وقال أبو هلال العسكري ﵀:
جلوسي في سوق أبيع وأشتري ... دليل على أن الأنام قرود
ولا خير في قوم تَذِلُّ كرامُهم ... ويعظم فيهم نذلهم ويسود
ويهجوهم عني رثاثة كسوتي ... هجاءً قبيحًا ما عليه مزيد
...
وكره بعض العلماء أن يتحول عن بلده، مع إيثاره الخمول والانقباض عن الناس، خشية أن يعامله من لا يعرف قدره؛ بما لا يليق به:
كان الِإمام سفيان الثوري ﵀ شديد التواضع (١) في غير ذل ولا استصغار، ومن كلامه ﵀:
"أحِبُّ أن أكونَ في موضعٍ لا أُعْرَفُ، ولا أُسْتَذَلُّ"، وقال ابن مهدي: سمعت سفيان الثوري يقول: "وددتُ أني أخذتُ نعلي هذه، ثم جلست حيث شئت، لا يعرفني أحد"، ثم رفع رأسه، ثم قال: "بعد أن لا أُسْتَذَلُّ".
ولشدة حذره من الذلة، كان يسكن بين معارفه من الناس الذين يعرفون قدره، وقال ﵀: "لولا أن أُسْتَذَلَّ" لسكنتُ بين قوم لا يعرفونني" (٢).
стр. 107
لما قدم المدينة الخليفةُ المهديُّ، أقبل الناسُ عليه مسَلِّمين، فلما أخذوا مجالسهم جاء مالك، فقالوا: "اليوم يجلس مالكٌ آخر الناس"، فلما دنا، ونظر ازدحام الناس، وقف، وقال:
"يا أمير المؤمنين! أين يجلس شيخك مالك؟ "، فناداه المهدي: "عندي يا أبا عبد الله! "، فتْخطَّى الناس حتى وصل إليه، فرفع المهدي ركبته اليمنى، وأجلسه بحانبه.
...
وبهذه العزة أجاب العالم الضرير المحدِّثَ أبو معاوية محمد بن خازم هارون الرشيد، لما صَّب الماء على يديه، وأعلمه بذلك بعد أن فرغ: "إنما أكرمتَ العِلمَ يا أمير المؤمنين".
...
عزل الإمام "ابن دقيق العيد" ﵀ نفسه عن القضاء في بعض المرات، ثم طُلب ليُوَلِّى، وقام السلطان الملك المنصور "لاجين" له واقفًا لما أقبل، فصار يمشى قليلًا قليلًا، وهم يقولون له: "السلطان واقف"، فيقول: "أديني بأمشى!! "، وجلس معه على الجوخ حتى لا يجلس دونه، وقبَّل السلطان يده، فقال ابن دقيق العيد: "تنتفع بهذا"!
стр. 108
وقال ابن حزم- ﵀: (ومن أعظم ما يُحكى من المكارم التى لم نَسمع لها أختًا:
أن أبا غالب تمام بن غالب التَّيَّاني (ت ٤٣٦) ألَّف كتابا في اللغة (١)، فوجَّه إليه أبو الجيش مجاهد العامريُّ صاحب الجزائر ودانية ألف دينارٍ أندلسية، ومركوبًا وأكسية، على أن يزيد في ترجة الكتاب -أي: في اسمه-: "مما ألَّفه أبو غالب لأبي الجيش مجاهد" فردَّ الدنانيرْ وغيرها، وقال: "كتاب ألَّفْتُه لينتفع به الناس، وأُخلِّدَ فيه همتي، أجعل في صدره اسم غيري، وأصرف الفخر له! والله لو بذل لي الدنيا على ذلك ما فعلتُ، ولا استجزتُ الكذب، لأنني لم أجمعه له خاصة، بل لكل طالب "فاعجب لهمة هذا الرئيس وعلوها، واعجب لنفس هذا العالم ونزاهتها!) (٢) اهـ.
...
وعن أبي سعيد بكر بن منير قال:
(بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل
البخاري: "أن احمل إليَّ كتاب "الجامع"، و"التاريخ"، وغيرهما
لأسمع منك"، فقال محمد بن إسماعيلَ لرسوله:
"أنا لا أُذِلُّ العلم، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كنت لك إلى شيء منه حاجة، فاحضرني في مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا؛ فأنت سلطان، فامنعني من الجلوس، ليكون في عذر عند الله يوم القيِامة، لأني لا أكتم العلم، لقول النبي ﷺ : (من سئل عن علم فكتمه، أُلجم بلجام من نار"، قال: فكان سبب الوحشة بينهما هذا) اهـ.
стр. 109
وقال أبو بكر بن أبي عمرو: (كان سبب مفارقة أبي عبد الله البخاري البلد أن خالد بن أحمد خليفة ابن طاهر سأله أن يحضر منزله، فيقرأ "التاريخ"، و"الجامع" على أولاده، فامتنع من ذلك، وقال: "لا يسعني أن أخص بالسماع قومًا دون قوم آخرين"، فاستعان خالد بحريث بن أبي الورقاء وغيره من أهل بخارى، حتى تكلموا في مذهبه، فنفاه عن البلد، وقال: فدعا عليهم) إلخ (١).
...
جاء في ترجمة الخطيب البغدادي ﵀ أنه (دخل عليه بعض العلوية، وفي كُمِّه دنانير، فقال للخطيب: "فلان يُسَلِّم عليك، ويقول لك: اصرف هذا في بعض مهماتك"، فقال الخطيب: "لا حاجة لي فيه"، وقطب وجهه، فقال العلوي:
"كأنك تستقله؟ "، ونفض كُمَّه على سجادة الخطيب، وطرح الدنانير عليها، فقال: "هذه ثلاثمائة دينار"، فقام الخطيب محمرًّا وجهه، وأخذ السجادة، وصَبَّ الدنانير على الأرض، وخرج من المسجد)، قال أحد تلامذة الخطيب:
(ما أنسى عِزَّ خروج الخطيب، وذُلَّ ذلك العلوي، وهو قاعد على الأرض، يلتقط الدنانير من شقوق الحصير، ويجمعها) (٢) اهـ.
وفي عزة العالم وشرف نفسه، قال القاضي أبو الحسن على بن عبد العزيز الجرجاني:
стр. 110
يقولون لي: فيك انقباض، وإنما ... رأوا رجلًا عن موقف الذل أحجما
أرى الناسَ من داناهمُ هان عندهم ... ومن أكرَمته عزة النفس أُكْرِما
ولم أقض حق العلم إن كان كلما ... بدا طمع صيرته في سُلَّمَا
وما زلتُ منحازًا بعرضي جانبًا ... من الذل أعتد الصيانة مَغنما
وما كل برق لاح لي يستفزني ... ولا كل من في الأرض أرضاه مُنِعما
إذا قيل: "هذا منهل"، قلت: قد أرى ... ولكن نفسَ الحُرِّ تحتمل الظما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدُمَ من لاقيتُ لكن لأُخْدَما
أأشقى به غرسًا وأجنيه ذلة ... إذًا فاتباع الجهل قد كان أحزما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظَّما
ولكن أذلوه فهان، ودنَّسوا ... مُحَيَّاهُ بالأطماع حتى تجهَّما (١)
...
