التوجيه القرآنى الحكيم، متدرجا من الأعلى إلى الأدنى في سلم العلاقات الإنسانية، ثم يمتد البر من ذوي القرابة ويتسع نطاقه، وينسحب خيره على المحتاجين جميعا في الأسرة الإنسانية الكبيرة، وهذا ما يوائم طبيعة النفس البشرية التي هي أميل إلى البدء ببر الأقربين، ويلائم منهج الإسلام العام في تنظيم المجتمع الإسلامي، إذ جعل التكافل الاجتماعي يبدأ من محيط الأسرة، ثم يمتد إلى دائرة الأقربين، ثم ينساح في محيط الجماعة، في سهولة ويسر، وفي تراحم ورضا وود، يجعل الحياة حلوة جميلة شائقة لائقة ببني الإنسان.
وصلة الرحم من المبادئ الإسلامية الأولى، والأصول الكبرى التي طلع بها هذا الدين على الدنيا منذ اليوم الأول الذي صدع فيه رسول الله ﷺ بالدعوة، مبينا أسسها، موضحا معالمها؛ فهي إذا من أبرز المعالم وأوضحها في شريعة هذا الدين، يشهد لذلك حديث أبي سفيان الطويل مع هرقل، إذ سأل أبا سفيان: فماذا يأمركم به نبيكم؟ فأجابه: يقول: ((اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة)) (١).
فقد جاءت صلة الرحم في عداد المعالم الكبرى لهذا الدين الحنيف، من توحيد لله، وإقامة للصلاة، والتمسك بالصدق والعفاف. ومن هنا كانت صلة الرحم من أبرز مميزات هذا الدين التي تعرض على أسماع السائلين عنه لأول مرة.
وفي حديث عمرو بن عنبسة ﵁ الطويل المشتمل على جملة
من قواعد الإسلام وآدابه، قال فيه: دخلت على النبي ﷺ بمكة، يعني في أول النبوة، فقلت له: ما أنت؟ قال: ((نبي؟ فقلت: وما نبي؟ قال:
стр. 107
((أرسلني الله))، فقلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: ((أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء ... )) (١).
وواضح أن الرسول الكريم في شرحه الموجز لأهم مبادئ الإسلام وقواعده في هذا الحديث قدم صلة الأرحام، فذكرها في طليعة تلك المبادئ والقواعد، وهذا يوحي بما لها من كبير المنزلة، وعظيم المكانة، في منهج هذا الدين الذي أنزله الله رحمة للعالمين.
ومن هنا استفاضت النصوص التي تحض على صلة الرحم، وترغب فيها، وتحذر من قطيعتها، وتتوعد جافيها.
فعن أبي أيوب الأنصاري أن رجلا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال النبى ﷺ : ((تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم)) (٢).
فصلة الرحم تأتي مع عبادة الله وتوحيده وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في سياق واحد، فهي إذا من أجل الأعمال الصالحات التي تضمن لصاحبها الجنة، وتقيه من النار.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه)) (٣).
فهي إذا بركة على الواصل في رزقه، وبركة عليه في عمره، تزيد في ماله وتنميه، وتطيل في أجله وتبارك فيه.
стр. 108
وكان ابن عمر يقول: ((من اتقى ربه، ووصل رحمه نسئ ت في أجله، وثرى ماله، وأحبه أهله)) (١).
وكما رأينا صلة الرحم بركة على صاحبها في رزقه وعمره، ورحمة من الله تتغشاه في دنياه وأخراه، ومجلبة لمحبة الناس له، والثناء عليه، فإننا نجد بالمقابل قطيعة الرجم شؤما على صاحبها وبلاء، ومقتا له من الله والناس، وبعدا له عن الجنة في دار القرار.
وحسب قاطع الرحم بلاء وشقاء وحرمانا أن يسمع قول الرسول ﷺ فيه: ((لا يدخل الجنة قاطع رحم)) (٢).
وحسبه شؤما وتعسا وضلالا أن الرحمة لا تتنزل على قوم هو فيهم، كما في الحديث الذي رواه البيهقي في شعب الإيمان:
((ان الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم)) (٣).
ولهذا كان الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁ لا يرضى أن يدعو الله في مجلس فيه قاطع رحم؛ لأنه يحول دون نزول الرحمة واستجابة الدعاء؛ فقد قال في أحد مجالسه عشية يوم خميس، ليلة الجمعة: ((أخرج (٤) على كل قاطع رحم لما قام من عندنا، فلم يقم أحد، حتى قال ثلاثا. فأتى فتى عمة له قد صرمها منذ سنتين، فدخل عليها، فقالت له: يا ابن أخي، ما جاء بك؟ قال: سمعت أبا هريرة يقول: كذا وكذا، قالت: ارجع إليه فسله: لم قال ذاك؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول:
стр. 109
((إن أعمال بني آدم تعرض على الله ﵎ عشية كل يوم خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم)) (١).
إن المسلم المرهف الحس، المتطلع إلى رضوان ربه وسلامة آخرته، لتهزه هذه النصوص من الأعماق؛ إذ تقرر أن قطيعه الرحم تحجب الرحمة، وترد الدعاء، وتحبط العمل، وإنه لبلاء كبير يحيق بالمرء أن يدعو فلا يستجاب له، ويعمل فلا يرفع له عمل، ويفيء إلى رحمة ربه فتبتعد عنه. ومن هنا لا يتصور أبدا أن يكون المسلم الحق قاطع رحم في يوم من الأيام.
إن قطيعة الرحم ذنب لا يبوء بإثمه مسلم استنار قلبه بهدي الإسلام، وتفتحت نفسه على طاعة الله وضوانه؛ ذلك أن قطيعة الرحم من الذنوب التي يعجل الله بها العقوبة، بل إنها في طليعة الذنوب التي يأخذ أصحابها بها فى الدنيا قبل الآخرة، كما جاء في الحديث الشريف:
((ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الآنيا- مع ما يدخر له في الآخرة- من قطيعة الرحم والبغي)) (٢).
فقطيعة الرحم والبغي صنوان، ولذا قرنهما رسول الله ﷺ في حديثه؛ ذلك أن قطيعة الرحم من الظلم، وأي ظلم أشد من تقطيع الوشائج، وفصم عرى المحبة، وتجفيف ينابيع الوداد؟!.
ولقد مثل رسول الله ﷺ هذا الظلم يقع على الرحم بالقطيعة، فقال:
((إن الرحم شجنة (٣) من الرحمن، تقول: يا رب، إني ظلمت،
стр. 110
يا رب، إني قطعت، يا رب، إني ... فيجيبها: ألا ترضين أن أقطع من قطعك وأصل من وصلك؟)) (١).
لقد أعلى الله من شأن الرحم، إذ جعلها شجنة من اسمه الرحمن، وكرمها، إذ اشتق اسمها من اسمه، فقال:
((أنا الرحمن، وأنا خلقت الرحم واشتققت لها من اسمي. فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته)) (٢).
وفي ذلك إشارة للمسلم المرقف أن واصلها ينعم في ظلال رحمة ربه الوارفة الندية البرود، موصولا منعما مكرما، وأن قاطعها محروم من تلك الظلال، مبتوت شقي مهان.
المسلم واصل رحمه حسب هدي الإسلام:
ومن هنا كان المسلم التقي الواعي واصلا رحمه، لا تلهيه الدنيا، ولا المال ولا الزوجة والولد، عن تفقد ذوي رحمه وقرابته، وبرهم وإكرامهم ومعونتهم، وهو في ذلك يتبع هدي الإسلام الحنيف الذي نظم هذه الصلة، فجعلها متسلسلة حسب الأهمية والقرب، فبدأ بالأم، ثم بالأب، ثم بالأقرب فالأقرب؛ فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، من أحق بحسن الصحبة؟ قال: ((أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك (٣)(٤).
