسناد صحيح قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" (٥)، وفي رواية عن الإمام أحمد: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (٦).
стр. 202
وروى الإمام أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة والدارمي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحلَّ من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له" (١) وعن ابن عباس إن النبي ﷺ قال: "البغايا اللاتي ينكحن أنفسهنَّ بغير بينة" (٢) رواه الترمذي.
وهذه الأحاديث تدل على وجوب موافقة ولي أمر المرأة على الزواج، وأن الزواج الذي يتم من غير رضا الولي باطل، كما يدل وجوب الإشهاد، وأقل ذلك شاهدان عدلان.
٦ - المهر والصداق:
أمرت الشريعة الأزواج بمنح الزوجات مبلغًا من المال عطية ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ وهذا العطاء إنما هو ترضية للمرأة، وإكرام لها، وليس ثمنًا لها. وينبغي عدم المغالاة في المهور: "إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة" رواه أحمد (٣)، وقد كان من أسباب عزوف الشباب عن الزواج: المغالاة في المهور، وارتفاع تكاليف الزواج، مع فتح باب الحرام، وسهولة الدخول إليه.
وليس هناك حدّ أدنى للمهر، فقد تزوجت امرأة وكان مهرها نعلين، فقال لها الرسول ﷺ : "أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم، فأجازه (٤) " رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه (٥).
стр. 203
٧ - الكفاءَة
لا يجوز تزوج المرأة المسلمة من كافر مطلقًا، سواءً أكان كتابيًا أو غير كتابي، قال تعالى ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١].
كما لا يجوز تزويج المسلم الحرّة من العبد مسلمًا أو غير مسلم.
ولا يجوز للمسلم أن ينكح المشركة إلا أن تكون كتابية محصنة أي عفيفة ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
ويجوز له أن ينكح الأمة عند عدم استطاعته نكاح الحرّة ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].
وكل مسلم بعد ذلك فهو مكافيء للمسلمة بغض النظر عن الجنس أو اللون أو التعليم، فميزان التفاضل في الإسلام التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وكل ما ذكره الفقهاء من وجوب مراعاة المنزلة الاجتماعية أو الجنس فلا دليل عليه.
حقوق كلا من الزوجين على الآخر
للرجل على زوجه حقوق، وللمرأة على زوجها حقوق، والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
ومن حق الرجل على زوجه أن تطيعه إذا أمرها بما لا يخالف شرع الله ودينه،
стр. 204
وأن تبر قسمه، وأن تحفظه في نفسها وماله، ولا تدخل بيته أحدا يكرهه، وإذا طلبها للفراش فلا تمتنع عليه، وعليها أن تقوم على داره وأبنائه، ولا تخرج من دارها إلا بإذنه.
وقد ورد في الحديث: "لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان، وفي الحديث الآخر في وصف المرأة الصالحة: "إن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته".
في الحديث المتفق عليه: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء، فبات غضبان، لعنتها الملائكة حتى تصبح".
وللمرأة على زوجها أن يرعاها ويحفظها وينفق عليها، ويهيء لها المسكن المناسب وفي الحديث: "استوصوا بالنساء خيرا" متفق عليه، وفي الحديث الصحيح: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" رواه الترمذي والدارمي.
стр. 205
الفَصل الثاني تعَدّد الزّوجَات
شرع الإسلام للرجل أن يتزوج أكثر من زوجة، ولم يجز له أن يتجاوز الأربع، قال تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].
وقد كان الرجال منذ عهد الرسول ﷺ وإلى اليوم في المجتمع الإسلامي يتزوجون بأكثر من واحدة من غير نكير.
وجاءنا اليوم دعاة الغرب الذين آمنوا بفكره يزعمون أن التعدد جريمة ترتكب في حق المرأة، قالوا: في التعدد احتقار للمرأة، وبسط لنفوذ الرجل عليها، وطريق إلى البطالة وكثرة العاطلين، وسبب لتفكك الأسرة، وبذر الشقاق بين الناس، وفي الرد عليهم نقول:
أولًا: التعدد أمر شرعه الله في كتابه وفعله الرسول ﷺ وأصحابه وأجمعت عليه الأمّة، ونحن واثقون بأن شرع ربنا هو الشرع الصالح الذي لا شرع غيره، بل إن غيره ضلال وباطل.
