← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96265

شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة

محمد علي الهاشمي

Полный текст (330 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا محضا لوجهه الكريم، كما جاء في حديث أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه)) (١). ولقد بسط رسول الله ﷺ القول في هذه المسألة بسطا وافيا شاملا، وبين الخزي الشنيع الذي يلقاه المراءون يوم العرض الكبير، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وذلك في حديث أبي هريرة أيضا الذي يقول فيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به، فعرفه نعمته فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال، فأتي بيه، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: جواد! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار)) (٢). لقد عرض هذا الحديث الشريف المواطن التي تكثر فيها المباهاة

стр. 247

والخيلاء والتفاخر بالعمل، وهي الشجاعة، والعلم، والكرم. وبين الخزي الذي يلقاه أصحابها يوم القيامة إذ عروا أمام الناس من كل ما كانوا يأملون من ورائها من مقام حميد، كما بين الخسارة الكبرى التي حاقت بهم، إذ جردوا من كل الثواب الذي أعده الله لهذه الأعمال العظيمة، فإذا هم بدل أن يزفوا إلى جنان الخلد، سحبوا على وجوههم إلى النار. إن المسلم الحق الواعي أحكام دينه، المرهف الإحساس بهديه الحكيم، لينأى عن الرياء في كل عمل من أعماله، ويحرص على أن يمحضها وجه ربه الكريم، واضعا نصب عينيه وأذنيه قول الرسول الكريم صلوات الله عليه: ((من سمع سمع الله به (١)، ومن يرائي يرائي الله به (٢))) (٣). مستقيم: والمسلم الحق الصادق مستقيم واضح بين، لا يعرف الالتواء ولا الغموض ولا الجمجمة ولا المخاتلة، على ما في الاستقامة من صعوبة وجهد ومشقة، يصادفها الإنسان في حياته الاجتماعية. ذلك أن الاستقامة في حياة المسلم وسلوكه ليست حلية خلقية، له الخيار في أن يتحلى بها أو يدعها، وإنما هي سلوك أمر به الله ورسوله، وجاءت مرتبته في الأهمية بعد الإيمان بالله في كثير من آي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ

стр. 248

الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (١). فما أجزل ثواب المؤمنين المستقيمين! وما أكرم نزلهم يوم الدين! وما أجمل البشارة التي تنزلت عليهم تحملها الملائكة!. ذلك أن الاستقامة مرتقى عال صعب، لا يبلغه إلا المؤمنون الأتقياء الذين أخلصوا وجوههم لله، وانخلعوا من ربقة العبودية لغيره، من مال وجاه وسلطان ونعيم ولذاذات وغير ذلك مما تتعلق به قلوب الناس في هذه الحياة. فلا غرو أن يكون ثوابهم عند الله كبيرا، وأن تكون منزلتهم في جواره عالية عالية. وليس أدل على علو منزلة الاستقامة، وصعوبة مرتقاها، من شدة وقعها على حس الرسول اليقظ المرهف البصير بأبعاد الاستقامة وضخامة مدلولها وخطرها في تقرير مصير الإنسان، وذلك فيما رواه ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (٢)، قال: ((ما نزلت على رسول الله ﷺ في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية)) (٣)، ولذلك قال النبي ﷺ لأصحابه حين قالوا له: قد أسرع إليك الشيب، قال: ((شيبتني هود وأخواتها))، مشيرا إلى قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (٤). وقد كان من جوامع كلمه ﷺ المطابق قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قوله لسفيان بن عبد الله الثقفي: ((قل آمنت

стр. 249

بالله ثم استقم)) (١)، وذلك حين سأله قائلا: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. وهذا ما حدا بالإمام مسلم أن يسمي باب الاستقامة (باب جامع أوصاف الإسلام)؛ ففي الاستقامة المنبثقة عن الإيمان بالله تتجمع الفضائل كلها، وتلتقي مكارم الأخلاق، ومن الاستقامة تتشعب خصال الخير، وتتفرع الأعمال الصالحات. ومن أوليات الاستقامة أن يلقى المسلم الناس بوجه واحد، لا يتلون ولا يتغير، كما يفعل المخاتلون المخادعون، الذين توعدهم الرسول الكريم بقوله: ((إن شر الناس ذو الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه)) (٢). يعود المريض: والمسلم الحق يعود المريض، ويعد عبادته واجبا إسلاميا حض عليه الدين الحنيف، وليس تفضلا أو تطوعا منه. إنه ليزور المريض، وملء مشاعره أنه ينفذ أمر رسول الله ﷺ القائل: ((أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني (٣))) (٤). والقائل أيضا فيما يروي البراء بن عازب ﵄: ((أمرنا رسول الله ﷺ بعيادة المريض، واتباع الجنازة! وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام)) (٥).

стр. 250

ولقد تأصلت هذه العادة الاجتماعية التي أرسى قواعدها الرسول الكريم في حياة المسلمين، حتى أضحت حقا للمسلم على أخيه، له أن يطالبه به، إن هو كفل عنه أو قصر فيه، والغافل عن حق أخيه أو المقصر فيه آثم مفرط ظالم لنفسه في عرف الشريعة السمحة الغراء: ((حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس)) (١). وفي رواية قال رسول الله ﷺ : ((حق المسلم على المسلم خمس، قيل: وما هي؟ قال النبى ﷺ : ((إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فأنصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاصحبه)) (٢). والمسلم إذ يعود أخاه المريض يحس في أعماقه أنه لا يؤدي واجبا وينفذ أمرا فحسب، بل يحس غبطة روحية ونشوة نفسيه، لا يحسهما إلا من تدبر الحديث الشريف الرائع الذي يصور جلالة هذه العيادة، وما تشتمل عليه من خير وبركات: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني! قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده! أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني!

стр. 251

قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه! أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي؟)) (١). فما أبركها من عيادة! وما أجلها من زيارة! وما أعظمه من عمل! يقوم به المرء تجاه أخيه المستضعف المريض، فإذا هو في حضرة رب العزة، يشهد عمله الجليل، ويثيبه عليه الثواب الجزيل! وهل هناك أجل وأعظم وأبرك من زيارة يشرفها ويباركها ويحض عليها رب السموات والأرض؟! وما أكبرها من شقوة! تحيق بالمرء المتقاعس عن هذه العيادة، وما أشدها من خسارة تحل به! وما أبشعها من فضيحة يعلنها رب العزة على رؤوس الأشهاد: يا بن آدم مرضت فلم تعدني! ... أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوتجدتني عنده؟! وندع الخيال يتصور مرارة الندم والخيبة والخجلة التي تحز في نفس هذا المقصر المتقاعس المعرض عن عيادة أخيه المريض، ولات ساعة مندم. إن المريض في المجتمع الإسلامي ليحس في ساعة الشدة والكرب أنه ليس وحده، وأن عواطف المعيدين من حوله ودعواتهم تغمره وتخفف من بلواه، وهذه ذروة الرقي الإنساني، وقمة سمو المشاعر الإنسانية. ولم تعرف أمة في التاريخ هذا الري العاطفي، وهذا التجاوب الاجتماعي كما عرفتهما أمة الإسلام. إن الإنسان المريض في الغرب قد يجد المستشفي الذي يضمه، والطبيب الذى يسعفه ويداويه، ولكنه قلما يجد اللمسة الحانية، والكلمة

