Полный текст (7 187 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ومَن تَيَمَّمَ على لبَدٍ أعاد أبدًا، وإن كان مُضْطَرًّا.
قال أَصْبَغُ: ومَنْ تَيَمَّمَ بصعيد نجس عالمًا أعاد أبدًا.
قال ابن حبيب: وإن لم يَعْلَمْ لم يُعِدْ إلاَّ في الْوَقْتِ.
قال أبو الفرج، في قول مالك، في مَنْ تَيَمَّمَ على موضعٍ نَجِسٍ أنه يُعِيدُ في الْوَقْتِ. فأراه يريد إذا خالطتها نجاسة، ثم لم يطهُرْ طُهُورًا يُحْكَمُ لها به، فيصير كماء مشكوك فيه، أو مُصَلٍّ بثوب نَجِس، أو على موضع نَجِسٍ، فإن لم يُرِدْ هذا فلعلَّه فرَّق بين الأرض والماء، أن الماء ينقل المُحْدِثَ إلى كمال الطهارة، والتَّيَمُّم إنما ينْقِلُ به عن حُكْمِ الحَدَث إلى وجود الماء. والذي ذكر أبو الفرج عن مالك إنما هو عندنا لابن القاسم.
ومن الْعُتْبِيَّة رَوَى موسى بن معاوية، عن ابن القاسم، قال: ولا بأس أن يتَيَمَّم بتراب قد تَيَمَّمَ به مَرَّةً.
وقال ابن سَحْنُون، عن أبيه: ومَنْ تَيَمَّمَ على حجر أو ثلج واجدَا للتراب، أجزأه في الحجر، ووقف في الثلج.
ومن المجموعة، قال ابن القاسم عن مالك: لا بأس بالصلاة في السباخ، والتَّيَمُّم بترابها. قال عنه ابن نافع: وبالوضوء بمائها.
ومن الْعُتْبِيَّة رَوَى أبو زيد، عن ابن القاسم، في مريض لم يَجِدْ مَنْ يُناوِلُه ماءً ولا تُرَابًا، فلْيُصَلِّ كذلك، ويُعِيد أبدًا.
стр. 107
وقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قال أَصْبَغُ: لا يُصَلِّي إلاَّ بوضوء أو تَيَمُّمٍ.
قال ابْنُ الْمَوَّاز، عَنْ أَصْبَغَ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، في الهارب من العَدُوِّ، أو مَنْ ربطه اللصوص: إنْ صَلَّى بغير وضوء أعاد أبدًا. قال أَصْبَغُ: إلاَّ أَنْ يتَيَمَّمَ. وكذلك مريض لم يجدْ مَنْ يُناوِله ماءً ولا تُرَابًا، ولا عنده جِدارٌ، فإن صَلَّى كذلك أعاد أبدًا، ولا يتَيَمَّم على الفراش.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، في الخائف لا يجدُ أنْ يَنْزِلَ عن دَابَّتِهِ لوضوءٍ أو تَيَمُّمٍ. قال مُطَرِّف، وابن المَاجِشُون، وابن عبد الحكم: يُصَلِّي كذلك، ويُعِيد أبدًا، وكذلك الأسير والمريض لا يجدُ ماءً.
في مَنْ له التَّيَمُّم لعدم الماء أو
المريض أو غيره، ومتى يتَيَمَّم
قال مالك في الموطأ: ومَنْ تَيَمَّمَ لعدم الماء مِنْ مُسَافِرٍ، وصَلَّى فليس مَنْ صَلَّى بالوضوء أتمَّ منه صلاة؛ لأن كليْهما قد فعل ما أُمِرَ به.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وغيره: وإنما ذَكَرَ الله التَّيَمُّم لصحيح مسافر أو مريض حاضر.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، عن مالك: إن المريض الحاضر والمسافر دخلا في آية التَّيَمُّم.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ عبد الحكم، في حَاضِرٍ لم يجدِ الماءَ، فتَيَمَّمَ وصَلَّى، ثم وَجَدَ الماء بعد الوقت، فعليه أَنْ يُعِيدَ؛ لأن الله ﵎ إنما
стр. 108
ذَكَرَ التَّيَمُّم في المريض والمسافر.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: واختلف قولُ مالك في الحاضر الصحيح، يخافُ فواتَ الوقت، ولم يجد الماء، فقال: يتَيَمَّمُ ويُصَلِّي ولا يُعِيدُ. ثم رجع في البئر الطويلة يخاف أن استقى خروج الوقت، أنه يتَيَمَّمُ، ثم إذا وجَدَ الماءَ أعادَ، وإن خرجَ الوقت. وبهذا أقولُ. وجعله ابن القاسم كالمسافر، وليس بمنزلته، وكذلك المُسَجَّنِين يُحْبَسُ عنهم الماءُ إلى آخرِ الوقت، فليُصَلُّوا بِالتَّيَمُّمِ، ثم يُعِيدُوا إذا وجدوا الماء.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ومَنْ سار مسيرًا لا تُقْصَرُ في مثله الصلاةُ، فهو كَالْحَاضِرِ، يُؤْمَرُ بِالتَّيَمُّمِ، ثم يُعِيدُ كَالْحَاضِرِ.
ومن الْعُتْبِيَّة رَوَى عيسى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، في الحَضَرِيِّ يخافُ طلوع الشمس إن استقى الماءَ، فلْيتَيَمَّمْ. وقال: لا يتَيَمَّم. وقال في موضع آخر: قال مالك: يتَيَمَّمُ ويُعِيدُ بِالْوُضُوءِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّاز: قال مالك في الحضريِّ في مَنْزِلِهِ إنْ ذَهَبَ ليأْتِيَ بِالْمَاءِ طلعت الشمس، قال: يتَيَمَّمُ. وله قولٌ آخرُ في الإعادة. وقال أيضًا: يطلبه وإن طلعتْ، إلاَّ أن يكون له عُذْرٌ. وقال: لو صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ ثم أعاد بِالْمَاءِ. وقال: إن بَعُدَ منه تَيَمَّمَ، وإن قَرُبَ منه فلا يُصَلِّي حتى يأتيه.
ومن المجموعة رَوَى ابن القاسم، عن مالك في المقيم يخرُجُ في بعض نواحي القرية، فتحين الصلاة ولا ماء معه، قال: يطلُبُ الماءَ وإنْ
стр. 109
فات الوقت، إلاَّ أن يكون له عذرٌ، فلو تَيَمَّمَ وصَلَّى ثم أعاد إذا وجد الماء. ثم قال: إن كان الماء بعيدًا تَيَمَّمَ وصَلَّى، وإن كان قريبًا فلا يُصَلِّي حتى يأتي الماء فيَتَوَضَّأ.
وفي المختصر: ولا يُصَلِّي في الحضر على الجِنَازَةِ بِالتَّيَمُّمِ، وهو يَقْدِرُ على الماء.
ومن الْعُتْبِيَّة، من سماع ابن القاسم، في مَنْ خرج من مَنْزِلِهِ إلى مَنْزِلٍ آخر، فغَرَبت الشمسُ، وقد بَقِيَ له مثل ميلٍ أو مِيلَيْنِ، فلا يتَيَمَّمُ حتى يأْتِيَ المنزلَ فيَتَوَضَّأ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قال مُطَرِّف، وابن المَاجِشُون، وابن عبد الحكم، وأصبغ، في المرأة لا تخرجُ وليس في دارها ماءٌ، ولا تجدُ من يأتيها به فلْتُؤَخِّرْ إلى آخر الوقت، ثم تخرجُ فتطلب الماءَ إنْ خافتْ فوات الوقت.
ومن الْعُتْبِيَّة، من سماع ابن القاسم: وعن المسافر يكون الماء متنحِّيًا عن طريقه، فإن كان ممَّن يشُقُّ عليه المُضِيُّ إليه فليتيمَّمْ. قال سَحْنُون: لا يَعْدِلُ إليه في الميلين وإن أَمِنَ. وكذلك مَنْ خرَجَ من قريةٍ إلى قرية لا يُقْصَرُ في مثلها.
قال مالك: وإن خافوا السَّرِقَ في نُزولِهِم في المناهل بليلٍ، فنزلوا دُونَه بثلاثة أميالٍ، وتيمَّمُوا للصبح، فلا يُعجبني، ولْيَبْعَثُوا مَنْ يأتيهم بِالْمَاءِ. وعن مسافر، الماء منه على نصف ميل أو ميل، ويخافُ سباعًا، أو سِلابَةً، أو عليه فيه مشقة، فليتَيَمَّم.
стр. 110
ومن المجموعة، قَالَ ابْنُ نافع، عن مالك، ومثله في المختصر، ونحوه في الْعُتْبِيَّة، من سماع ابن القاسم، في مَنْ معه ماء، ويخاف العَطَشَ، فليتَيَمَّمْ. قيل: أيخاف الموتَ أو الضَّرَرَ؟ قال: كلُّ ذلك.
قال عنه ابن القاسم، في الْعُتْبِيَّة، في مَنْ معه ماءٌ قليلٌ فاسْتقاهُ رَجُلٌ، فإن خاف عليه أَسْقَاهُ، ويتَيَمَّم، وإن لم يبلُغْ منه الخوفُ فلا.
قال في المختصر، وغيره: وليس على مَنْ لا ماءَ معه أن يشتريه بأضعاف ثمنه، إلاَّ أن يجدَه بِثَمَنِه، أو بما يُشْبِهُه. قال في كتاب آخر: إن كان معه دراهم تُعِينُه.