وإن للمسلم في بره ذوي القربى لأجرين، أجر القرابة وأجر الصدقة، وهذا أدعى أن يتيمم في عطائه ذوي رحمه، إن كانوا بحاجة إلى المال،
стр. 111
فيغنم بذلك الأجرين عند الله، وخفق القلوب بحبه عند رحمه وذوي قرباه، وهذا ما حبب به الرسول الكريم ﷺ ودعا إليه في الحديث الذي روته زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود ﵄، قالت: قال رسول الله ﷺ :
((تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن)). قالت: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فقلت له: إنك رجل خفيف ذات اليد (١)، وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فأته فاسأله، فإن كان ذلك يجزئ عني (٢)، وإلا صرفتها إلى غيركم. فقال عبد الله: بل ائته أنت، فانطلقت، فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها، وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة، فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائت رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما (٣)، ولا تخبره من نحن، فدخل بلال على رسول الله ﷺ ، فسأله، فقال له رسول الله ﷺ : ((من هما؟ قال: امرأة من الأنصار وزينب. فقال رسول الله ﷺ : ((أي الزيانب هي؟)) قال: امرأة عبد الله، فقال رسول الله ﷺ : ((لهما أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة)) (٤).
ويقول الرسول ﷺ : ((الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة)) (٥).
ولقد كان الرسول ﷺ يؤكد أفضلية بر الأقربين في كل فرصة تسنح، وفي كل مناسبة تمر. فلما نزلت الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٦)، قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: ((يا رسول الله، إن الله
стр. 112
تبارك وتعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. وإن أحب مالي إلي بيرحاء (١)، وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ : ((بخ (٢)، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح! وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين))، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه (٣).
وأوغل رسول الله ﷺ في قلب الزمن، موصيا بالرحم المتحدرة عبر القرون والآماد، حينما أوصى بشعب مصر في الحديث الذي رواه مسلم:
((ستفتحون مصر، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحما، أو قال: ذمة وصهرا)). وقال العلماء في شرحه: الرحم التي لهم: كون هاجر أم إسماعيل منهم. والصهر: كون مارية أم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ منهم.
فيا للوفاء والبر، ويا للندى الإنساني يمتد ويتسع حتى يشمل الذراري المتحدرة من هاتين الرحمين الكريمتين على كر السنين والأحقاب!.
فلا بدع إذا أن يولي المسلم التقي الواعي ذوي رحمه اهتماماته كلها، وأن يقبل على برهم وصلتهم والإحسان إليهم إقبال الربيع الخصب الجواد المعطاء.
يصل أرحامه ولو كانوا غير مسلمين:
ويسمو الإسلام في سماحته وإنسانيته، إذ يوصي بصلة الرحم ولو كان الأرحام من غير المسلمين، ففي الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو بن
стр. 113
العاص ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ جهارا غير سر يقول:
((إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي، إنما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها (١))) (٢).
ولما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٣)، دعا رسول الله ﷺ قريشا، فاجتمعوا، فعم وخص، وقال: ((يا بني عبد شمس، يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئا، غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها)) (٤).
إن ندى العاطفة الإنسانية لا ينقطع من قلب المسلم، بل يتسرب منه إلى ذوي القربى بلة من ري البر والعطف، ولو كانوا على غير دين الإسلام، ومن هنا كان تعبير الرسول الكريم: ((غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها)) من درر البلاغة العربية؛ إذ شبه الرحم بالأرض تندى بالصلة فتثمر المحبة والصفاء، وتجف بالقطيعة فتنبت البغضاء والجفاء، والمسلم الحق آلف مألوف، يحبه الناس جميعا، إذ يرون فيه مكارم الأخلاق مجسدة حية ناطقه.
ولهذا لم يجد عمر ﵁ خرجا من أن يهدي حلة بعث بها إليه الرسول ﷺ إلى أخ له من أمه مشرك (٥).
стр. 114
لقد سبق أن رأينا حض الإسلام على بر الوالدين، ولو كانا مشركين، وها نحن أولاء نرى حضه على بر ذوي القربى، ولو كانوا غير مسلمين أيضا، وهذا دليل على سماحة هذا الدين وإنسانيته، وليس هذا ببدع في دين، خاطب الله رسوله بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) وقال رسوله: ((إنما بعثت لأتمم حسن الأخلاق)) (٢).
يفهم صلة الرحم بمعناها الواسع:
وصلة الرحم عند المسلم الحق الواعي هدي دينه لا تكون ببذل المال فحسب، بل هي أعم من ذلك وأوسع، إنها تكون ببذل المال للعفاة (٣) من ذوي القربى، وتكون بالزيارة التي توطد أواصر القرابة، وتوثق وشائج المحبة، وتمد في التواد والتراحم، وتكون بالتناصح كالعون والإيثار والإنصاف، وتكون بالكلمة الطيبة، والوجه الطلق، واللقاء الحسن، والابتسامة الودود، وتكون في غير ذلك من أعمال الخير التي تفجر ينابيع الحب في القلوب، وتبسط رواق الألفة والتراحم والتكافل على ذوي الرحم والقرابة، ولهذا جاء التوجيه النبوي العالي حاضا على هذه الصلة في أبسط أشكالها وأقلها كلفة ومؤونة بقوله:
((بلوا أرحامكم ولو بالإسلام)) (٤).
يصل رحمه ولو لم يصلوه:
والمسلم الحق يصل ذوي رحمه، ولو لم يصلوه؛ ذلك أن واصل الرحم المبتغي بصلته هذه رضوان الله ، والتخلق بالخلق الإسلامي السامي
стр. 115
لا ينتظر على صلته هذه أن يكافأ بمثل فعله، فهو واصل دوما لرحمه وذوي قرابته، وصلوه أم لم يصلوه، ضاربا بخلقه الإسلامي الإنساني الرفيع المثل الأعلى على صياغة الإسلام للإنسان، صياغة تجعله إنسانا راقيا ساميا، في تعامله مع أقربائه وذوي رحمه في جميع الأحوال. وقد أكد الرسول ﷺ هذا المعنى في المسلم الحق الصادق إذ قال:
((ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها)) (١).
وجاء الهدي النبوي الكريم يعزز خلق الحلم والصبر والعفو والسماحة في نفس واصل الرحم الذي يصل قرابته، فلا يقابلونه إلا بالقطيعة والجفاء والإساءة، إذ قرر أن الله مع من يصل الرحم فلا يجازى على صلته بمثلها، ورسم صورة مخيفة للإثم الذي يلحق الجفاة المنكرين للمعروف المقطعين للأرحام، فقد جاء رجل إلى الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال:
((لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل (٢)، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك)) (٣).
