← Общие книги

Общие книги · id 96254

نحو ثقافة إسلامية أصيلة

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (309 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الفصل الثالث منهج الطَلاق في الإسلام إذا كان الزواج بناء، فإن الطلاق هدم، والزواج شرع للحاجة، والطلاق قد تدعو إليه الحاجة، والزواج يحتاج إلى نظام يقوم به حتى تنضبط العلاقة بين الرجل والمرأة من خلاله، وحتى لا تفسد العلاقة غير المنضبطة الحياة الإنسانية، والطلاق يحتاج إلى نظام، لأن الذين يهدمون البيوت والعمارات غير الصالحة إذا لم يحسنوا الهدم أضروا بأنفسهم وأضروا بغيرهم. إن الزواج اجتماع باتفاق وتراضي، وقد يتعين بعد اللقاء أن حياة الزوجين لا يمكن أن تستمر بحال من الأحوال، لاختلاف الأفكار والتصورات، أو لبغضاء وكراهيه تملأ قلب الواحد منهما على الآخر، أو لاعتبارات أخرى، وما دام الزواج تمَّ برضاهما فيمكن أن يقع الانفصال برضاهما أو بإرادة واحد منهما، وليس من العقل والحكمة والمنطق أن يلزم الإنسان أن يعيش مع آخر طيلة عمره، وهو يكرهه ويبغضه، وقد يصل الأمر -إذا ألزم بذلك- إلى قتله أو قتل نفسه ولما كانت الدواعي إلى الفرقة والانفصال قد لا تكون حقيقية فقد أمر الإسلام باتباع نظام معين، هذا النظام يقلل من نسبة الطلاق، ويوقف الفرقة الناشئة عن نزوة طارئة، أو كراهية وقتية، أو حالة نفسية عارضة. إن الإسلام يأمر الرجل بالصبر على زوجه وإن رأى منها ما يكرهه، ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].

стр. 212

وكل امرأة تتصف بصفات حسنة، ويوجد بها ما قد يكرهه الرجل، وإذا شاء الرجل امرأة كاملة الأوصاف فقد لا يجد، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "لا يفرك مؤمن مؤمنة إذا كره منها خلقًا رضي منها آخر" رواه مسلم (١). فإذا ثارت بين الزوجين مشكلات فقد شرع الإسلام سبيل العلاج، ويكون باتباع الخطوات التالية: الأول: وعظ الزوجة إن كان الخطأ من جانبها، وتذكيرها بالله، وما أوجب عليها من حقه، وتذكيرها ياليوم الآخر. الثاني: فإن لم ترتدع فله أن يهجرها، ويكون الهجران في المضجع، ولا يغادر المنزل. الثالث: الضرب غير المبرح إن لم يُجْدِ الهجر شيئًا. وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]. فإذا لم تصلح الأمور أو كان الخطأ من قبل الزوج - فقد أمر الله بالتحكيم بينهما، وذلك باجتماع رجلين واحد من أهل الزوج، والثاني من أهلها، فيسمعان من الزوجين، وقد يوفق الله على أيديهما بينهما، فإن بعض الناس لا يستطيعون حل مشكلاتهم بأنفسهم ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَينَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]. فإذا لم يُجْد ذلك شيئًا، ولم يستطع الرجل البقاء مع زوجه فله أن يطلق.

стр. 213

وإذا شاء الطلاق فعليه أن ينتظر حتى تحيض زوجته ثمَّ تطهر ثمَّ يوقع الطلاق، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. فلا يجوز تطليقها في الحيض، ولا في طهر جامعها فيه. فإذا انتظر الزوج كل هذه الفترة وهو مصمم على الطلاق، ثم أوقع الطلاق فإن أسباب الطلاق تكون حقيقية ولا شك، وليست نزوة وقتية عارضة. فإذا أوقع الطلاق على النحو الذي وصفنا، فإن الحياة الزوجية لا تنقطع، وعلى المرأة أن تبقى في بيت زوجها مدة العدة، ومدتها ثلاث حيضات لمن تحيض، وثلاثة أشهر للآيسة، والحامل أجلها أن تضع حملها. والمرأة في هذه الفترة لا تحتجب عن زوجها، ولا تمتنع عن تكليمه، إلا أنه لا يعاشرها، فإن عاشرها فإن ذلك عودة عن الطلاق، وإبطال له، وفي هذه الحال ترجع إليه بدون عقد وبلا مهر، لأنها زوجة، كل ما يفعله أن يشهد على إعادتها. فإذا أصر على المضي في الطلاق طيلة هذه الفترة التي هي فترة تأمل، ومحاسبة للنفس- فلا شك أن الأسباب الداعية للطلاق وجيهة. فإذا تركها حتى انقضت عدتها، ورغبا في إعادة العلاقة الزوجية فإن الإسلام لا يمنع من ذلك، فقد يكون في الطلاق علاج للرجل، أو علاج للمرأة، فالمخطئ قد يبصر خطأه، وقد يدرك أنه كان ظالمًا، فترجع الحياة الأسرية إلى أفضل مما كانت عليه. وقد نهى الإسلام أولياء المرأة من منع المرأة من العودة إلى زوجها ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَينَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢].

стр. 214

فإذا أعاد الزوج زوجه في عدتها، أو أعادها بعقد بعد انقضاء عدتها، ثم حدث ما أوجب طلاقها مرة أخرى فإنه يعطى مثل الفرصة الأولى التي تحدثنا عنها. فإن طلق الثالثة فإنها لا تنتظر في داره، بل تعود إلى منزل والديها، ولا تحل له بعد ذلك حتى تنكح زوجًا غيره ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. إلى هذه الدرجة يحرص الإسلام على استمرار عقد الزوجية ومعالجة المشكلات الناشئة بين الزوجين. حق المرأة في الفراق إذا كانت المرأة هي الراغبة فِي الفراق، فلها أن ترفع الأمر إلى القاضي، وهنا تكون ملزمة بأن تعيد إلى زوجها المال الذي بذله لها، وإذا تحقق ذلك يصدر القاضي أمره بالفرقة. روى ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي ﷺ فقالت: "يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ : "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة" رواه البخاري (١). وهذا الذي أشار به الرسول ﷺ منصوص عليه في الكتاب، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].

стр. 215

الفَصل الرابع المَرأة في الإسلام (١) تعرض وضع المرأة في التشريع الإسلامي لهجوم شديد من أعداء الإسلام، وقد ركزوا على هذا الجانب، لأنهم يعلمون أن فساد المرأة يعني فساد الأجيال التي تربيها المرأة، وفساد المجتمع الذي تعيش فيه المرأة، وقد رفع راية الحملة على المرأة المسلمة المستغربون في ديارنا، لقد هاجموا المتحجبات والحجاب، وقالوا الحجاب ظاهرة، وظاهرة عفنة، وقال قائلهم (٢): "الحجاب رمز مَذَلَّة المرأة، ومصادرة لما وهبتها إياه الطبيعة، وصورة انقطاعها القسري عن الحياة الحقيقية الوسيعة والخصيبة". وقال حاكم من حكام ديار المسلمين: الحجاب تقليد من التقاليد البالية العتيقة. وقال بعض هؤلاء: "ما تحجبت من تحجبت إلا سترًا لعيوب الجسد، ورغبة في الزواج من شاب متدين إذا كسدت سوق الزواج". وقالوا ما هذا التحجر والجمود، وقالوا: "العودة إلى الحجاب عودة إلى الجاهلية الأولى". وقالوا: "إن الحجاب لا يصلح إلا في مجتمع قبلي جاهلي".