قال عنه ابن نافع، في المجموعة: وليس عليه شراءُ القِرْبَة بِعشرةِ دراهِمَ، وإن كان كثيرَ الدراهِمِ، ولكنْ بالثَّمَنِ المعروفِ. وقال عنه ابنُ القَاسِم نحوه.
ومن الْعُتْبِيَّة، ابن القاسم، عن مالك: ولا بأس أن يَسْأَل المسافرُ أصحابَه الماءَ في موضع كثير الماء، فأمَّا في موضع يتعذَّرُ فيه ففيه سَعَةٌ أنْ لا يسأَلَهم، إن شاء الله.
قال عنه أشهب: وإنما على المسافر أنْ يَطْلُبَ الماءَ مِمَّنْ يَلِيه، أو مِمَّنْ يرجو أن يُعْطِيَه، وليس عليه أن يطلب أربعينَ رَجُلاً.
قَالَ ابْنُ عبد الحكم، وابن القاسم نحوه. قال: إنْ عَلِمَ أنَّهم يمْنَعُونه فلا يسْألُهم.
стр. 111
قال ابن حبيب: قال مُطَرِّف، وابن المَاجِشُون، وابن عبد الحكم، وأصبغُ، في مَنْ تَيَمَّمَ ونَسِيَ الماء في رَحْلِهِ وصَلَّى، فلْيُعِدْ أبدًا نسيَهُ أو خَفِيَ عنه أو لم يعلمْ به. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، عن مالك في المجموعة: لا إعادة عليه. وإن أعاد فحسَنٌ. وذلك في المختصر. وفي المدونة: يُعِيدُ في الْوَقْتِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، عن مَنْ ذكَر مِن أصحاب مالك وأصبغَ، إنْ وجدَه في رُفقةٍ عظيمة لم يكُنْ عليه طَلَبُه إلاَّ مِمَّنْ حوله وما قَرُبَ، فإن لم يَفْعَلْ فقد أساءَ ولا يُعِيدُ، وإن كانت رُفْقَةً قليلة فلم يطلبْه فليُعِدْ في الْوَقْتِ، إلاَّ أنْ يكونَ مَنْ معَه مثلَ الرَّجُل والرجلين، وشِبْهَ ذلك وهم متقاربون، فلْيُعِدْ أبدًا، وهذا كرحْلِه.
ومن الْعُتْبِيَّة، قال أبو زيد، عن ابن القاسم: وإن سأل بعضَ مَنْ معه فلم يجدْ، ثم وجَدَه عندَ بعض رُفَقَائِهِ، فإنْ كان مِمَّنْ لا يمْنَعُهُ أعادَ في الْوَقْتِ، وإن كان مِمَّنْ يمنعُه فلا يُعِيدُ. وقال مالك: إذا تَيَمَّمُوا ثم وَجَدُوا بِئْرًا أو غديرًا قريبةً منْهم أعادوا في الْوَقْتِ.
ومن المجموعة، قال عليٌّ، عن مالك: ومَنْ طلَب الماءَ فلم يَجدْهُ في سَفَرٍ أو مُقَامٍ، فَتَيَمَّمَ وصَلَّى، ثم وَجَدَ الماءَ، لم يكُنْ عليه أَنْ يُعِيدَ، وإن كان في الْوَقْتِ؛ لأنه عَمِلَ ما أُمِرَ به.
وقال عليُّ بن زياد، في جُنُبٍ مُسَافرٍ اغتسل بما معه من الماءِ وصَلَّى، فبقي عليه قدرُ الدرهم، فلا يُجْزِئه، ولْيَتَيَمَّمْ ولْيُعِدِ الصلاة.
стр. 112
قال عيسى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: ومَنْ به حَقْن ولا ماء معه، فلْيُصَلِّ به، إلاَّ أنْ يشْغَلَهُ فَلْيَبُلْ ولْيتَيَمَّمْ.
وإذا مَسَّتْ رِجْلُ المسافر نَجاسةٌ، ولم يجدِ الماءَ، مسحها بالتراب وصَلَّى، وإن وجدَ الماء في الْوَقْتِ غسلها وأعاد.
ومن كتاب ابن سَحْنُون: ومن تَيَمَّمَ ثم وجدَ الماءَ، فَتَوَضَّأَ به فصَلَّى أو لم يُصَلِّ، ثم علم أنه نَجسٌ، فلا يُنْتَقَضُ تَيَمُّمه؛ لأنه ليس بماء يجوز له به الطهارة. وقد تقدَّمَ بابٌ في الماء المشكوك فيه.
ومن المجموعة، قال عليٌّ، عن مالك في مَنْ لا يجدُ الماءَ أيَتَوَضَّأ بالندى أم يتَيَمَّم؟ قال: يتَيَمَّمُ، إلاَّ أن يقدرَ أن يجمَع مِن النَّدَى ما يَتَوَضَّأ به.
قال في المختصر: وإن لم يجدْ إلاَّ نبيذًا أو ماءً ممزوجًا بعَسَلٍ تَيَمَّمَ. ورَوَى موسى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، في الْعُتْبِيَّة مثله في النبيذ، وقال: ولا يَغْسِلُ به نجاسة. قال موسى: قال الحسنُ: لا يَتَوَضَّأ بنبيذ ولا غيره.
ومن المجموعة، قَالَ ابْنُ نافع، عن مالك: ومن لم يجدِ الماءَ؟ قال: فليتَيَمَّم في الْوَقْتِ الوسط، وإن رجا الماء فحتَّى يخاف فوات الوقت. وقَالَ ابْنُ كنانة: إذا لم يجدِ الماءَ فلا يتَيَمَّم حتى يخاف فوات الوقت. وقاله ابن وهب عن مالك، وقال: ولا أُحِبُّ أن يتأخَّرَ جدًّا وإنْ رجا الماءَ.
стр. 113
وقال المغيرة: ومَنْ كان في حصار وهو يرى الماء ولا يَصِلُ إليه، فإنْ دَخل الوقتُ تَيَمَّمَ، ثم لا يُعِيد وإنْ وجدَه في الْوَقْتِ.
قال مالك في المختصر: ويتَيَمَّم الخائف إذا كان يرى الماء ولا يقدر أن يخرج، ويُعِيدُ إنْ أَمِنَ في الْوَقْتِ.
قَالَ ابْنُ عبدوس، في قول ابن القاسم إنَّ المريضَ والخائفَ والمسافر يتَيَمَّمون وسط الوقت، ثم إنْ وجدُوه في الْوَقْتِ لم يُعِدِ المسافر وأعاد الآخران. قَالَ ابْنُ عبدوس: في وَقْتِ الصلاة المفروضة. قال عبد الله: ويعني بالمريض ها هنا الذي يجد الماء ولم يجدْ مَنْ يُناوله إياه، والمسافر هو الذي لا عِلْمَ عنده من الماء من المسافرين، والخائف هو الذي يَعْلَمُ موضع الماء منهم ويخاف أن لا يُدْرِكَه في الْوَقْتِ، ومثله الخائف من سباعٍ أو لصوص.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: والمسافر المؤيس من الماء يتَيَمَّم أول الوقت، والذي يرجوه في الوقت فليؤخِّرْ إلى آخره، عَلِمَ مكانه أو لم يعلم، وآخِرُ الوقت في هذا في الظهر أن يبلغ مثله بعد ظلِّ الزوال، وفي العصر أن يبلغ مثليه، والمغرب قبل غيبوبة الشفق، والعشاء ثلث اليل. وقاله مُطَرِّف، وعبد الملك، وابن عبد الحكم، وأصبغ.
ومَنْ أُمِرَ منهم بِالتَّيَمُّمِ آخِرَ الوقت فَتَيَمَّمَ في أول الوقت وصَلَّى، وإنه إن وجد الماء في الْوَقْتِ فلْيُعِدْ، وإلاَّ لم يُعِدْ، فإن وجدَه في الْوَقْتِ فجهل
стр. 114
ومَنْ علم أنه يُدْرِكُه في الْوَقْتِ، فَتَيَمَّمَ في أوله وصَلَّى، وجهلَ بأنه إنْ وجدَه في الْوَقْتِ أعاد، فإنْ لم يَفْعلْ حتى خرج الوقت فلْيُعِدْ أبدًا.
وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يُعِيدُ إلاَّ في الْوَقْتِ، ولا يُعِيدُ الأولَ. ولا أقول به.
قال مُطَرِّف، عن مالك: ومَنْ لا يقْدِرُ من المرضى على مَسِّ الماء، تَيَمَّمَ في الْوَقْتِ الذي يُصَلِّي فيه الناس، وأما مريضٌ لا يجد مَنْ يُنَاوِله الماء، أو لا يجد من يُوَضِّيه، ويَضْعُف هو عن ذلك، فلْيَتَيَمَّمْ آخرَ الوقت، ثم إنْ قَدِرَ على الماء في بقية الوقت أعاد، والخائف كذلك.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قال مالك: وإذا خاف المسافر الجُنُبُ إنِ اغْتَسَلَ الموتَ أو العِلَّةَ الشديدة، فلْيَتَيَمَّمْ، ويُصَلِّي، ولا يُعِيدُ في وقت ولا غيره.
قال مُطَرِّف، وابن المَاجِشُون، وأصبغ، في المريض: إنه يَتَوَضَّأ، فإنْ خِيفَ عليه ضرره تَيَمَّمَ إن قدر، أو يُمِّمَ إنْ لم يَقْدِرْ.