أرأيت إلى واصل الرحم الصابر على جفاء وقطيعة ذوي قرباه كيف أمده الله بظهير من عنده يعينه عليهم، ويملأ قلبه بالصبر على أذاهم، ويثبته على الاستمرار في خلقه الإنساني النبيل؟ وكيف شبه الرسول الكريم ما يلحق
стр. 116
أولئك العتاة الجفاة المسيئين من الإثم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، جزاء ما اقترفوه في حق هذا المحسن الكريم الودود من تقصير وإساءة وجفاء؟
من هنا كان المسلم الحق واصلا رحمه على كل حال، متطلعا دوما إلى مرضاة ربه في هذه الصلة، مترفعا أبدا عن الجهالات والحماقات والإساءات، تبدر بين الحين والحين من ذوي قرابته، معرضا عن الصغائر والتفاهات التي تشغل الصغار من الناس، وتوغر منهم الصدور. فالمسلم التقي الواعي أكبر من أن يصغي لهذه الجهالات والحماقات والصغائر والتفاهات، فتؤثر على علاقاته بذوي رحمه وبره بهم، وهو يسمع قول الرسول الكريم:
((الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطغني قطعة الله)) (١).
стр. 117
٧ - المسلم مع جيرانه
أحسن الناس معاملة لجيرانه:
المسلم الحصيف الواعي أحكام دينه أحسن الناس معاملة لجيرانه، وأكثرهم برا بهم، وحدبا عليهم.
وعيه هدي الإسلام في الإحسان إلى الجار:
ذلك أنه يعي هدي الإسلام الثر وتوصياته الغنية بالجار، والمكانة الرفيعة التي أحله إياها في سلم العلاقات البشرية، وإنها لمكانة ما عرفتها قبل هذا الدين شريعة، ولا داناها بعدة نظام.
فقد أمر الله تعالى في محكم كتابه بالإحسان إلى الجار، فقال:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ... ﴾ (١).
والجار ذو القربى هو الذي تجمعك به مع الجوار آصرة النسب أو الدين، والجار الجنب هو الذي لا تجمعك به صلة من نسب أو دين، والصاحب بالجنب هو الرفيق في أمر حسن.
стр. 118
فكل من جاورك في السكن له عليك حق الجوار، ولو لم يكن بينك وبينه وشيجة من نسب، أو رابطة من دين. وفي هذا تكريم للجار أي تكريم في شرعة الإسلام الإنسانية السمحة الغراء.
ومن هنا كانت أحاديث الرسول الكريم تترى موصية بالجار على وجه العموم، غير ناظرة إلى قرابته أو دينه، مؤكدة أهمية علاقة الجوار في الإسلام، ومنها قوله ﷺ :
((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)) (١).
إنها للمنزلة الكريمة العالية، يمنحها الإسلام للجار على لسان الروح الأمين جبريل، الذي ما فتئ يؤصلها ويؤكدها للرسول الكريم حتى حسب أنها سترفعه إلى درجة القرابة، فتجعله وارثا مثلهم.
وقد لهج رسول الله ﷺ إزاء توصية جبريل، بالحض على إكرام الجار والإحسان إليه، حتى إنه لم يخل خطبته التاريخية في حجة الوداع التي اعتصر فيها أهم ما ينبغي قوله للمسلمين من أن يجعل للجار فيها حيزا كبيرا، لفت نظر الصحابى الجليل أبي أمامة، حتى ظن أيضا أن الرسول الكريم سيورثه، وذلك في قوله:
((سمعت رسول الله ﷺ ، وهو على ناقته الجدعاء في حجة الوداع يقول: أوصيكم بالجار حتى أكثر، فقلت: إنه يورثه)) (٢).
وتبلغ وصية الرسول الكريم بالجار حدا من الأهمية والخطورة، يجعل الإحسان إليه، والتنزه عن أذاه، علامة من علامات الإيمان بالله واليوم الآخر، ونتيجة حتمية من نتائجه الحسان، وذلك في قوله ﷺ :
стр. 119
((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت)) (١).
وفي رواية للبخاري: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره ... )).
المسلم الحق سمح مع جاره:
فلا بدع أن يكون المسلم الحق المستنير قلبه وعقله بهدي هذا الدين سمحا مع جاره، موطأ الكنف، حسن العشرة، لطيف المعاملة، لا يمنعه من الاستفادة من بيته إن احتاج إلى شيء من ذلك، مستهديا بهدي الرسول الكريم القائل:
((لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره)) (٢).
يحب له ما يحب لنفسه:
والمسلم المتفتح البصيرة، المستهدي بنور دينه السمح، رقيق القلب، يقظ الفكر، لبق، مرهف، يحس بإحساس جاره، يفرح لفرحه، ويألم لألمه، يحب له ما يحب لنفسه، أخذا بقول الرسول الكريم:
((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) (٣).
وفي رواية لمسلم عن أنس عن النبي ﷺ قال: ((والذي نفسي ييده لا يومن عبد حتى يحب لجاره، أو قال: لأخيه، ما يحب لنفسه)).
стр. 120
ولا يغيب عنه أن يتعهد جيرانه المعسرين كلما انبعثت روائح الطبخ والشواء من منزله، ويعز عليه أن يتأذى جيرانه المملقون من روائح قدره أو شوائه، فتثور في نفوسهم الشهوة إلى الطعام، وهم غير قادرين على تحصيله، وقد يكون بينهم الصغير القاصر، واليتيم البائس، والأرملة المسكينة، والشيخ العاجز، ذلك أن المسلم الحق متيقظ دوما إلى روح التكافل الاجتماعي التي غرسها رسول الله ﷺ في نفوس المسلمين إذ قال في حديثه لأبي ذر:
((يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك)) (١). وفي رواية: ((إذا طبخت مرقا فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف)) (٢).
إن المسلم الصادق لا يحتمل وجدانه المرهف أن يكون جاره في ضيق
وفاقة وعسر، وهو في بحبوحة من العيش، منعم، مرفه. وكيف يحتمل وجدانه الذي أرهفه الإسلام هذه المفارقة بينه وبين جاره، وهو يسمع قول الرسول الكريم:
((ما آمن بي من بات شبعان، وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم)) (٣).
وقوله: ((ليس المؤمن الذي يشبع، وجاره جائع)) (٤).
شقاء الإنسانية بسبب غياب المسلم وأخلاقه:
من هنا ندرك أن الشقاء الذي حاق بالإنسانية في كل مكان، إنما كان بسبب غياب المسلم الحق عن مسرح الحياة الموجهة، وتواري مبادئ
стр. 121
الإسلام الإنسانية العادلة خلف ركام المبادئ الوضعية المتخلفة، التي لم تجن منها الإنسانية سوى البؤس والفاقة والاستغلال والجوع والعري في عصر الفضاء، عصر الصواريخ والأقمار الصناعية وصعود الإنسان إلى القمر؛ فلقد أعلنت منظمة الأغذية والزراعة العالمية التابعة للأمم المتحدة عام ١٩٧٥ أن هناك ما بين عشرين إلى مئة مليون شخص في إفريقيا وآسيا يواجهون احتمال الموت جوعا خلال السنوات القليلة القادمة، وأن الوضع إذا استمر على ما هو عليه فإنه يهدد بموت ثلاثة ملايين نسمة كل أسبوع جوعا، وأن هناك ما بين ٤٦٠ مليونا وألف مليون شخص يعانون سوء التغذية.
وتناقلت وكالات الأنباء في العام نفسه قصة، مفادها أن فتاة أوروبية تطوعت للعمل ممرضة في إحدى المناطق الأفريقية التي يعاني سكانها سوء التغذية المزمنة، وكانت النتيجة أنها أصيبت بحالة انهيار عصبي شديد كاد يودي بها إلى الجنون المطبق، وذلك بعد أن شاهدت صراعا داميا بين بعض الأطفال الأفريقيين الذين دفعهم الجوع إلى الاقتتال الوحشي من أجل الفوز بقطعة من ثمر "المانجو"، ولم يتوقف القتال إلا بعد أن فقأ أحد الأطفال عين زميله، ولم يكن أكبر المقاتلين سنا يتجاوز الثامنة من عمره. وكم سبب هذا الجوع العمى الكامل بسبب افتقار الجسم الدائم إلى الفيتامينات، وأضوى أجسام الأطفال، فاستحالت إلى هياكل عظمية، وفقدت مناعتها من الأمراض، وأصبحت بين فكي الموت!
