زوج وبنت يأخذ الزوج الربع والبنت النصف ثم يرد الباقي على البنت وإذا ماتت يردّ سهمها إلى أصل الغلة ولا يكمل لزوجها النصف لأنا لو كملناه لكنا مخالفين لما شرطه الواقف ولو كان ليد أولاد ماتوا قبل الوقف عن أولاد دخلوا في البطن الثاني وهو أولاد من كان موجودا وقت الوقف والتوجيه كما تقدم في الصورة الأولى من الأولاد العشرة وما دام زيد حيا يشارك كل بطن إلى أن يموت ولو مات آخر أولاده عن امرأته مثلا فلا شئ لها من الوقف لانقراض نسل زيد وقد علق الواقف استحقاق ورثته بما لو مات ولد زيد أو نسله عن ولد ولم يوجد ولو قال الواقف وكلما حدث الموت على أحد كان نصيبه لجميع ورثته ولم يقل وكان له ولد تكون الغلة لورثة من مات منهم سواء كان له ولد أو لم يكن ومن مات منهم ولا وارث له كان سهمه راجعا إلى أصل غلة الوقف ولو مات وترك ابنين وفي يد أحدهما ضيعة يزعم أنها وقف عليه من أبيه والابن الآخر يقول هي وقف علينا قال الفقيه أبو جعفر القول قول الذي يدعي أنها وقف عليهما لأنهما تصادفا أنها كانت في يد أبيها وقال غيره القول قول ذي اليد والأول أصح.
[فصل فيما لو شرط في الوقف على أولاده أن من انتقل من الإثبات إلى مذهب الإعتزال فهو خارج أو ذكر غيره من الشروط]
لو وقف على ولده ونسله وعقبه أبدا ما تناسلوا ثم من بعدهم على المساكين وشرط عي عقدة وقفه أن من انتقل منهم من الإثبات وصار إلى مذهب الإعتزال فهو خارج صح الوقف ويخرج منه بخروجه ولو كان الواقف من المعتزلة وشرط عكس هذا الشرط عمل بشرطه وهكذا الحكم في سائر المذاهب ولو ارتدّ يخرج أيضا وإن لم يكن الكفر مذهبا مختلفا فيه لأن مذهب أهل الإثبات الإسلام والقول بشرائع الإسلام فمن خرج عنه فقد ترك الإسلام وشرائعه والإثبات من شرائعه ولو رجع إلى الإثبات بعد ما خرج منه لا يرجع إليه
стр. 107
الوقف إلا أن يكون الواقف شرط أن من رجع إلى الإثبات رجع حقه بخلاف ما لو وقف على من يسكن بغداد من فقراء قرابته فانتقل منها بعضهم وسكن الكوفة ثم عاد إليها وسكن فإنه يعود حقه لأن النظر هاهنا إلى حالهم يوم قسمة غلة الوقف ألا ترى أنه لو وقف على فقراء قرابته وكان فيهم فقراء وأغنياء تكون الغلة للفقراء ثم لو افتقر الأغنياء واستغنى الفقراء تكون الغلة لمن افتقر دون من استغنى ولو لم ينظر إلى حالهم يوم القسمة لربما لزم دفع الغلة إلى الأغنياء دون الفقراء وأنه لا يجوز لكونه خلاف شرط الواقف ولو كان بعض قرابته ساكنا في الكوفة وقت الوقف ثم انتقل وسكن بغداد استحق من الغلة (١) ولو وقف على أقاربه المقيمين في البلدة إلا من خرج منها فإنه لا يعود حقه إذا عاد لأنه استثنى الموصوف بهذه الصفة فلا يدخل تحت الشرط ولو وقف على أقاربه المقيمين في بلدة كذا وآخره للفقراء ثم أراد أقاربه الانتقال من بلك البلدة هل يحرمون عن نزل هذا الوقف قال الفقيه أبو بكر البلخي إن كان أقاربه في تلك البلدة يحصون ويحاط بهم فإن وظيفتهم وحقهم يدور معهم أينما داروا وإن كانوا لا يحصون ولا يحاط بهم فكل من انتقل منهم من تلك البلدة انقطعت وظيفته من الوقف ويعطى من كان مقيما بها وإن لم يبق أحد منهم مقيما بها تصرف الغلة إلى الفقراء قال الفقيه أبو الليث فإن رجعوا إلى البلدة وأقاموا بها رجعت إليهم الغلة في المستقبل ولو وقف على من تزوَّج من قرابته تكون لمن تزوّج وكذالك لو وقف على من اسلم من قرابته تكون لمن أسلم دون من خلق مسلما ولو قال وقفت على أولادي لصلبي ما داموا صغارا فإذا بلغوا قطعت الغلة عنهم وكانت ليد ما دام حيا فإذا مات ردت إلى أولادي لصلبي ثم من بعدهم لأولادهم ونسلهم أبدا ثم على المساكين أو قال على ولدي عشر سنين ثم تكون لزيد ما دام حيا ثم من بعده ترد إلى
стр. 108
ولدي ونسله أبدا على المساكين صح الوقف ويجري على ما شرطه ولو وقف على الأصاغر من ولده تكون الغلة لمن كان صغيرا من ولده يوم الوقف ولا يكون لمن يحدث له من الولد شئ منها لأن الصغر وإن كان يزول لكن يزول زوالا لا يعود فكان ذكره بمنزلة اسم العلم بخلاف الفقر وسكنى بغداد فإنهما يحتملان العود بعد الزوال فلا يكونان بمنزلة اسم العلم فتعتبر الصفة وقت وجود الغلة ولو قال على الأكابر من ولدي كان للأكبر منهم يوم الوقف ولو قال على أولادي العوران أو العميان كان لهم خاصة دون غيرهم لأنه علق الاستحقاق بوصف لا ينتقل عنه صاحبه فصار بمنزلة الاسم فيعتبر ذلك الوصف فيهم يوم الوقف لا يوم الغلة وهكذا الحكم لو شرط هذه الشروط في كل موقوف عليه من أقاربه أو من الأجانب والله أعلم.
[باب الوقف على أهل بيته وآله وجنسه وفيه منقطع البعض]
أهل بيت الرجل وآله وجنسه واحد وهو كل من يناسبه بآبائه إلى أقصى أب له في الإسلام وهو الذي أدرك الإسلام أسلم أو لو لم يسلم فكل من يناسبه إلى هذا الأب من الرجال والنساء والصبيان فهو من أهل بيته (١) والقرابة والأرحام والأنساب كل من يناسبه إلى أقصى أب له في الإسلام من قبل أبيه وإلى أقصى أب له في الإسلام من قبل أمه فكل من كان من هؤلاء فهو قرابته ما خلا أبويه وولده لصلبه فإنهم لا يسمون قرابة فيكون ولد ولده وأجداده وجداته داخلين في القرابة وسيأتي ما في ولد الولد والجد من الخلاف في الفصل الآتي فلو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبدا على أهل بيتي فإذا انقرضوا فهي وقف على المساكين تكون الغلى للفقراء والأغنياء من أهل بيته ويدخل فيه أبوه وأبو أبيه وإن علا وولده لصلبه
стр. 109
وولد ولده وإن سفل والذكور والإناث والصغار والكبار والأحرار والعبيد فيه سواء والذمي فيه كالمسلم ولا يدخل فيه هو ولا الأب الذي أدرك الإسلام ولا الإناث من نسله إذا كان آباؤهم من قوم آخرين وإن كان آباؤهم ممن يناسبه إلى جدّه الذي أدرك الإسلام فهم من أهل بيته وعلى هذا التفصيل أولاد عماته وأولاد أخواته ولو قيده بفقراء أهل بيته تقيد بهم ويعتبر الغنى والفقر وقت وجود الغلة فمن استغنى قبل ذلك حرم ومن افتقر رزق ولو تأخر صرف الغلة لعارض مدَّة سنين فافتقر الغني واستغنى الفقير يشارك المفتقرين حين القسمة الفقير وقت وجود الغلة بخلاف ما لو تأخرت لمانع فحدث له جماعة من أهل بيته فإنهم إنما يشاركون من كان قبلهم فيما يأتي من الغلة بعد وجودهم لا فيما كان موجودا قبلهم ولو استغنى كل أهل بيته تصرف الغلة إلى المساكين وإن افتقروا تعود إليهم ولو وقفت المرأة على أهل بيتها لا يدخل فيه ولدها ولا أمها إلا أن يكون زوجها أو أمها من أهل بيتها ولو قال ارضي هذه صدقة موقوفة لله أبدا على أهل بيتي أو على قرابتي ومن بعدهم على المساكين يصح الوقف وتكون الغلة لأهل بيته دون قرابته لدخولهم في الوجهين جميعا بخلاف القرابة فإنهم يدخلون في حال إرادة القرابة دون إرادة أهل البيت ولا يعطون بالشك ولو قال على عمي وأولاده أو على أهل بيتي ومن بعدهم على المساكين يصح أيضا لاستحقاق عمه وأولاده الوقف في الوجهين جميعا إما بأنفسهم وإما بآبائهم من أهل البيت ثم يضم إليهم بقية أهل البيت وتقسم الغلة على عدد رؤوسهم ويعطى لعمه ولأولاده ما أصابهم ولا شئ لبقية أهل البيت لثبوتهم في حال وسقوطهم في حال ويكون ما أصابهم للمساكين بخلاف ما لو قال على زيد أو على عمرو ثم على المساكين فإنه لا يصح وقد تقدم توجيهه في باب الوقف الباطل والله أعلم.
