← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

باب [- في تجارة ودين العبد بغير إذن سيده]: وإذا اتجر العبد فأدان بغير إذن سيده فللسيد فسخ الدين (١) عنه بما له كسبه وله انتزاع ماله فليس لغرمائه (٢) إتلاف ماله على سيده واستبدادهم به: فإن أعتق العبد اتبعه الغرماء لزوال حق السيد عنه بعد عتقه، وله أن يسقط الدين عنه (٣) لأن تبقيته عليه يعيبه إذا أراد بيعه والذي دانه هو الذي عرض ماله للتلف (٤) فإذا أسقطه عنه لم يتبعه الغرماء بعد العتق. فصل [١ - في إفلاس المأذون له في التجارة]: إذا أذن له في التجارة جاز: فإن أفلس (٥) فدينة في ذمته وفي ماله الذي في يديه (٦) لأن الغرماء دائنوه على ماله وذمته، ولأن السيد لما أذن له في التجارة كان ذلك رضا منه بتعلق الديون بماله وذمته، وليس لسيده انتزاع ماله لأن غرماء العبد أولى بماله من سيده لأنهم داينوه على ماله، ولأنه بمنزلة عين (٧) مالهم ولو أفلس (٨) السيد كان غرماء العبد أولى بمال العبد من غرماء السيد، وغرماء السيد أولى برقبة العبد لأن رقبة العبد ملك لسيده لا حق فيها لغرماء العبد، وإذا داين السيد عبده كان كأحد الغرماء يقاص بدينه كما يقاص سائر الغرماء (٩).

стр. 1157

فصل [٢ - ليس لغرماء المأذون سبيل على رقبته]: ليس لغرماء العبد المأذون سبيل على رقبته ولا على مال سيده (١)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله أن لهم بيعه (٢)، ولأن الدين الحاصل عن مراضاة لا يتعلق بالرقبة وإنما يتعلق بالمال أو بالذمة كالحر إذا داين ثم أفلس فإن رقبته لا تباع ولا تؤاجر (٣)، ولأن الغرماء إنما يداينون على مال العبد (٤) لا على مال غيره ورقبته ليست بمال له، وإنما قلنا إنه لا سبيل لهم على السيد لأن السيد إنما أذن له في التجارة بالمال المدفوع إليه دون غيره إلا أن يضمن السيد عنه فيلزمه الضمان. …

стр. 1158

بسم الله الرحمن الرحيم (١) كتاب الصلح الأصل في جواز الصلح (٢) قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ (٣)، وقوله ﷺ : "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا" (٤)، ولأن فيه قطعًا للخصومة وداعيًا (٥) إلى التواصل والألفة. فصل [١ - في جواز الصلح على الإنكار والإقرار]: وهو عندنا جائز على الإقرار والإنكار (٦) خلافًا للشافعي في قوله إنه لا يجوز مع الإنكار (٧)، لقوله ﷺ : "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا" (٨) فعم، ولأنها دعوى ما لم يحكم ببطلانها فجاز الصلح معها أصله مع الإقرار، ولأنها أحد حالي المنكر كالإقرار، ولأن كل

стр. 1159

صلح جاز (١) مع الإقرار جاز مع الإنكار أصله الإبراء، ونفرض الكلام في أن افتداء اليمين جائز وهو أن يلزم أحد المتداعيين اليمين فيبذل المدعى عليه للمدعي (٢) شيئًا على ألا يحلفه (٣). والدليل على جواز ذلك أنه مروي عن عثمان وابن مسعود (٤) ولا مخالف لهما، ولأن المدعي عليه لا يخلو أن يكون محقًا في إنكاره أو مبطلا فإن كان مبطلًا فقد أحسن إذ (٥) لم يحلف على باطل ودفع الحق، وإن كان محقًا فقد دفع عن نفسه شر المدعي وتبذيله إياه ونزَّه (٦) نفسه عن اليمين التي تثقل على أهل المروءات والدين وتستبق الظنة إلى المقدم عليها. فصل [٢ - في أضرب الصلح]: الصلح على ضربين: منه معاوضة كالبيع فهذا حكمه حكم البيع يدخله من الجواز والمنع ما يدخل البيع، ومنه إسقاط وإبراء. فأما القسم الأول: فهو أن يدعي على غيره شيئًا ثم يبيعه (٧) منه فلا يجوز إلا في معلوم ولا يجوز أن يفسخ في دين إذا كان المدعى دينا، ولا في طعام قبل قبضه، ولا عن دعوي في جنس باثنين من جنسه إلى أجل، ولا عن مجهول ولا غرر، ولا على ضع وتعجل قبل حلول الأجل، وجملته أنه يمتنع فيه ما يمتنع في البيع. فأما القسم الثاني: فهو وضع بعض الحق المدعى وإبراء منه مثل أن يكون على

стр. 1160

رجل مال حال فيصالحه على بعضه وإسقاط باقيه، وإن كان مؤجلًا فلا يجوز أن يصالحه قبل حلوله على تعجيل (١) بعضه وإسقاط باقيه ويجوز أن يصالحه عن ذهب له على ورق يأخذها منه نقدًا، وعلى ذهب عن ورق لا يجوز الرجوع بها لأن ذمة الغريم قد برئت (٢). …

стр. 1161

باب [- في إحياء الموات] ومن أحيا أرضًا (١) ميتة غير مملوكة لمسلم (٢) ولا ذمي بالوجه الذي يكون إحياء لمثلها من بناء أو حفر بئر وجصها أو غرس أو غير ذلك من وجوه الإحياء وأنواع العمارة فهي له إذا كانت في فيافي (٣) الأرض وفلواتها (٤) بعيدة من العمران والمواضع التي لا يتشاح الناس فيها من غير حاجة إلى استئذان الإمام، وأما إن كانت بقرب العمران في حيث يتشاح الناس فلا يجوز إلا بإذن الإمام (٥)، والأصل في جواز الإحياء قوله ﷺ : "من أحيًا أرضًا ميتة فهي له" (٦) وهذا نص، وإنما لم نشترط إذن الإمام فيما بعد عن العمران خلافًا لأبي حنيفة (٧)، لهذا الخبر وهو عام، ولقوله ﷺ : "من أحاط على أرض فهي له" (٨)، ولأنه ليس في ذلك إتلاف حق غيره ولا ما يؤدي إلى التخاصم والعداوة فكان

стр. 1162

بملك بالإحياء (١) مباحة كتمليك (٢) الحشيش والصيد بالأخذ، وإنما شرطنا إذن الإمام فيما قرب من العمران خلافًا للشافعي (٣)؛ لأن ما قرب من البلد في حكم فنائه فالانتفاع به مشترك بين أهل البلد من الاحتطاب فيه والاصطياد والرعي وغير ذلك من وجوه الإرفاق (٤) فلو أُجيز لكل واحد اقتطاعه لأضر ذلك بأهل البلد فلم يكن بد من نظر الإمام ليكون كالحكم لمن يحييه، فإذا أحيا أرضًا ثم خرجت ودثرت وعادت إلى ما كانت عليه ثم أحياها آخر بعده فهي للثاني دون الأول بناء على الصيد إذا أفلت وعاد إلى الاستيحاش ولحق وطال زمانه وقد بيناه. فصل [١ - في حد حريم البئر]: حريم البئر (٥) ليس فيه حد إلا الاجتهاد وما يعلم أنه لا يضر بالبئر الأول، وذلك يختلف باختلاف الأراضي والمواضع من الصلابة والرخاوة: فما علم أنه لا يضر بما تقدمه جاز، وما علم فيه ضرر منع، وذلك في الآبار التي تحفر في الصحاري والفلوات للماشية، فأما إذا أراد أن يحفر بئرًا في ملكه (٦) بقرب من بئر جاره ويخاف منه الإضرار بها فإن كان له مندوحة عنه وسعة فليس له ذلك لأن قصده حينئذ الإضرار بجاره من غير ضرورة فلا يترك في ذلك، والأخرى أنه يجوز له فعله (٧). فوجه الأولى قوله ﷺ : "لا ضرر ولا اضرار" (٨)، واعتبارًا به إذا كانت