وقال الذهبي في ترجمته للإمام على بن أبي الطيب: إنه حمل إلى السلطان محمود بن سبكتكين ليسمع وعظه، فلما دخل جلس بلا إذن، وأخذ في رواية حديث بلا أمر، فتنمر له السلطان، وأمر غلامًا، فلكمه لكمة أطرشته، فعرفه بعضُ الحاضرين منزلته في الدين والعلم، فاعتذر إليه، وأمر له بمال، فامتنع، فقال: "يا شيخ! إن للمُلْكِ صَولةً، وهو محتاج إلى السياسة، رأيتُ أنك تعدَّيتَ الواجب، فاجعلني في حِلٍّ"، قال: "الله بيننا بالمرصاد، وإنما أحضرتني للوعظ، وسماع
стр. 111
أحاديث الرسول ﷺ ، وللخشوع، لا لإقامة قوانين الرئاسة"، فخجل الملك، واعتنقه.
* وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي: كان عطاء بن أبي رباح عبدًا أسود لامرأة من أهل مكة، وكان أنفه كأنه باقلَّاة (١)، قال: وجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه، فجلسوا إليه، وهو يصلي، فلما صلى، انفتل إليهم، فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج، وقد حول قفاه إليهم، ثم قال سليمان لابنيه: "قوما"، فقاما، فقال: "يا ابنَيَّ لا تَنِيا في طلب العلم، فإني لا أنسى ذُلَّنا بين يدي هذا العبد الأسود".
* ومن لطائف شرف النفس، والمبالغة في تنزيهها عن الدنية، أن الشيخ "عز الدين" كانْ إذا قرأ القارئ عليه من كتاب، وانتهى إلى آخر باب من أبوابه لا يقف عليه، بل يأمره أن يقرأ من الباب الذي بعده؛ ولو سطرًا، ويقول: "ما أشتهي أن أكون ممن يقف على الأبواب".
* وهذا آخَرُ من العلماء يشمخ على الفقر والسؤالِ حتى ولو كان فيه نيلُ العلياء، فينَهى عن السؤال ومَدِّ اليد، ولو للعلياء، فَمدُّ اليد من العالم ذِلَّة وانكسارُ نفس، والعالمُ داعية الحق، فكسر نفسه بالسؤال إضعاف للحق الذي يدعو إليه، فيقول ذلك الفقيرُ الشامخُ الأبيُّ:
لا تمُدَّن للعلياء منك يدًا ... حتى تقولَ لك العلياءُ: هاتِ يَدَك
...
وقيل: أنفذ الخليفة بمائة دينار إلى عالم، وقال لغلامه: "إن قبل ذلك، فأنت حُرٌّ"، فحملها إليه، فلم يقبل، فقال: "اقبل،
стр. 112
ففيه عتقي"، فقال: "إن كان فيه عتقُكَ، ففيه رِقِّي".
...
وكان الشيخ "سعيد الحلبي" -عالم الشام في عصره- في درسه مادًّا رجليه، فدخل عليه جبَّار الشام "إبراهيم باشا" ابن "محمد علي" صاحب مصر، فلم يتحرك له، ولم يقبض رجليه، ولم يبدل قعدته، فتألم الباشا، ولكنه كتم ألمه، ولما خرج، بعث إليه بصُرَّة فيها ألف ليرة ذهبية، فردَّها الشيخ، وقال للرسول الذي جاءه بها: "قل للباشا: إن الذي يمد رجليه، لا يمد يده".
ومن شرف النفس، ومعرفة قدرها في الصِّغار:
* ما قال زياد بن ظبيان -وهو يجود بنفسه- لابنه عُبيد الله: "ألا أوصي بك الأمير زيادًا؟ "، قال: "يا أبت إذا لم يكن للحي إلا وصيةُ الميِّت؛ فالحيُّ هو الميت"، وقال الشاعر في نحوه:
إذا ما الحيُّ عاش بعظم ميتٍ ... فذاك العظمُ حَيٌّ وهو مَيْتُ
* وقال معاوية لعمرو بن سعيد، وهو صبي: "إلى من أوصى بك أبوك؟ "،
قال: "إن أبي أوصى إلَي، ولم يوص بي"،
قال: "وبم أوصى إليك؟ "،
قال: "ألاَّ يفقد إخوانُه منه إلا وجهَه".
* كان الشيخ "عبد الوهاب الفارسي" ﵀ يسِير يومًا برفقة صديقه الشيخ "محمد الجراح"، فصدمتهما سيارة، فسقطا في حفرة وجُرحا، ولما علما أن السائق كان سكران؛ صفحا عنه، وامتنعا
стр. 113
من مقاضاته، أنفة من أن يقفا في موقف واحد مع سكران.
ونختم هذا الفصل بمثال فَذٍّ، بذل حياته لإعلاء كلمة الله، وهو الأستاذ سيد قطب -رحمه الله تعالى- وأعلى درجته في الشهداء، ذلك البطل الذي ارتضع منذ طفولته معاني العزة والكرامة والأنفة وشرف النفس، والذي عاش حياته "سيدًا"، وغادر الدنيا سيدًا، رافعًا رأسه، والذي عاش حياته "قطبًا"، وغادرها قطبًا في الدعوة والجهاد، ونتوقف فقط عند ساعاته الأخيرة في الدار الفانية، وقد طُلب إليه أن يعتذر للطاغية مقابل إطلاق سراحه، فقال: "لن أعتذر عن العمل مع الله"، وعندما طُلب منه كتابةُ كلمات يسترحم بها عبد الناصر قال: "إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة، ليرفض أن يكتب حرفًا يُقِرُّ به حكم طاغية"، وقال أيضًا: "لماذا أسترحم؟ إن سُجِنتُ بحق، فأنا أقبل حكم الحق! وإن سُجنت بباطل، فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل! ".
وفي إحدى الجلسات اقترب أحد الضباط منه، وسأله عن معنى كلمة "شهيد"، فردَّ عليه ﵀ قائلًا: "شهيد: يعني أنه شهد أن شريعة الله أغلى عليه من حياته":
لعمركْ إني أرى مَصرعي ... ولكنْ أغُذُّ إليه الخُطا
لعمرك هذا ممات الرجالِ ... فمن رام موتًا شريفًا فذا (١)
...
стр. 114
خَسيسُ الهِمَّة دَنيءُ النَّفْسِ
يستحيي الإنسان ممن يكبر في نفَسه، فيستحيي من العالم أكثر من استحيائه من الجاهل، ويستحيي من الصالح أكثر من الفاجر، في حين أنه لا يستحيي من الحيوان، ولا من الأطفال، ومن كانت نفسه عنده كبيرة، كان استحياؤه منها أشدَّ من استحيائه من غيرها، أما خسيِس الهمة فإنه يستحيي من الناس، ولا يستحيي من نفسه إذا انفرد عن الناس، لأن نفسه أخس عنده من غيره، وهو يراها أحقر من أن يستحيي منها، فمن ثَمَّ قال بعض السلف: "من عمل في السر عملًا يستحيي منه في العلانية؛ فليس لنفسه عنده قدر" (١)، وقيل لبعض العُبَّاد: "من شَرُّ الناس؟ "، قال: "من لا يبالي أن يراه الناس مسيئًا".
