стр. 316
← Ракаик, адаб, азкар следующие страницы →
Ракаик, адаб, азкар · id 96278
علو الهمة
محمد إسماعيل المقدم
Полный текст (416 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 317
عُلُوّ هِمَّةِ فَارسِ الإسلَامِ السُّرمَارِي
الذي قال في وصفه الإمام الذهبي ﵀:
(الإمام، الزاهد، العابد، المجاهد، فارس الإسلام، أبو إسحاق). (وكان أحد الثقات، وبشجاعته يضرب المثل) (أخبار هذا الغازي تَسُرُّ قلب المسلم)، (قال إبراهيم بن عفان البَزَّاز: كنت عند أبي عبد الله البخاري، فجرى ذكر أبي إسحاق السُّرْماري، فقال: "ما نعلم في الإسلام مثله"، فخرجتُ، فإذا أحيد رئيسُ المُطَّوِّعة، فأخبرتُه، فغضبَ ودخل على البخاري، وسأله، فقال: "ما كذا قلتُ: بل: ما بلغنا أنه كان في الإسلام ولا في الجاهلية مثلُه".
وعن أحمد بن إسحاق قال: "ينبغي لقائد الغزاة أن يكون فيه عشرُ خصال: أن يكون في قلب الأسد: لا يَجْبُنُ، وفي كِبَر النَّمِرِ: لا يتواضع، وفي شجاعة الدب: يقتل بجوارحه كلِّها، وفي حَمْلة الخنزير: لا يُوَلِّي دُبُرَه، وفي غارة الذئب: إذا أيِس من وجهٍ أغار من وجه، وفي حمل السلاح كالنَّمْلة: تحمل أكثر من وزنها، وفي الثبات كالصخر، وفي الصبر كالحمار، وفي الوَقاحة كالكلب: لو دخل صيدُه النارَ لدخل خلفه، وفي التماس الفرصة كالدَّيك".
قال إبراهيم بن شماس: كنت أكاتب أحمد بن إسحق السُّرْماري،
стр. 318
فكتب إليَّ: إذا أردت الخروج إلى بلاد الغُزَيَّة في شراء الأسرى، فاكتب إليَّ، فكتبتُ إليه، فقدم سمرقند، فخرجنا، فلما علم جَيْغَوَيْه، استقبلنا في عِدَّة من جيوشه، فأقمنا عنده، فعرض يومًا جيشه، فَمَرَّ رجل، فعظَّمه، وخلع عليه، فسألني عن السُّرماري، فقلت: "هذا رجل مبارز، يُعَدُّ بألف فارس"، قال: "أنا أبارزه"، فسكت، فقال جيغويه: "ما يقول هذا؟ " قلت: "يقول كذا وكذا"، قال: "لعله سكران لا يشعر، ولكن غدًا نركب"، فلما كان الغد ركبوا، فركب السُّرماري معه عمود في كُمِّه، فقام بإزاء المُبارِز، فقصده، فهرب أحمدُ حتى باعده من الجيش، ثم كَرَّ، وضربه بالعمود فقتله، وتبع إبراهيم بن شِماس، لأنه كان سبقه، فَلَحِقه، وعلم جيغويه، فجهَّز في طلبه خمسين فارسًا نقاوةً، فأدركوه، فثبت تحت تَلٍّ مختفيًا، حتى مَرُّوا كلّهم، واحدًا بعد واحد، وجعل يضرب بعموده من ورائهم، إلى أن قتل تسعةً وأربعين، وأمسك واحدًا، قطع أنفه وأذنيه، وأطلقه ليخبِر، ثم بعد عامين تُوفي أحمد، وذهب ابنُ شِماس في الفداء، فقال له جَيغويه: "من ذاك الذي قتل فرساننا؟ " قال: "ذاك أحمد السرماري"، قال: "فلم لم تحمله معك؟ " قلت: "توفي"، فصَكَّ في وجهي، وقال: "لو أعلمتني أنه هو لكنت أعطيته خمس مائة برذون -ضرب من الدواب-، وعشرة آلاف شاة".
وعن عبيد الله بن واصل قال: سمعت أحمد السرماري يقول، وأخرج سيفَه، فقال: "أعلم يقينًا أني قتلت به ألفَ تركي، وإن عشت قتلتُ به ألفًا أخرى، ولولا خوفي أن يكون بدعةً لأمرت أن يُدْفَنَ معي".
стр. 319
وعن محمود بن سهل الكاتب قال: (كانوا في بعض الحروب يحاصرون مكانًا، ورئيس العدو قاعد على صُفَّة -ظلة، والبهو الواسع العالي السقف- فرمى السرماري سهمًا، فغرزه في الصفة، فأومأ الرئيس لينزِعَه، فرماه بسهم آخرَ، خاطَ يَده، فتطاول الكافر لينزِعه من يده، فرماه بسهم ثالث في نحره، فانهزم العدو، وكان الفتح) (١).
وعن عمران بن محمد المطوعي، قال: سمعت أبي يقول: (كان عمود السرماري ثمانية عشر مَنًّا (٢)، فلما شاخ جعله اثني عشر مَنًّا، وكان يقاتل بالعمود) (٣).
...
стр. 320
عُلُوّ هِمَّة "اللؤلؤ العَادِلي "
قال الإمام الذهبي ﵀ في "السير":
(الحاجبُ: من أبطال الإسلام، وهو كان الندوبَ لحرب فرنج الكَرَك الذين ساروا لأخذ طَيبة، أو فرنج سواهم ساروا في البحر المالح، فلم يَسِرْ لؤلؤ إلا ومعه قُيودٌ بعددهم، فأدركهم عند الفحلتين فأحاط بهم، فسلَّموا نفوسهم، فقيَّدهم، وكانوا أكثر من ثلاث مئة مقاتل، وأقبل بهم إلى القاهرة، فكان يومًا مشهودًا) (١).
* وهذا مجاهد ينتدب نفسه للمهمة الجسيمة، ويمضي نحو همته، ويلح سائلًا مولاه:
فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن ... على شَرْجَعٍ (٢) يُعْلَى بخُضْرِ المطارفِ (٣)
ولكنَّ قبري بطنُ نَسْرٍ مقيلهُ ... بجو السماء، في نسورٍ عواكفِ (٤)
стр. 321
وأمسي شهيدًا ثاويًا في عصابة ... يُصابون في فجٍّ من الأرض خائفِ (١)
فوارس من بغداد ألَّف بينهم ... تُقى الله، نزَّالون، عند التزاحف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى ... وصاروا إلى ميعاد ما في المصاحفِ
* وعن أحمد بن إبراهيم قال: نظر يونس إلى قدميه عند موته، فبكى، فقيل له: "ما يُيكيك يا أبا عبد الله؟ "، قال: "قدماي لم تغبرا في سبيل الله ".