قالوا: وإن أخذه العَرَقُ، ويقدر أن يَتَوَضَّأ ويُصَلِّي قائمًا، ولكنْ إنْ فعل قُطِعَ عنه العَرَقُ، وخاف دوام العِلَّة؛ فلْيَتْرُكْ، ويتَيَمَّم، ويُصَلِّي إلى القبلة إيماءً، فإن خرج الوقت قبل زوال العرق لم يُعِدْ.
ومن الْعُتْبِيَّة، قال عبد الملك بن الحسن، قَالَ ابْنُ وهب: إذا لم يَقْدِر المبطون على الوضوء تَيَمَّمَ، وكذلك المائد في البحر.
قال عيسى: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وإذا لم تَقْدِرِ النفساء على الغُسْلِ تَيَمَّمَتْ، ولا بأس أنْ يُرْفَع إليها الماء في طبق.
стр. 115
في مَنْ تَيَمَّمَ لصلاة فصَلَّى به
غيره، من نافلة أو فريضة،
وكيف إن كان تيممه لنافلة،
وفي التَّيَمُّم لنافلة أو لِمَسِّ مصحف
قال مالك، وأصحابه: لا يتَيَمَّمُ لصلاة قبل وقتها، ولا يُصَلِّي صلاتن بتيمم واحد.
ومن الْعُتْبِيَّة، قال يحيى بن يحيى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، في مَنْ صَلَّى الظهر والعصر بتَيَمُّمٍ واحد، أو صَلَّى به صلوات جَهْلاً أو نِسْيانًا، فَلْيُعِدْ ما زاد على وَاحِدَة في الْوَقْتِ، ولو أعاد أبدًا كان أَحَبُّ إِلَيَّ.
قال عنه ابن الْمَوَّاز: يُعِيدُ أبدًا. وقال هو وابن حبيب، عَنْ أَصْبَغَ: إن كان وقت الصلاتين مُشْتَرَكًا كالظهر والعصر، أعاد الثانية في الْوَقْتِ، وإنْ كانتا كالعصر والمغرب أعاد الثانية أبدًا. وقال هذا معنى قول ابن القاسم.
وقال سَحْنُون، في كتاب ابنه: يُعِيدُ الثانية ما لمْ يَطُلْ مثل اليوْمَيْنِ وأكثر قليلاً فلا يُعِيدُ، وكذلك إن صَلَّى قبلها ركعتي الفجر بعد أن كان قال في هذه: يُعِيدُ في الْوَقْتِ. وفي الفريضة: أبدًا.
قَالَ ابْنُ نافع، في المجموعة، عن مالك، في الذي يَجْمَعُ بين الصلاتين: فلْيَتَيَمَّمْ لكل صلاة. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ومن تَيَمَّمَ لصلاة، ثم ذَكَرَ صلاةً قَبْلَها، فَلْيُعِدِ التَّيَمُّمَ لها، ويبدأُ بها، وإن صَلاَّها بِالتَّيَمُّمِ الأول أعاد أبدًا.
стр. 116
وذكر أبو الفرج، عن مالك في ذاكر صلوات، أن له قضاءهنَّ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ. وأُخْبِرْتُ عن بعض متأخِّرِي أصحابنا في المريض لا يَقْدِرُ على مَسِّ الماء، أنَّ له أنْ يَجْمَعَ بينَ صلاتين بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ.
قال أبو زيد، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ في الْعُتْبِيَّة، في جُنُبٍ لا يَقْدِرُ أن يَمَسَّ جِلْدُهُ الماءَ، فلْيَتَيَمَّمْ لكل صلاة، وإن صَلَّى صلاتين بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ أعاد. يريد: الثانية.
ومن كتاب ابن سَحْنُون: وقَالَ ابْنُ القاسم في مَنْ تَيَمَّمَ لركعتي الفحر، وصَلَّى به الصبح، أو تَيَمَّمَ لنافلة، فَصَلَّى به الظهر: إنه يُعِيدُ في الْوَقْتِ.
ورَوَى أبو إسحاق البرقي، عن أشهب، أنه يُجْزِئُهُ في صلاته الصبح بِتَيَمُّم ركعتي الفجر، ولا يُجْزِئه إذا تَيَمَّمَ لنافلة، فَصَلَّى به الظهر.
ومن الواضحة: ومَنْ تَيَمَّمَ لنافلة فَصَلَّى به فريضة أعاد أبدًا. ولو تَيَمَّمَ للفريضة فَتَنَفَّلَ قبلها، ثم صلاها، أعاد في الْوَقْتِ. ومَنْ تَيَمَّمَ للنوم، أو لِمَسِّ مصحف، فَصَلَّى به أعاد أبدًا. وله أن يُوتِرَ بِتَيَمُّم العشاء، ويُصَلِّيَها من التَّنَفُّل بما يشاء.
وقال سَحْنُون مثله، في المجموعة، وقال في كتاب ابنه: لا يُوتِرُ بِتَيَمُّم العشاء، فإنْ فعل فلا شيء عليه.
ومن المجموعة، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، في مَنْ تَيَمَّمَ للنوم، ولا ينوي به تَيَمُّمَ الصلاة، فلا يَتَنَفَّلُ به، ولا يَمَسُّ به المصحف.
стр. 117
قال ابن حبيب، قال مالك: وإنْ تَيَمَّمَ مسافر للنومِ، أو لِمَسِّ مصحف، فله التَّنَفُّل به، وله مَسُّ المصحف بِتَيَمُّم النوم.
قال حبيب بن الربيع، قال مالك وأصحابه: لا بأس أن يتَيَمَّم لتَّنَفُّل، أو لقراءة مصحف. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: لا يتَيَمَّم لنافلة؛ لأنه ليسَ بضرُورَة، وإنما يتَيَمَّمُ للفريضة التي لا بُدَّ منها.
قال مالك، في المختصر: وللمُتَيَمِّمِ أن يَتَنَفَّل به، ما لم يَطُلْ ذلك.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، في المجموعة: ومَنْ تَيَمَّمَ للوِتْرِ بعدَ الفجر فله أن يركع به الفجر، وإن تَيَمَّمَ لنافلة فله أن يُوتِرَ بذلك.
ومن الْعُتْبِيَّة، قال موسى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: ومَنْ تَيَمَّمَ للتَّنَفُّلِ في غير وقت فريضة، ثم تأخَّر تَنَفُّلُهُ، فلا يَتَنَفَّل بذلك. قال عنه أبو زيد: فلا يركع للضحى بِتَيَمُّم الصبح. قال في كتاب ابن الْمَوَّاز: وإن لم يزلْ في المسجد. وقال أبو زيد عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ في الْعُتْبِيَّة: ومَنْ تَيَمَّمَ لنافلة، ثم خرجَ من المسجد لحاجة، ثم عاد فلا يَتَنَفَّل به، ولا يَمَسُّ المصحف. ولو تَنَفَّلَ حين تَيَمَّمَ، ثم جلسَ في المسجد يتحدَّثُ، ثم شاء أن يَتَنَفَّلَ، فإن طال ذلك فلا يَفْعَلْ.
ومن المجموعة قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، عن مالك: وللمسافر الجُنُبِ لا يجدُ ماءً أنْ يتَيَمَّمَ لِمَسِّ المصحف، ويقرأَ فيه، ويسْجُدَ إنْ مَرَّ بسجْدَةٍ.
ومن الْعُتْبِيَّة، قال سَحْنُون، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: ومَنْ تَيَمَّمَ، ثم نزعَ
стр. 118
خُفَّيْهِ لم ينتقضْ تَيَمُّمُهُ.
في الماء بين نفر لا يكفي إلاَّ
أحدهم
من الْعُتْبِيَّة، قال سَحْنُون في قوم تَيَمَّمُوا، ثم وَجَدُوا من الماء كفاية أحدهم، فَبَدَرَ إليه رَجُلٌ منهم، فتَوَضَّأَ منه، فلا ينتقض تَيَمُّمُ الباقين إذا لم يَمْلِكُون، وهو كالصيد، ولو أَعْطَوْهُ لأحدهم باختيارٍ منهم، انتقضَ تَيَمُّمُهم أجمعين. وقال سَحْنُون، في المجموعة: لا ينتقضُ إلاَّ تَيَمُّمُ المُسَلَّمِ إليه.
قَالَ ابْنُ سَحْنُون عن أبيه: وإذا وجدَ المُتيمِّمانِ ما يكفي أحدَهما، فلا يَنْتَقِضُ إلاَّ تَيَمُّمُ مَنْ أُسْلِمَ إليه.
قال في المجموعة: لا يَنْتَقِض تَيَمُّمُ أحدهما، إلاَّ أن يُسَلِّمَه أحدُهما إلى صاحبه، فيَنْتَقِضُ تَيَمُّمُ المُسَلَّمِ إليه.
وقال سَحْنُون في الْعُتْبِيَّة: ولو أعطاهُما إيَّاهُ رَجُلٌ، فقال: قد وَهَبْتُه لأحدهما. فمَنْ أسْلَمَه إلى صاحبه انْتَقَضَ تَيَمُّمُ التارك له. وكذلك في الجماعة يقول: هو لأحدِكم. إلاَّ في العدد الكثير، كالجيش، فلا يَنْتَقِضُ تَيَمُّمُ الباقين، وإنْ قَلُّوا.
ولو قال: هذا لكم. فلا يَنْتَقِضُ تَيَمُّمُ الباقين.