...
стр. 115
فرُوق تمسُّ الحَاجَة إِلَى بَيَانِهَا
قد تُلَبِّسُ النفسُ الأمارة بالسوء على العبد أمورًا يحبها الله ويرضاها بأمور يبغضها الله ، ولدقة الحد الفاصل بينهما لا ينجو من هذا التلبيس إلا أرباب البصائر، ذوو النفوس المطمئنة، وقد عقد الإمام المحقق ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى- فصولًا نافعة بَيَّن فيها هذه الدقائق النفيسة في كتابه "الروح"، نجتزئ منها بما نحتاجه في هذا المقام.
الفَرْق بَينَ شَرفِ النَّفْسِ وَالتيه
(شرف النفس هو صيانتها عن الدنايا والرذائل والمطامع التي تقطع أعناق الرجال، فيربأ بنفسه عن أن يُلقيها في ذلك، بخلاف التيه، فإنه خُلُق متولِّدٌ بين أمرين: إعجابه بنفسه، وازدرائه بغيره، فيتولد من بين هذين التيه، والأول (أي شرف النفس) يتولد من بين خُلُقَيْن كريمين:
- إعزاز النفس وإكرامها،
- وتعظيم مالكها وسيدها أن يكون عبده دَنِيًّا وضيعا خسيسًا، فيتولد من بين هذينَ الخلقين شرف النفس وصيانتها، وأصل هذا كله: استعداد النفس وتهيؤها، وإمداد وليها ومولاها لها، فإذا فقد الاستعداد والإمداد، فقد الخير كله) (١) اهـ.
стр. 116
الفَرق بَين صِيانَةِ النفسِ وَالتكبُّر
(والفرق بين الصيانة والتكبر: أن الصائن لنفسه بمنزلة رجل قد لبس ثوبًا جديدًا، نقي البياض، ذا ثمن، فهو يدخل به على الملوك فمَن دونَهم، فهو يصونه عن الوسخ والغبار والطبوع وأنْواع الآثار إبقْاءً على بياضه ونقائه، فتراه صاحب تعزز وهروب من المواضع التي يخشى منها عليه التلوث، فلا يسمح بأثر ولا طبع ولا لوث يعلو ثوبه، وإن أصابه شيء من ذلك على غرَّة، بادر إلى قلعه وإزالته ومحو أثره، وهكذا الصائن لقلبه ودينه، تراه يجتنب طبوع الذنوب وآثارها، فإن لها في القلب طبوعًا وآثارًا أعظم من الطبوع الفاحشة في الثوب النقي البياض، ولكن على العيون غشاوة أن تدرك تلك الطبوع، فتراه يهرب من مظان التلوث، ويحترس من الخلق، ويتباعد من تخالطهم مخافة أن يحصل لقلبه ما يحصل للثوب الذي يخالط الدباغين، والذباحين، والطباخين، ونحوهم.
بخلاف صاحب العلو فإنه وإن شابه هذا في تحرزه وتجنبه؛ فهو يقصد أن يعلو رقابهم، ويجعلهم تحت قدمه، فهذا لون وذاك لون) (١) اهـ.
أما الكِبْر:
(فإنه أثر من آثار العجب والبغي مِن قلبٍ قد امتلأ بالجهل والظلم، ترحلت منه العبودية، ونزل عليه المقت، فنظرُهُ إلى الناس شَزَر، ومشيه بينهم تبختر، ومعاملته لهم معاملة الاستئثار، لا الإيثار، ولا الإنصاف، ذاهب بنفسه تيهًا، لا يبدأ مَن لقيه بالسلام، وإِن رد عليه رأى أنه
стр. 117
قَد بالغ في الإنعام عليه، لا ينطلق لهم وجهه، ولا يسعهم خُلُقُه، ولا يرى لأحد عليه حقَّا، ويرى حقوقه على الناس، "ولا يرى فضلهم عليه، ويرى فضله عليهم، لا يزداد مِن الله إلا بعدًا، ومن الناس إلا صَغارًا أو بغضًا) (١) اهـ.
...
الفَرْقُ بَيْنَ "التَّواضُعِ" وَالمَهَانَةِ
(الفرق بين التواضع والمهانة: أن التواضع يتولد من بين العلم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله، ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها، فيتولد من بين ذلك كله خُلُق هو التواضع، وهو انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة بعباده، فلا يرى له على أحدٍ فضلاً، ولا يرى له عند أحد حقًّا، بل يرى الفضل للناس عليه، والحقوق لهم قِبَلَه، وهذا خُلُق إنما يعطيه الله ما يحبه ويكرمه ويقربه.
وأما المهانة: فهى الدناءة والخِسَّة وبذلُ النفس وابتذالُها في نيل حظوظها وشهواتها، كتواضع السُّفَّل في نيل شهواتهم، وتواضع المفعول به للفاعل، وتواضع طالب كل حظ لمن يرجو نيل حظه منه، فهذا كله ضَعَة لا تواضع، والله سبحانه يحب التواضع، ويبغض الضعة والمهانة، وفي "الصحيح" عنه ﷺ : "وأوحى الله إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد") (٢) اهـ.
стр. 118
الفَرْقُ بَينَ المنَافَسَةَ والحَسَدِ
(والفرق بين المنافسة والحسد: أن المنافسة البادرة إلى الكمال الذي تشاهد من غيرك، فتنافسه فيه حتى تلحقه، أو تجاوزه، فهي من شرف النفس، وعلو الهمة، وكبر القدر، قال تعالى: ﴿وفي ذلك فَلْيتنافس المتنافسون﴾، وأصلها من الشيء النفيس الذي تتعلق به النفوس طلبًا ورغبة، فينافس فيه كل من النفسين الأخرى، وربما فرحت إذا شاركتها فيه، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يتنافسون في الخير، ويفرح بعضهم ببعض لاشتراكهم فيه، بل يحض بعضهم بعضًا عليه مع تنافسهم فيه، وهي نوع من المسابقة، وقد قال تعالى: ﴿فاسْتَبِقوا الخيرات﴾، وقال تعالى: ﴿سابقوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنة عرضُها كعرض السماء والأرض﴾، وكان عمر بن الخطاب يسابق أبا بكر ﵄، فلم يظفر بسبقه أبدًا، فلما علم أنه قد استولى على الإمامة (١)، قال: "والله لا أسابقك إلى شيء أبدًا"،
وقال: "والله ما سبقته إلى خيرٍ، إلا وجدته قد سبقني إليه"، والمتنافسان كعبدين بين يدي سيدهما يتباريان، ويتنافسان في مرضاته، ويتسابقان إلى محابه، فسيدهما يعجبه ذلك منهما، ويحثهما عليه، وكل منهما يحب الآخر، ويحرضه على مرضاة سيده.