стр. 216

وأهل الضلال وقادته يسيرون على هدي إبليس في إضلالهم العباد، فهم يصورون الحقَّ في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وهم في ذلك يفلسفون الباطل، ويحاولون أن يدللوا عليه بما يوهم الذين لا علم عندهها بأن قولهم حقائق لا تقبل الجدل، ومن جملة ذلك ما يفعله أدعياء التقدم حين يطلبون من المرأة التمرد على دين ربها، والخروج على تعالميه، باسم التحرر والتمدن ... ، فمن ذلك أنهم يقولون للمرأة ما هذه الملابس التي تكبل حريتك، وتخفي جمالك ومحاسنك، وتحرمك من التمتع بالحياة؟ ويقولون لها: لماذا أنت في المجتمع عضو أشل، لا تساعدين في رفاهية المجتمع ولا تقومين بأعمال الرجال؟ ! أنت لست بأقل من الرجل شأنًا، والرجل ليس أذكى منك. ويقولون لم لا تخالطين الرجال، ألست واثقة من نفسك؟ ! مأساة المرأة في العالم الغربي إن هؤلاء يريدون المرأة المسلمة أن تسير كما سارت المرأة الغربية، والذي يتابع أخبار تلك المجتمعات يعلم أن سعادة المرأة البيتية في عالم الغرب قد انهارت، وأضاعت المرأة هناك أمومتها الحانية، وفقدت إرادتها وشخصيتها، فغدت حامل الطفل اللقيط تبحث في شرق البلاد وغربها عن مستشفيات الوضع، ففي تقرير إحصائي أصدرته منظمة الصحة العالمية (١) في عام ١٩٦٢ ذكرت منظمة الصحة أنه يجري في كل عام (١٥) مليون حادثة إجهاض أو قتل جنين، وهذا الرقم يمثل فقط العمليات السرّية غير المشروعة قانونًا، أما الدول التي تسمح بهذا العمل كالدول (الإسكندنافية)، ومعظم دول أوروبا التي تبيح الإجهاض فهي غير داخلة في الإحصاء.

стр. 217

المرأة اليوم في عالم الغرب تمزقها مأساة مؤلمة، إن كثيرًا من النساء هناك يحملن على أكتافهن ظلم الرجال، وصعوبة الحياة، يحملن على أكتافهنَّ أطفالًا قد حرموا من حنان الأبوة، والمرأة هناك يقلقها ظلمات الحيرة والندم كلما صرخ الطفل: ماما ... لماذا ليس لي أب كسائر الأطفال؟ ! . الرجل والمرأة في ميزان الإسلام الرجل والمرأة في ميزان الإسلام جناحان لا تقوم الحياة الإنسانية ولا ترقى إلا في ظل عملية تنسيق ومواءَمة بينهما، فالله خلق المرأة للمهمة ذاتها التي خلق من أجلها الرجل ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وأناط السعادة بتحقيق كل من الرجل والمرأة لهذه المهمة، والتعاسة والشقاء بالإعراض عنها، ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤]. حرية الرجل والمرأة إن الإسلام ألزم الرجل والمرأة بالعبودية لله الواحد الأحد في صورة الخضوع لمنهجه ودينه، وهذه العبودية هي أعظم مراتب الحرية، فالإنسان من خلال توجهه لله وعبادته له، يتحرر من كل سلطان، فلا يوجه قلبه ولا يطأطئ رأسه إلا لخالق السموات والأرض، فالشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب كلها مخلوقات معبَّدة مربوبة خلقها الله لمنفعتنا لا لنعبدها.

стр. 218

والإنسان في الإسلام يتحرر حتى من سيطرة الهوى وسلطان الشهوة، فالذي يسيطر على ضميره ودخيلته إنما هو سلطان الشرع، وهو يطرد سلطان الهوى إذا عارض سلطان الشرع ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١]. إذن هي حرية في صورة العبودية، ولا يمكن للبشرية أن تتحرر إلا بهذه العبودية، إن الحرية في غير الإسلام تصبح حريّة جوفاء لا معنى لها، بل هي العبودية المذلّة المهينة، وإن بدت في صورة الحريّة، إن الخضوع للزعماء والرؤساء والمناهج والقوانين والنظم وما تحبه النفس بعيدًا عن تشريع الخالق إنما هو عبودية وأي عبودية. لا ظلم ولا استبداد في الإسلام ليس هناك مجال كي يظلم الرجل المرأة، لأن الرجل لا يحكم بهواه، بل هو محكوم بشريعة الله كما أن المرأة محكومة بشريعة الله. وتحقيق الخير في المجتمع الإسلامي يتوقف على فقه الشريعة التي تحكم الرجل والمرأة، ثم تنفيذ هذه الشريعة في حال رضى الطرفين أو عدم رضاهما، وهذا ينطلق تصور المسلم للقضية، وقد عبر الله عن هذا بقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. مصدر الخطأ ويحق لنا هنا أن نتساءَل عن السبب الذي من أجله تأخرت المرأة المسلمة،

стр. 219

وعن سبب الظلم الواقع عليها في ديار المسلمين، السبب في ذلك أن كثيرا من الأوضاع في ديار المسلمين بعيدة عن الإسلام، في شؤون السياسة والاقتصاد والتعليم والاجتماع، وبسبب هذا البعد عن الإسلام نشأت أوضاع فاسدة. إن الظلم الواقع على المرأة في ديارنا كالظلم الواقع على الرجل سواء بسواء ليس سببه الإسلام الذي ندين به، بل سببه البعد عن الإسلام ومحاولة فصل الدين عن الحياة. لا نسوِّغ الأخطاء إننا لا نتعامى عن الأخطاء، ولا نسوغها ونفلسفها، هناك ظلم حاق بالمرأة، وأوضاع فاسدة تحيط بها، هناك من العلماء والعوام في ديارنا من يرى أن المرأة لا يجوز أن تتعلم، ولا يجوز أن تخرج من بيت والدها إلا إلى بيت زوجها، والخرجة الأخرى لا تكون إلا إلى القبر، هناك من يرى أن المرأة ليست جديرة بالتقدير والاحترام ... ، هناك من يكلف المرأة فوق طاقتها ولا يرحم ضعفها، هناك الآباء القساة، والأزواج الجهلة، الذين يضربون بناتهم وزوجاتهم ضرب غرائب الإبل، نحن ندرك ذلك ولا نتعامى عنه، ولكننا نعلم أن هذا مرض من أمراض كثيرة تحيط بالأمة الإسلامية، في رجالها ونسائها وأطفالها، ونحن نحمد عمل كلّ من خاض غمار المجتمعات الإسلامية لتقويم المعوج وإصلاح الفاسد، وتسديد المتجه إلى الحق، ولكن لا نريد علاج الخطأ بخطأ آخر، ولا نريد أن ننتقل من إفراط إلى تفريط، ومن ضلال إلى ضلال، لا نريد أن نبقى هكذا مرة إلى اليمين ومرة إلى الشمال من غير ضابط ولا معيار، نحن نعلم أن في اتباع الإسلام الخير الذي أصلح الحياة من قبل، ورحم الله الإمام مالك حيث يقول: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".