стр. 1163

له مندوحة عنه، ولأن الضررين إذا تقابلا فالأول أولى بالمراعات لفضل السبق، ووجه الثانية أن للإنسان أن يتصرف في ملكه بما يحتاج إليه من وجوه التصرف، ولا يجب أن يمنع لحق الغير لأن أحدهما ليس بأولى من الآخر ولا أن يراعي فضل السبق لأن الأول قد عرض تصرفه للبطلان إذا علم أن لجاره أن يتصرف في ملكه. فصل [٢ - في عدم جواز منع فضل مياه البراري]: الآبار المحتفرة في البراري وحيث لا ملك لأحد عليها ليس لأحد أن يمنع فضل مائها (١)، لأن الناس كلهم شركاء فيها، ولقوله ﷺ : "الناس شركاء في ثلاث: فذكر الماء والكلأ … " (٢)، وإن كان هو الذي حفرها في ذلك الموضع فليس له منع فضلها، فالذي يحتاج إليه أولى فإذا استغنى وحصل له قدر كفايته كان ما بقي (٣) للمسلمين ولم يكن له منع الفضل خلافًا لمن جعل له ذلك: لأن آبار الماشية التي تحفر في البراري إنما تحفر للسبيل ولينتفع بها الحافر وغيره ولا تُحفر للتمليك والإحياء، ولأنه ليس لأحد أن يحيي في المواضع التي يتشاح الناس فيها بغير إذن الإِمام لقوله ﷺ : "لا حمى إلا لله ولرسوله" (٤)، وإذا منع الماء الفاضل عن قدر حاجته كان ذلك منعًا من الشرعي لأن أحدا لا يرعي إلا على ماء، فإذا ثبت ذلك فليس له أخذ عوض عليه لأن حفرها على وجه السبيل على ما بيناه لأن الموضع ليس بملك له ولا حفرها على وجه الإحياء فتكون

стр. 1164

ملكا له، فإذا ثبت هذا فإنما يلزمه بذل ما زاد على قدر كفايته ويكون أحق بما يحتاج إليه منه لأنه إنما حفرها هو ليختص هو بمنفعتها أو قدر ما يحتاج إليه منها، ولأنه ﷺ نهى عن منع فضل الماء (١)، وذلك عما زاد على قدر الكفاية، فأما (٢) إن حفر بئرًا على وجه التملك (٣) والأحياء ليبني ويغرس في ذلك الموضع فله منع ما فضل من مائها لأن المكان يملك بالأحياء بئرًا في أرضه أو داره فإن البئر ملكه لأنه أحدثها في ملكه، وكذلك إذا ابتاع الدار والأرض وفيها البئر فإن البئر مع الأرض ملكًا له فالماء الذي فيها ملكه فله منعه إلا بعوض كسائر أملاكه إلا أن تنهدم بئر جاره وله زرع يخاف عليه التلف فإنه يلزمه أن يبذل له فضل مائه ليجي به زرعه ويجبر على ذلك لأن فيه إحياء زرع وإعانته من حيث لا ضرر عليه ببذله كما لزمه لشربه إذا اضطر إليه، ويقال لصاحب الزرع خذ أنت في إصلاح بئرك وهذا إذا كان صاحب الزرع قد زرع على أصل ماء ثم اضطر بأن انهارت بئره وانقطع ماؤه، وأما إن كان ابتداء الزرع على غير ماء اتكالا على جاره فإن لجاره أن يمنعه لأن الماء ملك له فلا يلزمه بذله إلا إذا شاء ما لم تكن ضرورة وها هنا لا ضرورة لأن الزارع هو الذي (٤) أتلف زرع نفسه حين زرع على غير ماء، وكذلك إذا زرع على ماء فانقطع (٥)، وإنما قلنا إن على جاره أن يمكنه من فضل مائة وأن ذلك يلزمه ويتشاغل هو بإصلاح بئره، فأما إن ترك التشاغل بإصلاح بئره اتكالا على بئر جاره لم يلزم جاره فضل الماء لأنَّه كمن زرع ابتداء على غير ماء، وقد اختلف أصحابنا فيه إذا أجبرناه على بذل الماء لجاره عند انقطاع مائه هل له مطالبته بعوض أم لا: فإذا قلنا ليس له فلأن ذلك حق على الجار على

стр. 1165

طريق الإعانة مع كون أصله مباحًا كما لو احتاج إليه للشرب وإذا قلنا إن له منعه فلأن وجوب البدل لا يتضمن الإتلاف اعتبارًا بالعلم. فصل [٣ - فيمن سأله جاره بغرز خشبة في جداره]: وينبغي لمن سأله جاره أن يغرر خشبة في جداره أن يجبيه إلى ذلك ولا يمنعه، فإن أبي لم يجبر عليه (١)، وإنما استحببناه له لقوله ﷺ : "لا يمنعن أحدكم أخاه أن يضع خشبة على جداره (٢) "، ولأن في ذلك رفقًا بالجار ومعونة له وهو من مكارم الأخلاق ومعالي الأمور مع الوصية بالجار وحسن المجاورة، وإنما قلنا لا يقض بذلك عليه خلافًا لمن أوجبه، لقوله ﷺ : "لا يحل مال امريء مسلم إلا عن طيب نفس منه" (٣) ولأن الحائط ملك له فلم يكن عليه بذله لغيره ليتصرف فيه كما لو أراد أن يفتح فيه بابًا أو كوة. فصل [٤ - إذا أذن له بغرز الخشب في جداره ثم طالبه بقلعه]: وإذا أذن له في ذلك ثم طالبه بقلعه: فإن كان لحاجته إلى بناء جداره أو لأمر لا بد له منه كان (٤) له ذلك لأنّه لم يكلف من حق الجار ما يضر نفسه كما لا يكلف بذل مائه لزرع جاره وهو محتاج إليه، وإن لم يكن به ضرورة إليه وإنما أراد الإضرار بجاره وأذيته لم يمكن من ذلك، ويفارق حال الابتداء لأنه إذا لم يأذن في الابتداء فلم يتعلق عليه حق فإذا أذن فقد ضمن تبقية ما أذن فيه على الوجه الذي يؤدي إلى مثله في العادة فليس له الرجوع فيه (٥).

стр. 1166

فصل [٥ - إذا أراد الرجل أن يفتح في جداره المنفرد بملكه كوة]: إذا ما أراد الرجل أن يفتح في جداره المنفرد بملكه كوة (١) ليضيء منها منزله فله ذلك لأن به حاجة إلى ذلك وليس لجاره منعه مما يحتاج إليه ولا يضر به، فأما إن كان يتشرف منها على جاره فيمنع منه (٢) لأن في ذلك إضرار بالجار، ولأن الحائط وإن كان ملكه فليس له أن يفعل فيه ما يضر بالغير ابتداء مما لا ضرورة فيه. فصل [٦ - علو الدار التي بين اثنتين]: علو الدار التي بين اثنين مملوك (٣) سقفه لصاحب الدار لأن عليه إصلاحه ورم شعثه وبناؤه إن انهدم ولصاحب العلو حق الجلوس عليه (٤)، وإنما قلنا إن عمارته على صاحب السفل لأن السقف ملك له وحق الأعلى فيما زاد عليه لأن البيت لا يكون بيتا إلا بسقفه في العادة، وإذا ثبت ذلك لزم لصاحب السفل من الانتفاع ورم الشعث من السقف أجبر على ذلك أو على البيع ممن يبني (٥) وإلا أدى إلى إبطال ملك الأعلى. فصل [٧ - إذا تنازع السقف بين صاحب السفل وصاحب العلو]: وإن تنازعا السقف حكم به لصاحب السفل (٦) خلافًا للشافعي في قوله إنّه يكون بينهما (٧)، وإن السقف محمول على ملك صاحب السفل غير متيقن ملكه لغيره فإذا تنازعا عليه حكم به لمن هو على ملكه كالحمل على الدابة يدعيه مالك الدابة وأجنبي، ولأن العرف جار بأن البيت إنما يكون بيتا بسقفه وأن الناس

стр. 1167

لا يسكنوه إلا مسقفًا، والحكم عند التنازع لمن شهد له العرف، ولأنه لو باع بيتًا لدخل سقفه في البيع بالإطلاق فعلم أنه منه وكذلك إذا قُسم بأنه يقسم سقفه. فصل [٨ - إذا تنازعا حائطًا بين دارين]: إذا تنازعا حائطًا بين حكم به لمن يشهد (١) له العرف بأن يكون قد فعل فيه ما يفعل المُلَّاك في أملاكهم ويتصرفون غالبا فيه من الرباط ومعاقد القمط (٢) ووجوه الآجر واللبن (٣) وما أشبه ذلك (٤)، وقال الشافعي لا يحكم بشيء من ذلك بل يكون بينهما (٥)، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾ (٦)، وروي أن رجلين تنازعا جدارا فحكم رسول الله ﷺ بالجدار لمن إليه معاقد القمط (٧) ولأن العادة أن مثل هذا التصرف إنما يكون من المُلَّاك فوجب أن يكون الحكم لمن شهد له العرف، وكما يجب مثل ذلك إذا تنازعًا في النقد أو صفة السير أو مقدار الحمولة. فصل [٩ - التصرف في الحائط المشترك]: الحائط المشترك ليس لأحد الشريكين أن يتصرف فيه ولا أن يحدث فيه شيئًا إلا

стр. 1168

بإذن شريكه (١)؛ لأنه ليس لأحد أن يتصرف في ملك غيره بغير (٢) إذنه وحقه غير متميز من حق الشريك فكان كالثوب والعبد، فإن انهدم وكان يستره لهما فأراد أحدهما بناؤه وأبى الآخر ففيها روايتان (٣): إحداهما إجبار الممتنع، والأخرى نفي إجباره، فوجه إثباته (٤) قوله ﷺ " لا ضرر ولا ضرار" (٥) وفي ترك البناء بالشريك لأنه يطلع عليه ويتشرف على منزله، ولأنه لو أراد أن يفتح كوة ويشرف منها عليه لم يكن له ذلك وهذا بمنزلته، ووجه نفيه أن أحدا لا يجبر على البناء في حقه كما لو انفرد به وليس إذا تعلق بذلك حق الشريك يوجب إجبار الشريك الآخر عليه لأن حق الشريك هو منع هذا من الاطلاع عليه، فأما في وجوب (٦) البناء فلا، وإذا ثبت أنه لا يجبر (٧) فإنهما يقتسمان العرصة (٨) ثم يبنى من يشاء منهما لنفسه، والبئر بين اثنين إذا غارت فإصلاحها عليهما فإن أبي أحدهما فإنما يتخرج على روايتين كالجدار. فصل [١٠ - فيمن له مسيل ماء على سطح جاره أو شرب في بستان غيره]: من له مسيل ماء على سطح لرجل فالنفقة للسطح على مالكه دون من له حق المسيل، ومن له شرب في بستان لرجل فاحتاجت ساقيته أو نهره إلى نققة فهي عليهما جميعًا (٩)، قال (١٠) والفرق أن صاحب المسيل له حق مرور الماء على

стр. 1169

(السطح فعلى صاحب) (١) السطح تمكينه من ذلك وليس له ملك في السطح فلم تلزمه نفقه عليه، وليس كذلك صاحب الشرب لأن موضع الماء ملك بينه وبين صاحب البستان فلذلك لزمه الإنفاق على الساقية معه. فصل [١١ - في طرح ما في السفينة خشية الغرق]: إذا خيف على المركب الغرق فطرح بعض ما فيه من المتاع بإذن أربابه أو بغير إذنهم فإنه (٢) يكون منهم على قدر أموالهم، ولا يجوز لأحد (٣) الامتناع من طرح متاعه إن احتيج تخفيف المركب ورجيت بذلك نجاته (٤) لأن في الامتناع من ذلك تلفه وتلف غيره وسواء طرح الرجل متاعه بنفسه أو طرحه غيره الحكم فيه سواء، ولا فرق بين إذنه وعدم إذنه فيما يلزمه فعله لأن الطارح فعل ما يلزمه هذا فعله فكان كالنائب عنه، وإنما قلنا إنه يكون بينهم على قدر أموالهم لأن الحق في ذلك لجميعهم، ولأن غرق المركب إنما خيف لأجل متاعهم فكانوا شركاء فيما يحتاج (٥) إليه من التخفيف، وقد اختلف في اعتبار القيمة: فقيل يكون في وقت الطرح لأن سائر المتلفات تقوم حال الاتلاف في المواضع التي يتعلق بها الضمان، وقيل في أقرب المواضع إليه لأنه في البحر لا قيمة له لأنه لا يساوي شيئًا وهو يطرح في الماء ويتلف كما لا يقوم المرتد وقت قتله، وقيل الثمن الذي اشترى به لأنه ليس ما يرتجع (٦) إليه سواه إذ هو أولى من أقرب المواضع إلى موضع الغرق، ولا يلزم عمال المركب شيء لأنه لم يكن الخوف لأجلهم. فصل [١٢ - اصطدام مركبين في جريهما]: إذا اصطدم مركبان في جريهما فانكسر أحدهما فلا ضمان على الآخر لأنه لا

стр. 1170

صنع له في ذلك بخلاف الراكبين على فرسين (١) لأن التفريط من قبل الصادم إذ هو قادر على ضبط الفرس وعلاجة وإلا فكان يجب ألا يركب فرسًا لا يضبط لئلا يجني على غيره. …

стр. 1171

باب: الوديعة (١) الأصل في الوديعة (٢) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٣)، وقوله ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" (٤)، ولأن عمل المسلمين جارٍ بها منذ عهد النبي ﷺ إلى يومنا، وهي أمانة محضة، ولا يضمنها المودع لأن قبضها ينفع صاحبها على التجريد: فإن ادعى أنها تلفت فالقول قوله فيها لأن يده عليها يد أمانة، وسواء كان متهمًا أو غير متهم لأن ربها رضي بأمانته سواء قبضها ببينة أو بغير بينة. فصل [١ - ادعاء المودع ردها على مالكها]: فإن ادعى ردها على مالكها فذلك على وجهين: إن قبضها بغير بينة فالقول قوله في ردها كالتلف، وإن كان قبضها ببينة لم تقبل منه إلا ببينة (٥)، خلافًا للشافعي (٦)؛ لأن رب المال لم يرض بأمانته على التجريد وإنما رضي بها في

стр. 1172

الحفظ دون القبض لأنه توثق منه بما أشهد عليه (حين قبضها فوجب الضمان وإلا لم ينتفع بالإشهاد بها، ولا يلزم عليه) (١) التلف لأنَّه لا يمكن الإشهاد عليه. مسألة [٢ - إذا عرض للمودع سفر]: إذا عرض للمودع سفر لم يجز له أن يسافر بالوديعة، فإن سافر بها ضمن إن تلفت كان السفر آمنًا أو مخوفًا (٢)، خلافًا لأبي حنيفة في تضمينه مع الخوف (٣)، لما روي "أن المسافر عن نفسه وماله لعلى قلت إلا ما وقى الله تعالى" (٤) يعني الهلاك، ولأن السفر غرر ولم يأذن له صاحبها بالتغرير بها، واعتبارًا بالسفر المخوف. فصل [٣ - إذا أراد المودع السفر فأودعها عند ثقة]: إذا ثبت أنه لا يسافر بها فإنه يودعها ثقة ولا ضمان على واحد منهما لأنه لا يمكنه حفظها بآكد من هذا الوجه. فصل [٤ - في المستودع يودع الوديعة غيره]: إذا (٥) استودعها من غير عذر (٦) ضمن لأن مالكها رضي بأمانته دون أمانة غيره، ولم يأذن له في دفعها إلى غيره فكان متعديًا بذلك فلزمه الضمان، ويفارق ذلك حاجته إلى السفر لأن هناك ضرورة داعية إلى ما فعله، وكذلك إذا

стр. 1173

خاف عورة منزله فله أن يودعها غيره ولا ضمان عليه لأن ذلك يجري مجرى إرادة السفر ولكن لا يصدق على الخوف على منزله إلا بأمر يظهر يعلم صدقه فيه. فصل [٥ - إذا دفع إليه مالًا في السفر يحمله إلى بلد فبعثه مع غيره]: إذا دفع إليه مالًا في السفر يحمله إلى بلد فعرضت له إقامة فله أن يبعثه مع غيره ولا ضمان (١)، والفرق بينه وبين مبتديء السفر أن هذه قد أذن له في السفر به إلى ذلك البلد فلم يتعد بدفعها إلى غيره مع الضرورة والحاضر يخالفه. فصل [٦ - إذا أنفق بعض الوديعة]: إذا أنفق بعض الوديعة ضمن قدر ما أنفق دون جميعها، وإن أنفق الكل أو البعض ثم رد ما أنفق فلا ضمان عليه خلافًا لعبد الملك في إلزامه الضمان (٢) لأن الذي أوجب عليه الضمان تعديه بالأخذ فهذا ردها فقد زال التعدي فسقط الضمان، ولأنه حافظ لها على الوجه الذي أمر به فلم يلزمه ضمان كالابتداء، ووجه قول عبد الملك أنه قد خرج عن الأمانة وصار متعديًا بأخذها فرده إياها لا يزيل عنه الضمان كما لو جحدها ثم اعترف بها. فصل [٧ - سقوط الضمان بالرد فيما له مثل مما يكال أو يوزن]: وسقوط الضمان بالرد فيما له مثل كالذهب والفضة والحنطة والعسل وكل ما يكال أو يوزن، فأما فيما يلزم فيه القيمة فلا يسقط عنه (٣) الضمان (٤) لأن القيمة محتاجة إلى اجتهاد وحكم فلا يقبل حكمه لنفسه، والمثل لا اجتهاد فيه.

стр. 1174

فصل [٨ - في قبول قوله إنه رد ما أخذ]: وفي قبول قوله إنه رد ما أخذ أو مثله من غير بينة روايتان (١)، فإذا قلنا إنه يقبل فلأنه موكول (٢) إلى أمانته كادعائه التلف أو الرد، ولأنه منفق لها على وجه التأويل واعتقاد ردها فلم يخرجه ذلك عن الأمانة، وإذا قلنا إنّه لا يقبل فلأن الدين المتعلق بالذمة لا يبرأ المقر به منه إلا ببينة أو بإقرار الغريم اعتبارًا بسائر الديون. مسألة [٩ - كراهية التجارة بالوديعة]: يكره أن يتجر بالوديعة (٣) لأن صاحبها إنما دفعها إليه ليحفظها عليه لا لينتفع بها، وإن فعل فعليه الضمان وله الربح، ومن أبضع معه بضاعة ليشتري بها شيئًا فاتجر فيها فإن تلفت ضمن وإن ربح فالربح للمالك بخلاف الوديعة لأن المُبضع طالب التنمي والربح فليس لمبضع معه قطعه عنه ونقله إلى ملكه، وأن تلف المال ضمن بتعديه والمودع إنما قصد الحفظ فقط (٤) فلم يكن له من الربح شيء. …

стр. 1175

باب: العاريَّة (١) العاريَّة: تمليك منافع العين بغير عوض، وهي جائزة مندوب إليها (٢) لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ (٤)، وقوله ﷺ : "كل معروف صدقة" (٥)، وقوله: "العارية مؤداة" (٦)، لأنه ﷺ استعار (٧) وكذلك الصحابة. فصل [١ - أنواع العارية]: العارية نوعان: نوع يظهر هلاكه ولا يكاد يخفى كالرباع والحيوان فهذا لا يضمن إلا بالتعدي، وضرب آخر يخفى هلاكه ويغاب عليه فهذا يضمن إذا لم

стр. 1176

يعلم هلاكه إلا بقول المستعير، فإن علم بغير قوله ببينة تقوم على هلاكه من غير تعد كان من المستعير ففيه روايتان: إحداهما لا يضمن وهو الصحيح، والأخرى أنه يضمن وهو قول أشهب (١)، وعند الشافعي أنها مضمونة على كل وجه (٢)، (وعند أبي حنيفة أن العارية لا تضمن على كل وجه (٣)) (٤)، فدليلنا على سقوط الضمان في الحيوان والرباع ما روي: "ليس على المستعير ضمان" (٥)، ولأنه حيوان وعقار قبضه لاستيفاء منفعة فلم يضمن تلفه كالعبد المستأجر والدار، ولأنه (٦) مستعار تلف من غير تفريط فلم يضمن كالأجراء، ودليلنا على وجوب الضمان عليه فيما يغاب عليه أنه قبضه لمنفعة نفسه فلم يكن له حكم الأمانة على التجريد، فإذا لم يعلم (٧) تلفه إلا بقوله لزمه الضمان، فأما إذا قامت به بينة فوجه قوله لا ضمان عليه أن التهمة قد انتفت عنه بقيام البينة على أنه لا صنع له بتلفه فلم يلزمه الضمان كالعبد المحروس (٨)، ووجه قوله أن عليه الضمان فلأن أصله مأخوذ على الضمان لا على الأمانة فلم ينتقل عن أصله حسمًا للباب. فصل [٢ - في الإعارة لمدة معلومة أو مطلقة]: إذا أعار شيئًا إلى مدة لم يكن له أخذه قبلها (٩) لأن المدة قد صارت حقًّا

стр. 1177

للمستعير فلم يكن للمعير الرجوع فيها كما ليس له الرجوع في الهبة، وأما العارية المطلقة فليس له الرجوع فيها إلا بعد أن ينتفع المستعير بها انتفاع مثلها (١) خلافًا للشافعي (٢)، لأن العارية هي هبة المنافع أو تمليكها، فإن كانت مدة معلومة انحصرت عليها وإلا لزم من ذلك ما ينتفع في مثله من المدة لأنه لو جاز (٣) له أخذها قبل ذلك لكان رجوعًا في العارية لأنه قد جعل على نفسه إباحة المنفعة وقد ملك ذلك المستعير فلم يكن للمعير إبطاله عليه. …

стр. 1178

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) كتاب الغصب والتعدي (٢) مسألة [١ - فيمن أتلف على غيره شيئًا]: إذا أتلف على غيره شيئًا ظلمًا لزمه بدل ما أتلف (٣) لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٥)، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٦)، وقوله ﷺ : "طعام كطعام وصحفة كصحفة" (٧)، ولأنه أتلف ملك غيره من غير استحقاق عليه فلزمه بدل ما أتلف لأنّ الأبدال في المتلفات كالقصاص في النفوس، وقال تعالى (٨): ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٩) معناه أن القاتل

стр. 1179

أو الجارح إذا علم أنه يُفعل به مثل ما فعل ارتدع عن أن يفعل ذلك وانزجر خيفة أن يقتص منه فكأن في ذلك حياة للنفوس، وإلا اجترأ الناس بعضهم (على بعض كذلك الجناية على المال لو لم يجب فيها البدل لاجترأ الناس بعضهم) (١) على أموال بعض إذ لا بدل يلزمهم. فصل [٢ - في دفع بدل المتلف]: (كذلك الجناية على المال لو لم يجب فيها البدل لاجترأ الناس بعضهم على بعض) (٢)، فإذا ثبت ذلك فعلى المُتلِف دفع بدل المُتلَف إلى صاحبه والبدل نوعان: مثل من طريق الخلقة والصورة: فهو كل ما يكال ويوزن، فمن أتلف على غيره شيئًا مما يكال أو يوزن لزمه رد مثله لا قيمته وذلك (٣) كالذهب، والفضة، والحديد، والصفر (٤)، والنحاس، والحنطة، والشعير وسائر المأكولات ولا تلزمه القيمة إنما يصار إليها عند تعذر المثل من طريق الخلقة لأنها ضرب من الحكم والاجتهاد في تعديلها بالمتلف فالمثل من طريق الخلقة لا اجتهاد فيه فكان كالاجتهاد مع وجود النص إذ لا فائدة فيه. فأما ما لا يكال ولا يوزن: كالثياب وسائر العروض، والرقيق، والحيوان فيلزمه بإتلافه قيمته دون مثله (٥)، خلافًا لمن حكي عنه أنه يلزمه مثله من جنسه (٦)، لقوله ﷺ : "من أعتق شركًا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن

стр. 1180

العبد قوم عليه قيمة (١) العبد فأعطى شركاءه حصصهم وأعتق عليه العبد" (٢)، والعتق إتلاف ثم أوجب القيمة فيه دون المثل فكان ذلك أصلًا في بابه، ولأن كل ما لا يكال ولا يوزن فالغرض منه أعيانه دون مبلغه فوجب قيمة العين، وما يكال ويوزن الغرض منه مبلغه فكان فيه مثله، والقيمة المعتبرة يوم التعدي والجناية لا يوم الحكم لأن الحكم معلق بذمته بالتعدي لا بالحكم إذا مطالبة الحاكم إنما هي بأمر قد تقدم وجوبه وإنما ينكشف بالحكم بمقدار ما اشتغلت به ذمته. فصل [٣ - عدم مراعاة ارتفاع الأسواق وانخفاضها في بدل المتلف]: ولا يراعي ارتفاع الأسواق وانخفاضها كما لا يراعي ذلك في السرقة (٣) لأن القيمة متعلقة بالذمة تعلقًا منبرما حين التعدي ولا يؤثر ذلك بغيرها. فصل [٤ - في أضرب الجنايات]: الجناية على ضربين: جناية تُبطل يسيرًا من المنفعة وجلها من السلعة باق فهذا يجب فيه ما نقص: وذلك بأن تقوم وقت الجناية صحيحة وتقوم بالجناية فيلزم الجاني ما بين القيمتين (٤)، وإنما قلنا ذلك لأن الذي يلزمه بدل مما أتلف والإتلاف إنما يكون لهذا القدر من المنافع فلم يضمن ما زاد عليه، والضرب الآخر جناية تُبطل الغرض المقصود من الشيء والذي له يراد وإن بقيت فيه منافع متابعة غير مقصودة: فهذا يكون صاحبه مخيرًا إن شاء أخذ ما بين قيمته صحيحًا ومعيبًا وإن شاء أسلمه وأخذ قيمته وذلك مثل أن يكون لرجل عبد يزيده لبعض المنافع فتعدى (٥) عليه رجل فيقطع يده أو يعميه (٦) فيبطل عليه الغرض الذي له

стр. 1181

يراد في العادة، وكذلك المركوب الذي يراد للجمال والركوب يقطع أذنيه أو ذنبه فيبطل الغرض المقصود منه وإن كان يبقى فيه (١) استعماله في الحمل ونقل التراب أو ما أشبه ذلك، وقال أبو حنيفة والشافعي (٢): عليه في ذلك مثل ما بين القيمتين (٣)، وإنما قلنا ذلك لأنه قد أتلف عليه بهذا الفعل غرضه المقصود منه ضمانه اعتبارًا به لو أحرقه أو أتلف جميعه. مسألة [٥ - في ضمان الشيء المغصوب باليد]: الشيء المغصوب مضمون باليد فمن غصب شيئًا فقد ضمنه إلى أن يرده: فإن رده كما غصبة سقط عنه الضمان ولزم المالك قبوله، فإن تلف عنده (٤) على أي وجه تلف ضمنه بقيمته يوم الغصب، إما بمثله إن كان مما له مثل أو بقيمته إن كان مما لا مثل له أي نوع كان من ذهب أو فضه أو حيوان أو متاع أو عروض أو عقار (٥)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن كل ما لا يصح نقله كالضياع والعقار فإن الغاصب لا يضمنه (بإخراجه عن يد مالكه إلا بأن يجني هو عليه فيتلف فيضمنه) (٦) بالإتلاف (٧)، ودليلنا أن كل معنى (٨) يضمن به ما ينقل ويحول من الأعيان فإنه يضمن له ما لا ينقل منها ولا يحول كالقبض في البيع، واعتبارًا بما لا ينقل ولا يحول بعلة أنها أعيان مقصورة، ولأن الغصب سبب للضمان فوجب أن يضمن به العقار والنخل كالإتلاف به.

стр. 1182

فصل [٦ - زوال الضمان بإعادة المغصوب إلى يد مالكه]: وإنما قلنا إنه إذا رده فلا شيء عليه لأنّه قد فعل ما كان عليه أن يفعله من إزالة يده عنه وترك إمساكه ظلمًا وإعادته إلى يد مالكه فزال عنه الضمان لزوال السبب الموجب له وهو الغصب. فصل [٧ - إذا زاد المغصوب عند الغاصب بسمن وغيره]: إذا زاد المغصوب عند الغاصب بسمن أو فراهة في تعلم صنعة أو زيادة تسوق أو ما أشبه ذلك فإنما (١) للمالك أخذه ولا شيء للغاصب ولا أجره عليه لما علم من ذلك لأن المالك لم يأذن له، وليس بعين يمكنه ارتجاعه فلم يكن له شيء فأما إن زاد عنده بسمن أو غيره ثم تلفت تلك الزيادة ورجع إلى ما كان عليه عند الغصب فرده على الحال التي غصبه عليها لزم المالك أخذه ولا ضمان على الغاصب (٢)، خلافًا للشافعي في قوله إنه يضمن ما نقص عنده فيرد الأرش معه (٣)، ودليلنا أن من أصلنا أنه ضامن لها يوم الغصب وما طرأ على أبعاضها أو ثمنها (٤) من نقصان أو زيادة فلا حكم له لأنه طاريء على عين مضمونه، ولأن رجوع العين المغصوبة إلى مالكها على الصفة التي غصبت يوجب القبول فوجب سقوط الضمان أصله لو لم تزد عنده (٥) واعتبارًا بحوالة الأسواق. فصل [٨ - إذا رده الغاصب ناقصًا في بدنه عما غصبه عليه]: إذا رده ناقصًا في بدنه عمَّا غصبه عليه فإن المالك مخير بين أن يأخذه وبين أن يرده (٦) ويضمنه القيمة يوم الغصب (٧)، وإنما قلنا ذلك لأنّه متعدى عليه

стр. 1183

والغاصب هو المتعدي فكان أولى بالحمل عليه لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ (١)، ولأن المعتدى عليه غير في الأصول لأنه مجنى عليه في ماله (٢) فله أن يقول لا آخذها كسيرة وقد غصبت مني صحيحة، فإذا ثبت أنه غير بأن كان أخذها ناقصة فينظر: فإن كان ما حدث بها من النقص بأمر من الله تعالى (٣) لا بفعل من الغاصب فليس للمالك إلا أخذها بغير أرش أو إسلامها وأخذ الغاصب بقيمتها يوم الغصب، وإنما قلنا ذلك لأن الغاصب كان ضامنًا لها يوم الغصب (٤) فلم يكن لما حدث من العيب فيها حكم في الضمان لأنه على أصل مضمون فإذا اختار المالك أخذها فقد رضي بعيبها لأنه لو لم يرض به لكان يسلمها ويرجع بالقيمة، فإذا قال أريد الأرش لم يكن له ذلك لأن الغاصب لم يكن ضامنًا لما حدث بانفراده وإنما كان ضامنًا له بضمان الجملة وأبعاضها متابعة لها. فصل [٩ - إذا كانت الجناية على المغصوب بفعل الغاصب]: فأما إن كانت الجناية بفعل الغاصب مثل أن يقطع يدها أو يفقأ عينها واختار أخذها فهل يجب له أخذ أرش النقص فيه خلاف (٥): قال ابن القاسم: له ذلك، وقال سحنون وابن المواز ليس له إلا أخذها ناقصة بغير أرش أو إسلامها والرجوع بالقيمة يوم الغصب، وجه قول ابن القاسم إنه جناية على ملك كالمبتدأة، ولأن المالك متعدى عليه بشيئين بالغصب (وبالجناية فله أخذ الغاصب بأيهما شاء) (٦)، ووجه قول سحنون وابن المواز إنه ضامن لقيمتها بالغصب،

стр. 1184

والجناية الطارئة بعد الضمان لا حكم لها أصله إذا كانت من قبل الله تعالى؛ لأن الجناية على النفس آكد وأغلظ من الجناية على الأطراف وقد ثبت أن الغاصب لو قتلها لم يلزمه زيادة على قيمتها يوم الغصب ففي الجناية على الأطراف أولى. مسألة [١٠ - إذا لم ينتفع بما غصبه من دار أو عبد أو ثوب .. ]: إذا غصب دارا أو عبدا أو دابة أو ثوبًا فلم ينتفع به بسكنى ولا بركوب أو استخدام أو لبس أو غير ذلك ولا بإكراء ولا أغله فلا شيء عليه ولا يطالب بأجرة المدة التي بقيت غصبا في يده (١)، وقال الشافعي: تلزمه أجرة المثل للمدة التي قامت في يده (٢)، ودليلنا أنها منافع لم تستوف من المغصوب فلم يضمنها الغاصب أصله منافع البضع وهو أن يحبس حرة لا يمكنها التزويج وأخذ بدل بضعها حتى مضت مدة من الزمان فإنه لا يضمن مهر مثلها، ولأنها منافع تلفت في يد الغاصب من غير أن ينتفع بها أو يأخذ لها بد لا فلم يضمنها كبضع الأمة. فصل [١١ - إذا انتفع الغاصب بالمغصوب بنفسه أو بغيره]: فأما إذا انتفع الغاصب بالمغصوب إما بنفسه مثل أن يسكن الدار أو يركب الدابة أو يستخدم العبد أو يزرع الأرض، أو بأن يؤاجر ذلك يأخذ غلته فقد اختلف فيه: ففرق (٣) ابن القاسم بين العقار وبين الحيوان فقال في الربع إن سكنه بنفسه أو زرع الأرض لزمه أجرة المثل، وإن كان أكراهًا من غيره (٤) لزم غرم ما أكراها به إن كان بقدر أجرة المثل وإن كان دون ذلك لزمه تمام الأجرة، وفي الدواب والرقيق لا رجوع للمالك على الغاصب لا فيما انتفع به بنفسه ولا فيما أكراه واغتله، وقيل لا فرق بين ذلك كله ويرجع المالك عليه بكراء وغلة ما اغتله ولا يرجع عليه بما ركب بنفسه أو استخدم، وقيل عن مالك (٥) إن المالك لا يرجع بشيء أصلًا لا من أجرة ولا من كراء لا فيما انتفع الغاصب بنفسه ولا فيما

стр. 1185

أكراه في كل شيء من الرباع والحيوان وغيرها، وأن المنافع بالضمان (١). فوجه التفريق بين الحيوان والرباع أن الحيوان غير مأمون لأن التغير (٢) يسرع إليه والتلف غالبًا يجوز عليه فيمكن أن يتلف باستعماله فيلزمه قيمته فكان الخراج له وليس كذلك الرباع لأنها مأمونة في الغالب، ولأن (٣) الحيوان محتاج إلى نفقة ومؤونة والغاصب لا يرجع بما أنفق عليه فكانت المنافع غير مضمونة عليه (٤) والرباع يرجع بما أنفق فيها أو عمره فأخذ منه قيمة ما انتفع وأجرة ما اغتل. ووجه التفريق بين انتفاعه بنفسه وبين ما أكراه واغتله (٥) في الحيوان والرقيق أن ما أكراه (٦) عوضًا في منافع ملك الغير فكان كالعين القائمة فلزمه ردها، وما سكن بنفسه لم يأخذ عليه عوضًا يستحق رده عليه، ولأنه إن تلف ذلك في استخدامه أو ركوبه غرم القيمة ولم يأخذ شيئًا يغرم منه، فإن أكراه ثم تلف فقد اعتاض الكراء الذي يغرم (٧) منه. ووجه القول بأن المنافع غير مضمونة أصلًا قوله ﷺ : "الخراج بالضمان" (٨)، ولأن الغاصب لما كان ضامنا للعين بقيمتها يوم الغصب لم يكن لمنافعها حكم في الضمان لأنها متابعة للعين، فأما إن اختار المالك أخذ العين ولا يرجع بشيء أو ضمنه قيمتها يوم الغصب، ولأن الضمان بالجناية آكد من الضمان بالاستخدام وغيره وقد بينا (٩) أن الغاصب لو جنى على بعض أطراف المغصوب لم يكن

