وبقوله:
((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا (١)، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا)) (٢).
وبقوله:
((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا (٣)، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا- ويشير إلى صدره ثلات مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه)) (٤).
إن المسلم الذي يتأمل هذا الهدي النبوي العالي، الحاوي على مكارم الأخلاق كلها من حب وتعاطف وتآخ، لا يقيم على شحناء، إلا إذا كان في قلبه مرض، وفي طبعه جفوة، وفي فطرته التواء.
ومن هنا جاء الوعيد شديدا لأولئك القساة الغلاظ، الملتوين عن جادة الإسلام الخلقية، المحجوبين عن بشاشته وسماحته، بإصرارهم على الهجر، يهددهم في آخرتهم، فيحجب عنهم رحمة الله ومغفرته، ويغلق دونهم أبواب الجنة، وذلك في قول الرسول ﷺ :
((تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك
بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى
стр. 142
يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا)) (١).
وكان الصحابي الجليل أبو الدرداء يقول: ألا أحدثكم بما هو خير لكم
من الصدقة والصيام؟ صلاح ذات البين. ألا وإن البغضة هي الحالقة (٢))) (٣).
إنها لنظرة نافذة عميقة لروح هذا الدين القائم على التآخي والمحبة، من هذا الصحابي الجليل الذي كان موضع ثقة الرسول الكريم في حسن تفكيره ونفاذ بصيرته، إذ رأى التباغض يحبط العمل، ويضيع الأجر، ويمحق الحسنات، ومن هنا كان صلاح ذات البين للمسلم المقاطع أخاه خيرا له من الصدقة والصيام، إذ أن بقاءه على القطيعة والهجر والتباغض يودي بما يجنيه من عباداته من حسنات.
ولقد أخذ الصحابي أبو الدرداء حديثه هذا من هدي الرسول ﷺ الذي رواه الترمذي عنه أيضا: ((ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟)) قالوا: بلى، قال: ((إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة)). قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح. ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: ((هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين)).
سمح عفو عنهم:
والمسلم الحق إذا مسه الغيظ من أخيه كظم غيظه، ثم هو لا يأنف أن يسارع إلى العفو عنه، والتغاضي عن زلته، ولا يرى في صفحه عن أخيه ذلا يحيق به، ولا عارا يلبسه، بل يرى فيه إحسانا يقربه من الله زلفى، ويكسبه محبته التي خص بها المحسنين من عباده في قوله:
стр. 143
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).
إن الإنسان قد يكظم غيظه، ولكن مراجل الحقد والضغينة تفور في صدره، فيتحول غيظه الفائر إلى إحنة متأججة، ويستحيل غضبه الظاهر إلى حقد دفين. والغضب والغيظ أطهر وأنظف من الحقد والضغينة.
أما المسلم الحق الذي أشربت نفسه هدي هذا الدين فلا يحقد ولا يضطغن، إنه إن كظم غيظه، اتبع ذلك بالصفح والعفو، وكان من المحسنين.
إن الغيظ وقر ثقيل على النفس حين تكظمه، وشواظ يلفح القلب ودخان. أما حين تصفح النفس، ويعفو القلب، فهو الانطلاق من ذلك الوقر والرفرفة في آفاق النور، والبرد على القلب، والسلام في الضمير، وهذا هو الشعور بالإحسان، يحسه المسلم، وهو يصفح ويعفو عن أخيه.
والمسلم الحق في إقباله على أخيه صفوحا عفوا، إنما يتواضع لأخيه ويعفو عنه لله، مبتغيا من لدنه العزة والرفعة التي ألمع إليهما رسول الله ﷺ في قوله:
((ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) (٢).
وإنهما لعزة ورفعة من الله، يجتمعان إلى الإحسان الذي اتصف به المسلم السمح العفو الصفوح، فإذا هو من المحسنين الذي أحبهم الله، ومن الأعزة الأماثل الذين يحبهم الناس.
إن الحقد لا مكان له في قلب المسلم المرهف الحس، الواعي توجيهات دينه، المتأثر بلمساتها في أعماق وجدانه؛ ذلك أنه يدرك قيمة
стр. 144
العفو وصفاء القلب في مغفرة الله له، كما بينها رسول الله ﷺ بقوله:
((ثلاث من لم يكن فيه غفر له ما سواه لمن شاء: من مات لا يشرك بالله
شيئا، ولم يكن ساحرا بتبع السحرة، ولم يحقد على أخيه (١).
يلقاهم بوجه طليق:
وإنه لحري بالمسلم بعد هذا كله أن يكون نقي السريرة، صافي القلب، بش الوجه، طلق المحيا، مفتر الأسارير، لا يلقى إخوانه إلا متهللا مبتسما كما أراد سول الله ﷺ بقوله:
((لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق)) (٢).
فبشاشة الوجه خليقة حسنة حض عليها الإسلام، وجعلها من الأعمال الصالحات التي تكسب صاحبها المثوبة والأجر؛ لأن الوجه الطليق الصافي مرآة القلب النظيف الصافي، وهذا الصفاء في المظهر والمخبر من خلائق الإسلام الجلية في المسلمين الصادقين.
ومن هنا كان من هدي الرسول الكريم:
((تبسمك في وجه أخيك صدقة)) (٣).
وكان الرسول ﷺ يبش دوما في وجوه أصحابه، فما يكاد يقع بصره على أحد منهم إلا تبسم له، يشهد لذلك الحديث الذي رواه الشيخان عن الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي: ((ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم)).
стр. 145
وكان من حديث على ﵁:
((إذا اجتمع المسلمان فتذاكرا غفر الله لأبشهما وجها)).
ولذلك كان من عادة الصحابة الكرام الذي كان هدي الرسول ﷺ في نفوسهم حيا طريا أن يتصافحوا إذا تلاقوا وإذا قدموا من سفر تعانقوا، وفي ذلك إشاعة للمحبة الود بين الإخوة المتلاقين. ويروي ابن سعد في طبقاته (١) عن الشعبي قال: لما رجع رسول الله ﷺ من خيبر تلقاه جعفر بن أبي طالب ﵁، فالتزمه رسول الله ﷺ ، وقبل ما بين عينيه، وقال: ما أدري بأيهما أنا أفرح، بقدوم جعفر أو بفتح خيبر. وزاد في رواية أخرى: وضمه إليه واعتنقه.
لقد حبب الإسلام إفشاء السلام، والمصافحة والمعانقة، عند تلاقي الإخوة، لتبقى أسباب الود بين القلوب معقودة الأواصر، ولتزداد وشائج الأخوة بين المؤمنين صلابة وقوة، وبذلك يستطيع المجتمع المسلم أن يعيش إسلامه، وينهض بتكاليف رسالته في الحياة.
ينصح لهم:
والمسلم الصادق ناصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ قال:
((الدين النصيحة)) قلنا: لمن؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))، فلا عجب أن يكون ناصحا لإخوانه، لا يخدعهم ولا يغشهم. والنصيحة في حس المسلم المرهف من أمهات قواعد الإسلام التي
كان المؤمنون الأولون يبايعون رسول الله عليها، يؤكد ذلك قول جرير بن
стр. 146
عبد الله ﵁: ((بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسليم)) (١).
ولقد رأينا في الحديث السابق أن الرسول الكريم عرف الدين بكلمة واحدة هي ((النصيحة))، دلالة على أن النصيحة مرتكز الدين الأصيل، وأساسه الراسخ، إذ بدونها لا يصح إيمان المرء، ولا يحسن إسلامه، وهذا مصداق قول الرسول الكريم:
((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) (٢). ولا يمكن أن
يحب له ما يحب لنفسه إلا إذا كان له محبا نصوحا.