والحسد خلقُ نفسٍ ذميمةٍ وضيعةٍ ساقطةٍ، ليس فيها حرصٌ على
стр. 119
الخير، فلعجزها، ومهانتها تحسد من يكسب الخير والمحامد، ويفوز بها دونها، وتتمنى أن لو فاته كسبها حتى يساويها في العدم، كما قال تعالى: ﴿ودُّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء﴾ وقال تعالى: ﴿ودَّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسِهم من بعد ما تبيَّن لهم الحق﴾، فالحسود عدو النعمة، متمن زوالها عن المحسود كما زالت عنه هو، والمنافس مسابق النعمة متمنٍّ تمامَها عليه وعلى من ينافسه، فهو ينافس غيره أن يعلو عليه، ويحب لحاقه به أو مجاوزته له في الفضل، والحسود يحب انحطاط غيره حتى يساويه في النقصان، وأكثر النفوس الفاضلة الخيرة تنتفع بالمنافسة، فمن جعل نصب عينيه شخصًا من أهل الفضل والسبق فنافسه، انتفع به كثيرًا، فإنه يتشبه به، ويطلب اللحاق به والتقدم عليه، وهذا لا نذمه (١)، وقد يطلق اسم الحسد على المنافسة المحمودة، كما في "الصحيح" عن النبي ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناءَ الليل وأطراف النهار، ورجل آتاه الله مالاً فسلَّطه على هلكته في الحق"، فهذا حسدُ منافسةٍ وغِبْطَةٍ يدل على علو همة صاحبه، وكبر نفسه، وطلبها للتشبه بأهل الفضل) اهـ (٢).
...
стр. 120
الفَرُقُ بَينَ حُبِّ الرِّياسَةِ، وَحُبِّ الِإمَامَةِ فِي الدِّينِ
قال الله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّهُ بكلماتٍ فأتمهنَّ قال إني جاعلُك للناس إمامًا قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾.
قال بعض المفسرين: (الآية بمعزل عن إرادة السلطنة والملك، لأن الآية الكريمة تثبت أن "الِإمامة في الدين" يُحرمها الظالمون من ذريته قال: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾، وقد نال الإمامة الدنيوية كثير من الظالمين، فظهر أن المراد من "العهد" إنما هو الِإمامة في الدين خاصة) (١).
وكان من دعاء الخليل إبراهيم ﵇ أيضًا: [﴿رب هب لي حكمًا﴾ أي: حكمة، أو: حكمًا بين الناس بالحق، أو نبوة، لأن النبي ذو حكم وحكمة ﴿وألحقني بالصالحين﴾ أي: وفقني لأنتظم في سِلكهم، لأكون من الذين جعلتهم سببًا لصلاح العالم وكمال الخلق ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ أي: ذكرًا جميلًا بعدي، أُذكرَ به، ويُقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: ﴿وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم * كذلك نجزي المحسنين﴾ (٢).
стр. 121
وجُوِّز أن يكون معنى ﴿لسان صدق﴾: واجعل لي صادقًا من ذريتي، يُجَدِّدُ أصل ديني، ويدعو الناس إلى ما كنت أدعوهم إليه من التوحيد، وهو النبي ﷺ ، ولذا قال ﷺ : "أنا دعوة أبي إبراهيم"] (١) رواه الإمام أحمد.
وصح من دعاء النبي ﷺ أنه قال: "اللهم زَيِّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هُداةً مهتدين"، وأخبر الله أن من دعاء عباد الرحمن قولهم: ﴿واجعلنا للمتقين إمامًا﴾، قال البخاري ﵀ في تفسيرِها: "أئمة نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا مَن بعدنا".
وقال القرطبي ﵀:
(أي: قدوة يقتدى بنا في الخير، فإن ذلك أكثر ثوابًا، وأحسن مآبًا، وهذا لا يكون إلا أن يكون الداعي متقيًا قدوة، وهذا هو قصد الداعي، وفي "الموطإ": "إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم"، فكان ابن عمر يقول في دعائه: "اللهم اجعلنا من أئمة المتقين" (٢) اهـ.
وقال مكحول: "اجعلنا أئمة في التقوى، يقتدي بنا المتقون"، وقال القفال وغيره من المفسرين: (في الآية دليل على أن طلب الرياسة في الدين واجب) اهـ.
стр. 122
وكان القشيرى يقول: "الإمامة بالدعاء، لا بالدعوى" يعني: بتوفيق الله وتيسيره ومنته، لا بما يدعيه كل أحد لنفسه.
وقال إبراهيم النخعي: "لم يطلبوا الرياسة، بل أن يكونوا قدوة في الدين".
وقال ابن عباس: "اجعلنا أئمة هدى"، كما قال تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا﴾.
وعن الحسن قال: "من استطاع منكم أن يكون إمامًا لأهله، إمامًا لحيِّه، إمامًا لمن وراء ذلك، فإنه ليس شيء يؤخذ عنك إلا كان لك منه نصيب".
وقد فصَّل الإمام المحقق ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى - الفرق بين حب الرياسة، وبين حب الإمامة في الدين، فقال ﵀:
(والفرق بين حب الرياسة وحب الإمارة للدعوة إلى الله: هو الفرق بين تعظيم أمر الله، والنصح له، وتعظيم النفس، والسعي في حظها، فإن الناصح لله المعظم له المحب له يحب أن يُطاع ربُّه فلا يعصى، وأن تكون كلمته هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، وأن يكون العباد ممتثلين أوامره مجتنبين نواهيه، فقد ناصح الله في عبوديته، وناصح خلقه في الدعوة إلى الله، فهو يحب الإمامة في الدين، بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين إمامًا يقتدى به المتقون، كما اقتدى هو بالمتقين، فإذا أحب هذا العبد الداعي إلى الله أن يكون في أعينهم جليلًا، وفي قلوبهم مهيبًا، وإليهم حبيبًا، وأن يكون فيهم مُطاعًا، لكي يأتموا به، ويقتفوا
стр. 123
أثر الرسول على يده؛ لم يضره ذلك، بل يحمد عليه، لأنه داع إلى الله يحب أن يطاع، ويُعبد، ويُوحَّد، فهو يحب ما يكون عونًا على ذلك موصِّلًا إليه، ولهذا ذكر سبحانه عباده الذين اختصهم لنفسه، وأثنى عليهم في تنزيله، وأحسن جزاءهم يوم لقائه، فذكرهم بأحسن أعمالهم، وأوصافهم، ثم قال: ﴿والذين يقولون ربَّنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرةَ أعين واجعلنا للمتقين إمامًا﴾، فسألوه أن يقر أعينهم بطاعة أزواجهم وذرياتهم له سبحانه، وأن يسر قلوبهم باتباع المتقين لهم على طاعته وعبوديته، فإن الإمام والمؤتم متعاونان على الطاعة، فإنما سألوه ما يعينون به المتقين على مرضاته وطاعته، وهو دعوتهم إلى الله بالإمامة في الدين التي أساسها الصبر واليقين، كما قال تعالى: ﴿وجعلناهم أئمةً يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾، وسؤالهم أن يجعلهم أئمة للمتقين هو سؤال أن يهديهم، ويوفقهم، ويمنَّ عليهم بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة ظاهرًا وباطنًا التي لا تتم الإمامة إلا بها، وتأمل كيف نسبهم في هذه الآيات إلى اسمه الرحمن ﷻ ، ليعلم خلقه أن هذا إنما نالوه بفضل رحمته ومحض جوده ومنته، وتأمل كيف جعل جزاءهم في هذه السورة الغرف، وهي المنازل العالية في الجنة لما كانت الإمامة في الدين من الرتب العالية، بل من أعلى مرتبة يعطاها العبد في الدين، كان جزاؤه عليها الغرفة العالية في الجنة.