стр. 252

الشافية، والبسمة المنعشة، والدعوة المخلصة، والمشاركة الوجدانية الصادقة. ذلك أن الفلسفة المادية التي غشت حياة الغربيين، أطفأت فيها نورانية العاطفة الإنسانية، وغطت شفافية الشعور الأخوي، وحجبت الإنسان عن الدوافع غير المادية لفعل الخير. إن الإنسان الغربي لا يحس أي دافع يدفعه لعيادة المريض، إذا لم تربطه به مصلحة تعود عليه بالنفع المادي العاجل أو الآجل، في حين نجد الإنسان المسلم مندفعا لعيادة المريض ابتغاء الثواب الذي أعده الله لمن غبر قدمه في هذا السبيل. والنصوص في ذلك كثيرة، تفجر في النفس ينابيع الشعور الأخوي، وتدفع الإنسان لزيارة المريض دفعا من أعماق الوجدان. ومن هذه النصوص قول الرسول ﷺ : ((إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة (١) حتى يرجع)) (٢) وقوله: ((ما من مسلم يعود مسلما غدوة (٣) إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة (٤))) (٥). ولقد كان رسول الله ﷺ يدرك ببصيرته النافذة الخبيرة بالنفس الإنسانية

стр. 253

ما لعيادة المريض من أثر نفسي في المريض وفي آله، ومن هنا كان لا يتوانى في عيادة المرضى، وإسماعهم أرق عبارات الدعاء والمواساة، حتى إن نفسه الشريفة لتسمو فتقود خطوه لعيادة غلام يهودي كان يخدمه، وفي ذلك يقول أنس ﵁: ((كان غلام يهودي يخدم النبى ﷺ ، فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم، فنطر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي ﷺ ، وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذة من النار)) (١). لم يفت النبي ﷺ ، وهو يعود هذا الغلام اليهودي المريض، أن يدعوه للإسلام، إذ كان يدرك وقع زيارته الشريفة في نفس الغلام وأبيه اللذين غمرهما الرسول بكرمه وفضله ولطفه وحسن تأتيه، فإذا هما يستجيبان لأمر الرسول الكريم، وإذا العيادة تثمر هداية، ويخرج الرسول الكريم منها ولسانه يلهج بحمد الله أن أنقذ به نفسا من النار، فيا للرسول الإنسان العظيم! ويا للداعية الهادي اللبق الحكيم! ومن حفاوة الرسول الكريم بعيادة المريض واهتمامه بشأنها أنه وضع لها أصولا وسننا حفظها عنه الصحابة الكرام، وسجلتها السنة المطهرة. ومنها الجلوس عند رأس المريض كما رأينا في عيادته الغلام اليهودي، وكما أخبر بذلك ابن عباس ﵁ بقوله: ((كان النبي ﷺ إذا عاد المريض جلس عند رأسه، ثم قال سبع مرار: أسال الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يشفيك)) (٢).

стр. 254

ومنها مسحه جسم المريض بيده اليمنى والدعاء للمريض، كما تروي السيدة عائشة ﵂ قائلة: ((كان النبي ﷺ يعود بعض أهله فيمسح بيد اليمنى ويقول: اللهم رب الناس أذهب البأس (١)، أشف، أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما)) (٢). وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ دخل على أعرابي يعوده، وكان إذا دخل على من يعوده قال: ((لا بأس، طهور (٣) إن شاء الله)) (٤). ولقد تناقلت أجيال المسلمين هذه السنة الحميدة في عيادة المريض، وبقيت في حياة المسلمين الاجتماعية عنوانا على تواصلهم، وتوادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، وتكافلهم، تجبر كسر المهيض، وتكفكف عبرة المحزون، وتجلو غاشية الكرب، وتقشع سدفة اليأس، وتصل حبل الود، وتوثق عرى الأخوة، وتفجر نبعة الوفاء، وتطلق بسمة الرجاء. يشهد الجنازة: والمسلم التقي الواعي يشهد الجنازة في مجتمعه، ويشيعها، امتثالا لأمر رسول الله ﷺ القائل: ((حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس)) (٥).

стр. 255

ولا يفوته أن ينشر الوعي الإسلامي الصحيح في هذه المناسبة التي تكثر فيها البدع والأضاليل، كسقوط الصلاة، وارتفاع الأصوات بالنياحة والندب والصياح، وما إلى ذلك مما ينشغل الناس عن تصحيحه وتبيان وجه الصواب فيه بانصرافهم إلى تجهيز الميت وتشييعه، والتخفيف من وقع المصيبة على أهله. فإذا ما حضر ساعة النزع، وشهد المريض المشرف على الهلاك يحتضر، لقنه شهادة أن لا إله إلا الله، عملا بقول الرسول ﷺ : ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)) (١). فإذا ما أسلم المحتضر روحه، دعا له بدعاء النبي ﷺ الذي دعا به لأبي سلمة ﵁ حين موته، وهو: ((اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه)) (٢). ثم يردد على مسامع أهل البيت ما يحفظ من الأحاديث الشريفة التي تهون على المصابين مصيبتهم، مبينا فضيلة احتساب الفقيد عند الله والصبر على موته، وما أعده الله للصابرين المحتسبين من ثواب عظيم، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم أحتسبه (٣) إلا الجنة)) (٤).

стр. 256

ويذكر بالموقف الذي يجدر بالمؤمنين أن يقفوه عند الموت، اقتداء بهدي النبي ﷺ كما جاء في حديث أسامة بن زيد ﵁، قال: ((أرسلت إحدى بنات النبى ﷺ إليه تدعوه وتخبره أن صبيا لها - أو ابنا- في الموت، فقال للرسول: ((ارجع إليها فأخبرها أن لله تعالى ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر، ولتحتسب)) (١). ومما ينبغي للمسلم الواعي فعله في مثل هذه المناسبات الأليمة أن ينبه إلى حرمة النياحة والندب وشق الأثواب ولطم الخدود ورفع الأصوات بالكلام المبكي المثير، مبينا للناس، وبخاصة الجهلة منهم أن هذه الأفعال جميعا تؤذي الميت في قبره، ويأثم فاعلوها إثما كبيرا، كما خبر بذلك الرسول ﷺ بقوله: ((الميت يعذب في قبره بما نيح عليه)). وفي رواية: ((ما نيح عليه)) (٢) وقوله: ((ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية)) (٣). وعن أم عطية نسيبة ﵂ قالت: ((أخذ علينا رسول الله ﷺ مع البيعة ألا ننوح)) (٤) وقال الرسول ﷺ :

стр. 257

((النائحة إذا لم تتب قبل فوتها تقام يوم القيامة، وعليها سربال (١) من قطران ودرع من جرب)) (٢). أما الدموع التي تنهمر من الأعين، تحكي ما يعتلج في القلب من نار الألم واللوعة، فلا تثريب على الباكين فيها ما لم يصاحبها ندب ونياحة وصياح وما إلى ذلك من أفعال محرمة، كما في حديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ عاد سعد بن عبادة، ومعه عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ﵃، فبكى رسول الله ﷺ ، فلما رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا، فقال: ((ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم)) وأشار إلى لسانه (٣). وعن أسامة بن زيد ﵁ أن رسول الله ﷺ رفع إليه ابن ابنته، وهو في الموت، ففاضت عينا رسول الله ﷺ ، فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: ((هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) (٤). وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل على ابنه إبراهيم، وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: ((يا بن عوف، إنها رحمة)) ثم أتبعها بأخرى، فقال: ((إن العين تدمع،