стр. 1186

لمالك إلا أخذه ناقصًا بالأرش أو إسلامه والرجوع بالقيمة يوم الغصب فكان بأن لا يرجع في المنافع أولى. ووجه القول بأنه يرجع عليه في كل ذلك قوله ﷺ : "لا يحل مال امريء مسلم إلا عن طيب نفس منه" (١)، ولأنه انتفع بملك غيره من غير ملك ولا شبهة فلزمه (٢) قيمة ما انتفع به أصله إذا ابتدأ الاستخدام والسكنى من غير غصب. مسألة [١٢ - إذا غصب ساحة فبنى فيها]: إذا غصب ساحة فبنى عليها لزمه قلع البناء وردها (٣) خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا يقلعه (٤)، ولصاحبها القيمة (٥)، لقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (٦)، ولأنها عين اغتصبها فإذا جاز ردها لزمه أصله لو لم يبدأ فيها في البناء، ولأنه شغل ملك الغير بملكه الذي لا حرمة له غصبًا فوجب أن يلزمه رده أصله لو غصبه أرضًا لو غصب أرضًا فزرعها. فصل [١٣ - إذا غصب أرضًا فزرعها]: إذا غصب أرضًا فزرعها ثم أدركت والزرع قائم فيها: فإن كان وقت الزرع لم يفت كان للمالك (٧) قلع زرعها (٨) لقوله ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق" (٩)

стр. 1187

وهذا عرق ظالم، ولأن منافعها غير مملوكة فليس له شغلها على صاحبها ولا لعرقه حرمة كزرع المستحق من يده فيلزم المالك تبقيته (١) وأخذ الأجرة، وإذا كان كذلك كان له قلعه. فصل [١٤ - إن كان وقت الزرع قد فات ولا ينتفع المالك بقلعه]: فأما إن كان وقت الزرع قد فات ولا ينتفع المالك به إن قلع الزرع ففيها روايتان (٢): إحداهما أن له قلعه، والأخرى أن ليس له قلعه ويكون على الغاصب أجرة المثل، فوجه قوله أن يقلعه قوله ﷺ : "وليس لعرق ظالم حق"، واعتبارًا به إذا كان وقت الزرع لم يفت. (ووجه قوله ليس له قلعه: أنّه لا ينتفع بذلك ويضر بالزرع) (٣) فكان قصده مجرد الإضرار بالغاصب فلا يترك لذلك والأول أصح. فصل [١٥ - إذا أراق المسلم على ذمي خمرا]: إذا أراق على ذمي خمرا فعليه قيمته عند مالك، وقال عبد الملك لا قيمة عليه (٤)، وهو قول الشافعي (٥)، فوجه قول مالك أنه أتلف عليه ظلمًا ما يعتقده ملكا له ويعز عليه فلزمه قيمته أصله إذا أتلف عليه ثوبًا أو غيره من العروض، ووجه قول عبد الملك إنه لا قيمة للخمر فلم يلزمه بسوى الأدب بإتلافه ما لم يكن له أن يتولى إتلافه، كما لو عدى على مرتد فقتله لم تلزمه ولم يكن عليه إلا الأدب بافتياته على الإِمام. فصل [١٦ - حكم من غصب أمة فوطئها]: إذا غصب أمة فوطئها فإنه زان لأنه وطء عن غصب كوطء الحرة وولده ملكًا لسيده لأن ولد الأمة من غير سيدها تابع لها في الحرية والرق (٦).

стр. 1188

فصل [١٧ - إذا أخذ القيمة من الغاصب ثم وجد الشيء المغصوب]: إذا أخذ القيمة من الغصب ثم وجد الشيء المغصوب فهو للغاصب ولا رجوع للمالك عليه (١) خلافًا للشافعي (٢)؛ لأنه لما أدى القيمة صار ملكًا له لأنه عوض عن رقبته فأشبه الثمن وهذا إذا لم يكن الغاصب أخفاه. فصل [١٨ - ضمان فتح قفص عن طائر فطار]: إذا فتح قفصًا عن طائر فطار ضمنه طار عقيب الفتح أو بعد مهلة (٣)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٤)؛ لأن سبب إتلافه الفتح لأن بالفتح خرج من القفص ولولاه لم يكن له سبيل إليه فإذا ثبت أن فتحه سبب لإتلافه لزمه ضمانه. …

стр. 1189

باب: الاستحقاق (١) إذا ابتاع رجل أمة فأولدها ثم استحقها رجل فقد اختلف قوله في أخذها فعنه في ذلك روايتان (٢): إحداهما أن المستحق يأخذها، والأخرى أن ليس له أخذها وله قيمتها. فوجه قوله إن له أخذها لأنها باقية على ملكه واستيلاد الغير إياها (٣) لا يمنع المالك أخذها ولا يوجب لها (٤) حرمة الاستيلاد لأن ذلك إنما يكون بفعل من السيد، وأما على وجه صنع له فيه فلا، ولأنها ولدت من غير مالك فلم يثبت لها حرمة الاستيلاد أصله إذا ولدت من نكاح ولأن اعتقاد الوطء استباحة وطئها بالملك كاعتقاده ذلك في النكاح وقد ثبت أنه لو غرت من نفسها فتزوجها رجل على أنها حرة ووطئها فإن ذلك لا يمنع سيدها أخذها فكذلك في البيع. ووجه قوله إنه ليس له أخذها فلأنه واطيء بشبهة ملك وشبهة كل عقد مردود إلى صحيحه، وإذا ثبت أنه ليس له أخذها فله القيمة وتكون يوم فاتت بالوطء كما تكون على الغاصب يوم الغصب، وإن لم يختر (٥) أخذ الثمن ولا أخذها واختار الثمن الذي باعها به الغاصب فله ذلك لأنّه متعدى عليه والخيار له، فإذا قلنا له أخذها أو ليس له أخذها فإن الولد لا يأخذه بحال لأن الأب (٦) دخل

стр. 1190

على أنه وطء ملكه وإن ولده أحرار فلا يجوز استرقاقهم فأما أخذ قيمتهم من الأب ففيه خلاف: فوجه أخذها أن الأصل أن ولد أمته ملك له إلا أنه منع ذلك لحرمة الاستيلاد الثابت بالشبهة فكان الرجوع بالقيمة على الأب لأنه سبب يمنع (١) أخذ السيد لهم، ووجه نفي أخذها أنهم ولدوا في ضمان الأب بعد ثبوت القيمة عليه للأم وثبوت حرمتها فلا ضمان عليه فيما يتبع الأصل، وإذا وجدها قد ولدت من غاصب فإنه يأخذها لأن حرمة الاستيلاد لا تثبت لها ويأخذ الولد لأنهم ملك له لأن الأب لم يدخل على أنهم أحرار والواطيء زان إذا وطء على الغصب يلزمه الحد ولا يلحق به الولد وقد بيناه. فصل [١ - إذا غرَّت الأمة من نفسها فتزوجت على أنها حرة]: فأما إذا غرت الأمة من نفسها فتزوجت على أنها حرة فللسيد أخذها لأن منافع بضعها ملك له وغرورها لا يزيل ملكه، وله أخذ قيمة الولد ممن أخذه (٢) لأنّه سبب زوال السيد عنهم -لأنه دخل على أن يكونوا أحرارا بما غرته من نفسها، وهذا إذا كان الواطيء أجنبيًّا أو من لا يعتق ولده على رجوع له بقيمة الولد على الواطيء (٣) خلافًا لمن يقول إن له القيمة (٤) لأن الولد إذا وجب عتقه عليه فأخذ العوض عليه غير جائز، والقيمة تكون يوم الحكم لأن ذلك وقت استحقاقها، ويرجع الأب بالصداق على من غره لأن العوض لم يسلم (٥) له ولا يرجع بقيمة الولد (٦) إذا أخذت منه على من غره لأن الغرر (٧) لم يتعلق بالولد وإنما تعلق بالاستمتاع.