[فصل في الوقف على قرابته أو أرحامه أو أنسابه أو عياله أو أهله أو أقرب الناس إليه]
لو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبدا على قرابتي أو قال على أرحامي
стр. 110
أو أنسابي أو رحمي أو ذي نسب مني فإذا انقرضوا فهي على المساكين جاز الوقف وتصرف غلته إلى قرابته الموجودين يوم الوقف وإلى من يحدث من قرابته أبدا ولا يدخل فيه أبواه ولا أولاده لصلبه وتدخل فيه النافلة وإن سفلت والأجداد والجدات من قبل الآباء والأمهات وإن علوا ويدخل فيه المحارم وغيرهم من أولاد الإناث وإن بعدوا وهذا عندهما وعند أبي حنيفة تعتبر المحرمية والأقرب فالأقرب للاستحقاق وليس ابن الابن والجد من القرابة عند أبي حنيفة وأبي يوسف فلا يدخلان وعند محمد هما منها فيدخلان وفي الزيلمي ويدخل فيه الجد والجدة وولد الولد في ظاهر الرواية وعن أبي حنيفة وأبي يوسف انهم لا يدخلون ولو قال على قرابتي من قبل أبي وأمي وكان له قرابة من قبل أبيه فقط وأخرى من قبل أمه فقط كان الوقف بين الفريقين نصفين سواء تساوى العدد أو اختلف ويكون نصف كل فريق بينهم بالسوية لأن مراده أن تكون الغلة لقرابته من الجهتين جميعا لا أن تجتمع القرابتان معا في واحد ولو قال على ذوي قرابتي لا يكون ذوو القرابة أقل من اثنين عند أبي حنيفة وعندهما يطلق إلى الواحد أيضا فإذا كان له عمان وخالان تكون الغلة للعمين وكذلك الحكم لو كان له عم وعمة وخالان وإذا كان له عم واحد وأخوال وخالات يكون النصف للعم والنصف الآخر للأخوال والخالات على عددهم وهذا كله في قول أبي حنيفة وفي قولهما تكون الغلة بين الأعمام والعمات والأخوال والخالات على عددهم ولو قال على إخوتي وله ثلاثة إخوة متفرقين تكون الغلة بينهم قال الخصاف وهذا من الحجة على أبي حنيفة في العمين والخالين ولو قال على قرابتي دخل فيه كل قريب له صغيرا كان أو كبيرا ذكرا أو أنثى مسلما أو ذميا حرا أو عبدا والرد والقبول إلى العبد دون السيد فإن رد العبد وقبل السيد بطل وبالعكس صح وتكون الغلة للسيد فإذا أعتق انتقل إليه، ولو قال على عيالي يدخل فيه كل من كان في نفقته ولو لم يكن ذا
стр. 111
رحم محرم منه ولو قال على أهلي قال أصحابنا في القياس تكون الغلة لزوجته خاصة ولكن يستحسن أن تكون لكل من يعول في منزلة من الأحرار دون العبيد ولو كان له زوجتان في بلدتين يدخل في الوقف كل من يعول في منزله مع المرأتين ولو قال على إخوتي فإذا انقرضوا فهي على إخوتي من قبل أبي وكان له إخوة متفرقون كان الوقف عليهم جميعا ثم تكون من بعدهم على المساكين لأنه يستحيل أن تكون عليهم ومن بعد موتهم على إخوته لأبيه وهم من جملة الإخوة الموقوف عليهم ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله على أقرب الناس مني أو قال إليّ ومن بعده على المساكين تصرف الغلة لأقرب الناس منه فلو كان له ولد وأبوان تكون الغلة لولده ذكرا كان أو أنثى لأنه أقرب إليه من أبوية ثم من بعده تكون الغلة للمساكين دون أبويه لأنه وقف هكذا ولو يقل للأقرب فالأقرب ولو كان له أبوان كانت الغلة بينهما نصفين ومن مات منهما انتقل نصيبه للمساكين لعدم جعله نصيب من مات منهم لمن بقي ولو كان له أم وإخوة تكون الغلة لأمه دون إخوته لكونها أقرب إليه منهم ولو كان له أم وجد لأب كانت الغلة لأمه ولو كان له جد لأب وإخوة تكون الغلة للجد على قول من يجعله بمنزلة الأب وعلى القول الآخر تكون الغلة للإخوة لأن من ارتكض مع الواقف في رحم أو خرج معه من صلب كان أقرب إليه ممن كان بينه وبين الواقف حائل ولو كان له أب وابن ابن تكون الغلة لأبيه دون نافلته لكون الأب أقرب إليه منه ولو كان له بنت بنت وابن ابن ابن تكون الغلة لبنت البنت لأنها أقرب إليه منه لإدلائها بواسطة وإدلائه بواسطتين وإن كان الميراث له دونهما لأن الوقف ليس من قبيل الميراث ولو قال على اقرب قرابة مني وكان له أبوان وولد لا يدخل واحد منهم في الوقف إذ لا يقال لهم قرابة
[فصل في بيان الأقرب من قرابته]
لو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله عز وجل
стр. 112
أبدا على أقاربي على أن يبدأ بأقربهم إليَّ نسبا أو رحما فيعطى من الغلة ما يكفيه لطعامه وكسوته في كل سنه ثم يعطى من يليه في القرب كذلك وهكذا حتى تنتهي البطون ثم ما فضل عنهم يصرف للمساكين كان الوقف صحيحا وتصرف غلته على ما شرطه فلو كان له إخوان أو أختان أحدهما لأبويه والآخر لأبيه يبدأ بمن لأبويه ثم بمن لأبيه وحكم أولادهما كحكمهما ولو كان أحدهما لأبيه والآخر لأمه يبدأ بمن لأبيه عند أبي حنيفة وعن أبي يوسف ومحمد هما سواء لأنه قد ارتكض مع الأخ لأم في بطن الأم ومع الأخ لأب في صلب الأب ولو اجتمع ثلاثة من الإخوة والأخوات متفرقين يجري الخلاف والثاني والثالث إن فضل عن الأول شئ من الغلة وحكم الفروع كحكم أصولهم إذا اجتمعوا متفرقين ولو كان له ثلاثة أعمام وعمات متفرقين أو ثلاثة أخوال وخالات كذلك كان من لأبوين أولى ممن لأب والخال أو الخالة لأبوين أولى من العم لأم أو لأب كعكسه والعم أو العمة لأبوين مقدم على الخال أو الخالة لأبوين على قول أبي حنيفة وعلة القول الآخر هما سواء ومن لأب منهما أولى ممن لام في قول أبي حنيفة وفي قولهما هما سواء وحكم الفروع إذا اجتمعوا متفرقين كحكم الأصول وعند أبي يوسف ومحمد قرابته من جهة أبيه وقرابته من جهة أمه سوا ذكورا كانوا أو إناثا أو مختلطين ويقدم الأقرب فالأقرب منهم عملا بشرط الواقف ولو كان له أخ لأب أو لأم وابن أخ لأبوين يقدم أخوه على ابن أخيه لأبويه وابن الأخ لأب مقدم على ابن ابن الأخ لأبوين ولو كان له عم لأبوين وأخ لأم كان الأخ مقدما وأولاد الأخوة ولو لأم وإن بعدوا يقدمون على الأعمام والعمات ولو لأبوين فلا يعطى ولد الجد حتى يفرغ ولد الأب اعطاء وهكذا كلما ارتفع إلى بطن لا يعطى من فوقه حتى يفرغ هو ونسله اعطاء أو موتا ولو كان له جد لأم وابنة أخ لأم كان الجد عند أبي حنيفة أولى وعندهما بنت الأخ من الأم أولى ولو كان له بنت أخ لأبوين
стр. 113
أو لأب وجد لأم كان الجد عند أبي حنيفة أولى وعند أبي يوسف بنت الأخ أولى وبنت البنت مقدمة على الجد أبي الأم وبنت البنت مقدمة على بنت بنت الابن وبنت البنت كابن البنت اتحدت الأم أو اختلفت وبنت العمة مقدمة على عمة أبيه ولو لأبويه وخالته مقدمة على بنت عم أبيه وبنت خالته مقدمة على خال أبيه قال الخصاف فإن ترك عما وعمة وخالا وخالة فعلى مذهب أبي حنيفة ان نصف الغلة للعم والنصف الباقي بين العمة والخال والخالة أثلاثا وعلى قول أبي يوسف ومحمد الغلة بينهم جميعا بالسوية وإن ترك عمة وخالا وخالة فالغلة بينهم جميعا في القولين وينبغي أن يحمل العم في الصورة الأولى على أنه لأبوين والبواقي لأب أو لأم وفي الثانية على أن الكل لأب أو لأم حملا للمطلق على ما ذكره هو وغيره مفصلا من تقديم ذي الأبوين من الجهتين على ذي الأب منهما ومن تقديم الإمام ذي الأب على ذي الأم والله أعلم.
[فصل في إثبات قوم مشاركة القرائب فيما وقف عليهم]
لو قال أرضي هذه صدقة موقوفة على قرابتي من جهة أبي ومن جهة أمي كان الوقف عليهم جميعا وتقسم الغلة بينهم على عددهم يستوي فيها الغني والفقير فلو جاء قوم إلى القاضي وقالوا نحن من قرابة الواقف وجحدهم المعروفون من قرابته يأمرهم القاضي بإثبات قرابتهم منه بالبينة والخصم في ذلك وصي الواقف أو هو إن كان موجودا ولو كان له قرائب معروفون ثم اعترف بقرائب آخرين لا يسري إقراره عليهم إلا أن تكون عند عقدة الوقف ولو لم يكن له وصي أقام القاضي للوقف قيما وجعله خصما لمن يدعي أنه قرابة الواقف ولو أحضر المدعي وارث الواقف وادعى عليه لا يكون خصما إلا أن يكون قيما على الوقف لأنه خرج عن ملك الواقف ولم يدخل في ملك الوارث فكان الأمر فيه إلى القاضي لعموم ولايته ويشترط لقبول شهادة الشهود أن يشهدوا ويفسروا القرابة فإذا شهدوا بأنه أخوه لا بد أن يشهدوا بأنه لأبويه أو لأبيه أو
стр. 114
لأمه لأن القاضي لو قبلها قبل ذلك لقضى له بنسب مجهول ولا ينبغي له ذلك وكذلك في العم والخال وابن العم وابن الخال فإذا ثبت كونه قريبا وشهدوا انهم لا يعلمون للواقف قرائب غير هؤلاء قسمت الغلة حينئذ بينهم على عددهم فلو غفل القاضي أن يسأل الشهود أنهم لا يعلمون له قرائب غيرهم أمرهم بإعادة البينة فإن لم يقدروا على من شهد لهم بذلك وطال الأمر يستحسن أن تفرق الغلة عليهم ويأخذ منهم كفلاء بما يدفع إليهم فإن أقام مدعي القرابة شاهدين فشهدا بأن القاضي الفلاني أشهدهم أنه قضى لهذا بأنه قريب فلان الواقف ولم يفسر شيئا يستحسن إجازتها وحملها على الصحة ولو كان الأوصياء جماعة يكتفي بالدعوى على واحد منهم ولو حكم القاضي لرجل بأنه قرابة الواقف ثم حضر ابنه وأقام بينة أنه ابن المحكوم له كفاه ذلك لاستحقاق الوقف والمرأة وابنها والجد وولد ولده وإن سفل كالرجل وابنه في حكم الحاكم ولو حكم القاضي لرجل بأنه قرابة الواقف وفسر الشهود قرابته لأبويه ثم جاء آخر وأقام بينة أنه أخو المقضي له من أبويه قضي له بها كذلك ولو فسروا قرابته بأنه لأبيه وأقام الآخر بينة انه أخو المثبت لأبيه قضي له كذلك وهكذا حكم قرابة الأم ولو قضى لرجل بأنه عم الواقف أو خاله مثلا وفسروا حاله ثم حضر رجل وادعى عليه أنه قرابة الميت وأقام على ذلك بينة يقبلها القاضي إن كان المقضي له اخذ من الوقف شيئا وإلا فلا لعدم كونه خصما وهذا استحسان وفي القياس يقبل مطلقا وإن شهد ابنا الواقف لرجل بأنه قرابة الواقف وفسراها قبلت الشهادة ودخل في الوقف ولو شهد رجلان ممن صحت قرابتهما من الواقف لرجل أنه قرابته وفسراها قبلت أن عدلا ودخل معهم في الوقف وإن لم يقبلهما القاضي لعدم ظهور عدالتهما جاز للمشهود له أن يشارك الشاهدين فيما ينوبهما من الغلة مؤاخذة لهما بزعمهما ولو شهد القرابة بعضهم لبعض بأن شهد اثنان لاثنين بالقرابة وشهد المشهود لهما
стр. 115
للشاهدين بالقرابة لا تقبل الشهادة والله أعلم.
[فصل في الوقف على فقراء قرابته وكيفيه إثباته وما بتعلق بذلك]
لو وقف رجل أرضه على الفقراء من قرابته أو على من افتقر منهم فأثبت رجل قرابته منه وفقره دخل في الوقف وقال محمد لو قال على من افتقر من قرابتي تكون الغلة لمن كان غنيا ثم افتقر ونفيا فيه اشتراط تقدم الغنى ولو قال على من احتاج من قرابتي فهي لكل من يكون محتاجا وقت وجود الغلة سواء كان غنيا ثم احتاج أو كان محتاجا من الأصل ومثله المسكين والفقير ولو وقف على فقراء قرابته وكان فيهم يوم مجيء الغلة فقير فاستغنى أو مات قبل أخذ حصته منها كان له حصته لثبوت الملك له وقت مجيئها ولو ولدت امرأة قرابته بعد مجيئها لأقل من ستة أشهر لا يستحق منها شيئا لأن مستحقها هو الفقير من قرابته والحمل لا يعد فقيرا إذ الفقر الحاجة وهو غير محتاج إلى شئ فصار بمنزلة الغني من قرابته وقت مجيئها بخلاف ما لو وقف على ولده أو وقف على قرابته فجاءت المرأة بولد لأقل من ستة أشهر من يوم مجيئها فإنه يستحق حصته منها لتعليقه الاستحقاق بالنسب ذكره هلال ﵀ وإذا وقفها على فقراء قرابته ولم تقسم غلة سنة حتى جاءت غلة أخرى وكان نصيب كل واحد من كل غلة نصابا استحقوا الكل إن دفعت إليهم الغلتان معا وإلا لا يستحقون الثانية لصيرورتهم أغنياء بقبض الأولى إلا إذا نقصت وكذلك لو وقف رجل على الفقراء من ولد زيد ابن عبد الله ووقف آخر على الفقراء منهم أيضا فجاءت غلة الوقفين استحقوا الكل إن دفعت الغلتان إليهم معا مطلعا وإلا فإن كان المدفوع إليهم أولا نصابا نصابا لا يستحقون الغلة الأخرى وتكون للمساكين وإن كان أقل من نصاب استحقوا الأخرى أيضا ولو قال كل من الواقفين على ولد زيد يعطى كل فقير منهم قوته من غلة هذا الوقف فجاءت الغلتان معا استحق كل فقير من غلة كل وقف قوتا وإن
стр. 116
جاءت إحداهما قبل الأخرى وأخذ منها كل واحد منهم قوته ثم جاءت الأخرى لا يستحقون منها قوتا آخر فإن كانوا قد أنفقوا بعض ما أخذوه من الأولى أخذوا من الثانية قوتا آخر وهكذا الحكم في وقف الرجل الواحد ارضين بعقدين بخلاف ما لو وقف أرضين بوقف واحد على هذا الوجه فإنه لا يستحق كل فقير غير قوت واحد ثم الفقير الذي يجوز له الدخول في الوقف على الفقراء هو الذي يجوز له أخذ الزكاة على ما بين في موضعه من كتاب الزكاة وكيفية إثبات الفقر أن يشهدوا أنه فقير لا يعلمون له مالا ولا عرضا يخرج بملكه إياه عن حال الفقر فإذا شهدوا له هكذا دخل في الوقف واحتمال أن له مالا ولا يعلمون به لا يضر في شهادتهم لأنه ليس عليهم أن يعلموا الغيب وإنما عليهم أن يشهدوا بما يظهر لهم من أمره كإثبات القاضي فقر المديون ولو كان لمثبت الفقر ولد غني تجب نفقته عليه لا يدخل في الوقف وإذا لم يعلم القاضي أن له ولدا حلفه أنه ليس له أحد تجب نفقته عليه فإن حلف دخل فيه وإلا فلا وسيأتي تمام الفروع فيما يليه فإن شهد له رجلان بالفقر بعد ما جاءت الغلة لا يدخل فيها وإنما يدخل فيما يحدث منها بعد الشهادة إلا أن يشهدا له في وقت ويسندا فقره إلى زمن سابق فإنه يقضي له بالاستحقاق من مبدأ الزمن الأول وإن طال، رجل ليس من قرابة الواقف ولكن أولاده من قرابته يجوز له أن يثبت فقرهم وقرابتهم منه إذا كانوا صغارا وأما الكبار العقلاء فإليهم إثبات قرابتهم منه وفقرهم ووصي أبيهم في ذلك كأبيهم ولو لم يكن لهم وصي وكان لهم أم يجوز لها ذلك ولو لم يكن لهم أم وكانوا في حجر أخيهم يجوز له أن يثبت ذلك استحسانا وكذلك العم والخال وهو نظير اللقيط في قبول المتلقط الهبة له وإذا أثبت فقرثم وقرابتهم وكانوا في عيال عمهم أو خالهم يدفع إليه ما صار لهم من الغلة إن كان موضعا له ويؤمر بإنفاقها عليهم وإلا تدفع إلى أمين ويؤمر بأن ينفقها عليهم وإذا أثبت القريب فقره
стр. 117
بالنسبة إلى وقف قريبه زيد مثلا ثبت فقره في حق كل وقف من أقاربه على فقراء الأقارب ويستمر مستحقا إلى أن يثبت أنه استغنى طالت المدة أو قصرت في القياس وفي الاستحسان وكلف شهودا على فقره في هذه الحالة إن طالت فلو قال بعض أهل الوقف للقاضي ان هذا أصاب مالا صار به غنيا وطلبوا منه أن يحلفه على ذلك يحلفه بالله ما هو اليوم غني عن الدخول معهم في الوقف ولا يحلفه أنه ما أصاب مالا صار به غينا لاحتمال أنه أصابه ثم افتقر وإذا مات القاضي المثبت للفقر والقرابة أو عزل تكفيه إقامة بينة عند القاضي الثاني أن الأول أثبت فقره وقرابته من الواقف ولو تعارضت بينه الفقر والغنى تقدم بينة الغني لأنها مثبتة ولو طلب معلومة عن مدة ماضية وهو غني وقت الطلب وقال إنما استغنيت الآن لا يعطى شيئا عما مضى ما لم يقم بينة على ما قال من حدوث الاستغناء وهذا استحسان وفي القياس ينبغي أن يكون القول قوله والله أعلم.
[فصل في الوقف على الصلحاء من فقراء قرابته أو الأقرب فالأقرب أو الأحوج فالأحوج منهم]
لو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبدا على الصلحاء من فقراء قرابتي ثم من بعدهم على المساكين صح الوقف واستحق غلته من فقراء قرابته من كان مستورا ولم يكن مهتوكا ولا صاحب ريبة وكان مستقيم الطريقة سليم الناحية كامن الأذى قليل الشر ليس بمعاقر للنبيذ ولا ينادم عليه الرجال ولا قذافا للمحصنات ولا معروفا بالكذب فهذا هو الصلاح عندنا ومثله أهل العفاف والخير والفضل ومن كان أمره على خلاف ما ذكرنا فليس هو من أهل الصلاح ولا العفاف ولو قال على قرابتي الأقرب فالأقرب ومن بعدهم على المساكين تصرف الغلة كلها للأقرب فالأقرب من قرابته واحدا كان أو أكثر بينهم بالسوية وإذا مات الأقرب انتقل الوقف إلى من يليه وهكذا كلما انقرض بطن ينتقل إلى من يليه إلى
стр. 118
آخر البطون فإذا لم يبق منهم أحد تكون الغلة للمساكين وهكذا الحكم لو قال تعطى غلته لأقرب الناس إلىّ نسبا أو رحما الأقرب فالأقرب أو قال الأدنى فالأدنى قال الحسن في رجل أوصى بثلث ماله للأحوج فالأحوج من قرابته وكان في قرابته من يملك مائة درهم مثلا وفيهم من يملك أقل منها أنه يعطى ذو الأقل إلى أن يصير معه مائة ثم يقسم الباقي بينهم جميعا بالسوية قال الخصاف ﵀ والوقف عندي بمنزلة الوصية ولو قال على ان يبدأ بالأقرب فالأقرب من فقراء قرابتي فيعطى من الغلة ما يغنيه يعطى الأقرب منهم مائتي درهم ثم الذي يليه كذلك إلى آخر البطون وان فضل شئ يكون بينهم وإن قصرت الغلة يبدأ بالبطن الأعلى فيعطى كل واحد نصابا ثم وثم كذلك إلى أن تنتهي الغلة صح الوقف وتصرف الغلة على ما شرط ولو قال على أن يبدأ بأقربهم إليّ نسبا أو رحما فيعطى من غلة هذا الوقف في كل سنة ألف درهم ثم يعطى من يليه في كل سنة تسعمائة درهم ثم من يليه في كل سنة ثمانمائة درهم وعلى نسبة هذا النقص إلى آخر البطون يصرف للبطن الأعلى ألف ثم وثم على ما شرط إلى أن تنتهي الغلة ثم يحرم من لم يفضل له شئ ومهما زاد من الغلة عما قال الواقف يكون للمساكين لاستيفاء الأقارب ما سمي لهم ولو قال على فقراء قرابتي الأقرب فالأقرب يبدأ بأقربهم إليه بطنا فيعطى كل واحد مائتي درهم ثم يعطى الذي يليه كذلك حتى تفرغ الغلة وهذا استحسان وفي القياس تعطى الغلة كلها للبطن الأقرب منه ولا يعطى لمن بعده شئ حتى ينقرض الأقرب ذكره هلال ولو جعل أرضه وقفا على فقراء قرابته ثم من بعدهم على المساكين وكان له أقارب فقراء وأقارب أغنياء وللأغنياء أولاد لأصلابهم كبار وصغار ذكور وإناث والكل فقراء تعطى الغلة لأقاربه الفقراء ولأولاد الأغنياء الذكور الكبار القادرين على الكسب دون الزمني والصغار والإناث الكبار لفرض نفقتهم على آبائهم فلا يدخلون فيه ومثله
стр. 119
لو كان الأب فقيرا وابنه غني ولو كان للأولاد الكبار الفقراء أولاد صغار فقراء لا يعطون شيئا من الوقف لوجوب نفقتهم على جدهم ذكره الخصاف وهلال وهكذا الحكم في المرأة الموسرة إذا كان لها أولاد كبار وصغار فقراء وهم أقارب الواقف ولو كان للواقف قرابة فقيرة وزوجها غني لا يفرض لها شئ من غلة الوقف لغناها بغنى زوجها ولو بالعكس يفرض له لعدم غناه بغناها ولو كان له قرابة فقيرة ولها أخ وابن أخ أو خال موسر تدخل في الوقف وإن كان يفرض لها النفقة عليهم والأصل أن الصغير إنما يعد غنيا بغنى أبويه أو جديه من جهة أبويه فقط وأن الرجل الفقير والمرأة الفقيرة إنما يعدان غنيين بغنى فروعهما وزوجها فقط ولا يعد الفقير غنيا بغنى غيرهم من القرائب قال الخصاف وهذا مذهب أصحابنا ﵏ ثم قال الصواب عندي وبالله التوفيق انه يجب أن يعطى هؤلاء وإن كان يفرض لهم النفقة على أحد ممن تلزمه نفقتهم لأنهم قالوا ان للرجل أن يأخذ من الزكاة إذا كان له منزل وخادم ومتاع بيت لأفضل فيه ثم قال ولا أقول أن فقيرا يكون غنيا بغنى غيره والنبي ﷺ يقول كل ذي مال أحق بماله من الناس أجمعين ورده هلال بما حاصل أن أمر الناس على خلافه لأنا رأينا الناس لم يجوّزوا في كلامهم أن يقولوا أولاد الأغنياء من الفقراء ويضيفونهم إلى غنى آبائهم فكان الغني عندهم على ذلك وتجوز وصاياهم على ذلك ووقوفهم على معانيهم التي نرى أنهم أرادوها والله أعلم
[فصل في وقف داره على سكنى أولاده ثم على المساكين وبيان من عليه المرمة]
لو قال رجل داري هذه صدقة موقوفة لله أبدا على أن يسكنها ولدي وولد ولدي ونسلي أبدا ما تناسلوا ثم من بعدهم تكون غلتها للمساكين صح الوقف ويكون سكناها لأولاده وأولاد أولاده ما بقي منهم أحد ولو لم يبق منهم غير واحد وأراد أن يؤجرها أو ما فضل عنه منها ليس له ذلك وإنما له السكنى فقط ولو كثرت
стр. 120
أولاد الواقف وضاقت الدار عليهم (١) ليس لهم أن يؤجروها وإنما تقسط سكناها على عددهم ومن مات منهم بطل ما كان له من سكناها وتكون لمن بقي منهم فلو كانوا ذكورا وإناثا وأراد كل من الرجال والنساء ان يسكنوا معهم نساءهم وأزواجهنّ معهن وحشمهم جاز لهم ذلك إن كانت الدار ذات مقاصير وحجر ويغلق على كل واحدة باب وإن كانت دار واحدة لا يمكن أن تقسم بينهم لا يسكنها إلا من جعل لهم الواقف السكني دون غيرهم من نساء الرجال ورجال النساء ولو جعل سكنى داره لبناته دون الذكور كانت لبناته لصلبه فقط ولو كان لهن أزواج كان الحكم فيهم كالمتقدمة ولو عمم سكناها لبناته وبنات أولاده وإن سفلن كانت السكنى لكل أنثى من ولده وولد ولده ونسله أبدا يقسم سكناها بينهن على عددهن ومن مات منهن سقط حقها وكذلك من تزوج منهن وخرجت مع زوجها فإن طلقها أو مات عنها وعادت عاد حقها في السكنى ولو شرط أن من تزوج منهن فلا سكنى لها سقط حق من تزوّج منهن ثم لا يعود حقها بموته أو طلاقها إلا أن يشترط أن من مات زوجها أو طلقها عاد حقها في السكنى وعلى هذا لو كان مكان البنات أمهات أولاد ولو شرط تقدم بطن على بطن كان كما شرط ولو شرط سكناها بعد انقراضهن أو تزوجهن للذكور من أولاد أولاده أبدا ما تناسلوا كان كما شرط ولو جعل سكنى داره لولده هم من بعده لرجل ليس لولده ولا لمن بعده ان يسكن غيره فيها إلا بطريق العارية دون الإجارة لأن العارية لا توجب حقا للمستأجر ولو جعل سكناها لواحد بعد واحد تكون مرمتها وإصلاحها على من بدأ به الواقف بالسكنى
стр. 121
ويقال له رماها مرمة لا غنى عنها وهي ما يمنع من خرابها ولا يلزمه أزيد من ذلك ولو وزر الأول حيطانها أو أدخل جذوعها في سقفها بدلا عما انكسر منها ثم مات وانتقلت الدار إلى الثاني يكون ذلك لورثة الأول ويقال للثاني إن شئت فادفع إليهم قيمة ذلك ويكون ملكا لك وإلا تؤجر ويدفع إليهم قيمة ذلك من الأجرة ثم يعود سكناها إليك ولو انهدمت وقال الأول أنا أبنيها وأسكنها كان له ذلك وإذا مات يكون البناء لورثته ويقال لهم ارفعوا بناءكم عن الدار وخذوه والفرق بين هذه وبين ما قبلها أن ما رمم به لا يمكن تخليصه أو تمييزه إلا بضرر بخلاف البناء فإن كله لهم فلهم أخذه وليس للثاني أن يمتلك البناء بقيمته بدون رضاهم ولو جصصها الأول أو طين سطوحها ثم مات لا ترجع ورثته بشئ لأن ما لا يمكن أخذ عينه هو في حكم الهالك ألا ترى أن رجلا لو اشترى دارا وطين سطوحها وجصصها ثم استحقت ليس له أن يرجع بقيمة ذلك وإنما يرجع بثمن الدار وبما يمكن هدمه وتسليمه إليه ويرجع بقيمته مبنيا على البائع لكونه مغرورا ولو امتنع من له السكنى من مرمتها أجرها القاضي ورممها من أجرتها ثم إذا استغنت ترد إلى من له السكنى وهكذا الحكم إذا صارت للمساكين تؤجر وترمم من غلتها وما فضل منها يكون لهم ولو امتنع احد الموقوف عليهم من الترميم تقسم الدار ويؤجر نصيبه مدة يحصل منها قدر ينوبه لو دفع من عنده ثم بعد ذلك يرد إليه نصيبه ولو قال جعلت سكناها لزيد مدة حياته إن شاء سكنها وإن شاء أجرها وأخذ غلتها وله أن يجعل سكناها لمن شاء من الناس يفعل ذلك كلما يراه وإذا مات زيد ومن جعل له زيد السكنى تؤجر وتكون غلتها للمساكين صح وكان لزيد أن يجعل سكناها لقوم بعد قوم وليس له أن يفوَّض لغيره ما فوَّض إليه إلا بشرط منه له عند الوقف ولو كان الموقوف عليهم مرتين فجعل التفويض المذكور لواحد منهم بعينه اختص به ولو جعل سكناها لرجل معين ثم من بعده لبناته أو أمهات أولاده صح والله أعلم.