وهذا بخلاف طلب الرياسة، فإن طلابها يسعون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم من العلو في الأرض، وتعبد القلوب لهم، وميلها إليهم، ومساعدتهم لهم على جيع أغراضهم، مع كونهم عالين عليهم قاهرين
стр. 124
لهم، فترتب على هذا المطلب من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله (١) من البغي، والحسد، والطغيان، والحقد، والظلم، والفتنّة، والحمية للنفس، دون حق الله، وتعظيم من حقَّره الله، واحتقار من أكرمه الله، ولا تتم الرياسة الدنيوية إلا بذلك، ولا تنال إلا به وبأضعافه من المفاسد (٢)، والرؤساء في عمى عن هذا، فإذا كشف الغطاء تبين لهم فساد ما كانوا عليه، ولا سيما إذا حُشروا في صور الذر يطؤهم أهل الموقف بأرجلهم، إهانةً لهم وتحقيرًا وتصغيرًا كما صغَّروا أمر الله وحقروا عباده) (٣) اهـ.
...
стр. 125
البابُ الثَّالِث
الحَثُّ عَلَى عُلُوِّ الِهمَّةِ في القُرآنِ وَالسُّنَّةِ
تواردت نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة على حث المؤمنين على ارتياد معالي الأمور، والتسابق في الخيرات، وتحذيرهم من سقوط الهمة، وتنوعت أساليب القرآن الكريم في ذلك:
فمنها: ذم ساقطي الهمة، وتصويرهم في أبشع صورة:
* كما قص الله علينا من قول موسى ﵇ لقومه: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾، وقال تعالى: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فَأتْبعَهُ الشيطانُ فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتَّبع هواه فمثلُه كمَثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركْه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ (١).
* وقال تعالى واصفًا حال اليهود الذين علموا فلم يعملوا: ﴿مثل الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾، وقال في وصف أشباههم: ﴿وعُلِّمتم ما لم تعلموا﴾ يعنى علمتم فلم تعملوا، فما ذلكم بعلم، في حين أنه امتدح يعقوب ﵇ بقوله تعالى: ﴿وإنه لذو علمٍ لما
стр. 126
علمناه﴾ أي: يعمل بما علم.
* وذم المنافقين المتخلفين عن الجهاد لسقوط همتهم، وقناعتهم بالدون، فقال في شأنهم: ﴿رَضُوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾، وبين أنهم لسقوط همتهم قعدوا عن الجهاد، فقال: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعَدُّوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾ الآيات.
* وشنع على الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، ويجعلونها أكبر همهم، وغاية علمهم، باعتبار هذا الإيثار من أسوإ مظاهر خسة الهمة، وبيَّن أنَّ هذا الركون إلى الدنيا تَسَفُّل ونزول يترفع عنه المؤمن: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثَّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾.
وقال تعالى: ﴿من كان يريد ثواب الدنيا﴾ كالمجاهد يجاهد للغنيمة ﴿فعند الله ثواب الدنيا والآخرة﴾ أي: فما له يطلب أخسَّهما؟! فليطلبهما، أو الأشرفَ منهما، كما قال تعالى: ﴿فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنْيا وما له في الآخرة من خلاق * ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار * أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب﴾.
* وعاب حرص اليهود على حياةٍ، أي حياة، ولو كانت ذليلة مهينة، فقال : ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾، وحمل القرآن الكريم على المشركين الذين يعبدون آلهة مع الله باعتبار هذا الشرك من أجلي مظاهر دناءة الهمة وخبث النفس: ﴿ومن يشرك بالله
стр. 127
فكأنما خرَّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريحُ في مكان سحيق﴾، وقال في عابدي المسيح: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صِديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون﴾ فكيف يُعبدان من دون الله؟
* ومنها: أنه تعالى أثنى على أصحاب الهمم العالية، وفي طليعتهم الأنبياء والمرسلون وفي مقدمتهم أولو العزم من الرسل، وعلى رأسهم خاتمهم محمد ﷺ : ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ الآية، وقد تجلت همتهم العالية في مثابرتهم وجهادهم ودعوتهم إلى الله ، كما أوضحه الله في قصص الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
* كما قص مواقف الهمة العالية عن المؤمنين من أتباع الأنبياء كما في قصة موسى ﵇: ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون﴾ الآية، وكما في قصة مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، وكما في قصة حبيب النجار في سورة يس، وكما في قصة داود وجالوت: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فهزموهم بإذن الله﴾ الآيات.
* ومنها: أنه عبر عن أوليائه الذين كبرت همتهم بوصف "الرجال" (١) في مواطن البأس والجلد والعزيمة، والثبات على الطاعة، والقوة في دين الله، فقال- عز من قائل-: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا
стр. 128
والله يحب المطهرين﴾، وقال سبحانه: ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾ الآيات، وقال : ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلًا﴾.
* ومنها: أنه أمر المؤمنين بالهمة العالية، والتنافس في الخيرات، فقال : ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾، وقال سبحانه: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾، وقال: ﴿ففروا إلى الله﴾، وقال: ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾، وقال: ﴿وفي ذلك فليتنافس (١) المتنافسون﴾، وامتدح أولياء بأنهم ﴿يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾.
وقال تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلًّا وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا﴾ (٢).
стр. 129
أما السنة الشريفة: فحدِّث ما شئت عن علو همة أصحاب رسول الله ﷺ وتسابقهم إلى المعالي، كيف لا وقد أوصاهم رسول الله ﷺ فقال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز" (١)، وقال ﷺ : "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها" (٢)، ورُوي عنه أنه كان من دعائه ﷺ : "وأسألك العزيمة على الرشد" (٣)، وكان يتعوذ بالله من "العجز والكسل" (٤)، وقال لأصحابه ﷺ : "إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سَفْسافها " (٥)، وطمأن أهل الهمة العالية بأن الله يمدهم بالمعونة على قدر سمو هممهم، فقال ﷺ : (إن المعونة تأتي من الله للعبد على قدر المؤنة) (٦) الحديث، وبين أن أكمل حالات المؤمن ألا يكون له هم إلا الاستعداد للآخرة، فقال ﷺ : "من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شملَه، وأتته
стр. 130
الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شملَه، ولم يأتِهِ من الدنيا إلا ما قُدر له" (١).
وامتدح ﷺ قومًا بعلوِّ همتهم فقال: "لو كان الإيمان عند الثريا، لتناوله رجال من فارس" (٢).
وعامة نصوص الترغيب والترهيب في الوحيين الشريفين إنما ترمي إلى توليد قوة دافعة تحرك قلب المؤمن، وتوجهه إلى إقامة الطاعات، وتجنب المعاصي والمخالفات، وإلى بعث الهمة وتحريكها واستحثاثها للتنافس في الخيرات، والأمثلة عل ذلك أكثر من أن تحصر، فمن ذلك مثلًا قوله ﷺ :
"لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح لأتوهما ولو حَبْوًا" (٣).