ثانيا: التعدد ضرورة اجتماعية، فالإحصاءات العالمية تقول إن عدد النساء أكثر من عدد الرجال، وهذا يعود إلى المخاطر التي يتوجب على الرجال خوضها
стр. 206
كالحروب التي تحصد الألوف وعشرات الألوف من الرجال، وكذلك الأعمال الشاقة التي يمارسها الرجال من دون النساء، وقد برزت هذه المشكلة بشكل واضح بعد الحرب العالمية الثانية خاصة في ألمانيا، حيث كانت نسبة الرجال أقل بكثير من نسبة النساء.
لو كان عدد النساء دائما بمقدار عدد الرجال، أو كان عددهن أقل من عدد الرجال فإن منع التعدد يكون مطلوبًا أما وأن العكس هو الصحيح فما الحلّ؟ هل الحل أن يتزوج كل رجل امرأة واحدة، ثمَّ يبقى العدد الزائد من النساء بغير زواج، ثمَّ ما الذي يحدث لهذا العدد الزائد؟ إن الدافع الفطري الذي لا يقاوم يدفع المرأة إلى الزنا المحرم، فتكون المرأة في هذه الحال سقط متاع تتداولها الأيدي، أو تكون خليلة ليس لها حقوق الزوجة، ثمَّ كيف يكون حال الثمرة الحرام: الأولاد الذين يثمرهم الاتصال المحرم؟ لا يعترف بهم آباؤهم، أو لا يعرف لهم آباء، ويكونون كلًّا على أمهاتهم، وقد تتخلص المرأة من جنينها بالإجهاض، وقد تلده ثم تفتك به، أو تلقيه على قارعة الطريق، وقد تقذف به في الملاجئ، حيث يعيش عيشة الحيوان، يحرم من حنان الأمومة، ورعاية الأب، ولا يعرف الاستقرار النفسي، ثم يكون هؤلاء مادة الإجرام، يخرجون حاقدين على مجتمعاتهم، فيعيثون في الأرض فسادًا.
إن الإحصائيات التي تنشر في البلاد التي تمنع التعدد مذهلة، في عام ١٩٠١ عقد مؤتمر للبحث في أسباب ارتفاع نسبة اللقطاء والموؤودين في فرنسا، وجاء في تقرير المؤتمر أن عدد اللقطاء في مقاطعة واحدة في فرنسا هي مقاطعة السين الذين يربون على نفقة الدولة بلغ خمسين ألف لقيط (١).
وفي عام ١٩٥٩ صدر عن هيئة الأمم المتحدة نشرة أثبتت بالأرقام
стр. 207
والإحصائيات أن العالم يواجه الآن مشكلة "الحرام أكثر من الحلال في شأن المواليد"، وجاء في الإحصائية أن نسبة الأطفال غير الشرعيين قد ارتفعت إلى ستين في المائة، وجاوزت في بعض البلاد الخمسة والسبعين في المائة، كدولة (بنما) (١).
هذه هي آثار منع التعدد، ألم يكن أكرم للمرأة أن تكون زوجة ثانية، أو ثالثة لها مكانتها، وبيتها، وينسب أولادها إلى أبيهم بلا تفرقة بينهم وبين إخوانهم، إن التعدد فيه مصلحة للنساء، وتحريمه فيه إضرار بهن.
لقد عقدت عدة مؤتمرات في ألمانيا بعد الحرب العالمية، ونادى المؤتمرون يوجوب إباحة التعدد لمواجهة المشكلة الناتجة عن نقص الرجال، ونادى كثير من المفكرين الغربيين بوجوب إباحة التعدد (٢)، ولكن العالم الغربي أصم أذنيه، واختار أن يسير في طريق الرذيلة.
ثالثا: تحريم التعدد ظلم للأمة وظلم للرجال: إذا نظرنا في طبيعة كل من الرجل والمرأة وجدنا أن فاعلية الرجل الجنسية أقوى وأدوم من فاعلية المرأة في هذا الجانب.
والمرأة تتوقف عن الإنجاب في سن الخمسين أو قبل ذلك، والرجل تستمر قدرته على الإنجاب حتى لو عاش مائة عام، والمرأة تحيض في كل شهر أيامًا قد تصل إلى أسبوع، وتحمل مدة تسعة أشهر فتقل رغبتها في المعاشرة الجنسية، وتلد وتصبح نفساء مدة قد تزيد على الشهر، ومعاشرة الحائض والنفساء حرام، فالحيض
стр. 208
والنفاس أذى، يؤذي الرجل والمرأة.