стр. 122
[باب الوقف على العلوية أو المتعلمين في بغداد أو المدرسة الفلانية]
إذا وقف على المتعلمين فإن كان على متعلمي بلدة بعينها كبغداد مثلا وكان بعضهم يختلف إلى الفقهاء لكنه يشتغل بكتب العلم فيما يحتاج إليه لا يحرم وظيفته لأنه نوع تعلم وإن كان لا يشتغل أصلا لا يستحق شيئا فإن خرج منها مسيرة ثلاثة أيام بطلت وظيفته لأنه مسافر وإن خرج إلى ما دونها فإن مكث خمسة عشر يوما فكذلك لأنها مدة طويلة وإن مكث أقل منها فإن خرج لشيء له منه بدّ كالتنزه يحرم وإن كان لما لابد له منه كطلب القوت لا يحرم لأنها مدة يسيرة شغلها بما لا بد له منه وإن كان الوقف على ساكني مدرسة بعينها لا يستحق إلا من جمع بين السكنى والتفقه لأن السكنى مشروطة لفظا والتفقه مشروطة دلالة وعرفا والسكنى لا يتحقق فيها إلا بأن يأوي إلى بيت من بيوتها مع أثاثه وآلات السكنى فإن كان يتفقه فيها نهارا ويبيت خارجها للحراسة لا يحرم لأنه لا يخل بالشرطين وإن قصر في التفقه نهارا واشتغل بشغل آخر فإن كان بحال يعدّ من المدرسة رزق وإلا حرم ولو وقف على العلوية الساكنين ببلخ مثلا وجعل لهم شيئا من الوظيفة ومنهم من يغيب عن البلد سنة أو نحو ذلك قال الفقيه أبو بكر البلخي من غاب منهم ولم يبع مسكنه ولم يتخذ مسكنا آخر فهو من سكان بلخ ولا تبطل وظيفته ولا وقفه قال ودلت المسألة على جواز الوقف على بني هاشم كما تجوز الوصية لهم ولا يجوز صرف الزكاة إليهم هكذا قاله القاضي الإمام أبو زيد ﵀
[باب الوقف على قوم بتقديم بعض على بعض أو على رجلين ويجعل لكل واحد سهما معينا أو على ورثة فلان]
لو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبدا على زيد وعمرو ما عاشا ومن بعدهما على المساكين على أن يبدأ بزيد فيعطى من غلة هذه الصدقة في كل سنه ألف درهم
стр. 123
ويعطى عمرو قوته لسنة جاز الوقف ويبدأ بزيد فيدفع إليه ألف ثم يعطى عمرو قوته لسنة ومهما فضل كان بينهما نصفين لجمعه إياهما أولا بقوله على زيد وعمرو ولو لم يزد عليه لكان الكل بينهما إنصافا فأما فصل في البعض عمل به فيه فإن لم تف الغلة بما قال يقدم زيد ثم إن فضل عنه شئ يدفع إلى عمرو وإلا فلا شئ له وإن جاءت الغلة بعد موت زيد وكانت ثلاثة آلاف مثلا وقوت عمرو يعدل ألفا مثلا دفع إليه ألف لقوته ثم خمسمائة أخرى تكملة لنصف الغلة كما لو كان زيد حيا وفضل من الغلة شئ والباقي للمساكين ولو مات عمرو وبقي زيد كان الحكم كذلك يأخذ ألفا وخمسمائة والباقي للمساكين ولو لم يجمع بينهما أولا بأن قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبدا يبدأ بزيد فيعطى من الغلة ألفا ثم يعطى عمرو قوته لسنة فجاءت الغلة ثلاثة آلاف وكان قوت عمرو يعدل ألفا مثلا يعطى كل واحد منهما ألفا والألف الأخرى للمساكين لتعيينه لكل واحد منهما قدرا معينا ولو قال على زيد وعمرو وبكر يبدأ بزيد فتكون الغلة له أبدا ما عاش ثم لعمرو كذلك ثم لبكر كذلك ينفذ وقفه على ما قال من تقديم بعض على بعض ثم إذا انقرضوا تكون الغلة للمساكين ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبدا على زيد وعمرو ما عاشا لزيد من غلتها في كل سنة ألف درهم ولعمرو مائتان فجاءت الغلة ألفا تقسم بينهما أسداسا لزيد خمسة أسداس لضربه بكل الألف ولعمرو سدس لضربه بمائتين ولو قال لزيد نصفها ولعمرو ثلثاها تقسم الغلة على سبعة أسهم لزيد ثلاثة ولعمرو أربعة ولو قال لزيد نصفها ولعمرو ثلثها قسمت الغلة على اثني عشر شهما سبعة منها لزيد وخمسة لعمرو لأن صاحب النصف يأخذ ستة أسهم من اثني عشر وصاحب الثلث يأخذ منها أربعة ويبقى سهمان لم يقل الواقف فيهما شيئا فيكونان بينهما نصفين وإنما كانا بينهما ولم يكونا للمساكين لجعله كل الغلة لهما في أول كلامه ولو اقتصر على ذلك لكانت كلها أنصافا ولكن لما فصل عمل به أيضا
стр. 124
ألا ترى لو قال تجري غلتها في كل سنة على فلان وفلان لفلان من ذلك الثلث وسكت عن فلان الآخر أن الباقي يكون له أصله قوله تعالى وورثة أبواه فلأمه الثلث ولو قال تجري غلتها في كل سنة على زيد وعمرو لزيد من ذلك مائة درهم وسكت عن الباقي يكون لزيد مائة في كل سنة ويكون الباقي منها لعمرو فإن جاءت الغلة مائة فقط كانت لزيد ولا شئ لعمرو ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله على ورثة زيد ومن بعدهم على المساكين صح فإن كان له جماعة من الورثة تكون الغلة بينهم على عددهم الزوجة والأنثى كالذكر فلو نزلوا بالموت إلى واحد أو كان واحدا من الابتداء استحق النصف والنصف الآخر للمساكين ولو قال على ورثة فلان على قدر ميراثهم منه وكان فلان حيا فلا شئ لهم وتكون الغلة للمساكين لأنهم لا يسمون ورثته إلا بعد موته ولأنهم قد يموتون قبله فلا يكونون ورثته فإن مات عن ورثة ترجع الغلة إليهم على قدر ميراثهم منه ولو كانت عائلة فاستحقاقهم على نسبته كما لو ترك أختين لأبوين وأختين لأم وجدة ومن مات منهم تكون حصته للمساكين ولا ترد إلى من بقي لاستلزامه خلاف الشرط وأنه لا يجوز فلو مات عن أم وأخوين يكون تصحيح مسألته من اثني عشر للأم سهمان ولكل أخ خمسة فتجعل غلة الوقف كذلك ولا تتغير القسمة بموت أحد الأخوين إلى الأثلاث لكونه خلاف ميراثهم من موروثهم ولو قال على زيد وعلى ورثة عمرو على قدر ميراثهم منه ومن بعدهم على المساكين تكون الغلة بين زيد وورثة عمرو على عددهم فإذا كانت ورثة عمرو ابنين وابنتين قسمت الغلة على خمسة أسهم لزيد منها سهم وأربعة لورثة عمرو ثم تقسم بينهم على قدر ميراثهم منه للذكر مثل حظ الأنثيين فإن حدث لعمرو بعد موته ولد كان حملا دخل مع الورثة في الغلة ومن مات منهم صرف سهمه للمساكين ولا يرد إلى من بقي لما قلنا من
стр. 125
الاستلزام (١) ولو قال زيد وورثة عمرو على قدر ميراثهم منه استحق زيد النصف وورثة عمرو النصف ويقسم بينهم على نسبة ميراثهم منه ولو قال على زيد وورثة عمرو ولم يذكر قوله على قدر ميراثهم منه قسمت الغلة على زيد وورثة عمرو على عددهم فإذا مات أحد من ورثة عمرو يسقط سهمه وتقسم الغلة على زيد ومن بقي من الورثة ولا ينتقل نصيبه إلى المساكين لعدم المانع من الانتقال إليهم هاهنا وإذا مات زيد تنتقل حصته للمساكين لا إليهم لانفراده عنهم بما وقف عليه ولو قال على زيد وعمرو ونسله ليس لولد زيد من الغلة شئ وإنما هي لزيد وعمرو وولد عمرو لإضافة الولد إليه ولو قال على ولد زيد ومن بعدهم على المساكين تكون الغلة لولد زيد ولو كان واحدا ومهما حدث لزيد من الولد يدخل في الوقف ومن مات منهم يصير سهمه لمن بقي لا للمساكين لأنه إنما جعله لهم بعد ولد زيد فإذا انقرضوا تصير الغلة للمساكين (٢) ولو قال على ولد زيد وهم عمرو وبكر وخالد ومن بعدهم على المساكين فذكر ثلاثة مثلا تكون الغلة لهم فقط ولا شئ لمن عداهم من ولد ومن مات منهم يكون نصيبه للمساكين لأنه لما عدّهم صال كل واحد منهم منفردا عن غيره بما وقف عليه فتكون بعده للمساكين ولو قال على زيد وعمرو وبكر أبدا ما عاشوا ومن مات منهم عن ولد لصلبه أو ولد ولد وإن نزل كان نصيبه لولده تكون الغلة بينهم ومن مات منهم عن ولد ينتقل ما كان يخصه إلى ولده وولد ولده أبدا ولو قال وكل من مات من أهل هذه الصدقة وترك وارثا كان نصيبه منها لورثته على قدر ميراثهم منه شمل كل ورثته فلو مات عن بنت وإخوة وأخوات كلهم لأبوين أو لأب يكون نصف حصته لبنته والنصف الآخر بين إخوته للذكر مثل حظ الأنثيين ولو جعل أرضه
стр. 126
صدقة موقوفة لله أبدا على زيد وعمرو ولدى بكر ومن مات منهما عن ولد انتقل نصيبه إليه وإن مات عن غير وارث كان نصيبه مردودا إلى الباقي منهما جاز الوقف فلو مات أحدهما ولم يترك سوى أخيه لا يردّ إليه نصيبه بل يكون للمساكين لموته عن وارث ولو لم يكن أحدهما ممن يرث الآخر ومات أحدهما عن غير وارث انتقل نصيبه إلى الآخر والله أعلم.
[فصل في الوقف على قوم على أن يفضل أو يخص أو يحرم من شاء منهم أو يدخل معهم من شاء وفي أن يضعه أو يعطيه لمن شاء من الناس]
لو قال أرضي هذه صدقة موقوفة على بني فلان على أن لي أن أفضل من شئت منهم ومات قبل أن يفضل بعضهم على بعض كانت الغلة بينهم على السوية لعدم اتصال التفضيل بأحد منهم فإن قال فضلت فلانا فجعلت له كل الغلة لم تصح لأنه تخصيص وليس بتفضيل ولا بد أن يعطى لكل واحد منهم شيئا ثم يزيد من شاء منهم بما شاء من قليل أو كثير مطلقا أو مدة معينة ولو زاد وقال على بني فلان ونسلهم وفضل واحدا منهم وولده ونسله أبدا ما تناسلوا جاز وكان ذلك له ولنسله أبدا وليس له الرجوع فيه لأن التفضيل يلتحق بأصل الوقف بسبب اشتراطه فيه ولو فضل واحدا بنصف غلة سنة مثلا جاز وتكون أسوة شركائه فيما يحدث بعدها وتعود مشيئة التفضيل إليه ولو قال فضلت فلانا على إخوته بنصف الغلة وكانوا ثلاثة استحق المفضل ثلثيها وأخواه ثلثها لأن النصف صار له بالتفضيل والنصف الآخر يقسم بينهم أثلاثا لتساويهم فيه فيكون لكل سدس والنصف مع السدس ثلثان ولو قال لست أشاء أن أعطى لبني فلان شيئا من الغلة وأعطيها لغيرهم بطلت مشيئته في التفضيل وصارت بينهم جميعا لأنه لم يجعل لنفسه مشيئة غيرهم وإذا قال لست أشاء أن أعطي ولد فلان ونسله فقد أبطل مشيئته التي شرطها في التفضيل ألا ترى أن رجلا لو قال أوصيت بثلث مالي لبني
стр. 127
فلان على أن للوصي أن يفضل تعضهم على بعض فقال الوصي لست أرى أن أعطي أحدا منهم من هذا الثلث شيئا أن مشيئته قد بطلت وصار الثلث بينهم سواء فالوقف كذلك وإذا قطعها وأبطلها صار كأنه لم يشرطها في أصل العقد ولو قال على أن لي أن أخص غلتها بمن شئت منهم جاز له أن يخصها بواحد منهم مطلقا أو مدة معينة وبواحد بعد واحد وجاز له التفضيل أيضا وليس له الرجوع بعد ذلك وإذا خصها بواحد منهم ثم مات قبل الواقف عادت مشيئته لأنه إنما خص الرجل بغلتها حياته فتنقطع مشيئته في الاختصاص حياته فإذا مات الرجل فمشيئته في الاختصاص على حالها قال هلال وهذا عندي بمنزلة الذي قال قد اختصصت بغلة هذه السنة فلانا فإذا انقضت السنة عادت مشيئته في الاختصاص وإن مات بعده تكون الغلة بين من بقي منهم ولو قال على أن لي أن أحرم أو أخرج من شئت منهم ثم مات قبل ذلك تكون الغلة بينهم جميعا وإن أخرج واحدا منهم أو أخرجهم إلا واحدا منهم مطلقا أو مدة معلومة صح وليس له حرمان الجميع قياسا وإذا مات من بقي منهم أو أخرجهم كلهم بناء على الاستحسان تكون الغلة للمساكين وليس له أن يعيدها إليهم لأنه لما حرمهم غلتها أبدا فقد خرجت من أن تكون لهم وانقطعت مشيئته فيها وصارت للمساكين ولا أن يردها عن ذلك لأن فعله حصل عن مشيئة مشروطة في عقد الوقف فكأنه لم يسم أحدا من أولئك ولو قال أخرجت فلانا من غلتها فإن كان فيها غلة موجودة وقت الإخراج خرج منها فقط وإلا كان خارجا أبدا والتخصيص كذلك ولو قال أخرجت فلانا وفلانا أو قال أخرجت فلانا لا بل فلانا أو قال بل فلانا صارا مخرجين ولو قال أخرجت فلانا أو فلانا خرج أحدهما والبيان إليه وله إخراجهما لبقاء مشيئته فيهما وليس له إبقاؤهما لخروج أحدهما لا بعينه ويجبر على البيان فإن مات قبله تقسم الغلة على عدد من لم يخرجهم ويضرب لهما بسهم واحد ويقال لهما إن اصطلحتما كان
стр. 128
لكما وإلا فهو موقوف أبدا إلى أن تصطلحا وكذلك لو قال خصصت بها فلانا أو فلانا أبدا له إن يبين من خصه بها وإن مات بلا بيان كانت لهما كما وصفنا ولو قال على أن أدخل معهم من شئت جاز له أن يدخل معهم من شاء ولو غنيا وليس له أن يخرج منهم أحدا لعدم شرطه إياه وله ذلك مطلقا ومدة معينه ولو قال أدخلت فلانا بل فلانا صارا داخلين ولو قال أدخلت فلانا أو فلانا دخل أحدهما وليس له حرمانهما فيجبر على البيان وحكم الموت بلا بيان كما تقدم ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة على بني فلان على أن لي أن أعطي غلتها لمن شئت منهم ثم جعل لواحد منهم كلها أو بعضها مطلقا أو مدة معينة أو رتبهم فيها واحدا بعد واحد أو فضل بعضهم على بعض جاز وليس له تغيير ما فعل ولو جعلها لواحد منهم مدة فمضت أو مطلقا فمات عادت مشيئته وإن قال لا أشاء أن أجعلها لهم بطلت مشيئته وكانت بينهم بالسوية ولو قال وضعتها في غيرهم كان قوله باطلا وهي بينهم قياسا وفي الاستحسان مشيئته باقية فيهم ولو مات بنو فلان كلهم قبل أن يسمى لأحد منهم شيئا من الغلة بطلت مشيئته لتقييده إياها بهم وصارت للمساكين ولو مات الواقف قبل أن يسمى لأحد منهم شيئا كانت الغلة بينهم بالسوية لانقطاعها بموته ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبدا على أن لي أن أعطي غلتها لمن شئت من بني فلان صح الوقف والشرط وله أن يجعل غلتها لمن شاء منهم كما تقدم إلا انه إذا قال أشاء أن أعطي غلتها لأحد منهم ولكني أعطيها لغيرهم تبطل مشيئته في إعطائها لهم ولا مشيئة له في الإعطاء للغير لتصح فتكون الغلة للمساكين وكذلك إن مات قبل أن يشاءها لهم تكون للمساكين لأنه لما قال صدقة موقوفة لله أبدا ثم قال على أن لي أن أعطي غلتها لمن شئت من بني فلان كانت وقفا جائزا وكانت على المساكين غير أن له إن شاء في الغلة ومشيئته في صرفها عن المساكين إلى بني فلان خاصة فإن صرفها
стр. 129
إليهم جاز وإن شاء غيرهم أو مات قبل أن توجد منه مشيئة كانت للمساكين لذكره إياهم في صدر الوقف وإنما قوله على أن أعطي غلتها لمن شئت من بني فلان ثنيا فإن استثناها صح وإلا فالوقف للمساكين ولو شاءهم ثم مات منهم أحد جاز له صرف حصته إلى من شاء منهم دون غيرهم وإن أبطل مشيئته في حصته كانت للمساكين ولو شاءها لهم ولأولادهم صحت مشيئته لهم دون أولادهم لعدم اشتراطها له في أولادهم فإذا انقرضوا تكون الغلة للمساكين دون الفروع ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة على أن للقيم أن يعطي غلتها لمن شاء من الناس جاز له أن يصرفها إلى الفقراء والأغنياء ولو من ولده أو ولد الواقف ولو قال جعتها للأغنياء يبطل الوقف كما تقدم ولو جعلها لنفسه لا يجوز والوقف ومشيئته بحالهما لأن الإعطاء يستلزم معطي له والإنسان لا يعطي نفسه ولأنه يراد بمن شئت غيره كتوكيلها رجلا بأن يزوجها بمن شاء ليس له أن يزوجها من نفسه فإذا قال جعلتها لفلان ما عاش جاز وليس له أن يحولها عنه إلى غيره لأنه بمشيئته إياه صار كأنها شرطت له في عقد الوقف فلا يبقى له ما دام حيا فإذا مات عادت مشيئته ولو جعل لزيد غلة سنة مثلا بطلت مشيئته فيها وهي على حالها فيما بعد السنة وكذلك الحكم فيما لو شاء بعض الغلة لزيد ولو لم يجعلها لأحد حتى مات تكون للمساكين ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة على أن لفلان أن يضع غلتها حيث شاء جاز له ما جاز في الإعطاء وجاز له وضعها في نفسه ولو كلها مطلقا أو مدة معينة لأنه يمكن أن يكون الإنسان واضعا عند نفسه كما لو قال ثلث مالي إلى فلان يضعه حيث شاء فإنه يجوز له وضعه في نفسه.
[باب الوقف على الموالي]
لو قال رجل حر الأصل أرضي هذه صدقة موقوفة لله على مواليّ ثم من
стр. 130
بعدهم على المساكين صح وتكون الغلة لكل من أعتقه الواقف ولكل من أدركه العتق بعد الوقف حتى يدخل فيه المعتق بعد موته من مدبريه وأمهات أولاده والموصى بشرائهم وعتقهم والقسمة على الذكور والإناث سواء والمخالف لدين الواقف كالموافق لصدق المولي على الكل ويدخل فيه أولاد مواليه لأنهم مواليه إذ ليس لهم مولي غيره إلا من كان من أولاد موليات له وآباؤهم موال لغيره ولا يدخل موالي مواليه لتوسط من هو أولى بولائهم منه ولا مولى الموالاه مع مولى العتاقة ولا مع أولادهم ولو لم يكن له سوى مولي الموالاة استحق حينئذ استحسانا ولو مات أبو الواقف أو ابنه أو أخوه وله موال وورث ولاءهم لا يدخلون مع مواليه فيه ولا مع أولادهم بعد موت آباءهم ولو كان له موالي موال ولأبيه موال قد ورث ولاءهم تكون الغلة لموالي مواليه دون موالي أبيه ولو لم يكن موال وله موالي الأب قال أبو يوسف تعطى الغلة لموالي الأب وبه أخذ هلال ﵀ وهو استحسان ولو قال على مواليّ وأولادهم ونسلهم دخل في الوقف حينئذ أولاد بنات مواليه ولو لم يرجع ولاؤهم إليه أو كانوا من العرب لشمول النسل الذكور والإناث ولو قال على مواليّّّّ الذين وليت نعمتهم تكون الغلة لكل من أعتقه ولمن يناله العتق من جهته لا غير فلا يدخل أولادهم فيه لأنهم ليسوا ممن ولي نعمتهم وإنما صاروا موالي بالجر ولا يدخل مشترك الولاء فيه لعدم خلوص ولائه له ولو قال على مواليّ وموالي أبي أو أهل بيتي كان كما شرط ويدخل فيه موالي ابنه وأبيه دون موالي أخواله إلا أن يكونوا من أهل بيته فحينئذ تدخل مواليهم ولو قال على مواليّ وله موال أعتقهم أو والاهم وله موال أعتقوه لا يستحق أحد منهم شيئا من الغلة وتكون للمساكين كما لا تصح الوصية لهم لعدم جواز عموم المشترك ولا لأحد بعينه لعدم جواز الترجيح بلا مرجح ولو زوج الواقف عبده بحرة فجاءت منه بولد ثم أعتق عبده دخل
стр. 131
الولد مع أبيه في الوقف وكذلك لو زوج معتقته بعبد الغير فجاءت منه بولد يدخل في الوقف ما دام أبوه عبدا فإذا أعتق يبطل حقه منه لانجرار ولائه إلى مولي أبيه وهكذا الحكم لو زوجها بحر الأصل فجاءت منه بولد فنفاه ولاعنها وقطع القاضي نسبه عنه يدخل الولد في الوقف ومتى ما أكذب نفسه سقط حق الولد منه ولو اشترى معتق الواقف أمة مع رجل آخر ثم جاءت بولد فادعياه معا دخل الولد في الوقف لثبوت نسبه منهما ولو وقف على موالي زيد ومن بعدهم على المساكين فأقر زيد بأن مفتاحا هذا مولاه وصدّقه على عتقه إياه دخل في الوقف لأن الولاء بمنزلة النسب ولو قال على مواليّ وموالي مواليّ دخل مع مواليه موالي مواليه فقط ولا يدخل من بعدهم في الوقف ولو وقف على مواليه وله مواليات فقط كانت كل الغلة لهن لما ذكره محمد في السير حربي طلب الأمان لمواليه وله مواليات ليس معهن رجل دخلن جميعا في الأمان روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن مطرف عن الشعبي ﵀ أنه قال لا ولاء إلا لذي نعمة وهو قول ابن أبي ليلى وعثمان البتي ﵏ والله أعلم.
[فصل في الوقف على أمهات أولاده ومدبريه ومكاتبيه وممالكيه]
لو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبدا على أمهات أولادي أو قال على مدبريّ جاز الوقف حتى عند محمد بن الحسن أيضا في المشهور عنه وقد وضعه في كتاب الوقف وكتب في ذلك شرطا قال فيه لفلانة كذا ولفلانة كذا وكذا في كل شهر أو في كل سنة في حياة فلان وبعد وفاته وكذلك في مدبراته وشرط لهن مثل الذي شرطه لأمهات أولاده وقال بعض فقهاء أهل البصرة لا يجوز الوقف على أمهات أولاده بناء على عدم جواز الوقف على النفس وقد بيناه فيما تقدم فلو كان بعض أمهات أولاده عنده والبعض قد زوّجهن والبعض أعتقهن تكون الغلة لمن عنده وللمزوجات
стр. 132
دون المعتقات وإن مات المولى لأنهن صرن موليات له ويدخل فيه من يحدث له من أمهات الأولاد بعد الوقف قال بشر بن الوليد ﵀ سمعت أبا يوسف يقول في رجل أوصى بثلث ماله لأمهات أولاده وله أمهات أولاد عنده وأمهات أولاد قد أعتقهن في صحته وأمهات أولاد قد أعتقهن في مرضه القياس في هذا على وجهين أحدهما أن يكون الثلث لأمهات أولاده اللاتي لم يكن أعتقهن ويعتقن بموته دون من كان أعتقهن في حياته والثاني أن يكون الثلث لهن جميعا لأنه يقال لها بعد العتق أم ولد فلان ويقال لها مولاة فلان ويكون صادقا في الإطلاقين ويقال هذا ابن مهيرة فقد افترق اسم أم الولد واسم المهيرة وإن كانت أم ولد أعتقت وأحسن هذا كله عندنا والله أعلم أن يكون لأمهات أولاده اللاتي عتقن بموته وإن كان قد أعتق كل أمهات أولاده في حياته كانت غلة الوقف لهن جميعا والله أعلم. ولو وقف على أمها أولاد زيد أو على مدبراته كان حكمهن كحكم وقفه على أمهات أولاده ولو قال على سالم مملوك زيد ومن بعده على المساكين جاز الوقف وتكون الغلة تبعا لسالم فما دام عي ملك زيد فهي له وإذا باعه تنتقل معه إلى مشتريه لأن الوقف عليه ألا ترى أن قبول الوقف ورده إليه لا إلى سيده فلو ملكه الواقف بطل الوقف عن سالم بالكلية وصارت الغلة للمساكين حتى لو باعه الواقف لا يعود الوقف إليه لأنه بطل كونه وقفا عليه من حين الوقف وصار للمساكين ولو اشتراه الواقف مع رجل آخر بطل حقه من الوقف بقدر حصة الواقف منه وكانت للمساكين فإذا أعتق يكون له من الغلة بقدر حصة شريك الواقف والباقي للمساكين وهذا بناء على القول بعدم جواز الوقف على النفس قال في الكافي (١) ولو شرط الغلة لإمائه أو لعبيده فهو كاشتراطها لنفسه فيجوز عند أبي يوسف ولا يجوز عند محمد قال والفتوى
стр. 133
على قول أبي يوسف ولو وقف على فلانة أم ولد زيد وعلى فلانة مدبرة بكر وعلى فلانة مكاتبة عمرو ومن بعدهن على المساكين تكون الغلة بينهن أثلاثا فما أصاب المدبرة وأم الولد كان لسيدهما وما أصاب المكاتبة كان لها دون المولى فلو عجزت وردت إلى الرق يأخذ سيدها حصتها ولو أدت فعتقت صارت حصتها ملكا لها وهكذا الحكم إذا عتقت المدبرة وأم الولد بموت سيدهما والله تعالى أعلم.
[باب الوقف على فقراء جيرانه أو على زيد مدة معلومة ثم من بعدها على غيره ثم من بعده على المساكين]
لو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبدا على فقراء جيراني ومن بعدهم على المساكين صح الوقف وتكون الغلة على قول أبي حنيفة للفقير الملاصقة داره لدار الساكن هو فيها لتخصيصه الجار بالملاصق فيما لو أوصي لجيرانه بثلث ماله والوقف مثله وبه قال زفر وتكون لجميع السكان في الدور الملاصقة له الأحرار والعبيد والذكور والإناث والمسلمون وأهل الذمة فيها سواء وبعد الأبواب وقربها سواء ولا يعطي القيم بعضا دون بعض بل يقسمها على عدد رؤوسهم وعلى قولهما تكون الغلة للجيران الذين تجمعهم محلة واحدة لقوله ﵇ لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد وفسر بمن يسمع النداء الوسط من الأصوات وتفرقهم في مسجدين صغيرين متقاربين لا يخرجهم من أن يكونوا أهل محلة واحدة بخلاف ما إذا كانا كبيرين وتباعد ما بينهما فإنه يصير أهل كل مسجد جيرانا على حدة والأمصار التي فيها القبائل إن قال على فقراء جيراني من بني فلان ونسبهم إلى أب قريب كالفخذ أو البيت يعطى العرب منهم دون الموالي والسكان وإلى قبيلة فكذلك في القياس وفي الاستحسان تكون الغلة لتلك القبيلة من العرب وللموالي والسكان إذا كانوا فقراء
стр. 134
لأن معنى كلام الناس على هذا عرفا في وصاياهم فيعمل به ويترك القياس ذكره هلال ﵀ ومن انتقل من جوار الواقف أو استغنى سقط سهمه والعبرة للاستحقاق وعدمه بالمجاورة يوم قسمة الغلة فمن كان في ذلك الوقت جارا وفقيرا استحق وإلا فلا لا وقت مجئ الغلة إذ لو اعتبرت وقت مجيئها لربما أعطى الأغنياء منهم وانه خلاف الشرط ولو انتقل الواقف إلى محلة أو بلدة أخرى واتخذ فيها دار للإقامة انتقل الوقف معه وكانت الغلة لجيرانه وقت القسمة وهكذا كلما انتقل ينتقل الوقف معه ويستقر على مجاوريه وقت موته ولا ينتقل عنهم وإن انتقل ورثته منها أو باعوها ولو خرج مسافرا فمات في سفره قبل أن يتخذ سكنا في بلد تكون الغلة لجيران داره التي سافر منها ولو كان له داران وله في كل منهما أهل تكون الغلة لجيران الدارين جميعا سواء كانتا في محلتين أو بلدتين أو مات في أحدهما ولو مرض الواقف فحوله ولده أو أحد أقاربه إلى محلة أخرى فمات عندهم تكون الغلة لجيرانه الأولين وليس هذا كانتقاله عنهم وإنما هو بمنزلة الزيارة لهم ولو كان له إخوة وأخوال فقراء وهم من جيرانه استحقوا أيضا بخلاف أولاده وأولادهم وأبويه وجده وامرأته ومن مثلهم فإنهم لا يسمون جيرانا عرفا وعدم إعطاء ولد الولد والجد استحسان وفي القياس يعطون ولو كان ساكنا في دار له فتزوج امرأة وانتقل إلى بيتها ثم وقف على جيرانه تكون الغلة لجيران دار امرأته دون جيرانه الذين كان بين أظهرهم وهكذا حكم وقف المرأة ولو كان للواقف جيران ولواحد منهم منزل آخر في محلة أخرى فإنه يستحق من الغلة ولا يبطل حقه بتعدد منازله ولو ادعى كل من أهل محلتين أنهم جيران الواقف كان البيان في ذلك إلى الواقف إن كان حيا وإلا كلفهم القاضي إقامة البينة على دعواهم فمن برهن منهم قضي له بالغلة وإن برهنوا قضي بها للفريقين لجواز أنه كان جارا لهم بأن كان له بيتان في محلتين عند الوقف ومن ادعى الاستحقاق للفقر والجوار وكانا مجهولين أو أحدهما كلف البينة عليهما أو على
стр. 135
مجهولهما ولو وقف على زيد عشر سنين ثم من بعدها على وجوه سماها صرفت الغلة إلى زيد المدة المقدرة ثم بعدها تصرف في الوجوه التي ذكرها الواقف وكذلك لو أوصى بغلتها لرجل بعينه أيام حياته وأوصى أن تكون وقفا بعد موت ذلك الوجل على وجوه سماها وكانت تخرج من الثلث لزم الورثة تنفيذ الوصية ثم الوقف بعد موت الموصى له ولو أوصى بغلتها لرجل عشر سنين بعد موته وليس له وارث سوى ولد واحد فقال الولد وقفت هذه الضيعة بعد المدة المذكورة على المساكين جاز الوقف بخلاف ما لو قال رجل وقفت أرضي هذه بعد سنة تمضي على المساكين فإنه لا يصح لعدم كونه مبتوتا والله أعلم.
[باب الوقف في أبواب البر من الصدقة والاحجاج عنه أو الغزو وما أشبهه]
لو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبدا تصرف غلتها في كل سنة إلى الفقراء والمساكين أو قال في ختان أيتامهم أو كسوتهم وكسوة أراملهم أو قال في إصلاح القناطر والجسور بمصر مثلا أو قال يشتري بالغلة أكسية وثياب ويكسي بها فقراء المسلمين أو قال على فقراء أهل السجن الفلاني في البلد الفلاني أو قال في كفارات أيماني وفي زكاة كانت عليّ أو قال في قضاء ديني أو قال يحج عني عشر حجج أو قال يغزى بالغلة عشر غزوات ثم بعدها تكون للمساكين صح الوقف ووجب صرف غلته على ما شرطه الواقف ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة على الفقراء والمساكين وسائر سبل الصدقات ووجوه البر والخير تقسم الغلة على ثمانية أسهم إن جعل الفقراء والمساكين بسهم واحد كما هو قول الحسن واختيار هلال وعلى تسعة أن جعلا بسهمين كما هو رواية محمد عن أبي حنيفة فيجعل لهما سهم أو سهمان ويسقط سهما العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم ويجعل لكل نوع من الرقاب وما بعده سهم سهم ولوجوه البر والخير ثلاثة أسهم ولو ذكر معهم فقراء قرابته مثلا يؤخذ عدد رؤوسهم
стр. 136
فيضم إلى الثمانية أو التسعة فما بلغ تقسم الغلة عليه وليس للقيم أن يزيد بعض هذه الوجوه على بعض بل يقسمها عليهم بالسوية لكونه ملحقا بالوصية دون الزكاة ولو قال هي صدقة موقوفة في أبواب البر فاحتاج ولده أو ولد ولده أو قرابته يصرف إليه من الغلة لأن الصدقة عليهم من أبواب البر وكذلك لو جعلها صدقة موقوفة على المساكين فاحتاج ولده فإنه يدفع إليه الغلة لأنه من المساكين ولقول النبي ﷺ لا يقبل الله صدقة ورحم محتاجة فيكون ولده وقرابته أحق ولكن لا يتعين بحيث لا يجوز الدفع لغيره وإن كان بجعل قاض بل على وجه الاستحباب والأفضلية ولو عزل القاضي أو مات يجوز لمن يلي بعده أن يجريه عليه وأن يبطله لعدم كون فعل الأول قضاء ومن مات منهم أو استغنى سقط وحكم ورثته كحكمه إن كانوا أقارب الواقف وكذلك جيران الواقف إن كانوا فقراء ينبغي للقاضي أو القيم أن يعطيهم من الغلة ما يراه ولو كان على الواقف دين لا يوفى دينه من غلة هذا الوقف وللوالي تقديم الموالي كتقديم الأقارب والجيران ولو أوصى أن تجعل داره صدقة موقوفة بعد وفاته على المساكين جاز أن يصرف من غلتها على الفقراء من أولاده وليس هذا بوصية لهم وإنما هو صدقة للفقراء بخلاف ما لو أوصى بثلث ماله للفقراء فإنه لا يعطى ولده لصلبه شيئا منه ولو قال بعض فقهاء أهل البصرة لا يعطى أحد ممن يرث الوقف شيئا من الغلة فجعله وصية وهي لا تصح لوارث والله أعلم.
[باب الوقف على قوم على أنه إن احتاج قرابته يرد الوقف إليهم]
لو جعل أرضه وقفا على زيد وولده ونسله وعقبه ثم من بعدهم على المساكين على أنه إن احتاج قرابته يرد الوقف إليهم صح ويستحق الغلة زيد وأولاده ومتى احتاج بعض قرابته يرد الوقف إليهم ولا يشترط في رده إليهم احتياج كلهم لأنه قصد بالرد إلى
стр. 137
قرابته المحتاج منهم لا احتياج جميعهم بخلاف ما لو قال إن احتياج ولد بكر بن عبد الله يرد الوقف من زيد وولده إلى عمرو فإنه لا يرد إلى عمرو إلا بعد احتياج جميع ولد بكر لأنه لم يقصد بالرد الحاجة وإنما قصد ردها إلى عمرو محتاجا كان أو غنيا وصار بمنزلة قوله جعلت أرضي هذه صدقة موقوفة على المساكين ما دام ولد زيد حيا فإذا ماتوا ترد الغلة إلى عمرو فإنها لا ترد إليه ما بقي منهم أحد وهكذا الحكم لو وقفها على جهة معينة ثم قال فإن احتاج ولدي أو ولد ولدي أو مواليّ ترد إليهم واحتاج البعض منهم فقط فإنها ترد إليهم وإذا استغنوا تقطع عنهم وترجع إلى ما كانت عليه ولو ادعى قرابته الفقر والحاجة وأنكر الموقوف عليهم دعواهم ان أثبتوه استحقوا الوقف وإلا فلا ولو وقفها على الفقراء والمساكين أو في الحج عنه في كل سنة أبدا على أنه إن احتاج جيرانه ترد الغلة إليهم فاحتاج البعض منهم فقط استحقوا الغلة كلها والله تعالى اعلم.
[باب وقف أرضين على جهتين واشتراط النفقة من غلة أحدهما على الأخرى أو تكميل ما سمي للموقوف عليه أحدهما من الأخرى]
لو وقف أرضا له على زيد ونسله وعقبه ووقف أرضا أخرى على وجوه سماها وعلى أن ينفق من غلتها على الأرض الأخرى في عمارتها وإصلاحها صح فلو شرط أن يكون من غلة أحدهما لزيد في كل سنه ألف درهم ولعمرو في كل سنه خمسمائة درهم ولبكر بعد ذلك ما يبقى من غلتها في كل سنة أربعمائة درهم فإن لم يبق من غلتها ما يعطى بكر أربعمائة درهم تمم له الأربعمائة من غلة الأرض الأخرى ثم يصرف ما يبقى من غلتها في وجوه البر تصرف غلة الأرضين على ما شرط فإن لم يفضل لبكر شئ من غلة الأرض التي شرط له منها الأربعمائة تعطى كلها له من غلة الأرض الأخرى وإن صدر منه بلفظ تمم له من الأرض الأخرى كما لو وقف أرضين وقال يعطى زيد من غلة هاتين
стр. 138
الأرضين ألف درهم وما فضل يصرف في كذا فأخرجت أحداهما ألفا ومائة مثلا ولم تخرج الأرض الأخرى شيئا فإنه يعطى زيد الألف كلها من غلة هذه الأرض وليس المراد أن يعطى من غلة كل أرض خمسمائة بل المقصود أن يعطى ألفا منهما أو من أحدهما ولو قال ينفق على أرض كذا الموقوفة من غلة هذه الأرض ما تحتاج إليه ويعطى فلان كذا وفلان كذا تقسم الغلة على القوم المسمين وعلى ما يحتاج إليه لنفقة تلك الأرض فيضرب لها بذلك فما أصاب النفقة جعل لعمارتها والباقي لمن سمي والله أعلم.
[باب الوقف على اليتامى والأرامل والأيامى والثيبات والأبكار]
لو جعل أرضه صدقة موقوفة لله أبدا على اليتامى صح واستحق الغلة كل من مات أبوه ولو يبلغ الحلم ذكرا كان أو أنثى بشرط كونه فقيرا لأن قصده بالوقف عليهم الفقراء منهم فقط ولقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه الخ وقد خص سهم اليتامى بالفقراء منهم فكذلك هاهنا ومن احتلم أو حاضت منع منها لقول النبي ﵇ لا يتم بعد البلوغ هذا إذا أطلق اليتامى وأما إذا قال على يتامى بني فلان أبدا فإن كانوا يحصون تكون الغلة للموجودين وقت الوقف سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو مختلطين لجعله إياه لأيتام معينين وإن كانوا لا يحصون تكون لكل يتيم منهم سواء كان موجودا وقت الوقف أو وجد بعده بشرط كونه فقيرا إذ هو حينئذ بمنزلة جعله إياه للمساكين وإذا خصه بأيتام بني فلان ينبغي أن يؤكده بقوله على الفقراء منهم دون الأغنياء وإذا لم يبق فيهم يتيم كان للمساكين ثم إذا حدث فيهم يتامى يعود إليهم لئلا يبقى فيه لأحد مطعن، ولو وقفها على الفقراء من يتامى أهل بيته الموجودين ومن سيحدث (١) فإذا انقرضوا واستغنوا تكون الغلة للمساكين وكلما حدث فيهم يتامى
стр. 139
تعود إليهم ثم إذا لم يبق منهم أحد أو استغنوا كان للمساكين صح الوقف وعمل به على ما شرطه ولو جعلها صدقة موقوفة لله أبدا تجري غلتها على يتامى قرابته من قبل أبيه وأمه فإن كانوا يحصون يوم الوقف استحقها كل من كان موجودا يومئذ غنيا كان أو فقيرا ويشاركهم كل من يحدث منهم بعد ذلك من اليتامى سواء كانوا فقراء أو أغنياء إذا كانوا يحصون ومن بلغ منهم سقط وإن كانوا لا يحصون يوم الوقف ولا يحصى من يحدث منهم بعده تكون الغلة للفقراء منهم دون الأغنياء وللقيم أن يعطيها لمن شاء منهم ثم متى صاروا يحصون تشاركهم الأغنياء فيها ولو قيدهم بالفقراء استحقها الفقراء منهم دون الأغنياء ويشارك الحادث بعد الوقف الموجود قبله فيها ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبدا على أرامل بني فلان ثم من بعدهم على المساكين صح الوقف واستحق الغلة الأرامل يوم الوقف والحادثات بعده سواء كن يحصين أو لا يحصين وهي للفقيرات منهن دون الغنيات قياسا له على الوصية بثلث ماله لأرامل بني فلان فإنه للفقيرات منهن دون الغنيات سواء كن يحصين أو لا يحصين فإن كن يحصين تكون الغلة بينهن بالسوية وإن كن لا يحصين أعطى القيم الغلة لمن شاء منهن وينبغي للواقف أن يؤكده بقوله للفقيرات منهن دون الغنيات وهكذا الحكم لو قال لأرامل أهل بيتي أو قال لأرامل أقاربي وينبغي أن يؤكده كما تقدم في اليتامى والأرملة كل امرأة مات عنها زوجها أو طلقها بعد ما بلغت مبلغ النساء دخل بها أو لم يدخل فمن لم تكن حاضت وقت طلاقها أو موت زوجها لا تدخل في الوقف لأن اسم اليتم لم يزل عنها بعد فلا تكون يتيمة وأرملة في وقت واحد ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبدا على أيامى قرابتي أو قال أيامى بني فلان فإن كن يحصين يصح الوقف وتجري غلته عليهن وإن كن لا يحصين لا يصح عليهن لأنا لا ندري لمن تعطى الغلة لدخول الغنيات مع الفقيرات لكونه
стр. 140
بمنزلة قوله جعلتها وقفا على بني شيبان أو بني تميم وبنو تميم أو شيبان أكثر من أن يحصوا فلا يصح الوقف عليهن وإنما يكون للمساكين هكذا ذكره الخصاف ولم يذكر الفرق بين الأرملة والأيم وما بعدها وهو محل تأمل والأيم كل امرأة جومعت بنكاح أو سفاح ولا زوج لها غنية كانت أو فقيرة بلغت مبلغ النساء أو لم تبلغ ومن لها زوج ليست بأيم لقول النبي ﷺ الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر واحتج أصحابنا على دخول الصغيرة التي جومعت ولا زوج لها بقول عمر ﵁ لما أراد أن يهاجر يا معاشر قريش من أحب منكم أن تتأيم امرأته فليلحق هذا الوادي فما تبعه منهم أحد فهذا يدل على أن الأيم هي التي قد أيمت من زوجها بعد الجماع وهي مثل الأعزب من الرجال إلا أن الأعزب يطلق على الذي لم يجامع قط وعلى الذي لا زوجة له ولا جارية يجامعها وأما الأيم فإنه لا يطلق على المرأة إلا بعد الجماع ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبدا على كل ثيب من قرابتي أو قال من بني فلان ثم من بعدهن على المساكين صح الوقف ثم إن كن يحصين يكون لكل من كان موجودا منهن يوم الوقف ولكل من يحدث بعده وإن كن لا يحصين تكون الغلة للمساكين لأنه لا يدري لمن تعطى الغلة لدخول الغنيات مع الفقيرات ثم إن صرن يحصين وقت القسمة ترجع الغلة إليهن وإلا فلا وهكذا يدور الاستحقاق وعدمه على الإحصاء وعدمه في وقت قسمة كل غلة والثيب كل امرأة جومعت ولو بحرام والزوج والبلوغ والغنى وعدمهم في كونها ثيبا سوا ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله على كل بكر من قرابتي أو قال من بني فلان ومن بعدهن على المساكين فإن كن يحصين يجوز الوقف عليهن وتكون الغلة لهن ما بقي منهن أحد ويستوي فيها من كان موجودا منهن يوم الوقف ومن يحدث بعده أبدا وأن كن لا يحصين فالوقف عليهن باطل ويكون للمساكين والبكر كل امرأة لم تجامع
стр. 141
بنكاح ولا بغيره وإن كان لها زوج والصغيرة والكبيرة والغنية والفقيرة سواء وزوال عذريتها بحيض أو علة لا يحرجها من حكم الإبكار إذن البكر هي التي لم تبتكرها الرجال ولو تجامع والله أعلم.
