النساء والأطفال الذي عبوا من هدي الإسلام، واستنارت قلوبهم وعقولهم بنوره اللألاء، ونجد ذلك فيما يرويه الإمام مسلم عن أنس ﵁،
قال:
((أتى على رسول الله ﷺ ، وأنا ألعب مع الغلمان، فسلم علينا، فبعثني إلى حاجة، فأبطأت على أمي. فلما جئت قالت: ما حبسك؟ فقلت: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر. قالت: لا تخبرن بسر رسول الله ﷺ أحدا. قال أنس: والله لو حدثت به أحدا لحدثتك به يا ثابت)) (١).
لقد رأت أم أنس ابنها حريصا على حفظ سر رسول الله ﷺ ، فعززت فيه هذا الحرص، إذ طلبت منه ألا يخبر بسر رسول الله ﷺ أحدا، فلم يحدث به أحدا حتى التابعين ثابتا البناني الذي روى عنه الحديث، ولم يدفعها حب الاطلاع إلى استدراج ابنها الصغير، لتعرف ذلك السر الذي طواه عنها، وهذه هي تربية الإسلام، وهذا هو المستوى الرفيع الذي رفعت إليه الإنسان، رجلا كان أو امرأة أو طفلا.
إن إفشاء الأسرار لمن أسوأ العادات التي يبتلى بها الإنسان؛ ذلك أن ليس كل ما يعلم يقال في هذه الحياة، فهناك أمور تقضي الرجولة والمروءة والشرف والغيرة أن تبقى في طي الكتمان، وبخاصة إذا كانت هذه الأمور من متعلقات الحياة الزوجية. ولا ينشر مثل هذه الأمور على أسماع الناس إلا رجل في عقله لوثة من الجنون، أو في شخصيته ميوعة ودياثة وتفاهة. ومن هنا كان هذا الضرب من الرجال الثرثارين في زمرة الأشرار، بل من شر الناس عند الله، كما بين رسول الله ﷺ في قوله:
стр. 212
((إن من أشر الناس (١) عند الله منزلة يوم القيامه الرجل يفضي إلى المرأة، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها)) (٢).
لا يناجي ثانيا وبينهما ثالث:
والمسلم التقي الواعي أحكام دينه مرهف الحس، دقيق الملاحظة، يحترم مشاعر الناس، ويتجنب الإساءة إليهم، ومن هنا لا تنقصه اللباقة في الحديث، ومن أوليات هذه اللباقة ألا يناجي ثانيا وبينهما ثالث، وهذا من الأدب العالي الذي أدب الإسلام به أبناءه، كما في حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
((إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناج اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس، من أجل أن ذلك يحزنه)) (٣).
إن المسلم الذي أرهف الإسلام مشاعره، وربى فيه الذوق العالي، وزوده بالحصافة والكياسة واللباقة، بعيد عن الهمس والتناجي والوشوشة إذا كان في مجتمع لا يتجاوز ثلاثة أشخاص، حرصا على مشاعر الثالث أن تخدش، ولكيلا يداخله شعور بالوحشة والضيق، إلا إذا كانت هناك حاجة ماسة للحديث بين الاثنين، فلا بد عندئذ من استئذان الثالث، والإيجاز في الحديث، والاعتذار إليه.
ولقد كان الصحابة الكرام الذين تغلغل الإسلام في حنايا نفوسهم، وخالطت أخلاقه وتعاليمه دماءهم لا يغفلون أبدا عن هذه الأمور الحساسة في
стр. 213
معاملتهم الناس، تشهد لذلك الآثار الكثيرة التي تحكي سلوكهم الاجتماعي الراقي، ودقة تقديرهم للمشاعر الإنسانية. ومنها ما رواه الإمام مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينار، قال:
((كنت أنا وابن عمر عند دار خالد بن عقبة التي في السوق، فجاء رجل
يريد أن يناجيه، وليس مع ابن عمر أحد غيري، فدعا ابن عمر رجلا آخر، حتى كنا أربعة، فقال لي وللرجل الثالث الذي دعا: استأخرا شيئا. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يتناج اثنان دون واحد)).
لم يرض ابن عمر أن يستمع إلى رجل جاء يناجيه من عرض الطريق فجأة، إذ وجد نفسه أمام ثالث قد يتأذى من إقصائه عنهما، لم يرض أن يستمع إلى سائله حتى استدعى رابعا، وأفهم الجميع أن هذه سنة رسول الله ﷺ ، مرددا على مسامعهم الحديث الشريف، تأكيدا للمسلمين أن هذا هو الموقف الذي ينبغي أن يقفوه في مثل هذه الحالة، حرصا على مشاعر الناس، واتباعا لسنة النبي ﷺ .
لا يتكبر:
والمسلم الحق لا يتكبر، ولا يصعر خده للناس، ولا يشمخ عليهم، مستعليا متجافيا منتفشا؛ لأن هدي القرآن ملء سمعه وقلبه وروحه، يهتف به أن المتكبرين إذا طاب لهم التبختر والتعالي والانتفاش كالديكة في هذه الدنيا الفانية، فإنهم قد خسروا الآخرة الباقية، التي حرمها الله على المتكبرين:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١):
стр. 214
ويلقي في سمعه أيضا أن الله لا يحب كل مختال فخور، يصغر خده للناس (١)، ويمشي في الأرض مرحا (٢):
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٣).
وينظر الباحث في نصوص السنة المطهرة، فيدهش لشدة عنايتها باستئصال شأفة الكبر من النفوس، بنهيها عنه وتنفيرها منه، وتحذير المبتلين بدائه من أن يخسروا آخرتهم كلها بمثقال ذرة من كبر، ينفثها الشيطان في روعهم، فيحرم عليهم دخول الجنان، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ بقوله:
((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: ((إن الله جميل يحب الجمال (٤). الكبر بطر الحق (٥)، وغمط الناس (٦))) (٧).
وعن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
((ألا أخبركم بأهل النار: كل عتل (٨)، جواظ (٩) مستكبر)) (١٠).
وحسب المتكبرين خزيا ومهانة في الدار الآخرة أن الله تعالى لا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يكلمهم، ولا يزكيهم، جزاء وفاقا لما كانوا يستكبرون
стр. 215
في الأرض، ويستعلون على الناس، وإنها لمهانة معنوية لا يقل وقعها المؤلم على النفوس الحساسة من وقع العذاب على الأجساد في الجحيم:
يقول رسول الله ﷺ : ((لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا)) (١).
ويقول: ((ثلاثة لا يكفلهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زاني، وملك كذاب، وعائل (٢) مستكبر)) (٣).
ذلك أن الكبرياء من صفات الألوهية، وليست من شأن البشر المخلوقين الضعفاء، وإن الذين يتكبرون ويتجبرون يعتدون على مقام الألوهية، وينازعون الخالق العظيم في صفة من صفاته العليا، ومن هنا استحقوا عذابه الأليم الذي أخبر به الرسول ﷺ بقوله:
((قال الله : العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني في واحد منهما فقد عذبته)) (٤).