وقوله ﷺ :
"يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارق، ورتل، كما كنت ترتل في دار الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها" (٤)، وحذر من تعمد التباطؤ عن المسابقة إلى الطاعات، كما في قوله ﷺ :
"احضْروا الذكر، وادنوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد
стр. 131
حتى يُؤخِّرَ فى الجنة، وإن دخلها" (١).
وعلَّمنا ﷺ عُلُوَّ الهمة في الدعاء، فأمرنا أن نسأله تعالى من فضله، ولا نستعظم شيئًا في قدرة الله وجُوده: فعن أم المؤمنين عائشة -رضى الله عنها- قالت: قال ﷺ : "إذا سأل أحدكم فليكثر، فإنما يسألُ ربَّه" (٢)، وفي لفظ: "إذا تمنَّى أحدكم فليستكثر، فإنما يسأل ربه " (٣).
وعن العرباض ﵁ قال رسول الله ﷺ :
"إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس، فإنه سِرُّ الجنة" (٤).
أي: أفضل موضع فيها.
وعن أبي هريرة - رضى الله عنه - قال رسول الله ﷺ :
"إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجَّرُ أنهار الجنة" (٥).
وأنكر ﷺ على من خالف هذا الهدي، وتضاءلت همته، وتواضعت طموحاته:
فعن أنس ﵁: (أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من المسلمين قد خَفَتَ (٦)، فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ :
стр. 132
"هل كنت تدعو بشيء، أو تسأله إياه؟ "، قال: "نعم، كنت
أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة، فَعَجلْهُ لي في الدنيا"،
فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله لا تطيقه، أو: لا تستطيعة، أفلا
قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقتا عذاب
النار؟ "،
قال: فدعا الله له، فشفاه) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
"ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك؟ "، فقلت:
"أسألك أن تعلمني مما علمك الله"، قال: فنزعت نمرة على ظهري،
فبسطتُها بيني وبينه، حتى كأني أنظر إلى القمل يدب عليها، فحدثني،
حتى إذا استوعبت حديثه، قال: "اجمعها، فَصُرْها إليك"،
فأصبحت لا أُسقِط حرفًا مما حدثني" (٢).
ويُروى أنه جاء رجل إلى زيد بن ثابت ﵁، فسأله
عن شيء، فقال له زيد: (عليك أبا هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة
وفلان في المسجد ذات يوم ندعوَ الله تعالى، ونذكره، إذ خرج علينا
النبي ﷺ ، حتى جلس إلينا، فسكتنا، فقال: "عودوا للذى كنتم
فيه"، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، وجعل
رسول الله ﷺ يُؤمِّنُ على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة، فقال: "اللهم
إني أسألك ما سألك صاحباي هذانْ، وأسألك علمًا لا يُنسى"،
فقال ﷺ : "آمين"، فقلنا: "يا رسول الله، ونحن نسأل الله تعالى
стр. 133
علمًا لا يُنسى"، فقال: "سبقكم بها الغلام الدوسي") (١).
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج يومًا فقال: "عُرِضَتْ عليَّ الأممُ فجعل يمرُّ النبيُّ ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الرهْط، والنبي وليس معه أحد، فرأيت سوادًا كثيرًا سَدَّ الأفق، فرجوتُ أن يكون أمتي، فقيل: "هذا موسى في قومه"، ثم قيل لي: "انظر"، فرأيت سوادًا كثيرًا سدَّ الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سوادًا كثيرًا سدَّ الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفًا قُدَّامَهم يدخلون الجنة بغير حساب، هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكَّلون"، فقام عُكَّاشة بن مِحْصَن، فقال: "ادْعُ اللَّهَ أن يجعلني منهم"، قال: "اللهم اجعله منهم"، ثم قام رجل آخر، فقال: "ادع الله أن يجعلني منهم"، فقال: "سبقك بها عُكَّاشة" (٢).
فهكذا كانوا ﵃ لا تلوح منقبة أخروية، ولا فضيلة دينية إلا صعدوا إليها، واستشرفوا لها، وتنافسوا فيها.
ثبت في الصحاح وغيرها أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطينَّ الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسولَه، ويحبه الله ورسولُه،
стр. 134
ليس بفرار، يفتح الله على يديه"، فبات الناس يدوكون (١) أيهم يُعطاها، حتى قال عمر: "ما أحببتُ الإمارة إلا يومئذ"، فلما أصبح أعطاها عليًّا، ففتح الله على يديه".
وعن ربيعة بن كعب ﵁ قال:
(كنت أخدِمُ النبي ﷺ نهاري، فإذا كان الليلُ آويت إلى بابِ رسول الله ﷺ ، فَبِتُّ عنده، فلا أزال أسمعه يقول:
"سبحان الله، سبحان الله، سبحان ربي"، حتى أمَلَّ، أو تغلبني عينى فأنامُ، فقال يومًا: "يا ربيعة سلني فأعْطِيَك"، فقلت: "أنظرني حتى أنظر"، وتذكرت أن الدنيا فانية منقطعة، فقلت: "يا رسول الله أسألك أن تدعوَ لي أن ينجيَني من النار، ويدخلني الجنة"، فسكت رسول الله ﷺ ، ثم قال:
"مَنْ أمرك بهذا؟ "، قلت: "ما أمرني به أحد، ولكني علمت أن الدنيا منقطعة فانية، وأنت من الله بالمكان الذي أنت منه، فأحببت أن تدعوَ الله لي"، قال: "إني فاعل، فأعِني على نفسك بكثرة السجود" (٢)، ولفظ مسلم: (كنت أبيت مع رسول الله ﷺ ، فأتيته بوَضوئه وحاجته، فقال لي: "سلني"، فقلت: "أسألك مرافقتك في الجنة" قال: "أوْ غيرَ ذلك؟ "،
قلت: "هو ذاك"،
стр. 135
قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود".
وعن عطاء بن أبي رباح قال: (قال لي ابن عباس ﵄: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي"، قال: "إن شئتِ صبرتِ ولك الجنة، وإن شئت دعوتُ الله أن يعافيَكِ" قالت: "أصبر"، قالت: "فإني أتكشف، فادع الله أنا لا أتكشف"، فدعا لها) (١).
ومن تسابقهم في الطاعات الذى يعكس علو هممهم - رضى الله عنهم:-
ما رواه عبد الله بن عمرٍو - رضى الله عنهما -: (أن رجلاً قال: "يا رسولَ الله، إن المؤذنين يَفْضُلُوننا"، فقال رسول الله ﷺ : "قل كما يقولون، فإذا انتهيتَ فَسَلْ تُعْطَ") (٢).
ومن ذلك أيضًا:
ما رواه أبو هريرة - رضى الله عنه -: (أن فقراء المهاجرين أتَوْا رسول الله ﷺ ، فقالوا: "قد ذهب أهل الدُّثور (٣) بالدرجات العُلى، والنعيم المقيم"، فقال: "وما ذاك؟ "، قالوا: "يُصَلُّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق"، فقال رسول الله ﷺ : "أفلا أعلمكم شيئًا تُدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم،
стр. 136
إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ "، قالوا: "بلى يا رسول الله"، قال: "تُسبِّحون، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاهَ ثلاًثا وثلاثين مرة" -قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: "سَمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله"، فقال رسول الله ﷺ : "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء") (١).