لا جرم أنه مرتقى صعب عسير المنال أن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه، ولكنه ليس بالمستحيل إذا استقر في حس هذا الإنسان أن حبه لأخيه ما يحب لنفسه شرط من شروط الإيمان، وأن الدين النصيحة، بل إنه ليغدو شيئا طبيعيا في تصرفات المسلم الحق الصادق الذي خالطت قلبه بشاشة الإسلام، وتاريخنا في القديم والحديث مليء بالشواهد على حب المسلمين الصادقين لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم. ويحضرني في هذا المقام ما يتناقله شيوخ الجيل السابق من الأحياء عن التجار في بلاد الشام، ممن تجمعهم سوق واحدة، كسوق العطارين، وسوق الصباغين، وسوق الخياطين، وغيرها من الأسواق المسقوفة القديمة، كان أحدهم إذا سبق إليه مشتر، فاشترى منه بضاعة، ثم جاءه مشتر ثان، وكان جاره لم يستفتح نهاره ببيع بعد، قال له بلطف: اذهب واشتر ما يلزمك من جاري، فإني قد بعت، وهو لم يبع بعد.
стр. 147
يا لله! كم تبدو الحياة بهيجة شائقة ممتعة في ظلال هذا الإخاء وهذا التعاطف! وكم يبدو الأحياء سعداء حين تسري فيهم روح الإسلام، وتسود في معاملاتهم قيمه! إنهم حينئذ يعيشون في سمو ما وصل إليه الإنسان إلا حين استظل بهذا الدين الذي علمه أن ((الدين: النصيحة))، وأنه لا يؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
من هذا المنطلق السامي الرفيع من المحبة والنصيحة، كان الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁ يقول:
((المؤمن مرآة أخيه، إذا رأى فيه عيبا أصلحه)) (١).
وأبو هريرة في حديثه هذا يقتبس من هدي الرسول الكريم القائل:
((المؤمن مرآة أخيه، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته (٢) ويحوطه من ورائه)) (٣).
إنها طبيعة الأشياء أن يقف المسلم الحق الصادق من أخيه المسلم هذا الموقف السامى النبيل، ولو أراد أن يقف منه غير هذا الموقف لما استطاع، إذ ما كان لمن يعيش في ذلك الأفق العالي الوضيء أن يهبط في مواقفه إلى مستوى الفردية والأنانية والمنفعة الخاصة؛ فكل إناء بالذي فيه ينضح، والزهر لا ينفح إلا الشذا، والأرض الطيبة لا تخرج إلا النبات الطيب، ولله در الشاعر (٤) إذ يقول:
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه...وتغرس إلا في منابتها النخل
стр. 148
مطبوع على البر والوفاء:
إن الإسلام ليطبع أبناءه على الوفاء وبر الأصدقاء، حتى يشمل بذلك أصدقاء الوالد، كما تقدم في كلامنا على "المسلم مع والديه"، وذلك تفديرا منه لفضيلة الوفاء، وإعظاما لعروة الأخوة والصداقة، وكتب التراث تفيض بنماذج رائعة من البر والوفاء، تمثلها السلف في حياتهم، فكانوا في أخلاقهم بحق خير أمة أخرجت للناس.
من هذا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عمر ﵁ أن
النبي ﷺ قال:
((إن أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه)).
وعن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله بن عمر، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه. قال ابن دينار: فقلنا له: أصلحك الله، إنهم الأعراب، وهم يرضون باليسير، فقال عبد الله بن عمر: إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب ﵁، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
((إن أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه)) (١).
لقد كان رسول الله ﷺ يتعهد قلوب المسلمين فيغرس فيها غرسات الوفاء، كلما وجد مناسبة يسمعهم فيها شيئا من هديه وتوجيهه، فقد جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: ((نعم، الصلاة عليهما (٢)، والاستغفار لهما، وإنفاذ
стр. 149
عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما)) (١).
وكان حرص الرسول الكريم على هذا الوفاء للصداقة مما يغيظ أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂، إذ كان يشمل بر أصدقاء خديجة، فتغار منها. وهذا ما حدثت به السيدة عائشة، فقالت: ((ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة ﵂، وما رأيتها قط، ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة! فيقول: ((إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد)) (٢).
وفي رواية: ((وإن كان ليذبح الشاة، فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن)).
إنه الوفاء الإسلامي الذي ما بعده وفاء، يمتد فيشمل ببره ونداه الأصدقاء الأبعدين للآباء والزوجات الأموات، فكيف بالأصدقاء الأقربين لنا نحن معشر الأحياء؟!
ومن مقتضيات المحبة والنصحية والبر والوفاء في شرعة الإسلام أن ينصر الرجل أخاه في جميع الأحوال، ينصره إن كان على الحق، فيقف بجانبه، يؤازره ويذود عنه، وينصره إن كان على غير الحق، فينهاه، وينصحه، ويزجره على الارتكاس في حمأة الباطل، والتردي في مستنقعات الظلم. وهذا ما دعا إليه الرسول الكريم في قوله:
стр. 150
((لينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما؛ إن كان ظالما فلينهه، فإنه له نصر، وإن كان مظلوما فلينصره)) (١).
إن المسلم الحق لا يتخلى عن أخيه ظالما كان أو مظلوما؛ ذلك أن الإسلام علمه أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وما دام لا يحب لنفسه أن يكون ظالما أو مظلوما، فهو لا يحب ذلك لأخيه أيضا، ولذلك فهو يقف إلى جانبه إن كان مظلوما فينصره ويدفع عنه، ويقف إلى جانبه يكفه عن الظلم إن كان ظالما، ولعمري إن هذه هي النصيحة الخالصة، وإن هذا هو البر الصادق، وإنهما لخليقتان يتصف بهما المسلم الحق البر الوفي الذي صاغه الإسلام، أيان عاش، وحيثما كان.
رفيق بإخوانه:
والمسلم الحق المتمثل أحكام دينه وقيمه لطيف المعشر مع إخوانه، رفيق بهم، آلف لهم، مألوف لديهم، وهو في ذلك كله يستقي من توجيهات الإسلام التي تحض على مكارم الأخلاق.
فالله ﵎ يصف المؤمنين بقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٢). وفي ذلك من اللين والتواضع وحسن التعامل مع الأخوة المؤمنين ما يصل إلى درجة متناهية في اللطف، هي أشبه بالذلة.
ويأتي بعد ذلك التوجيه النبوي العالي فى تحبيب الرفق إلى المسلم تحبيبا يجعله زينة كل شيء في الحياة، وذلك في قول الرسول الكريم.
((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)) (٣).
стр. 151
وتتجلى لعين المسلم شخصية الرسول الكريم في سيرته، فإذا هي كلها رفق ودماثة وكرم وخلق، لم يعرف عنه يوما أنه أفحش في لفظ، ولا لعن أو سب مسلما، وها هو ذا أنس ﵁ خادمه وملازمه يصف خلقه العظيم، فيقول:
((لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا ولا لعانا ولا سبابا، كان يقول عند المعتبه: ما له ترب جبينه (١)؟)) (٢).
لا يغتابهم:
والمسلم الحق الصادق يحفظ غيبة إخوانه وأصدقائه، فلا يغتابهم؛ لأنه يعلم أن الغيبة حرام بنص القرآن الكريم:
﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).
إن نفس المسلم المرهفة المتأدبة بأدب الإسلام، المرتشفة من رحيق أخلاقه، لتقشعر من هذه الصورة التي رسمها القرآن الكريم للمغتاب، يأكل لحم أخيه ميتا، بكلمات يتفوه بها عنه في غيابه، فإذا هو يسارع إلى التقوى التي ذيل الله بها آية الغيبة، ويلوذ بالتوبة النصوح منها إن تورط فيها، ويمسك عليه لسانه، فلا يطلقه على إخوانه إلا بخير، ذاكرا قول الرسول الكريم:
((أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد
стр. 152
اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته)) (١).