وفي الوقت الذي يزحف فيه الجوع على آسيا وأفريقيا نجد العالم الآخر، عالم الغرب، عالم الأثرياء الذين يكونون ٢٠% فقط من سكان العالم، ويستحوذون على ٨٠% من الثروة العالمية، يعمل أهله بجنون على الاحتفاظ بهذه الثروة. فلقد أحرقت البرازيل في عام ١٩٧٥ آلاف الأطنان من البن محافظة على مستوى سعره العالمي، ودفعت دول السوق الأوروبية
стр. 122
المشتركة خمسين مليون دولار لتدمير الأغذية والمنتوجات الزراعية الفائضة عن حاجتها لحفظ أسعارها مرتفعة، وتنفق أمريكا ثلاثة آلاف مليون دولار سنويا تعويضات على عدم إنتاج الأغذية، لتبقى محتفظة بأسعارها العالية! ويقتل المزارعون الأمريكيون عشرات الألوف من العجول، ويدفنونها أرضا، محافظة على مستوى سعر اللحم، في حين مات في العام نفسه عشرات الألوف من الجوع في أفريفيا وآسيا وأمريكا الجنوبية!
ألا ما أبعد الفرق بين حضارة الإسلام الإنسانية التي لم ترض للإنسان الفقير أن يتأذى بريح قدر جاره المثير لشهوة الطعام، وبين حضارة الغرب المادية التي تهدد ملايين الأنفس بالموت جوعا!
وما أشقى الإنسانية اللاهثة وراء النظم المادية، شرقيها وغربيها، متخبطة في داجي جاهلية حالكة السواد!
وما أعظم مسؤولية المسلمين في حمل مشعل النور الذي يوقد من شجرة مباركة، لا شرقية ولا غربية، فبه وحده تتبدد حنادس الجاهلية، وبنوره وحده تستضيء العقول والقلوب، وتفيء الإنسانية إلى الرشد والهداية والأمن والرخاء.
المسلم يحسن إلى جاره قدر طاقته:
والمسلم الواعي هدي دينه الحنيف يندفع في الإحسان إلى جاره على قدر طاقته، ولا يحقر القليل من الإحسان يسديه إلى جاره، كما يفعل بعض الجهلة، إذ يستقل المعروف فيمتنع عن تقديمه لجاره، فيحرم نفسه، ويحرم جاره من الخير، وهذا ما نبه إليه رسول الله ﷺ النساء خاصة؛ لأنهن كثيرا ما يستحيين من تقديم القليل من المعروف لجاراتهن، فقال:
стр. 123
((يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)) (١) وفرسن الشاة: ظلفها، وهو كناية عن القلة، أي لا تحقرن جارة أسدت إلى جارتها شيئا من معروف، ولو كان قليلا كفرسن شاة، فهو خير من العدم، والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (٢)، وقال رسول الله ﷺ : ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) (٣).
على أن هذا الحديث الشريف، بما أفاد سياقه من عموم، يحتمل أن يكون نهيا للجارة المعطاة أيضا عن الاحتقار، ويكون معناه عندئذ: لا تحقرن جارة معروفا أسدته إليها جارتها، ولو كان هذا المعروف قليلا كفرسن شاة، بل ينبغي أن تشكرها عليه، فبالشكر على المعروف تشيع الألفة بين الجيران، وتنمو المودة ويربو التكافل والتراحم في حياتهم، هذا إلى ما في شكر الإنسان على المعروف من خلق إسلامي أصيل، أكده رسول الله ﷺ ، وحض عليه بقوله:
((لا يشكر الله من لا يشكر الناس)) (٤).
يخص بإحسانه جيرانه المسلمين وغير المسلمين:
ولا يقتصر المسلم الواعي في إحسانه لجيرانه على الأقربين منهم أو المسلمين، بل يتعداهم إلى جيرانه من غير المسلمين؛ ذلك أن سماحة الإسلام تمتد وتتسع، حتى إنها لتشمل الناس جميعا، على اختلاف أديانهم ونحلهم؛ فهذا عبد الله بن عمرو الصحابي الجليل تذبح له شاة، فيسأل غلامه: ((أهديت لجارنا اليهودي؟ أهديت لجارنا اليهودي؟ فإني سمعت
стр. 124
رسول الله ﷺ يقول: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)) (١).
ومن هنا كان أهل الكتاب يعيشون في جوار المسلمين، آمنين مطمئنين على أنفسهم كأعراضهم وأموالهم ومعتقداتهم، ينعمون بحسن الجوار، وكرم المعاملة، وحرية العقيدة، يشهد لذلك قيام كنائسهم منذ أقدم العصور في قرى مسلمة معلقة فوق رؤوس الجبال، وحولها آلاف المسلمين، يحيطون جيرانهم من أهل الكتاب بالرعاية والحماية والبر والعدل، جريا على أدب القرآن القائل:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢).
يقدم في إحسانه الأقرب فالأقرب:
ولا يغيب عن بال المسلم الواعي التنظيم الدقيق الذي وضعه الإسلام حينما صنف الإحسان للجيران، فأمر بتقديم الأقرب فالأقرب، مراعيا قوة العلاقة بين الجارين المتلاصقين، وما يكون بينهما عادة من حساسيات يجدر مراعاتها، استبقاء للألفة والمودة والوئام.
فعن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: ((إلى أقربهما بابا)) (٣).
ولقد وعى الصحابة الكرام هذا الهدي النبوي الرفيع في معاملة الجيران، فكانوا لا يخصون ببرهم وإكرامهم الجار الأقصى قبل الأدنى، وفي
стр. 125
ذلك يقول أبو هريرة ﵁: ((ولا يبدأ بجاره الأقصى قبل الأدنى، ولكن يبدأ بالأدنى قبل الأقصى)) (١).
على أن هذا التصنيف في الإحسان للجيران لا يلوي عنق المسلم، ولا يصرف نظره عن الجيران الأبعدين عن مسكنه؛ فكل من كان في دائرة بيته داخل في ذمة الجوار، وله عليه حق الجار، وما ذلك التصنيف في تقديم الجار الأقرب إلا تصنيف تنظيمى، راعى فيه الرسول الكريم نفسية الجار الأقرب، لما يكون بينهما عادة من احتكاك وتعامل واتصال مستمر.
المسلم الحق خير جار:
والإحسان إلى الجار شعور أصيل عميق في وجدان المسلم الصادق، وصفة مميزة له عند الله والناس؛ ذلك أن المسلم الحق الواعي الذي رضع لبان الإسلام، وخالطت قلبه بشاشة تعاليمه السمحة، لا يستطيع إلا أن يكون خير صاحب في الأصحاب، وخير جار في الجيران، وهو من عناه رسول الله ﷺ بقوله:
((خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيراني عند الله خيرهم لجاره)) (٢).
ومن هنا جعل الإسلام من سعادة المرء المسلم الجار الصالح؛ فجواره
قرة عين لجاره، ومبعث سعادة وهناءة وارتياح وأمن وطمأنينة، وحسب الجار الصالح تكريما ورفعة أن يجعله رسول الله ﷺ ركنا من أركان السعادة في حياة المسلم فيقول:
стр. 126
((من سعادة المرء المسلم في الدنيا الجار الصالح، والمنزل الواسع والمركب الهنيء)) (١).