فإذا حسبت الزمن الذي تكون المرأة غير مهيأة للمعاشرة الجنسية تجده طويلًا، قد يصل إلى ثلث عمرها، بينما الرجل لا تأتيه هذه العوارض التي تصاحب المرأة.
إن منع الرجل من الزوجة الثانية ظلم للرجل لأن طبيعته الجنسية لا يعرض لها ما يعرض لطبيعة المرأة، وظلم له من ناحية ثانية، لأنه قادر على الإنجاب في الحال التي لا يمكن المرأة أن تنجب فيها، وظلم للأمَّة التي تُحرْم من الاكثار من النسل بسبب منع التعدد مع كون أحد الطرفين صالحا للإنجاب وإمداد الأمّة بمزيد من الذرية.
رابعًا: التعدد لمعالجة مشكلات طارئة: قد تمرض المرأة، وقد تكون عاقرًا، وقد يصيبها البرود الجنسي ... ، ومع ذلك كله فقد يرغب الزوجان في استمرار العلاقة الزوجية، والحفاظ على الود القديم، أمّا في ظل منع التعدد- فإن الرجل يجد نفسه ملزمًا بتطليق زوجته حتى يتمكن من التزوج بأخرى.
خامسا: التعدد نظام عالمي:
كان التعدد نظامًا أخذت به البشرية على مدار التاريخ، التوراة تنص صراحة على إباحة التعدد، وإبراهيم أبو الأنبياء تزوج من سارة وهاجر، ويعقوب وسليمان وداود تزوجوا بأكثر من زوجة، ولا يوجد فِي الإنجيل نص يمنع التعدد، بل إن التعدد كان في كثير من الشرائع غير مقيد بقيود ولا محدود
стр. 209
بحدود، فوقف الإسلام موقفا وسطا في ذلك، فأباح التعدد في حدود لا يجوز تجاوزها.
هل في التعدد ظلم للمرأة ؟
إن كثيرا من النساء يرفضن أن يشاركهن في أزواجهن امرأة أخرى، وتنشأ من هذه المشاركة مشكلات ومنازعات وخلاف.
ونحن لا ننكر أنه قد يحدث شيء من ذلك، إلا أن المصالح التي تترتب على التعدد أعظم بكثر من المضار التي تنشأ عنه، بل إن هذه المضار لا تمثل واحدًا في الألف بالنسبة للمصالح المترتبة على التعدد، ثم إن الإسلام لم يهمل المفاسد التي يمكن أن تنشأ عن التعدد، ومن هنا لا يوافق الإسلام على التعدد إذا لم يكن الرجل قادرا على الإنفاق على الزوجة الثانية، والإسلام بأمر الرجل بالعدل في القسمة والنفقة والسكنى بين أزواجه، كما يأمره بالعدل بين أولاده، فلا يجوز التفريق بين الأبناء في المعاملة والهبة والعطية، وكل هذا علاج لما يمكن أن ينشأ من التعدد من آثار.
لماذا لا يباح للمرأة التعدد ؟
تعدد الأزواج للمرأة الواحدة محرم شرعًا، ومستقبح عقلًا، فالمرأة مكان الزرع، وإذا تعدد الأزواج اختلطت المياه، وضاعت الأنساب، والرجل يعاشر عدة نساء ونجزم مع ذلك بنسبة جميع الأولاد من جميع نسائه إليه، أما المرأة فليس الحال عندها كذلك.
ثمَّ إن الرجل له القوامة على المرأة، فمن الذي تطيعه المرأة وتستجيب لأمره إذا اشترك فيها عدة رجال؟ ثمَّ إن أكثر النساء لا تستطيع تلبية حاجة رجل واحد
стр. 210
فكيف تلبي حاجة مجموعة من الرجال! !
إن هذه الشبهة لا يرددها إلا الذين لا يريدون خير المجتمع ولا خير المرأة.
زوجات الرسول ﷺ -
تزوج الرسول ﷺ أكثر من أربع زوجات، واجتمع عنده تسع زوجات في وقت واحد.