* وهذا الإمام المبارك عبد الله بن المبارك يعقد مقارنة بين من تخلى للعبادة وبين من آثر الجهاد في سبيل الله تعالى في قصيدته إلى عابد الحرمين الفضيل بن عياض ﵀:
يا عابدَ الحرمين لو أبصرتَنا ... لعلِمْتَ أنك في العبادة تلعبُ
من كان يخضب جِيدَه بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يُتْعِب خيلَه في باطل ... فخيولنا يومَ الكريهة تتعب
ريح العبير لكم، ونحن عبيرنا ... رَهْج (٢) السنابك (٣) والغبار الأطيب
стр. 322
ولقد أتانا عن مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خهل الله في ... أنف امرئ ودخانُ نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميت لا يكذب
* وتقدم قول الإمام أبي محمد على بن حزم الأندلسي ﵀:
مُناي من الدنيا علومٌ أبثها ... وأنشرها في كل بادٍ وحاضرِ
دعاء إلى القرآن والسنن التي ... تناسى رجالٌ ذكرها في المحاضرِ
وألزم أطراف الثغور مجاهدًا ... إذا هيعةٌ ثارت فأولُ نافِرِ
لألقى حمامي مقبلًا غير مُدْبر ... بسُمْرِ العوالي والدقاق البواترِ
كفاحًا مع الكفار في حومَةِ الوغى ... وأكرمُ موتٍ للفتى قتلُ كافرِ
فيا ربِّ لا تجعل حمامي بغيرها ... ولا تجعلنِّي من قطين المقابرِ
* وهذا الإمام الجليل أبو القاسم محمد بن أحمد بن جزي المالكي ﵀ (ت ٧٤١ هـ) يقول قبل وفاته:
قصدي المؤمل في جهري وإسراري ... ومطلبي من إلهي الواحد البارِ
شهادة في سبيل الله خالصة ... تمحو ذنوبي وتنجيني من النارِ
إن المعاصيَ رجسٌ لا يُطَهِّرُها ... إلا الصوارمُ في أيمان كفارِ
وبعد أن أنشد الأبيات قال: "أرجو الله أن يُعطيني ما سألتُه في هذه الأبيات"، فأعطاه الله ما تمنى، وقُتل في نفس اليوم في موقعة "طريف" مع النصارى بعد أن أبلى في قتالهم بلاءً حسنًا، ﵀، وأعلى درجته في الشهداء.
стр. 323
برئ الإسلام من شاك مضيم ... لا يراه غيرَ صومٍ وصلاه
ذروة الدين جهاد في الصميم ... فلنجاهد أو لتلفظنا الحياه
آخر:
إن نفسًا ترتضي الإسلام دينا
ثم ترضى بعده أن تستكينا
أو ترى الإسلام في أرضٍ مهينا (١)
ثم تهوى العيش نفس لن تكونا
في عداد المسلمين العظماء
...
وشجعان الأمة وأبطالها لا يحاط بهم كثرة، وفرسانها ورجالها لا يحصون عدة، وفيما ذكرنا كفاية ومقنع، إذ ليس في استيفاء بطولاتهم مطمع، وعن أراد الوقوف على المزيد، فليتتبع الغزوات المؤلفة، والتواريخ المصنفة، يَرَ من علو همتهم في الجهاد ما يبهر العقول، ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾.
...
стр. 324
الباب الخامس
الفَصْل الأول
حَال الأمَّةِ عندَ سقوطِ الِهمَّةِ
إن سقوط الهمم وخساستها حليف الهوان، وقرين الذل والصغار، وهو أصل الأمراض التي تفشت في أمتنا، فأورثتها قحطًا في الرجال، وجفافًا في القرائح، وتقليدًا أعمى، وتواكلًا وكسلًا، واستسلامًا لما يُسمى "الأمر الواقع".
* فقد رأينا في التاريخ الماضي كيف كان الجندي التتَري يأمر المسلم الذي سقطت همته بالقعود مكانه ريثما يذهب فيحضر حجرًا يقتله به، فيستسلم ذاك، ولا يحرك ساكنًا إلى أن ينجز التتري ما أوعده! ورأينا في عصرنا هذا كيف ركع الجندي العراقي أمام نعلي الجندي الأمريكى يتمسح فيهما ويقبلهما سائلًا إياه العفو والصفح، بينما يربت الأخير على كتفه، قائلًا له في مشهد تمثيلي مُخْزٍ: "لا تجزع .. لا بأس عليك! ".
* ورأينا كيف شكا ابن خلدون ﵀ تشبه مسلمي عصره ممن سفلت همتهم بأعدائهم الكفار، واعتبر ذلك من أمارات ضياع الأندلس من أيدي المسلمين، فقال ﵀:
(ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها، بل وفي سائر أحواله، وانظر ذلك فِي الأبناء مع
стр. 325
آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائمًا، وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمالَ فيهم، حتى إنه إذا كانت أمة تجاور أخرى، ولها الغلب عليها، فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير، كما هو في "الأندلس" لهذا العهد مع أمم الجلالقة أي "الأسبان"، فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثر من عوائدهم وأحوالهم حتى في رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت، حتى لقد يَستشْعِرُ من ذلك الناظرُ بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء، فالأمر لله) (١) اهـ، وقد حدث ما توقعه "ابن خلدون" ﵀، واستولى الفرنج على الأندلس الإسلامية، وخرج المسلمون منها بعد مائتي سنة من كتابته هذه السطور.
وفي عصرنا رأينا شبابًا ينتسبون إلى الإسلام تصاغرت هممهم فلم تنشغل إلا بسفاسف الأمور ومحقراتها (٢)، ورأيناهم يمعنون في التشبه
стр. 326
بالكفار، بل يعلقون على صدورهم وسياراتهم أعلام الدول التي أذلت كبرياءهم، وطأطأت أعناقهم، وأهدرت كرامتهم، واستعبدت أمتهم (١).
وعلى صعيد آخر رأينا من يسوِّغ تعبيد الأمة وتبعيتها لأعدائها بحجة أننا: "لن نفكر برأسنا، ما دمنا لا نأكل بفأسنا"! أو أن ما نحن فيه
стр. 327
من الانحدار "تسبب فيه مَن قبلنا، وسيصلحه مَن بعدنا"! وأدركنا زمانًا لم تعد فيه "الخيانة" عارًا يُستر ولكنها "شرف" يُظهر، ووظيفة مرموقة، ومفخرة يُتهافَتُ عليها.
ويبين الأستاذ محمد أحمد الراشد -أعزه الله- ملمحًا خطيرًا من ملامح محنة المسلمين في عصر انحطاط الهمم، فيقول: إن [محنة المسلمين اليوم لا تقتصر على تسلط أئمة الضلالة فحسب، بل تعدت ذلك إلى تربية سخرت المناهج الدراسية، وكراسي الجامعات والصحف والإذاعات لمسخ الأفكار والقيم، حتى غدًا صيدُ (١) المخططات في سرور، يحسب نفسه في انعتاق من أسر القديم، أي قديم كان.