ومن سماع موسى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وعن نفر في سفر ماتَ أحدُهم، وآخَرُ جُنُبٌ، والثالث على غير وضوء، ولهم من الماء ما يكفي
стр. 119
واحدًا للغُسْلِ، فإنْ كانَ للمَيِّتِ غُسِّلَ به, وإنْ كان بينهم فالحيُّ أَوْلَى به من المَيِّتِ، ويُيَمَّمُ الميِّتُ. قال يحيى بن عمر: وعلى مَنِ اغتسل به حصَّةُ الميت، إن كان له ثمن.
في وطء المسافر أهله، والجريح، وشبهه
قا مالك: لا يطأُ المسافر أهله التي رأَتِ الطُّهْرَ من الحيضة، حتى يكون معه ما يتطهَّران به.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ولو تَيَمَّمَتْ ومعه هو ما يتطهَّرُ به فلا يطؤها. بذلك قال سَحْنُون: لا يطؤها حتى يكونَ معهما ما تتطهَّرُ هي به للحيضة، ثم ما يَتَطَهَّرَانِ جميعًا من الجنابة، ولا يطؤها بِالتَّيَمُّمِ؛ لأن بأوَّلِ الملاقاة يَنْتَقِضُ التَّيَمُّم، ولا بُدَّ لها من الغُسْلِ.
وفي كتاب ابن شعبان: أنَّ له وطأها بِالتَّيَمُّمِ. قال: وقد اختَلَف قولُ مالكٍ في إكراه النصرانية على غُسْلِها من الحيضة.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولا يُقَبِّلُ المسافرُ أهله إذا كان من وضوء في عدم الماء، ولا يطؤها إلاَّ أن يضُرَّ به طولُ السفر في الحاجة إلى أهله. وقاله ابن المَاجِشُون، وقاله أصبغ، ورَوَى فيه حديثًا.
стр. 120
قال ابن حبيب: والْمَجْدُورُ، والمَخْضُوبُ، والمَجْرُوحُ الذي غيَّرَتِ الجِراحُ جَسَدَه أو جُلَّهُ، يتَيَمَّمُونَ للجنابة وللوضوء، وليس عليهم أن يغتسلوا بالماء، ولا بأس أن يطئوا نساءهم؛ لأن أمرهم يطولُ، بخلاف المسافر لا يجدُ ماءً، إلاَّ أن يطولَ ذلك بالمسافر جِدًّا، فيجوز له وطءُ امرأته.
وقَالَ ابْنُ وهب، عن مالك في سماعه: إنه يُكْرَهُ لِلْمُسَافَرِ لا ماءَ معه أنْ يُجَامِعَ. وقال عنه ابن القاسم: ليس له أن يُدْخِلَ على نفسه أكثرَ من الحَدَثِ.
ومن الْعُتْبِيَّة، ابن القاسم، عن مالك في مَنْ تُصِيبُهُ الشجَّةُ أو تَنْكَسِرُ يدُه، فيرْبِط عليها عِصَابةً، أيُصِيبُ أهلَهُ؟ قال: أرجو ألاَّ يكونَ به بأسٌ، ولعلَّ ذلك يطولُ عليه، ويحتاجُ إلى أهله، وليس كاِلْمُسَافَرِ.
في مَسِّ المصحف وقراءة القرآن،
ودُخُولِ المسجدِ للجُنُبِ والحائضِ،
أو لغيرِ متوضِّئ، ومَسّ ما فيه ذِكْرُ الله
قال مالك، في المختصر: أرجو أن يكونَ مسُّ الصبيان المصاحف للتعليم على غير وضوء خفيفًا، ولا بأس بإمساكهم الألواح.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، عن مالك، في الْعُتْبِيَّة: إنه استخفَّ للرَّجُلِ
стр. 121
والصبي يتعلَّمُ إمساك اللوح فيه القرآن على غير وضوء. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وكذلك المُعَلِّمُ يَشْكُلُ ألواح الصبيان.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولا يَمَسُّ مَنْ ليس على وضوء مصحفًا ولا جُزْءًا، ولا ورقة، ولا لوْحًا، ويُكْرَه ذلك للمُعَلِّمِ إلاَّ على وضوء. ويُسْتَخَفُّ للصبيان مَسُّ الأجْزَاءِ للتعليم، كالألواح والأكتاف، ويُكْرَهُ لهم مَسُّ المصحف الجامع إلاَّ على وضوء.
ومن الْعُتْبِيَّة قال أبو زيد: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا بأس أن تَمْسِكَ الحائضُ اللوح تَقْرَأُ فيه وتَكْتُبُ فيه القرآنَ، على وجه التعليم.
ورَوَى أشهب عن مالك، قال: لا أرى لغير مُتَوَضِّئ مَسَّ اللوح فيه القرآنُ، ولا بأس بما تُعَلِّقُهُ الحائض والصبيان من القرآن إذا أُخْرِزَ عليه، أو جُعِلَ في شيء يَكِنُّه، ولا بأس أنْ يُكْتَبَ للحُبْلَى يُعَلَّق عليها من القرآن وذِكْرِ الله وأسمائه، وأما ما لا يُعْرَفُ، والكتابُ العبرانيُّ فأكرهُهُ. وكَرِهَ العَقْدَ في الخيط.
قال مالك في المختصر: ولا بأس بأن تقرأ الحائض القرآن، بخلاف الجُنُبِ.
وذَكَرَ الأبهري، أنَّ قول مالك اختلفَ في قراءَتِها القرآن. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إلاَّ أنها لا تَدْخُلُ المسجد، ولا مسجد بيتها.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولا بأس أن يقرأ الرَّجُلُ القرآن قائمًا، وقاعدًا، وماشيًا، وراكبًا، ومضطجعًا، ما لم يكُنْ جُنُبًا. ومن كتَبَ الآية والآيتين على غير
стр. 122
وضوء، أو قرأ كتابًا فيه آياتٌ من القرآن، فهذا خفيفٌ. وإذا كان غيرُهُ يُمْسِكُ له المصحفَ، ويُصَفَّحُ له الورق، فلا بأس أن يقرأ هذا فيه.
قال لي أبو بكر: ولا يُصَفِّحُ له الورق بعودٍ أو غَيْرِه.
قال ابن حبيب: لا يجوز لِلْجُنُبِ أن يقرأ القرآنَ، لا نَظَرًا ولا ظاهِرًا، حتى يَغْتَسلَ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إلاَّ أنَّ مالكًا قال: لا بأس أنْ يقرأ الجُنُبُ الآيات عند نوم أو عند رَوْعٍ. قال مالك: ولقد حرَصْتُ أنْ أجِدَ في قراءة الجُنُبِ القرآن رُخْصَةً فما وَجَدْتُها.
قال مالك، في المختصر: لا يقرأ لجُنُبُ إلاَّ الآياتِ اليسيرة.
ومن الْعُتْبِيَّة قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: اسْتَخَفَّ مالكٌ في الخَاتَمِ المنقوش، وهو في الشمال، إن اسْتَنْجَى به، قال: لو نَزَعه كانَ أَحَبُّ إِلَيَّ، وفيه سَعَة، ولم يكنْ مَنْ مضى يَتَحَفَّظ من هذا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وأنا أسْتَنْجِي به، وفيه ذِكْرُ الله سبحانه.
وكَرِهَ ابن حبيب أن يُسْتَنْجَى به.
قال موسى: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ في الْعُتْبِيَّة: لا بأس أن يَتَوَضَّأ الرَّجُلُ في صحن المسجد وضوءًا ظاهرًا، وتركُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ. قال لنا أبو
стр. 123
بكر: وقد فعله موسى بن معاوية في صحن مسجده. قال سَحْنُون: لا يَنْبَغِي ذلك. وقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: كَرِهَهُ مالك، وإنْ كان في طَسْتٍ.
ومن المجموعة، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قال مالك في المساجد تكون في البيوت: أكْرَهُ لِلْحَائِضِ أن تَدْخُلَهَا. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قال مالك: لا يجلس الجُنُبُ والحائض في مسجد بيتهما، ولا يَدْخُلا المسجد لا مُجْتَازَيْنِ ولا لجلوس فيه.
ومن المجموعة قال عنه ابن نافع: ولا يَمُرُّ جُنُبٌ ولا حائض في المسجد مَرًّا. ولا بأس أن يجلس فيه غيرُ مُتَوَضِّئ.
وقال بعض أصحابنا في مَنْ نام في المسجد فَاحْتَلَمَ، قال: يَنْبَغِي أن يتَيَمَّمَ لخروجه منه. وقد ذَكَرْنا في آخِرِ اختصار الصلاة بابًا في المصاحف، وبابًا في المساجد، ففي ذلك من هذا المعنى.
في الْحَيْضِ والطُّهْرِ، ومَبْلَغِ القرْءِ
والْحَيْضَة
من المجموعة، قال عبد الملك: لا تكون حَيْضَةٌ يَبْرأ بها الرَّحِمُ أقلَّ من خمسة أيام، ولكِنْ تَدَعُ فيه الصلاة، وهو كالتَّرِيَّةِ، ولا يُفَرِّقُ بين حَيْضَتَيْنِ من الطُّهْرِ أقلُّ من خمسة أيام، وهذا مأخوذ من عُرْفِ النساء،
стр. 124
أو أنه مما جُرِّبَ وعُرِفَ من عُرْف النساء.
قال المغيرة: ومَنْ قَلَّ دمُها كثُرَ أيام طُهْرِها، ومَنْ قلَّ طُهْرُها كَثُرَ دَمُتها. قَالَ ابْنُ دينار: لولا ذلك لَحَلَّتِ الْمُطَلَّقَة في أَقَلَّ مِنَ الشَّهْرِ. قال ربيعة: لا تَحِلُّ في أقلَّ من خمسة وأربعين ليلة، وبلَغَنا مِثله عن مالك، وعبد العزيز. وقال سَحْنُون: أقلُّ الطُّهْرِ ثمانية أيام. وقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: عشرة أيام.