[باب أوقاف أهل الذمة والصابئة والزنادقة والمستأمنين]
الأصل في هذا الباب أن ما كان وقفه أو الوقف اعليه قربة عندنا وعندهم يصح وقفه والوقف عليه وما كان قربة عندنا فقط أو عندهم فقط لا يصح وقفه ولا الوقف عليه فلو قال ذمي يهوديا كان أو نصرانيا أو مجوسيا أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبدا على ولدي وولد ولدي ونسلي وعقبي أبدا ما تناسلوا ثم من بعدهم على المساكين صح الوقف وتكون الغلة لولده ونسله ومن بعدهم تكون لمن سمي من المساكين وإن سمى مساكين المسلمين لأن هذا مما يتقرّب به أهل الذمة في دينهم إلى الله تعالى وإن لم يعين مساكين المسلمين يجوز صرف الغلة لمساكين أهل دينه ولمساكين المسلمين وغيرهم ولو كان الواقف نصرانيا مثلا وقال على مساكين أهل الذمة جاز صرفها لمساكين اليهود والمجوس لكونهم من مساكين أهل الذمة ولو عين مساكين أهل دينه تعينوا ولا يجوز صرفها لغيرهم فإن فرقها القيم في غيرهم يكون ضامنا لما فرق لمخالفته الشرط وإن كان أهل الذمة ملة واحدة لتعين الوقف بمن يعينه الواقف ألا ترى أن المسلم لو خص وقفه بفقراء جيرانه لا يكون لغيرهم من الفقراء فيه حق ولو جعل داره بيعة أو كنيسة أو بيت نار أو وقفها أو أرضا له على ما ذكر أو على القسيسين أو الرهبان وأشهد على أنه أخرجها عن ملكه للوجه الذي سمى في حال صحته لا يجوز ويكون باطلا وهي كسائر أمواله تورث عنه بعد موته وكذا لو جعل داره مسجدا للمسلمين أو أوصى بأن يحج عنه يكون الوقف باطلا لكونه ليس مما يتقرب به أهل الذمة إلى الله تعالى ولو أوصى الذمي أن تبنى داره مسجدا لقوم
стр. 142
بأعيانهم أو لأهل محلة بأعيانهم جاز استحسانا لكونه وصية لقوم بأعيانهم وكذلك يصح الإيصال بمال لرجل بعينه ليحج به لكونه وصية لمعين ثم إن شاء حج بذلك وإن شاء ترك ولو وقف أرضه على الرهبان الذين في بيعة كذا أو على القائمين بها كان باطلا بخلاف ما لو وقفها على فقراء بيعة كذا فإنه يجوز لكونه قصد الصدقة ولو وقفها على مصالح بيعة كذا من عمارة ومرمة وإسراج وإذا خربت واستغنى عنها تكون الغلة لإسراج بيت المقدس أو قال للفقراء والمساكين يجوز الوقف وتكون الغلة للإسراج أو للفقراء والمساكين ولا ينفق على البيعة منها شئ ولو انهدمت بيعة أو كنيسة من كنائسهم القديمة جاز لهم أن يبنوها في ذلك الموضع كما كانت وإن قالوا نحوّلها إلى موضع آخر لم يمكنوا منه بل يبنوها في ذلك الموضع على قدر البناء الأوَّل ويمنعون عن الزيادة عليه فقالوا بجواز إعادتها دون الوقف على مصالحها وظاهره مشكل لأن المنع عن الأدنى يستلزم المنع عن الأعلى والجواب أنه لما أقرهم عليها الإمام فقد عهد لهم بالإعادة عند الانهدام بخلاف الوقف فإنه إنشاء فعل فلا يجوز إلا على ما ذكر من أصل الباب ولو وقفها على ان يجهز بها الغزاة فإن كان في غزو قوم مخالفين لمذهبه وجعل آخره للمساكين صح الوقف وكان للمساكين وإن كان في غزو قوم مخالفين لأهل دينه وكان أهل دينه مما يتقربون بغزوهم جاز عليهم ولو وقفها في أبواب البر كانت الغلة للمساكين دون عمارة البيع والكنائس ونحوها مما هو من أبواب البر عندهم فقط ولو وقفها على أكفان موتاهم وحفر قبورهم صح وصرفت غلته فيما ذكر ولو وقفها على فقراء جيرانه صرفت الغلة إلى كل فقير من جيرانه مسلما كان أو ذميا ولو وقف داره على أن يسكنها الفقراء من أهل دينه فإذا استغنوا عن سكناها صرفت غلتها للفقراء صح وكان على ما شرطه وكذلك لو عين غلتها لأقوام معينين أو لأهل بيته أو لقرابته أو لمواليه أو للفقراء منهم ثم من بعدهم للمساكين فإنه
стр. 143
يصح ويدخل فيه من أهل بيته وقرابته كل من يناسبه إلى أقصى أب له أدرك الإسلام كالمسلمين لأن من يناسبه إلى هذا الأب معروف فيدخل ولده لكونه ولد معروف ويستحق الغلة من كان موجودا وقت الوقف ومن يوجد بعده أيضا من القرابة ولو وقفها على ولده ونسله وعقبه أبدا على أن من أسلم منهم فهو خارج عن الوقف كان كما قال ولو كان نصرانيا وقال من انتقل من دين النصرانية إلى غيره فهو خارج عنه فأسلم بعضهم وتهوّد بعضهم وتمجس بعضهم خرجوا من الوقف ولو وقف الذمي أرضه ثم جحد الوقفية وشهد عليه اثنان من أهل دينه أو من غير أهل دينه وهما عدلان في دينهما أو مسلمان على شهادة ذميين على إقراره بالوقف جازت الشهادة ولو شهد ذميان عند القاضي على شهادة مسلمين على إقراره بذلك لا يجوز لعدم جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين وهذه شهادة منهم على المسلمين على ما عندهم من الشهادة ولو شرط في وقفه الزيادة والنقصان والإدخال والإخراج أو استثنى الغلة لنفسه وغير ذلك جاز كالمسلمين ووقف نسائهم صحة وفسادا كوقف رجالهم وإسلامه بعد الوقف مما يزيده تأكيدا وأما الصابئة فهم عند أبي حنيفة بمنزلة أهل الذمة توضع عليهم الجزية وتجري عليهم أحكامهم وقال غيره إن كانوا دهريه ممن يقول ما يهلكنا إلا الدهر فهم صنف من الزنادقة والتحقيق ان الاختلاف فيهم لفظي لان كلا أجاب فيهم بما ترجح عنده أنهم عليه وأما الزنادقة فقد اختلف أصحابنا في الذمي الذي يتزندق فقال بعضهم نقرّه على ما اختار من ذلك ونضع الجزية عليه لأنا لو ذهبنا نأخذه بالرجوع إلى الذي كان عليه فإنما نرده من كفر إلى كفر وأنه لا يجوز وقال بعضهم لا يقرّ عليها وأما الحربي المستأمن فيجوز من الوقف ما يجوز للذمي ثم لا يبطل برجوعه إلى داره ولا بموته عندنا ولا بأبطاله إياه قبل عوده إلى داره ولا برجوعه إلينا ثانيا بأمان ولو أوصى بكل ماله صح لأن ورثته كالموتى بالنسبة إلينا لانقطاع حكمنا عنهم
стр. 144
[فصل في إقرار الذمي بأرض في يداه أن مسلما أو ذميا وقفها على وجوه سماها ودفعها إليه]
لو أقر ذمي في صحته أن هذه الأرض التي في يده وقفها رجل مسلم في أبواب البر أو قال في بناء المساجد أو في أكفان الموتى أو قال غير ذلك مما يتقرب به المسلمون إلى الله تعالى صح إقراره على الوجه الذي أقر به أن المسلم وقفها عليه وصرفت غلته فيه ولو أقر في صحته أن رجلا مسلما وقفها على البيع والكنايس وما أشبه ذلك مما لا يتقرب به المسلمون إلى الله تعالى يبطل إقراره وتكون الأرض كلها لبيت المال ولو أقر في مرضه الذي مات فيه أن رجلا مسلما مالكا لهذه الأرض وقفها وسلمها إليه فإن كانت تخرج من ثلث ماله نفذ إقراره بها على ورثته وإن لم تخرج من الثلث كان مقدار ثلث ماله نافذا من الأرض التي أقر أنها وقف ثم ينظر إلى الجهة التي أقر أن المسلم وقفها عليها فإن كانت مما يتقرب بها المسلمون إلى الله تعالى نفذ ذلك ... على الوجه الذي ذكره وكان وقفا وإلا كان لبيت المال ولو أقر في صحته أن ذميا وقفها وسلمها إليه يصح إقراره فيها إن ذكر وجها يجوز الوقف عليه وإلا يبطل إقراره وتكون كلها لبيت المال لكونه لم يسم لها مالكا ولو أقر بذلك في مرضه وذكر جهة لا يصح الوقف عليها يخرج منها مقدار ثلث ماله فيكون لبيت المال والباقي لورثته ولو أقر أن مسلما ونصرانيا وقفاها وهما مالكان لها يوم الوقف كان التفصيل والحكم في هذا الإقرار كالتفصيل والحكم المذكورين فيما لو أقر بأن الواقف لها واحد ولو أن مسلما وذميا في يديهما أرض فاقر المسلم بأن مالكها وقفها فإن ذكر وجوها لا يتقرب بها المسلمون إلى الله تعالى كان إقراره باطلا ويخرج النصف من يده فيكون لبيت المال إن كان إقراره في صحته وإن كان في مرض موته لم ينفذ إقراره على ورثته في النصف الذي في يده وإنما ينفذ في مقدار ثلثه فقط وعلى هذا التفصيل إقرار الذمي فيما في يده النصف والله تعالى أعلم.
стр. 145
[باب الارتداد بعد الوقف]
لو وقف رجل مسلم أرضه على المساكين أو في الحج عنه في كل سنة أو الغزو عنه أو في أكفان الموتى أو حفر القبور وما أشبه ذلك مما يتقرب به إلى الله تعالى ثم ارتد وقتل أو مات على ردته بطل وقفه وصار ميراثا عنه لحبوط عمله بها والوقف قربة إلى الله تعالى فلا تبقى معها وإن عاد إلى الإسلام لا يعود إلى الوقفية بمجرد العود فإن مات قبل أن يجدد فيه الوقفية كان ميراثا عنه ولو جعلها وقفا على ولده ونسله وعقبه ثم من بعدهم على المساكين ثم ارتد بعد ذلك عن الإسلام فمات أو قتل عليها يبطل الوقف وترجع ميراثا فإن قيل كيف يبطل الوقف وقد جعله على قوم بأعيانهم قلنا يجعل آخره للمساكين وذلك قربة إلى الله تعالى فلما بطل ما يتقرب به إلى الله تعالى بطل الباقي لأنه لما بطل ما جعله للمساكين بارتداده فكأنه وقف ولو يجعل آخره للمساكين وإذا لم يكن آخره لهم لا يصح الوقف على قول من لا يجيزه إلا بجعل آخره لهم وكذلك لو وقف على أهل بيته أو على قرابته أو على مواليه أو على بني فلان أبدا ثم من بعدهم على المساكين فإنه يبطل بموته مرتدا وقف وهو مرتد كان وقفه باطلا لأن أبا حنيفة ﵁ لا يجيز تصرفه في المال الذي في يده حتى لو قتل على ردته أو مات عليها يكون جميع تصرفاته في ماله باطلة والمحفوظ عن أبي يوسف أن بيعه وشراءه واستئجاره ونحوه جائز قال الخصاف ولم يرو عنه فيما يتقرب به إلى الله تعالى شئ نعرفه وقال ألا ترى أنه لو أوصى بعتق عبد له أو أوصى بحج أو بعمرة أو أوصى للمساكين بشئ ان ذلك باطل لا يجوز لأنه لا يملك من ماله شيئا بعد موته فكيف تجوز وصيته بحج أو بغزو أو بصدقة وهو كافر بالذي يتقرب إليه بذلك نسأل الله الثبات على الدين والموت على الإسلام بجاه النبي محمد عليه أفضل الصلاة وأتم السلام وعلى آله وأصحابه الأئمة العظام البرره الكرام والحمد لله على التمام