إن عصاة المسلمين اليوم ضحية تربية أخلدتهم إلى الأرض، أرادت لهم الفسوق ابتداءً، لتستخف بهم الطواغيت انتهاءً، وإنها خطة قديمة، يأخذها الطاغوت اللاحق عن الطاغوت السابق، حتى تصل أصولها إلى فرعون، "وذلك كما يقول الله سبحانه: ﴿فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قومًا فاسقين﴾، فهذا هو التفسير الصحيح للتاريخ، وما كان فرعون بقادر على أن يستخف قومه فيطيعوه لو لم يكونوا فاسقين عن دين الله، فالمؤمن بالله لا يستخفه الطاغوت، ولا يمكن أن يطيع له أمرًا (٢) ".
وهكذا أدركوا المقتل الذي عرفه فرعون، فتواصوا بالإفساد، وأخذوا "يحولون المجتمعات إلى فتات غارق في وحل الجنس والفاحشة
стр. 328
والفجور، مشغول بلقمة العيش، لا يجدها إلا بالكد والعسر والجهد، كي لا يفيق، بعد اللقمة والجنس، ليستمع إلى هدى، أو يفيء إلى دين" (١)، وصارت تلك سياستهم: "سياسة محاربة المساجد بالمراقص، ومحاربة الزوجات بالمومسات، ومحاربة العقائد بأساتذة حرية الفكر، ومحاربة فنون القوةَ بفنون اللذة" (٢).
وهكذا تحول -بهذه التربية- ذلك الصقر الإسلامي إلى مثل طائر الحَجَل (٣) في وداعته كما يقول "إقبال"، إنه الأدب "والترويض" الذي استعمله أئمة الضلال، أدبٌ:
يَسْلبُ السَّرْوَ (٤) جميلَ الميل ... ويرد الصقر مثل الحَجَلِ
يسخر الركبان باللحن المبين ... ولقاع البحر يهوي بالسفين (٥)
نَوَّمَتْ ألحانهُ يقظتنا ... أطفأت أنفاسُه وَقْدَتَنا (٦)
وأُّشرِب الناس الذلَّ ...
"إن الإنسان بفطرته نَفور من الذل، آبٍ على الحيف، ولكن تحيط بالناس أحوال، وتتوالى عليهم حادثات، فيُراضون على الخضوع حينًا بعد حين، ويسكنون إلى الخنوع حالًا بعد حال، حتى يدربوا عليه، كما يُستأنس السبعُ، ويؤلف الوحش، ولكن يبقى في الناس ذرات من
стр. 329
الكرامة، وفي الدماء شذرات من الجمر، فإذا دعا الداعي إلى العزة، وأذن بالحرية، وأيقظ الوجدان النائم، وحرَّك الشعور الهاجد: نبضت الكرامة في النفس، وبَصَّت (١) الجمرة في الرماد، وأفاقت في الإنسان إنسانيته، فأبى وجاهد، ورأى كل ما يلقى أهون من العبودية، وأحسن من هذه البهيمية.
كل ذل يصيب الإنسان من غيره، ويناله من ظاهره: قريب شفاؤه، ويسير إزالته، فإذا نبع الذل من النفس، وانبثق من القلب، فهو الداء الدوي، والموت الخفي.
ولذلك عمد الطغاة المستعبِدون إلى أن يُشْربوا الناسَ الذل، بالتعليم الذليل، والتأديب المهين، وتنشئة الناشئة عليه بوسائل شتى، ليُميتوا الهمة، ويُخمدوا الحمية، وإذا بيدهم العصا والزمام" (٢).
وكان من تمام ما يلزمه هذا الترويض أن يضيقوا على دعاة الإسلام، ليستبد بالتوجيه التربوي والإذاعي والصحافي أدعياء العلم والشعر والحكمة الذين موهوا أمرهم بأسماء منظمات تبدو في ظاهرها مختلفة، وطفقوا يزينون للجيل الجديد، سليل المجاهدين، وشبل الأسود، أن يكون رقيقًا للشهوات والجنس والعيش الرغيد، وبدأوا يمحون تراث الأمة الذي نهضت به، ويطمسون قصص العلماء، حذرًا من أن تكون نبراسًا للجيل يستدل بها على طريق العمل ... فذلك قول شاعر الإسلام "إقبال" ﵀:
стр. 330
ليس يخلو زمانُ شعبٍ ذليل ... من عليمٍ وشاعر وحكيم!
فَرَّقَتهم مذاهب القول لكن ... جميع الرأى مقصد في الصميم:
عَلموا الليثَ (١) جفلةَ (٢) الظَّبي (٣) وامْحوا ... قَصَصَ الأسْدِ في الحديث القديم
هَمُّهم غِبطة الرقيق برِق ... كله تأويلهم خداع عليم
وقَد كان (٤) ...
هذا هو عنوان خطة الكيد اليهودي والصليبي، إنه تعليم الليث الإسلامي جفلة الظبي، ومحو قصص أسد الإسلام من العلماء والزهاد والمجاهدين من تاريخ القرون الفاضلة الأولى لهذه الأمة المجاهدة.
وأنتجت خطط التربية ذاك الظبي الجفول الذي لم يعد يقتحم، واستبدل العزم بالتفلت، والمسارعة إلى الهرب، إنهم هذا الجيل من أبناء المسلمين، شبلُ أسدٍ تحول إلى ظبي وديع، وحُرٌّ استرقُّوه ففْرح!] (٥) اهـ.
...
стр. 331
الفصَل الثاني
أسَبابُ انحطَاطِ الهِمَمِ
* منها: الوهن ، وهو كما فسره رسول الله ﷺ : "حب الدنيا، وكراهية الموت" (١).
- أما حب الدنيا: فرأس كل خطيئة كما في الحكمة المشهورة، وهو أصل التثاقل إلى الأرض، وسبب الاستئسار للشهوات، والانغماس في الترف، والتنافس على دار الغرور التي:
تفانى الرجال على حبها ... وما يحصلون على طائل
قال ابن الجوزي ﵀: (واعلم أن زمان الابتلاء ضيف قِراهُ الصبر، كما قال أحمد بن حنبل: "إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل، فلا تنظر إلى لذة المترفين، وتلمحْ عواقبهم، ولا تضق صدرًا بضيق المعاش، وعلل الناقة بالحدْو تسِرْ:
طاوِلْ بها الليلَ مالَ النجمُ أم جَنحَا ... وماطِلِ النومَ ضَنَّ الجَفْنُ أمْ سَمَحا
فإن تَشَكَّتْ فَعَلِّلْها المَجَرَّةَ مِن ... ضوءِ الصباحِ وعِدْها بالرواحِ ضحَى
وقد كان أهدي إلى أحمد بن حنبل هدية -أي من المنصور- فردَّها، ثم قال بعد سنة لأولاده: "لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت".
стр. 332
ومَرَّ بشر على بئر، فقال له صاحبه: "أنا عطشان"، فقال: "البئر الأخرى"، فمرَّ عليها، فقال له: "الأخرى"، ثم قال: "كذا تُقطع الدنيا"، ودخلوا إلى بشر الحافي وليس في داره حصير، فقيل له: "ألا بذا تؤذي؟ " فقال: "هذا أمير ينقضي" (١) اهـ.