إن المسلم التقى يجتنب الغيبة الظاهرة والخفية، حرصا منه على ألا يكون
آكلا لحم أخيه بحال، وتنزيها للسانه أن يكبه في النار، كما جاء في تحذير النبي ﷺ لمعاذ حين أخذ بلسانه وقال: ((كف عليك هذا))، فقال معاذ: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال النبي ﷺ ((ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم؟)) (٢).
إن الغيبه خلق ذميم، لا يتصف به الرجال، وإنما يتصف به أشباه الرجال الجبناء من ذوي الوجهين الذين يغتابون إخوانهم وأصدقاءهم أمام الناس، فإذا لقوهم هشوا لهم وبشوا وتظاهروا بالصداقة والود، ومن هنا كان المسلم الحق أبعد الناس عن الغيبة والتلون بلونين، لأن الإسلام علمه الرجولة، ولقنه الاستقامة، وحبب إليه التقوى في القول والعمل، وكره إليه النفاق والتلون والتذبذب، بل نفره من هذه الخصال تنفيرا، حين جعل ذا الوجهين من شرار الناس عند الله، وذلك في قول الرسول ﷺ :
((تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه)) (٣).
إن للمسلم الحق وجها واحدا، لا وجهين، وإنه لوجه أغر أبلج مشرق واضح، لا يلقى به قوما دون قوم، بل يلقى به الناس جميعا، لأنه يعلم أن اتخاذ الوجهين هو النفاق بعينه، والإسلام والنفاق لا يجتمعان، وأن ذا الوجهين منافق، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار.
стр. 153
يجتنب معهم الجدل والمزاح المؤذي والإخلاف بالوعد:
ومن خلائق المسلم الحق أنه لا يعنت إخوانه وأصدقاءه بالجدل العقيم، ولا يثقل عليهم بالمزاح المؤذي، ولا يخلفهم موعدا وعدهم إياه، مستهديا في ذلك كله بهدي الرسول الكريم القائل:
((لا تمار أخاك (١)، ولا تمازحه (٢)، ولا تعده موعدا فتخلفه)) (٣).
ذلك أن المراء لا يأتي بخير، والمزاح المؤذي كثيرا ما يؤول إلى النفور والكراهية وسقوط المهابة، والإخلاف بالوعد يكدر النفس وينزع المحبة من القلب. والمسلم الصادق بعيد عن هذا كله.
كريم يؤثر إخوانه على نفسه:
والمسلم الحق كريم جواد، يده مبسوطة سخاء على إخوانه وأصدقائه، وبدهي أن إخوانه وأصدقاءه كافة من المؤمنين الأتقياء، كما قال رسول الله ﷺ :
((لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي)) (٤).
ومن هنا كان المسلم الواعي بصيرا بمواطن الكرم ومناسباته ودواعيه؛ فهو لا يغدق أمواله بسخاء، ولا يحتفي إلا بإخوانه وأصدقائه المؤمنين الأتقياء، ولا يرضى أن يكون بقرة حلوبا لسفلة القوم من الملحدين الطغام اتقاء شرهم، أو تألفا لهم إن كانوا من أصحاب النفوذ، الذين لا يتورعون عن استغلال بعض المتدينين السذج الأجواد، فتراهم مصطفين على موائدهم
стр. 154
السخيه، وإنهم ليضحكون في قرارة نفوسهم من ذلك الكرم الساذج الذي وضعه صاحبه في غير محله.
إن المسلم الواعي كريم، وكرمه في محله، ذلك أن الكرم خلق إسلامي أصيل، يجمل صاحبه، ويسمو به، ويحبب الناس فيه، ويدنيهم منه. وقد كان هذا الخلق العظيم متأصلا في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم، وكان الاتصاف به من أحب الأعمال الصالحة إليهم، يصور ذلك قول علي ﵁:
لأن أجمع نفرا من إخواني على صاع أو صاعين من طعام، أحب إلي من أن أخرج إلى سوقكم فأعتق رقبة (١).
ذلك أن مثل هذه اللقاءات الودية على الطعام، توطد أواصر المحبة بين الإخوان الأصدقاء، وتقوي روح التعاطف فيهم، وتشيع في حياتهم ندى العاطفة الإنسانية الذي افتقده إنسان الحضارة المادية الحديثة، بعد أن أصبح لا يهتم إلا بنفسه ومصلحته، فإذا هو يعاني خواء روحيا وجفافا عاطفيا، نتج عنهما شعور عميق بالحرمان من الصداقة والأصدقاء المخلصين. وما حفاوته باقتناء الكلاب، وإقباله على تدليلها والعناية بها، إلا تعويض عما فقد من ري العاطفة الإنسانية الذي جففته في نفسه الفلسفة المادية التي اتخذها دينا له، وإطارا يتحرك ضمنه في متقلبه ومثواه؛ فقد جاء في تقرير فرنسي أن هناك سبعة ملايين من الكلاب في فرنسا التي يبلغ عدد سكانها اثنين وخمسين مليون نسمة، وتعيش هذه الكلاب مع أصحابها كأنها من أقاربهم. ولم يعد غريبا في مطاعم باريس أن تشاهد الكلب وصاحبه يتناولان طعامهما على مائدة واحدة. وحين سئل مسؤول في جمعية رعاية الحيوان بباريس: (لماذا
стр. 155
يعامل الفرنسيون كلابهم مثل ما يعاملون به أنفسهم) أجاب: (لأنهم يريدون أن يحبوا، ولكنهم لا يعثرون بين الناس على من يحبونه) (١).
إن الإنسان المادي في الغرب أو في الشرق لم يعد يجد الإنسان الصديق الوفي الودود في مجتمعه، ليمنحه حبه وعاطفته، فاتجه إلى هذه الحيوانات التي وجد فيها من الألفة والوفاء أكثر مما وجد في الناس الذين حوله. فهل بعد هذا من ارتكاس عاطفي يهوي بالإنسان، فيجعله أليف الحيوان، بعد فقده إشراقة الهدى ونعمة الإيمان؟
ولقد كان هذا الارتكاس العاطفي الذي مني به إنسان الغرب، فجفف ينابيع الشعور الإنساني في نفسه، أول ما لفت أنظار أدباء المهجر من مسلمين وغير مسلمين؛ ذلك أنهم نظروا إلى الحياة الغربية المادية التي جرفت الإنسان في مجتمعات الغرب، فجعلته كالآلة، لا يعرف من الحياة إلا الكد والإنتاج والتسابق العنيف على الكسب، لا يهش قلبه لصديق، ولا يفتر ثغره عن ابتسامة حب لرفيق، وإنما هو ذاهل مأخوذ بالسرعة والالة والازدحام، فهالهم ذلك كله، وهم الذين نشأوا في ديار الإسلام، وتنفسوا في أجواء روحانيته السمحة، وأترعت نفوسهم بحب الإنسان لأخيه الإنسان، فانطلقوا يدعون الغربيين بحرارة إلى الحب والتآخي والتعارف. فهذا نسيب عريضة يحمل لواء هذه الدعوة الإنسانية، فينادي الإنسان الغربي الذي رانت على قلبه المادة، وأعشت بصره أضواء الحضارة، وأصم أذنيه ضجيج الآلة، قائلا له:
يابن ودي، يا صاحبي يا رفيقي...ليس حبي تطفلا أو ثقالة
стр. 156
فأجبني "بيا أخي" يا صديقي...وأعد، إنها ألد مقالة
وإذا شئت أن تسير وحيدا...وإذا ما اعترتك مني ملالة
فامض، لكنما ستسمع صوتي...صارخا: (يا أخي) يؤدي الرسالة
وسيأتيك أين كنت صدى حبي...فتدري جماله وجلالة
وتشتد في تلك الديار وطأة الحياة المادية على يوسف أسعد غانم، فيسأم هذه الحياة المثقلة بالأعباء، الغارقة في لجة التيار المادي الجاف العنيف، لا ترف عليها نسمة ندية من روحانية أو تآخ أو تعاطف، فتتفجر في نفسه ينابيع الشوق والحنين إلى الأرض العربية في ديار الإسلام، حيث مهبط النبوات، ومصدر الروحانيات، وموطن الحب والتآخي والصفاء، وإذا هو يتمنى أن يعيش في خيمة عربية، ويترك دنيا الحضارة وما فيها من صخب وضجيج وأضواء، فيقول:
((ولو تبخر عمري كله قصيرا في أي صعيد عربي، لحمدت الله على حياة قصيرة عريضة في دنيا يقيم الله في قلوب أبنائها ... لقد تعبت في الغرب حتى ملني التعب، خذوا السيارة والطيارة، وأعطوني جملا وحصانا، خذوا الدنيا الغربية، أرضا وبحرا وسماء، وأعطوني خيمة عربية أنصبها على إحدى روابي وطني لبنان، على ضفاف بردى، على شواطىء الرافدين، في أرباض عمان، في الصحراء السعودية، في مجاهل اليمن، في سفح الأهرام، في واحات ليبيا، أعطوني خيمة عربية لأضعها في كفة، وأضع الدنيا في كفة، وأنا الرابح .... )).