ولقد بلغ من تقدير السلف للجار الصالح أنهم كانوا يعدون جواره نعمة
لا تقدر بمال، وغنيمة لا يعدلها عرض من أعراض الدنيا. ومما يروى في ذلك أن جار سعيد بن العاص ساوم على مئة ألف درهم في داره، ثم قال للمشتري: هذا ثمن الدار، وبكم تشتري جوار سعيد؟ فلما علم سعيد بذلك بعث إليه بالثمن واستبقاه في داره.
هذه هي منزلة الجار في الإسلام، وهذه هي خلائق الجار المسلم الصالح، وهذه هي صفحته المشرقة الغراء، فما هي صفحة جار السوء؟
جار السوء وصفحته السوداء:
إنها لصفحة قاتمة كابية كالحة معتمة، لا يستطيع الوجدان المسلم المرهف أن يتملاها دون أن يهتز فرقا، ويمتلئ هلعا ورعبا وكراهية لجار السوء.
جار السوء إنسان عري من نعمة الإيمان:
إنه إنسان عري من نعمة الإيمان، أكبر نعم الخالق على خلقه، ورأس كل فضيلة في هذه الحياة، وقد أكد رسول الله ﷺ انسلاخ هذه النعمة عن جار السوء تأكيدا لا هوادة فيه ولا تساهل ولا لين فقال:
((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن))، قيل: من يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يأمن جاره بوائقه (٢))) (٣).
стр. 127
وفى رواية لمسلم: ((لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)).
فأكبر بها من جريمة، يرتكبها جار السوء في حق جاره، إذ يسيء إليه، حتى إنها لتخرجه من نعمة الإيمان، وتحرمه من دخول الجنان!!!
وإن المسلم الحق الواعي الحصيف ليصغي إلى مثل هذه النصوص بقلبه المفتوح وذهنه اليقظ، فلا يدور له في خلد أن يكون يوما مع أحد من جيرانه على خصام ومشاحنة وكيد؛ لأن ذلك يطيح بإيمانه، ويودي بآخرته، وهل بعد خسارة الإيمان والدار الآخرة من خسارة، ينهلع لها قلب المسلم التقي، ويهتز كيانه، ويطير صوابه؟.
جار السوء إنسان حبط عمله:
ولا غرو أن تأتي النصوص بعد ذلك تعلن أن جار السوء إنسان حبط عمله، فما تنفعه مع أذى جاره طاعة، ولا يرفع له عمل صالح؛ ذلك أن العمل الصالح في الإسلام يرتكز دوما على قاعدة الإيمان، وجار السوء لا إيمان له بنص الحديث السالف الذكر؛ فبدهي جدا أن لا يقبل الله منه عملا صالحا مهما بلغ، بل يمحقه محقا، ولو أفنى فيه بياض أيامه وسواد لياليه. قيل للنبي ﷺ : يا رسول الله، إن فلانة تقوم الليل، وتصوم النهار، وتفعل، وتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها. فقال رسول الله ﷺ : ((لا خير فيها، هي من أهل النار)). قالوا: وفلانة تصلي المكتوبة، وتصدق بأثوار (١)، ولا تؤذي أحدا، فقال رسول الله ﷺ : ((هي من أهل الجنة)) (٢).
وجار السوء من العواقر التي حددها رسول الله ﷺ بقوله:
стр. 128
((ثلاثة من العواقر: إمام إن أحسنت لم يشكر، وإن أسأت لم يغفر، وجار سوء إن رأى خيرا دفنه، وإن رأى شرا أذاعه، وامرأة إن حضرت آذتك، وإن غبت عنها خانتك)) (١).
ومن هنا ترتسم في مخيلة المسلم التقي الواعي صورة جار السوء البشعة، كما وصفها رسول الله ﷺ ، فإذا هو منها بعيد جد بعيد.
المسلم الحق يحذر من الوقوع في خطيئة مع جاره:
ويحذر المسلم الحق من الوقوع في إثم أو خطيئة مع جاره على وجه الخصوص؛ ذلك أن الإثم مع الجار أشد وقعا، وأفدح جريمة مع سواه، وذلك مصداق قول الرسول ﷺ إذ سأل أصحابه عن الزنا، فقالوا: حرام، حرمه الله ورسوله، فقال:
((لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره)). وسألهم عن السرقة، فقالوا: حرام، حرمها الله ورسوله، فقال: ((لأن يسرق من عشرة أهل أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره)) (٢).
إن للجار في الإسلام لحرمة مصونة، لم تعرفها قوانين الأخلاق، ولا شرائع البشر، بل إن تلك القوانين والشرائع الوضعية لتستمرئ العبث بحرمة الجار وعرضه، إذ غالبا ما يكون العبث بعرض الجار أسهل تناولا، وأقل كلفة، وأسنح فرصة من العبث بأعراض غيره. وما شاعت فينا تلك الأغاني المائعة التي تصف جار الشباك وغيره إلا حينما زايلتنا أخلاق الفتوة والإيمان، وغشيتنا غواش من ليل التقليد وموجات الغزو الفكري والحضاري، فبات الفتى الأرعن الرخيص فينا يتغنى بجارته ويتغزل بها، في
стр. 129
حين لم يعرف هذا عنا في جاهليتنا، بله إسلامنا، إذ كان شاعرنا الشهم الغيور على الأعراض يقول حينما يصادف جارته (١):
وأغض طرفي ما بدت لي جارتى...حتى يواري جارتي مأواها
وقال الشاعر الأموي مسكين الدارمي:
ناري ونار الجار واحدة...وإليه قبلي تنزل القدر
ما ضر جارا لي أجاوره...ألا يكون لبابه ستر
أعمى إذا ما جارتي برزت...حتى يغيب جارتي الخدر
ولقد نمى الإسلام هذا الخلق الإنساني النبيل فينا، إذ حشد تلك النصوص الضخمة في رعاية الجار، وصيانة عرضه، والحفاظ على شرفه، وستر عورته، وسد خلته (٢)، وغض البصر عن محارمه، والبعد عن كل ما يريبه ويسيء إليه.
فلا بدع أن يكون المسلم الحق الصادق خير جار عرفته المجتمعات البشرية في كل آن ومكان.
إن المسلم المتفتح الذهن، اليقظ البصيرة، المرهف الإحساس، الواعي أخلاق دينه وتوجيهاته الاجتماعية الراقية نحو جيرانه، ليحسب ألف حساب لخصومة قد تستعر بينه وبينهم لسبب من الأسباب؛ ذلك أن تحذير رسول الله ﷺ من مخاصمة الجيران لا يبارح سمعه:
((أول خصمين يوم القيامة جاران)) (٣).
لا يقصر في إسداء المعروف إليه:
بل إن المسلم الراقي في إسلامه، لا يدخر وسعا في إسداء المعروف
стр. 130
لجاره، فيفتح له باب الرعاية والود والإكرام على مصراعيه، محاذرا أن يقصر في واجبه نحوه، فيصدق عليه ما بينه الرسول الكريم في شأن الجار الكنود الكز قبيل المعروف في قوله:
((كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة، يقول: يا رب، هذا أغلق بابه دوني، فمنع معروفه)) (١).
فيا لسوء الموقف! ويا لخجلة الجار الضنين بمعروفه على جاره يوم الأشهاد!