стр. 258

والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون)) (١). ويحرص المسلم التقي على حضور الجنازة حتى تدفن، لما في حضوره من ثواب عظيم، أخبرنا به الرسول الكريم بقوله: ((من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان))، قيل: وما القيراطان؟ قال: ((مثل الجبلين العظيمين)) (٢). إن في تركيب الإسلام بحضور تشييع الميت حتى دفنه توطيدا لأواصر الأخوة بين المسلمين، وترسيخا لمشاعر الوفاء، وبمثل هذه المشاركات يجد المصابون جميل الصبر، ويحسون برد العزاء، وبخاصة إذا علموا أن الصفوف المتراصة التي تقف لتصلي على ميتهم ستشفع فيه، كما أخبر بذلك الرسول الكريم بقوله: ((ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه)) (٣). وينبغي للمسلم أن يكون عالما بأحكام صلاة الجنازة، حافظا ما يقرأ فيها من أدعية مأثورة عن النبي ﷺ ، فإذا ما وضع النعش، واصطف الناس للصلاة عليه، يكبر الإمام التكبيرة الأولى، فيتعوذ ويقرأ فاتحة الكتاب، ثم يكبر التكبيرة الثانية، فيصلي بعدها على النبي ﷺ الصلوات الإبراهيمية، ثم يكبر التكبيرة الثالثة، ويدعو للميت وللمسلمين. ومن أصح الأدعية المأثورة عن النبي ﷺ للميت ما يرويه عوف بن مالك ﵁ إذ يقول:

стр. 259

((صلى رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظت من دعائه، وهو يقول: ((اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله (١)، ووسع مدخله (٢)، واغسله بالماء والثلج والبرد (٣)، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعده من عذاب القبر ومن عذاب النار)) حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت (٤). ثم يكبر التكبيرة الرابعة، ويدعو بهذا الدعاء: ((اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله))، ثم يسلم. ويمشي في الموكب حتى يوضع النعش على القبر، فإذا ما تم الدفن استغفر للميت ودعا له بالتثبيت، وهذا ما كان يفعله الرسول الكريم ويأمر به، كما أخبر بذلك عثمان بن عفان ﵁، قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: ((استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل)) (٥) وعن عمرو بن العاص ﵁ قال: ((إذا دفنتموني فأقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم، وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي)) (٦). وقال الشافعية: ((ويستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن، وإن ختموا القرآن كان أفضل)) (٧).

стр. 260

إن مشاركة المسلم في مثل هذه المناسبات دليل على إدراكه الحياة الاجتماعية بأبعادها كافة؛ فليست الحياة أفراحا ومناسبات سعيدة فحسب، وإنما هي فرح وترح، سرور وحزن، طرب وكرب، رخاء وشدة، بسمة ودمعة، والمسلم الحق الواعي له مكانه في هذا كله، لا يغيب عن جانب منه؛ إذ له في كل جانب رسالة يؤديها، وكلمة يقولها، وواجب يقوم به. يكافيء على المعروف ويشكر عليه: ومن خلائق المسلم الطيبة وشمائله الرفيعة أنه يكافىء على المعروف فلا يجحده، ويشكر عليه ولا ينساه؛ عملا بقول الرسول ﷺ : ((من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا، فقد أبلغ في الثناء)) (١). وقوله: ((من استعاذ بالله فأعيذوه ... ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه)) (٢). فالشكر على المعروف في خليقة المسلم دين خض عليه الهدي النبوي الكريم، وليس مجاملة اجتماعية تتحكم فيها الأمزجة والأهواء، وتدفع إليها المنافع والمصالح، وتتذبذب بمدى تحقق تلك المنافع والمصالح. فصاحب المعروف يستحق الشكر عليه، وإن لم تتحقق تلك المنافع والمصالح على يديه، فحسبه أنه أقبل على فعل المعروف، فاستحق كلمة الشكر النابعة من القلب، وهذا ما يريده الإسلام من المسلمين. ولقد بلغ من حرص الإسلام على تأصيل هذه الخليقة في نفس المسلم أنه جعل شكر الله لا يتم، ولا يتحقق على وجهه الأكمل إلا بشكر الناس على ما قدموه من معروف، وما أسدته أيديهم من خير. فالذي لم يألف شكر الناس

стр. 261

على معروفهم، ولا تند عنه عبارة تثلج صدور صانعي المعروف، وتهز فيهم المروءة، وتحرك الأريحية، هو إنسان جحود كنود كفور، لا يقدر النعم والفضائل ولا يشكر عليها، فهو غير مؤهل لشكر الله تعالى، واهب النعم والفضائل والخيرات. وفي هذا يقول رسول الله ﷺ : ((لا يشكر الله من لا يشكر الناس)) (١). ذلك أن في شكر من أسدى إليك معروفا إشاعة لفعل الخير، وتشجيعا عليه، وترغيبا فيه، وفيه أيضا تعويد للإنسان على حفظ اليد، وتقدير المعروف، والاعتراف بالجميل، وبهذا وذاك تتوطد أواصر المودة بين أفراد المجتمع، وتنفتح القلوب على الحب، وتنشط النفوس لفعل الخير، وهذا ما يهدف الإسلام إلى ترسيخه في المجتمع الإسلامي. يخالط الناس ويصبر على أذاهم: والمسلم الحق العامل يخالط الناس ويصبر على أذاهم؛ لأنه صاحب قضية، ورائد رسالة، ولسان دعوة. ولا بد لمن تصدى لهذه المهمات الجسام من أن يوطن نفسه على التضحية في سبيل تلك القضية، والصبر على تكاليف الرسالة، وتحمل تبعات الدعوة، ومنها الصبر على آراء الناس الفجة، وسوء تصرفاتهم، وخطل ظنونهم وتصوراتهم، وجفاء طبعهم، وبطء استجابتهم للحق، وتثاقلهم إلى الأرض، والدوران حول المصلحة والذات، إلى غير ذلك مما يبدر من البشر من تفاهات يضيق بها الدعاة ذرعا، فإذا هم يميلون في لحظات السأم والضيق والإعياء إلى الانزواء واعتزال الناس، ومن هنا جاء الهدي النبوي العالي يشد من عزمات المؤمنين، ويربط على قلوبهم، ويثبث