وقد أثار المستشرقون والمستغربون زوبعة حول هذه المسألة، يريدون الطعن في الإسلام وفي رسول الإسلام، وإضلال المسلمين عن دينهم، والرد عليهم:
أولًا: أننا نؤمن بأن محمدا رسول الله ﷺ ، وأنه فعل ما شرع الله له ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
فالاعتراض على ذلك اعتراض على حكم الله وشرعه، وهو فساد في العقل، وقصور في العلم، وخلل في النظر.
ثانيا: أن الرسول ﷺ قدوة للأمّة، فاختصه الله بهذا العدد من الزوجات لكي ينقلن لنا صورة لحياته الداخلية مع أسرته حيث لا يصاحبه غيرهن، ولا شكَّ أن قدرة التسعة على ذلك أعظم من قدرة الواحدة والاثنتين.
ثالثًا: هناك حكم راعاها الإسلام ورسول الإسلام من وراء هذا التعدد، فكثير من النساء اللاتي تزوجهنَّ الرسول ﷺ قصد من ذلك رعايتهنَّ، وإكرام آبائهنَّ بالزواج منهنَّ، ومدَّ الحبال بينه وبين عشائرهن.
стр. 211
الفصل الثالث منهج الطَلاق في الإسلام
إذا كان الزواج بناء، فإن الطلاق هدم، والزواج شرع للحاجة، والطلاق قد تدعو إليه الحاجة، والزواج يحتاج إلى نظام يقوم به حتى تنضبط العلاقة بين الرجل والمرأة من خلاله، وحتى لا تفسد العلاقة غير المنضبطة الحياة الإنسانية، والطلاق يحتاج إلى نظام، لأن الذين يهدمون البيوت والعمارات غير الصالحة إذا لم يحسنوا الهدم أضروا بأنفسهم وأضروا بغيرهم.
إن الزواج اجتماع باتفاق وتراضي، وقد يتعين بعد اللقاء أن حياة الزوجين لا يمكن أن تستمر بحال من الأحوال، لاختلاف الأفكار والتصورات، أو لبغضاء وكراهيه تملأ قلب الواحد منهما على الآخر، أو لاعتبارات أخرى، وما دام الزواج تمَّ برضاهما فيمكن أن يقع الانفصال برضاهما أو بإرادة واحد منهما، وليس من العقل والحكمة والمنطق أن يلزم الإنسان أن يعيش مع آخر طيلة عمره، وهو يكرهه ويبغضه، وقد يصل الأمر -إذا ألزم بذلك- إلى قتله أو قتل نفسه ولما كانت الدواعي إلى الفرقة والانفصال قد لا تكون حقيقية فقد أمر الإسلام باتباع نظام معين، هذا النظام يقلل من نسبة الطلاق، ويوقف الفرقة الناشئة عن نزوة طارئة، أو كراهية وقتية، أو حالة نفسية عارضة.
إن الإسلام يأمر الرجل بالصبر على زوجه وإن رأى منها ما يكرهه، ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
стр. 212
وكل امرأة تتصف بصفات حسنة، ويوجد بها ما قد يكرهه الرجل، وإذا شاء الرجل امرأة كاملة الأوصاف فقد لا يجد، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "لا يفرك مؤمن مؤمنة إذا كره منها خلقًا رضي منها آخر" رواه مسلم (١).
فإذا ثارت بين الزوجين مشكلات فقد شرع الإسلام سبيل العلاج، ويكون باتباع الخطوات التالية:
الأول: وعظ الزوجة إن كان الخطأ من جانبها، وتذكيرها بالله، وما أوجب عليها من حقه، وتذكيرها ياليوم الآخر.
الثاني: فإن لم ترتدع فله أن يهجرها، ويكون الهجران في المضجع، ولا يغادر المنزل.
الثالث: الضرب غير المبرح إن لم يُجْدِ الهجر شيئًا.
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤].
فإذا لم تصلح الأمور أو كان الخطأ من قبل الزوج - فقد أمر الله بالتحكيم بينهما، وذلك باجتماع رجلين واحد من أهل الزوج، والثاني من أهلها، فيسمعان من الزوجين، وقد يوفق الله على أيديهما بينهما، فإن بعض الناس لا يستطيعون حل مشكلاتهم بأنفسهم ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَينَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥].
فإذا لم يُجْد ذلك شيئًا، ولم يستطع الرجل البقاء مع زوجه فله أن يطلق.