إن المسلمين في نظر الإسلام بناء سامق متراص، لبناته أبناء هذه الأمة، وكل لبنة ينبغي أن تكون متينة متماسكة، شديدة الارتباط باللبنات الأخرى، ليتوافر للبناء تماسكه وقوته وصموده، وإلا فإنه يتعرض للوهن والتداعي والانهيار.
ومن هنا أحاط الإسلام لبناته برباط وثيق من الزاد الروحي، يحفظ تماسكها وتساندها ومقاومتها، ليبقى بناء المسلمين قويا، لا تزعزعه عوارض الأحداث، ولا يهز من كيانه عاتي الأعاصير.
وما أروع التمثيل النبوي لتماسك المسلمين وتكافلهم وتساندهم في قول الرسول الكريم:
((المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا)) (٢).
وقوله:
((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) (٣).
إن دينا يحرص على تماسك أفراد الأمة هذا التماسك العجيب لبدهي
стр. 131
أن يوثق علاقة الجار بجاره، ويقيمها على أساس ثابت ركين من المودة والبر والتكافل وحسن المعاملة.
صبور على هناته وأذاه:
لهذا كله، كان المسلم المستنير بهدي دينه صبورا على جاره، لا يستشيط غضبا إن بدرت منه هنة من الهنات، ولا يحاسب جاره على زلة زلها، أو تقصير وقع فيه، يعفو ويصفح عنه، محتسبا ذلك كله في جنب الله، واثقا أن هذا الصفح وذلك العفو لا يضيعان عند الله، بل إنهما ليكسبانه محبته ورضوانه، يشهد لذلك حديث أبي ذر حينما لقيه مطرف بن عبد الله، فقال له: يا أبا ذر، كان يبلغني عنك حديثك، وكنت أشتهي لقاكك. قال: لله ﵎ أبوك! قد لقيتني، قلت: حديثا بلغني أن رسول الله ﷺ حدثك، قال: ((إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة)). قال: فما إخالني أكذب على رسول الله ﷺ ، قلت: فمن هؤلاء الثلاثة الذين يحبهم الله ؟ قال: ((رجل غزا في سبيل الله صابرا محتسبا، فقاتل حتى قتل، وأنتم تجدونه عندكم في كتاب الله ، ثم تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾، قلت: ومن؟ قال: ((رجل كان له جار سوء يؤذيه، فصبر على أذاه حتى يكفيه الله إياه بحياة أو موت ... )) (١).
لا يقابل إساءة جاره بمثلها:
لقد كان من هدي هذا الدين الذي بسطه رسول الله ﷺ للصحابة ألا يقابل الجار جاره بالسوء بل يصبر على أذاه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، عسى أن يرعوي من نفسه، ويكف عن الأذى، حين يرى جاره لا يقابل سيئته بمثلها، بل يتجمل بالصبر والحلم والأناة، وهذا لعمري من أسمى الأخلاق
стр. 132
وأنبلها، وأبرع الأساليب النفسية التربوية في اقتلاع جذور السوء من بعض النفوس.
أتى محمد بن عبد الله بن سلام ﵁ النبي ﷺ فقال: آذاني جاري، فقال: ((اصبر))، ثم عاد إليه الثانية، فقال: آذاني جاري، فقال: ((اصبر))، ثم عاد الثالثة، فقال: آذاني جاري، فقال: ((اعمد إلى متاعك فاقذفه في السكة، فإذا أتى عليك آت، فقل: آذاني جاري، فتحقق عليه اللعنة، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره .... )) (١).
يعرف حق جاره عليه:
بهذا الهدي النبوي العالي، وتوجيهاته السامية في حسن الجوار يعرف المسلم التقي الواعي حق جاره عليه في كل آن، فإذا هو عون له في الشدائد، وبهجة في الرخاء، يأسى لأساه، ويفرح لما يسره ويرضيه، إن افتقر بره وأسعفه، وإن ألم به مرض عاده وواساه وأعانه، وإن وافاه الأجل شيعه وواسى أهله وأحسن إليهم، ولا يغيب عن باله قط مراعاة شعور جاره وشعور أسرته، والبعد عما يخدش هذا الشعور أو يؤذيه من قريب أو بعيد.
هذه نظرة الإسلام العالية للجار، وتلك تعاليمه الراقية السمحة فيه لكل
مسلم مهتد إلى حقيقة إسلامه، مستضيء بنور هديه، مطبق أحكامه على نفسه وعلى أسرته.
فهل من عجب- بعد هذا كله- أن يكون المسلم الصادق أفضل جار
عرفته المجتمعات البشرية؟!
стр. 133
٨ - المسلم مع إخوانه وأصدقائه
يحبهم في الله:
إن من أبرز صفات المسلم الصادق حبه لإخوانه وأصدقائه حبا ساميا، مجردا عن كل منفعة، بريئا من أي غرض، نقيا من كل شائبة، إنه الحب الأخوي الصادق، الذي استمد صفاءه وشفافيته من مشكاة الوحي وهدي النبوة، فكان نسيج وحده في العلاقات البشرية، وكانت آثاره في سلوك الإنسان المسلم فريدة في تاريخ المعاملات.
ذلك أن الرابطة التي تربط المسلم بأخيه مهما كان جنسه ولونه ولغته، هي رابطة الإيمان بالله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١)، وأخوة الإيمان أوثق روابط النفوس، وأمتن عرى القلوب، وأسمى صلات العقول والأرواح.
فلا عجب أن تثمر تلك الأخوة الفريدة نمطا من الحب عجيبا في سموه
ونقائه وعمقه وديمومته، يسميه الإسلام الحب في الله، ويجد المسلم الصادق فيه حلاوة الإيمان.
((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذة الله منه كما يكره أن يقذف في النار)) (٢).
стр. 134
مقام المتحابين في الل ه:
ولقد جاءت الأحاديث الشريفة تترى، ترفع من مقام المتحابين في الله، وتصور منزلتهم العالية التي أعدها الله لهم في جنته، والشرف الرفيع الذي يسبغه الله عليهم يوم يقوم الناس لرب العالمين.
من هذه الأحاديث حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله، وهم:
((إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتقرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)) (١).
فهذا نص صريح يسلك المتحابين في الله في زمرة السبعة المصطفين الأخيار، الذين أظلهم الله في ظله، وشملهم برحمته وبره، وفي ذلك تكريم لهم أي تكريم!
وحسب المتحابين في الله شرفا أن رب العزة يحفل بهم في ساحة الحشر يوم القيامة، فيقول:
((أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)) (٢).
فما أرفعه من شرف! وما أوفاه من جزاء! يلقاه المتحابون الصادقون في الله، يوم الشدة والهول والكرب الشديد.
ذلك أن الحب في الله، لا لشيء آخر في هذه الحياة الحافلة بالمطامع
стр. 135
والمنافع والشهوات مرتقى صعب، لا يستطيع بلوغه إلا من صفت نفوسهم، وسمت أرواحهم، وهانت عليهم الدنيا بجانب مرضاة الله، فلا غرو أن يعد الله لهؤلاء من المكانة والنعيم ما يليق بسموهم في الدنيا وارتفاعهم على شواغلها وحطامها، نجد ذلك فيما رواه معاذ عن النبي ﷺ ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
((قال الله : المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء)) (١).
بل لا غرو أن يحبو الله عباده المتحابين فيه ما هو أجل وأسمى من تلك المنزلة وذلك النعيم، يحبوهم حبه الغالي، الذي تتقطع دونه الأعناق، وتنتهي عنده معسولات الأماني، وذلك في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : ((أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكا (٢)، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها (٣) عليه؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه)) (٤).