والنصوص التي تعزف هذه النغمة كثيرة جدا في أدب المهجر، أكتفي منها بهذين النصين، وكلها تصور ظمأ المهاجرين إلى الري العاطفي الذي افتقدوه في عالم الغرب المادي، ففجر فقده في نفوسهم ينابيع الشوق والحنين
стр. 157
إلى الشرق الذي أشاع الإسلام فيه المحبة والأخوة والتعاطف والتكافل ...
وكلما حبب الإسلام في لقاءات الإخوة، وندبهم إلى التنافس في الكرم والبذل والسخاء فيما يوثق عروة الأخوة بينهم، حتى أصبح الجود والإنفاق على الإخوة خلقا أصيلا فيهم، جعل قبول دعوة الأخ المسلم من أخيه واجبا عليه، لا ينبغي التقصير فيه. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يلبون داعي الأخوة، ويجيبون أخاهم إذا دعاهم، بل يرون إجابته حقا له واجبا عليهم، يأثمون إن هم قصروا في أدائه، يشهد لذلك الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في الأدب المفرد عن زياد بن أنعم الإفريقي، قال: ((كنا غزاة في البحر زمن معاوية ﵁، فانضم مركبنا إلى مركب أبي أيوب الأنصارى ﵁، فلما حضر غداؤنا أرسلنا إليه، فأتانا، فقال: دعوتموني وأنا صائم، فلم يكن لي بد من أن أجيبكم، لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن للمسلم على أخيه ست خصال واجبة، إن ترك منها شيئا فقد ترك حقا واجبا لأخيه عليه: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويحضره إذا مات، وينصحه إذا استنصحه)).
بل إنهم ليرون في إباء المسلم دعوة أخيه من غير عذر معصية لله ولرسوله، نص على ذلك رسول الله ﷺ بقوله:
((شر الطعام طعام الوليمة، يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله)) (١).
إن أخوة الإيمان ليست شعارات ترفع، ولا تبجحا يقصد به الإعلان والدعاية، وإنما هي رابطة مقدسة لها التزاماتها وتكاليفها وحقوقها، يعرف هذا
стр. 158
من آمن بالله واليوم الآخر حق الإيمان، وتمثل حقائق الإسلام حق التمثل، وإننا لنجد أثر هذا الإيمان وثمرة هذا التمثل في صنيع الأنصار الذين ضربوا المثل الأعلى في الحب والإيثار لإخوانهم المهاجرين حين قدموا عليهم مهاجرين بدينهم، لا يملكون شيئا، فقدم لهم الأنصار كل شيء، حتى كان أحدهم يقول لأخيه: هذا مالي فخذ شطره، وهاتان زوجتاي، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها لتكون زوجة لك بعد انقضاء عدتها، وكان الأخ المهاجر يقابل عاطفة أخيه الأنصارى بأحسن منها، فيقول له: بارك الله لك في مالك وأهلك، ما لشيء من هذا في نفسي حاجة، ولكن دلوني على السوق لأعمل.
وكان الأنصاري يستضيف أخاه من المهاجرين، وليس في بيته من الزاد
إلا قوت صبيانه، فيؤثره على نفسه وعياله، قائلا لزوجه: نومي صبيانك، وأطفئي السراج، وقدمي ما عندك للضيف، ونجلس معه إلى المائدة، نوهمه أننا نأكل معه، ولا نأكل. ويجلسون إلى المائدة، ويأكل الضيف وحده، ويبيت الزوجان طاويين، ويغدو الأنصاري على النبي ﷺ ، فيقول له: ((لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة)) (١).
وبلغ من إيثار الأنصار للمهاجرين ومواساتهم لهم بأموالهم أنهم قالوا للنبي ﷺ : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا، فقالوا: تكفوننا المؤونة (٢)، ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا)) (٣).
وقد أكبر المهاجرون صنيع إخوانهم من الأنصار، فقالوا للنبي ﷺ : ((يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن
стр. 159
بذلا من كثير، لقد كلفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ (١)، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: لا، ما أثنيتم عليهم، ودعوتم الله لهم)) (٢).
وحسب الأنصار ثناء الله عليهم، وتنويهه بحسن صنيعهم، إذ أنزل فيهم قرآنا يتلى، فيحكي قصة إيثارهم الفريد على وجه الزمان، ويخلدهم نماذج واقعية حية رفيعة للتحرر من شح النفوس:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣).
وستبقى صورة الأنصار الوضيئة في القرآن الكريم منار هداية وإشعاع للإنسانية الضاربة في تيه المطامع والأثرة والشح والإمساك، ما أقبل ليل وأدبر نهار، ودعي الناس للبذل والسخاء والإيثار.
لقد أدرك الأنصار رضوان الله عليهم ما تعنيه أخوة الإيمان، حين آخى الرسول ﷺ بينهم وبين المهاجرين، فكانوا مؤمنين حقا، أحبوا لإخوانهم ما أحبوا لأنفسهم، كما سمعوا من رسول الله ﷺ ، فلم يمسكوا عنهم شيئا من حطام الدنيا، بل نزلوا عن شطر ما يملكون لإخوانهم طائعين مختارين، طيبة بذلك نفوسهم، راضية قلوبهم، وكانو في أول الهجرة يورثون المهاجرين دون أرحامهم، ليقوموا بحق الأخوة التي رفع لواءها فيهم رسول الله ﷺ ، يشهد لذلك الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس، قال: ((كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون رحمه للأخوة
стр. 160
التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، نسخ الميراث وبقي النصر والإرفاد والإيثار والمواساة.
يدعو لإخوانه بظهر الغيب:
والمسلم الحق الصادق الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه، لا يفوته في ساعات الصفاء أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، دعوة غائب لغائب، تتجلى فيها خفقة القلب المحب الصدوق، ورفة الروح الشفافة الحانية؛ ففي دعائه له بالخير تأكيا لمحبته إياه، وتوثيق لعروة الأخوة النقيه في قلبه، وإنه ليعلم أن هذه الدعوة الحارة أسرع الدعوات إجابة، لما تميزت به من إخلاص وصدق وصفاء، يؤكد ذلك قول الرسول الكريم:
((أسرع الدعاء إجابه دعاء غائب لغائب)) (١).