- وأما كراهية الموت: فثمرة حب الدنيا والحرص على متاعها، مع تخريب الآخرة، فيكره أن ينتقل من العمران إلى الخراب، قال الطغرائي مبينًا أثر حب السلامة في الانحطاط بالهمة:
حب السلامة يثني عزم صاحبه ... عن المعالي ويغري المرء بالكَسَلِ
إن حب الدنيا، وكراهية الموت صنوان لا يفترقان، وإن الهمة العالية لا تسكن القلب الجبان، وتأمل حال خسيس الهمة، الذي أورثته التربية الفاسدة حرصًا على حياةٍ؛ أيِّ حياة ولو ذليلة، وغرست فيه حب السلامة في موطن الجرأة والِإقدام والمخاطرة:
أضحت تُشَجِّعُني هندٌ فقلتُ لها ... إن الشجاعة مقرونٌ بها العَطَبُ
لا والذي حَجَّت الأنصارُ كعبتَه ... ما يشتهي الموت عندي مَن له أرب
للحرب قومٌ أضلَّ اللَّهُ سعيهم ... إذا دعتهم إلى حوماتها وثبوا
ولست منهم ولا أهوى فعالهم ... لا القتل يعجبني منهم ولا السلبُ (٢)
آخر:
يقول لي الأمير بغير جرمٍ ... تقدَّمْ حين حلَّ بنا المِراسُ
فما لي إن أطعتُك في حياة ... ولا لي غير هذا الراسِ راسُ (٣)
стр. 333
والمِراس هنا: التضارب في الحرب، والجلد والقوة في ممارسة القتال، فأين هذا من ذلك العبد الصالح الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "طوبى لعبدٍ آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقَة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشَفَّعْ" (١)، والذي قال ﷺ في وصفه: "رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما سمع بهيعة (٢) استوى على متنه، ثم طلب الموت مظانه" الحديث (٣).
* ومنها: الفتور ، فعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما عن النبي ﷺ قال: "إن لكل عمل شِرَّةً، ولكل شِرَّة فترة (٤)، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك" (٥).
стр. 334
وعن أم المؤمنين عائشهّ ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "يا أيها الناس! خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل" (١).
لكلٍّ إلى شأو العلا حركاتٌ ... ولكنْ عزيز في الرجالِ ثباتُ
فمن ثم قال ﷺ لعبد الله بن عمرو ﵄: "لا تكن مثلَ فلانٍ كان يقوم الليل فترك قيام الليل" (٢).
* ومنها: إهدار الوقت الثمين في الزيارات والسمر وفضول المباحات: قال ﷺ : "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" (٣).
والوقت أنفس ما عُنيت بحفظه ... وأراه أسهلَ ما عليك يضيع
و [قال الفضيل بن عياض: "أعرف من يَعُدُّ كلامه من الجمعة إلى الجمعة".
ودخلوا على رجل من السلف، فقالوا: "لعلنا شغلناك؟ "، قال: "أصدقكم، كنت أقرأ فتركتُ القراءة لأجلكم".
وجاء عابدٌ إلى السَّرِيِّ السَّقَطي، فرأى عنده جماعة، فقال: "صِرتَ مُناخَ البطالين! "، ثم مضى ولم يجلس.
وقعد جماعة عند معروف الكرخي، فأطالوا، فقال: "إن مَلَك الشمس لا يفتر عن سوقها، فمتى تريدون القيام؟ ".
стр. 335
وقال بعض السلف: "إذا طال المجلس صار للشيطان فيه نصيب".
وكان عثمان الباقلاويُّ دائم الذكر لله تعالى، فقال: "إني وقت الإفطار أُحِسُّ بروحي كأنها تخرج، لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر"، وأوصى بعضُ السلف أصحابه، فقال: "إذا خرجتم من عندي فتفرقوا، لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه، ومتى اجتمعتم تحدثم" (١)].
* ومنها: العجز والكسل ، وهما العائقان اللذان أكثر رسول الله ﷺ من التعوذ بالله سبحانه منهما، وقد يعذر العاجز لعدم قدرته، بخلاف الكسول الذي يتثاقل ويتراخى مما ينبغي مع القدرة، قال تعالى: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾.
رُويْ أن رجلًا قال لخالد بن صفوان: "ما لي إذا رأيتكم تذاكرون الأخبار، وتدارسون الآثار، وتناشدون الأشعار، وقع عليَّ النوم؟ "، فقال: "لأنك حمار في مسلاخ إنسان".
وقد ترى الرجل موهوبًا ونابغة، فيأتي الكسل فيُخذِّلُ همته، ويمحق موهبته، ويطفئ نور بصيرته، ويشل طاقته، قال الفراء ﵀: "لا أرحم أحدًا كرحمتي لرجلين: رجلٍ يطلب العلم ولا فهم له، ورجل يفهم ولا يطلبه، وإني لأعجب ممن في وسعه أن يطلب العلم، ولا يتعلم"، قال المتنبي:
ولم أرَ في عيوب الناس عيبًا ... كنقص القادرين على التمام
стр. 336
* ومنها الغفلة ، وشجرة الغفلة تُسْقَى بماء الجهل الذي هو عدو الفضائل كلها.
هل علمتم أمة في جهلها ... ظهرت في المجد حسناءَ الرداء؟
قال عمر ﵁: "الراحة للرجال غفلة".
وقال شعبة بن الحجاج: "لا تقعدوا فراغًا فإن الموت يطلبكم".
وسئل ابن الجوزي: "أيجوز أن أفسح لنفسي في مُباح الملاهي؟ "، فقال: "عند نفسك من الغفلة ما يكفيها".
قال الأستاذ محمد أحمد الراشد حفظه الله بعد ما أورد الآثار السابقة:
[فإن اعترض معترض، أتيناه بمثل كلام ابن القيم ﵀ حيث يقول: "لا بد من سِنة الغفلة، ورقاد الغفلة، ولكن كن خفيف النوم".
والمراد تقليل الراحة إلى أدنى ما يكفي الجسم، كل حسب صحته وظروفه خاصة وأن المؤمن في هذا الزمان أشد حاجة للانتباه ومعالجة قلبه، وتفتيشه، مما كان عليه المسلمون في العصور الماضية، ذلك أنهم كانوا يعيشون في محيط إسلامي تسوده الفضائل، ويسوده التواصي بالحق، والرذائل تجهد نفسها في التستر والتواري عن أعين العلماء وسيوف الأمراء، أما الآن فإن المدنية الحديثة جعلت كفر جميع مذاهب الكفار مسموعًا مبصَرًا بواسطة الإذاعات والتلفزة والصحف. وجعلت إلقاءات جميع أجناس الشياطين قريبة من القلوب، وبذلك زاد احتمال تأثر المؤمن من حيث لا يريد ولا يشعر بهذا المسموع والمنظور، فضلًا عن ارتفاع حكم الإسلام عن الأرض الإسلامية التي يعيش فيها،
стр. 337
فوجب عليه شيء من المجاهدة والمراقبة لوقته أكثر مما كان يجب على السلف.