فما أعظمه من حب، يرفع الإنسان إلى الدرجة التي يحبه الله فيها ويرضى عنه!
ويسمو التوجيه النبوي صعدا بالمسلم في هذا المرتقى العالي الوضيء،
إذ يقرر أن أفضل الأخوين المتحابين في الله من كان أشد حبا لأخيه، وفي ذلك يقول النبي ﷺ :
стр. 136
((ما تحاب الرجلان إلا كان أفضلهما أشدهما حبا بصاحبه)) (١).
بل إنه ليذهب إلى أبعد من ذلك في إشاعة المحبة في المجتمع المسلم الراشد، فيطلب من المسلم إذا أحب أخاه أن يخبره بأنه يحبه، وفي ذلك يقول النبي ﷺ :
((إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه)) (٢).
لقد كان الرسول الكريم صلوات الله عليه يدرك ما لهذا الحب النقي القوي من أثر في بناء المجتمعات والأمم، فكان لا يدع مناسبة تمر إلا ويدعو المسلمين إلى التحابب، ويأمرهم أن يعلنوا عن هذا التحابب، لتنفتح مغاليق القلوب، وتشيع المودة والصفاء بين الصفوف.
فعن أنس ﵁ أن رجلا كان عند النبي ﷺ ، فمر به رجل، فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي ﷺ : ((أأعلمته؟! قال: لا، قال: أعلمه))، فلحقه فقال: إني لأحبك في الله، فقال: أحبك الله الذي أحببتني له)) (٣).
وكان رسول الله ﷺ يفعل ذلك بنفسه، معلما المسلمين كيف يبنون مجتمع المحبة والتواد والتآخي، وذلك حينما أخذ بيد معاذ وقال: ((يا معاذ، والله إني لأحبك، ثم أوصيك يا معاذ: لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) (٤).
وقد انطلق معاذ ينشر شذى هذا الحب الطاهر بين المسلمين في ديار
стр. 137
الإسلام، فيحدثهم بما سمع من رسول الله ﷺ عما أعده الله للمتحابين فيه من ثواب جزل، ومحبة منه أكبر؛ فقد روى الإمام مالك في موطئه بإسناده الصحيح عن أبي إدريس الخولاني قال: دخلت مسجد دمشق، فإذا فتى براق الثنايا (١)، وإذا الناس معه، فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدروا عن رأيه، فسألت عنه، فقيل: هذا معاذ بن جبل ﵁، فلما كان من الغد هجرت (٢) فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي، فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه، فسلمت عليه، ثم قلت: والله إني لأحبك، فقال:- آلله؟ فقلت. ألله، فقال: آلله؟ فقلت ألله، فأخذني بحبوة ردائي، فجذبني إليه، فقال: أبشر، فإني سمعث رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين في، والمجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في)).
تأثير الحب في الله في حياة المسلمين:
ويؤكد الرسول الكريم في حديث آخر أن هذه المحبة بين المؤمنين شرط من شروط الإيمان الذي يدخل صاحبه الجنة، وذلك فيما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
((والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)) (٣).
لقد أدرك النبي الكريم بثاقب نظرته التربوية التي استقاها من تأديب الله إياه، أنه لا يستل سخائم الحقد من الصدور، ولا ينتزع أدران التنافس والحسد من النفوس، إلا أخوة صادقة عالية، تسود حياة المسلمين، وتقوم
стр. 138
على المحبة، والتواد، والتناصح، والألفة، والبشر، وينتفي منها الكيد والغل والحسد والتجهم والتباغض، ولذلك دعا إلى إفشاء السلام بين الإخوة، ليكون مفتاح القلوب للمحبة والتلاقي على الخير.
وكان صلوات الله عليه يكرر هذا المعنى على مسامع أصحابه، متوخيا إلقاء بذرة المحبة في القلوب، وتعهدها بالرعاية، حتى تثمر ذلك الحب الوضيء الكبير الذي أراده الإسلام للمسلمين.
بهذه المحبة الناصعة بنى رسول ﷺ جيل الإسلام الأول الذي بلغ رسالة السماء إلى الأرض، وكان القاعدة الصلبة التي حملت صرح الإسلام الشامخ للناس.
وبدون هذه المحبة الصافية التي تفرد بزرعها الإسلام في القلوب، ما كان المسلمون الأوائل ليستطيعوا التماسك والصمود في تحمل تبعات الجهاد، وتقديم التضحيات الجسيمة في بناء دولة الإسلام ونشر أعلامه في الخافقين.
وبهذه المحبة الصادقة العجيبة استطاع رسول الله ﷺ أن ينشىء مجتمع المؤمنين الأمثل في تاريخ الإنسانية، الذي صور تماسكه العجيب أروع تصوير بقوله:
((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)) (١).
وبقوله أيضا:
((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى
منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) (٢).
стр. 139
وبقوله أيضا:
((المسلمون كرجل واحد، إن اشتكت عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله)) (١).
إن المسلم الواعي الصادق لا يسعه أمام هذا الهدي النبوي العالي إلا أن يخفق قلبه بحب إخوانه وأخلائه، ويقبل عليهم بقلبه ومشاعره، فإذا هو عنصر خير ووئام وبناء في دنياه، والفائز برضوان ربه ومحبته في أخراه.
لا يقاطع إخوانه ولا يهجرهم:
والمسلم الحق الواعي أحكام دينه يعلم أن الإسلام الذي دعا إلى المحبة والتواصل والتعاطف، هو هو الذي حرم التباغض والقطيعة والهجر، وبين أن المتحابين الصادقين لا تفرق بينهما الهنوات العارضات؛ ذلك أن عروة الحب في الله أوثق من أن تنفصم من أول ذنب يقترفه أحدهما، فقد قال الرسول ﷺ : ((ما تواد اثنان في الله جل وعز، أو في الإسلام، فيفرق بينهما أول ذنب يحدثه أحدهما)) (٢).
على أن الإسلام لم يغفل طبيعة النفس البشرية، وأنها عرضة لنزوات الغضب وتقلبات العاطفة في لحظات الضعف، فوضع حدا للمدة التي يمكن أن تفثأ فيها نار الغضب، ويخمد أوار الانفعال، وحرم على المسلمين المتنازعين أن تمضي هذه المدة، ولا يسارع أحدهما أو كلاهما للصلح والتصافي والوئام، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ :
((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) (٣).
стр. 140
والمسلم الصادق المرهف الذي يتأمل هذا النص الثابت، لا يصبر على
هجرة أخيه ومخاصمته مهما تكن الأسباب، بل يسارع إلى مصافاته والتسليم عليه، لأن خيرهما الذي يبدأ بالسلام، فإن رد ﵇ اشترك الاثنان في أجر المصالحة، وإن لم يرد عليه، فقد برئ المسلم من إثم القطيعة والهجر، وباء الممتنع عن رد السلام وحده بالإثم، وهذا ما يوضحه حديث أبي هريرة القائل: سمعت النبي ﷺ يقول:
((لا يحل لرجل أن يهجر مؤمنا فوق ثلاتة أيام، فإذا مرت ثلاثة أيام فليلقه فليسلم عليه، فإن رد ﵇ فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد برئ المسلم من الهجرة (١))) (٢).
وكلما زادت مدة المصارمة والهجر زاد الإثم وكبرت الخطيئة واشتد الوعيد للمتصارمين المتنازعين؟ فقد قال النبي ﷺ :
((من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه)) (٣).
