← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96265

شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة

محمد علي الهاشمي

Полный текст (330 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والنصيحة والاستقامة وصفاء السريرة، وغير ذلك من مكارم الأخلاق. بيد أن الباحث المستقصي نصوص التوجيه الاجتماعي في الإسلام، يجد نفسه أمام حشد كبير جدا من النصوص التي تحض على كل خلق من هذه الأخلاق الاجتماعية الرفيعة، مما يدل على عناية الإسلام البالغة في تكوين شخصية المسلم الاجتماعية تكوينا دقيقا، لا يكتفي بالعموميات، بل يقف عند كل جزئية من الجزئيات الخلقية التي تكون جانبا من جوانب الشخصية الاجتماعية المتكاملة. وهذا الاستيعاب والشمول لم يتوافرا في منهج من مناهج التربية الاجتماعية توافرهما في منهج هذا الدين. ولا مناص للباحث من الوقوف عند هذه النصوص جميعا، والإلمام بما تضمنته من هدي وتوجيه وتشريع، ليستطيع تجلية الشخصية الاجتماعية الراقية التي تميز بها المسلم التقي الواعي وتفرد. ولقد وقفنا فيما سلف عند بعض هذه النصوص التي جفت جوانب من شخصية المسلم المستجيب لهدي دينه، الوقاف عند أمر ربه ونهيه، وتبين لنا من خلالها أن المسلم الحق صادق، وفي، لا يغش، ولا يخدع، ولا يغدر، ولا يخون، ولا يحسد، حسن الخلق مع الناس جميعا. وها نحن أولاء نمضي مع النصوص الأخرى الكثيرة التي تصوغ شخصية المسلم الاجتماعية، وتحدد طابعها المتميز في شتى النواحي، ومنها أنه: متصف بالحياء: فالمسلم الحق يتصف بالحياء تأسيا بالنبي ﷺ الذي كان المثل الأعلى في الحياء، يشهد لذلك قول الصحابي الجليل أبي سعيد الخدري ﵁:

стр. 177

((كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه)) (١). والحياء- كما عرفه العلماء- خلق نبيل يبعث دوما على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق أصحاب الحقوق، ومن هنا أشاد به الهدي النبوي في عدد من الأحاديث الشريفة، وعده خيرا محضا على صاحبه وعلى المجتمع الذي يعيش فيه. فعن عمران بن حصين ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) (٢). وفي رواية لمسلم: ((الحياء خير كله. أو قال: الحياء كله خير)). وعن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) (٣). إن المسلم الصادق التقي حيي مهذب ذمث مرهف الشعور، لا يصدر عنه فعل قبيح يؤذي الناس، ولا يقصر في حق أحد ذي حق- ذلك أن خلق الحياء فيه يحجبه عن ذلك كله، ويذوده عن الوقوع فيه، لا حياء وخجلا من الناس فحسب، وإنما حياء من الله تعاله، وتحرجا أن يلبس إيمانه بظلم، إذ الحياء شعبة من شعب الإيمان. وهذا أرقى ما وصل إليه الإنسان من تخلق بالحياء. إن ربط البواعث الخلقية بالإيمان بالله واليوم الآخر، يميز الإنسان

стр. 178

المسلم عن غيره بالإخلاص العميق في الأخلاق التي يتصف بها، وبثبات هذه الأخلاق وديمومتها فيه، مهما تقلبت الأيام به وتغيرت الأحوال؛ ذلك أنها صادرة عن وجدان حي مرهف يستحيي من مقارفة الخيانة، وحياؤه من الله المطلع على الخبيء من أسراره، قبل حيائه من الناس المطلعين على الظاهر من أخباره، وهذا الحياء من الله هو مفرق الطريق بين أخلاق المسلم وأخلاق غير المسلم. رفيق بالناس: والمسلم الحق لطيف متأن رفيق بالناس، حين يحسن اللطف، ويستحب الرفق، وتحمد الأناة؛ ذلك أن اللطف والرفق والأناة خصال حميدة، يحبها الله في عباده المؤمنين، لأنها تكسب من تحلى بها دماثة الخلق، وررقة الجانب، وحسن العشرة، وتجعله قريبا من نفوس الناس، محببا إلى قلوبهم: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (١). ولقد جاءت النصوص متضافرة متتابعة، تحبب في الرفق، وتحض عليه، وتؤكد أنه خلق عال ينبغي أن يسود مجتمع المسلمين، ويتصف به كل مسلم عاش في هذا المجتمع، ووعى أحكام دينه، واستنار بهديه اللألاء، وحسب المسلم أن يعلم أن الرفق من صفات الله تعالى العليا التي أحبها لعباده في الأمور كلها: ((إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله)) (٢).

стр. 179

وإنه لخلق عظيم يثيب الله عليه من عطائه الجزل ما لا يثيبه على خلق آخر: ((إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه)) (١). ويشيد الهدي النبوي العالي بالرفق، فيجعله زينة كل شيء، ما حل في شيء إلا زانه وحببه إلى النفوس والأبصار، وما نرع من شيء إلا شانه ونفر منه القلوب والأرواح: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)) (٢). وكان الرسول الكريم صلوات الله عليه يعلم المسلمين الرفق في معاملة الناس، ويسددهم إلى التصرف اللبق الأمثل الذي يليق بالمسلم الداعية إلى دين الله الرحيم الرفيق بالعباد، مهما كان الموقف مثيرا للحفائظ، داعيا للغضب والاشمئزار. فعن أبي هريرة ﵁ قال: بال أعرابي في المسجد، فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي ﷺ : ((دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا (٣) من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)) (٤). فبالرفق والتيسير واللين والسماحة تفتح مغالق القلوب، ويدعى الناس إلى الحق، لا بالعنف والتعسير والشدة والمؤاخذة والزجر، ومن هنا كان من هدي الرسول الكريم في هذا الباب: ((بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا)) (٥).

стр. 180

ذلك أن الناس ينفرون بطبائعهم من الفظاظة والخشونة والعنف، ويألفون الرقة والدماثة واللين والرفق، ومن هنا كان قول الله ﵎ لنبيه الكريم: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١). وإنه لقول خالد، ودستور مقيم ثابت، لكل داعية تصدى لدعوة الناس إلى الهدى، إذ عليه أن يحسن التأتي إلى قلوبهم، ويسلك سبيل الرفق واللباقة واللين، ولو كان المدعو من الطغاة العتاة الظالمين، وهذا ما زود الله به نبيه موسه ﵇ وأخاه هرون حين أرسلهما إلى فرعون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٢). فلا بدع أن يكون الرفق في هدي هذا الدين هو الخير كله، من أوتيه فقد حاز الخير كله، ومن حرمه حرم الخير كله، وذلك في الحديث الذي رواه جرير بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من يحرم الرفق يحرم الخير)) (٣). ولقد بين الهدي النبوي العالي أن هذا الخير ينصب على الأفراد والبيوت والأقوام إذا ساد حياتهم الرفق، وكان من خلائقهم الغر الحسان، نجد ذلك في حديث عائشة ﵂ الذي قال فيه الرسول ﷺ لها: ((يا عائشة ارفقي فإن الله إذا أراد بأهل بيت خيرا دلهم على الرفق)) (٤). وفي رواية: ((إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق)) (٥).