ومن أجل ذلك تتابعت نصوص السنة المطهرة محذرة المؤمنين من أن تلابسهم نزوة من كبر في لحظة من لحظات الضعف الإنساني، ولونت لهم أساليب التحذير والتنبيه لكي يبقى المؤمنون الأتقياء في عصمة من الابتلاء بداء الكبر الوبيل.
ومن تلك النصوص المحذرة المنبهة قول الرسول ﷺ :
((من تعظم في نفسه، أو اختال في مشيته، لقي الله ، وهو عليه غضبان)) (٥).
стр. 216
متواضع:
وتقابل هذه النصوص المحذرة المنبهة المتوعدة المتكبرين بأقسى أنواع الخزي والعذاب نصوص تحبب في التواضع وترغب فيه، وتحض عليه، وتؤكد للمتواضعين أنهم كلما تواضعوا امتثالا لأمر الله ازدادوا عند الله رفعة وسموا، ومن هذه النصوص قول الرسول ﷺ :
((ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) (١).
وقوله:
((إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي
أحد على أحد)) (٢).
ولقد كانت سيرة الرسول ﷺ العملية مثالا حيا فذا في التواضع، وخفض الجناح، ولين الجانب، وسماحة النفس، حتى إنه كان ليمر على الصبيان يلعبون، فلا تحجبه النبوة والمنزلة العظمى التي خصه الله بها من بين الناس جميعا من أن يسلم على أولئك الصبيان، ويهش لهم، ويتبسط معهم.
فقد ذكر أنس ﵁ أنه مر على الصبيان فسلم عليهم، وقال:
((كان النبي ﷺ يفعل ذلك)) (٣).
ويروي أنس ﵁ من تواضع النبي ﷺ أن الأمة من إماء المدينة كانت تأخذ بيد النبي ﷺ فتنطلق به حيث شاءت، يقضي لها حاجتها (٤).
стр. 217
ويقدم تميم بن أسيد إلى المدينة، ليسأل عن أحكام الإسلام، فلا يجد هذا الرجل الغريب أمامه مانعا أو حاجبا يحول بينه وبين رسول الله ﷺ ، الرجل الأول في الدولة الإسلامية، وهو على المنبر يخطب في الناس، فيتقدم إليه سائلا مستفسرا، فيقبل عليه الرسول الكريم بكل بساطة وتواضع وحنو، ويجيبه إلى سؤله. ولندع تميما يحدثنا عن ذلك كله، فيما رواه عنه الإمام مسلم، قال:
((انتهيت إلى رسول الله ﷺ ، وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه؟ فأقبل على رسول الله ﷺ ، وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتي بكرسي، فقعد عليه وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها)).
ولقد كان رسول الله ﷺ يغرس في نفوس الصحابة خلق التواضع المبني على السماحة ولين الجانب ودماثة الطبع، فيقول:
((لو دعيت إلى ذراع أو كراع (١) لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت)) (٢).
فيا للتواضع في أجلى صوره! ويا للعظمة الإنسانية في أسمى معانيها!
لا يسخر من أحد:
والشخصية الإسلامية التي أشربت حب التواضع بعيدة كل البعد عن احتقار الناس والسخرية منهم؛ ذلك أن الهدي القرآني الذي غرس فيها حب التواضع والبعد عن الكبر والاستعلاء، نهاها في الوقت ذاته عن السخرية من الناس واحتقارهم:
стр. 218
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ (١) وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ (٢) بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣).
وبين رسول الله ﷺ أن احتقار المسلم أخاه شر محض، أي شر:
((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)) (٤).
يجل الكبير وصاحب الفضل:
لقد جاء هدي الإسلام يحض المسلمين على احترام الناس، لا على احتقارهم وازدرائهم، وبخاصة إذا كانوا جديرين بالتقدير والاحترام، بل إنه ليعد احترام الكبير والعالم وصاحب الفضل من الأصول الأخلاقية الكبرى التي تعطي للمسلم هويته في المجتمع الإسلامي، ومن فقدها انخلع من عضوية هذا المجتمع، وجرد من شرف الانتساب لأمة الإسلام، كما قرر ذلك الرسول الكريم بقوله:
((ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه)) (٥).
إن احترام الكبير في المجتمع، وتقديمه على من هو أصغر منه دليل رقي ذلك المجتمع، وآية فهم أعضائه لقواعد الأخلاق الإنسانية، وعلامة على سمو نفوسهم وتهذيبها، ومن أجل ذلك كان رسول الله ﷺ يحرص على أن يؤكد هذا
стр. 219
المعنى في نفوس المسلمين، وهو يرفع قواعد المجتمع الإسلامي، ويرسي دعائم الأخلاق فيه.
ومن شواهد حرصه على هذا المعنى قوله لعبد الرحمن بن سهل إذ رآه يتكلم، وكان أصغر القوم في الوفد الماثل بين يدي الرسول: ((كبر، كبر)) (١)، فسكت عبد الرحمن، وتكلم من هو أكبر منه (٢).
ويذهب رسول الله ﷺ إلى أبعد مدى في تقدير الكبار وأصحاب الفضل، فيجعل إكرامهم من إجلال الله تعالى؛ وذلك في قوله:
((إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه (٣)، وإكرام ذي السلطان المقسط (٤))) (٥).
ولقد أثمرت هذه التربية في نفوس الجيل الأول من المسلمين، فأنشأت رجالا تجسدت فيهم تلك الأخلاق الفاضلة، فكانوا نماذج فذة في إجلال الكبار وأصحاب الفضل، أذكر منها على سبيل المثال أبا سعيد سمرة بن جندب ﵁ الذي يقول:
((لقد كنت على عهد رسول الله ﷺ غلاما، فكنت أحفط عنه، فما يمنعني من القول إلا أن ها هنا رجالا هم أسن مني)) (٦).
ومن هذه النماذج التي يحتاج كل مسلم إلى التأسي بها في إجلال
стр. 220
الكبار وأصحاب الفضل عبد الله بن عمر ﵁، فقد حضر مجلس رسول الله ﷺ ، وفيه أبو بكر وعمر، فسأل رسول الله ﷺ سؤالا عرف ابن عمر جوابه، ولكنه لم يتكلم احتراما لأبي بكر وعمر، وفي ذلك يقول عبد الله بن عمر، قال رسول الله ﷺ :
((أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، لا تحت ورقها))، فوقع في نفسي: النخلة، فكرهت أن أتكلم، وثم أبو بكر وعمر. فلما لم يتكلما قال النبي ﷺ : ((هي النخلة)). فلما خرجت مع أبى قلت: يا أبت! وقع في نفسي النخلة، قال: ما منعك أن تقولها؟ لو كنت قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا. قال: ما منعني إلا لم أرك، ولا أبا بكر تكلمتما، فكرهت)) (١).