ورُوِيَ عن سَحْنُون: أقلُّ ما تَنْقَضِي به عِدَّةُ الْمُعْتَدَّةِ أربعون يومًا. فهذا بَدَلٌ من قَوْلِهِ: إنه جعل أقلَّ الحَيْضِ خمسة، وأقلَّ الطُّهْر خمسة عشر يومًا.
وقال محمد بن مسلمة: أقلُّ الحيض في الْعِدَّةِ ثلاثة أَيَّام، وأكثرُه خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا، وإذا كانت امرأةٌ تحيضُ يومًا وتَطْهُرُ يومًا، فإذا كان ما لَفَّقَتْ من أيام الدَّم خَمْسَةَ عَشَرَ في كُلِّ شَهْرٍ، لم تكن مُسْتَحَاضَةً حَتَّى تُلَفِّقَ من أيام الدم أكثر من خمسة عشر في كل شهر أو من الطُّهْر أقل من خمسة عشر، فتكون حينئذ مُسْتَحَاضَة.
ومن كتاب ابن الْمَوَّاز: وإذا رأت المرأة دمًا بعد طُهْرِها بأيام كثيرة، فرأته يومًا أو يومين، فلْتَدَعْ له الصلاة، ولا يكون ذلك في عِدَّةٍ، ولا اسْتِبْرَاء حَيْضَة، ويُسْأَلُ عنه النساء, ولا تكون حَيْضَةٌ يومًا. يريد: وتدَعُ له الصلاة، وتَغْتَسِلُ منه.
ومن المجموعة، والْعُتْبِيَّة، رواية عيسى، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ،
стр. 125
في التي يَخْتَلِطُ عليه الدم، فإنَّ اليومَ الذي ترى فيه الدَّمَ وإن ساعةً تَحْسِبُهُ يومَ دَم. يريد: وإنِ اغْتَسَلَتْ في باقيه وصَلَّتْ.
قال في التي لا ترى الدم إلاَّ في كل يومٍ مَرَّةً: فإنْ رأتْهُ صلاة الظهر فتركت الصلاة، ثم رَأَتِ الطُّهْرَ قبل العصر، فلتحْسِبْهُ يومَ دمٍ، وتَطْهُر وتُصَلِّي الظهرَ والعصر.
ومن المجموعة: قال عليٌّ، عن مالك: وما رَأَتْ من الصُّفْرَة أَيَّامَ الْحَيْضِ أو أَيَّام الاسْتِظْهَارِ، فهو كَالدَّمِ، فإنْ رَأَتْهُ بعدَ ذلك فهي مُسْتَحَاضَةٌ. قال عليٌّ: دمُ الْحَيْضَةِ أسودُ غليظُ، ودمُ الاسْتِحَاضَة أَحْمَرُ رَقِيقٌ.
قال عليٌّ، عن مالك في الْمَرْأَة تَرَى الماء الأَبْيَض من غير حَيْضٍ، قال: تتوضأ. قال عنه ابن القاسم: وكذلك إنْ رَأَتْهُ بِقُرْبِ الوِلادَةِ.
قال عنه عليٌّ: وإذا رَأَتْ أَوَّلَ اللَّيْلَ دَمًا، وانقطعَ عند الصُّبْح، فَانْتَظَرَتْ يَوْمهَا فلم تَرَ شَيْئًا، فَلْتَغْتَسِلْ، وتعيدُ ما تَرَكَتْ من حينِ ارْتَفَعَ. يريد: تقدير وقتِ الغُسْلِ.
ومن الْعُتْبِيَّة قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، عن مالك، فِي الْمَرْأَةِ تَرَى دمًا عند وضوئها، فإذا قامت ذهب عنها، قال: لا تَدَعُ الصلاة، إلاَّ أن تَرَى دَمًا تُنْكِرُهُ. يريد: وتَغْتَسِلُ منه. وإنْ تَمَادَى عند كل وضوء حَتَّى تجاوَز أيَّامها
стр. 126
والاسْتِظْهَارَ، ثم هي مُسْتَحَاضَةٌ. قال أبو محمد: لعلَّ مالكًا يريد: تراه عند كل وضوء أبدًا، فتكون مُسْتَحَاضَةً.
وقال عيسى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، في هذه المسألة، عن مالك: تَسُدُّ ذلك، وتُصَلِّي، ولا غُسْل عليها، كما تَصْنَعُ الْمُسْتَحَاضَة أَوَّلَ ما يصيبها. قال يحيى بن عمر: لا أَعْرِفُ هذه الرواية.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، عن مالك في هذه المسألة: وليس على الْمَرْأَة أن تقوم فتَنْظُرَ طُهْرَهَا قبل الفَجْر، وليس من عَمَل الناس. قال عنه عليٌّ في المجموعة: وإِنَّمَا عليها أَنْ تَنْظُرَ عند النوم وعند صلاة الصُّبْحِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذا رَأَتِ الطُّهْرَ غُدْوَةً، فلم تَدْرِ أكان قبل صلاة الصُّبْحِ أو بعدَه، فلا تَقْضِي صَلاة اللَّيْل حَتَّى تُوقِنَ أنه قبلَ الفجر، ولكن تَصُومُ يَوْمَهَا إن كان رمضانَ، وتقضيه احْتِيَاطًا.
ومن المجموعة، قال عليٌّ عن مالك: والقَصَّةُ الْبَيْضَاء ما ابْيَضَّ كَالْمَنِيِّ. قال عنه ابن القاسم: فإذا كانت مِمَّنْ تَرَى القَصَّةَ، فرَأَتِ الْجُفُوف، فلا تُصَلِّي حَتَّى تَرَاها، إلاَّ أن يكون ذلك بها.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الْقَصَّة ما ابْيَضَّ، عَلَمٌ لِلطُّهْرِ، ومنهن من تَرَى الْجُفُوفَ، فتلك لا يُطَهِّرُهَا الْقَصَّةُ، وأما التي علامتها الْقَصَّة فَتَرَى الْجُفُوفَ فذلك طُهْرٌ لها؛ لأن الحيضَ أَوَّلُه دم، ثم صُفْرَة، ثم تَرِيَّة، ثم كُدْرَة، ثم يصير رَقِيقًا
стр. 127
كَالْقَصَّةِ، ثم يَنْقَطِعُ.
قال مُطَرِّف، وابن القاسم: والتي كما بلغَتْ فلا تَطْهُر حَتَّى تَرَى الْجُفُوفَ، ثم تَجْرِي بعد ذلك على ما يَنْكَشِف لها من علامة طُهْرِهَا.
قَالَ ابْنُ المَاجِشُون: وإذا اغتسلتْ من حَيْضَة أو نفاسٍ، ثم رَأَتْ قطرة دمٍ أو غُسَالَة دم، لم تُعِدِ الْغُسْل، ولْتَتَوَضَّأْ، وهذا يُسَمَّى التَّرِيَّة.
ومن الْعُتْبِيَّة، قال أشهب، عن مالك، فِي الْيَائِسَةِ تدفع دفعةً أو دَفْعَتَيْنِ: فَلْتَسْأَلْ عنه النساء، فإن كان مِثْلُها تحيض اغْتَسَلَتْ، وكذلك التي تَنْقَطِعُ حيضتها سنين، ثم تَرَى صُفْرَةً.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذا قُلْنَ مثلها لا تحيض. فلا تَدَعُ الصلاة لذلك، ولكنْ تَغْتَسِلُ إذا انْقَطَعَ، فإن أَشْكَلَ فيه الأمرُ تركتِ الصلاةَ كَالْحَيْضَةِ.
وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ في المجموعة: إذا قُلْنَ مثلها لا تحيض. فلا غُسْل عليها منه.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّاز، قال مالكٌ: إذا قُلْنَ: مِثْلُها تحيض. كانت حَيْضَة. فإن تَمَادَى بها، كانت مُسْتَحَاضَةً، وإن قُلْنَ: مثلها لا تحيضُ. تَوَضَّأَتْ، وصَلَّتْ، ولم تترك الصلاة لذلك الدمِ، ولم تَغْتَسِلْ له إذا انْقَطَعَ. ونحوه في المجموعة عن مالك.
стр. 128
في وطء الْحَائِض والنُّفَسَاء، وفي
غَسْلِ ثوبها، وهل تَتَوَضَّأ لِلنَّوْمِ
من المجموعة، قَالَ ابْنُ وهب، وعليٌّ، قال مالك في مَنْ وَطِئَ حَائِضًا: ليس في ذلك كَفَّارَةٌ إلاَّ التَّوْبَةُ، والتَّقَرُّبُ إلى الله سبحانه.
قال عليٌّ: وكذلك إن وَطِئَهَا بعد الطُّهْرِ وقبل الْغُسْلِ.
قال عنه ابن نافع: والنُّفَسَاءُ كَالْحَائِضِ، لا يَقْرَبُهَا إلاَّ فيما فوق الإزَار.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لا تُقْرَبُ الْحَائِضُ من حدِّ الإزار لِلذَّرِيعَةِ، وليس بِضَيِّق إذا اجْتُنِبَ الفَرْجُ. وقاله أصبغ.
قَالَ ابْنُ حبيبك وما رُوِيَ في وَطْئِهَا من صدقة دينار ونصف دينار، وأن ابن عباس قال: دينارٌ في أَوَّلِ الدم، وأما في الصُّفْرَة فَلْيَتَصَدَّقْ بنصف دينار. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وليس فيه حَدٌّ، ولكن يُرْجَى بِالصَّدَقَةِ تَكْفِير الذَّنْب.