стр. 220

المرأة في المجتمع الإسلامي إن الذي يعايش المسلمين، ويعرف الإسلام يدرك أن المراد المسلمة تتبوأ في المجتمع الإسلامي مكانة عالية، مكانة تحفظ لها كرامتها، وتحفظ إنسانيتها، وتصفون عفافها. الإسلام لا يعتبر المرأة جرثومة خبيثة كما اعتبرتها اليهودية والنصرانية، الإسلام يقرر الحقيقة الأزلية التي تزيل الهوان الذي وصمت به الأديان المحرفة المرأة. الإسلام يقول إن المرأة خلقت من الرجل، وأن خلق المرأة نعمة ينبغي أن يحمد الرجال ربهم على إيجادها ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]. والمرأة في ميزان الإسلام كالرجل، فرض الله عليهما القيام بالتكاليف الشرعية، وهي تحمد إذا استجابت لأمر الله، وتذم إن تنكبت الصراط السوي: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾ [غافر: ٤٠]. ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ (١٩٥)﴾ [آل عمران: ١٩٥]. واقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ

стр. 221

وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. والتناصر في المجتمع الإسلامي، والقيام بالأعباء الاجتماعية يشمل الرجال والنساء: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. وإيذاء المؤمنات في المجتمع الإسلامي كإيذاء المؤمنين يمقت الله صاحبه، وهو عمل يستوجب العقوبة في الدنيا والآخرة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]. وقال في الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيق﴾ [البروج: ١٠]. والمرأة في المجتمع المسلم لها أن تتعلم ما ينفعها من علوم الدنيا والآخرة، وما خبر تعليم الرسول ﷺ بسر، وقد ثبت أن الشفاء بنتَ عبد الله القرشيّة علَّمت أمَّ المؤمنين حفصة الكتابة، وكان ذلك بإقرار الرسول ﷺ إياها على ذلك (١). وقد صحح الشيخ ناصر الدين الألباني أيضًا بعض طرق حديث: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، أي بزيادة لفظ: "مسلمة" (٢).

стр. 222

وجعل الإسلام للمرأة أن ترث وتملك وتتصرف في مالها في الوقت الذي لا زالت بعض دول أوروبا لم تعطها هذا الحق بعد. وجعل من حقّ المرأة أن تُستأذن في أمر زواجها ولها الحق في أن ترفض، وليس لولي أمرها أن يلزمها بالزواج ممن لا ترضاه زوجا. فقد روى أحمد والنسائي من حديث ابن بريدة وابن ماجة من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "جاءَت فتاة إلى رسول الله، فقالت إن أبي زوجني من ابن أخيه، ليرفع بي خسيسته. قال: فجعل رسول الله ﷺ الأمر إليها، فقالت: "قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء أنه ليس إلى الآباء من شيء"، تعنى أنه ليس لهم إكراههن على التزوج بمن لا يرضينه. وجعل الإسلام للمرأة حقوقًا علي زوجها، كما للزوج حقوقًا عليها، قال ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. والمراد بهذه الدرجة درجة القوامة التي نص الله عليها في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. التفاضل بين الرجل والمرأة تعرضت هذه الآية من كتاب الله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ لنقد شديد من الخفافيش وأدعياء التقدم، وقالوا هذا ظلم للمرأة وإهانة لها، وقد ضلَّ

стр. 223

هؤلاء الذين ينسبون لله الظلم وخاب سعيهم، إن القرآن يقرر هنا حقيقة: وهي أن البيت كالمجتمع تماما يحتاج إلى قيادة، يحتاج إلى أن يكون شخص ما فيه هو المسؤول الأول، كي يحسم الأمور إذا لم يحصل الاتفاق، وقد جعل الله ذلك للرجل لأمرين: الأول: لأنَّ الله فضله، وهذا التفضيل بسبب تلك الخصائص التي ميزه الله بها كي يؤدي دوره ويقوم بواجباته. الثاني: أن الأزواج هم المسؤولون عن الإنفاق على أزواجهم وأولادهم. والذين لا يثبتون فروقًا بين الرجل والمرأة يتعامون عن الحقيقة، والذين لا يرون أن الرجل أقدر على القيادة عماهم أكثر وأشدّ، "لقد أثبت علم الأحياء أن التكوين الجسمي في المرأة غيره في الرجل، فالتكوين الجسمي في المرأة، وما يكون فيها من غدد تعدّها لخصائص الأنوثة في دقة الخاصرة وبروز الثديين، ولين الجانب، ورقة العاطفة، ونعومة الملمس، وعذوبة الحديث، وغلبة الحياء، وكثرة الخجل، وقلة الجلد، وضعف التحمل. والمرأة يأتيها في كل شهر ما يأتي النساء من المحيض فيسوء الهضم، وتصاب بالآلام في البطن، وصداع في الرأس، وتبلد في الحس، وضعف في التفكير، وانفعال في النفس ... وتحمل فتصاب في الشهور الأولى بغثيان وتقيؤ وصدود عن الطعام والشراب، وانحراف في المزاج وكسل وهبوط، وتظل آلام الحمل العادي معها تسعة أشهر، وتشتد وطأتها في الشهور الأخيرة، فلا تقوى على الكثير من الحركة، وتشكو آلامًا في البطن والصدر والرأس وتحسّ بضيق عام يأخذ بخناقها، ويفسد مزاجها، ويعكر صفو عيشها، وتضع فتأتي فترة الرضاعة، وتتعرض في الأسابيع الأولى لكثير من الأمراض، وتظلّ حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ضعيفة البنية، يتحول ما تأكله إلى لبن يروي وديعة الفطرة، ويغذي

стр. 224

ولدها، وتصرف جلّ وقتها في حضانته ورعايته ونظافته" (١). وقد جاء العلم الحديث ليقول إن الفرق بين الرجل والمرأة بعيد الغور، فهو لا يتوقف على المظاهر الخارجية -بل هو أبعد من هذا يقول- الكس كاريل في هذا الموضوع: "إن الأمور التي تفرق بين الرجل والمرأة لا تتحدد في الأشكال الخاصة بأعضائهما الجنسية والرحم والحمل، وهي لا تتحدد أيضًا في اختلاف طرق تعليمهما، بل إن هذه الفوارق هي ذات طبيعة أساسية، من اختلاف نوع الإنسجة في جسم كليهما، كما أن المرأة تختلف عن (المرء) كليًّا، في المادة الكيماوية التي تفرز من مبيض الرحم داخل جسمها، والذين ينادون بمساواة الجنس اللطيف بالرجل يجهلون هذه الفوارق الأساسية، فيدَّعون أنه لا بد أن يكون لهما نوع واحد من التعليم والمسئوليات والوظائف، ولكن المرأة في الواقع تختلف عن الرجل كل الاختلاف، فكل خلية من جسمها تحمل طابعًا أنثويًا، وهكذا تكون أعضاؤها المختلفة، بل وأكثر من ذلك هذه هي حال نظامها العصبي. إن قوانين وظائف الأعضاء محدودة ومنضبطة كقوانين الفلك، حيث لا نملك أحداث أدنى تغيير فيهما بمجرد الأمنيات البشرية، وعلينا أن نسلم بها، كما هي، دون أن نسعى إلى ما هو غير طبيعي، وعلى النساء أن يقمن بتنمية مواهبهن بناء على طبيعتهن الفطرية، وأن يبتعدن عن تقليد الرجال" (٢). وزادنا العلم الحديث إيضاحًا في هذه المسألة عندما أكد لنا أن هناك تباينا ما