стр. 262

منهم الأقدام، فيعلن أن الصابرين في درب الدعوة الشائك الطويل خير من الذي لا يصبرون: ((المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)) (١). ولقد كان رسول الله ﷺ والأنبياء من قبله آية في الصبر على رعونات الناس وتخرصاتهم وتفاهاتهم، ما احوج الدعاة إلى الوقوف عندها كلما نفد صبرهم، وضاقت صدورهم، وبرح بهم الأذى والعدوان. ومن نماذج ذلك الصبر الكبير ما رواه الشيخان من أن النبي ﷺ قسم قسمة كبعض ما كان يقسم، فقال رجل من الأنصار: والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله . وبلغت تلك القالة الظالمة مسامع الرسول الكريم فشق ذلك عليه، وتغير وجهه، وغضب، ثم قال: ((قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر)). بهذه الكلمات القليلة سكت عن الرسول الكريم الغضب، وانقشع الغيظ، وهدأت النفس الكريمة السمحة الصفوح. إنه خلق الأنبياء والدعاة الصادقين في كل زمان ومكان، وهو الصبر على أذى الناس وتخرصاتهم وأقاويلهم، وبدونه لا تستمر دعوة، ولا يثبت دعاة. ولا تنقص المسلم الواعي الحصيف اللباقة في تألف الناس ومداراتهم واتقاء شرهم وفحشهم، إن كانوا من السفهاء؛ فالمؤمن كيس فطن في مخالطته الناس، ذكي لبق في مخاطبتهم، لا يحسون منه جفوة، ولا يلمسون فظاظة أو غلظة، وهذا ما جاء به الهدي النبوي الكريم فيما يرويه الإمام البخاري عن السيدة عائشة من أن رجلا استأذن على النبي ﷺ ، فقال:

стр. 263

((ائذنو له فبئس ابن العشيرة، أو بئس أخو العثسيرة)). فلما ذخل ألان له الكلام، فقلت له: يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له في القول! فقال: ((أي عائشة: إن من شر الناس منزلة عند الله من تركه، أو ودعه الناس اتقاء فحشه)). وكان أبو الدرداء يقول: ((إتا لنكشر في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم)) (١). إن أنماط الناس لا تكون دوما على مزاج الداعية وميوله ورغباته، بل إن فيهم كثيرا ممن يكون على النقيض مما يحب ويرغب، ومن هنا لا بد للداعية من أن يعتصم بالصبر على ما يلقى من هؤلاء، ولا بد له من اللباقة في معاملتهم واستمالتهم إلى الحق الذي يدعوهم إليه. يدخل السرور على القلوب: والمسلم الواعي المستنير بهدي دينه يحرص على أن ينشر المسرة في الربوع التي يحلها، ويشيع بين أهلها الأنس والمودة والغبطة؛ فيدخال السرور على القلوب في إطار ما أحل الله مطلب إسلامي ندب إليه الشرع الحنيف، ورغب في فعله، لتكون بيئات الإسلام وأجواء المسلمين مترعة بالود، ندية بأنسام المسرة، عامرة بالبشر والتفاؤل، ومن أجل ذلك جعل الإسلام جزاء من يدخل السرور على قلوب المسلمين أن يظفر بسرور أكبر، يدخله الله ﷻ على قلبه يوم القيامة: ((من لقي أخاه المسلم بما يحب الله ليسره بذلك، سره الله يوم القيامة)) (٢).

стр. 264

وكم من المسرات الحلال يستطيع المسلم أن يحملها لإخوانه، كالكلمة الطيبة، والبسمة الودود، والبشرى المفرحة، والمواساة المسلية، والزيارة الخالصة، والرفد الصادق، وغير ذلك مما يفتح القلوب على المحبة، ويحجبها عن الغل والحقد والكراهية. ومن هنا كان المسلم بطبيعة تربيته وتكوينه يدور في إطار من الأعمال الصالحات التي تقربه من الله زلفى، وتحببه إلى قلوب الناس. يدل على الخير: ومن تلك الأعمال الصالحات التي عرف بها المسلم الصادق التقي الدلالة على الخير، فهو لا يزوي خيرا عن أحد، ولا يكتم أمرا فيه للناس منفعة، لأنه تعلم من هدي دينه أن الذي يدل على الخير له مثل أجر فاعله: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)) (١). ومن هنا كان المسلم بعيدا عن احتجان الخير لنفسه، سيان لديه أقام هو به أم دل عليه؛ فأجره ثابت في الحالين، وفي ذلك إشاعة للخير في المجتمع، ليقوم به كل من يسر له، بعيدا عن التباهي والتفاخر وحب الظهور. وكم حجبت هذه الآفات النفسية القاتلة الخير عن المجتمعات؛ لأن أصحابها يودون أن يقوموا هم دون سواهم بفعل الخير، ولكن ظروفهم لا تمكنهم من القيام به، فيبقى الخير موءودا، والمصالح معطلة، والمجتمعات محرومة من ذلك الخير الذي دار في بعض الرؤوس فكتمته وسكتت عنه انتظارا لفرصة تسنح تمكنهم من تنفيذه، وقد لا تسنح هذه الفرصة، وينتهي العمر، ويبقى الخير حبيس الرؤوس المظلمة. والمسلم

стр. 265

الحق المتطلع إلى رضوان ربه ومثوبته بريء من هذه الآفات، يدل على الخير فور علمه به، ويحظى بثواب ربه كفاعل الخير سواء. ميسر غير معسر: والمسلم التقي الواعي مسير لا يعرف التعسير؛ لأن خلق المؤمنين التيسير في الأمور كلها، وهذا ما ارتضاه الله ﵎ لعباده إذ قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١). ومن هنا جاء الهدي النبوي الكريم حاضا المسلمين على التيسير، ناهيا إياهم عن التعسير: ((علموا ويسروا ولا تعسروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت)) (٢). إنه لا يلجأ للتعسير وتعقيد الأمور إلا من كان في خلقه التواء، وفي طبعه كزازة، وفي تربيته نقص وخلل. أما الإنسان السوي المؤدب بآدب الإسلام، فلا يعرف التعسير، ولا يألف التعقيد، ولا يلجأ إلى عرقلة الأمور وتعطيل المصالح، مستهديا بخلق الرسول الكريم الذي أخبرت به أم المؤمنين السيدة عائشة قائلة: ((ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله تعالى)) (٣). إنها النظرة النبوية العالية الحصيفة الخبيرة بضعف الناس وتفاوت استعداداتهم للصعود والارتقاء والصبر، فما كان يناسبهم شيء كالتيسير، ولا

стр. 266

يؤذيهم وينفرهم شيء كالتعسير، ومن هنا اختار الهدي النبوي الكريم التيسير في إطار العمل المشروع الحلال، وجعله سنة في المسلمين، لتخلو حياتهم من جفاف التعسير وعنته وثقله على النفوس. عادل في حكمه: والمسلم الواعي الراشد عادل في حكمه، لا يجور ولا يحيد عن الحق، مهما كانت المناسبات والمواقف والأحوال؛ فالعدل واجتناب الظلم من صميم دينه وعقيدته، نطقت بهما النصوص القاطعة من قرآن كريم وحديث شريف، وأمرت بهما أمرا لا مجال للترخص أو الاجتهاد فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (١). والعدل الذي عرفه الفرد المسلم والمجتمع الإسلامي عدد مجرد دقيق خالص، لا يميل ميزانه الود أو الشنآن (٢)، ولا يؤثر في نصاعته ميل إلى قرابة أو نسب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣). ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٤). لقد ضرب رسول الله ﷺ المثل الأعلى في العدل حينما جاء أسامة بن