لقد أنزل الإسلام الناس في المجتمع الإسلامي منازلهم، وذلك بأمر من رسول الله ﷺ ، وقد ذكر ذلك الإمام مسلم في أول صحيحه، فقال:
وذكر عن عائشة ﵂، قالت: ((أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم)).
ومن إنزال الناس منازلهم أن تعرف أقدارهم، فيقدم العلماء وحملة القرآن وأصحاب العقول الراجحة وأهل الفضل.
ذلك أن للعلماء مكانهم المرموق العالي في المجتمع الإسلامى، ما داموا أمناء على شريعة الله، صداعين بالحق، حراسا لشعائر الإسلام، وقد بوأهم الله تلك المنزلة الكريمة إذ قال:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢).
стр. 221
ولحملة القرآن منزلتهم العالية أيضا في المجتمع الإسلامي، نوهت بها الأحاديث الصحيحة، فجعلت لهم الإمامة في الصلاة، والصدارة والإجلال في المجالس:
((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنه سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سنا، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه (١)، ولا يقعد في بيته على تكرمته (٢) إلا بإذنه)) (٣).
ولقد مر بنا قبل قليل قول الرسول ﷺ :
((إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه)) (٤).
ولما وقف رسول الله ﷺ يواري شهداء الإسلام في أحد جاعلا في كل قبر اثنين كان يسأل: ((أيهما أكثر أخذا للقرآن (٥)؟)) فإذا أشير له إلى أحد قدمه في اللحد (٦).
وكان من توجيه النبى ﷺ الحصيف الرائع في تنزيل الناس منازلهم قوله قبل الصلاة، وهو يسوي الصفوف:
((ليلني منكم أولو الأحلام والنهى (٧))) (٨).
стр. 222
وإنه لتوجيه حكيم له دلالاته الجمة الغزيرة، وفي مقدمتها تصنيف الناس حسب مقاماتهم ومنازلهم ورتبهم. ومكان أصحاب العقول الراجحة وراء النبي ﷺ في الصلاة يرشحهم للاضطلاع بشتى أمور المسلمين، كل حسب طاقته واختصاصه وإمكاناته.
ومن هنا كان رسول الله ﷺ فيما يروي الحسن عن أبيه يؤثر أهل الفضل بأدبه وقسمه على قدر فضلهم في الدين، ويكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، وكان مجلسه عامرا بالصفوة من المؤمنين العدول الذين يتفاضلون دوما بالتقوى، ويوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب (١).
والمسلم الحق من فقه هذه الحقائق كلها، وكان متمثلا لها في سلوكه الاجتماعي مع الناس عامة، ومع العلماء وأعيان الفضل وهامات الشرف والتقوى خاصة.
يعاشر كرام الناس:
ومن خلائق المسلم التقي الاتصال بالصالحين، والتقرب إليهم، وطلب الدعاء منهم، لا يجد حرجا في ذلك، مهما بلغ من علو المنزلة وشرف القدر ورفعة المكانة، عملا بقوله تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢)﴾.
стр. 223
ذلك أن عشرة الصالحين ترشح على معاشريهم بالخير والتقوى والسداد في القول والعمل، وتزيدهم تفقها في الدين، وإقبالا على الحق، حتى يعدوا في زمرة الصالحين:
بعشرتك الكرام تعد منهم...فلا ترين لغيرهم ألوفا
لقد سعى نبي الله موسى ﵇ وراء العبد الصالح ليتعلم منه، قائلا له بكل تواضع وأدب:
﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا؟﴾ (١).
وعندما أجابه العبدا لصالح:
(إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (٢).
قال له موسى ﵇ بتودد بالغ وأدب جم:
(سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (٣).
إن المسلم الحق الواعي لا يألف إلا الأخيار من الناس؛ لأنه فقه من هدي دينه أن الناس كالمعادن، منها النفيس ومنها الخسيس، وأن الطيب لا يألف إلا طيبا:
((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)) (٤).
وإنه ليعلم من هدي دينه أيضا أن الجلساء صنفان، جليس صالح،
стр. 224
وجليس سوء، فالجليس الصالح كحامل المسك، في مجالسته الاسترواح والعطاء والعطر والسرور، وجليس السوء كنافخ الكير، في مجالسته وهج اللهب والدخان والنتن والكآبة، وقد مثل ذلك الرسول الكريم صلوات الله عليه أروع تمثيل بقوله:
((إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء: كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة. ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا منتنة)) (١).
ومن هنا كان الصحابة الكرام يتحاضون على زيارة أهل الخير الذين يذكرون بالله، ويرققون القلوب، ويستدرون دموع الخشية والعظة والاعتبار من المآقي، وفي ذلك يروي أنس ﵁ هذه الواقعة:
((قال أبو بكر لعمر ﵄ بعد وفاة النبي ﷺ : انطلق بنا إلى أم أيمن (٢) نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها. فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ، فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها)) (٣).
بمثل هذه المجالس التي تحفها الملائكة، ويظلها المولى سبحانه برحمته، يقوى إيمان الإنسان، وتصفو روحه، وينجلي قلبه، وتزكو نفسه، ويغدو خيرا محضا على نفسه وأسرته ومجتمعه، وهذا ما يهدف إليه الإسلام في مخاطبة الناس وتوجيههم أفرادا وجماعات.
стр. 225
يحرص على نفع الناس ودفع الضر عنهم:
والمسلم الذي تربى على هدي الإسلام، وارتوت نفسه من معينه الطهور، حريص كل الحرص على نفع الناس في مجتمعه، ودفع الأذى عنهم؛ ذلك أنه بحكم تكوينه وتنشئته على مبادئ الحق والخير والفضيلة غدا عنصرا بناء فعالا نافعا، لا يطيق أن يرى الفرصة متاحة لفعل الخير ولا ينتهزها، وإنه ليعلم أن فعل الخير يؤدي إلى الفلاح:
﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١).
إنه ليسارع إلى فعل الخير، واثقا بمثوبة الله له في كل خطوة يخطوها في فعل الخير:
((كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين (٢) صدقة، وتعين الرجل
في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة)) (٣).
وما أروع هذا المزج بين الأفعال الاجتماعية الخيرة التي يقوم بها المسلم في حياته الاجتماعية وبين المشي للصلاة، تأكيدا من رسول الله ﷺ على أن هذا الدين إنما جاء لصلاح أمر الإنسان كله، في دنياه وآخرته، لا تفريق بين الدين والدنيا، والحياة الاجتماعية والحياة الروحية؛ فأعمال الإنسان في تصور المسلم الواعي هدي هذا الدين كلها عبادة، ما دام متجها في نيته إلى الله، مبتغيا بها وجهه الكريم.
ومن هنا كانت أبواب الخير مفتوحة أمام المسلم التقي، يلجها متى
стр. 226
شاء، مستنزلا رحمة الله الثرة الواسعة، مستكثرا من ثوابه الجم وفضله العميم.