стр. 129
قال مالك، في المختصر: وإذا اغْتَسَلَتِ الْحَائِضُ فليس عليها غَسْلُ ثوبها، ولْتَغْتَسِلْ ما أصاب منه الدمُ، وتَنْضَحْ ما بَقِيَ منه، إن خَافَتْ أن يكون أصابه شيء، وليس عليها الوضوء عند النوم. وقد جرى من هذا في باب آخَرَ.
جامع القول في الْمُسْتَحَاضَةِ
ومن الواضحة، وغيرها: واختَلَفَ قولُ مالك في الْحَائِضِ يزيد دمُها على أَيَّام حيضتها، فقال المصريون من أصحابه بِقَوْلِهِ: تَسْتَظْهِر بثلاث على أَيَّامها ما لم تُجَاوِزْ خَمْسَةَ عَشَرَ. وقال المدنيون بِقَوْلِهِ: لا تَسْتَظْهِرُ، وتَبْلُغُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وبالأول قال أَصْبَغُ، وابن حبيب.
ومن كتاب آخَرَ، وقال المغيرة: لا تَسْتَظْهِرُ. وقال محمد بن مسلمة: تبلغ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، لاحْتِمَال أن تَنْتَقِلَ حيضتها، فإذا رَأَتْ على أكثر الْحَيْضِ صارت مُسْتَحَاضَةً، ثم إذا أقبلت الْحَيْضَةُ فحينئذ تَنْظُرُ عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهنَّ من الشهر، كما قال النبي ﷺ . ولو
стр. 130
كان الْحَيْض تَجَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ لكانت تجلس أكثر من عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن تُسْتَحَاضَ، وهذا خلاف الخبر.
ولابن وهب رواية عن مالك أيضًا: إذا تَمَادَى بها الدَّمُ، فَلْتَسْتَظْهِرْ بيوم أو يَوْمَيْنِ.
ولابن نافع عن مالك، في كتاب ابن سَحْنُون رواية مُنْكَرَة، أنها تَسْتَظْهِرُ على خَمْسَةَ عَشَرَ. فأَنْكَرَ سَحْنُون أن يكون هذا من قول مالك.
وقال أبو بكر بن الجهم – في قول مالك: تَسْتَظْهِرُ على أَيَّامهَا بثلاث، ثم تَغْتَسِلُ وتُصَلِّي وتصوم -: فذلك عندي على أن تَقْضِيَ الصوم فيما بعد الثلاث إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وتَغْتَسِلُ بعد الخمسة عشر غُسْلاً ثانيًا، وهو الواجب، والأول احْتِيَاط، وأُحِبُّ لِزَوْجِهَا أن لا يصيبها بعد الثلاث إلى خَمْسَةَ عَشَرَ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لا تزالُ الْمَرْأَةُ بعد استظهارها، وبعد بُلُوغ الخمسة عشر تَوَضَّأَ وتُصَلِّي وتصوم.
ومن كتاب ابن الْمَوَّاز: ورَوَى ابن وهب، عن مالك، قال: إنَّا لنقول: تَسْتَظْهِرُ الْحَائِضُ. وما نَدْرِي أحقٌّ هو أم لا. وقال في موضع آخر: فَلأنْ تُصَلِّيَ وليس عليها أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَتْرُكَها وهي عليها.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: والمختلفة أَيَّامهَا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَسْتَظْهِرُ على
стр. 131
أكثرها. وأنا أقول: على أقلِّها. وقول ابن حبيب على أقلِّها لا يَصِحُّ؛ لأن إحدى عاداتها في الْحَيْضِ قد تُجَاوِزُ أقلَّها مع الاسْتِظْهَار.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وإذا رَأَتْ يومًا دَمًا ويومًا طُهْرًا، فَلْتُلَفِّقْ أَيَّام الدم حَتَّى تُجَاوِزَ أيامها والاسْتِظْهَارَ. ولو رَأَتْ في اليوم قطرةً كان يومَ دمٍ، وإن اغْتَسَلَتْ منه ساعة انْقَطَعَ، ما لم يَكُنْ من الدَّمَيْنِ عشرة أَيَّام. فيكون حَيْضًا مُؤْتَنَفًا. ولو جَهِلَتِ المأمُورةُ بِالاسْتِظْهَارِ، وتَرَكَتِ الصلاة حَتَّى انْقَطَعَ، فلا تَقْضِي إلاَّ ما زاد على خَمْسَةَ عَشَرَ.
ومن الْعُتْبِيَّة، رَوَى أبو زيد عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قال: إذا تركتِ الصلاة بعد أَيَّام الاسْتِظْهَارِ جَهْلاً، فر تقضيها، وإن قَضَتْهَا فهو أَحَبُّ إِلَيَّ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إلاَّ ما زادتْ على خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا.
قَالَ ابْنُ عبدوس: وأنكر سَحْنُون ما ذكر في الْمُسْتَحَاضَة تقيم شهرًا لا تُصَلِّي جاهلة لا قضاء عليها. وأنْكَرَ أنْ يُرْوَى، وقال: لا تُعْذَرُ في الصلاة بِالْجَهْلِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وإن انْقَطَعَ عن الْمُسْتَحَاضَةِ الدمُ، اسْتُحِبَّ لها الْغُسْلُ، فإن صَلَّتْ بغير غُسْلٍ لم تُعِدْ.
ورَوَى أشهب، عن مالك، في الْعُتْبِيَّة، قال: إذا انْقَطَعَ عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ الدمُ في غير أَيَّام حيضتها، فَلْتَغْتَسِلْ، وتُصَلِّي. قال عنه ابن القاسم، في المجموعة: أحْبَبْتُ لها أن تَغْتَسِلَ. وقال عنه عليٌّ: الأمرُ فيها على حديثِ هشام بن عروة، فليس عليها إلاَّ غُسْلٌ واحدٌ، وأَحْسَبُ حديثَ ابن
стр. 132
المسيب دخله وَهْمٌ، في قوله: تَغْتَسِلُ من طُهْرٍ إلى طُهْرٍ. وأَحْسَبُه من ظُهْرٍ إلى ظُهْرٍ. وقال غير مالك: إنه مذهبٌ لابن المسيب، تَغْتَسِلُ كُلَّ يوم، كما يُسْتَحَبُّ لها الوضوء لكُلِّ صلاة.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ في المجموعة، عن مالك: وإن اسْتُحِيضَتْ شهرًا فخافت أن تكون طرحت طرْحًا، قال: إن شَكَّتْ فلم تُوقِنْ أنه مِنْ حَمْلٍ، عَمِلَتْ عَمَلَ الْحَائِضِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وإذا تَمَادَى بها الدم في البلوغ، جَلَسَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا، في قول مَنْ لا يَرَى الاسْتِظْهَارَ، ومن رآه يقول: تَجْلِسُ قَدْرَ لِدَاتِها
стр. 133
بغير اسْتِظْهَار. وقال ابن كنانة وابن عبد الحكم، وأصبغ: تَسْتَظْهِرُ على أَيَّام لِدَاتِها. وذَكَرَه ابن الْمَوَّاز، عَنْ أَصْبَغَ.
ومن الْعُتْبِيَّة، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عن مالك، في الْمُسْتَحَاضَة تَرَى دَمًا لا تشكُّ أنه دم حيضٍ، قال: تدعُ له الصلاة، فإن تَمَادَى بها الدمُ اسْتَظْهَرَتْ فيه بثلاث على أَيَّامهَا، وإن عاودها دمُ الاسْتِحَاضَةِ بعد أَيَّام حيضتها، صَلَّتْ بغير اسْتِظْهَار. يريد: بعد أن تَغْتَسِلَ. ورَوَى مثله ابن القاسم، وعليٌّ عن مالك، في المجموعة. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ ك هذا قول ابن القاسم.
قَالَ ابْنُ المَاجِشُون: سواء عاودها دم الاسْتِحَاضَةِ الخفيفُ، أو دام بها الدم العبيط دم الْحَيْض، إنها تَسْتَظْهِرُ بثلاث. فرأى هذه أن تَسْتَظْهِرَ، ولم يَرَه في التي يتمادى بها الدم بعد أَيَّام حيضتها، ولم تُسْتَحَضْ قبل ذلك، سواء استُحِيضَت أَوَّل بلوغها أو بعد.
وقال أَصْبَغُ: تَسْتَظْهِر هذه وتلك في الدمين جَمِيعًا. وقال مُطَرِّف: تجلس كلهن خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا.
وقَالَ ابْنُ المَاجِشُون: تجلس في أَوَّل الاستحاضة خَمْسَةَ عَشَرَ وفي آخرها يقول بِالاسْتِظْهَارِ. كما ذكرنا.
وقَالَ ابْنُ الْمَوَّاز: قال أَصْبَغُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذا تَمَادَى بِالْمُسْتَحَاضَةِ دمٌ تُنْكِرُهُ، اسْتَظْهَرَتْ بثلاث. قال أَصْبَغُ: وقال مَرَّةً، فيما أعلم: لا تَسْتَظْهِرُ. وليس هذا بشيء.