стр. 267

زيد يستشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، وعزم رسول الله ﷺ على قطع يدها، فقال له: ((أتشفع في حد من حدود الله؟ وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) (١). إنه العدل العام المطلق الذي يطلق على الكبير والصغير، والأمير والسوقة، والمسلم وغير المسلم، ولا يفلت من قبضته أحد، وهذا مفرق الطريق بين العدل في المجتمع الإسلامي وغيره من المجتمعات. ومما وعاه التاريخ، وأنصتت له بإجلال محافل العدل في العالم كله عبر القرون وقفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بجانب خصمه اليهودي الذي سرق درعه أمام القاضي شريح، الذي لم يمنعه إكباره وإجلاله لأمير المؤمنين أن يطلب منه البينة على سرقة اليهودي درعه. ولما لم يجد أمير المؤمنين البينة حكم القاضي لليهودي على أمير المؤمنين. والتاريخ الإسلامي حافل بأمثال هذه الأخبار الدالة على سيادة الحق والعدل في المجتمع الإسلامي. ومن هنا كان المسلم الحق عادلا في أقواله وأفعاله؛ لأن الحق قديم في تراثه، والعدل عريق في مجتمعه، والإنصاف مقدس في معتقده. لا يظلم: والمسلم الحق بقدر استمساكه بالعدل هو بعيد عن الظلم؛ إذ الظلم ظلمات يتخبط بها الظالمون، كما بين الهدي النبوي الكريم: ((إتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ... )) (٢). وما أجمل النهي عن الظلم في هذا الحديث القدسي، الذي يأتي فيه

стр. 268

أمر الله القاطع بتحريمه تحريما لا مجال للتأويل أو الاجتهاد فيه: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا)) (١). فالظلم شيء حرمه الله على نفسه، وهو الخالق الملك القدوس العزيز الجبار المتكبر، سبحانه، وجعله محرما بين العباد. أفيسوغ بعد ذلك أن يقع الظلم من مسلم مستمسك بعروة دينه الوثقى؟. إن المسلم الحق لا يكون منه ظلم مهما كانت الأسباب والدواعي والظروف، وهذا ما أكده الرسول ﷺ إذ أخبر عن صفات المسلم الحق بقوله: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه (٢)، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)) (٣). لم يكتف رسول الله ﷺ بنفي الظلم عن المسلم الحق حتى إنه لا يتصور أن يقع منه البتة، بل نفى عنه خذلانه لأخيه أيضا، وفي خذلانه إياه ظلم له وأي ظلم، ورغبه بعد ذلك في قضاء حاجة أخيه، وتفريج كربته، وستره، وكأنه يشير إلى أن التقاعس عن هذه الفضائل ظلم وتقصير وإجحاف في حق الأخوة التي تربط بين المسلم وأخيه. ولقد رأينا النصوص في الفقرة السابقة تحض على العدل المطلق الذي لا يميل ميزانه حب أو بغض أو ميل أو قرابة أو نسب، ورأينا النصوص في هذه الفقرة تنهى عن الظلم المطلق أيضا، وهذا يعني تطبيق العدل على كل

стр. 269

إنسان، واجتناب الظلم لكل إنسان، ولو كان من غير المسلمين؛ فالله تعالى يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الظلم والإساءة لكل الناس: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١). يحب معالي الأمور: والمسلم الحق يتوخى في علاقاته الاجتماعية دوما معالي الأمور، ولا يبني تلك العلاقات على أساس من الأغراض السخيفة والمصالح الخسيسة، إذ لا وقت لديه لسفساف الأمور وصغير الأهداف وتوافه الأغراض، وهو بحكم تكوينه علا هدي من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يحب الجد ويكره الهزل، ويميل إلى السمو والارتقاء وينفر من الهبوط والانحدار، وهذا ما يحبه الله ﵎ من أخلاق الرجال، كما أخبر بذلك الرسول ﷺ بقوله: ((إن الله كريم يحب الكرماء، ويحب معالي الأمور ويكره سفسافها)) (٢). لا يتنطع في كلامه: ومن هنا كان المسلم الواعي بعيدا عن التنطع في كلامه (٣)، لا يتكفف النطق حبا بالتظاهر ولفت الأنظار إلى شخصه، فالتنطع والثرثرة الفارغة ليسا من خلق المسلم العامل الذي يحب معالي الأمور ويكره سفسافها، وإنما هما من خلق الإنسان الفارغ التافه الذي لا يهمه إلا الظهور والبروز وجذب الانتباه إليه، ولذلك اشتد رسول الله ﷺ على المتنطعين، واشتد عليهم من بعده

стр. 270

صاحباه أبو بكر وعمر ﵄، حتى إن عبد الله بن مسعود يقول: ((والذي لا إله إلا هو ما رأيت أحدا كان أشد على المتنطعين من رسول الله ﷺ ، ولا رأيت أحدا أشد عليهم من بعده من أبي بكر، وإني لأظن عمر كان أشد أهل الأرض خوفا عليهم، أولهم)) (١). لا يشمت بأحد: والمسلم الحق بعيد أيضا عن الشماتة والزراية بالآخرين، لأن الشماتة خلق وضيغ مؤذ جارح، نهى عنه الإسلام، وحذر من الوقوع فيه، وذلك في الحديث الشريف القائل: ((لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمة الله ويبتليك)) (٢). إنه لا مكان للشماتة في نفس المسلم الحق الذي أشربت نفسه روح الإسلام وهديه، بل إن نفس المسلم لتحدب على المبتلى وترثي لحاله، وتسارع إلى التخفيف عنه، وكلها عطف عليه وألم لمصابه. وما تظهر الشماتة إلا في النفوس المريضة البعيدة عن روح الإسلام وهديه، والمنشأة على حب الانتقام والكيد والتربص والوقيعة والأذى. كريم جواد: والمسلم الحق المستنير بتعاليم دينه، القائم بتطبيقها على نفسه في صدق وإخلاص كريم جواد، يداه مبسوطتان، تهميان بالخير (٣) الثر على أبناء مجتمعه، في شتى المناسبات والأحوال.

стр. 271

وهو، إذ ينفق، يبذل بسخاء المؤمن الواثق بأن عطاياه لا تضيع، إذ هي محفوظة لدى عليم خبير: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (١). وإنه ليؤمن أيضا، وهو يجود بماله، أن ما ينفقه سيعود عليه بالفائدة الجمة والخير العميم، وسيخلفه الله عليه أضعافا مضاعفة في الدنيا والآخرة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (٣). ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (٤). إن المسلم الصادق لينفق ماله، وهو على يقين أن الله ﵎ سيعوضه عما أنفقه من ماله في هذه الدنيا بركة ونماء وخلفا، وإذا ما غلبه شح نفسه وأمسك يده عن العطاء والبذل فسيبتليه ربه بماله نقصانا وضياعا وتلفا، وهذا ما صوره الحديث الشريف أوضح تصوير: ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا)) (٥). وفي الحديث القدسي:

стр. 272

((أنفق يابن آدم ينفق عليك)) (١). ولا يخالج نفس المسلم الواثق بربه شك أن ما ينفقه في سبيل الله لا ينقص من ماله شيئا؛ فالصدقة تنمي المال ولا تنقصه: ((ما نقصت صدقة من مال ... )) (٢). أما ثوابه على ما أنفق ابتغاء وجه ربه، فيجل عن الوصف والتقدير بمضاعفة الله إياه أضعافا مضاعفة، ولهذا كان رسول الله ﷺ يعد المال الباقي حقيقة هو ما انفق في سبيل الله، وذلك في الحديث الذي ترويه السيدة عائشة عن ذبحهم شاة، فقال النبي ﷺ : ((ما بقي منها؟)) قالت: ما بقي إلا كتفها، قال: ((بقي كلها غير كتفها)) (٣). لقد كان رسول الله ﷺ حريصا على تأصيل فضيلة الكرم في نفوس المسلمين، وجعلها من الفضائل التي يتسابق المسلمون إلى التحلي بها والتنافس فيها، يشهد لذلك قوله: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته (٤) في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) (٥). لقد سوى الرسول الكريم بين هلكته المال في الحق وبين الحكمة والقضاء بها وتعليمها، إذ قال: لا حسد، أي لا غبطة إلا في إحدى هاتين الخصلتين، لما في البذل في سبيل الحق من وقع كبير ونفع بالغ في حياة المسلمين الاجتماعية؛ فالمال عصب الحياة الحساس، وهلكته في سبيل