ولهذا طلب الرسول الكريم من عمر ﵁ حين جاءه يستأذنه في العمرة أن يدعو له؛ فعن عمر ﵁ قال: ((استأذنت النبي ﷺ في العمرة، فأذن، وقال: ((لا تنسنا يا أخي من دعائك))، فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا)) (٢).
وقد وقر هذا المعنى في نفوس الصحابة الكرام، فكانوا يطلبون الدعاء من إخوانهم كلما وقفوا موقفا يستجاب فيه الدعاء، يستوي في ذلك الرجال والنساء، مما يدل على ارتفاع مستوى المجتمع كله في تلك الفترة الوضيئة من تاريخنا؛ فقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، وكانت تحته الدرداء بنت أبي الدرداء، قال: قدمت عليهم الشام، فوجدت أم الدرداء، في البيت، ولم أجد أبا الدرداء، قالت: أتريد الحج؟
стр. 161
قلت: نعم، قالت: فادع لنا بخير، فإن النبي ﷺ كان يقول: ((إن دعوة المرء المسلم مستجابة لأخيه بظهر الغيب، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال: آمين، ولك بمثل)). قال: فلقيت أبا الدرداء في الشوق، فقال مثل ذلك، يأثر عن النبي ﷺ .
لقد كان الرسول الكريم يربي في أصحابه الروح الجماعية، ويشيع بينهم شعور الغيرية، فيلفتهم في كل مناسبة إلى الإحساس بمعنى الأخوة الشاملة، بحيث لا يبقى في حس الأخ المسلم مجال للأنانية الضيقة الفردية، التي تعشي الأبصار، وتختم على القلوب، وتصدئ النفوس.
ومن لفتاته التربوية الرائعة التي تؤصل في النفس روح الأخوة الجماعية، وتقتلع بذور الأنانية الفردية، ما قاله لرجل هتف داعيا: اللهم اغفر لي ولمحمد وحدنا، قال له: ((لقد حجبتها عن ناس كثيرين)) (١) فعلمه بذلك أن روح الإسلام تأبى على المسلم أن يستأثر بالخير وحده، ولو كان معه رسول الله ﷺ ، وأن المؤمن ينبغي أن يحب لأخيه دوما ما يحب لنفسه.
وبعد، فهذا هو المسلم الحق، محب لإخوانه وأصدقائه، مخلص، ناصح لهم، أمين على سمعتهم وأعراضهم وأموالهم، في حضورهم وغيبتهم، مؤثر لهم على نفسه، متسامح عفو غفور لزلاتهم، وهو معهم لطيف العشرة، موطأ الكنف، حسن اللقاء، نقي السريرة، نظيف اليد واللسان والجوارح، جواد لا يبخل، صادق لا يكذب، ودود لا يجفو، وفي لا يخون، شهم لا يغدر، مستقيم لا يتلون، ولا عجب أن يتصف بهذا كله، إنه معجزة الإسلام، في صوغ الإنسان، إنه المسلم كما يريده الإسلام.
...
стр. 162
٩ - المسلم مع مجتمعه
تمهيد:
المسلم الواعي أحكام دينه اجتماعي بطبعه، لأنه صاحب رسالة في الحياة، وأصحاب الرسالات لا بد لهم من الاتصال بالناس، يخالطونهم، ويعاملونهم، ويبادلونهم الأخذ والعطاء.
والإنسان المسلم اجتماعي من الطراز الرفيع، بما لقن من أحكام دينه الحق، وبما تمثل من أخلاقه الإنسانية الرفيعة النبيلة التي دعا إليها، وحض على التخلق بها في مجال التعامل الاجتماعي.
وشخصية المسلم الاجتماعية التي استنارت بهدي القرآن الكريم، وارتوت من منهل السنة النبوية المطهرة، شخصية فريدة، لا تقاس بالشخصية الاجتماعية التي ربتها النظم الوضعية المعاصرة، ولا الشرائع القديمة التي تعب في صياغتها الفلاسفة والمفكرون.
إنها شخصية اجتماعية راقية، كونتها مجموعة كبيرة جدا من مكارم الأخلاق، نطقت بها نصوص هذا الدين الحنيف من قرآن كريم وحديث شريف، وجعلت التخلق بها دينا يثاب المرء عليه، ويحاسب على تركه، فاستطاعت بذلك أن تجعل من شخصية المسلم الصادق نموذجا فذا للإنسان الاجتماعي الراقي المهذب التقى الخير النظيف.
стр. 163
وإن الباحث المطلع على هذه النصوص في مظانها، ليدهش من غزارتها واستيعابها وشمولها ودقتها؛ إذ لم تدع جانبا من جوانب الحياة الاجتماعية إلا تناولته، وقالت كلمتها فيه، مشيرة إلى المرتقى العالي الوضيء الطهور الذي أراد الإسلام للمسلم أن يسمو إليه، وإنه لسام إليه بلا ريب، متى استقرت حقيقة الإسلام في قلبه، وانسرب هديه اللألاء في جوانب نفسه، وخالطت بشاشته روحه، وعمرت قيمه كيانه.
وقوام مكونات شخصية المسلم الاجتماعية وقوفه عند حدود الله في سلوكه الاجتماعي ومعاملته للناس. فمن هذا الأصل الكبير من أصول العقيدة الإسلامية تتفرع الأخلاق الاجتماعية التي يتحلى بها المسلم التقي المرهف في سلوكه، وعلى هذا الأساس المتين يقيم المسلم ال صادق علاقاته الاجتماعية مع الناس.
صادق:
فهو صادق مع الناس جميعا، لأن هدي الإسلام الذي تغلغل في كيانه علمه أن الصدق رأس الفضائل، وأس مكارم الأخلاق، وهو بالتالي يهدي إلى البر المفضي بصاحبه إلى الجنة، في حين يهدي الكذب إلى الفجور المفضي بصاحبه إلى النار، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ بقوله:
((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا)) (١).
ومن هنا كان المسلم الحق صديقا، يتحرى الصدق في أقواله وأفعاله، وإنها لمرتبة عالية كريمة، أن يكتب الإنسان عند ربه صديقا.
стр. 164
لا يغش ولا يخدع ولا يغدر:
والمسلم الصدوق الذي بلغ هذه المرتبة الرفيعة لا يغش ولا يخدع ولا يغدر؛ ذلك أن مقتضى الصدق النصيحة والصفاء والإنصاف والوفاء، لا الغش والخديعة والمخاتلة والإجحاف والغدر.
إن وجدان المسلم المرهف الصادق لا يطيق الغش ولا يصبر عليه، بل إنه ليرتجف هلعا منه، إذ يرى في ارتكابه انخلاعا من الانتساب للإسلام، يقرره رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم:
((من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا)).
وفي رواية لمسلم أيضا أن رسول الله ﷺ مر على صبرة (١) طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال:
((ما هذا يا صاحب الطعام؟)) قال: أصابته السماء (٢) يا رسول الله، قال: ((أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس! من غش فليس مني)).
إن مجتمع المسلمين مجتمع يعمره الحب، وتسوده النصيحة، ويغلب على أفراده البر والصدق والوفاء، ومن هنا لا مكان فيه لغشاش مخادع مخاتل مراوغ كفور غدار.
ولقد اشتد رسول الله ﷺ بالتنديد بالغش والخديعة والغدر، فلم يكتف بنبذ الغشاش الغدار، ورميه بعيدا عن مجتمع المسلمين في الدنيا، بل أعلن أن كل غادر سيحشر يوم القيامة، وهو يحمل لواء غدرته، والمنادي ينادي في ساحة العرض الكبير، دالا عليه، لافتا إلى غدرته الأنظار، وذلك في قوله:
стр. 165
((لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان)) (١).
فيا لخجلة الغدارين الذين حسبوا أن غدراتهم طوتها الأيام، فإذا هي تنشر يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، وألويتها مرفوعة بأيديهم.