فعن جابر عن النبي ﷺ ، قال: ((كل معروف صدقة)) (١).
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: ((الكلمة الطيبة صدقة)) (٢).
بل إن رحمة الله لتدرك الإنسان الذي أسلم لله وجهه، وأخلص له نيته، فتجعله مثابا إن فعل أثارة من خير، ومثابا إن لم يفعل، شريطة أن يمسك عن الشر:
فعن أبى موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((على كل مسلم صدقة)). قالوا: يا رسول الله، أرأيت إن لم يجد؟ قال: ((يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق))، قالوا: أرأيت إن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: ((يعين ذا الحاجة الملهوف))، قالوا: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: ((يأمر بالمعروف أو بالخير))، قالوا: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: ((يمسك عن الشر فإنها له صدقة)) (٣).
لقد استهل الرسول الكريم حديثه بقوله: ((على كل مسلم صدقة))، ثم راح يعدد ألوان البر والخير والمعروف التي يستطيع المسلم أن يجني منها أجور تلك الصدقات؛ فالمسلم إذا عليه صدقة، أي عليه أن يقوم بالأعمال البناءة الخيرة في مجتمعه، فإن عجز، أو لم يفعل لسبب من الأسباب، فلا أقل من أن يكف لسانه وجوارحه عن فعل الشر، ففي ذلك أيضا صدقة، وإيجابيات المسلم وسلبياته كلها موجهة في خدمة الحق الذي يسود مجتمع المسلمين، والمسلم: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده)) (٤).
стр. 227
بل إن رسول الله ﷺ ليجعل خير المسلمين في المجتمع الإسلامي من يرجى خيره ويؤمن شره، وذلك فيما رواه الإمام أحمد أن النبي ﷺ وقف على ناس جلوس فقال:
((أخبركم بخيركم من شركم؟))، فسكت القوم، فأعادها ثلاث مرات، فقال رجل من القوم: بلى يا رسول الله، قال: ((خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره، وشركم من يرجى خيره ولا يؤمن شره)).
إن المسلم لا يقدم لمجتمعه إلا الخير، فإن لم يفعل أحجم عن الشر، وأمسك عن الأذى، والمسلم الحق هو الذي يفعل الخير دوما، ولا يصدر عنه شر؛ ذلك أنه ينطلق دوما من قول الرسول ﷺ :
((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) (١).
وحب المسلم لإخوانه المسلمين ما يحب لنفسه يعني الحرص على نفعهم ودفع الأذى عنهم، ويعني شيئا آخر يميز الفرد في المجتمع الإسلامي، وهو فعاليته ونشاطه ودأبه في خدمة إخوانه المسلمين، يمد في نبعة نشاطه في هذا الميدان قول الرسول ﷺ :
((لا يزال الله في حاجة العبد ما دام العبد في حاجة أخيه)) (٢).
وقوله:
((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)) (٣).
стр. 228
وقوله:
((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخزة)) (١).
ويسمو الهدي النبوي في إشاعة روح التعاون في المجتمع الإسلامي، فيجعل مشية الأخ في حاجة أخيه خيرا من الاعتكاف الطويل، كما في حديث ابن عباس عن النبي ﷺ : قال: ((من مشى في حاجة أخيه كان خيرا له من اعتكافه عشر سنين، ومن اعتكف يوما ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق، كل خندق أبعد مما بين الخافقين)) (٢).
ويجعل التبرم من خدمة الناس مع القدرة عليها مهددا النعم بالزوال، كما في حديث ابن عباس أيضا، قال: قال رسول الله ﷺ .
((ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه، ثم جعل من حوائج الناس إليه فتبرم، فقد عرض تلك النعمة للزوال)) (٣).
ومن الصور الوضيئة المشرقة التي رسمتها الأحاديث الصحيحة لأهل الجنة، صورة رجل يتقلب في أعطاف النعيم في الجنة، لأنه أماط عن طريق المسلمين شجرة كانت تؤذيهم في غدوهم وراوحهم، ونجد ذلك في قول الرسول ﷺ :
((لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق، كانت تؤذي المسلمين)) (٤).
إن دفع الأذى عن المسلمين هو الوجه الأخر للخير الذي يقدم لهم بما
стр. 229
ينفعهم من أعمال. والذي يجنب المسلمين الأذى والضر هو كمن يقدم لهم الخير والنفع، فكلاهما نفع المسلمين، وفاز بثواب الله ﷺ رحمته ورضوانه. ومن هنا كان التوجيه النبوي للمسلمين يتناول الوجهين: تقديم النفع، ودفع الضر؛ ففيهما معا تسعد الجماعة، وتزدهر المجتمعات، وتنمو أواصر المودة في القلوب.
ومن هذا التوجيه العالي في دفع الأذى عن المسلمين ما يرويه أبو برزة، قال: قلت: يا نبي الله، علمني شيئا أنتفع به، قال:
((اعزل الأذى عن طريق المسلمين)) (١).
وفي رواية: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة، قال:
((أمط الأذى عن الطريق فهو لك صدقة)) (٢).
فأي مجتمع مهذب راق هذا المجتمع الذي يبنيه الإسلام، إذ يلقي في
حس كل فرد فيه أن من الأعمال الصالحة التي تقرب من الله، وتدخل صاحبها الجنة، إماطة الأذى عن طريق الناس؟ إن مجتمع المسلمين الذي تعيش فيه أمثال هذه التوجيهات التربوية العالية نابضة متدفقة في النفوس، لمن أرقى مجتمعات الأرض بلا ريب؛ إذ لا يتصور إنسان أن يلقى فيه ما يلقاه الناس اليوم في الطريق العام من أكوام الفضلات والقاذورات ومخلفات البناء، وغير ذلك مما تعاتب البلديات عليه الناس، وتحملهم الغرامات الباهظة إن هم ألقوا هذا الأذى في الطريق.
وما أعظم الفرق بين مجتمع اهتدى بهدي هذا الدين، فسارع الأفراد فيه لإماطة الأذى عن الطريق امتثالا لأمر الله، وطمعا فى مثوبته، وبين مجتمع
стр. 230
شرد عن هدي الله، فإذا أفراده لا يبالون على من تسقط فضلاتهم التي يلقونها من فوق الرفات والنوافذ وأسطحة المنازل!
ولقد استطاع العالم الغربي المتمدن أن يصل في مثل هذه الأمور إلى مستوى عال من التنظيم بتعويد أفراده على احترام النظام، وتطبيقه بدقة وصرامة. بيد أن هذا المستوى الاجتماعي العالي عند الغرب يبقى دون المستوى الاجتماعي الإسلامي الصحيح؛ لسبب واضح، هو أن الفرد المسلم الذي أحكم الإسلام تربيته أكثر دقة وأشد إخلاصا في تطبيق النظام، لأنه يعتقد أن الخروج عن هذا النظام عصيان لله، يعاقب عليه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، على حين لا يرى الغربي في مخالفته النظام أكثر من ذنب، قد يؤنبه ضميره عليه، وقد لا يؤنبه، ثم ينتهى الأمر، وبخاصة إذا كانت عين السلطة غافلة عنه.