стр. 273

الحق عمل عظيم، لا يقل عن عبقرية ذي الحكمة الموهوب، ونفعها للناس. ومن هنا كان المسلم الواعي بصيرا في التصرف بماله بما يعود عليه بالخير والمثوبة والأجر، ولذلك تراه يقدمه للبذل الذي يضمن له المثوبة والأجر، دونما جور على ورثته بحرمانهم منه. ومن غير تقتير وإمساك عن البذل في وجوه الخير، وقوام ذلك كله الاعتدال والتوسط في الحالتين على هدي من الشريعة ومقاصدها الغراء، بحيث لا يكون توريث الثروة للأبناء أحب للرجل من البذل في سبيل الله، بل يكون المال المبذول في سبيل الله أحب إليه من المال المورث؛ لأن الأول هو ماله الباقي في صحيفة عمله، وهذا ما أرشد إليه الرسول ﷺ بقوله: ((أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه. قال: فإن ماله ما قدم (١)، ومال وارثه ما أخر)) (٢). إن الكرم من أفضل خلائق الإسلام ومن أحسن شمائل المسلم الاجتماعية، ومن هنا كان جواب الرسول الكريم للرجل الذي جاءه سائلا: أي الإسلام خير: ((تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)) (٣). على أن الكرم ما ينبغي أن يجمح بالمسلم إلى حد التفريط والإطاحة بالمال كله، بحيث لا يبقى منه شيء لورثته؛ فالأمور في الإسلام متوازنة متكاملة، لا يجور بعضها على بعض، فكما أن البذل في وجه الخير واجب أو فريضة، كذلك حفظ الذرية وصون كرامتهم من الابتذال والتكفف فريضة أو واجب؛ فقد سأل سعد بن أبي وقاص النبي ﷺ إذ جاء يعوده في مرضه

стр. 274

الذي أشفى منه على الموت، فقال: يا رسول الله ان لي مالا كثيرا، وليس يرثني إلا ابنتي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: فالشطر؟ قال: لا، قال: الثلث؟ قال: ((الثلث، والثلث كثير)) ثم عقب النبي ﷺ على ذلك بقوله: ((إنك إن تركت ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك)) (١). ولقد كان الرسول الكريم ﷺ مثالا مجسدا للكرم المحض الأصيل ما عرف عنه أنه أمسك يده عن عطاء، ولا رد سائلا تعرض له بسؤال، يحكي ذلك عنه الصحابي جابر ﵁ فيقول: ((ما سئل رسول الله ﷺ شيئا قط، فقال: لا)) (٢). كان صلوات الله عليه يدرك ما للمال من أثر في نفوس البشر. فيتخذه وسيلة لتأليف القلوب واستمالتها للإسلام، ولا يستكثر أن يبذل الكثير الكثير في سبيل كسب جديد إلى صف الدعوة، وإنه ليعلم أن هذا الذي تطلع إلى المال أول الأمر، سيأخذه الإسلام متى دخل في غمار هديه، فيجعله من أشد الناس إيمانا، ومن أحسنهم إسلاما، وهذا ما يحدثنا به الصحابي الجليل أنس بن مالك إذ يقول: ((ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا! فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيرا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها)) (٣).

стр. 275

من هنا كان رسول الله ﷺ يبذل كل ما تصل إليه يده، فيوزعه على الناس، لا يذخر منه شيئا لنفسه، ولا لآله. حسبه أن يرد الخير على مستحقيه، يفتح به مغاليق القلوب الصلدة، ويؤصل في النفوس خليقة الكرم، بضربه المثل الأعلى فيه؛ فعن جبير بن مطعم ﵁ أنه قال: بينما هو يسير مع النبي ﷺ مقفله من حنين (١)، فعلقه الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة (٢) فخطفت رداءه، فوقف النبي ﷺ فقال: ((أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاه (٣) نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا)) (٤). إن هذا النمط العالي من الكرم الذي كان عليه رسول الله ﷺ لهو المثل الأعلى للكرم الخالص البعيد عن الغايات والمطامع والشبهات، حققه الرسول الكريم في واقع الحياة، ليكون مثالا للإنسانية، تحاول الارتفاع إليه، وإنه ليؤكد استعداد الإنسان للصعود في مدارجه، وقدرته على بلوغ مستويات رفيعة فيه، متى تألقت حقيقة الإيمان الكبرى في نفسه، ومن هنا يزداد الإنسان كرما كلما ازداد من الله قربا. وكلما استشعر ما أعده الله من نعيم للكرماء الأسخياء الباذلين في سبيله ازداد سخاء وبذلا، وكلما قويت صلته بالله ازداد شعوره بثمرات الكرم عمقا، وزاد عطاؤه امتدادا وسعة. وهذا ما كان عليه رسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل في رمضان، فقد كانت نسبة الكرم في حياة الرسول الكريم ترتفع في هذا الشهر المبارك، بفعل هذه الصلة المتكررة بالملأ الأعلى؛ إذ كان يلقاه جبريل في كل ليلة من ليالي رمضان، فيترع نفسه

стр. 276

الشريفة بمعاني الخير، ويزيدها فضلا على فضل، وسماحة على سماحة، وجودا على جود. فعن ابن عباس قال: ((كان رسول الله أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، يعرض عليه رسول الله القرآن فإذا لقيه جبريل كان رسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة)) (١). ولا عجب أن نجد في الجيل الأول من ارتفع إلى قريب من هذا المستوى العالي من الجود، فإذا هو يجود بماله كله في سبيل الله كما فعل أبو بكر ﵁، ومن يجود بنصف ماله كما فعل عمر ﵁، ومن يجهز جيشا بأكمله كما فعل عثمان ﵁، ومن يتبرع بأنفس ممتلكاته كما فعل أبو الدحداح الذي وهب أحسن بساتينه صدقة في سبيل الله، ولما علمت زوجه بصنعه قالت له متهللة الوجه مفترة الأسارير: ربح البيع يا أبا الدحداح، وغير هؤلاء الأجواد كثير ممن آثروا الآجلة على العاجلة، فنزلوا عن أموالهم وحظوظ أنفسهم في سبيل الله. ذلك أنهم كانوا صادقين مع الله ، دائمي الصلة به، ومن هنا كانوا يحققون هذه المعاني، فيترجمونها إلى واقع، ولا يكتفون بتردادها والتغني بها والتأثر بذكرها، كما نجد معظم أغنياء اليوم. إن من أغنياء اليوم من يملك من الملايين والمليارات ما لو أدى زكاتها فحسب لمسح الفقر عن مجتمعه مسحا، بله (٢) الإنفاق السخي من حر ماله، ولكن أيدي هؤلاء الأغنياء تنقبض حتى عن دفع الزكاة وإنهم ليعلمون أنها