إن منهج الإسلام في تربية النفوس قائم على التحابب والتقارب والتآلف، ومن هنا لا تباغض ولا تحاسد ولا تدابر في حياة المسلم الصادق، وكيف يكون في حياته شيء من هذه الخلائق الوضيعة، وصوت النبوة يسكب في سمعه أروع منهج للأخلاق عرفته البشرية منذ أن كان إنسان على ظهر الأرض بقوله:
((لا تقاطعوا، ولا تدابروا ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا إخوانا كما أمركم الله)) (٤).
стр. 141
وبقوله:
((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا (١)، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا)) (٢).
وبقوله:
((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا (٣)، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا- ويشير إلى صدره ثلات مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه)) (٤).
إن المسلم الذي يتأمل هذا الهدي النبوي العالي، الحاوي على مكارم الأخلاق كلها من حب وتعاطف وتآخ، لا يقيم على شحناء، إلا إذا كان في قلبه مرض، وفي طبعه جفوة، وفي فطرته التواء.
ومن هنا جاء الوعيد شديدا لأولئك القساة الغلاظ، الملتوين عن جادة الإسلام الخلقية، المحجوبين عن بشاشته وسماحته، بإصرارهم على الهجر، يهددهم في آخرتهم، فيحجب عنهم رحمة الله ومغفرته، ويغلق دونهم أبواب الجنة، وذلك في قول الرسول ﷺ :
((تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك
بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى
стр. 142
يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا)) (١).
وكان الصحابي الجليل أبو الدرداء يقول: ألا أحدثكم بما هو خير لكم
من الصدقة والصيام؟ صلاح ذات البين. ألا وإن البغضة هي الحالقة (٢))) (٣).
إنها لنظرة نافذة عميقة لروح هذا الدين القائم على التآخي والمحبة، من هذا الصحابي الجليل الذي كان موضع ثقة الرسول الكريم في حسن تفكيره ونفاذ بصيرته، إذ رأى التباغض يحبط العمل، ويضيع الأجر، ويمحق الحسنات، ومن هنا كان صلاح ذات البين للمسلم المقاطع أخاه خيرا له من الصدقة والصيام، إذ أن بقاءه على القطيعة والهجر والتباغض يودي بما يجنيه من عباداته من حسنات.
ولقد أخذ الصحابي أبو الدرداء حديثه هذا من هدي الرسول ﷺ الذي رواه الترمذي عنه أيضا: ((ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟)) قالوا: بلى، قال: ((إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة)). قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح. ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: ((هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين)).
سمح عفو عنهم:
والمسلم الحق إذا مسه الغيظ من أخيه كظم غيظه، ثم هو لا يأنف أن يسارع إلى العفو عنه، والتغاضي عن زلته، ولا يرى في صفحه عن أخيه ذلا يحيق به، ولا عارا يلبسه، بل يرى فيه إحسانا يقربه من الله زلفى، ويكسبه محبته التي خص بها المحسنين من عباده في قوله:
стр. 143
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).
إن الإنسان قد يكظم غيظه، ولكن مراجل الحقد والضغينة تفور في صدره، فيتحول غيظه الفائر إلى إحنة متأججة، ويستحيل غضبه الظاهر إلى حقد دفين. والغضب والغيظ أطهر وأنظف من الحقد والضغينة.
أما المسلم الحق الذي أشربت نفسه هدي هذا الدين فلا يحقد ولا يضطغن، إنه إن كظم غيظه، اتبع ذلك بالصفح والعفو، وكان من المحسنين.
إن الغيظ وقر ثقيل على النفس حين تكظمه، وشواظ يلفح القلب ودخان. أما حين تصفح النفس، ويعفو القلب، فهو الانطلاق من ذلك الوقر والرفرفة في آفاق النور، والبرد على القلب، والسلام في الضمير، وهذا هو الشعور بالإحسان، يحسه المسلم، وهو يصفح ويعفو عن أخيه.
والمسلم الحق في إقباله على أخيه صفوحا عفوا، إنما يتواضع لأخيه ويعفو عنه لله، مبتغيا من لدنه العزة والرفعة التي ألمع إليهما رسول الله ﷺ في قوله:
((ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) (٢).
وإنهما لعزة ورفعة من الله، يجتمعان إلى الإحسان الذي اتصف به المسلم السمح العفو الصفوح، فإذا هو من المحسنين الذي أحبهم الله، ومن الأعزة الأماثل الذين يحبهم الناس.
إن الحقد لا مكان له في قلب المسلم المرهف الحس، الواعي توجيهات دينه، المتأثر بلمساتها في أعماق وجدانه؛ ذلك أنه يدرك قيمة
стр. 144
العفو وصفاء القلب في مغفرة الله له، كما بينها رسول الله ﷺ بقوله:
((ثلاث من لم يكن فيه غفر له ما سواه لمن شاء: من مات لا يشرك بالله
شيئا، ولم يكن ساحرا بتبع السحرة، ولم يحقد على أخيه (١).
يلقاهم بوجه طليق:
وإنه لحري بالمسلم بعد هذا كله أن يكون نقي السريرة، صافي القلب، بش الوجه، طلق المحيا، مفتر الأسارير، لا يلقى إخوانه إلا متهللا مبتسما كما أراد سول الله ﷺ بقوله:
((لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق)) (٢).
فبشاشة الوجه خليقة حسنة حض عليها الإسلام، وجعلها من الأعمال الصالحات التي تكسب صاحبها المثوبة والأجر؛ لأن الوجه الطليق الصافي مرآة القلب النظيف الصافي، وهذا الصفاء في المظهر والمخبر من خلائق الإسلام الجلية في المسلمين الصادقين.
ومن هنا كان من هدي الرسول الكريم:
((تبسمك في وجه أخيك صدقة)) (٣).
وكان الرسول ﷺ يبش دوما في وجوه أصحابه، فما يكاد يقع بصره على أحد منهم إلا تبسم له، يشهد لذلك الحديث الذي رواه الشيخان عن الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي: ((ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم)).
стр. 145
وكان من حديث على ﵁:
((إذا اجتمع المسلمان فتذاكرا غفر الله لأبشهما وجها)).
ولذلك كان من عادة الصحابة الكرام الذي كان هدي الرسول ﷺ في نفوسهم حيا طريا أن يتصافحوا إذا تلاقوا وإذا قدموا من سفر تعانقوا، وفي ذلك إشاعة للمحبة الود بين الإخوة المتلاقين. ويروي ابن سعد في طبقاته (١) عن الشعبي قال: لما رجع رسول الله ﷺ من خيبر تلقاه جعفر بن أبي طالب ﵁، فالتزمه رسول الله ﷺ ، وقبل ما بين عينيه، وقال: ما أدري بأيهما أنا أفرح، بقدوم جعفر أو بفتح خيبر. وزاد في رواية أخرى: وضمه إليه واعتنقه.
لقد حبب الإسلام إفشاء السلام، والمصافحة والمعانقة، عند تلاقي الإخوة، لتبقى أسباب الود بين القلوب معقودة الأواصر، ولتزداد وشائج الأخوة بين المؤمنين صلابة وقوة، وبذلك يستطيع المجتمع المسلم أن يعيش إسلامه، وينهض بتكاليف رسالته في الحياة.
ينصح لهم:
والمسلم الصادق ناصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ قال:
((الدين النصيحة)) قلنا: لمن؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))، فلا عجب أن يكون ناصحا لإخوانه، لا يخدعهم ولا يغشهم. والنصيحة في حس المسلم المرهف من أمهات قواعد الإسلام التي
كان المؤمنون الأولون يبايعون رسول الله عليها، يؤكد ذلك قول جرير بن