стр. 213
وإذا شاء الطلاق فعليه أن ينتظر حتى تحيض زوجته ثمَّ تطهر ثمَّ يوقع الطلاق، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
فلا يجوز تطليقها في الحيض، ولا في طهر جامعها فيه.
فإذا انتظر الزوج كل هذه الفترة وهو مصمم على الطلاق، ثم أوقع الطلاق فإن أسباب الطلاق تكون حقيقية ولا شك، وليست نزوة وقتية عارضة.
فإذا أوقع الطلاق على النحو الذي وصفنا، فإن الحياة الزوجية لا تنقطع، وعلى المرأة أن تبقى في بيت زوجها مدة العدة، ومدتها ثلاث حيضات لمن تحيض، وثلاثة أشهر للآيسة، والحامل أجلها أن تضع حملها.
والمرأة في هذه الفترة لا تحتجب عن زوجها، ولا تمتنع عن تكليمه، إلا أنه لا يعاشرها، فإن عاشرها فإن ذلك عودة عن الطلاق، وإبطال له، وفي هذه الحال ترجع إليه بدون عقد وبلا مهر، لأنها زوجة، كل ما يفعله أن يشهد على إعادتها.
فإذا أصر على المضي في الطلاق طيلة هذه الفترة التي هي فترة تأمل، ومحاسبة للنفس- فلا شك أن الأسباب الداعية للطلاق وجيهة.
فإذا تركها حتى انقضت عدتها، ورغبا في إعادة العلاقة الزوجية فإن الإسلام لا يمنع من ذلك، فقد يكون في الطلاق علاج للرجل، أو علاج للمرأة، فالمخطئ قد يبصر خطأه، وقد يدرك أنه كان ظالمًا، فترجع الحياة الأسرية إلى أفضل مما كانت عليه.
وقد نهى الإسلام أولياء المرأة من منع المرأة من العودة إلى زوجها ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَينَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢].
стр. 214
فإذا أعاد الزوج زوجه في عدتها، أو أعادها بعقد بعد انقضاء عدتها، ثم حدث ما أوجب طلاقها مرة أخرى فإنه يعطى مثل الفرصة الأولى التي تحدثنا عنها.
فإن طلق الثالثة فإنها لا تنتظر في داره، بل تعود إلى منزل والديها، ولا تحل له بعد ذلك حتى تنكح زوجًا غيره ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
إلى هذه الدرجة يحرص الإسلام على استمرار عقد الزوجية ومعالجة المشكلات الناشئة بين الزوجين.
حق المرأة في الفراق
إذا كانت المرأة هي الراغبة فِي الفراق، فلها أن ترفع الأمر إلى القاضي، وهنا تكون ملزمة بأن تعيد إلى زوجها المال الذي بذله لها، وإذا تحقق ذلك يصدر القاضي أمره بالفرقة.
روى ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي ﷺ فقالت: "يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ : "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة" رواه البخاري (١).
وهذا الذي أشار به الرسول ﷺ منصوص عليه في الكتاب، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
стр. 215
الفَصل الرابع المَرأة في الإسلام (١)
تعرض وضع المرأة في التشريع الإسلامي لهجوم شديد من أعداء الإسلام، وقد ركزوا على هذا الجانب، لأنهم يعلمون أن فساد المرأة يعني فساد الأجيال التي تربيها المرأة، وفساد المجتمع الذي تعيش فيه المرأة، وقد رفع راية الحملة على المرأة المسلمة المستغربون في ديارنا، لقد هاجموا المتحجبات والحجاب، وقالوا الحجاب ظاهرة، وظاهرة عفنة، وقال قائلهم (٢): "الحجاب رمز مَذَلَّة المرأة، ومصادرة لما وهبتها إياه الطبيعة، وصورة انقطاعها القسري عن الحياة الحقيقية الوسيعة والخصيبة".
وقال حاكم من حكام ديار المسلمين: الحجاب تقليد من التقاليد البالية العتيقة.
وقال بعض هؤلاء: "ما تحجبت من تحجبت إلا سترًا لعيوب الجسد، ورغبة في الزواج من شاب متدين إذا كسدت سوق الزواج".
وقالوا ما هذا التحجر والجمود، وقالوا: "العودة إلى الحجاب عودة إلى الجاهلية الأولى". وقالوا: "إن الحجاب لا يصلح إلا في مجتمع قبلي جاهلي".