стр. 277

فريضة وركن من أركان الإسلام، فتراهم يوزعون، إن وزعوا، دريهمات معدودة في المواسم والأعياد، أو يوزعون الخبز والأطعمة في بعض الأقطار الإسلامية على عدد محدود من الفقراء، وعندما يرى الناس البسطاء جماهير الفقراء تقف ببابهم لتأخذ حظها من هذا الفتات الذي يوزع، يشيدون بكرمهم وسخائهم، ويعدونهم من الأجواد الفضلاء، وما درى هؤلاء البسطاء أن مجموع ما يوزعه أصحاب الملايين هؤلاء لا يبلغ جزءا يسيرا جدا مما يتوجب عليهم إنفاقه، وأن هؤلاء الذين ينشرون على الفقراء المسحوقين دراهم معدودة، ذرا للرماد في العيون، وتظاهرا بالطاعة لله والبذل في سبيله، لا يخفى أمرهم على رب العالمين، رب الفقراء والأغنياء، ولن يفلتوا من عقابه، وأنهم يدخلون تحت قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١). إن هذه الفئة التي أثرت في ظل نظام اقتصادي غير إسلامي، كانت سببا من الأسباب التي جلبت الأنظمة والمبادئ اليسارية إلى بلاد المسلمين، بجشعها واستغلالها وشحها وبعدها عن هدي الله، ولو عرفت حق الله في مالها، وأدته كاملا غير منقوص، لما وجد في مجتمعات المسلمين من يجرؤ على الدعوة إلى شيوعية حمراء أو اشتراكية رقشاء، ولما نبت الحقد الطبقي الذي استغلته الأحزاب اليسارية، حتى أقامت عليه أنظمة حكم اشتراكية أطاحت بأصحاب الملايين وبمعاملهم ومؤسساتهم، واستلبت منهم الملايين، فأصبحت خزائنهم خاوية، وكانوا في أيام البسطة والعز والسعة والرخاء والربح يضنون في كثير من الأحيان على العامل الفقير بنصف ليرة يضيفونها إلى

стр. 278

أجرته الأسبوعية أو الشهرية الزهيده، خشية أن تنقص أرباحهم، بل كان بعضهم يقيم الدنيا ويقعدها من أجل هذه الزيادة البسيطة، ويتعامى عن الآلاف المؤلفة التي يبذرها بعض أبنائهم في الملاهي، وتحت أقدام المومسات، حتى إن بعضهم كان يغلق الملهى بأكمله على حسابه ليستمتع وحده بالحسناوات الراقصات فيه. إن المجتمع الإسلامي السليم لا يعرف ظلم الغني للفقير، ولا حقد الفقير على الغني؛ لأن الغني فيه كريم جواد يعرف حق الفقير في ماله، فلا يبخسه حقه، ولا يتقاعس عن إسعافه ورفده ومعونته وإنصافه؛ ولأن الفقير لا ينظر إلى الغني بعين الحقد والضغينة والكراهية لأنه أكثر منه مالا؛ ذلك أن الغني في المجتمع الإسلامي لا يجمع ماله من حرام، وإنما يجمعه بكده وكدحه واجتهاده وجهده من طريق الكسب الحلال المشروع، ثم إن مبدأ تكافؤ الفرص الذي أتاحه المجتمع الإسلامي لجميع المستظلين بظله ليفسح المجال للفقير أن يعمل ويكدح ليصبح بدوره غنيا إن شاء، فالباب مفتوح للجميع، ليلجه كل طموح نشيط وثاب العزيمة عالي الهمة، ولا داعي للحقد والضغينة والتربص وحب الانتقام، ولا مكان للحاقدين المضطغنين المتربصين للانتقام في مجتمع الحب والتآخي، مجتمع الإسلام. لقد كان رسول الله ﷺ يعلم الصحابة الكرام، ويحضهم دوما على البذل، ويقتلع من نفوسهم حب الكنز، لتتوزع الثروة بين الناس، ويشيع الرخاء في حياتهم، ولئلا يرتد المال المكنوز على صاحبه شؤما وعذابا وسخطا يوم القيامة، وكان الرسول الكريم الأسوة الحسنة لهم في ذلك والمثل الأعلى. انطلق يوما إلى البقيع ولحق به أبو ذر، وفي أثناء مسيرتهما قال لأبا ذر:

стр. 279

((إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكلذا في حق))، ثم عرض لهما أحد، فقال النبي ﷺ : ((يا أبا ذر))، فأجابه: لبيك رسول الله وسعديك وأنا فداؤك، قال: ((ما يسرني أن أحدا لآل محمد ذهبا، فيمسي عندهم دينار، أو قال، مثقال .... )) (١). وهذا ما يفسر موقف عمر بن الخطاب ﵁ من أغنياء قريش حينما استراحوا من عناء الفتوح، وأقبلوا على التجارة يثمرون بها أموالهم، فأثروا ثراء فزع عليهم منه عمر فقال: ((ألا إن قريشا يريدون أن يجعلوا مال الله دولة بينهم، أما وابن الخطاب حي، فلا، ألا وإني واقف لهم في حرة المدينة، فآخذ بحجزاتهم أن يتهافتوا في النار)) (٢). إن تجميع الثروة في أيد قليلة أمر يرفضه الإسلام؛ لأن تجميعها في تلك الأيدي القليلة معناه انحسارها عن الأيدي الكثيرة في المجتمع، وهنا يكون الاختلال، وتكون الطبقية، ويكون الاستغلال، ويكون الظلم، وهذا كله حرام في مجتمع الإسلام. هذه واحدة، والثانية أن عمر بن الخطاب أعلن أنه سيقف لهم في حرة المدينة ليأخذ على أيديهم، ويحول بينهم وبين الاحتكار والكنز، إنقاذا لهم أن يتهافتوا في النار، لا انتقاما منهم وحسدا على ما في أيديهم، كما توسوس به النظم المادية التي تذكي في نفوس الفقراء الحقد والضغينة وحب الانتقام من الأغنياء؛ فالعدالة الاجتماعية مقصودة في الإسلام لخير الغني والفقير سواء، ومنذ بداية الطريق، قبل أن تتفاقم الأمور، وتختل الموازين، وتمتلئ بالحقد الصدور، وهي مقصدة أيضا لأن فيها صلاح دنيا الغني

стр. 280

والفقير وآخرتهما أيضا، ولن تجد هذا الربط المحكم بين الدنيا والآخرة في عالم الاقتصاد، إلا في النظام الاقتصادي في الإسلام. والمسلم الحق كريم مهما كان فقيرا، ومهما كان عطاؤه قليلا، فحسب الإسلام منه أن تنبجس في نفسه عاطفة الرحمة بمن هو أفقر منه، ويحس ما يعانيه غيره من ألم وحرمان. ومن أجل ذلك جاءت النصوص تحض الفقراء على الإنفاق القليل، حسب استطاعتهم، لتبقى نفوسهم ريا بنداوة المشاركة الوجدانية لإخوانهم، ووعد الله هؤلاء المنفقين، على إقلالهم وعسرتهم، بتثمير صدقتهم وتنميتها حتى تصبح كالطود الشامخ، شريطة أن تكون من كسب حلال: ((من تصدق بعدل تمرة (١) من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها يصاحبها كما يربي أحدكم فلوه (٢)، حتى تكون مثل الجبل)) (٣). ولكيلا تنغلق النفس، وتحتجب عن المشاركة الوجدانية في المجتمع، ولكيلا تجف ينابيع الخير والرحمة والتعاطف فيها، دعاها الرسول الكريم إلى الإنفاق اليسير مهما كانت مقلة معسرة، وحذرها من السلبية والانغلاق والإمسلك، لأن في ذلك مهلكة وبوارا وعذابا، فقال: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) (٤). لقد أراد الله للمسلم أن يكون عنصر بناء ومنفعة وخير في مجتمعه، يفيض دوما بخيره على الناس، سواء أكان غنيا أم فقيرا، ومن هنا جاء الهدي