يسعى بالصلح بين المسلمين:
ومن الاهتمام بأمر المسلمين، والحرص على نفعهم، ودفع الأذى عنهم، السعي بالصلح بينهم إن كانوا متخاصمين، والنصوص في وجوب الصلح بين المسلمين أكثر من أن تتسع لها هذه الصفحات، منها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١).
إنه أمر رباني حاسم بالصلح بين الطائفتين المتقاتلتين، ولو أدى الأمر إلى قتال الفئة المتعنتة الباغية، حتى يسود العدل مجتمع المؤمنين، وترف الأخوة بنداها النقي العطر في سمائه من جديد:
стр. 231
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١).
ولقد كان رسول الله ﷺ يسعى بنفسه للصلح بين المتنازعين، على ما كان يشغله من أعباء الدعوة وتكاليفها، مؤكدا للمسلمين بسعيه هذا وجوب الصلح بين المتخاصمين، فعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شر، فخرج رسول الله ﷺ يصلح بينهم في أناس معه حتى حانت الصلاة ... في حديث طويل متفق على صحته.
لقد كان الرسول ﷺ يحرص الحرص كله على أن تسود الأخوة مجتمع المؤمنين، ويرفرف الوئام والصفاء والتفاهم في حياتهم، فكان لا يفتأ يحضهم على فعل المعروف والتسامح والتغاضي والرفق، بأقواله وأفعاله، ويولي هذا الجانب التربوي كثيرا من اهتمامه وعنايته، حتى يحول فورة الغضب والخصومة والتعنت إلى بسمة رضا وصفاء وتسامح، ومن ذلك ما روته أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂، قالت:
سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، إذا أحدهما يستوضع الآخر (٢)، ويسترفقه (٣) في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله ﷺ ، فقال: ((أين المتألي على الله (٤) لا يفعل المعروف؟)). وهنا ذاب الخصم خجلا، إذ سمع صوت رسول الله ﷺ مستنكرا معاتبا، فتنازل عن حقه قائلا: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب (٥).
وفي سبيل ذلك الإصلاح بين الناس كان الرسول ﷺ يرخص في كثير
стр. 232
من الأقوال التي يتزيد فيها الناس ابتغاء استمالة النفوس النافرة، وتليين القلوب المتحجرة، ولا يعد هذه الأقوال من الكذب الحرام، ولا قائليها من الكذابين الآثمين، ونجد ذلك في حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂، قالت:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرا (١)، أو يقول خيرا)) (٢). وفي رواية لمسلم زادت: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: تعني الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها.
داعية إلى الحق:
والمسلم الحق دائم الحركة والنشاط، يعيش دوما في دعوته، لا ينتظر الحوادث والدوافع لتحركه نحو الخير، بل يبادر من تلقاء نفسه إلى دعوة الناس إلى الحق، مبتغيا الثواب الجزيل الذي أعده الله للدعاة المخلصين، كما جاء في حديث النبي ﷺ لعلي ﵁:
((فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم)) (٣).
إن كلمة طيبة يلقيها الداعية الصادق في أذن امرئ شارد عن الطريق، فيغرس بها بذرة الهداية في قلبه، تعود على الداعية بثواب يفوق حمر النعم، أنفس الأموال التي كان يتطلع إليها العرب آنذاك، ويضيف إلى ثوابه هذا أيضا مثل أجور المهتدين على يديه، كما أخبر بذلك الرسول الكريم:
стр. 233
((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك
من أجورهم شيئا)) (١).
فلا عجب أن يحسد الدعاة على صبرهم وحسن بلائهم في سبيل الله، إذ ينفقون أموالهم وأوقاتهم في دعوة الشاردين المنحرفين عن الجادة، وأن ينوه بهذا الحسد المرغوب رسول الله ﷺ بقوله:
((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) (٢).
ولا يستصغر المسلم بضاعته من العلم، وهو يدعو إلى الله، فحسبه أن يبلغ ما وصل إليه سمعه من الحق، ولو كان آية واحدة من كتاب الله، وهذا ما كان رسول الله ﷺ يأمر به أصحابه:
((بلغوا عني ولو آية ... )) (٣).
ذلك أن هداية الإنسان قد تكون متوقفة على كلمة في هذه الآية تلامس قلبه، فتصادف مكمنا من مكامن الإيمان، فإذا شرارة الهداية تنقدح فيه، فتضيء حياة هذا الإنسان وقلبه جميعا، ويغدو خلقا آخر.
إن المسلم الحق غيري بطبعه، يحب لأخيه الإنسان ما يحب لنفسه، ويهتم بأمر المسلمين دوما؛ وهو إلى ذلك ناصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم كما تقدم في حديث سابق (٤). ومن هنا لا يقتصر على هداية نفسه ومن يعول، بل يعمل على إشاعة الهداية بين الناس. إنه لا يريد الجنة لنفسه
стр. 234
وأسرته فحسب، وإنما يريدها للناس جميعا؛ ولذلك فهو دوما يدعوهم إلى ما يوصلهم إلى الجنة ويبعدهم عن النار، وهذه هي أخلاق الداعية التي تميزه من الإنسان العادي، وإنها لأخلاق كريمة عالية، استحقت من رسول الله ﷺ التنويه والثناء والدعاء:
((نضر الله امرءا سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع)) (١).
إن المجتمع الإسلامي مجتمع متكافل، تعيش المسؤولية في نفوس أبنائه في أجلى معانيها وأصدق صورها، ولو فقه المسلمون مسؤوليتهم أمام الله، ونهض كل فرد واع بواجب الدعوة في مجتمعه لما انحط المسلمون وتخلفوا عن هدي دينهم حتى وصلوا إلى الدرك الذي هم فيه.
ومن هنا جاء الوعيد شديدا لمن يملك أسباب الدعوة ويتقاعس عنها، ويكتم ما آتاه الله من العلم، جاعلا علمه وسيلة لارتقاء المناصب وبلوغ متاع الدنيا الزائل وحطامها الفاني:
((من تعلم علما يبتغى به وجه الله ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة (٢) يوم القيامة)) (٣).
((من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)) (٤).
стр. 235
يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر:
وعن مقتضيات الدعوة إلى الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن
هنا كان المسلم الداعية آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر بعقل وروية وحسن تأت وحكمة. إنه يتصدى للمنكر فيزيله بيده إن استطاع، ولم يترتب على إزالته فتنة أشد، فإن لم يستطع إزالته بيده بين وجه الحق بلسانه وبيانه، فإن لم يستطع أنكر الباطل بقلبه، وراح يعد العدة لاستئصاله من جذوره، وهذا مصداق قول الرسول ﷺ :
((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) (١).