стр. 225

بين دماغ الرجل، ودماغ المرأة، ففي مقال نشرته مجلة (الديار) (١)، تقول سميرة صايغ كاتبة المقال: "هناك تباين بين انفعالات دماغ المرأة ودماغ الرجل، وإن الأقسام النشطة في دماغ المرأة تختلف عن الأقسام النشطة في دماغ الرجل، على الرغم من محاولات المرأة التشبه بالرجل"، وتقول: "المرأة المعاصرة ترفض النظرية القائلة بأن هناك تباينًا بين الرجل والمرأة من جهة المقدرة (الفزيولوجية)، ومن جهة الكفاءَات الذهنية، واليوم تبرز نظرية بل اكتشاف علمي يؤكد أن هناك فعلا اختلاف بين دماغ الرجل، ودماغ المرأة من حيث الكفاءات الذهنية الناتجة عن ذلك الدماغ أي بكلمة أخرى هناك (دماغ ذكر) و (دماغ أنثى). ويقسم العلماء الدماغ البشري إلى قسمين: قسم أيمن، وقسم أيسر، ويؤكدون أن القسم الأيمن لدى الرجل هو أقوى منه لدى المرأة، ماذا يعني هذا؟ الدماغ هو عضو مؤلف من أنسجة رخوة تتشعب فيها الأوعية الدموية الرفيعة والأعصاب التي تحمل الإحساسات من الخارج إلى الداخل، وتحمل أوامر الدماغ إلى سائر الأعضاء في الجسم كي تقوم بوظيفتها. هذا من الناحية التكوينية للدماغ، أمّا من ناحية العمل (الفزيولوجي) للدماغ فقد تبين للعلم الحديث أن الدماغ يقسم إلى مناطق، وكل منطقة تقوم بمهمة أو مهمات معينة". وقد تأكدت هذه النظرية مؤخرًا بعد أن تمكن العلماء من تصوير الدماغ وهو يقوم بوظائفه المختلفة.

стр. 226

وذكرت الكاتبة أن أبرز من عمل في هذا الحقل هو الدكتور (دافيدانغمار) السويدي الذي يعمل في جامعة (لوند) في السويد. استعمل الدكتور (انغمار) غاز (كزينون) الذي يذوب في الدم ويولد إشعاعات (غاما)، وذلك لتصوير الدماغ، وهو يقوم بمهمات مختلفة. فهو يحقن الإنسان ببعض (الكزينون) الذي يذوب، وينتقل عبر الأوعية الدموية إلى الدماغ، وتنتقل صورة ما يحدث في الدماغ عبر (٣٢) سماعة مثبتة في أنحاء مختلفة من الرأس إلى (كومبيوتر) يقوم بتحليل تلك الصورة، وتحديد نوعية العمل الذي يقوم به الدماغ في تلك اللحظة، والركن الذي يصدر عنه ذلك العمل. ولاحظ الدكتور (انغمار) أنّ كلّ عمل يقوم به الدماغ يصدر من مكان مختلف من الدماغ ... ، وإذا ازدادت كثافة ذلك العمل، ازدادت الرقعة العاملة من الدماغ دون أن يتغير مكانها. وأمكن الآن تحديد الأماكن التي تقوم بشتى أنواع النشاطات، فهناك ركن خاص بالقوى النظرية والسمعية وتلك الناتجة عن اللمس ... ، بينما يتركز الإحساس الناتج عن طريق الشم في مكان آخر، إن للتفكير زاوية، وللقدرة على النطق زاوية أخرى، وكذلك القدرة على القراءَة والحساب، وضبط حركة الجسم العضلية، وتوجد زاوية للانفعال النفسي، أي للغضب والعنف، أو العطف والحنان. وانطلاقًا من ذلك كله تبين للعلماء مؤخرًا أن الشطر الأيمن من الدماغ يعمل بصورة أنشط لدى الذكر، بينما يعمل الشطر الأيسر لدى الأنثى بنشاط أكثر من الشطر نفسه لدى الذكر.

стр. 227

هذا وتجدر الإشارة إلى أنه في الشطر الأيمن تتركز المناطق الخاصة بالإحساس السمعي باللحن والأصوات، وتلك الخاصة بفهم الرسوم وشمول الرؤيا، وتقدير المسافات، والعلاقات بين الرموز. وهذا ما يفسر إذن تفوق الرجل في الرياضيات والهندسة والموسيقى، أي في المجالات النظرية التي تتعامل بالرموز، وعلاقة بعض تلك الرموز ببعضها الآخر. أما الشطر الأيسر فتتركز فيه القوى السمعية الخاصة بالتقاط الكلمات والألْفاظ وحفظها وكذلك قراءة تلك الكلمات والأحرف، ومن هنا نشأ تفوق المرأة في المجالات الأدبية، وفي التعامل مع الأشياء الملموسة. سنريهم آياتنا ويحق لنا هنا أن نردد قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]. فالله تعالى ذكر في كتابه قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فجعل شهادة امرأتين بشهادة رجل فيما يتعلق بأمور المال، وها هي البحوث الحديثة التي تغلغلت إلى أعماق عقل المرأة وعقل الرجل توضح لنا شيئًا من سر هذا التشريع الرباني. إن هذا التشريع منسجم مع وظائف عقل كل من الرجل والمرأة، والله العليم الخبير يشرع لنا ما يحفظ الأموال، وفي حالة الحاجة إلى شهادة المرأة يلزمنا بشهادة امرأتين، ويذكر العلة ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].