وما أصدق تصويرَ إمامِ تركيا "بديع الزمان سعيد النورسي" ﵀ لهذه الحقيقة حين يقول: (إن هذه المدنية السفيهة، المصيِّرة للأرض كبلدة واحدة، يتعارف أهلها، ويتناجون بالإثم وما لا يعني بالجرائد صباحًا ومساءً، غلظ بسببها وتكاثف بملاهيها حجاب الغفلة، بحيث لا يُخرق إلا بصرف همة عظيمة)] (١) اهـ.
* ومنها: التسويف والتمني: وهما صفة بليد الحس، عديم المبالاة، الذي كلما همت نفسه بخير، إما يعيقها بـ "سوف" حتى يفجأه الموت، فيقول: ﴿ربِّ لولا أخرتني إلى أجل قريب﴾، وإما يركب بها بحر التمني، وهو بحر لا ساحل له، يُدمن ركوبه مفاليس العالم، كما قيل:
إذا تمنيت بتُّ الليلَ مغتبطًا ... إن المنى رأسُ أموال المفاليس
وبضاعة رُكَّابه: مواعيد الشيطان، وخيالات المحال والبهتان، فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة، والخيالات الباطلة، تتلاعب براكبه، كما تتلاعب الكلاب بالجيفة، وهي بضاعة كل نفس مهيِنة خسيسة سفلية، ليس لها همة تنال بها الحقائق الخارجية، بل اعتاضت عنها بالأماني الدنية .... فيتمثل المتمني صورة مطلوبة في نفسه، وقد فاز بوصلها، والتذ بالظفر بها، فبينما هو على هذه الحال"، إذ استيقظ فإذا يده والحصير (٢).
стр. 338
وانتبه من رقدة الغفـ ... ـلة، فالعمر قليل
واطَّرِحْ "سوف" و"حتى" ... فهُما داءٌ دخيل
قال رجل لابن سيرين: "إني رأيت في منامي أني أسبح في غير ماء، وأطير بغير جناح! فما تفسير هذه الرؤيا؟ "، فقال له: (أنت رجل كثير الأماني والأحلام".
وما أحسن ما قال "أبو تمام":
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روضَ الأماني لم يزِل مهزولا
وعن الحسن قال: (المؤمن من يعلم أن ما قال الله كما قال، والمؤمن أحسن الناس عملًا، وأشد الناس خوفًا، لو أنفق جبلًا من مال ما أمن دون أن يُعاين، لا يزداد صلاحًا وبرًّا وعبادة إلا ازداد فَرَقًا، يقول: "لا أنجو، لا أنجو"، والمنافق يقول: "سواد الناس كثير، وسيُغفر لي، ولا بأس عليَّ"، يسيء العمل، ويتمنى على الله تعالى) (٢).
وقال "المتنبي" منزهًا نفسه عن الاستغراق في أحلام اليقظة، ومبينًا كيف ألف الحقائق، واعتاد ركوب المخاطر:
стр. 339
وما كنتَ ممن أدركَ المُلكَ بالمُنى ... ولكنْ بأيامٍ أشَبْنَ النواصيا
لبستَ لها كُدْرَ العَجاج (١) كأنما ... ترى غيرَ صافٍ أن ترى الجوَّ صافيا
* ومنها: ملاحظة سافل الهمة من طلاب الدنيا ، الذي كلما هممت بالنهوض جذبك إليها، وغرك قائلًا: "أمامك ليل طويل فارقد".
عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إنما مَثَل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكِير (٢)، فحاملُ المسك: إما أن يُحْذِيك (٣)، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكِير: إما أن يُحْرِق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة" (٤).
فحذار من مجالسة المثبطين من أهل التبطل والتعطل واللهو والعبث، فإن "طبعك يسرق منهم وأنت لا تدري، وليس إعداء الجليس جليسه بمقاله وفِعَاله فقط، بل بالنظر إليه! والنظر في الصور يورث في النفوس أخلاقًا مناسبة لخلق المنظور إليه ... ومن المشاهد أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة، فما الظن بالنفوس البشرية؟! " (٥).
ولا تجلس إلى أهل الدنايا ... فإن خلائق السفهاء تُعْدي
* ومنها: العشق ، لأن صاحبه يحصر همته في حصول معشوقه، فيُلهيه عن حب الله ورسوله ﴿بئس للظالمين بدلًا﴾، إن عالي الهمة لا يستأسر للعشق الذي "يمنع القرار، ويسلُب المنام، ويولِّه العقل، ويحدث الجنون،
стр. 340
وكم من عاشق أتلف في معشوقه ماله وعرضه ونفسه، وأتلف دينه ودنياه. والعشق يترك الملِك مملوكًا، والسلطان عبدًا، ترى الداخل فيه يتمنى منه الخلاص، ولات حين مناص، وكم أكبت فتنة العشق رؤوسًا على مناخرها في الجحيم، وأسلمتهم إلى مقاساة العذاب الأليم، وجرعتهم بين أطباق النار كؤوس الحميم" (١).
* ومنها: الانحراف في فهم العقيدة ، لاسيما مسألة القضاء والقدر، وعدم تحقيق التوكل على الله ، وبدعة الإرجاء.
* ومنها: الفناء في ملاحظة حقوق الأهل والأولاد ، واستغراق الجهد في التوسع في تحقيق مطالبهم نظرًا إلى قوله ﷺ : "وإن لأهلك عليك حقًّا"، مع الغفلة عن قوله ﷺ : "وإن لربك عليك حقًّا"، وقوله: "فأعط كل ذي حق حقه" (٢)، وقد عَدَّ القرآن الكريم الأهل والأولاد أعداءً للمؤمن إذا حالوا بينه وبين طاعة الله ، روى ابن جرير عن عطاء بن يسار في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادم عدوًّا لكم فاحذروهم﴾ قال: (نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه، ورققوه، فقالوا: "إلى مَن تدعُنا؟ "، فيرق، ويقيم، فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوَّا لكم فاحذروهم﴾.
* ومنها: المناهج التربوية والتعليمية الهدَّامة التى تثبط الهمم ، وتخنق المواهب، وتكبت الطاقات، وتخرب العقول، وتنشئ الخنوع،
стр. 341
وتزرع في الأجيال ازدراء النفس، وتعمق فيها احتقار الذات، والشعور بالدونية، كقول بعض الصوفية: "الفقر هو الذي يأكله القمل، ولا يكون له ظفر يحك به نفسه"، وقولِ ثانٍ: "الصوفي: من يرى دمه هدرًا، وملكه مباحًا"، وقولِ ثالث: إنه ما سُرَّ في إسلامه إلا ثلاث مرات: "كنت في سفينة، فلم أجد أحقر مني فيها، وكنت مريضًا في المسجد، فجرَّني المؤذن إلى خارجه، وكان عليَّ فرو فنظرت فيه، فلم أميز بين شعره، وبين القمل من كثرته"!