ويُروى عن سليمان بن بلال ﵁: (أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى بدر، أراد سعد بن خيثمة وأبوه جميعًا الخروج معه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فأمر أن يخرج أحدهما، فاستهما؛ فقال خيثمة بن الحارث لابنه سعد ﵄: "إنه لا بد لأحدنا أن يقيم، فأقم مع نسائك"، فقال سعد: "لو كان غير الجنة لآثرتك به، إني أرجو الشهادة في وجهي هذا"، فاستهما، فخرج سهم سعد، فخرج مع رسول الله ﷺ إلى بدرٍ، فقتله عمرو بن عبد ودٍّ) (٢).
...
стр. 137
وَبعد:
فإن (من سجايا الِإسلام التحلي بكبر الهمة،
فكبر الهمة يجلب لك -بإذن الله- خيرًا غير مجذوذ، ويُجري في عروقك دم الشهامة والركض في ميدان العلم والعمل، فلا تُرى واقفًا إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطًا يديك إلا لمهمات الأمور، "إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها".
إن التحلي بكبر الهمة يسلب منك سفاسف الآمال والأعمال، ويجتث منك شجرة الذل، والهوان، والتملق، والمداهنة.
فارسم لنفسك كبر الهمة، ولا تنفلت منها، وقد أومأ الشرع إليها في فقهيات تلابس حياتك لتكون دائمًا على يقظة من اغتنامها ومنها:
- إباحة التيمم للمكلف عند فقد الماء، وعدم إلزامه بقبول هبة ثمن الماء للوضوء، لما في ذلك من المنة التى تنال من الهمة منالًا) (١)،
ومنها: أن الرجل لا يلزمه الحج ببذل غيره له، ولا يصير مستطيعًا بذلك، سواء كان الباذل قرييًا أو أجنبيًّا، لما في ذلك من المنة التى تلزمه (٢).
فهذه إشارات، وعليك التقصِّي.
قال الشنفرى:
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القِلَى مُتَحَوَّلُ
أُديم مِطالَ الجوع حتى أُميتَه ... وأصرفُ عنه الذكر صفحًا فأذهل
وأستف تُرْبَ الأرض كي لا يرى له ... عليَّ من الطوْل امرؤ متطوِّل
стр. 138
الصَّحَابَة ﵃ أَعْلَى الأُمَمِ هِمَّةً
فقد أجمع أهل السنة والجماعة على أنهم رأس الأولياء، وصفوة الأتقياء، وقدوة المؤمنين، وأسوة المسلمين، وخير عباد الله بعد الأنبياء والمرسلين، جعوا بين العلم بما جاء به رسول الله ﷺ ، وبين الجهاد بين يديه ﷺ ، شرفهم الله بمشاهدة خاتم أنبيائه ﷺ . وصحبته في السراء والضراء، وبذلهم أنفسهم وأموالهم في الجهاد في سبيل الله حتى صاروا خيرة الخيرة، وأفضل القرون بشهادة المعصوم ﷺ فهم خير الأمم سابقهم ولاحقهم، وأولهم وآخرهم.
هم الذين أقاموا أعمدة الإسلام بسيوفهم، وشادوا قصور الدين برماحهم، واستباحوا الممالك الكسروية، وأطفأوا الملة النصرانية والمجوسية، وقطعوا حبائل الشرك من الطوائف المشركهّ عربية وعجمية، وأوصلوا دين الِإسلام إلى أطراف المعمورة شرقها وغربها، ويمينها وشمالها، فاتسعت رقعة الإسلام، وطبقت الأرض شراح الإيمان" وانقطعت علائق الكفر، وانقصمت حباله، وانفصمت أوصاله، ودان بدين الله سبحانه الأسود والأحمر، والوثني والملي.
سلام من الرحمن نحو جنابهم ... فإن سلامي لا يليق ببابهم
آخر:
أولئك قوم شَيَّدَ الله فخرهم ... فما فوقه فخر وإن عَظُمَ الفخرُ
стр. 139
عن أبي وائل قال عبد الله بن مسعود:
"إن الله تعالى اطَّلَعَ في قلوب العباد، فاختار محمدًا ﷺ ، فبعثه برسالته، وانتجبه بعلمه، ثم نظر في قلوب العباد بعدُ، فاختار له أصحابًا، فجعلهم أنصارَ دينه، ووزارءَ نبيه ﷺ ، فما رآه المؤمنون حسنًا، فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا، فهو عند الله قبيح". أخرجه أحمد، والبغوي في "شرح السنة". [حسن]
ولفظ أحمد: "إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا، فهو عند الله سيئ".
***
стр. 140
الباب الرابع مجَالاَتُ عُلُوِّ الهِمَّةِ
الفَصْلُ الأَوَل عُلُوُّ هِمَّةِ السَّلَفِ الصَّالِح فِي طَلَبِ العِلْمِ
العلم أشرف ما رغب فيه الراغب، وأفضل ما طلب وجَدَّ فيه الطالب، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لكُميل: "احفظ ما أقول لك: الناس ثلاثة، فعالم رباني، وعالم متعلم على سبيل نجاة، وهمج رَعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، العلم خير من المال، يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على العمل، والمال يُنقصه النفقة، ومحبة العالم دين يُدانُ بها باكتساب الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد موته وصنيعه، وصنيعة المال تزول بزوال صاحبه، مات خُزَّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة".
الحديث عن فضل العلم، وما يناله طالبه من مجد وكرامة حديث لا يكشف عن غامض، ولا يطرق السمع بجديد، ومقصودنا شيء غير هذا، ألا وهو لفت الأنظار إلى "القوة العملية" وهي الوسيلة التي صعدت بعلمائنا، فخدموا الدين، ونشروا العلم.
***
стр. 141
قال الإمام أبو الفرج بن الجوزىِ -رحمه الله تعالى-:
(تأملت عجبًا، وهو أن كل شىء نفيس خطير يطول طريقه، ويكثر التعب في تحصيله.
فإن العلم لما كان أشرف الأشياء، لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار وهجر اللذات والراحة، حتى قال بعض الفقهاء: "بقيت سنين أشتهي الهريسة لا أقدر، لأن وقعت بيعها وقت سماع الدرس" ... ) اهـ.
ولذلك قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: (وأما سعادته فلا يورثك إياها إلا بذل الوسع وصدق الطلب وصحة النية.
وقد أحسن القائل في ذلك:
فقل لمرجي معالي الأمور ... بغير اجتهاد: رجوتَ المحالا
وقال الآخر:
لولا المشقة ساد الناسُ كلُّهم ... الجود يُفْقِر والإقدام قَتَّالُ
ومن طمحت همته إلى الأمور العالية؛ فواجب عليه أن يشد على محبة الطرق الدينية، وهي السعادة، وإن كانت في ابتدائها لا تنفك عن ضرب من المشقة والكره والتأذي، وأنها متى أكرهت النفس عليها، وسيقت طائعة وكارهة إليها، وصبرت على لأوائها وشدتها أفضت منها إلى رياض مونقة، ومقاعد صدق، ومقام كريم، تجد كل لذة دونها لعب الصبي بالعصفور بالنسبة إلى لذات الملوك، فحينئذ حال صاحبها كما قيل:
وكنت أرى قد تناهى بي الهوى ... إلى غاية ما بعدها لي مذهبُ
стр. 142
فلما تلاقينا وعاينت حسنها ... تيقنت أني إنما كنت ألعبُ
فالمكارم منوطة بالمكاره، والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة، فلا نقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد.