стр. 228

مما يدل على أن استيعاب الرجل لأمور المال ورسوخها في فكره أكثر وأقوى منها عند المرأة. لا ضير على المرأة لا ضير على المرأة أن تكون على ما بينّا، فإن حكمة العليم الخبير اقتضت أن تكون كذلك لتؤدي دورها المرسوم في الحياة، فإن المرأة تفضل الرجل فِي تدبير شؤون البيت وتربية الولد والقيام عليه، بما جبلت عليه من الحنان والرقة ومن التركيب العضوي الذي يعينها على وظيفتها مثل جهازها العصبي الذي يقلل من إحساسها بآلام الحمل والوضع. والمرأة تخشى كثيرًا أن تفقد أنوثتها، التي هي أخص خصائص وتفزع كثيرًا إذا ما ضمر ثدياها، أو نبت لها شعر في وجهها، أو خشن صوتها، أو غير ذلك مما هو من خصائص الرجال، وخوض المرأة في المجالات التي هي من خصائص الرجل يفقدها كثيرًا من خصائصها التي تبكي عليها كثيرًا إذا فقدتها. ولقد ظهر في الغرب طبقة جديدة من النساء منذ أواخر القرن الماضي، أطلق عليهن أحد الكتاب الإنجليز اسم (الجنس الثالث) (١)، هذه الطبقة تمثل المترجلات من النساء اللواتي يأبين إلا الخروج على فطرتهن، والزج بأنفسهم في ميادين الرجال. لقد فقد هذا الصنف من النساء أنوثتهن فلم يعدن نساء، ولم يدخلن في عداد الرجال، ذلك أنهن يخالفن الرجال طبيعة وتركيبًا، ويخالفن للنساء، وظائف وأعمالًا، وقد درس الكاتب الإنجليزي "أحوالهن درسًا مدققا فوجد أنهن يتركن

стр. 229

الزواج، وبانتزاعهن أنفسهن من وظائف الأمومة وما يتبعها قد تغيرت إحساساتهن عن إحساسات بنات جنسهن، وصرن في حالة من الكآبة تشبه أعراض الماليخوليا".

стр. 230

الفصل الخامس المؤلفات في الأسْرَة لم يخص القدامى هذا الموضوع بالتأليف، لأنه داخل في كتب الفقه العام، ومن الذين خصوه بالتأليف صديق حسن خان في كتابه: "حسن الأسوة فيما ثبت عن الله ورسوله في النسوة". وقد أكثر المحدثون من التأليف في هذا الموضوع، فقد كتب عبد الكريم اليافي كتاب "الأسرة بين الجاهلية والإسلام"، وكتب الشيخ مناع القطان كتاب "نظام الأسرة في الإسلام"، وكتب العلامة المودودي كتاب "الحجاب"، وكتب الدكتور محمد عبد السلام كتاب: "قوانين الأسرة"، وقبل هؤلاء كتب محمد رشيد رضا كتاب "حقوق النساء في الإسلام"، وكتب بعض العلماء والباحثين مؤلفات خاصة بوضع المرأة في الدين الإسلامي، فقد كتب عصام عبد الله كتاب "المرأة المؤمنة"، وكتب محمد البيهي كتاب "الإسلام واتجاه المرأة المسلمة"، وكتب الدكتور السباعي كتاب "المرأة بين الفقه والقانون"، وقد كتبتُ رسالة لطيفة بعنوان: "المرأة بين دعاة الإسلام وأدعياء التقدم".

стр. 231

البابُ الخامس العقوبات في الإسلام ويشتمل كل تمهيد وأربعة فصول. التمهيد: في بيان أنواع العقوبات. الفصل الأول: جرائم الحدود. الفصل الثاني: جرائم القصاص. الفصل الثالث: جرائم التعزير. الفصل الرابع: شبهات حول العقوبات في الإسلام. الفصل الخامس: المؤلفات في التشريع الجنائي.

стр. 232

العقوبات في الإسلام التمهيد: أنواع العقوبات: أنزل الله دينه ليكون منهج حياة، وكل دين أنزله الله فهو منهج حياة لمن أنزل إليهم، ورفض البشر لدين الله يستوجب العقاب، والعقاب للذين يرفضون هذا الدين، أو يتمردون على بعض أحكامه أنواع ثلاثة: ١ - عقاب إلهي أخروي: يبدأ هذا العقاب في البرزح، ثم يكون في المحشر، ويبلغ مداه عندما يدخل أهل النار النار، وقد حدثنا ربنا طويلًا، عن الجزاء الأليم الذي يستحقه الكفار في الآخرة: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١)﴾ [سورة سورةالواقعة: ٤١] ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾ [سورة الواقعة: ٤١ - ٥٦]. وقد يكون هذا العقاب جزئيًّا وهذا لمرتكبي المعاصي من الموحدين، فقد أخبر الرسول ﷺ أن الذي لا يستتر من بوله يعذب في قبره، وحدثنا ربنا أن ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [سورة النساء: ١٠]. والآيات في ذلك كثيرة.

стр. 233

٢ - عقاب إلهي دنيوي: ومن تتبع آيات الكتاب علم يقينا أن التمرد على دين الله يجلب غضب الله وعذابه في الدنيا قبل الآخرة، وقد عرض القرآن لنا مصارع الأُمم المكذبة الغابرة ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٤]. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)﴾ [سورة الأنفال: ٥٢]. ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾ [سورة المؤمنون: ٤٤] وقد أخبرنا رسولنا ﷺ أن الله رفع عن هذه الأمة عذاب الاستئصال الكلي العام الذي يأخذ الأمَّة كلها، ولكنه لم يرفع العذاب الدنيوي الجزئي، فكما هو مشاهد أنه في كل عصر وجيل يصاب بعض المسلمين بالزلازل والصواعق والأوبة، بسبب ذنوبهم ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ﴾ [سورة الشورى: ٣٠]. ٣ - عقاب أمر الله أولي الأمر في الدولة الإسلامية بإيقاعه على المجرمين: وهذا النوع هو الذي قَصَر فقهاء الإسلام نظرهم عليه، وبحثوه في مؤلفاتهم، وسموه العقوبات أو الجنايات وقد تبين للفقهاء أن العقوبات التي شرعها الإسلام في هذا الباب نوعان: عقوبات مقدرة. وعقوبات غير مقدرة. والعقوبات المقدرة قسمان:

стр. 234

قسم لا يجوز إسقاط العقوبة فيه يحال إذا رفعت إلى الحاكم، لا من قبل الحاكم، ولا من قبل المجني عليه، وهذه هي جرائم الحدود، وهي جرائم الزنا، والقذف، والسرقة والحرابة، وشرب الخمر، والردة. وقسم يجوز إسقاط عقوبته المحددة، وهذه هي جرائم القصاص، والأمر متروك للمجني عليه أو ولي أمره - في إقامة الحد أو العفو، فإذا أصر من له حق القصاص على إقامة الحد، فليس للحاكم إلا تحقيق مراده. أما العقوبات غير المقدرة، فهي العقوبات التي فوض الشارع أمرها إلى القاضي أو الحاكم، حيث يقضي كل قاض فيها بما يراه مناسبًا، ذلك أن جرائم هذا النوع تختلف من شخص إلى آخر، ومن زمان إلى زمان. وسنعقد لبيان كل واحد من العقوبات الثلاث فصلًا.

стр. 235

الفَصْل الأول جَرائم الحُدود وهذه الجرائم كما قلنا من قبل لا يجوز إسقاط عقوبتها إذا رفعت إلى القاضي، وقد جعل الله إقامة العقوبات على مرتكبيها حقًّا لله وحده، فلا يجوز لأحد أن يعفو ويصفح، وما ذلك إلا لأنها جرائم خطيرة، إذا ترك أمرها للبشر فتساهلوا في إقامتها حصل من جراء ذلك فساد كبير، وقد حذر الرسول ﷺ المسلمين من التهاون في إقامتها، وعدّ ذلك واحدًا من الأسباب التي أدت إلى ضلال الأمم السابقة، وهلاكها، وقد روت لنا أم المؤمنين عائشة ﵂ أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت، قالوا: من يكلم رسول الله ﷺ ، ومن يجترئ عليه إلا أسامة، حب رسول الله ﷺ ؟ فكلم رسول الله ﷺ فقال: "أتشفع في حد من حدود الله"! ! ثم قام، فخطب، فقال: "يا أيها الناس، إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها" متفق عليه (١). وسنتناول حكم هذه الجرائم بشيء من الإيجاز.

стр. 236

المَبْحَث الأول حَدُّ الزِّنَا الغريزة الجنسية من أقوى الغرائز عند الإنسان، وقد شرع الحكم العليم الزواج طريقًا لتصريف هذه الغريزة، وجعل الزواج نواة الأسرة التي يقوم عليها المجتمع. ويري الإسلام أن الزنا جريمة تهدم الأخلاق، وتحطم الأسر، وتفسد المجتمعات، ولذلك نهى عنه، وعن كل ما يؤدي إليه ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [سورة الإسراء: ٣٢]. أمر الإسلام بإغلاق كلّ المنافذ التي تؤدي إليه، وتشجع عليه، فحرم التبرج، وأمر بالحجاب، وأمر بالاستئذان عند دخول البيوت، وحرّم الرقص والاختلاط ... الخ. وعقوبة الزاني في الشريعة الإسلامية نوعان: الأول: الزاني الذي لم يسبق له أن تزوج زواجًا صحيحًا، فهذا يجلد مائة جلدة، وقد جاء هذا الحكم في كتاب الله ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِالَّةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [سورة النور: ٢]. الثاني: الزاني المحصن، وهو الذي سبق له أن تزوج زواجًا شرعيًّا، فحكمه الرجم حتى الموت، وحكم الرجم ثابت في السنة النبوية، فقد بين الرسول ﷺ هذا الحكم بقوله "والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد (١) وأمر ﷺ برجم من اعترف على نفسه بالزنا، فقد

стр. 237

رجم ماعزًا والغامدية ورجلًا يهوديًّا، والرجم للزاني أحد الأحكام المقررة في التوراة، وقد كانت يهود تكتم ذلك، وفي ذلك أخبار صحيحة ثابتة عندنا في الصحاح والسنن (١). ولكن الزنا لا يثبت عندنا إلا إذا شهد أربعة شهود أنهم رأوا مواقعة الزنا عيانًا، وهذا أمر نادر الوقوع، خاصة في مجتمع يعلن الحرب على هذه الفاحشة النكراء، أو اعترف الزاني باقترافه لهذه الجريمة. وعقوبة اللواط لا تقل عن عقوبة الزنا، فهو جريمة نكراء، تمجها الفطر الإنسانية، وترفضها الأديان الشرعية، وقد عاجل الله تلك الأمة التي انتشرت فيهم بالدمار. المَبْحَث الثاني حَدُّ القَذْف وهو اتهام النساء المسلمات المحصنات بالفاحشة، وعقوبة الذين يرمون المسلمات بهذه التهمة الشنيعة بغير بينة ثمانون جلدة ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [سورة النور: ٤، ٥]. وقد أضافت الآية إلى الجلد إسقاط عدالة الرامي وعدم قبول شهادته، ما لم يتب ويرجع عن اتهامه. وهذه العقوبة الظاهرة العاجلة وراءَها عقوبة أشدُّ وأنكى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ

стр. 238

الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [سورة النور: ٢٣ - ٢٥]. فإذا كان القاذف هو الزوج فالحكم هنا اللعان، وذلك بأن يشهد أربع شهادات على صدقة فيما رماها به، والشهادة الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وتشهد هي أربع شهادات على كذبه والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [سورة النور: ٦ - ٩]. وفِي هذا الحكم على الذين يقولون بألسنتهم ما ليس لهم به علم، ويحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم - قطع لقالة السوء التي تؤذي الأحياء، وتهدم المجتمعات، وتسري بين الناس سريان النار في الهشيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النور: ١٩]. المَبحث الثالث حَدُّ شرب الخمْر كل ما يغتال العقل ويذهبه فهو خمرٌ، وفي الحديث "كل مسكر حرام" رواه

стр. 239

البخاري ومسلم، فيدخل في الخمر صلى شراب أسكر سواء صنع من التمر أو العنب أو القمح أو غير ذلك، ويدخل فيه الحشيش والأفيون: الحبوب التي تؤدي إلى الهلوسة. وقليل ما أسكر كثيره حرام، وقد صحت الأحاديث بذلك. وقد كانت الخمر شائعة عند أهل الجاهلية، يشربونها ويفخرون بشربها، وتقديما للضيوف قال حسان بن ثابت: ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدًا لا ينهنهنا اللقاء ولكن بعض عقلائهم كان يعرف مضرتها وما تسببه من آفات كما قال الشاعر: شربت الخمر حتى ضل عقلي ... كذاك الخمر تفعل بالعقول فلما جاء الإسلام تدرج بهم، حتى حرمها تحريمًا كليًّا في نهاية المطاف، وآخر ما نزل في شأن الخمر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَينَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [سورة المائدة: ٩٠، ٩١]. وكما حرم الإسلام شربها حرم تصنيعها والاتجار بها ونقلها وكل ما يتعلق بها. وقد ظهر للناس اليوم شيء كثير من آفات الخمر، وصدقت أبحاث الخبراء أقوال المجربين من قبل الذين قالوا: الخمر أم الخبائث، ذلك أن من ضربها وفقد عقله لا يبعد عليه أن يقع في آية جريمة من الجرائم، فقد يضرب ولده ويقتله ويواقع أُمَّه، ويفعل ما يندى له الجبين، ولو أُخِذ للسكير فلم تلفزيوني حال سكره لذاب حياء من نفسه إذا كانت فيه بقية حياء عند عرض الفلم على من أخذ له.

стр. 240

وقد كان الرسول ﷺ يأمر أصحابه بجلد شارب الخمر نحو أربعين جلدة، ففي حديث أنس "أن النبي ﷺ أتى برجل قد ضرب الخمر، فجلد بجريدتين، نحو أربعين، قال أنس، وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الصحابة، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر" رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه (١). وأكثر الفقهاء على أن حدَّ شارب الخمر ثمانون جلدة، وفيهم من يقول بل أربعون، منهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. المبحث الرابع حَدُّ السرقَة السارق هو الذي يجيء مستترًا إلى حرز فيأخذ منه ما ليس له، والسارق يعتدي على أموال الناس المعصومة التي حصلوها بالتعب والجهد، وأموال الناس غالية عليهم كأرواحهم. وعقوبة كل من سرق قطع يده اليمنى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا﴾ [سورة المائدة: ٣٨]. ولا تقطع اليد في السرقة إلا بشروط: الأول: أن يكون المال مسروقًا من حرز، والحرز هو المكان الذي يحفظ فيه المال، وحرز كل مال بحسبه، فحرز الذهب والفضة خزائن المال، وحرز البهائم الحظائر، وحرز الأثاث البيوت.

стр. 241

الثاني: أن يكون ثمن المسروق ربع دينار ذهبًا فصاعدًا، والدينار يساوي ٤.٢٥ جرام بوزن زماننا، وفي الحديث عن عائشة قالت: "كان النبي ﷺ يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا" رواه الجماعة إلا ابن ماجة (١). الثالث: أن تثبت السرقة باعتراف أو شهادة الشهود. الرابع: أن لا يكون للآخذ شبهة في المال، فلا تقطع يد والدٍ أخذ من مال ولده، أو زوجة من مال زوجها. الخامس: أن يكون المسروق مما يتمول ويملك ويحل بيعه، فلا قطع فيمن سرق خنزيرًا أو خمرًا. المَبْحث الخامس حَدُّ الحرابَة المحاربون قطاع الطرق هم طائفة خرجوا مسلحين في دار الإسلام، لإحداث الفوضى، وسفك الدماء، وسلب الأموال، وهتك الأعراض، وإهلاك الحرث والنسل، متحدِّين بذلك الدين والأخلاق والنظام والقانون. ولا فرق بين أن تكون هذه الطائفة من المسلمين، أو الذميين، أو المعاهدين، أو المحاربين ما دام ذلك في دار الإسلام، وما دام عدوانها على محقون الدم. وكما تتحقق الحرابة بخروج جماعة من الجماعات فإنها تتحقق كذلك بخروج فرد من الأفراد. ويدخل في مفهوم الحرابة العصابات المسلحة المختلفة كعصابات القتل، وعصابات خطف الأطفال، وعصابات اللصوص للسطو على البيوت،

стр. 242

والبنوك، وعصابات خطف البنات والعذارى والفجور بهنَّ، وعصابات إتلاف الزروع وقتل المواشي والدواب. وكلمة الحرابة مأخوذة من الحرب، لأن هذه الطائفة الخارجة على نظام الجماعة تعتبر محاربة للجماعة من جانب، ومحاربة للتعاليم الإسلامية التي جاءَت لتحقيق أمن الجماعة وسلامها بالحفاظ على حقوقها من جانب آخر، وكما يسمى هذا الخروج على الجماعة وعلى دينها حرابة، فإنه يسمى قطع طريق، لأن الناس ينقطعون بخروج هذه الجماعة عن الطريق، فلا يمرون فيه، خشية أن تسفك دماؤهم، أو تسلب أموالهم، أو تهتك أعراضهم، أو يتعرضون لما لا قدرة لهم على مواجهته، ويسميها بعض الفقهاء بـ "السرقة الكبرى" (١). وقد وضَّح القرآن عقوبة هؤلاء المجرمين بقوله ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المائدة: ٣٣ - ٣٤]. "وقد قدم قوم من عكل وعرينة (٢) على رسول الله ﷺ ، وتكلموا بالإسلام، فاستوخموا المدينة، فأمر لهم النبي ﷺ بذود، وراع، وأمرهم أن يخرجوا فليشربوا من أبوالها وألبانها حتى إذا كانوا بناحية الحرَّة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعى النبي ﷺ ، واستاقوا الذود، فبلغ ذلك النبي ﷺ فبعث في آثارهم، فأمر بهم، فسملوا أعينهم، وقطعوا أيديهم، وتركوا في ناحية الحرّة، حتى ماتوا على حالهم" رواه الجماعة (٣).

стр. 243

المَبْحَث السَادس حَدُّ الرِدَّة المرتد هو الذي كفر بعد إسلامه، يكون ذلك بإعلانه الردة أو بعلامة واضحة بينة تدل على ذلك، ومما يدل على هذا إنكار ما علم من الدين بالضرورة، أو استباحة محرم، أو تحريم ما أجمع المسلمون على حله، أو سب الخالق أو الرسول أو الدين، أو الاستهزاء بشيء من ذلك، أو ادعاء النبوة، أو إلقاء المصحف في القاذورات ونحو ذلك. والردة جريمة كبرى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢١٧]. وعقوبة المرتد القتل ففي حديث ابن عباس أن الرسول ﷺ قال: "من بدل دينه فاقتلوه" رواه الجماعة (١)، وقد اتفقت كلمة الصحابة على قتال المرتدين الذين خرجوا عن الإسلام بعد وفاة الرسول ﷺ .

стр. 244

الفَصْل الثاني جَرائم القصَاص يريد الفقهاء بالقصاص الجناية التي تقع على النفس أو ما دونها من جرح أو قطع عضو، ولا يجوز العدوان على نفوس العباد بالإزهاق أو ما دونه إلا بإذن شرعي، من أجل ذلك حرَّم الله قتل الأولاد والوأد، وحرم القتل عمومًا، ورهب من القتل ترهيبًا شديدًا ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [سورة الإسراء: ٣١]. ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [سورة التكوير: ٨، ٩]. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ﴾ [سورة الإسراء: ٣٣]. ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [سورة النساء: ٩٣]. وفي حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" رواه البخاري ومسلم. فإذا اعتدى شخص على نفس معصومة بالقتل متعمدا فإن جزاءَه أن يقتل، وإن اعتدى عليه بإفساد عضو من أعضائه أو يجرحه فإنه يفعل به كما فعل بالمجني عليه، والقصاص من التشريع الذي كتبه الله على بني إسرائيل وأقرته شريعتنا

стр. 245

﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَينَ بِالْعَينِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [سورة المائدة: ٤٥]. وتنفيذ القصاص متروك للمجني عليه إن كان حيًّا، أو لوليه إن كان ميتا ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [سورة الإسراء: ٣٣]. فإذا عفى المجني عليه أو ولي أمره فإن القصاص يسقط، وله أن يعفو مطلقا، أو يأخذ الدية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [سورة البقرة: ١٧٨]. أمَّا إذا كان القتل خطأ فلا سبيل إلى قتل القاتل، والواجب عليه الدِّية، وكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَينَكُمْ وَبَينَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [سورة النساء: ٩٢].

стр. 246

الفَصْل الثالث جَرائم التَّعْزير التعزيرات تكون في "المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة" (١) كما يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى، وقد مثل لهذه المعاصي "بالذي يقبل الصبي، والمرأة الأجنبية، أو يباشر بلا جماع، أو يأكل ما لا يحلُّ له كالدم والميتة، أو يقذف الناس بغير الزنا، أو يسرق من غير حرز، أو شيئًا يسيرًا، أو يخون أمانته كولاة أموال بيت المال، أو الوقوف، ومال اليتيم ونحو ذلك، إذا خانوا فيها، وكالوكلاء والشركاء إذا خانوا، أو يغش في معاملته كالذين يغشون في الأطعمة والثياب ونحو ذلك، أو يطفف المكيال والميزان، أو يشهد بالزور، أو يلقن شهادة الزور، أو يرتشي في حكمه، أو يحكم بغير ما أنزل الله، أو يعتدي على رعيته، أو يتعزى بعزاء الحاهلية، أو يلبي داعي الجاهلية" (٢). فهؤلاء وأمثالهم كما يقول ابن تيمية: "يعاقبون تعزيرًا وتنكيلًا وتأديبًا، بقدر ما يراه الوالي على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته، فإذا كان كثيرًا زاد في العقوبة، بخلاف ما إذا كان قليلًا، وعلى حسب حال كبر الذنب وصغره، فيعاقب من يتعرض لنساء الناس وأولادهم ما لا يعاقبه من لم يتعرض إلا لمرأة واحدة، أو صبي واحد" (٣).