стр. 281

النبوي حاضا الإنسان المسلم على فعل الخير، حسب قدرته وإمكاناته، وجعل له في كل فعل للخير صدقة: ((على كل مسلم صدقة، فقالوا: يا نبى الله، فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده، فينفع نفسه ويتصدق. قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف. قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف، ويمسك عن الشر، فإن له صدقة)) (١). لقد وسع الإسلام دائرة الخير، ليلجها كل مسلم، فلا يحس الفقير المعدم أنه محروم من المشاركة الاجتماعية الخيرة، لصفر يده (٢) من المال، ففتح له أبواب هذه المشاركة، بجعل كل عمل نافع يقوم به صدقة له، يثاب عليها كما يثاب الغني على إنفاقه: ((كل معروف صدقة)) (٣). وبذلك ضمن مشاركة جميع الأفراد في بناء المجتمع وخدمته وتحسينه، وأدخل على قلوب أبنائه جميعا الراحة والسرور والابتهاج بهذه المشاركة التي ترد للإنسان اعتباره وتحفظ كرامته وتحقق مثوبته. ولقد كان الإسلام واقعيا رحيما بالمسلمين؛ إذ لم يكلفهم ما لا يطيقون، ولم يطلب منهم إلا أن يبذلوا فضول أموالهم، ولم يلم ذوي الكفاف، وآثر لهم أن يكفوا حاجتهم بأنفسهم؛ إذ اليد العليا في الإسلام خير من اليد السفلى، أما ما زاد عن الحاجة فهو داخل في باب المنافسة في الكرم، والمسلم الحق لا يمسك في وجه من وجوه الخيرة لأنه تعلم من هدي دينه أن في بذله خيرا، وفي إمساكه شرا،

стр. 282

((يا بن آدم إنك إن تبذل الفضل (١) خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف (٢)، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى)) (٣). ولا يفارق المسلم الواعي البصير كرمه وإقباله على الصدقة متى زاد شيء في يده عن حاجته وحاجة عياله، ولو كان هذا الشيء بمثابة احتياطي يذخره الناس ضمانا من الفقر، أو وسيلة للعروج في مدارج الغنى، بل إنه ليرى في هدي دينه أن صدقته في مثل هذه الحالة هي أعلى أنواع الصدقات طرا، وأفضلها أجرا، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة، قال: ((جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل أجرا؟ قال: ((أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى. ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان)) (٤). والمسلم الحق الجواد يخص بعطائه وكرمه الفئات التي تستحق الرفد والغوث والإعانة، فيتحرى أولئك العفاة والمحرومين من المساكين المتعففين الذين لا يسألون الناس إلحافا، ويحسبهم الناس أغنياء من التعفف، فيذهب إليهم، ويطرق أبوابهم، ويحبوهم ما يسد حاجتهم ويحفظ كرامتهم. ذلك أن هؤلاء المساكين المتعففين هم أولى الناس بالرفد والعطاء، وهم الذين عناهم الرسول الكريم بقوله:

стр. 283

((ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف)) (١). وفي رواية في الصحيحين: ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس)). ويخص المسلم السمح الجواد بعطائه اليتيم، فيكفله إن استطاع، فيقوم بالنفقة عليه، والعناية بشؤونه، سواء كان هذا اليتيم قريبا له أم بعيدا، محتسبا ما ينفقه في هذا السبيل عند الله الذي أعد لكافل اليتيم مقاما عليا، تتقطع دونه الأعناق، وتصغر الأماني الحفل المعسولة، بمنحه شرف جوار الرسول الكريم في الجنة، فعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا وكافل اليتيم (٢) في الجنة هكذا)) وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئا)) (٣). وكذلك يسعى المسلم التقي المحسن السخي على الأرملة والمسكين، امتثالا لهدي دينه القويم، وابتغاء مرضاة ربه، وسعيا وراء المثوبة الكبرى التي أجزلها الله تعالى للساعي على الأرملة والمسكين، حتى إنها لتفوق أجر الصائم القائم، أو المجاهد في سبيل الله، كما أخبر بذلك الرسول الكريم بقوله:

стр. 284

((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)) وأحسبه قال: ((وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر)) (١). هذه هي طرق البر التي يسلكها المسلم المنفق الجواد، يبتغي بها مرضاة ربه ومثوبته، وهذه هي الأعمال الصالحات التي تقرب العبد من ربه زلفى، لا تلك الولائم التي تقام للأغنياء والوجهاء، وتراق في إقامتها الأموال الطائلة، طمعا في شهرة أو وجاهة او كسب موقوت؛ فتلك ولائم ذمها رسول الله ﷺ ، لأنه لم يرد بها وجه الله تعالى، وذلك في قوله: ((بئس الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء)) (٢). ثم إن السعي على الأرملة والمسكين، وتكفل اليتيم والإحسان إليه، فضلا على ما فيهما من ثواب عظيم، ليزكيان نفس المعطي، وينميان إنسانيته، ويرققان قلبه، ويجعلانه يتذوق حلاوة العطاء، ويلتذ بشعور الحنان، ويسعد بفعل الخير. ومن هنا كان الرسول الكريم يروض القلوب القاسية على الإحسان لتخالطها رقة، ويخالجها عطف وندى وحنان. فعن أبي هريرة ﵁ أن رجلا شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال: ((امسح رأس اليتيم، وأطعم المسيكين)) (٣). لا يمن على من يعطيهم: والمسلم التقي الواعي إذا وفقه الله للعطاء والبذل في سبيله، لا يمن على من أعطاهم، ويحرص على أن يكون ممن قال الله تعالى فيهم:

стр. 285

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١). ولا يخفى عليه أن لا شيء أحبط للعمل وأبطل لثواب الصدقة من المن والأذى، بل إن نداء الله ﵎ للمؤمنين بالنهي والتحذير من المن الذي يبطل الصدقات ويطيح بالحسنات ليملأ سمعه، ويهز كيانه، ويصرفه عن التفكير بالمن أو الأذى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (٢). إن المن على الإنسان الفقير الذي ألجأته الحاجة إلى الأخذ إهانة لإنسانيته، وامتهان لكرامته، وحط من قدره. وهذا كله محرم في شرعة الإسلام التي تعد المعطي والآخذ أخوين، لا فرق بينهما إلا بالتقوى والعمل الصالح، والأخ لا يمن على أخيه، ولا يؤذيه في نفسه وكرامته. ومن هنا اشتد الوعيد للمنان في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي ذر، إذ صنفه رسول الله ﷺ في زمرة الأشقياء الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، فقال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم))، قرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: ((المسبل (٣)، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)).
следующие страницы →