ومن ذلك: منهج بعض الصوفية في الإعراض عن علوم القرآن والسنة، وترهيب مريديهم من طلب العلم الشرعي حتى سقط من كُمِّ أحدهم يومًا قلم كان يخفيه، خشية أن يُفتضح بينهم بطلب العلم، فقال له شيخه: "استر عورتك"،
وروى ابن الجوزي عن جعفر الخالدي قال: (لو تركني الصوفية لجئتكم بأسانيد الدنيا، لقد مضيت إلى عباس وأنا أحدث، فكتبت عنه مجلسًا واحدًا، وخوجت من عنده، فلقيني بعض من كنت أصحبه من الصوفية، فقال: "إيش هذا معك"؟ فأريته إياه، فقال: "ويحك تدع علم الخِرَق، وتأخذ علم الورق، ثم مزَّق الأوراق، فدخل كلامه في قلبي، فلم أعد إلى عباس".
وأخطر منها وأضر المناهج التربوية والتعليمية التي ارتضت العالمانية دينًا، فراحت تسمم آبار المعرفة التي يستقي منها شباب المسلمين، لتخرج أجيالًا مقطوعة الصلة بالله، تبتغى العزة في التمسح على أعتاب الغرب، وتأنف من الانتساب إلى الإسلام.
стр. 342
* ومنها: توالي الضربات، وازدياد اضطهاد العاملين للإسلام ، مما ينتج الشعور بالإحباط في نفوس الذين لا يفقهون حقيقة البلاء، وسنن الله في خلقه، كما ينتج عنه استطالة الطريق فيضعف السير إلى الله ، وقد كان ﷺ يعزي أصحابه المضطهدين في مكة بتبشيرهم بأن المستقبل للإسلام، وبأن العاقبة للمتقين.
وصح عن خباب بن الأرت ﵁ أنه قال: (شكونا إلى رسول الله ﷺ ، وهو متَوسِّد بُرْدَةً له في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان مَن قبلكم، يؤخذ الرجل، فيُحفَر له في الأرض، فيُجعل فيها، ثم يؤتي بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيُجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله لَيُتِمَّنَّ الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا اللَّهَ والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون") (١).
أخي ستبيد جيوش الظلام ... ويشرق في الكون فجر جديد
فأطلق لروحك إشراقها ... تر الفجر يرمقنا من بعيد
...
стр. 343
الفَصْل الثالِث
مِن أسبَابِ الارتقاءِ بالهِمَّةِ
* العلم والبصيرة ، فالعلم يصعد بالهمة، ويرفع طالبه عن حضيض التقليد، ويُصَفِّي النية، ذكر القُصَّاص أن رجلاً خطب امرأة ذات منصب وجمال، فأبت؛ لفقره، وقلةِ حسبه، ففكر بأيِّ الأمرين ينالها: أبالمال أم الحسب؟ فاختار الحسب، وطلب له العلم، حتى أصبح ذا مكانة، فَبَعَثَتْ إليه المرأة تعرضُ نفسها، فقال: "لا أوثر على العلم شيئًا".
* والعلم يورث صاحبه الفقه بمراتب الأعمال، فيتقي فضول المباحات التي تشغله عن التعبد، كفضول الأكل والنوم والكلام، ويراعي التوازن والوسطية بين الحقوق والواجبات امتثالًا لقوله ﷺ : "أعط كل ذي حق حقه"، ويبصره بحيل إبليس - وتلبيسه عليه كي يحول بينه وبين ما هو أعظم ثوابًا، قال أبو سليمان: "يجيئك -أي إبليس- وأنت في شيء من الخير، فيشير لك إلى شيء من الخير دونه ليربح عليك شَعيرة".
* ومنها: إرادة الآخرة، وجعل الهموم همًّا واحدًا:
قال تعالى: ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا﴾.
وقال ﷺ : "من كانت همَّه الآخرةُ؛ جمع الله له شملَه، وجعل غناه
стр. 344
في قلبه، وأتته الدنيا راغمة، ومن كانت همه الدنيا، فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له" (١).
* ومنها: كثرة ذكر الموت: لأنه يدفع إلى العمل للآخرة، والتجافي عن دار الغرور، ومحاسبة النفس، وتجديد التوبة، وإيقاظ العزم على الاستقامة.
عن البراء بن عازب ﵁ قال: (يينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ بصر بجماعة فقال: "علام اجتمع عليه هؤلاء؟ " قيل: "على قبر يحفرونه"، قال: ففزع رسول الله ﷺ ، فبدر بين يدي أصحابه مسرعًا حتى انتهى إلى القبر، فجثا عليه، قال: فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بل الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا، قال: "أي إخواني! لمثل هذا اليوم فأعِدُّوا") (٢).
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: "أضحكني ثلاث، وأبكاني ثلاث: أضحكني مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك بملء فيه، وهو لا يدري أأرضى الله أم أسخطه، وأبكاني فراق الأحبة محمد ﷺ وحزبه، وهول المُطلَع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي الله، يوم تبدو السريرة علانية، ثم لا يدري إلى الجنة أو إلى النار".
وقيل لبعض الزهاد: "ما أبلغ العظات؟ " قال: "النظر إلى
стр. 345
الأموات"، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأوزاعي: "أما بعد، فإنه مَن أكثر ذكر الموت، رضي من الدنيا باليسير".
وعن عطاء قال: (كان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء، فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ويبكون).
وكان يقول صالح المري: "إن ذكر الموت إذا فارقنى ساعة فَسَدَّ علَيَّ قلبي"، وقال الدقاق: "من أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثة: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوجل بثلاثة: تسويف التوبة، وترك الرضى بالكفاف، والتكاسل في العبادة".
(كما أن مشاهدة المحتَضَرين، وملاحظة سكرات الموت ونزعاته، وتأمل صورة الميت بعد مماته، مما يقطع عن النفوس لذاتها، ويطرد عن القلوب مسراتها، ويمسح الأجفان من النوم، والأبدان من الراحة، ويبعث على العمل، ويزيد في الاجتهاد والتعب.
ذكر عن الحسن البصري أنه دخل على مريض يعوده، فوجده في سكرات الموت، فنظر إلى كربه، وشدة ما نزل به، فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم، فقالوا له: "الطعام يرحمكم الله"، فقال: "يا أهلاه، عليكم بطعامكم وشرابكم، فوالله رأيت مصرعًا لا أزال أعمل له حتى ألقاه") (١).
وقال اللبيدي: وجدت بعد موت أبي إسحاق الجبنياني ﵀ رقعة تحت حصيره مكتوبة بخطه: (رجل وقف له هاتف، فقال له:
стр. 346
"أحسِن، أحسن عملك، فقد دنا أجلك"، فقال لي ولده عبد الرحمن: "إنه كان إذا قصَّر في العمل، أخرج الرقعة، فنظر فيها، ورجع إلى جِدَّه") (١).