стр. 247

"وليس لأقل التعزير حد" كما يقول العلامة الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى "بل هو بكل ما فيه إيلام الإنسان من قول أو فعل، وترك قول، وترك فعل، فقد يعزر الرجل بوعظه وتوبيخه والإغلاظ له، وقد يعزر بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب إذا كان ذلك هو المصلحة كما هجر النبي وأصحابه الثلاثة الذين خلفوا، وقد يعزر بعزله عن ولايته، كما كان النبي ﷺ وأصحابه يعزرون بذلك، وقد يعزر بترك استعماله في جند المسلمين، كالجندي المقاتل إذا فرَّ من الزحف، فإن الفرار من الزحف من الكبائر، وقطع خبزه نوع تعزير له، وكذلك الأمير إذا فعل ما يستعظم، فعزله من الإمارة تعزير له، وقد يعزر بالحبس، وقد يعزر بالضرب، وقد يعزر بتشويه وجهه (١) وإركابه على دابة مقلوبا" (٢).

стр. 248

الفَصْل الرابع شبهات حَول تشريع العقوبات الإسلامي تعرض تشريع العقوبات الإسلامي لهجوم شديد من الذين عميت بصائرهم، أو من الذين يريدون السوء بالإسلام والمسلمين. إن تطبيق العقوبة وفق المنهج في الإسلام يحفظ على المسلمين دينهم وأنفسهم وأموالهم وعقولهم وديارهم، وبذلك يحافظ على مقومات المجتمع الإسلامي، كما تحافظ على ثمار الجهود التي تبذل لتحضر المجتمع ورقيه، والذين يريدون لهذا المجتمع السقوط هم الذين يهاجمون تشريع العقوبات. وقد قالوا في هجومهم على تشريع العقوبات إنها تشريعات قاسية، لا تناسب روح العصر، والمفروض في المشرع أن يعالج نفسية المجرم، أمَّا تشريع العقوبات في الإسلام فإنها تحطم نفسية المجرم عندما تجلده أو تقطع يده. وفي الرد عليهم نقول: ١ - إن الذي فرض هذه العقوبات هو رب العباد، وهو أرحم بعباده من العباد بأنفسهم، ولو لم يكن هؤلاء مستحقون لهذه العقوبات لما فرضها العليم الخبير. ٢ - أثبتت هذه العقوبات عبر التاريخ الإسلامي جدواها في الحد من الجريمة، وعندما تخلصت البشرية من هذه العقوبات زاد انتشار الجريمة، وسنلقي نظرة على مدى انتشار الجريمة في الغرب بسبب خفة العقوبة.

стр. 249

٣ - إن البديل الذي وضعته القوانين الوضعية للعقوبات البدنية هو السجن، وعقوبة السجن تحتاج إلى تقويم، فقد أصبحت السجون مدارس وجامعات لا لإصلاح المجرمين بل إلى تخريج كبار المجرمين، فالمنحرف يدخل السجن فيختلط بكبار المجرمين، ثم يتخرج على أيديهم، ويصبح مجرمًا كبيرًا. أضف إلى هذا أن العقوبة الشرعية لا تكلف الأمة إلا القليل من الوقت، أمَّا السجون فلها تكاليف باهظة في بنائها وتجهيزها، ثم في حراستها وحمايتها، ثم في تقديم الخدمة لمن نزل فيها، ومهما قامت الدول ببناء السجون فإنها تضيق بنزلائها، حتى الدول الكبرى أرهقها بناء السجون. ٤ - إن الذين يريدون إلغاء العقوبات الشرعية بحجة الرحمة بالمجرمين، نظروا إلى الموضوع بعين واحدة، أو نظروا إليه من زاوية واحدة، نظروا إلى المجرم فقط، ولكنهم أهملوا المجتمع الذي عاث فيه المجرمون فسادًا، هؤلاء لم يكترثوا بالدماء التي تسفك، والأعراض التي تنتهك، والأموال التي تنهب، والعقول التي تدمر، ولم يهتموا بالآثار الخطيرة التي تسببها الجريمة للصغار والكبار والرجال والنساء والأسر والمجتمعات، فكم من إنسان فقد النطق بل الحياة عندما فوجئ بمجرم يشهر عليه السلاح في منتصف الليل! وكم من مجتمع فقد الأمن بسبب كثرة الجريمة! ! ٥ - من الذي يقول إن العقوبة البدنية لا تعالج نفس المجرم، إن العقوبة فيها صلاح للمجتمع كله بما فيه المجرم وفي ذلك يقول رب العزة ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [سورة البقرة: ١٧٩]. في القصاص حياة لمن أراد القتل، فبخوفه من القصاص يحفظ نفسه، وبالقصاص يعصم من أراد قتله أيضًا، ومن هذا المنطلق أمر الشارع بأن يشهد

стр. 250

العقوبة طائفة من المؤمنين ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِالَّةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [سورة النور: ٢]. مدى انتشار الجرائم في هذا العصر وقف المسلمون في الفترة السابقة وقفة المدافع عن دينه ضد الهجمة الشرسة التي يقودها دعاة الاستعمار والتبشير في ديارنا على إسلامنا وديننا، خاصة العقوبات الشرعية، وقد زعموا أنها تشريعات قاسية لا تناسب هذا العصر المتحضر، ولكننا اليوم نقف وقفة الهجوم لا الدفاع، فزوال الخوف من الله من قلوب الناس في المجتمعات الغربية التي يقولون إنها متقدمة، وخفة العقوبة على الجرائم نشر الجريمة في عالم الغرب نشرًا أذهل الزعماء وقادة الفكر هناك، وأصبحت تلك المجتمعات مرتعًا للجرام، وخشى كثير من رجال الفكر في تلك الديار من انهيار الحضارة الغربية، بيد أبنائها، وزاد الطين بلة أن الجرائم التي أباحتها القوانين الغربية كالزنا وشرب الخمر واللواط والإجهاض ... أخذت تعمل عملها في تدمير كيان الفرد وكيان الجماعة، وتحول الأفراد في تلك المجتمعات إلى مخبولين وأنصاف مجانين. نحن لا ندعي هذه الدعوى، بل زعماء الغرب وعلماؤه هم الذين يقولون ذلك، لقد صرح كندي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في عام (١٩٦٢) أن مستقبل أمريكيا في خطر، لأن شبابها مائع منحل غارق في الشهوات، لا يقدر المسؤولية الملقاة على عاتقه، وأنه بين كل سبعة شبان يتقدمون للتجنيد، يوجد ستة غير صالحين، لأن الشهوات التي غرقوا فيها أفسدت لياقتهم الجسمية والنفسية.
следующие страницы →