قال مسلم في "صحيحه": قال يحيى بن أبي كثير: "لا يُنال العلم براحة الجسم"، وقد قيل: "من طلب الراحة، ترك الراحة".
فيا واصل الحبيب أما إليه ... بغير مشقة أبدًا طريق؟!
ولولا جهل الأكثرين بحلاوة هذه اللذة وعظم قدرها لتجالدوا عليها بالسيوف، ولكن حُفَّتْ بحجاب من المكاره، وحُجِبوا عنها بحجاب من الجهل، ليختص الله لها من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم) اهـ.
قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-:
(حق على طلبة العلم بلوغُ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله تعالى في إدراك علمه نصًّا واستنباطًا، والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه).
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكِلُه ... لا تبلغ المجدَ حتى تلعقَ الصبرا
وقد كان أهل العلم -رحمهم الله تعالى- يلاقون المصاعب. والشدائد في تحصيلهم للعلم، نصح الإمامُ ابنُ هشام النحوي، صاحبُ كتاب "القطر" و"المغني" وغيرهما، طَلَبةَ العلم بالصبر على مَشاقِّ العلم والتحصيل، إذ هو شَرْطٌ في نيل المراد العزيز الغالي، فيقول:
ومن يَصطبرْ للعلِم يَظفَرْ بنَيلِهِ ... ومن يَخْطُبِ الحسناءَ يَصبرْ على البَذْلِ
ومن لم يُذِلِّ النَّفْسَ في طَلَب العُلى ... يسيرًا يَعِشْ دهرًا طويلًا أخا ذُلِّ
стр. 143
إنما يقطع السفر وبصل المسافر بلزوم الجادة وسير الليل، فإذا حاد المسافر عن الطريق ونام الليل كله، فمتى يصل إلى مقصده؟
الجد بالجد والحرمان في الكسلِ ... فانْصبْ تُصِبْ عن قريبٍ غايةَ الأملِ
فعليك يا طالب العلم أن تجد في التحصيل، فإن الأمر كما قال ابن الجنيد: "ما طلب أحد شيئًا بجد وصدق إلا ناله، فإن لم ينله كلَّه نال بعضه".
فهذا هو علو الهمة في طلب العلم:
- غيرة على الوقت أن ينفق في غير فائدة،
- وعزم يبلي الجديدان وهو صارم صقيل،
- وحرص لا يشفى غليله إلا أن يفترق من موارد العلوم بأكواب طافحة،
- وغوص في البحث لا تحول بينه وبين نفائس العلوم وعورةُ المسلك، ولا طولُ مسافةِ الطريق،
- وألسنة مهذبة لا تقع في لغو ومهاترة، كيف لا وقد شغلت بالحق، فأشغلها عن الباطل.
لقد كان حالُ سلف الأمة في طلب العلم، ونشره، والتصنيف فيه حالًا عجيبًا، استثمروا فيه أوقاتهم، وأفنَوْا شبابهم، فحصَّلوا ما يدهش العقول، ويبهر الألباب، ويستنهض الهمم، فهيا إلى مطالعة أحوالهم، والاقتداء بهديهم، والسير على سننهم.
وحدثتني عنهم يا سعد فزدتني ... بهم غرامًا، فزدني من حديثك يا سعدُ!
آخر:
كَرِّرْ عليَّ حديثهم يا حادي ... فحديثهم يُجلي الفؤادَ الصادي
стр. 144
(١) حِرْصُهُم عَلَى طَلَبِ العِلْمَ الشَّريفِ
العلم صناعة القلب وشغله فما لم تتفرغ لصناعته وشغله لم تنلها، وله وجهة واحدة، فإذا وُجَّهَتْ إلى اللذات والشهوات انصرفت عن العلم، ومن لم يُغَلِّبْ لذةَ إدراكِه العلمَ وشهوته على لذة جسمه وشهوة نفسه؛ لم ينل درجة العلم أبدًا، فإذا صارت شهوته في العلم، ولذته في إدراكه؛ رجي له أن يكون من جملة أهله، ولذلك كان علماؤنا -رحمهم الله تعالى- يحرصون على العلم وجمعه حرصًا ليس له نظير، وهاك أمثلة من ذاك:
* عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: (كنتُ أنا وجارٌ لي من الأنصار -هو أوسُ بن خَوَليِّ الأنصاري- في بني أمية بن زيد -أي: ناحية بني أمية-، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوَبُ النزول على رسول الله ﷺ ، ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلتُ جئتُه بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك).
* وعن ابن عباس ﵄ قال: (لما قُبِض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: "هلم فلنسألْ أصحابَ رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير"، فقال: "واعجبًا لك يا ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحَاب رسول الله ﷺ مَن فيهم؟ "، قال: "فتركت ذاك، وأقبلتُ أسأل أصحابَ رسولِ الله ﷺ ، وإن كان يبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، يسفي الريح عليَّ من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم
стр. 145
رسول ﷺ ما جاء بك؟ هلا أرسلتَ إليَّ فآتيك؟ "، فأقول: "لا؛ أنا أحق أن آتيك"، فأسأله عن الحديث، فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني، فيقول: "هذا الفتى كان أعقل مني".
ولما فُتحت البلاد آثر ابن عباس من أجل العلم ظمأ الهواجر في دروب المدينة ومسالكها على الظلال الوارفة في بساتين الشام، وسواد العراق، وشطآن النيل ودجلة والفرات، قال ﵁: "لما فُتحت المدائن أقبل الناس على الدنيا، وأقبلتُ على عمر ﵁".
لكل بني الدنيا مراد ومقصَدُ ... وإن مرادي صحةَ وفراغُ
لأبلغ في علم الشريعة مبلغًا ... يكون به في للجِنان بلاغ
وفي مثل هذا فلينافس أولو النهى ... وحسبي من الدنيا الغَرور بلاغُ
فما الفوز إلا في نعيم مُويَّدٍ ... به العينُ رَغْدٌ والشراب يُساغ
واسمعه ﵁ يخبر عن دأبه في طلب العلم:
"كنت آتي باب أبيِّ بن كعب، وهو نائم، فأقيل على بابه، ولو علم بمكاني، لأحب أن يوقَظ لي لمكاني من رسول الله ﷺ ، لكني أكره أن أملَّه".
وقال ﵁: (كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فأسألهم عن مغازي رسول الله ﷺ وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحدًا إلا سُرَّ بإتياني لقربي من رسول الله ﷺ ، فجعلت أسأل أبيَّ بن كعب يومًا، وكان من الراسخين في العلم، عما نزل بالقرآن في المدينة؟ فقال: "نزل بها سبعٌ وعشرون سورة وسائرها بمكة".