ما زال يلهج بالرحيل وذِكره ... حتى أناخ ببابه الجمَّالُ
فأصابه مستيقظًا متشمرا ... ذا أُهْبةٍ لم تُلْهِهِ الآمال
* ومنها: الدعاء؛ لأنه سنة الأنبياء ، وجالب كل خير، وقد قال ﷺ : "أعجز الناس من عجز عن الدعاء" الحديث (٢)، وقال ﷺ : "إذا تمنَّى أحدكم، فليُكثر، فإنما يسأل ربه" (٣)، ولما رأى رسول الله ﷺ من ابن عباس ما دل على ذكائه دعا له: "اللهم فقهه في الدين" وعلِّمه التأويل" (٤)، وكان من دعائه ﷺ عقب الصلاة: "اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك" (٥).
إذا لم يكن من الله عون للفتى ... فأول ما يجني عليه: اجتهاده
* ومنها: الاجتهاد في "حصر" الذهن (٦)، وتركيز الفكر في معالي
стр. 347
الأمور، ولنا في أئمة السلف والخلف أحسن الأسوة في ذلك، قال الحسن: "نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل".
كان الخليل بن أحمد يخرج من منزله، فلا يشعر إلا وهو في الصحراء، ولم يُرِدْها من شغله بالفكر.
وكان يدخل الداخل إلى أبي تمام الشاعر، وهو يعمل الشعر، فلا يشعر به. وكانت لابن سَحْنون سُرِّيَّة، فطلب منها ذات يوم أن تُعِدَّ له طعامًا، وشُغِل بالتأليف والرد على المخالفين، وأحضرت الطعام، وبعد طول انتظار أخذت تطعمه -تلقمه- حتى أتى عليه، وتمادى في عمله حتى الفجر، ثم سألها أن تحضر الطعام فأخبرته بأنه أتى عليه دون أن يشعر.
وذكر السبكي في "طبقات الشافعية" عن أبيه الإمام تقي الدين أنه:
стр. 348
(كان من الاشتغال على جانب عظيم بحيث يستغرق غالب ليله وجميع نهاره، كان يخرج من البيت صلاة الصبح فيشتغل على المشايخ إلى أن يعود قريب الظهر، فيجد أهل البيت قد عملوا له فرُّوجًا فيأكله، ويعود إلى الاشتغال إلي المغرب، فيأكل شيئًا حُلْوًا لطيفًا، ثم يشتغل بالليل، وهكذا لا يعرف غير ذلك، حتى ذكر لي أن والده قال لأمِّه: "هذا الشاب ما يطلب قطُّ درهمًا ولا شيئًا، فلعله يرى شيئًا يريد أن يأكله، فضعي في منديله درهمًا أو درهمين"، فوضعت نصف درهم، قالت الجدة: فاستمر نحو جمعتين وهو يعود والمنديل معه، والنصف فيه، إلى أن رمى به إليَّ، وقال: "أيش أعمل بهذا؟ خذوه عني" (١).
وكان الإمام ابن مالك النحوي -صاحب "الألفية" وغيرها- كثير المطالعة، سريع المراجعة، لا يكتب شيئًا من محفوظه حتى يراجعه في محله، ولا يُرى إلا وهو يصلي أو يتلو أو يصنف أو يقرأ.
حُكَي: (أنه توجه يومًا مع أصحابه للفُرجة بدمشق، فلما بلغوا الموضع الذي أرادوه، غفلوا عنه بسويعة، فطلبوه فلم يجدوه، ثم فحصوا عنه فوجدوه منكبًّا على أوراقه).
قلبٌ يطل على أفكاره، ويَدٌ تُمضي الأمورَ، ونفسٌ لهوُها التعب والشيخ أحمد بن علي نجم الدين بن الرفعة: "كان كثير الصدقة، مُكِبًّا على الاشتغال، حتى عرض له وجع المفاصل، بحيث كان الثوب إذا لمس جسمه آلمه، مع ذلك معه كتاب ينظر إليه، وربما انكبَّ على وجهه وهو يُطالع"، وهو الذي قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية بعد مناظرة بينهما: "رأيت شيخًا تتقاطر فروع الشافعية من لحيته"، وقال
стр. 349
الإسنوي عنه: "ما أخرجت مصر بعد ابن الحدَّاد أفقه منه" اهـ (١). ومما يرُوى (أن أميرًا بالشام أدر على الحسن بن الهيثم مالاً كثيرًا، فقال له: "يكفيني قوتُ يومٍ، وتكفيني جارية وخادم، فما زاد على قوت يومي: إن أمسكتهُ كنتُ خازنك، وإن أنفقته كنت كهرمانك ووكيلك، وإذا اشتغلت بهذين الأمرين فمن الذي يشتغل بأمري وعلمي؟ ") (٢).
* ومنها: التحول عن البيئة المثبطة:
إن للبيئة المحيطة بالإنسان أثرًا جسيمًا لا يخفى، فإذا كانت بيئة مثبطة داعية إلى الكسل والخمول وإيثار الدون فإن على المرء أن يهجرها إلى حيث تعلو همته، كي يتحرر من سلطان تأثيرها، وينعم بفرصة الترقي إلى المطالب العالية (٣).
تقول ابنة السعدي وهي تلومني ... أما لك عن دار الهوان رحيلُ
فإن عناء المستنيم إلى الأذى ... بحيث يذل الأكرمون طوبل
وعندك محبوك السراة مطهم ... وفي الكف مطرور الشباة صقيل (٤)
стр. 350
وأشد الناس حاجة إلى تجديد البيئة المحيطة، وتنشيط الهمة، الحديث العهد بالتوبة، فإن من شأن التحول من بيئة المعصية إلى بيئة الطاعة أن ينسيه ما يجذبه إلى صحبة السوء وأماكن السوء، فيجتمع قلبه، ويلتئم شمله، وتتوحد همته وتتوجه بصدق وعزم إلى أسلوب من الحياة جديد، وهذا عين ما أشار به "العالم" الواعي على قاتل المائة (١)، حين شفَّع قوله: "نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة" بقوله: "انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء"، ولما جاءه الموت، واختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، كان قربه إلى القرية الصالحة بالنسبة إلى بلد السوء سببًا في قبض ملائكة الرحمة إياه، ففي بعض الروايات: "فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجُعل من أهلها"، وفي رواية: "فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقرَّبي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له" وفي رواية: "فنأى بصدره نحوها".
ولعل هذا المعنى كامن أيضًا في تشريع نفي الزاني غير المحصن وتغريبه سنة بعيدًا عن وطنه، كي تجتمع عليه عقوبة بدنية بالجلد، وعقوبة قلبية بالنفي، وفي الوقت نفسه يُبْعَد عن مسرح الجريمة كي ينسى ذكراها، ولا يبقى حيث يعامل باحتقار وإهانة، ويتعرض للمضايقات، ويُعْطَى فرصة كافية لاستئناف التوبة الصادقة والحياة الكريمة.
ولعل هذه الحكمة التربوية المستقاة من تلك الأدلة الشرعية هي مستند
стр. 351
جماعة التبليغ والدعوة؛ في أحد ركائز أسلوبهم التربوي والتعليمي ألا وهو ضرورة نزع المدعوِّ من بيئته، وغمسه -لفترة كافية- في بيئة أخرى، فيسهل تطبيع هذا التائب بغرس قيم ومفاهيم جديدة، مع تطهيره من القيم المراد نزعها من قلبه، وبصورة سلسة وتلقائية وفعالة، وتفسر الجماعة ذلك بمثال، فتقول: "إذا سقطت الجوهرة في مكان نجس فيحتاج ذلك إلى كثير من الماء حتى تُنَظَّف إذا صببناه عليها وهي في مكانها، ولكن إذا أخرجناها من مكانها سهل تنظيفها بالقليل من الماء" (١).