стр. 134
في الحامل تَرَى الدم على حملها
من المجموعة، رَوَى عليُّ بن زياد، عن مالك، في الحامل تَرَى الدم، قال: تَكُفُّ عَنِ الصَّلاَةِ أَقْصَى ما تُمْسِكُ جُلُّ الحوامل، حَتَّى تَرَى أن ذلك منها لسُقْمٍ، ليس مما يَعْرِضُ لِلْحَوَامِلِ. قال عنه ابن نافع: إذا رَأَتْهُ أيامًا، ثم انْقَطَعَ، فتغتسل، وتُصَلِّي، ولا تُصَلِّي في الدم.
قال عنه ابن وهب: وكذلك في الصُّفْرَةِ والْحُمْرَة. قال في المختصر: والْكُدْرَة.
قال أشهب: وإذا كانت من أَوَّلِ الْحَمْلِ تَحِيضُ ثم تَسْتَرِيبُ، فَلْتَسْتَظْهِرْ، وإلاَّ فلا.
قال سَحْنُون: لم تُؤْمَرْ بِالاسْتِظْهَارِ؛ إذ لا تُرَدُّ إلى أَيَّامهَا، لكن إلى أكثر ما تَجْلِسُ الْحَوَامِل مِنَ الدَّمِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مذهب ابن القاسم: إن رَأَتْهُ في أَوَّل الْحَمْلِ جَلَسَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا، وفي آخره ثلاثين يومًا. وقوله في المدونة: إن رَأَتْهُ بعد ستة أشهر ونحوها جَلَسَتْ ما بينها وبين العشرين؛ لأن مالكًا فرَّقَ بين أَوَّله وآخِرِه، ولم يُحَدِّدْ معنى أَوَّلِ الحمل في ثلاث شهور ونحوها.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وقَالَ ابْنُ المَاجِشُون: تَجْلِسُ خَمْسَةَ عَشَرَ، كان في أَوَّل الحمل أو آخره؛ لِلاخْتِلافِ فيه، وأن بعض السلف لا يراهُ حَيْضًا.
стр. 135
قَالَ ابْنُ المَاجِشُون، في المجموعة عن مالك، وقال به: إنها تَقِفُ على أَيَّام حيضتها، ولا تحتاط كما يحتاط غيرها.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وقال أشهب، وابن عبد الحكم، وأصبغ: تَسْتَظْهِرُ على أَيَّامهَا في أَوَّلِهِ وآخره. ورواه أشهب، عن مالك.
وقال أشهب، في كتاب ابن الْمَوَّاز: إن مالكًا أفتى به امرأة وهي في خمسة أو ستة أشهر. ورواه ابن وهب، عن مالك.
قال أشهب: أَوَّلُ الحمل وأخِره سواءٌ، وتَسْتَظْهِرُ في ذلك بثلاثة أَيَّام. وأعاب قولَ مَنْ قال: ليس أَوَّلُ الحملِ كآخِره؛ لأن الدم يَحْتَبِسُ. وقال: رأيتُ مَن قعدت عن المحيض سنة، وهي مِمَّنْ تحيض، ثم أتاها الحيضُ، أتزيدُ في استظهارها عن تَمَادَى بها الدم على ثلاثة أَيَّام؛ لأن دمها احْتَبَسَ، فليس هذا بشيء.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وقَالَ ابْنُ وهب: تُضَعِّفُ أَيَّام حيضتها، وتَغْتَسِلُ؛ لأنها أكثرُ دَمًا من الحامل.
وقال مُطَرِّف، عن مالك: تَجْلِسُ في أَوَّلِ شهور الحمل أَيَّامها والاستظهارَ، وفي الثاني تُثَنِّي أَيَّام حَيْضَتِهَا ولا تَسْتَظْهِر، وفي الثالث تَجْلِسُ مثل أَيَّامهَا ثلاث مرات، وفي الرابع تُرَبِّعُها هكذا، حَتَّى تبلغَ ستين ليلة، ثم لا تزيدُ. وقول أشهب أَحَبُّ إِلَى ابن حبيب.
وأَنْكَرَ ابن المَاجِشُون في المجموعة، قول مُطَرِّف هذا الذي ذَكَرَ ابن حبيب، وقال: ليس بقول مالك. وهذا خطأ، ولا تكونُ نفساء إلاَّ عند ولادة،
стр. 136
والاسْتِحَاضَة لمالك بها، وطرح مالكٌ فيها أَيَّام الْحَيْضَة؛ لِلاخْتِلافِ فيها.
ومن الْعُتْبِيَّة، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وأشهب، عن مالك، في الحامل تَرَى ماءً أبيضَ. قال عنه ابن القاسم: في آخِرِ الحمل أو أَوَّلِهِ أو وَسَطِه، فليس عليها إلاَّ الوضوء.
القول في النُّفَسَاء
من الْعُتْبِيَّة قال أشهب، عن مالك، في التي تَلِد فلا تَرَى دَمًا، قال: تَغْتَسِلُ. قال مالك، في موضع آخَر: بلغَنَا أنها إنْ تَمَادَى الدم، جَلَسَتْ شَهْرَيْنِ، ولم يَثْبُتْ عندنا هذا التوقيتُ ثباتَ توقيتِ الْحَيْض، وأرى أن تُسْأَلَ عنها النساء.
قال محمد بن مسلمة: أَقْصَى النفاس شَهْرَانِ.
ومن المجموعة، قَالَ ابْنُ المَاجِشُون: إنها يُرجَعُ فيها إلى الغالب من حال النساء، كَالْحَيْضِ والاسْتِحَاضَةِ، والغالبُ في تَرَبُّصِهَا شَهْرَانِ، فإن تَمَادَى اغْتَسَلَتْ وتَتَوَضَّأ لكُلِّ صلاة، كَالْمُسْتَحَاضَةِ، إلاَّ أن تَرَى دَمًا جديدًا، فترجعَ إلى معنى الاسْتِحَاضَة.
أبو محمد: يعني أنها تَتَرَبَّصُ ما دام ذلك الدم يأتيها خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا، ثم تصير مُسْتَحَاضَةً. قال: والذي قيل مِنْ تَرَبُّصِ النُّفَسَاء أَرْبَعِينَ
стр. 137
ليلة أمرٌ لم يَقْوَ ولا عَمَلَ به عندنا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وإذا رَأَتِ النُّفَسَاء الْجُفُوفَ، فلا تَنْتَظِرُ، ولْتَغْتَسِلْ، وإن قَرُبَ ذلك من ولادتها، وإن تَمَادَى بها الدم، فإن زادَ على ستين ليلة، فَلْتَغْتَسِلْ , ولا تَسْتَظْهِرْ.
قَالَ ابْنُ المَاجِشُون: ما بين الستين إلى السبعين، والوقوف على الستين أَحَبُّ إِلَيْنَا.
ومن المختصر، لابن عبد الحكم: وإذا طال بِالنُّفَسَاءِ الدمُ فَلْتَنْظُرْ أَيَّام الدم، فتحْسِبُه، ولا تحْسِبُ أَيَّام الطُّهْرِ. يريد: وتَغْتَسِلُ كلما رَأَتْهُ. فإذا اجْتَمَعَ لها من أَيَّام الدم أكثر ما تُخْبِرُ النساء الدمَ في نفاسِهِنَّ، اغْتَسَلَتْ وصَلَّتْ، فتَتَوَضَّأ لكل صلاة، وإن تَمَادَى بها. قال أبو بكر الأبهريُّ: يريد إذا كان من الدَّمَيْنِ أقلُّ مِنَ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا، فأما إن كان من الدمِ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا، فالدم الذي بعده حيضٌ مُؤْتَنَفٌ.
في الوضوء في الصُّفْرِ، وبِالْمَاءِ الساخن،
وغَسْلِ اليد من الغَمَر، وغَسْلها من
الطعام وقبله
ومن الْعُتْبِيَّة، قَالَ ابْنُ أشهب، عن مالك، وذَكَرَها في المجموعة ابن نافع عن مالك، قال: لا بأس بِالْوُضُوءِ في الصُّفْرِ
стр. 138
والحديد، وقد أبى ابن عمر أن يَتَوَضَّأَ في تَوْرِ نحاسٍ، وأُراهُ نَحَاهُ ناحية الفضة.
ومن كتاب آخَرَ أن عمر بن عبد العزيز كان يُسَخَّنُ له فيه الماء للوضوء والْغُسْلِ.
وفي كتاب البخاري، أن النبي ﷺ تَوَضَّأَ في تَوْرِ نُحَاسٍ.
قال أشهب، عن مالك في الْعُتْبِيَّة، وذَكَرَ في المجموعة ابن نافع عن مالك، قال: ولا بأس بِالْوُضُوءِ بِالْمَاءِ السُّخْنِ، فأما الْغُسْلُ من ماء الحَمَّام السُّخْنِ فمن البئر أَحَبُّ إِلَيَّ، وما دخول الحَمَّامِ بصواب.
قال عنه ابن نافع، في المجموعة: لا بأس بِالْغُسْلِ منه إن كان طاهرًا.
وقال عنه أشهب: إنه كَرِهَ غَسْلَ الرأس بالبيض، وغَسْلُ اليد بالأَرُزِّ أخفُّ من هذا، مثلُ الأُشْنان.
قال عنه ابن القاسم: إنه كَرِهَ غَسْلَ رأسه بِاللَّبَنِ وبِالْعَسَلِ. قال: وغيره أَحَبُّ إِلَيَّ.
قال عنه أشهب: إنه كَرِهَ غَسْلَ الْيَدِ قبلَ الطعام.
стр. 139
قال في المختصر: وإن أَكَلَ دَسَمًا غَسَلَ يدَه، وتَمَضْمَضَ.