стр. 1191

مسألة [٢ - من أحيا مواتًا أو ابتاع خرابًا فعمرها ثم جاء مستحق لها]: من أحيا مواتًا أو ابتاع خرابًا فعمرها ثم جاء مستحق: فإنه يأخذ ملكه إن أحب بعد دفع قيمة العمارة قائمة، ويرجع المشتري بالثمن على بائعه فإن لم يختر المستحق ذلك قيل للثاني ادفع إليه قيمة أرضه براحًا وتكون لك فإن أبي كانا شريكين بقدر قيمة البراح من غير عمارة وقيمة العمارة قائمة (١). وإنما قلنا إن المستحق يبدأ بالخيار لأنه أقوى سببًا لكون الأرض له والمشترى أو المحيي عمر في شبهة ملك فكان صاحب الملك مقدما عليه، وإنما قلنا يعطيه قيمة البناء قائما لأنه لم يتعد في البناء فيه فيطالب بالقلع، وإنما دخل على أنه يبني في ملكه فلم يكن ظالمًا بل كان لبنائه حرمه. وإنما قلنا إنه إذا بذل القيمة لزم الثاني أخذها لأن الضرر قد زال عنه بالاستحقاق بحصول القيمة، وإنما قلنا إن القيمة تكون وقت الحكم لأن ما قبل ذلك لم يجب أخذها للمستحق. وإنما قلنا إن الخيار ينتقل إلى الثاني إذا أبى (٢) المستحق ليزول الضرر عنهما فيقال للباني (٣) ادفع إليه قيمة براحه فإن أجاب إلى ذلك وأبى المالك أُجبر على أخذه لأن الباني (٤) يقول لست أختار أن يكون لي بناء في ملك غيري فيكون له ذلك. وإنما قلنا إنهما يكونان شريكين إذا أبى كل واحد أن يدفع إلى الآخر قيمة ماله لأن كل واحد منهما له حق لا يجوز إبطال الآخر له، وليس إلا الإجبار أو البقاء على الشركة.

стр. 1192

فصل [٣ - في الاستحقاق من يد غاصب]: وأما الاستحقاق من يد غاصب قد بنى وغرس فإن المالك مخير: إن شاء قلع بناءه وغرسه، وإن شاء أعطاه قيمته مقلوعًا بعد طرح أجرة القلع (١). وإنما وجب ذلك لأن عرق الغاصب لا حرمة له لأنه (٢) عرق ظالم فكان لرب الأرض قلعه إذا اختاره وله دفع قيمته مقلوعًا إن اختار، ولا مقال للغاصب إن قال أريد عين مالي ولا أريد قيمته لأن المالك يقول لا أدعك تعور أرضي بقلع غراسها أو بنائها أو بإخرابها وإحواجي (٣) إلى عمارتها فيكون ذلك له، وإنما قلنا إنه يدفع إليه قيمته مقلوعًا لأن تبقيته غير مستحقة عليه؛ لأن القيمة في هذا الموضع بدل عن العين للغراس والبناء فلما كان للغاصب أخذه نقضًا وخشبًا كان على المالك أن يعطيه قيمته بما كان يأخذه لو أخذه، وإنما قلنا يحط عنه أجرة القلع لأن قلعه مستحق على الغاصب لأن (٤) عليه تسليم الأرض إلى المالك فارغة فيجب أن يحط عن المالك قدر الأجرة وليس للغاصب قيمة ما لا له إن قلع (٥) ولا قلعه مثل الجص الذي لا مرجوع له وإزالة النقوش والتزاويق وما أشبه ذلك لأن قلع ذلك إضرار برب الأرض ويعور أرضه من غير نفع يحصل للغاصب فلم يكن منه، ولا معتبر لقوله إن هذا غير شيئي فلي أخذه لأنه ذلك يكون له فيما ينتفع به، فأما فيما يقصد به إضرار غيره فلا يمكَّن منه والله أعلم وأحكم (٦). …

стр. 1193

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على محمد (١) كتاب الحوالة (٢) لا خلاف في جواز (٣) الحوالة (٤)، والأصل فيه قوله ﷺ : "إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع" (٥)، وهي في الحقيقة بيع الدين بالدين لأن المحيل باع الدين الذي له على المحال عليه من غريمه بدينه الذي كان عليه، واستثنيت من الكاليء بالكاليء وهو الدين بالدين لأن المقصود بيع الرطب بالتمر في نظائر لذلك. مسألة [١ - شروط الحوالة]: إذا أحالك غريمك بدينك الذي لك عليه على من له عليه دين لم يلزمك ذلك إلا برضاك: فإن رضيت باتباعه تحول حقك وبرئت ذمة غريمك المحيل، ولا اعتبار برضا من أحيل عليه ولا رجوع لك على من أحالك إن فات من أحلت عليه أو غاب أو أفلس إلا أن يكون غريمك علم منه حين أحالك عليه إفلاسًا فقد غرك ولم يعلمك فيكون لك الرجوع على غريمك (٦).

стр. 1194

وإنما شرطنا رضا صاحب الدين بالحوالة، خلافًا لدواد في قوله أنه يلزمه قبول الحوالة شاء أم أبى (١)؛ لأن صاحب الدين رضي بذمة غريمه دون غيرها فلا يلزمه الانتقال إلى ذمة لم يرض بها مع بقاء الذمة الأولى، ولأنه حق تعلق بذمته فلم يجبر على نقله إلى شيء آخر كما لا يجبر على نقله إلى شيء آخر (٢). وإنما شرطنا أن يكون للمحيل على المحال عليه دين لأنه إن لم يكن له عليه دين كانت حمالة لا حوالة لأن حقيقة الحوالة: بيع الدين الذي على المحال بالدين الذي للمحيل، وتحول الحق من ذمة (٣) إلى ذمة وذلك يقتضى أن يكون هناك دين تحصل الحوالة به. وإنما قلنا إن ذمة المحيل تبرأ إذا رضي صاحب الدين بالحوالة، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن له الرجوع إن مات المحال عليه مفلسا أو جحد الحق (٤)، لقوله ﷺ : "إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع" (٥) فأطلق، ولأنها حوالة برأت ذمة المحيل بها فلم يكن له الرجوع على المحيل بها أصله إذا لم تتغير حاله، ولأن عقد الحوالة إذا انبرم منع رجوع المحال على المحيل أصله ما ذكرناه، ولأن الحوالة بمنزلة الأبراء، والقبض لأن المطالبة بالدين تسقط معها والاعتبار حادث بعد القبض فلا رجوع للمحال به. وإنما قلنا إذا غره كان له الرجوع، خلافًا للشافعي في قوله لا رجوع له (٦)، لقوله ﷺ : "وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع" (٧) وهذا غير مليء، ولأن

стр. 1195

المحال إنما أبرأ المحيل على شرط وهو علمه بسلامة ذمة من يحمله (١) عليه، وإذا غره كان له الرجوع لأنه قصد إتلاف ماله. وإنما قلنا إن رضا من يحال عليه غير معتبر، خلافًا لداود في قوله لا تلزمه حوالة صاحب الدين لغيره إلا برضاه (٢)، لقوله ﷺ : "وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع" (٣) ولم يشرط رضاه، ولأن الحق هو للمالك (٤) له أن يملكه من شاء وينقله إلى ملك من يختاره وكسائر الحقوق. …
следующие страницы →