стр. 181

وعن جابر أن النبي ﷺ قال: ((إذا أراد الله بقوم خيرا أدخل عليهم الرفق)) (١). وأي خير أعظم من خليقة يتخلق بها الإنسان، فتكون له وقاية من النار؟ كما أخبر بذلك الرسول الكريم في حديث آخر فقال: ((ألا اخبركم بمن يحرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار؟ تحرم على كل قريب هين لين سهل)) (٢). ويسمو الهدي النبوي الكريم بالإنسان، وهو يغرس فيه خلق الرفق، فيطالبه بالرفق حتى بالحيوان الذبيح، ويعد ذلك من الإحسان، أعلى المراتب التي يرقى إليها الأتقياء الصالحون: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)) (٣). ذلك أن الرفق بالحيوان الأعجم الذبيح دليل على رقة نفس الإنسان الذي يذبحه، وعلى تمثلها الرحمة بكل ذي روح، ومن وقرت في نفسه هذه المعاني في معاملته لذوي الأرواح من الحيوان، كان بالإنسان أرفق وألطف، وإلى هذا الهدف البعيد ترمي توجيهات الإسلام لكل مسلم بالرفق حتى بالحيوان. رحيم: والمسلم الواعي أحكام دينه، المنفعل بتعاليمه السمحة: رحيم، تتفجر ينابيع الرحمة من قلبه؛ إذ يدرك أن رحمة العباد في الأرض سبب لرحمة السماء تنهل عليه بنداها البرود:

стр. 182

((ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء)) (١). ولأنه تعلم من هدي دينه أن: ((من لم يرحم الناس لم يرحمه الله)) (٢). وأن: ((الرحمة لا تنزغ إلا من شقي)) (٣). بل إن المسلم الحق الواعي لتتسع في نفسه دائرة الرحمة، فلا يقصرها على أهله وأولاده وذوي قرابته وصداقته فحسب، بل يشمل بها الناس جميعا؛ إذ يسمع الهدي النبوي يعم بها الناس جميعا ويجعلها من شروط الإيمان، وذلك فيما رواه أبو موسى الأشعري عن النبي ﷺ : ((لن تؤمنوا حتى تراحموا، قالوا يا رسول الله، كلنا رحيم، قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة الناس، رحمة العامة)) (٤) إنها الرحمة العامة الشاملة، رحمة الناس عامة، يفجرها الإسلام في قلب الفرد المسلم، ليغدو مجتمع المسلمين متراحما، يموج بالمحبة الصادقة، والنصيحة الخالصة، والتعاطف العميق. وكان رسول الله ﷺ مثالا فذا للرحمة، تجسدت فيه معانيها، وفاضت بها نفسه، حتى إنه ليكون في الصلاة فيسمع بكاء الصبي، فتأخذه الرحمة بأمه الولهى لبكاء طفلها، فيوجز في صلاته، وذلك فيما أخرجه الشيخان عن أنس رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال:

стр. 183

إني لأدخل الصلاة، وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه)). وجاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: أتقبلون صبيانكم؟ فما نقبلهم. فقال النبي ﷺ : ((أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟)) (١). وقبل الرسول الكريم الحسن بن علي ﵄ وعنده الأقرع بن حابس التميمي، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا. فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: ((من لا يرحم لا يرحم)) (٢). وأراد عمر ﵁ أن يولي رجلا على المسلمين، فسمعه يقول قولة الأقرع بن حابس: إنه لا يقبل صبيانه، فعدل عمر عن توليته قائلا: إذا كانت نفسك لا تبض بالرحمة لأولادك، فكيف تكون رحيما بالناس؟ والله لا أوليك أبدا، ثم مزق الكتاب الذي أعده لتوليته. ولقد وسع رسول الله ﷺ دائرة الرحمة في حس الإنسان المسلم فإذا هي تشمل الحيوان أيضا فضلا على الإنسان، وذلك فيما كان ينثره على أسماع المسلمين من هدي حكيم؛ فقد روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((بينما رجل يمشي بطريق اشتد به العطش، فوجذ بئرا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر، فملأ خفه

стр. 184

ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له)). قالوا: وإن لنا في البهائم لأجرا؟ قال: ((في كل كبد رطبة أجر)) (١). وروى الشيخان أيضا عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: ((عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا، فدخلت فيها النار. قال: فقالوا- والله أعلم-: لا أنت أطعيتها ولا سقيتها حين حبستها، ولا أنت أرسلتها، فأكلت من خشاش الأرض)). ويبلغ رسول الله ﷺ شأو الرحمة العالي، إذ نزل منزلا فجاءت حمرة ترف على رأسه الشريف، وكأنها تلوذ به شاكية له ظلم رجل أخذ بيضتها، فقال: ((أيكم فجع هذه ببيضتها؟ فقال: رجل: يا رسول الله، أنا أخذت بيضتها، فقال النبي ﷺ ((ارددها رحمة لها)) (٢). لقد أراد رسول الله ﷺ في هذا الموقف أن يغرس في حس المسلمين معنى الرحمة الواسع الشامل، ليغدو المسلم رحيما بطبعه، حتى بالحيوان؛ لأن من كان له قلب يحنو على الحيوان، لا يقسو على أخيه الإنسان. كان رسول الله ﷺ يذوب رحمة للإنسان والحيوان، وكان لا يني يعلم المسلمين أن يكونوا كذلك، لكي تعم الرحمة دنيا المسلمين، وتغمر مجتمعاتهم وأوطانهم، ومتى شاعت الرحمة في الأرض انهلت سكائب رحمة الله عليها وعلى ساكنيها من السماء، مصداقا لقول الرسول الكريم: ((ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء)) (٣).

стр. 185

عفو غفور: والمسلم التقي المستجيب لهدي دينه عفو غفور، والعفو خلق إنساني عال، أشادت به النصوص القرآنية إشادة بالغة، وجعلت المتخلقين به من أرقى النماذج التقية في الإسلام، إذ أدخلهم في زمرة المحسنين الذين فازوا بمحبة الله ورضوانه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) ذلك أنهم كظموا غيظهم ولم يحقدوا ولم يضطغنوا، بل تحرروا من وقر الضغينة والحقد، وانطلقوا في آفاق العفو والمغفرة والصفح والتسامح، ففازوا بصفاء النفس وغبطتها ونقائها وراحتها، وبما هو أكبر من ذلك، فازوا بمحبة الله ورضوانه. إن العفو والصفح والمسامحة مرتقى عال لا يستطيع بلوغه إلا الذين انفتحت مغاليق قلوبهم لهدي الإسلام، وانفعلت نفوسهم بأخلاقه السمحة، فآثروا ما عند الله من مغفرة وثواب وتكريم على ما هجست به من حب الانتصار والانتقام والانتصاف. ولقد سلك القرآن الكريم أبرع أسلوب في دفع النفس الإنسانية إلى ذلك المرتقى العالي الصعب، إذ قرر أن الذي أصابه البغي له أن ينتصر لنفسه ويرد عنها البغي والعدوان، ذلك أن جزاء السيئة سيئة مثلها، ولكنه لم يدع الإنسان التي أصابه الحيف والبغي من أخيه لعاطفة التشفي والانتصار والانتقام، بل أخذ بيده برفق إلى مرتقى الصبر والغفران والتسامح، وأكد له أن بلوغ ذلك المرتقى من عزم الأمور:

стр. 186

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١). وحينما أجتاحت موجة الحزن نفس أبي بكر لما سمع من حديث الإفك، تلوكه بعض الألسنة الآثمة، فتنال من ابنته السيدة عائشة أم المؤنين، آلى على نفسه أن يقطع عونه عن أولئك الجاحدين للفضل ممن خاضوا في هذا الحديث الآثم، فتنزل توله تعالى فيه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). إن مجتمع المؤمنين لا تقوم المعاملة بين أفراده على المؤاخذة والمحاسبة والانتصار للذات والانتصاف لها في كل صغيرة وكبيرة، وإنما تقوم فيه المعاملة بين الأفراد على المسامحة والتغاضي والصفح والصبر، وهذا ما دعت إليه نصوص الإسلام، وحض عليه هديه العالي القويم: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (٣). إن السيئة إذا قوبلت دائما بالسيئة أوغرت الصدور، وأرثت الأحقاد، وأنبتت الضغائن. أما إذا قوبلت السيئة بالحسنة أطفأت أوار الغضب، وهدأت من فورة النفس، وغسلت أدران الضغينة، فإذا المتعاديان يصبحان صديقين

стр. 187

حميمين، بكلمة طيبة، أو بسمة حانية من أحدهما، وإنه لفوز عظيم لمن دفع السيئة بالتي هي أحسن، لا يناله إلا ذو حظ عظيم، كما أشارت الآية الكريمة، بشيء من الصبر على السيئة التي ووجه بها، فصبر، وقابلها بالحسنة. هذا هو خلق المؤمن في مجتمع المؤمنين، تضافرت الآيات الكريمة على تأصيله في نفوسهم، ومن هنا كانت تطلب من المؤمن في مثل هذه المواقف أن يكظم غيظه، ويعفو، ويصفح الصفح الجميل الذي لا يترك وراءه أثرا من حقد أو موجدة أو ضغينة: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (١). ولا تقل الأحاديث الشريفة عن الآيات الكريمة احتفالا بهذا الخلق الإنساني النبيل، خلق العفو والتسامح، وحضا على تأصيله فى نفوس المسلمين، واصفة السلوك التطبيقي العالي لهذا الخلق الذي اتصف به رسول الله ﷺ ، قدوة المسلمين وإمامهم ومربيهم، داعية إلى الاقتداء به والسير على هداه: فعن عائشة ﵂ أنها قالت: ((ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قط بيده، ولا امرأة ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط، فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى، فينتقم لله تعالى (٢). كان صلوات الله عليه يتمثل توجيه رب العزة له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٣).

стр. 188

ويتمثل قوته تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١). فإذا هو آية فريدة من آيات الخلق الرباني، يسع الناس بخلقه العظيم، فلا يقابل إساءتهم بإساءة، بل يقابلها بخلق العفو والعرف والإعراض عن الجاهلين، ويدفعها بالتي هي أحسن: فعن أنس ﵁ قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ ، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابى فجبذه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ ، وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفث إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء)) (٢). وبلغ من أصالة خلق العفو وعمقه في نفسه الشريفة أنه عفا عن المرأة اليهودية التي أهدت إليه شاة مسمومة، وذلك فيما رواه الشيخان وغيرهما أن امرأة يهودية أهدت رسول الله ﷺ شاة مسمومة، فاأكل منها رسول الله ﷺ ، وأكل رهط من أصحابه معه ثم قال لهم رسول الله ﷺ : ((أمسكوا فإنها مسمومة)). وجيء بالمرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقال لها: ((ما حملك على ما صنعت؟)) قالت: أردت أن أعلم إن كنت نبيا فسيطلعك الله عليه، ولن تضرك. وإن لم تكن نبيا استرحنا منك. قالوا: ألا نقتلها؟ قال: ((لا))، وعفا عنها. ولما عصت دوس، وأبت الإذعان لأمر الله ﷺ رسوله، جاء الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁ إلى النبي ﷺ فقال: إن دوسا قد عصت وأبت،

стр. 189

فادع الله عليهم، فاستقبل رسول الله ﷺ القبلة ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا. ولكن رسول الله ﷺ الرحيم الحاني ال سمح المشفق على العباد أن يمسهم عذاب الله راح يدعو لدوس قائلا: ((اللهم اهد دوسا وائت بهم، اللهم اهد دوسا وائت بهم، اللهم اهد دوسا وائت بهم)) (١). وكان صلوات الله عليه يغرس في نفوس المسلمين دوما خلق العفو والتسامح، وإن قوبلوا بالصد والإعراض والقطيعة؛ إذ كان يدرك بثاقب نظرته التربوية التي زوده الله بها أن الناس يستجيبون بالخلق العالي السمح أكثر مما يستجيبون بالشدة القطيحة والعنف، ومن هنا كان من هديه القويم لعقبة بن عامر حين قال: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال، فقال: ((يا عقبة، صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك)). وفي رواية: ((واعف عمن ظلمك)) (٢). سمح: والمسلم الواعي أحكام دينه سمح في معاملته الناس؛ إذ يدرك أن ليس كالسماحه من خلق يجلب للإنسان الخير في دنياه وآخرته. إنه بخلقه السمح اللين الرضي ينفذ إلى قلوب الناس فيحبونه، وبخلقه السمح اللين الرضى يستحق مرضاة الله وعفوه ورحمته، وهذا ما نطقت به النصوص الثابتة من هدي الرسول الكريم: فعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى)) (٣).

стр. 190

وعن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : ((حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير إلا أنه كان رجلا يخالط الناس، وكان موسرا، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر. قال الله : فنحن أحق بذلك منه، فتجاوزوا عنه)) (١). ألا ما أثقل هذا الخلق في ميزان الإنسان! وما أحوج هذا الإنسان إليه يوم العرض الكبير وساعاته العصيبة الشداد! طليق الوجه: ومن مستلزمات هذا الخلق السمح اللين أن يكون صاحبه مع الناس طلق المحيا، مفتر الأسارير، تعلو الابتسامة وجهه، ويطفح البشر من محياه؛ وهذا كله من حسن الخلق، ومن المعروف الذي حض عليه الإسلام. ففي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: ((لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق)). وأخرج الشيخان عن الصحابي الجليل جرير بن عبد الله أنه قال: ((ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم)). إن المجتمع الذي تشيع السماحة والود والابتسام بين أفراده لهو مجتمع إنساني راق متواد متماسك، يكرم فيه الإنسان، وتحترم الأخلاق، وتسود القيم الإنسانية العليا، وهذا هو المجتمع الإسلامي الذي تضافرت النصوص والمبادئ الإسلامية التربوية على إنشائه، ليكون غرة في جبين المجتمعات، وإننا لنلمس الفرق الكبير بين هذا المجتمع الرباني وبين المجتمعات المادية التي يعيش فيها الإنسان في جفاف عاطفي قاتل، لا يهش لجار أو قريب، ولا يكاد يفتر ثغره عن ابتسامة حب لصديق، وإنما هو دوما مهموم مشغول

стр. 191

سادر في متطلبات الحياة المادية التي أطفات فيه شعلة العاطفة الإنسانية، وجففت ينابيع الري الروحي، وجعلته داثرا في فلكها كالدوامة، لا يكاد يهدأ ولا يقر له قرار. خفيف الظل: والمسلم خفيف الظل مع الناس، محبب العشرة لهم، يخالطهم ويمازحهم عندما يحسن المزاح وتلطف المداعبة، وهو في مزاحه لا يغلو ولا يشتط ولا يؤذي، كما هو في جده لا يقسو ولا يتزمت ولا يتجافى؛ فمزاحه هو المزاح الإسلامي المشروع السمح الذي لا يخرج به عن دائرة الحق، كما كان شأن الرسول ﷺ وصحابته الكرام في مزاحهم ومداعبتهم، فقد أثر عن الصحابة أنهم قالوا للرسول الكريم: إنك تداعبنا، فقال: ((إني لا أقول إلا حقا)) (١). فالرسول ي كان يمزح، ولكنه كان لايقول في مزاحه إلاحقا، وكذلك كان الصحابة الكرام، ولهم في المزاح والمداعبة أخبار طريفة، كانت تجري بينهم وبين الرسول الكريم. من هذه الأخبار ما روته كتب الحديث والسير من أن رسول الله ﷺ كان يمازح طفلا صغيرا من أبناء الصحابة يكنى أبا عمير، له طائر يلعب فيه. وفي ذات يوم رآه حزينا، فقال: ما لي أرى أبا عمير حزينا؟ قالوا: مات نغره الذي كان يلعب به يا رسول الله، فجعل النبي ﷺ يقول مداعبا الطفل: ((أبا عمير، ما فعل النغير (٢)؟)) (٣).

стр. 192

وجاء رجل إلى النبي ﷺ يستحمله، فقال له النبي ﷺ ممازحا: ((إنا حاملوك على ولد ناقة)) فقال: يا رسول الله، ما أصنع بولد ناقة؟ فقال الرسول ﷺ : ((وهل تلد الإبل إلا النوق؟)) (١). وأخرج الإمام أحمد عن أنس ﵁ أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهرا، وكان يهدي النبي ﷺ الهدية من البادية، فيجهزه النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال رسول الله ﷺ : ((إن زاهرا باديتنا ونحن حاضروه))، وكان رسول الله ﷺ يحبه، وكان رجلا دميما، فأتاه رسول الله ﷺ ، وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، ولا يبصره الرجل، فقال: أرسلني! من هذا؟ فالتفت فعرف النبي ﷺ ، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه وجعل رسول الله ﷺ يقول: ((من يشتري العبد؟)) فقال: يا رسول الله! إذن والله تجدني كاسدا، فقال: رسول الله ﷺ : ((لكن عند الله لست بكاسد))، أو قال: ((لكن عند الله أنت غال)). وأتت عجوز النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة. فقال مداعبا: ((يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز))، فولت العجوز تبكي، فقال: ((أخبروها أنها لا تدخلها، وهي عجوز؛ إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ (٢). ومن الأحاديث الدالة على نفسية الرسول المرحة المحبة للمداعبة والمزاح ما أخرجه الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: ((خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: ((تقدموا))، فتقدموا، ثم قال لي: ((تعالي حتى أسابقك))، فسابقته فسبقته، فسكت عني حتى إذا حملت اللحم، وبدنت،

стр. 193

ونسيت، خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: ((تقدموا))، فتقدموا، ثم قال لي: ((تعالي حتى أسابقك))، فسابقته فسبقني، فجعل يضحك ويقول: ((هذه بتلك)). ولذلك لم يكن الصحابة الكرام يرون حرجا في المزاح والمداعبة، فلقد رأوا الرسول الكريم، وهو إمامهم وقائدهم ومعلمهم، يمزح أحيانا، ويمرح أحيانا أخرى، فكانت لهم مواقف من المزاح والمرح طريفة، تدل على سماحة المجتمع الإسلامي الأول وبعده عن التزمت والتجهم والانقباض. أخرج البخاري في الأدب عن بكر بن عبد الله قال: ((كان أصحاب النبي ﷺ يتبادحون بالبطيخ (١)، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال)). إنه المزاح الإسلامي المقتصد المعتدل الذي لا يخرج أصحابه عن جادة الحق، ولا يطفىء فيهم شعلة الرجولة، وإنما يؤدي غرضه في تنشيط النفوس، وجلاء الأذهان، وترويح القلوب. ومن طرائف ما روي من مزاح الصحابة الكرام الذي ضحك له رسول الله ﷺ ما أخرجه الإمام أحمد عن أم سلمة ﵂ أن أبا بكر ﵁ خرج تاجرا إلى بصرى، ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة ﵄، وكلاهما بدري (٢)، وكان سويبط على الزاد، فقال له نعمان: أطعمني! قال: حتى يجيء أبو بكر، وكان نعيمان مضحاكا مزاحا، فذهب إلى ناس جلبوا ظهرا فقال: ابتاعوا مني غلاما عربيا فارها؟ قالوا: نعم، قال: إنه ذو لسان، ولعله يقول: أنا حر، فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوني لا تفسدوه علي! فقالوا: بل نبتاعه، فابتاعوه منه بعشر قلائص، فأقبل بها

стр. 194

يسوقها، وقال: دونكم هو هذا! فقال سويبط: هو كاذب، أنا رجل حر! قالوا: قد أخبرنا خبرك، فطرحوا الحبل في رقبته، فذهبوا به فجاء أبو بكر فأخبر، فذهب هو وأصحابه إليهم، فردوا القلائص وأخذوه، ثم أخبروا النبي ﷺ بذلك فضحك هو وأصحابه منها حولا. وجاء أعرابي إلى النبي ﷺ فدخل المسجد وأناخ ناقته بفنائه، فقال بعض أصحاب النبي ﷺ لنعيمان بن عمرو الأنصاري ﵁، وكان يقال له: النعيمان: لو نحرتها فأكلناها، فإنا قد قرمنا إلى اللحم (١)، ويغرم رسول الله ﷺ ثمنها، فنحرها النعيمان، ثم خرج الأعرابي فرأى راحلته فصاح: واعقراه يا محمد! فخرج النبي ﷺ فقال: من فعل هذا؟ قالوا: النعيمان، فأتبعه يسأل عنه، فوجده في دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ﵁ قد اختفى في خندق وجعل عليه الجريد والسعف، فأشار إليه رجل ورفع صوته يقول: ما رأيته يا رسول الله، وأشار بإصبعه حيث هو، فأخرجه رسول الله ﷺ ، وقد تغير وجهه بالسعف الذي سقط عليه، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: الذين دلوك علي يا رسول الله هم الذين أمروني، فجعل رسول الله ﷺ يمسح عن وجهه ويضحك، ثم غرمها رسول الله ﷺ (٢). وبعد، فليس بعد هذه الآثار وأمثالها دليل أنصع على ما يريده الإسلام لأبنائه من خفة ظل، ومرح نفس، وعذوبة روح، وإنها لصفات تكسب صاحبها شخصية دمثة محببة، تستطيع أن تغزو القلوب، وتغلغل في بواطن النفوس، والمسلم الداعية في أشد الحاجة إلى مثل هذه الشخصية وتلك الصفات.

стр. 195

حليم: والمسلم التقي الذي ارتوت نفسه من هدي الإسلام يروض نفسه دوما على الحلم وكظم الغيظ، متمثلا قول الله ﵎: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). ذلك أن الشديد في نظر الإسلام ليس بالرجل ذي العضلات المفتولة، القادر على صرع الناس والتغلب عليهم، بل الشديد هو الرجل المتزن الحليم الذي يملك نفسه عند الغضب: ((ليس الشديد بالصرعة (٢)، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) (٣). إن ضبط النفس عند الغضب مقياس رجولة الرجال، وليس اندفاعهم وراء لوثة الغضب الهوجاء، واستسلامهم لنزق الانفعال الطائر؛ فبضبط الرجل نفسه، وتحكمه في أعصابه حين الثورة والانفعال، يسيطر على المواقف، ويدرأ الفتن والخصومات، ويحسن الوصول إلى الهدف، ويحظى برضا الله والناس. ومن هنا كانت توصية الرسول الكريم للرجل الذي يستوصيه كلمة واحدة: ((لا تغضب))،! وردد الرجل مرارا قوله: أوصني، وكان جواب الرسول الكريم هذه الكلمة الجامعة لمكارم الأخلاق: ((لا تغضب)) (٤). وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأشج عبد القيس: ((إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة)) (٥).

стр. 196

إن المسلم الحق ليغضب أحيانا، ولكنه لا يغضب إذا غضب لنفسه، وإنما يغضب لله، حين تنتهك حرمة من حرماته، أو يعتدى على شعيرة من شعائر دينه، أو يعطل حكم من أحكامه، هنالك ينتفض المسلم ثورة عارمة على المعتدين الآثمين المنتهكين حرمات الله، العابثين بشرعه وأحكامه وقيمه، وهذا ما كان عليه رسول الله ﷺ فيما يرويه البخاري ومسلم. ((ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله، قينتقم لله بها)). لقد كان صلوات الله عليه يغضب، ويتلون وجهه الشريف حين يجد إساءة لسمعة الدين، أو خطأ في تطبيق أحكامه، أو تساهلا في إقامة حدوده. غضب يوم جاءه رجل فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا، فلم ير النبي الكريم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة)) (١). وغضب يوم قدم من سفره على عائشة فرأى في بيتها سترا رقيقا فيه تماثيل، فلما رآه هتكه وتلون وجهه، وقال: ((يا عائشة، أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله)) (٢). وغضب يوم كلمه أسامة بن زيد في شأن المرأة المخزومية التي سرقت، وعزم رسول الله على أن يقيم عليها الحد، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب

стр. 197

رسول الله ﷺ ؟ فكلمه أسامة فقال رسول الله ﷺ مغضبا: ((أتشفع في حد من حدود الله تعالى))؟. ثم قام فاختطب، ثم قال: ((إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) (١). هكذا كان الغضب عند رسول الله ﷺ ، وهذه هي مسوغاته في شرعة الإسلام، أن يكون لله، لا للنفس. يجتنب السباب والفحش: وإذا ما أخذ المسلم نفسه بهذا الخلق عند الغضب فبدهي ألا يجري على لسانه سباب أو هجر من القول أو فحش، ويعزز هذا الخلق في نفسية المسلم، وينزه لسانه عن السباب والفحش التزامه الصادق بتوجيهات الإسلام الخلقية التي نفرت من السباب والفحش والطعن واللعن تنفيرا جعل حس المسلم لا يطيق سماع مثل تلك العبارات: فعن أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)) (٢). وقال: ((إن الله لا يحب كل فاحش متفحش)) (٣). وقال: ((إن الله تعالى يبغض الفاحش البذيء)) (٤). وقال: ((ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء)) (٥).

стр. 198

إنها صفات لا تليق بالمسلم الذي استروح نسمات الإيمان الندية، وخالطت نفسه بشاشة الإسلام السمحة، ومن هنا هو عنها بعيد جد بعيد، وإنه ليزداد عنها بعدا كلما تبدت له الأسوة الحسنة مجسدة في رسول الله ﷺ الذي لم تند عنه كلمة واحدة فى حياته تخدش سمع السامع، أو تجرح شعوره أو تمس كرامته. يقول أنس ﵁: ((لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا، ولا لعانا، ولا سبابا، كان يقول عند المعتبة: ما له؟ ترب جبينه)) (١))) (٢). بل إنه نزه لسانه حتى عن لعنه الكافرين الذين أوصدوا قلوبهم عن دعوته، فلم ينلهم بكلمة نابية جارحة، كما حدث بذلك الصحابي الجليل أبو هريرة، فقال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين، قال: ((إني لم أبعث لعانا، ولكن بعثت رحمة)) (٣). ويذكر أبو هريرة ﵁ أن رجلا شرب الخمر، فأتي به إلى النبي ﷺ ، فقال للناس: ((اضربوه))، فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه. فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، قال: ((لا تقولوا هذا، لا تعينوا عليه الشيطان)) (٤). فيا للنظرة الإنسانية الرحيمة الحانية على الإنسان، ولو كان من المتخبطين في متاهات الشرود والضلال والعصيان! ويبلغ رسول الله ﷺ الذروة في اجتثاث شأفة الشر والحقد والعدوان من النفوس حين يصور للمسلمين المصير الأسود الخاسر لمن أطلق لسانه في أعراض الناس، فإذا بتلك الشتائم الجوفاء والقذف الأرعن والاعتداءات

стр. 199

البشعة الرخيصة التي بدرت منه ذات يوم، تأتي على كل ما جناه في حياته من حسنات، وترده مفلسا خالي الوفاض من كل عاصم يعصمه من النار يوم الحساب الرهيب. يقول رسول الله ﷺ : ((أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، يأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت خسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)) (١). فلا بدع أن تنتفي من حياة المسلمين الصادقين هذه التفاهات الفارغة، وتندر المشاحنات والخصومات المفضية إلى السباب والشتائم في المجتمع الإسلامي الحق الذي تسود فيه هذه القيم، وتعم تلك التوجيهات الخلقية العالية حياة الناس. إن الفرد في المجتمع المسلم الحق ليحس في أعماقه أنه محاسب على كل كلمة يتفوه بها، إذا جرته غمرات الحياة إلى شيء من تلك الخصومات. إنه ليضبط انفعاله، ويتحكم في أعصابه وتعبيراته، ذاكرا قول الرسول ﷺ : ((المتسابان ما قالا، فعلى البادي منهما (٢) حتى يعتدي المظلوم (٣))) (٤). ومن هنا هو يمسك لسانه عن السباب، ولو وجدت دواعيه، ويكف من

стр. 200

غرب غضبه المشتعل كيلا يقع في الإثم، ويحاذر أن يكون من المعتدين. وإن هذا الخلق في حس المسلم وواقع حياته لينسحب على الأموات أيضا، فلا ينطلق لسانه بسبهم كما يفعل الجهلة السفهاء الرعن الذين لا تقف ألسنتهم عند الأحياء، بل تتعداهم إلى الأموات، عملا بقول الرسول الكريم: ((لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)) (١). لا يرمي أحدا بفسق أو كفر بغير حق: والمسلم الذي يصون لسانه عن السباب والشتائم والفحش يربأ بنفسه أن يقع فيما هو أدهى من ذلك وأمر، وهو تفسيق الناس وتكفيرهم بغير حق؛ فقد توعد الرسول ﷺ من يرمي الأبرياء بذلك أن ترتد الرمية عليهم، فيبوءوا بإثمها الكبير: ((لا يرمي رجل رجلا بالفسق أو الكفر إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك)) (٢). حيي ستير: ومن خلائق المسلم الحق أنه حيي ستير، لا يحب أن تشيع الفاحشة في المجتمع الإسلامي، عملا بتوجيهات القرآن الكريم والسنة المطهرة، التي جاءت تتوعد أولئك المفسدين الذين يحلو لهم أن يلغوا في أعراض الناس ويتحدثوا عن عوراتهم بأشد العذاب في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. (٣)

стр. 201

ومن هنا كان الذي يطلق لسانه في نشر أخبار الفاحشة في المجتمع آثما كفاعلها سواء؛ فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ((القائل الفاحشة والذي يشيع بها في الإثم سواء)) (١). إن الفرد في المجتمع الإسلامي ستير حيي مترفع عن الصغائر والدنايا، له من خلقه الرصين الذي رباه عليه الإسلام ما يصرفه عن الخوض في أعراض الناس، ويصون لسانه عن المجاهرة بالمعصية، سواء أكانت منه أم سمعها أو رآها من غيره، عملا بقول الرسول ﷺ : ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله)) (٢). وقوله: ((لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)) (٣). وجاء قوم إلى عقبة بن عامر فقالوا: إن لنا جيرانا يشربون ويفعلون، أفنرفعهم إلى الإمام؟ قال: لا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من رأى من مسلم عورة فسترها، كان كمن أحيا موءودة من قبرها)) (٤). إن معالجة الضعف البشري لا يكون بالتنقيب عن عورات الناس وعيوبهم، وفضحهم، والتشهير بهم، وإنما يكون بحسن عرض الحق على أسماعهم، وتزيين الطاعة لهم، وتكريه المعصية إليهم، دونما تصريح

стр. 202

أو مواجهة أو مجابهة، فباللين والرفق وحسن التأتي تنفتح مغاليق القلوب، وتخشع الجوارح، وتلين النفوس. ومن هنا نهى الإسلام عن التجسس وتتبع عورات المسلمين. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا ... ﴾ (١). وعن ابن مسعود ﵁ أنه أتي برجل فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا، فقال: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به)) (٢). ذلك أن تتبع عورات المسلمين، والتجسس عليهم، والتنقيب عن لحظات ضعفهم وتقصيرهم، والتشهير بهم، يؤذي المسلمين المشهر بهم، ويؤذي بالتالي المجتمع الكبير الذي يعيشون فيه، فما شاعت الفاحشة في مجتمع، وكثرت في أعضائه الأقاويل، إلا دب فيه الانحلال، وهانت المعصية، وانتشرت البغضاء، وسرى الكيد، واستكنت الضغينة، وعم الفساد. وقد أشار رسول الله ﷺ إلى ذلك كله بقوله: ((إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم)) (٣). ومن هنا اشتد رسول الله ﷺ في تنبيه المسلمين إلى خطورة الولوغ في أعراض الناس، والتنقيب عن عوراتهم، مهددا من يستهين بذلك بهتك الستر عنه، وفضحه في جوف بيته، فقال: ((لا تؤذوا عباد الله، ولا تعيروهم، ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من تطلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته)) (٤). وفي رواية عن ابن عباس تصور انفعال رسول الله ﷺ وشدته على هؤلاء الوالغين في الأعراض يقول فيها:

стр. 203

((خطب رسول الله ﷺ خطبة حتى أسمع العواتق في خدورهن فقال: يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تؤذوا المؤمنين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم هتك الله ستره، ومن يتتبع عورته يفضحة، ولو في جوف بيته)) (١). لقد بلغ من شدة رسول الله ﷺ على هؤلاء المتساهلين في النيل من أعراض الناس أن خاطبهم بقوله: ((يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه)). فما أعظمه من إثم اقترفه هؤلاء حتى كانوا في زمرة الذين خوت قلوبهم من نعمة الإيمان! إنه لإثم كبير، يحسبونه هينا، وهو عند الله عظيم. لا يتدخل فيما لا يعنيه: إن المسلم الحصيف الحريص على حسن إسلامه، المتطلع إلى مرضاة ربه، لا يتدخل فيما لا يعنيه، ولا يدس أنفه في شؤون الناس الخاصة، ولا يخوض في مهاترات حول ما يقال عنهم وما يشاع؟ وإنه إذ يجتنب ذلك، ليعتقد أنه يستمسك بخلق الإسلام الرصين الذي رفع الإنسان عن هذه التفاهات الفارغة، واللغط الأهوج، والثرثرة الرخيصة: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ان الله تعالى يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا. يرضى لكم: أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا. ويكره

стр. 204

لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) (١). إن المجتمع الرباني الذي ينشئه الإسلام، لا مجال فيه لقيل وقال، وكثرة السؤال، والتدخل في شؤون الناس الخاصة، لأن أفراده مشغولون بما هو أجل وأكبر، إنهم مشغولون بتحقيق كلمة الله في الأرض، ورفع راياته فوق الربوع، ونشر قيمه بين الناس، والذين ينهضون بهذه الأعمال الجسام، لا يجدون وقتا للخوض في تلك الآثام. بعيد عن الغيبة والنميمة: ومن هنا كان المسلم بعيدا عن الغيبة والنميمة؛ لأنه، بحكم تنشئته وتكوينه على قيم الإسلام وأخلاته، منصرف عن هذه التفاهات إلى الأمور الجلى في الحياة، مصغ دوما إلى الهدي العالي من كتاب الله ﷺ سنة رسوله، يأخذ بما يأمر به هذا الهدي، ويدع ما نهى عنه. إنه ليقرأ قول الله ﵎: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، فتمتلىء نفسه نفورا من الغيبة وكراهية؛ إذا يرى صورة المغتاب يأكل لحم أخيه ميتا، فإذا هو يسارع إلى التوبة التي ذيل الله بها الآية، حضا لمن وقع في الغيبة على المسارعة إلى التوبة منها. ويصغي إلى الهدي النبوي الكريم يجيب على سؤال سائل: أي المسلمين أفضل يا رسول الله؟ فيكون الجواب: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده)) (٣).

стр. 205

وإزاء هذا الهدي العالي والتوجيه الحكيم لا يتورط المسلم التقي بغيبة، ولا تمتد يده إلى أحد في مجتمعه بأذى. بل إنه ليذهب إلى أبعد من ذلك، فيطارد الغيبة أنى وجدها، فيذب عن أخيه المسلم في غيبته، إن تناولته ألسنة البغي، ويدفع عنه قالة السوء، عملا بقول الرسول الكريم: ((من ذب عن عرض أخيه بالغيبة كان حقا على الله أن يعتقه من النار)) (١). والمسلم التقي لا يمشي بالنميمة في مجتمعه؛ لأنه يحرك، بما فقه من هدي دينه، أن النميمة تجعل صاحبها في زمرة الأشرار الذين لا هم لهم إلا الإفساد بين الناس، وتقطيع عرى المحبة بين الأخلاء، فعن أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ قال: ((ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الذين إذا رؤوا ذكر الله . ثم قال: ألا أخبركم بشراركم: المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب)) (٢). وحسب النمام المفسد خزيا في الدنيا، وسوء عاقبة في الآخرة، هذا الحديث القاطع الذي يسد عليه كل باب من أبواب الأمل والرجاء، إن ظل مصرا على خطيئته: ((لا يدخل الجنة نمام)) (٣). ومما يملأ النفسق هلعا ورعبا من عواقب النميمة أن عذاب الله الشديد ينصب على النمام المفسد منذ أن يوسد في قبره، وذلك فيما رواه الشيخان

стр. 206

وغيرهما عن ابن عباس، قال: ((مر رسول الله ﷺ على قبرين، فقال: أما إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله، قال: فدعا بعسيب رطب (١)، فشقه اثنين، ثم غرس على هذا واحدا، وعلى هذا واحدا، ثم قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا)). يجتنب قول الزور: ومن صفات الملسم الحق الواعي أنه لا يدلي بقول زور؛ لأن قول الزور حرام: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٢). وشهادة الزور، إلى جانب حرمتها، تزري، بالرجولة، وتقذح في الأمانة، وتخل بالشرف. ومن هنا لا يمكن أن تكون من صفات المؤمنين، ولهذا نفى الله عن عباده المصطفين الأخيار هذه الصفة، فيما نفى عنهم من كبائر، فقال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٣). ومما يدلنا على فداحه هذه المعصية أن رسول الله ﷺ ساقها بعد أكبر كبيرتين في سلم المعاصي: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، ثم كررها على مسامع المسلمين محذرا منذرا، وهو في أشد حالات الانفعال، إذ قال: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلا يا رسول الله، قال: الإشراك بالله،

стр. 207

وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس، فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت)) (١). يجتنب ظن السوء: ومن خلائق المسلم الحق أنه لا يظن بالناس ظن السوء، ولا يسمح لنفسه أن يطلق لها عنان الخيال والتصورات التي تصم الناس بالعيب، وتنسب إليهم التهم، وهم منها برآء، وذلك عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٢). ولقد اشتد الهدي النبوي الكريم في التحذير من الظن ورجم الناس بالغيب بعيدا عن الحقيقة واليقين، فقال النبي ﷺ . ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث)) (٣). لقد عد النبي ﷺ الظن أكذب الحديث، والمسلم الحق الصادق لا يجري على لسانه حديث فيه رائحة الكذب، فكيف يقع في أكذب الحديث!؟ والهدي النبوي العالي، إذ يحذر من الظن، ويعده كذب الحديث، يوجه المسلمين إلى الأخذ بالظاهر من أعمال الناس، والبعد عن رميهم بالظنون والشكوك والأقاويل والأوهام، فليس من خلق المسلم ولا من شأنه أن يكشف عن سرائر الناس ويغوص في خصوصياتهم، ويخوض في أعراضهم، فالسرائر يعلم خبيئها، ويكشف عنها، ويحاسب عليها الإله الذي يعلم السر وأخفى. أما الإنسان فليس له من أخيه إلا الظاهر من عمله، وهذا ما كان عليه

стр. 208

السلف الصالح من الصحابة والتابعين الذين استروحوا نسمات هذا الهدي نقية صافية من كل شائبة وكدر. أخرج عبد الرزاق عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: ((سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إن ناسا كانوا يأخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا آمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه على سريرته، ومن أظهر لنا شرا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة)) (١). ومن هنا كان المسلم التقي الواعي متحرزا في كل كلمة يتفوه بها، متثبتا من كل حكم يطلقه، لا يغيب عن حسه وفكره قول الله ﵎ يهتف به: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٢). فإذا هو وقاف عند هذا النهي الحكيم، لا يتكلم إلا بعلم، ولا يحكم إلا بيقين. وإنه ليزداد رهبة وخشية من الوقوع في إثم الخوض في الأعراض والرجم بالظنون، إذ يتمثل لعين قلبه ذلك الملك الرقيب العتيد الموكل به، الذي يحصي عليه كل كلمة تند عن لسانه، وكل قول يصدر عنه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٣).

стр. 209

إن المسلم المستشعر معاني هذه النصوص ليهتز فرقا من مسؤولية الكلمة التي تطير عنه؛ ولذلك تراه متحفظا دوما فيما يصدر عنه من قول، يزن أقواله، ويقلبها على وجوهها قبل التفوه بها؛ لأنه يعلم بما لقن من هدي دينه أن هذه الكلمة التى يطلقها قد ترفعه إلى مقام الرضوان من ربه، وقد تهوي به إلى درك سخطه عليه وغضبه منه، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما كان يظن أن تبلع ما بلغت، يكتب الله له بها سخطة إلى يوم القيامة)) (١). فما أعظم مسؤولية الكلمة! وما أكبر الآثار المترتبة على ما تقذف به الألسنة الثرثارة من أقاويل! إن المسلم التقي الناصع السريرة لا يستمع إلى هذر الناس، ولا يلقي بالا إلى ما يصدم سمعه من أقاويل وإشاعات وظنون. تموج بها مجتمعاتنا اليوم موجا. وبالتالي لا يرضى لنفسه أبدا أن يروي كل ما يسمع عن الناس من هذه الأقاويل والإشاعات والظنون، من غير تثبت وتيقن، بل إنه ليعد نقل كل ما يسمع وروايته لغيره قبل التثبت من صحته من الكذب المحرم الذي نص عليه الرسول ﷺ بقوله: ((كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع)) (٢). حافظ للسر: ومن صفات المسلم الحق أنه حافظ للسر، لا يفشي سرا ائتمنه عليه أحد. وحفظ السر دليل رجولة المرء، وقوة شخصيته، ومتانة خلقه، وهذا

стр. 210

ما كان عليه صفوة رجال الإسلام ونسائه، ممن ارتشفوا رحيق هدي النبوة، وتمثلته نفوسهم، فكان خلقا بارزا من أخلاقهم، وعادة حميدة من أجمل عاداتهم. وموقف أبي بكر وعثمان من عمر حين عرض عليهما الزواج من ابنته حفصة بعد أن تأيمت (١)، وكتمانهما سر رسول الله ﷺ عليه، من أنصع الشواهد على تحلي الصحابة الأولين بفضيلة حفظ السر، وإصرارهم على التمسك بهذه الفضيلة. يروي الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر ﵁ أن عمر ﵁ حين تأيمت بنته حفصة قال: ((لقيت عثمان بن عفان ﵁ فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر. قال: سأنظر في أمرى. فلبثث ليالي، ثم لقيني، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، فلقيت أبا بكر الصديق ﵁ فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر ﵁، فلم يرجع إلي شيئا، فكنت عليه أوجد (٢) مني على عثمان. فلبثت ليالي. ثم خطبها النبي ﷺ ، فأنكحتها إياه. فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت (٣) علي حين عرضت على حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ فقلت: نعم، قال فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن النبي ﷺ ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها النبي ﷺ لقبلتها)). ولم تقتصر فضيلة حفظ السر على الرجال من السلف، بل شملت

стр. 211

النساء والأطفال الذي عبوا من هدي الإسلام، واستنارت قلوبهم وعقولهم بنوره اللألاء، ونجد ذلك فيما يرويه الإمام مسلم عن أنس ﵁، قال: ((أتى على رسول الله ﷺ ، وأنا ألعب مع الغلمان، فسلم علينا، فبعثني إلى حاجة، فأبطأت على أمي. فلما جئت قالت: ما حبسك؟ فقلت: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر. قالت: لا تخبرن بسر رسول الله ﷺ أحدا. قال أنس: والله لو حدثت به أحدا لحدثتك به يا ثابت)) (١). لقد رأت أم أنس ابنها حريصا على حفظ سر رسول الله ﷺ ، فعززت فيه هذا الحرص، إذ طلبت منه ألا يخبر بسر رسول الله ﷺ أحدا، فلم يحدث به أحدا حتى التابعين ثابتا البناني الذي روى عنه الحديث، ولم يدفعها حب الاطلاع إلى استدراج ابنها الصغير، لتعرف ذلك السر الذي طواه عنها، وهذه هي تربية الإسلام، وهذا هو المستوى الرفيع الذي رفعت إليه الإنسان، رجلا كان أو امرأة أو طفلا. إن إفشاء الأسرار لمن أسوأ العادات التي يبتلى بها الإنسان؛ ذلك أن ليس كل ما يعلم يقال في هذه الحياة، فهناك أمور تقضي الرجولة والمروءة والشرف والغيرة أن تبقى في طي الكتمان، وبخاصة إذا كانت هذه الأمور من متعلقات الحياة الزوجية. ولا ينشر مثل هذه الأمور على أسماع الناس إلا رجل في عقله لوثة من الجنون، أو في شخصيته ميوعة ودياثة وتفاهة. ومن هنا كان هذا الضرب من الرجال الثرثارين في زمرة الأشرار، بل من شر الناس عند الله، كما بين رسول الله ﷺ في قوله:

стр. 212

((إن من أشر الناس (١) عند الله منزلة يوم القيامه الرجل يفضي إلى المرأة، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها)) (٢). لا يناجي ثانيا وبينهما ثالث: والمسلم التقي الواعي أحكام دينه مرهف الحس، دقيق الملاحظة، يحترم مشاعر الناس، ويتجنب الإساءة إليهم، ومن هنا لا تنقصه اللباقة في الحديث، ومن أوليات هذه اللباقة ألا يناجي ثانيا وبينهما ثالث، وهذا من الأدب العالي الذي أدب الإسلام به أبناءه، كما في حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناج اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس، من أجل أن ذلك يحزنه)) (٣). إن المسلم الذي أرهف الإسلام مشاعره، وربى فيه الذوق العالي، وزوده بالحصافة والكياسة واللباقة، بعيد عن الهمس والتناجي والوشوشة إذا كان في مجتمع لا يتجاوز ثلاثة أشخاص، حرصا على مشاعر الثالث أن تخدش، ولكيلا يداخله شعور بالوحشة والضيق، إلا إذا كانت هناك حاجة ماسة للحديث بين الاثنين، فلا بد عندئذ من استئذان الثالث، والإيجاز في الحديث، والاعتذار إليه. ولقد كان الصحابة الكرام الذين تغلغل الإسلام في حنايا نفوسهم، وخالطت أخلاقه وتعاليمه دماءهم لا يغفلون أبدا عن هذه الأمور الحساسة في

стр. 213

معاملتهم الناس، تشهد لذلك الآثار الكثيرة التي تحكي سلوكهم الاجتماعي الراقي، ودقة تقديرهم للمشاعر الإنسانية. ومنها ما رواه الإمام مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينار، قال: ((كنت أنا وابن عمر عند دار خالد بن عقبة التي في السوق، فجاء رجل يريد أن يناجيه، وليس مع ابن عمر أحد غيري، فدعا ابن عمر رجلا آخر، حتى كنا أربعة، فقال لي وللرجل الثالث الذي دعا: استأخرا شيئا. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يتناج اثنان دون واحد)). لم يرض ابن عمر أن يستمع إلى رجل جاء يناجيه من عرض الطريق فجأة، إذ وجد نفسه أمام ثالث قد يتأذى من إقصائه عنهما، لم يرض أن يستمع إلى سائله حتى استدعى رابعا، وأفهم الجميع أن هذه سنة رسول الله ﷺ ، مرددا على مسامعهم الحديث الشريف، تأكيدا للمسلمين أن هذا هو الموقف الذي ينبغي أن يقفوه في مثل هذه الحالة، حرصا على مشاعر الناس، واتباعا لسنة النبي ﷺ . لا يتكبر: والمسلم الحق لا يتكبر، ولا يصعر خده للناس، ولا يشمخ عليهم، مستعليا متجافيا منتفشا؛ لأن هدي القرآن ملء سمعه وقلبه وروحه، يهتف به أن المتكبرين إذا طاب لهم التبختر والتعالي والانتفاش كالديكة في هذه الدنيا الفانية، فإنهم قد خسروا الآخرة الباقية، التي حرمها الله على المتكبرين: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١):

стр. 214

ويلقي في سمعه أيضا أن الله لا يحب كل مختال فخور، يصغر خده للناس (١)، ويمشي في الأرض مرحا (٢): ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٣). وينظر الباحث في نصوص السنة المطهرة، فيدهش لشدة عنايتها باستئصال شأفة الكبر من النفوس، بنهيها عنه وتنفيرها منه، وتحذير المبتلين بدائه من أن يخسروا آخرتهم كلها بمثقال ذرة من كبر، ينفثها الشيطان في روعهم، فيحرم عليهم دخول الجنان، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ بقوله: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: ((إن الله جميل يحب الجمال (٤). الكبر بطر الحق (٥)، وغمط الناس (٦))) (٧). وعن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ألا أخبركم بأهل النار: كل عتل (٨)، جواظ (٩) مستكبر)) (١٠). وحسب المتكبرين خزيا ومهانة في الدار الآخرة أن الله تعالى لا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يكلمهم، ولا يزكيهم، جزاء وفاقا لما كانوا يستكبرون

стр. 215

في الأرض، ويستعلون على الناس، وإنها لمهانة معنوية لا يقل وقعها المؤلم على النفوس الحساسة من وقع العذاب على الأجساد في الجحيم: يقول رسول الله ﷺ : ((لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا)) (١). ويقول: ((ثلاثة لا يكفلهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زاني، وملك كذاب، وعائل (٢) مستكبر)) (٣). ذلك أن الكبرياء من صفات الألوهية، وليست من شأن البشر المخلوقين الضعفاء، وإن الذين يتكبرون ويتجبرون يعتدون على مقام الألوهية، وينازعون الخالق العظيم في صفة من صفاته العليا، ومن هنا استحقوا عذابه الأليم الذي أخبر به الرسول ﷺ بقوله: ((قال الله : العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني في واحد منهما فقد عذبته)) (٤). ومن أجل ذلك تتابعت نصوص السنة المطهرة محذرة المؤمنين من أن تلابسهم نزوة من كبر في لحظة من لحظات الضعف الإنساني، ولونت لهم أساليب التحذير والتنبيه لكي يبقى المؤمنون الأتقياء في عصمة من الابتلاء بداء الكبر الوبيل. ومن تلك النصوص المحذرة المنبهة قول الرسول ﷺ : ((من تعظم في نفسه، أو اختال في مشيته، لقي الله ، وهو عليه غضبان)) (٥).
следующие страницы →