* ومن أهم أسباب الارتقاء بالهمة: صحبة أولي الهمم العالية ، ومطالعة أخبارهم.
فالطيور على أشكالها تقع، وكل قرين بالمقارن يقتدي، وإن العبد ليستمد من لحظ الصالحين قبل لفظهم، لأن رؤيتهم تذكره بالله ، وعن أنس ﵁ قال ﷺ : "إن من الناس ناسًا مفاتيح للخير مغاليق للشر" (٢).
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ قال: "هم الذين يُذكَرُ الله لرؤيتهم" (٣).
стр. 352
ورُوي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال: (كان الربيع بن خُثَيمِ إذا دخل على ابن مسعود لم يكن له إذن لأحد حتى يفرغ كُلُّ واحدٍ من صاحبه، فقال له ابن مسعود: "يا أبا يزيد، لو رآك رسولُ الله ﷺ لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرتُ المخبتين").
وقالت العرب: "لولا الوئام لهلك الأنام" (١).
وقال زين العابدين على بن الحسين بن علي ﵃: "إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه".
أنت في الناس تقاس ... بالذي اخترتَ خليلا
فاصحب الأخيار تعلو ... وتنل ذكرًا جميلا
عن جعفر قال: (كنت إذا وجدت من قلبي قسوة، نظرت إلى وجه محمد بن واسع نظرة، وكنت إذا رأيت وجه محمد بن واسع حسبتُ أن وجهه وجه ثكلى).
وقال ابن المبارك: (إذا نظرتُ إلى "فضيل" جُدِّد في الحزن، ومقتُّ نفسي).
وكان الإمام أحمد (إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد أو قيام بحق، أو اتباع للأمر: سأل عنه، وأحب أن يجرى بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله).
ولأن التجريب قبل التقريب، كان الإمام أحمد ﵀ يدقق في اختيار من يقربه منه ويدنيه، وعُرف عنه ذلك، حتى قال فيه الشاعر:
стр. 353
ويُحْسِنُ في ذات الإله إذا رأى ... مصيمًا لأهل الحق لا يسأم البلا
وإخوانه الأدنون: كل موفق ... بصيرٍ بأمر الله يسمو إلى العلا
وحكى ابن القيم ﵀ بعض ما استفاده من ملاحظة شيخ الِإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال: (وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، وما كان فيه من الحبس والتهديد والِإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة) (١) اهـ.
وإذا أردت أن تلمس أثر الصحبة العالية الهمة في التسابق إلى الخيرات، فتأمل ما قاله محمد بن على السلمي ﵀: "قمت ليلة سحرًا لآخذ النوبة على ابن الأخرم، فوجدت قد سبقني ثلاثون قارئًا، ولم تدركني النوبة إلى العصر".
وقال عليُّ بن الحسين بن شقيق: "قمت لأخرج مع ابن المبارك فِي ليلة باردة من السجد، فذاكرني عند الباب بحديث، أو ذاكرته، فمازلنا نتذاكر حتى جاء المؤذن للصبح".
وهذا الشاعر "محمد إقبال" يدعو الله أن يمنَّ عليه بصاحب عالي الهمة:
هب نَجيًّا يا ولي النعمةِ ... محرمًا يدرك ما في فطرتي
стр. 354
هب نجيًّا لقنًا ذا جنة ... ليس بالدنيا له من صلة
وقال أمير المؤمنين عمر ﵁: "ما أعطي عبد بعد الإسلام خيرًا من أخ صالح، فإذا رأى أحدكم وُدًّا من أخيه فليتمسك به".
وقال الحسن البصري: "إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا، لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا، وإخواننا يذكروننا بالآخرة".
يقول الأستاذ الدكتور "خلدون الأحدب" حفظه الله:
(وإذا نظرنا إلى أولئك الذين استفادوا من لحظات أعمارهم، وكان من نتاجهم وأثرهم ما يعجب أو يدهش، نجدهم لا يصاحبون إلا المجدِّين العاملين، والنابهين الأذكياء، الذين يحرصون على أوقاتهم حرصهم على حياتهم، لأن الزمن هو الحياة.
وصحبة هؤلاء الأمجاد المجدِّين المتيقظين للدقائق والثواني، كان له عظيم الأثر في همَّة مثل الإمام ابن جرير الطبري وابن عقيل الحنبلي وابن عساكر الدمشقي وابن تيمية وابن القيم وابن النفيس والِمزِّيُّ والذهبي وابن حجر وأضرابهم في غزارة إنتاجهم وجدِّته.
يقول الإمام ابن عقيل الحنبلي صاحب كتاب "الفنون" -الذي مَرَّ خيره من قبل (١) -: "وعصمني الله من عنفوان الشبيبة بأنواع من العصمة، وقصر محبتي على العلم وأهله، فما خالطتُ لعَّابًا قط، ولا عاشرت إلَّا أمثالي من طلبة العلم".
فالحريص الموفق الذي يروم المعالي، لا تراه إلا مع أهل العلم العاملين، وأولي الفضل والمجاهدة والحِكْمة والبصيرة، ليرشح عليه ما هم فيه أو بعضه، فيكون مثلهم أو قريبًا منهم.
стр. 355
إن صحبة هؤلاء تعلِّم منافسة الزمان.
وصحبة البطَّالين تعلم تضييع الزمان.
قال سيدنا عبد الله بن مسعود ﵁:
"اعتبروا الرجل بمن يصاحب، فإنما يصاحب الرجل من هو مثله".
فنعوذ بالله من صحبة البطَّالين) اهـ (١).
وذكر الغزالي ﵀ أن من آداب المتأدب أن: (يحترز عن مجالسة صاحب السوء، ليُقصي ولاية شياطين الجن والإنس من صحن قلبه، فيصفى عن لوثة الشيطنة) (٢).
إن من أقوى البواعث على ارتفاع الهمة أن تطلب صحبة عبد من عباد الله مجتهد في العبادة والعلم، فتلاحظ أقواله وتقتدي به، وكان بعضهم يقول: "كنت إذا اعترتني فترة في العبادة نظرت إلى أحوال محمد بن واسع وإلى اجتهاده، فعملت على ذلك أسبوعًا".
إلا أن هذا العلاج قد تعذر، إذ قد فُقِد في هذا الزمان من يجتهد في العبادة اجتهاد الأولين فينبغي أن يعدل من المشاهدة إلى السماع فلا شيء أنفع من سماع أحوالهم ومطالعة أخبارهم (٣) وما كانوا فيه من الجهد الجهيد، وقد انقضى تعبهم، وبقى ثوابهم ونعيمهم أبد الآباد لا ينقطع.