والمسلم حين يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إنما ينصح للمسلمين الذين يأمرهم أو ينهاهم، والدين النصيحة، وإذا كان الدين النصيحة، فلا بد إذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لتتحقق النصيحة التي عرفها رسول الله ﷺ بقوله:
((الدين النصيحة)) قلنا: لمن؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) (٢).
وإن هذه النصيحة وهذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليقودان المسلم الصادق الحر إلى الجهر بالحق في وجه الظالم. وإن بقاء هذه الأمة عزيزة حرة كريمة منوط بوجود رجال شجعان أحرار لا يخشون أن يقولوا للظالم: أنت ظالم. ومتى خلت الأمة من هذا النمط من الرجال فقد تودع منها، وهذا مصداق قول الرسول ﷺ :
стр. 236
((إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: أنت ظالم، فقد تودع منهم)) (١).
ولقد جاءت النصوص النبوية تنفث في المسلمين روح البطولة في مواجهة الباطل، مطمئنة الأبطال إلى أن بطولتهم هذه في مواجهة الظالمين لا تنقص من رزق، ولا تقرب من أجل:
((لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه ويذكر بعظيم، فإنه لا يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق)) (٢).
وقام رجل إلى النبي ﷺ ، وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: ((خير الناس أقرؤهم وأتقاهم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم)) (٣).
وقد كان لتأصيل قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع الإسلامي أن غرس في نفوس المسلمين الصادقين الشجاعة والإقدام، واتخاذ المواقف الجريئة في مواجهة الباطل ونصرة المظلومين، وقد جاء الهدي النبوي معززا هذه الخلائق البطولية النبيلة، مؤكدا نصر الله للأبطال المنافحين عن الحق، وخذلانه للجبناء الساكتين عنه:
((ما من امرئ يخذل مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك
فيه من حرمته، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته)) (٤).
стр. 237
ومن هنا كان المسلم الحق صاحب قضية، لا يسكت عن باطل، ولا يقعد عن نصرة الحق، ولا يرضى أن يشيع الظلم في مجتمعه، ويفشو المنكر في ناديه، إنه يعمل دوما على تغيير المنكر، دفعا لعقاب من الله يوشك أن يعم القعدة الجبناء الساكتين عن ذلك التغيير، كما أخبر بذلك أبو بكر الصديق ﵁ عن الرسول الكريم:
لما ولي أبو بكر ﵁ صعد المنبر، فحمد الله، ثم قال: يأيها الناس، إنكم تقرأون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإنكم تضعونها في غير مواضعها. وإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقاب)) (١).
إن المسلم الصادق إسلامه، الحيي إيمانه، أبعد ما يكون عن الميوعة والسلبية واللامبالاة، لا يتهاون في قضايا الدين، ولا يتقاعس عن الأمر بالمعروف، ولا يستمرئ المنكر ولا يألفه، ولا يقعد عن إنكاره وتغييره ما استطاع إلى ذلك سبيلا؛ فأمور الدين جد لا هزل فيها، وشؤون العقيدة حزم لا هوادة فيه. ولقد حذرنا النبي ﷺ أن تؤول حالنا إلى ما كان عليه اليهود من ميوعة وتراخ ولا مبالاة في أمور دينهم، فيصيبنا ما أصابهم من غضب الله ونقمته، وذلك في حديث أبي موسى عن النبي ﷺ ، قال:
((إن من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل فيهم العامل الخطيئة فنهاه الناهي تعذيرا، فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه، كأنه لم يره على خطيئة بالأمس. فلما رأى الله تعالى ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض على لسان داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.
стр. 238
والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، ولتأخذن على أيدي المسيء، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم)) (١).
لبق حكيم في دعوته:
والمسلم الداعية الواعي كيس فطن لبق في وعظه، حكيم في دعوته الناس إلى الحق، متئد في تعليمهم أحكام الدين، يترسم في ذلك كله قول الله ﵎:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (٢).
ذلك أن من أهم صفات الداعية إلى الله أن يحسن التغلغل في القلوب، فيحبب إليها الإيمان، ويرغبها بالإقبال على الدين، محاذرا أن يكون منه ما ينفر أو يؤذي ويسخط، ومن هنا هو لا يصب على الناس كل ما لديه من علم دفعة واحدة، وإنما يقدم لهم العلم على دفعات، ويسوق لهم الموعظة في خطرات، يلمس بها قلوبهم ومشاعرهم بين الحين والحين، متجنبا الإطالة والإثقال والإملال، وهذا ما كان رسول الله ﷺ يفعله في وعظه الناس، كما أخبرنا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁، فقد كان عبد الله بن مسعود يتعهد الناس بالموعظة كل يوم خميس، فقال له رجل يا أبا عبد الرحمن: لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، فقال: ((أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة (٣) كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا)) (٤).
стр. 239
ومن لباقة الداعية وحسن أسلوبه في الدعوة ألا يطيل في خطبته، وبخاصة إذا كان يخطب في جمهور غفير، فيه المسن والعاجز والمريض، فقصر الخطبة دلالة على فقه الخطيب بدعوته وحسن تفهمه نفسيات الجمهور الذي يستمع إليه، وهذا من هدي النبوة العالي الذي أخبرنا به عمار بن ياسر رضوان الله عنهما، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
((إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه (١)، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة)) (٢).
ومن أسلوب الداعية الحكيم اللبق الكيس الفطن الأريب أن يترفق بمن يدعوهم، ويصبر على جهلهم وأخطائهم وأسئلتهم الكثيرة المملة، وبطئهم في الفهم والاستيعاب، متأسيا في ذلك كله بسيد الدعاة وخاتم النبيين صلوات الله عليه الذي كان يفسح صدره للسائلين، ويتلطف في إجابتهم وتعليمهم، ويقبل عليهم إقبال المحب المرشد المؤنس المسدد المعلم، ولا يزال يشرح لهم المسألة حتى يفهموها وينصرفوا جذلين مغتبطين فاهمين مقتنعين.
ومن أمثلة ذلك ما يرويه الصحابي معاوية بن الحكم السلمي ﵁، قال: ((بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجلى من القوم (٣)، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني (٤)، لكنني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبي هو وأمي (٥)،
стр. 240
ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن)) أو كما قال رسول الله ﷺ . قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالا يأتون الكهان (١)!. قال: ((فلا تأتهم))، قلت: ومنا رجال يتطيرون! (٢) قال: ((ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم (٣))) (٤).
ولقد بلغ من رفق النبي الكريم بالناس حين يدعوهم إلى الخير أنه لا يجبه المسيء بإساءته حرصا على مشاعره أن تخدش وعلى كرامته أن تهان، بل كان يلجأ إلى التورية في استنكار إساءته وتنبيهه إلى سوء فعلته، وهذا الأسلوب أوقع في النفوس، وأدخل إلى القلوب، وأنجع في مداواة العلل والأخطاء.