قال عنه ابن نافع في المجموعة: وليس بواجب، وكذلك أُحِبُّ لمن أكَلَ رُطَبًا أو فاكهة أن يتمضمض، وذلك يختلف في قيامه إلى الصلاة بإثر ذلك أو بعد وقت، بقدر ما يذهب عن فيه.
ومن الْعُتْبِيَّة، قال عنه أشهب: كان عمر يَتَمَنْدَلُ بباطن قَدَمَيْهِ، فقيل: أيتوضأ بدقيق أو فولٍ أو نُخالةٍ؟ قال: لا عِلْمَ لي، إن أعياهُ شيء فبالتراب، وقد نهى عمر عن التَّنَعُّمِ، فإنه من فعْل العجم.
وأجاز ابن نافع ذلك بِالنُّخَالَةِ، وكَرِهَهُ سَحْنُون، أو بشيء مما يُؤْكَلُ أو بِالْمِلْحِ. وتقدَّمَ في باب آخَرَ غَسْلُ اليد من الغَمَرِ.
في زَيْتِ الْفَأْرَة، وفي أَلْبَانٍ تُطْبَخُ بمائها،
وما يُنْتَفَعُ به من الْمَيْتَةِ
ومن الْعُتْبِيَّة، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، عن مالك: يُسْتَصْبَحُ بِزَيْتِ الْفَأْرَة على تحفُّظٍ. قال في موضع آخر: إلاَّ في الْمَسَاجِدِ. وخَفَّفَ دهان الْجُلُودِ به ويُغْسَلُ بعد ذلك.
стр. 140
وخَفَّفَ ابن القاسم أن يُطْبَخَ به صابون. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يعمله لنفسه، يَغْسِلُ به، ثم يُطَهِّرُ الثوبَ بماء طاهر.
قال عنه أشهب: إنه خَفَّفَ الوضوءَ من سِقاء الْمَيْتَةِ إذا دُبِغَ. وقال: وليس عليه غَسْلُ صوفها، إلاَّ أن يَعْلَمَ أنه أصابه شيء. قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: بخلاف الرِّيشِ؛ لأن في أصوله من رُطوبتها.
قال أَصْبَغُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عن مالك، في بَانٍ طُبِخَ فوُجِدَ فيه فَأْرَةٌ تَفَسَّخَتْ أو لم تَفَسَّخْ، وهي من ماء البئر الذي طُبِخَ به، قال مالك: يُتِمُّ طَبْخَه، ويأخذ الدُّهْنَ الأول فيطبخه بماء طاهر مرتين أو ثلاثة. قاله أصبغ إن كان كثيرًا، وأما اليسير ليس فيه كثير ضرر، فليطرحه.
قال يحيى بن عمر: إِنَّمَا خَفَّفَه مالك؛ لاختلاف الناس في ماء البئر تموت فيه الْفَأْرَة، ولم يَتَغَيَّر مَاؤُهَا.
وقال لنا أبو بكر بن محمد: ورَوَى ابن رشيد عَنِ ابْنِ نافع، عن مالك، في الزيت إذا أصابته النجاسة، أنه يُغْسَلُ. وكان أبو بكر يُفتي بذلك ويحتجُّ بقول مالك في الْبَانِ، وما رُوِيَ عن مالك من الاسْتِصْبَاحِ بِالزَّيْتِ أولى.
стр. 141
وقَالَ ابْنُ المَاجِشُون: لا يُنْتَفَعُ به في شيء. ولابن شهاب في بيعه بالبراة قولٌ ليس بمأخوذ به، ولم يُتْبَعْ عليه.
وقال سَحْنُون، في فأرة وُجِدَتْ يابسةً في زيت: إنَّ ذلك خفيف، ويُبْسُها يَدُلُّ أنهم إِنَّمَا صَبُّوا عليها الزيت وهي يابسةٌ، ولم تَمُتْ فيه.
ومن الْعُتْبِيَّة، قال سَحْنُون، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لا بأس أن يُبَخَّرَ بلحم السباع إذا ذُكِّيَتْ، وأما إن كانت ميتة فإن لم يَعْلَقْ بِالثِّيَابِ فلا يُعْجِبُنِي.
ومعاني هذا الباب مُسْتَوْعَبَةٌ في اختصار كتاب الصيد والذبائح.
تم الكتاب، والحمد لله رب العالمين على عونه وإحسانه، وصَلَّى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 142
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في فرض الصلاة، وذكر أسمائها، والحُكْمِ في
مَنْ تَرَكَها، أو ترك شَيْئًا من أحوالها، وذِكْرِ
النوافل والمسنون منها
وفيها من كتاب ابن حبيب، وغيره:
قال: وفُرِضَتِ الصلوات الخمس في الإسراء بالنبي ﷺ وذلك بمكة قبل الهجرة بسنة، وكان الفَرْضُ قبل ذلك ركعتين بِالْغَدَاةِ ورَكْعَتَيْنِ بِالْعِشَاءِ. وأَوَّلُ ما صَلَّى جبريل بالنبي ﵉ صلاة الظهر، فسُمِّيَتِ الأُولى لذلك.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّ فَرْضَ الوضوء بماء نزل بِالْمَدِينَةِ في سورة المائدة، وكان الطَّهُور بمكة سُنَّة. قاله ابن مسعود. وذكره ابن الجهم.
ومن الْعُتْبِيَّة، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قال مالك: فَرَضَ الله الصلوات في كتابه،
стр. 143
فقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ (الروم: ١٧) المغرب. قال غيره: والعشاء. قال مالك: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (الروم: ١٧) الصُّبْح، ﴿وَعَشِيًّا﴾ (مريم: ١١) العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (الروم: ١٨) الظهر. وقال سبحانه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (الإسراء: ٧٨)، وهي الظهر، ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (الإسراء: ٧٨) العشاء، ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ﴾ (الإسراء: ٧٨)، الصُّبْح.
قال في الواضحة: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ يقول: الظهر والعصر، ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ قال المغرب والعشاء. وفي قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ (هود: ١١٤) فالصبح طَرَفٌ، ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ المغرب والعشاء. وفي قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ (طه: ١٣٠) الصُّبْح، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ الظهر والعصر، ﴿وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ المغرب والعشاء.
وفي الْعُتْبِيَّة، ابن القاسم، عن مالك، قال: الأعرابُ يُسَمُّون المغرب الشاهد؛ لأنها لا تُقْصَرَ، وأَحَبُّ إِلَيَّ أن يقال فِي الْعَتَمَةِ صلاة العشاء؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ (النور: ٥٨). إلاَّ أن تُخَاطَبَ مَنْ لا يفْهم عنك فذلك واسعٌ.
قَالَ ابْنُ المسيب: لأنْ أنامَ عن العشاء أَحَبُّ إِلَيَّ من الحديث بعدها. قال مالك: أصاب.
وقال مالك في موطَّئِه: الصلاة الوسطى صلاة الصُّبْح. واحْتَجَّ لذلك
стр. 144
بحديث عائشة، وحفصة، فيما كتَبْنَا. والصلاة الوسطى صلاة العصر. ورواه عن عليٍّ وابن عباس. واحْتَجَّ أصحابُنا لذلك بأنها مُنْفَرِدَةٌ بوقت، واللتان قبلها واللتان بعدها مُشْتَرِكَتَا الوقت.
وذهب ابن حبيب أنها صلاة العصر، وذَكَرَ أنه قولٌ حَسَنٌ. ورواه غيره عن عليِّ بن أبي طالب.
ورَوَى مالك في الموطأ، أن زيد بن ثابت قال: هي الظُّهْرُ. قال غير واحد من
стр. 145
العلماء: ومثلُه لمالك، في كتاب ابن الْمَوَّاز.
وأجملَ اللهُ سبحانه فَرْضَ الصلاة في كتابه، من ركوع وسجود وقيام وقعود وقراءة، وبَيَّنَ ذلك النبي ﵇ بفعله.
قَالَ ابْنُ سَحْنُون وغيره مِنْ أَصْحَابِنَا: والْقِيَام فِي الصَّلاَةِ، والرُّكُوع، والسُّجُود، والجلسة الآخِرَة، والسَّلام، وتَكْبِيرَة الإِحْرَام، كل ذلك فَرِيضَة، وقراءة أم القرآن فِي الصَّلاَةِ فَرِيضَةٌ، وما زاد عليها فسُنَّةٌ.
ومن كتاب ابن الْمَوَّاز، قال مالك في مَنْ قال: الرُّكُوعُ والسُّجُودُ سُنَّةٌ. قال: قد كَفَرَ. قال الله سبحانه: و ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (الحج: ٧٧). وقال في القراءة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (الأعراف: ٢٠٤).
وقال أصحابنا: قِرَاءَة أم القرآن فِي الصَّلاَةِ فَرِيضَةٌ. واخْتُلِفَ هل هي في كل ركعة فَرِيضَةٌ؟
ومن كتاب ابن الْمَوَّاز، قال: وسَنَّ رسول الله ﷺ خمس صلوات: الوِتْرُ، وصلاة الخوف، والاستسقاء، والفطر والأضحى. وقَالَ ابْنُ عبد الحكم، وأصبغ، في ركعتي الفجر: ليستا بسُنَّةٍ، وهما من الرغَائب. وقال أشهب، في كتاب الحَجِّ من المجموعة: إنهما سُنَّةٌ، ليستا كتأكيد الوِتْرِ، كما ليس غُسْلُ الْعِيدَيْنِ كغُسْلِ الجمعة، ولا غُسْلُ دخول مكة ووقوف عرفة كغُسْلِ الإِحْرَامِ في
следующие страницы →