وإن خجلتهم لتزداد سوءا وخزيا يوم القيامة، حين يجدون رسول الله ﷺ ، وهو المؤمل المرجى للشفاعة في هذا الموقف الرهيب، يعلن أن رب العزة يقف خصما لهم؛ لأنهم اقترفوا جريمة الغدر الفادحة، وإنها لجريمة كبرى، تحجب عن صاحبها رحمة الله، وتحرمه شفاعة رسوله الكريم:
((قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنة، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره)) (٢).
إن المسلم الحق الذي أرهف الإسلام مشاعره، وفتح نوافذ البصيرة في نفسه، ليأنف من الخديعة والغش والغدر والكذب مهما جرت عليه هذه الصفات من منافع، ومهما حققت له من مكاسب؛ ذلك أن هدي الإسلام يعد أصحاب هذه الصفات من المنافقين وإن المنافقين لفي الدرك الأسفل من النار، ولا ناصر لهم يوم القيامة:
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٣).
ويقول رسول الله ﷺ :
((أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) (٤).
стр. 166
لا يحسد:
ومما يلحق بهذه الصفات القبيحة غير اللائقة بالمسلم التقي: الحسد، ولذلك حذر الرسول الكريم منه تحذيرا شديدا إذ أخبر أن الحسد والإيمان لا يجتمعان فى قلب مؤمن: ((لا يجتمع في جوفي عبد الإيمان والحسد)) (١).
وعن ضمرة بن ثعلبة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا)) (٢).
إن من سمات المسلم الحق صفاء النفس من الغش والحسد، ومن الغدر والضغينة، وإن هذا الصفاء ليدخل صاحبه الجنة، وما هو من العباد المكثرين من العبادة، القائمين الليل، الصائمين النهار؛ فقد أخرج الإمام أحمد بإسناد حسن والنسائي عن أنس بن مالك ﵁، قال:
كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ فقال: ((يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنه)) فطلع رجل من الأنصار (٣)، تنطف لحيته من وضوئه (٤)، فد علق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال النبي ﷺ مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي ﷺ مثل مقالته أيضا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى. فلما قام النبي ﷺ تبعه (٥) عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ فقال: إني لاحيت (٦) أبي فأقسمت إني لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت، قال: نعم، قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئا، غير أنه إذا تعار (٧) وتقلب على فراشه ذكر الله وكبر، حتى يقوم
стр. 167
لصلاة الفجر. قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الثلاث الليالي وكدت احتقر عمله قلت: يا عبد الله ﷺ لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول ثلاث مرات: ((يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة))، فطلعت أنت الثلاث مرات، فأردت أن آوي إليك فانظر ما عملك فأقتدي بك، فلم أرك عملت كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ ؟ قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق)).
إن هذا الحديث الشريف ليدل على أثر صفاء النفس من الحقد والحسد، وسلامة الصدر من الضغينة والغدر في تقرير مصير الإنسان في آخرته، ورفع مكانته عند الله، وتقبل عمله، ولو قل. وإن هذا الأثر ليبدو واضحا جدا بمقارنة هذا الرجل الذي لم يأت من العبادة إلا بالقليل، ودخل الجنة بصفاء سريرته وسلامة الناس من أذاه، بالمرأة التي سئل رسول الله ﷺ عنها، وهي امرأة تقوم الليل وتصوم النهار، ولكنها تؤذي جيرانها، فقال: ((لا خير فيها، هي من أهل النار)) (١).
ذلك أن الإنسان الذي ترجح كفته دوما في ميزان الإسلام هو الإنسان الصادق الصافي الخالية نفسه من الغش والغدر والحسد والضغينة، ولو كان قليل العبادة، فمثله، على قلة عبادته، كمثل لبنة متماسكة نظيفة في بناء المجتمع الإسلامي، أما الإنسان الذي طوى صدره على مقت الناس وحسدهم وأذاهم وغشهم، فإن كفته تطيش في ميزان الإسلام، ولو كثرت عبادته، لأن مثله كمثل لبنة هشة فاسدة في بناء المجتمع، وقد تكون هي
стр. 168
وأمثالها سببا في تداعيه وانهياره، والمسلم النموذجي الحق الذي يريده الإسلام هو الذي جمع بين حسن العبادة وصفاء النفس وحسن المعاملة، فطابقت سريرته علانيته، وصدق فعله قوله، فمن هذا المسلم وأمثاله يرتفع صرح المجتمع الإسلامي الراشد القوي، فإذا هو كما وصفه رسول الله ﷺ بقوله: كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وهذا هو المجتمع النظيف المتماسك الراقي الجدير بحمل رسالة الله للناس.
ناصح:
والمسلم الحق لا يبرأ من هذه الصفات الذميمة فحسب، بل يتحلى بالخلق الإيجابي البناء، خلق النصح الصادق لكل مسلم في مجتمعه، إيمانا منه بأن دينه هو النصيحة بعينها، كما قرر ذلك الرسول ﷺ يقوله:
((الدين النصيحة))، قلنا: لمن؟ قال: ((لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم)) (١).
وكان الصحابة الكرام يبايعون الرسول ﷺ على الصلاة والزكاة والنصيحة لكل مسلم، يشهد لذلك قول جرير بن عبد الله ﵁: ((بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم)) (٢).
إن في اقتران النصيحة بالصلاة والزكاة في بيعة هذا الصحابي الجليل لرسول الله ﷺ لدليلا على أهميتها في ميزان أعمال المسلم، وخطورتها في تقرير مصيره في آخرته، ومن هنا كانت خليقة أصيلة من خلائق المسلم الصادق التقي، الحريص على حسن عاقبته يوم الحساب.
стр. 169
وتزداد خطورة النصيحة في تقرير مصير المسلم في آخرته حين يلي أمرا من أمور المسلمين، إنها حينئذ المفتاح الذي يلج به جنان الخلد، فإن لم يحز عليه في دنياه حرم عليه دخولها في آخرته وعقباه، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ :
((ما من عبد يسترعيه الله رعيته، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة)) (١). وفي رواية: ((فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة)).
وفي رواية لمسلم: ((ما من أمير يلي أموز المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح لهثم إلا لم يدخل معهم الجنة)).
ألا ما أعظتم مسؤولية الحاكم في الإسلام، ومسؤولية كل إنسان ولي أمرا من أمور المسلمين! وما أعظم أثر النصيحة للرعية في تقرير مصير الراعي، يوم يقوم الناس لرب العالمين. وإذا ما تمثلت لأبصارنا مسؤولية كل واحد منا في دائرته الاجتماعية التي بينها الرسول الكريم بقوله: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) أدركنا شمول المسؤولية في مجتمع المسلمين، حتى ما يكاد يفلت من قبضتها إنسان، ومن هنا كان المجتمع الإسلامي الحق القائم على هذه المبادئ والقيم الربانية، أرقى المجتمعات البشرية وأكثرها أمنا ونظافة واستقامة.
موف بالعهد:
والمسلم الحق الذي ارتوت نفسه من هدي الإسلام، يتحلى أيضا بالخلق الإيجابى المحبب، خلق الوفاء بالعهد، وإنجاز الوعد. ولا نغالي إذا قلنا: إن هذا الخلق من أهم عوامل نجاح الإنسان في مجتمعه، ومن أدل الخلائق على رقة الإنسان وسمو منزلته ورفعة مستواه الاجتماعي.
стр. 170
والمسلم من هذا النمط الراقي من الناس الموفين بالعهد، بل هو أرقاهم على الإطلاق حين يكون مسلما حقا، لأن خلق الوفاء بالعهد من آصل الأخلاق الإسلامية، ومن أكثرها دلالة على صحة إيمان المسلم وحسن إسلامه، وقد جاءت بذلك الآيات والأحاديث الكثيرة، تحض على التحلي بهذا الخلق وتشير إلى أنه من علامات الإيمان، وتهدد المتحللين منه، وتؤكد أنه من علامات النفاق:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١).
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٢).
فليس العهد كلمة طائرة يلقيها صاحبها، ولا يفي بالتزاماتها كما يفعل كثير من المسلمين اليوم، وإنما هي مسؤولية سيناقش عليها الحساب.
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (٣).
إنه عهد الله، أضيف اليه، فاكتسب الجلالة والقدسية والاحترام، ووجب الوفاء به، مهما تكن الظروف:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٤).
فالإخلاف بالوعد، والتحلل من العهد، من المقت السيء الكبير الذي يكرهه الله لعباده المؤمنين، ولا يريد لهم أن يسفوا إليه، ولا يخفى ما في الاستفهام في صدر الآية من إنكار يخزى منه المؤمن الوفي، ويندى له جبينه حياء من ربه.
стр. 171
ويقول الرسول ﷺ :
((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) (١). وفي رواية لمسلم: ((وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)).
إن حسن إسلام المرء لا تؤكده العبادات التي يقوم بها من صيام وصلاة وحج فحسب، كما أسلفت، وإنما تؤكده نفسية الإنسان التي انفعلت بتعاليم الإسلام، وارتشفت من رحيق هداه، حتى غدت تنضح بشذا أخلاقه العالية، وقيمه الرفيعة، وأحكامه السمحة، فتراها وقافة عند حدود الله، ملتزمة أمره، مجتنبة نهيه، منصاعة لهداه في كل شيء.
ومن هنا ينتفي من حياة المسلم الحق الصادق الكذب والإخلاف بالوعد وخيانة العهود والمواثيق، لأنها منافية لخلق الإسلام، ولا توجد إلا في أخلاق المنافقين.
ألا فليعلم تلك الحقيقة المرة كثير من التجار والصناع والموظفين، الذين يعدون الناس بإنجاز أعمالهم في وقت محدد، ثم يخلفون المواعيد، وليعلمها أولئك الذين يتعاهدون على أمر، ثم ينقضون ما تعاهدوا عليه، وكذلك الذين يؤتمنون على مال أو سر أو ورثة أو غير ذلك، ثم يخونون الأمانة. ليعلم هؤلاء جميعا أنهم في زمرة المنافقين، ولو صاموا وصلوا وزعموا أنهم مسلمون، وإن المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
حسن الخلق:
والمسلم الحق حسن الخلق، موطأ الكنف، لين القول، عملا بهدي الإسلام، وتأسيا بالنبي ﵊.
стр. 172
فلقد ((كان رسول الله ﷺ ، كما يروي خادمه أنس، أحسن الناس خلقا)) (١) ولم يكن أنس ﵁ مبالغا في قوله، ولم تحمله محبته له على المبالغة، فلقد رأى من حسن خلق الرسول الكريم ما لم تره عين، ولا سمعت به أذن. وندع أنسا ﵁ يحدثنا عن طرف من خلق نبي الإسلام العظيم، فيقول:
((لقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعلة: ألا فعلت كذا؟)) (٢).
ذلك أن رسول الله ﷺ لم يكن فاحشا ولا متفخشا، كما يقول عبد الله بن عمرو بن العاص، وكان يكرر على أسماع الصحابة قوله:
((إن من خياركم أحاسنكم أخلاقا)) (٣).
وقوله:
((إن الفحش والتفحش ليسا من الإسلام في شيء، وإن أحسن الناس إسلاما أحسنهم خلقا)) (٤).
وقوله:
((إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا،
وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون (٥) والمتشدقون (٦)
стр. 173
والمتفيهقون. قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: ((المتكبرون)) (١).
كان الصحابة رضوان الله عليهم يسمعون هذا التوجيه الخلقي العالي من الرسول الكريم، ويرون بأعينهم الخلق الرفيع الذي كان يعامل به الناس، فيعملون بقوله، ويتأسون بفعله، وبذلك قام مجتمعهم الأمثل الذي ما داناه مجتمع في تاريخ الإنسان.
يقول أنس ﵁:
((كان النبي رحيما، وكان لا يأتيه أحد إلا وعده، وأنجز له إن كان عنده. وأقيمت الصلاة، وجاءه أعرابى فأخذ بثوبه فقال: إنما بقي من حاجتي يسيرة، وأخاف أنساها، فقام معه حتى فرغ من حاجته، ثم أقبل فصلى)) (٢).
لم يجد رسول الله ﷺ حرجا في أن يستمع إلى الأعرابي ويقضي حاجته، وقد أقيمت الصلاة، ولم يضق صدره بذاك الأعرابي الذي أخذ بثوبه، وأصر على قضاء حاجته قبل الصلاة، لأنه، صلوات الله عليه، كان يبني مجتمع الأخلاق، ويعلم المسلمين بفعله كيف يجب أن يعامل المسلم أخاه الإنسان، ويقرر لهم المبدأ الخلقي الذي ينبغي أن يسود مجتمع المسلمين.
وإذا كان حسن الخلق عند غير المسلمين يرجع إلى حسن التربية وسلامة التنشئة ورقي التعليم، فإن حسن الخلق عند المسلمين يعود قبل هذا كله إلى هدي الدين الذي جعل الخلق سجية أصيلة في الإنسان المسلم، ترفع من منزلته في الدنيا، وترجح كفة ميزانه في الآخرة، إذ ما من عمل أثقل
стр. 174
في ميزان الإنسان المؤمن يوم الحساب من حسن الخلق، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ بقوله:
((ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن؛ فإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذئ)) (١).
بل إن الإسلام جعل حسن الخلق من كمال الإيمان، إذ عد أحسن الناس خلقا أكملهم إيمانا، وذلك في قول الرسول ﷺ :
((أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا)) (٢).
وجعل أحسن الناس خلقا من أحب عباد الله إليه يشهد لذلك حديث أسامة بن شريك، قال:
كنا جلوسا عند النبي ﷺ كأنما على رؤوسنا الطير، ما يتكلم منا متكلم، إذ جاءه ناس فقالوا: من أحب عباد الله إلى الله تعالى؟ قال: ((أحسنهم أخلاقا)) (٣).
ولا غرو أن يكون أحسن الناس خلقا أحبهم إلى الله، ذلك أن حسن الخلق في شريعة الإسلام شيء عظيم، إنه لأثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة كما رأينا، وإنه ليعدل الصلاة والصيام، ركني الإسلام الكبيرين، كما قرر رسول الله ﷺ في قوله:
((لا يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن حسن الخلق ليبلغ بصاحبه درجة الصوم والصلاة)) (٤). وفي رواية: ((إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)).
стр. 175
ومن هنا كان رسول الله ﷺ يؤكد أهمية حسن الخلق للصحابة الكرام، ويحضهم على التجمل به، ويحببه إلى نفوسهم بأساليب شتى من قوله وفعله، إدراكا منه لأثره الكبير في تهذيب الطباع، وتزكية النفوس، وتجميل الخلائق، ومن ذلك قوله لأبي ذر:
((يا أبا ذر، ألا أدلك على خصلتين، هما أخف على الظهر، وأثقل في الميزان من غيرهما؟)) قال: بلى يا رسول الله، قال: ((عليك بحسن الخلق، وطول الصمت. فو الذي نفسي بيده ما تجمل الخلائق (١) بمثلهما)) (٢).
وقوله:
((حسن الخلق نماء، وسوء الخلق شؤم، والبر زيادة في العمر، والصدقة
تمنع ميتة السوء)) (٣).
وكان من دعائه ﷺ : ((اللهم أحسنت خلقي، فأحسن خلقي)) (٤).
إن دعاء الرسول الكريم أن يحسن الله خلقه، وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٥) لدليل عميق على اهتمامه الشديد بحسن الخلق، ورغبته الحارة في أن يستزيد المسلمون دوما منه، مهما سموا في معارجه الوضاء، كما كان يستزيد نبيهم العظيم منه بهذا الدعاء. وحسن الخلق كلمة جامعة، يندرج تحتها كل خلق كريم يجمل الإنسان، ويزكيه، ويسمو به، كالحياء والحلم والرفق والعفو والسماحة والبشر والصدق والأمانة
стр. 176
والنصيحة والاستقامة وصفاء السريرة، وغير ذلك من مكارم الأخلاق.
بيد أن الباحث المستقصي نصوص التوجيه الاجتماعي في الإسلام، يجد نفسه أمام حشد كبير جدا من النصوص التي تحض على كل خلق من هذه الأخلاق الاجتماعية الرفيعة، مما يدل على عناية الإسلام البالغة في تكوين شخصية المسلم الاجتماعية تكوينا دقيقا، لا يكتفي بالعموميات، بل يقف عند كل جزئية من الجزئيات الخلقية التي تكون جانبا من جوانب الشخصية الاجتماعية المتكاملة. وهذا الاستيعاب والشمول لم يتوافرا في منهج من مناهج التربية الاجتماعية توافرهما في منهج هذا الدين.
ولا مناص للباحث من الوقوف عند هذه النصوص جميعا، والإلمام بما تضمنته من هدي وتوجيه وتشريع، ليستطيع تجلية الشخصية الاجتماعية الراقية التي تميز بها المسلم التقي الواعي وتفرد.
ولقد وقفنا فيما سلف عند بعض هذه النصوص التي جفت جوانب من شخصية المسلم المستجيب لهدي دينه، الوقاف عند أمر ربه ونهيه، وتبين لنا من خلالها أن المسلم الحق صادق، وفي، لا يغش، ولا يخدع، ولا يغدر، ولا يخون، ولا يحسد، حسن الخلق مع الناس جميعا.
وها نحن أولاء نمضي مع النصوص الأخرى الكثيرة التي تصوغ شخصية المسلم الاجتماعية، وتحدد طابعها المتميز في شتى النواحي، ومنها أنه:
متصف بالحياء:
فالمسلم الحق يتصف بالحياء تأسيا بالنبي ﷺ الذي كان المثل الأعلى في الحياء، يشهد لذلك قول الصحابي الجليل أبي سعيد الخدري ﵁:
стр. 177
((كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه)) (١).
والحياء- كما عرفه العلماء- خلق نبيل يبعث دوما على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق أصحاب الحقوق، ومن هنا أشاد به الهدي النبوي في عدد من الأحاديث الشريفة، وعده خيرا محضا على صاحبه وعلى المجتمع الذي يعيش فيه.
فعن عمران بن حصين ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ :
((الحياء لا يأتي إلا بخير)) (٢). وفي رواية لمسلم: ((الحياء خير كله. أو قال: الحياء كله خير)).
وعن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) (٣).
إن المسلم الصادق التقي حيي مهذب ذمث مرهف الشعور، لا يصدر
عنه فعل قبيح يؤذي الناس، ولا يقصر في حق أحد ذي حق- ذلك أن خلق الحياء فيه يحجبه عن ذلك كله، ويذوده عن الوقوع فيه، لا حياء وخجلا من الناس فحسب، وإنما حياء من الله تعاله، وتحرجا أن يلبس إيمانه بظلم، إذ الحياء شعبة من شعب الإيمان. وهذا أرقى ما وصل إليه الإنسان من تخلق بالحياء.
إن ربط البواعث الخلقية بالإيمان بالله واليوم الآخر، يميز الإنسان
стр. 178
المسلم عن غيره بالإخلاص العميق في الأخلاق التي يتصف بها، وبثبات هذه الأخلاق وديمومتها فيه، مهما تقلبت الأيام به وتغيرت الأحوال؛ ذلك أنها صادرة عن وجدان حي مرهف يستحيي من مقارفة الخيانة، وحياؤه من الله المطلع على الخبيء من أسراره، قبل حيائه من الناس المطلعين على الظاهر من أخباره، وهذا الحياء من الله هو مفرق الطريق بين أخلاق المسلم وأخلاق غير المسلم.
رفيق بالناس:
والمسلم الحق لطيف متأن رفيق بالناس، حين يحسن اللطف، ويستحب الرفق، وتحمد الأناة؛ ذلك أن اللطف والرفق والأناة خصال حميدة، يحبها الله في عباده المؤمنين، لأنها تكسب من تحلى بها دماثة الخلق، وررقة الجانب، وحسن العشرة، وتجعله قريبا من نفوس الناس، محببا إلى قلوبهم: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (١).
ولقد جاءت النصوص متضافرة متتابعة، تحبب في الرفق، وتحض عليه، وتؤكد أنه خلق عال ينبغي أن يسود مجتمع المسلمين، ويتصف به كل مسلم عاش في هذا المجتمع، ووعى أحكام دينه، واستنار بهديه اللألاء، وحسب المسلم أن يعلم أن الرفق من صفات الله تعالى العليا التي أحبها لعباده في الأمور كلها:
((إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله)) (٢).
стр. 179
وإنه لخلق عظيم يثيب الله عليه من عطائه الجزل ما لا يثيبه على خلق آخر: ((إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه)) (١).
ويشيد الهدي النبوي العالي بالرفق، فيجعله زينة كل شيء، ما حل في شيء إلا زانه وحببه إلى النفوس والأبصار، وما نرع من شيء إلا شانه ونفر منه القلوب والأرواح:
((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)) (٢).
وكان الرسول الكريم صلوات الله عليه يعلم المسلمين الرفق في معاملة الناس، ويسددهم إلى التصرف اللبق الأمثل الذي يليق بالمسلم الداعية إلى دين الله الرحيم الرفيق بالعباد، مهما كان الموقف مثيرا للحفائظ، داعيا للغضب والاشمئزار.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: بال أعرابي في المسجد، فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي ﷺ : ((دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا (٣) من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)) (٤).
فبالرفق والتيسير واللين والسماحة تفتح مغالق القلوب، ويدعى الناس إلى الحق، لا بالعنف والتعسير والشدة والمؤاخذة والزجر، ومن هنا كان من هدي الرسول الكريم في هذا الباب:
((بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا)) (٥).
стр. 180
ذلك أن الناس ينفرون بطبائعهم من الفظاظة والخشونة والعنف، ويألفون الرقة والدماثة واللين والرفق، ومن هنا كان قول الله ﵎ لنبيه الكريم:
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١).
وإنه لقول خالد، ودستور مقيم ثابت، لكل داعية تصدى لدعوة الناس إلى الهدى، إذ عليه أن يحسن التأتي إلى قلوبهم، ويسلك سبيل الرفق واللباقة واللين، ولو كان المدعو من الطغاة العتاة الظالمين، وهذا ما زود الله به نبيه موسه ﵇ وأخاه هرون حين أرسلهما إلى فرعون:
﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٢).
فلا بدع أن يكون الرفق في هدي هذا الدين هو الخير كله، من أوتيه فقد حاز الخير كله، ومن حرمه حرم الخير كله، وذلك في الحديث الذي رواه جرير بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
((من يحرم الرفق يحرم الخير)) (٣).
ولقد بين الهدي النبوي العالي أن هذا الخير ينصب على الأفراد والبيوت والأقوام إذا ساد حياتهم الرفق، وكان من خلائقهم الغر الحسان، نجد ذلك في حديث عائشة ﵂ الذي قال فيه الرسول ﷺ لها:
((يا عائشة ارفقي فإن الله إذا أراد بأهل بيت خيرا دلهم على الرفق)) (٤).
وفي رواية: ((إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق)) (٥).