تقول السيدة عائشة ﵂: ((كان النبي ﷺ إذا بلغه عن رجل شيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ... )) (٥).
ومن صفات الداعية الناجح تبيين كلامه وإيضاحه للمخاطب، وتكريره على مسامعه، وهذا ما كان يفعله رسول الله ﷺ ، كما يقول أنس ﵁:
стр. 241
((كان رسول الله ﷺ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا)) (١).
وتقول السيدة عائشة:
((كان كلام رسول الله ﷺ كلاما فصلا (٢)، يفهمه كل من يسمعه)) (٣).
لا ينافق:
والمسلم الحق أبعد ما يكون عن النفاق والمداهنة والمجاملة المحرمة والمديح الكاذب؛ ذلك أن له من هدي دينه ما يعصمه من التردي في هذا المنزلق الخطير الذي يقع فيه كثير من الناس في هذا العصر، فيهوون من حيث لا يشعرون إلى قرار سحيق من النفاق المهلك الممقوت.
لقد وضع لنا رسول الله ﷺ صوى النجاة من هذا السقوط المريع في حمأة النفاق والمداهنة، إذ قال لبني عامر الذين أقبلوا يمدحونه بقولهم: أنت سيدنا، فقال: ((السيد الله))، وقالوا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: ((قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان (٤). إني لا أريد أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله تعالى، أنا محمد بن عبد الله، عبده ورسوله)) (٥).
стр. 242
لقد قطع رسول الله ﷺ الطريق على المادحين أن يسترسلوا في كيل المديح للناس، وفيهم من لا يستحق المديح، حين نهى مادحيه عن وصفه بالسيادة والفضل والطول، وهو سيد المسلمين وأعظمهم وأفضلهم لا ريب، لأنه كان يعلم أن باب المديح إذا فتح على مصراعيه أدى إلى مزالق خطيرة من النفاق، لا تستسيغها روح الإسلام الصافية النقية البريئة، ولا يقبلها الحق الذي قام عليه هذا الدين. وكان ينهى الصحابة عن مدح الإنسان في وجهه، لئلا يستجر المادح إلى النفاق، ولكيلا تأخذ الممدوح نشوة التيه والاختيال والاستعلاء والإعجاب بالنفس.
أخرج الشيخان عن أبي بكرة ﵁ قال: أثنى رجل على رجل عند النبى ﷺ ، فقال: ((ويلك! قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك)) ثلاثا. ثم قال: ((من كان منكم مادحا أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلانا، والله حسيبه، ولا يزكي على الله أحدا، أحسب كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه)).
فالمديح إذا كان لا بد منه فينبغي أن يكون صادقا منطبقا على واقع الممدوح، وينبغي أن يكون معتدلا متحفظا لا غلو فيه ولا شطط ولا مغالاة، وبذلك وحده ينقى المجتمع من أوباء النفاق والكذب والمخاتلة والتزلف والرياء والمجاراة.
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن رجاء عن محجن الأسلمي رضا الله عنه أن رسول الله ومحجنا كانا في المسجد، فرأى رسول الله ﷺ رجلا يصلي ويسجد ويركع، فقال الرسول ﷺ : ((من هذا؟)) فأخذ محجن يطريه، ويقول: يا رسول الله هذا فلان، وهذا فلان، فقال: ((أمسك، لا تسمعه، فتهلكه!)).
وفي رواية لأحمد: يا نبي الله، هذا فلان من أحسن أهل المدينة،
стр. 243
أو قال: أكثر أهل المدينة صلاة، قال: ((لا تسمعه، فتهلكه- مرتين أو ثلاثا- إنكم أمة أريد بكم اليسر)).
لقد سمى الرسول الكريم إسماع المديح إهلاكا، لما له من آثار نفسية عميقة في النفس البشرية المجبولة على حب سماعه، فإذا الممدوح يتيه على الناس، ويشمخ بأنفه، ويصعر خده لهم، وإذا تكرر ذلك من المداحين المنافقين الكذبة الخداعين، وما أكثرهم حول المتنفذين وأصحاب المناصب والسلطات، صار ذلك عادة له، يلبي رغبة جياشة في نفسه، ومن هنا يكره سماع النصيحة والنقد، ولا يقبل إلا التقريظ والثناء والإشادة وحرق البخور، ولا عجب بعد ذلك إذا ضاع الحق، وقتل العدل، ووئدت الفضيلة، وفسد المجتمع.
ومن أجل ذلك أمر رسول الله ﷺ صحابته أن يحثوا التراب في وجه المداحين، لكيلا يكثر سوادهم في المجتمع الإسلامي، وبكثرتهم يفشو النفاق، ويكثر التزلف، ويعم البلاء.
أخرج الشيخان وأحمد والترمذي من غير طريق أن رجلا قام يثني على
أمير من الأمراء، فجعل المقداد ﵁ يحثو في وجهه التراب، ويقول: قال رسول الله ﷺ :
((إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب)).
ومن هنا كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم يتحرجون من المديح يكيله لهم هؤلاء المداحون، مع أنهم أحق به وأهله، اتقاء مزالقه، وخشية هلكته، وتحليا بالخلق الإسلامي الأصيل البعيد عن هذه المظاهر الرخيصة الفارغة؛ فعن نافع ﵁ وغيره أن رجلا قال لابن عمر ﵁: يا خير الناس! أو يابن خير الناس! فقال ابن عمر: ما أنا بخير الناس ولا
стр. 244
ابن خير الناس، ولكني عبد من عباد الله، أرجو الله تعالى وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه (١).
وإنها لقالة حكيمة من صحابي جليل، مرهف الحس الإسلامي، وقاف عند هدي النبي ﷺ ، متحل به، في سره وعلانيته.
لقد فقه الصحابة الكرام هذا الملحظ الدقيق الذي ما فتيء الرسول الكريم يرشد إليه في الأعمال والأقوال وسلامتها من النفاق، وتوضح لديهم الفرق الكبير بين ما هو حق خالص لوجه الله، وما هو نفاق ومداهنة.
فعن ابن عمر ﵁ أن ناسا قالوا له: إنا ندخل على سلاطيننا، فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، قال ابن عمر: ((كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله ﷺ (٢).
بعيد عن الرياء والمباهاة:
والمسلم الحق الصادق أبعد ما يكون عن الرياء؛ لأنه يحيط الأجر، ويبطل العمل، ويجلب الخزي لصاحبه يوم يقوم الناس لرب العالمين.
إن لب لباب هذا الدين الإخلاص لله في القول والعمل، وعبادة الله التي هي الهدف من خلق الجن والإنس، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، إن هذه العبادة لا تكون عبادة مقبولة إلا إذا كانت خالصة لوجه الله الكريم:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ (٣)﴾ (٤).
стр. 245
ومتى شابت هذه العبادة شائبة من رياء أو حب ظهور وطلب لسمعة، بطلت، ومحق ثوابها، ونجد هذا في تحذير الله لأولئك الذين ينفقون أموالهم على الفقراء، ويمنون عليهم أن أغنوهم، وسدوا عوزهم، وقضوا حوائجهم، فيجرحون بهذا المن كرامة الفقراء:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ (١) عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ (٢) فَتَرَكَهُ صَلْدًا (٣) لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (٤).
لقد أودت كلمة المن على الفقراء بثواب هذه الصدقات، كما يودي الماء المنسكب على الحجر الأملس بما عليه من تراب، ويأتي التعقيب المخيف المروع فى آخر الآية مبينا أن أولئك المرائين لا يستحقون هدى الله، وأنهم معدودون في زمرة الكافرين:
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
ذلك أن شأن هؤلاء المرائين التظاهر أمام الناس بالعمل الصالح، وليس همهم مرضاة الله ، وقد حكى الله تعالى شأنهم هذا بقوله:
﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٥).
ومن هنا كان عملهم مردودا عليهم؛ لأنهم أشركوا مع الله غيره،
стр. 246
والله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا محضا لوجهه الكريم، كما جاء في حديث أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
((قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه)) (١).
ولقد بسط رسول الله ﷺ القول في هذه المسألة بسطا وافيا شاملا، وبين الخزي الشنيع الذي يلقاه المراءون يوم العرض الكبير، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وذلك في حديث أبي هريرة أيضا الذي يقول فيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
((إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به، فعرفه نعمته فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال، فأتي بيه، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: جواد! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار)) (٢).
لقد عرض هذا الحديث الشريف المواطن التي تكثر فيها المباهاة
стр. 247
والخيلاء والتفاخر بالعمل، وهي الشجاعة، والعلم، والكرم. وبين الخزي الذي يلقاه أصحابها يوم القيامة إذ عروا أمام الناس من كل ما كانوا يأملون من ورائها من مقام حميد، كما بين الخسارة الكبرى التي حاقت بهم، إذ جردوا من كل الثواب الذي أعده الله لهذه الأعمال العظيمة، فإذا هم بدل أن يزفوا إلى جنان الخلد، سحبوا على وجوههم إلى النار.
إن المسلم الحق الواعي أحكام دينه، المرهف الإحساس بهديه الحكيم، لينأى عن الرياء في كل عمل من أعماله، ويحرص على أن يمحضها وجه ربه الكريم، واضعا نصب عينيه وأذنيه قول الرسول الكريم صلوات الله عليه:
((من سمع سمع الله به (١)، ومن يرائي يرائي الله به (٢))) (٣).
مستقيم:
والمسلم الحق الصادق مستقيم واضح بين، لا يعرف الالتواء ولا الغموض ولا الجمجمة ولا المخاتلة، على ما في الاستقامة من صعوبة وجهد ومشقة، يصادفها الإنسان في حياته الاجتماعية.
ذلك أن الاستقامة في حياة المسلم وسلوكه ليست حلية خلقية، له الخيار في أن يتحلى بها أو يدعها، وإنما هي سلوك أمر به الله ورسوله، وجاءت مرتبته في الأهمية بعد الإيمان بالله في كثير من آي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ
стр. 248
الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (١).
فما أجزل ثواب المؤمنين المستقيمين! وما أكرم نزلهم يوم الدين! وما
أجمل البشارة التي تنزلت عليهم تحملها الملائكة!.
ذلك أن الاستقامة مرتقى عال صعب، لا يبلغه إلا المؤمنون الأتقياء الذين أخلصوا وجوههم لله، وانخلعوا من ربقة العبودية لغيره، من مال وجاه وسلطان ونعيم ولذاذات وغير ذلك مما تتعلق به قلوب الناس في هذه الحياة. فلا غرو أن يكون ثوابهم عند الله كبيرا، وأن تكون منزلتهم في جواره عالية عالية.
وليس أدل على علو منزلة الاستقامة، وصعوبة مرتقاها، من شدة وقعها على حس الرسول اليقظ المرهف البصير بأبعاد الاستقامة وضخامة مدلولها وخطرها في تقرير مصير الإنسان، وذلك فيما رواه ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (٢)، قال: ((ما نزلت على رسول الله ﷺ في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية)) (٣)، ولذلك قال النبي ﷺ لأصحابه حين قالوا له: قد أسرع إليك الشيب، قال: ((شيبتني هود وأخواتها))، مشيرا إلى قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (٤).
وقد كان من جوامع كلمه ﷺ المطابق قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قوله لسفيان بن عبد الله الثقفي: ((قل آمنت
стр. 249
بالله ثم استقم)) (١)، وذلك حين سأله قائلا: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. وهذا ما حدا بالإمام مسلم أن يسمي باب الاستقامة (باب جامع أوصاف الإسلام)؛ ففي الاستقامة المنبثقة عن الإيمان بالله تتجمع الفضائل كلها، وتلتقي مكارم الأخلاق، ومن الاستقامة تتشعب خصال الخير، وتتفرع الأعمال الصالحات.
ومن أوليات الاستقامة أن يلقى المسلم الناس بوجه واحد، لا يتلون ولا يتغير، كما يفعل المخاتلون المخادعون، الذين توعدهم الرسول الكريم بقوله:
((إن شر الناس ذو الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه)) (٢).
يعود المريض:
والمسلم الحق يعود المريض، ويعد عبادته واجبا إسلاميا حض عليه
الدين الحنيف، وليس تفضلا أو تطوعا منه. إنه ليزور المريض، وملء مشاعره أنه ينفذ أمر رسول الله ﷺ القائل:
((أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني (٣))) (٤).
والقائل أيضا فيما يروي البراء بن عازب ﵄:
((أمرنا رسول الله ﷺ بعيادة المريض، واتباع الجنازة! وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام)) (٥).
стр. 250
ولقد تأصلت هذه العادة الاجتماعية التي أرسى قواعدها الرسول الكريم
في حياة المسلمين، حتى أضحت حقا للمسلم على أخيه، له أن يطالبه به، إن هو كفل عنه أو قصر فيه، والغافل عن حق أخيه أو المقصر فيه آثم مفرط ظالم لنفسه في عرف الشريعة السمحة الغراء:
((حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس)) (١).
وفي رواية قال رسول الله ﷺ :
((حق المسلم على المسلم خمس، قيل: وما هي؟ قال النبى ﷺ : ((إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فأنصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاصحبه)) (٢).
والمسلم إذ يعود أخاه المريض يحس في أعماقه أنه لا يؤدي واجبا وينفذ أمرا فحسب، بل يحس غبطة روحية ونشوة نفسيه، لا يحسهما إلا من تدبر الحديث الشريف الرائع الذي يصور جلالة هذه العيادة، وما تشتمل عليه من خير وبركات:
قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني! قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده! أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني!