← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

كتاب المدبر التدبير أن يقول الرجل لعبده أنت حر عن دبر مني أو أنت مدبر أو إذا من فأنت حر بالتدبير أو ما أشبه ذلك مما يعلم أنه قصد به إيجاب عتقه بموته مطلقًا على وجه الوصية، وأما إن قال إن من من هذا المرض أو هذا السفر فإن ذلك كالوصية يجوز له الرجوع فيه وإبطاله (١). فصل [١ - فيمن دبر عبده ولا دين عليه]: ومن دبر عبده ولا دين عليه لم يجز له بيعه ولا هبته ولا نقض تدبيره بوجه ما دام حيًّا (٢) خلافًا للشافعي (٣)، ولقوله : ﴿أوفوا بالعقود﴾ (٤) ولقوله ﷺ "المدبر لا يباع ولا يوهب" (٥)، ولأن عتقه معلق (٦) بموت سيده على الإطلاق كأم الولد. فصل [٢ - في حكم المدبر إذا مات السيد]: إذا مات السيد نظر فإن لم يكن عليه دين وكان له مال يخرج من ثلثه عتق في الثلث وإنما وجب عتقه لوجود الصفة التي كان العتق معلقًا عليها وهي موت

стр. 1437

السيد كأم الولد (١)، وإنما قلنا إنه يعتق في الثلث دون رأس المال خلافًا لداود (٢)، لما رواه أبو قلابة (٣) أن النبي ﷺ : قال "المدبر من الثلث" (٤) ولأن كل عتق بعد الموت بالقول من الثلث كالموصي بعتقه، لأن المعتق (٥) بتلافي المرض آكد (٦) حرمة من المدبر ثم يعتق من الثلث فالمدبر أولى. فصل [٣ - إذا لم يحمل الثلث المدبر]: وإن لم يحمل الثلث عتق منه بقدر ما يحمله ورق باقيه وكذلك لو لم يترك غيره عتق ثلثه ورق ثلثاه للورثة، ولا يجب عليه أن يسعى في فكاك رقبته خلافًا لأبي حنيفة لما بيناه في العتق. فصل [٤ - إذا كان على السيد دين]: وإن كان على السيد دين بيع جميعه إن أحاط الدين بماله وإلا فبقدر إحاطة الدين بماله وعتق ثلث ما بقي ورق ما بقي بعد عتق الثلث منه للورثة (٧) وعند أبي حنيفة أنه لا يباع في الدين ولكن يسعى للغرماء فإذا أدى مالهم خرج حرًّا (٨)

стр. 1438

ودليلنا أن التدبير يجري مجرى الوصية والدين مقدم على الوصية فلو قدمنا عتق العبد على الدين لكان في ذلك أحد أمرين ممنوعين: إما تقديم الوصية على الدين ليتعجل العبد العتق (١) ويحصل الغرماء على سعاية متأخرة أو انتزاع العبد من أيديهم وإحالتهم في سعاية لا يدري أتصح أم لا بغير رضاهم وإلزام العبد الاستسعاء بغير جناية كانت منه وكل ذلك باطل فلم يبق إلا ما قلناه. فصل [٥ - في تدبير بعض العبد]: وإذا دبر بعض عبده كمل عليه جميعه اعتبارًا بالعتق لأنه ضرب منه وإن دبر (٢) بعض عبد بينه وبين شريكه بإذنه أو بغير إذنه تقاوماه فإن صار الذي دبر كمل عليه تدبيره وإن صار للآخر رق وإن شاء الذي لم يدبر أن يقوم نصيبه على الذي دبر كان له ذلك (٣)، وإنما قلنا إنهما يتقاومانه ليمنع (٤) التبعيض فيه وأجزنا إبطاله إن صار للذي لم يدبر لأن التدبير ليس مستقرا لا محالة لأنه قد يبطل باستغراق الدين التركة وقد قيل إنه لا يجوز إلا تقويم الحصة على الشريك (٥) الذي يجبر عليه صاحبه إن كان المدبر موسرًا اعتبارًا بالعتق إلا أن يشاء الآخر أن يدبر فيكمل التدبير كما يختار الشريك في العتق أن يعتق فيكمل العتق. فصل [٦ - في ولد المدبر]: ولد المدبر من أمته بمنزلته (٦) لأن كل ولد حدث عن ملك اليمين تبع أباه في الحرية والرق أصل ذلك إذا ابتاع الحر أمة فأولدها، ومن دبر أمة وهي حامل

стр. 1439

علم بحملها أو لم يعلم أو حملت بعد التدبير فولدها بمنزلتها، أما حملها إذا صادفها التدبير فلأنه داخل في العقد على رقبتها بالبيع والهبة والكتابة وسائر العقود على الرقبة فكذلك التدبير. فأما إذا أحدثوا بعد التدبير فلأن كل ولد حدث من نكاح أو زنا فهو تابع لأمه في الحرية والرق اعتبارًا بولد العبد إذا تزوج الحرة أو بولد الحر إذا تزوج الأمة، ويقومون مع أمهم قيمة واحدة لا يقوم بعضهم على بعض لتساوي حرمتهم ولوجوب التدبير لهم وللرجل أن يطأ مدبرته لأن ذلك غير ناقص لتدبيرها بل هو مؤكد له لأنها قد تحمل فتكون أم ولد وذلك أقوى من التدبير، ويفارق المكاتبة لأن تلك تستعجل العتق بالأداء ففي كونها أم ولد تأخير عتقها. فصل [٧ - في جواز استخدام المدبر وإجارته من صاحبه]: للرجل استخدام مدبره وإجارته (١) لأنه على الأصل في ملك تصرفه وإنما منع من نقض التدبير فقط وليس في ذلك نقض له والفرق بينه وبين أم الولد أنه ليس له من أم الولد إلا الوطء فقط وهي آكد حكمًا من المدبر لأنه لا يزول حكم الاستيلاد بدين ولا غيره بخلاف التدبير. فصل [٨ - في جواز انتزاع مال المدبر، وإذا أسلم مدبر النصراني]: وله انتزاع ماله لأن أحكامه (٢) أحكام العبد إلا فيما يقتضي نقض التدبير وليس في انتزاع ماله نقض التدبير، ويستحسن في مرض السيد المخوف للسيد أن لا ينتزع ماله بقرب عتقه فإنه ينتزعه لغيره لا لنفسه (٣).

стр. 1440

إذا أسلم مدبر النصراني خورج عليه فدفع إليه خراجه ولم يبع عليه، وإنما ينتظر موته فيعتق من ثلثه إن حمله أو حمل منه (١)، وإنما قلنا ذلك لأنه لا يجوز ثبوت ملك النصراني على المسلم ولا استخدامه بالرق ولا يجوز بيعه لما ثبت له من الحرية (٢) في حياة سيده فوجب أن يؤجر عليه من مسلم ويدفع خراجه إلى سيده فإذا مات عتق من ثلثه (٣) وكان ولاؤه للمسلمين ما دام السيد نصرانيًّا فإن أسلم عاد إليه الولاء، ويتخرج فيها رواية أخرى وهي: أنه يباع عليه ويدفع الثمن إلى النصراني (٤) اعتبارًا ببيع أم ولده إذا أسلمت وحرمة الاستيلاد أقوى من حرمة التدبير. فصل [٩ - فيما إذا قتل المدبر]: إذا قتل المدبر فقيمته لسيده (٥) لأن أحكامه أحكام العبد في حياة سيده، وكذلك له أرش جناية أعضائه فإذا أخذ ذلك فهو في ملك له في عمل به ما شاء ولا يلزمه أن يجعله في مدبر آخر لأن السيد لا صنع له في قتله فكان قتله كموته وكانت قيمته بمنزلة ماله الذي يتركه بعد موته أنه للسيد بالرق لا بالميراث. فصل [١٠ - في جناية المدبر]: جناية المدبر في خدمته دون رقبته (٦) لأن بيعه غير جائز ولا يجوز إسلام رقبته إلى المجني عليه فلم يبق إلا إسلام خدمته، لأن ذلك هو الذي يملكه السيد منه والسيد مخير إن شاء أفتكه بأرش جنايته وإن شاء أسلم خدمته فإن أسلمها أختدمها المجني عليه لأنها ملك له بدلا من جنايته وأجره وأخذ أجرته.

стр. 1441

وإن كان للمدبر مال تعلقت الجناية بخدمته وماله اعتبارًا بالحر في تعلق جنايته بذمته وماله فإن كان في المال وفاء بأرش الجناية استوفي منه وإن لم يكن فيه وفاء تعلق الفضل بخدمته وأخذ المجني عليه حقه منها فإذا استوفى أرش الجناية زال تعلقه منه، فإن كان السيد حيا عاد مدبرًا على حاله لأن السيد يملك باقي خدمته مدة حياته فإن مات السيد قبل أن يستوفي المجني عليه أرش جنايته بأن كان له مال يحمل ثلث المدبر عتق في الثلث لأنه لا شيء يمنع عتقه وما بقي من أرش الجناية دين عليه لأن الجناية لا تبطل أرشها لأنها إما أن تتعلق بالرقبة أو بالذمة، وتعلقها بالرقبة (١) في هذا الموضع متعذر للحرمة التي له بالتدبير فلم يبق إلا تعلقها بالذمة ولأنه لما كانت جناية الجر متعلقة بذمته كذلك جناية المدبر (بعد حريته وعن مالك رواية أخرى أن ما بقي من الأرش يبطل بحرية المدبر) (٢). ووجه ذلك أن الأرش كان متعلقًا بخدمته دون رقبته فلما بطلت بحريته بطل الحق المتعلق بها ببطلانها كموته هذا كله إذا كان للسيد مال (يعتق فيه فإن لم يكن للسيد مال) (٣) غيره عتق ثلثه فكان ثلثاه رقا للورثة ويلزم المدبر ثلث ما بقي من أرش الجناية دينا في ذمته على أظهر الروايتين. وعلى الرواية الأخرى يبطل عنه ويخير (٤) الورثة في افتكاك الثلثين بثلثي أرش الجناية أو إسلامه من رقبته إلى المجني عليه لأنه قد صار رقا وبطل التدبير في ما زاد على ثلثه فإن أسلموه كان مالكا للمجني عليه لأن المانع كان من إسلامه بثبوت التدبير وإذا بطل التدبير بضيق المال عنه وجب تعلق ما بقي من أرش الجناية برقبته.

стр. 1442

فصل [١١ - في جواز مقاطعة السيد مدبره على مال يأخذه منه ويعجل عتقه]: يجوز للسيد أن يقاطع مدبره على مال يأخذه منه ويعجل له العتق فإذا فعل ذلك وتعجل ثم مات السيد قبل أخذ المال لم يسقط عنه بموت سيده (١) لأنه دين تعلق بذمته ولا يعتبر في ذلك خروجه من الثلث لأن الحرية قد سبقت له قبل موت السيد فينجز (٢) عتقه بالعوض دون التدبير. ويجوز أن يكاتبه كتابة منجمة فإن أداها قبل موت السيد عتق وإن مات السيد قبل أدائها عتق بالتدبير وسقط عنه باقيها أو جميعها إن كان لم يؤد (٣) شيئًا منها فإن لم يكن له مال غيره عتق ثلثه كما لو لم يكن كاتبه وسقط عنه (ثلث الكتابة لأنه لو عتق لسقطت الكتابة عنه فإذا عتق بعضه) (٤) سقط عنه بقدر ما عتق منه ويبقى ثلثاه مكاتبا بثلثي الكتابة فإن أداه عتق وإن عجز رق للورثه والله أعلم (٥). …

стр. 1443

كتاب أمهات الأولاد (١) إذا حملت الأمة من سيدها فقد ثبت لها حرمة (٢) حرية تمنع بيعها وهبتها والمعاوضة على رقبتها أو من خدمتها أو إسلامها في جناية أو عتقها عن سبب يوجب العتق من كفارة أو نذر أو غير ذلك، ولم يبق فيها إلا الاستمتاع بها في حياته واستخدامها فيما يقرب ولا يشق، سواء وضعت ولدا ميتا أو حيا كامل الخلقة أو ناقصا أو أسقطت مخلقا أو غير مخلق، علقه أو مضغة أو ما يعلم أنه حمل، فإذا مات سيدها عتقت من رأس ماله كان له مال سواها أو لم يكن له غيرها، كان عله دين أو لم يكن لا سبيل للغرماء عليها في حياته ولا بعد موته ويتبعها ماله إذا عتقت قبل (٣) موته وله انتزاعه في حياته. وإن حملت منه قبل ملكه لها ووضعت ثم ملكها لم تكن بذلك أم ولد، فأن ملكها بعد الحمل وقبل الوضع ففيها روايتان: إحداهما أن تكون أم ولد، والأخرى أنها لا تكون أم ولد وفي إجباره إياها على التزويج روايتان. وولدها من غيره بمنزلتها في منع بيعهم إلا أن له إجارتهم بخلاف أمهم، وقيمتها إن قتلت (٤) وأرش جراحها لسيدها فإن لم يقبضه حتى مات ففيها روايتان: إحداهما أنه ملك له والأخرى أنه يتبعها كمالها، وليس له إسلامها وفي جناية تجنيها والخيار له في افتكاكها بأقل الأمرين من أرش الجناية أو قيمة رقبتها، وحكمها في جراحها وحدودها وطلاقها وعدته من زوجها ومنع شهادتها

стр. 1444

وميراثها وسقوط الحد عن قاذفها والقصاص لها من الحر إذا قتلها أو جرحها حكم الإماء (١) ما دام سيدها باقيًا، واستبراؤها من موته بحيضة وهو استبراء وليس بعدة (٢) وتعلق الفضل بخدمته وأخذ المجني عليه حقه منها فإذا استوفى أرش الجناية زال تعلقه منه، فإن كان السيد حيا عاد مدبرا على حاله لأن السيد يملك باقي خدمته مدة حياته فإن مات السيد قبل أن يستوفي المجني عليه أرش جنايته بأن كان له مال يحمل ثلث المدبر عتق في الثلث لأنه لا شيء يمنع عتقه وما بقى من أرض الجناية دين عليه لأن الجناية لا تبطل أرشها لأنها إما أن تتعلق بالرقبة أو بالذمة، وتعلقها بالرقبه (٣) في هذا الموضع متعذر للحرمة التي له بالتدبير فلم يبق إلا تعلقها بالذمة ولأنه لما كانت جناية الحر متعلقة بذمته كذلك جناية المدبر (بعد حريته، وعن مالك رواية أخرى أن ما بقي من الأرش يبطل بحرية المدبر) (٤). ووجه ذلك أن الأرش كان متعلقا بخدمته دون رقبته فلما بطلت بحريته بطل الحق المتعلق بها ببطلانها كموته هذا كله إذا كان للسيد مال (يعتق فيه فإن لم يكن للسيد مال) (٥) غيره عتق ثلثه فكان ثلثاه رقا للورثة ويلزم المدبر ثلث ما بقي من أرض الجناية دينًا في ذمته على أظهر الروايتين. وعلى الرواية الأخرى يبطل عنه ويخير (٦) الورثه في افتكاك الثلثين بثلثي

стр. 1445

أرش الجناية أو إسلامه من رقبته إلى المجني عليه لأنه قد صار رقا وبطل التدبير في ما زاد على ثلثه فإن أسلموه كان مالكًا للمجني عليه لأن المانع كان من إسلامه بثبوت التدبير وإذا بطل التدبير بضيق المال عنه وجب تعلق ما بقي من أرش الجناية برقبته. فصل [١ - في جواز مقاطعة السيد مدبره على مال يأخذه منه ويعجل عمقه]: يجوز للسيد أن يقاطع مدبره على مال يأخذه منه ويعجل له العتق فإذا فعل ذلك وتعجل ثم مات السيد قبل أخذ المال لم يسقط عنه بموت سيده (١) لأنه دين تعلق بذمته ولا يعتبر في ذلك خروجه من الثلث لأن الحرية قد سبقت له قبل موت السيد فينجز (٢) عتقه بالعوض دون التدبير. فصل [٢ - في عدم جواز هبة أو معاوضه أم الولد]: وإنما قلنا إنه لا يجوز هبتها ولا المعاوضة عليها بغير البيع أيضًا فللإجماع على أن لا فرق بين البيع وبين ذلك كله، ولأن الحرمة المانعة من بيعها مانعة من ذلك كله. فصل [٣ - في منع عتقها عن سبب يوجب العتق]: وإنما منعنا أن تعتق عن سبب يوجب العتق لأن عقد الحرية قد ثبت لها فلا يكون عتقها تحريرًا، ولأن الملك عليها ناقص بنقصان التصرف فيها، وللسيد أن يعجل (٣) عتقها ابتداء لأن ذلك إسقاط لحقه الباقي عليه من الاستمتاع.

стр. 1446

فصل [٤ - في منع إجارة أم الولد]: وإنما منعنا من إجارتها خلافًا للشافعي (١) لأن الحرمة المانعة من بيعها مانع من إجارتها ولولا الوطء لكان عتقها منجزا. فصل [٥ - في جواز الاستمتاع بأم الولد من سيدها]: وإنما قلنا إن للسيد الاستمتاع بها لأن الحرمة إنما تثبت لها بالوطء فلا يجوز أن يجتلب (٢) حرمة توجب تحريمه، وكذلك روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال له الاستمتاع بها ما عاش (٣). فصل [٦ - في عدم التفريق بين حياة الولد وموته]: وإنما لم يفرق بين حياة الولد وموته لعمومه الأخبار، ولأن الحرمة بالولاده دون صفة الولد. فصل [٧ - في عدم مراعاة التخليق في الولد]: وإنما لم يراعَ التخليق خلافًا للشافعي (٤)، لأن حرمة الولد (٥) ثابتة بالحمل اعتبارًا بحصول التخليق، ولأنا لما لم نراع آخره لم نراع وسطه. فصل [٨ - في كون أم الولد تعتق من رأس المال]: وإنما قلنا تعتق من رأس المال لأن الحرمة حاصلة بها الآن وإنما بقي للسيد فيها الاستمتاع بالوطء فقط والوطء لا يورث عنه ولا يملك بعده، (٦) وليس له قيمة

стр. 1447

يراعي دخولها في الثلث فلم يبق إلا العتق من رأس المال كالمعتقة إلى أجل. فصل [٩ - في عدم التفريق إن كان له مال سواها أم لا]: وإنما لم يفرق بين أن يكون له مال سواها أو لم يكن لأن الأخبار مطلقة غير مقيدة، ولأن مراعاة مال سواها إنما يحتاج إليه فيما يكون عتقه في الثلث لينظر هل يخرج كله أو بعضه وذلك غير معتبر ها هنا فلا معنى لمراعاته. فصل [١٠ - في عدم مراعاة إن كان عليه دين أو لا]: وإنما لم نراع أن يكون عليه دين أو لا يكون لعموم الأخبار، ولأن عتقها كان مستحقًا في الحياة وإنما منع منه الوطء فإذا زال ذلك بالموت فلم يبق مانع منه، ولو وطيء المديان أمة له فحملت منه لكانت أم ولد ولم يكن للغرماء اعتراض عليها لقوة الحرمة بالوطء وتأكيدها على القول بالعتق الحامل من جهته. فصل [١١ - في مال أم الولد]: وإنما قلنا إن مالها يتبعها إذا أعتقت لأن كل مملوك عتق بوجه من وجوه العتاقه (١) فماله تبع له ما لم ينزعه سيده أو يستثنيه عليه عند عتقه. فصل [١٢ - جواز انتزاع السيد مالها]: وإنما قلنا إن لسيدها انتزاعه منها حال الحياة لأن ملكه باق عليها فكان له انتزاع مالها كالأمة ولا يدخل عليه المكاتب لأن في انتزاع مالها نقصان لعقد عتقه فهو كبيع أم الولد والمدبرة (٢)، قال مالك إلا أن يشتد مرضه فلا يكون له ذلك لقرب الوقت الذي يعتقها (٣) فيه فمنع انتزاعه كما يمنع إخراج ماله في المرض المخوف إبقاء على ورثته لقرب استحقاقهم له، ولأنه حينئذ ينتزعه لغيره لا لنفسه وإنما له أن ينتزعه لنفسه.

стр. 1448

فصل [١٣ - إذا ولدت منه بعقد نكاح ثم ملكها]: وإنما قلنا إنها إذا ولدت منه بعقد نكاح ثم ملكها فإنها لا تكون أم ولد بذلك خلافًا لأبي حنيفة (١) لقوله ﷺ "أيما أمة ولدت من نكاح سيدها فهي معتقة عن دبر" (٢) فعلق ثبوت الإيلاد (٣) بأن يكون من سيدها وهذه ولدت من زوج ولأن الحرمة ثبتت لأم الولد من جهة الولد فإذا كان الولد لا حرمة له في نفسه لم يسر إلى أمه ولأنها وضعت ولدا مملوكا فلم يثبت به حرمة أم الولد أصله الزنا، ولأنها لم تكن أم ولد قبل الإبتياع فكذلك بعده. فصل [١٤ - إذا ابتاعها حاملًا]: ووجه قوله إنه إذا ابتاعها حاملًا أنها تكون أم ولد قوله ﷺ "أيما أمة ولدت من سيدها فإذا مات فهي حرة" (٤) ولم يفرق بين أن تكون حملت منه قبل الملك أو بعده، ولأنه قد ثبتت له حرمة الحرية من جهة أبيه حال الحمل فسرى ذلك إلى أمه أصله إذا ابتدأ الحمل في ملكه، ووجه قوله إنها لا تكون أم ولد أنه حمل خلق رقيقًا فلم يثبت به حرمه الاستيلاد لأمه أصله إذا ابتاعها بعد الوضع. فصل [١٥ - في أم الولد المدبر]: اختلف عنه في أم المدبر هل لها حرمة يثبت لها العتق بموته إذا أعتق أم لا فعنه في ذلك روايتان: إحداهما ثبوتها والأخرى نفيها. فوجه ثبوتها اعتبارها بأم ولد المكاتب بعلة أن ولدها من سيدها داخل في عقد العتق الثابت له ومكتسب لحرمته فوجب أن تكتسب أمه الحرية به.

стр. 1449

ووجه نفيه أن حرمة سيدها ضعيفة لإمكان بطلان عتقه وعود رقه فلم تسر الحرمة إلى أمته بولادتها منه، فإذا قلنا لها حرمة الاستيلاد لم يجز للسيد انتزاعها منه حاملًا كانت أم غير حامل، وإن قلنا ليس لها حرمة الاستيلاد فله انتزاعها (١) ما لم تكن حاملا لأنها مال للمدبر وللسيد انتزاع مال مدبره، وإن كانت حاملًا لم يكن له انتزاعها رواية واحدة لأن الولد داخل في تدبير أبيه. فصل [١٦ - في أم ولد المكاتب]: في أم ولد المكاتب خلاف (٢) لأنه قد جاز للمكاتب بيعها من غير دين وهذا يدل على أنه لا حرمة لها بالاستيلاد وقال ليس له بيعها إلا أن يرهقه دين، فوجه الأول أن حرمتها ضعيفة لضعف حرمة سيدها لأنه يعتق بالأداء ويرق بالعجز فلذلك لم يثبت لها حرمة الاستيلاد وجاز له بيعها، ووجه الثاني اعتبارا بأم ولد الحر لثبوت حرمة العتق لسيدها، فأما إذا رهن المكاتب دين أو خيف عليه العجز فلا أعلم خلافًا عن مالك أن له بيعها في دينه وأن لسيدها بيعها في كتابته لأن دينه يؤدي إلى عجزه فيرق وتبطل حرمتها وحرمته. فصل [١٧ - إذا أسلمت أم ولد النصراني]: وإذا أسلمت أم النصراني عرض عليه الإسلام عقيب إسلامها فإن أسلم فهي أم ولده مثل ما كانت فإن أبي ففيها روايتان (٣): إحداهما أنها تعتق عليه، والأخرى أنها تباع، فوجه قوله إنها تعتق عليه لأنه لم يكن له فيها إلا الوطء فإذا حرم بالإِسلام وجب عتقها لأنه لا يجوز بقاء ملك على ملك لا ينتفع منه بشيء من وجوه الانتفاع وكذلك قوله في أم ولد الابن إذا وطئها الأب أنها تعتق على الابن لأن وطأها محرم عليه.

стр. 1450

ووجه قوله إنها تباع عليه أن النصراني غير متعبد بفروع الدين فلم يجز حكمه، ولأنه لما لم يمنع بيعها قبل إسلامها كذلك بعده كالعبد الغني إذا أسلم. فصل [١٨ - في إجبار أم الولد على التزويج]: ووجه قوله إن له يزوجها بغير رضاها لأنه قد بقي له فيها ملك (الوطء بحكم الرق فجاز له المعاوضة عليها كما أنه لما ملك) (١) من المدبر خدمته جاز له المعاوضة عليها، ووجه قوله لا يزوجها إلا برضاها أنه عقد على منافعها فلم يكن له ذلك إلا برضاها كالإجارة وذلك مكروه في الجملة للدناءة ونقصان المروءة. فصل [١٩ - في ولد أم الولد من غير سيدها]: وإنما قلنا إن ولدها (٢) من غيره هو بمنزلتها لأن الأصول موضوعة على أن كل ولد حدث من ملك اليمين فإنه تابع لأبيه في الحرية والرق وعقودهما والأصل فيه ولد الرجل من أمته وكل ولد حدث من غير ملك اليمين (٣) ولا شبهة ملك فهو تابع لأمه في ذلك والأصل فيه المتزوج بأمة غيره فإذا ثبت ذلك كان ولد أم الولد بمثابة أم الولد يعتق بموت سيدها من رأس المال كعتق أمه إلا أنه لا يجوز للسيد وطؤها إن كانت أنثى لأنها ربيبة. وإنما قلنا إن له إجارته بخلاف أمه لأن أمه كان له فيها الاستمتاع وهو بعض أحكام الملك وذلك حرام عليه من ولدها فلم يبق فيهم إلا الإجارة لأنا لو منعنا ذلك لم يبق لهم عليه شيء من أحكام الرق وذلك ينافي بقاء الملك.

стр. 1451

فصل [٢٠ - في قيمة أم الولد إذا قتلت]: وإنما قلنا إن قيمتها إن قتلت لسيدها لأنها على ملكه، وإن كان ناقص التصرف فيها وكذلك أرش جراحها له لأنه إذا كان يملك قيمتها لو قتلت ملك أرش جراحها اعتبارًا بالعبد القن (١)، ووجه قوله إنه إذا لم يقبضه حتى مات فإنه يورث عنه فلا يتبعها هو أنه ما كان يملكه في حياته دونها فكان لورثته بعد موته لأن ما ملكه الإنسان في حياته من المال فهو لورثته بعد موته، ووجه قوله إنه لها إنهاء تملك أرش الجناية عليها وللسيد انتزاعه كما له انتزاع مالها فلما لم ينتزعه في الحياة تبعها كغيره من مالها. فصل [٢١ - في عدم جواز إسلامها لجناية يجنيها السيد]: وإنما قلنا ليس له إسلامها لجناية تجنيها، لأن إسلامها بمنزلة بيعها لأن الغرض به استرقاقها وأخذ رقبتها عوضًا من جنايتها وإذ لم يجز إسلامها وكان السيد سبب المنع لزمه افتكاكها. وإنما قلنا إنه يكون مخيرًا بين القيمة وأرش الجناية اعتبارًا بالعبد إذا امتنع من إسلامه إلى المجني عليه وتعذر بنقص وجوه التعذر، فأما القيمة فإنها تقوم مقام المقوم وتسد مسده والمراعاة فيها يوم الحكم، ولأن ذلك وقت وجوب تسليم العبد القن وكذلك في أم الولد، وأما أرش الجناية فلأنها بدل من جنايتها والخيار له في أقل الأمرين لأن المجني عليه لا مقال له إذا أخذ بدل جنايته أو بدل رقبة الجاني. فصل [٢٢ - في أحكام أم الولد في الحدود والجراح والشهادات وغير ذلك]: وإنما قلنا إن أحكامها في حدودها وجراحها وشهادتها وغير ذلك أحكام العبيد لبقائها على الرق ونقصان التصرف فيها لا يمنع جري أحكام الرق عليها كالمعتق إلى أجل.

стр. 1452

فصل [٢٣ - استبراء أم الولد من موت سيدها]: وإنما قلنا استبراؤها من موت سيدها بحيضة لأنه استبراء من وطء بملك اليمين كالأمة، وإنما لم نقل عليها العدة بالشهور خلافًا لمن ذهب إلى ذلك، ولأن العدة تجب على الزوجات وهذه ليست بزوجه فإن يئست من الحيض فبثلاثة أشهر لأن ذلك قائم مقام الحيض إذا عدم، وبالله التوفيق (١). …

стр. 1453

كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك (١) الأصل في القضاء (٢) قوله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾ (٣)، وقوله ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ (٤)، وقوله تعالى ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (٥)، وقوله ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر" (٦)، وقوله لمعاذ ابن جبل لما وجهه إلى اليمن قاضيًا: "بم تحكم" قال: بكتاب الله، قال "فإن لم تجد، قال: بسنة رسول الله ﷺ قال "فإن لم تجد" قال أجتهد رأيي، فقال رسول الله ﷺ : "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله" (٧)، وفيه أخبار كثيرة عنه ﷺ وعن السلف بعده.

стр. 1454

فصل [١ - الخصال التي يجب توفرها في القاضي]: ويجب أن يكون في القاضي خصال منها ما لا يتم الحكم إلا بها ما هو من أداب القضاء وسنة الحكم في الشرع، فأول ما يجب (١) فيه أن يكون فقيهًا غير عامي ومن أهل الاجتهاد عارفا بالكتاب والسنة وطرق الاجتهاد وترتيب الأدلة وكيفية النظر فيها وتخريج الفروع على الأصول، ولا يجوز له تقليد غيره من العلماء ما دام عليه فسحة في النظر ومهلة يمكنه فيها الاجتهاد فإن خاف فوات الحادثة متى أخرها إلى أن يلوح (٢) له فيها النظر وقع عليه فرض الحكم فيها فهل يجوز له أن يقلد غيره من العلماء أو لا يجوز له فيها نظر فكان الأقوى أن يجوز لأن تأخير الحكم يؤدي إلى فوات الفرض وإضاعته، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم قد كان يقلد بعضهم بعضًا في الأحكام إذا خفي على المقلد منهم طريق النظر في حكم الحادثة (٣). فصل [٢ - في عدم جواز كون الحاكم عاميًّا]: وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون الحاكم عاميا خلافًا لأبي حنيفة (٤)، لقوله تعالى ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (٥) وذلك يتضمن الاجتهاد، وقوله تعالى ﴿فاحكم بين الناس بالحق﴾ (٦) والمقلد لا يفرق (٧) بين الحق والباطل بالتقليد، وقوله ﷺ : لمعاذ: بما تحكم قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد" قال فبسنة رسول الله ﷺ ، قال "فإن لم تجد"، قال أجتهد رأيي،

стр. 1455

فقال رسول الله ﷺ "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضي رسول الله" (١) وقوله "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر" (٢). وهذا كله يدل على أن الحاكم يجب أن يكون من أهل الاجتهاد ولأن التقليد لا يثمر عليه ولا يجوز التقليد إلا للعامي للضرورة بالعامي إلى أن يلي الحكم ويقلد غيره ولأن القضاء آكد وأقوى من الفتيا لأن الحاكم يلزم غيره بحكمه، والمستفتي لا يلزمه المصير إلى فتيا المفتي فإن لم يجز للمفتي أن يكن مقلدًا فالقاضي أولى. وينبغي للقاضي أن يكون فطنًا متيقظًا كثير التحرز من الحيل وما ينم (٣) مثله على المغفل أو الناقص أو المتهاون، وأن يكون عالمًا بالشروط عارفًا بما لا بد منه من العربية واختلاف معاني العبارات فإن الأحكام تختلف باختلاف العبارات في الدعاوي والإقرار والشهادات وغير ذلك مما يتعلق، ولأن كتاب الشرط هو الذي يتضمن حقوق المحكوم له وعليه والشهادات تسمع بما فيه فقد يكون العقد واقعًا على وجه يصح أو لا يصح فيجب أن يكون فيه علم بتفصيل ذلك وتحمله (٤)، وينبغي أن يستبطن أهل الدين والأمانة والعدالة والنزاهة ويستعين بهم على ما هو سبيله ويعول بهم على التوصل إلى ما ينوبه ويخففوا عنه فيما يحتاج إلى الاستنابة فيه من النظر في الوصايا والأحباس والوقوف والقسمة وأموال الأيتام وغير ذلك مما ينظر فيه. والأولى عندنا (٥) أن يقضي في المسجد خلافًا للشافعي في كراهية (٦) ذلك

стр. 1456

لأن النبي ﷺ كان يحكم فيه، والأئمة بعده وليقرب الوصول إليه على كل من أراده. وينبغي له التسوية بين الخصمين في المجلس وأن يكون إقباله عليهما على حد سواء كما روي عن السلف والأئمة من القضاء بذلك وأن يبتدى منهما من بدأ بالدعوى فيسمع دعواه ويستوفي الحكم له ثم يثني من بعده وإن تشاحى في التقديمة والتبدية ولم يعلم صدق أحدهما أقرع بينهما فيبدأ بمن يخرج سهمه لأنه لا طريق إلى الفصل (١) بينهما إلا بذلك ويجوز أن يقال أن ذلك موكول إلى اجتهاد الحاكم والإقراع أقرب إلى العدل. وينبغي إذا استوفى سماع البينة وأراد الحكم أن يقول للمحكوم عليه أو لوكيله إن لم يحضر: أبقيت لك حجة؟ أم هل عندك ما تدفع به حجة خصيمك؟ فإذا قال لا، حكم حينئذ، وإن قال نعم انتظر ما يأتي به فإن تبين منه اللدد (٢) حكم ولم يلتفت إلى قوله. وينبغي أن يكون له صاحب مسائل يكون من أهل الأمانة والثقة فيسأله عن شهوده ويعول عليه في تعديل من شهد عنده، وينبغي للمزكي أن يكون عالمًا بوجوه التعديل والجرح عارفًا بطرقهما. وللحاكم أن يحكم بشهادة من يعلمه عدلًا وأن يرد شهادة من يعلمه فاسقًا أو يعلمه غير مستكمل بشروط العدالة وليس ذلك حكمًا بعلمه، وشروط القضاء وآدابه كثيرة لا يحتملها هذا المختصر وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله. فصل [٣ - في منع الحاكم من أن يحكم بعلمه]: ولا يحكم الحاكم بعلمه في شيء أصلًا لا قبل ولايته ولا بعدها لا في حكمه ولا في غيره ولا في حقوق الله ولا في حقوق الآدميين.

стр. 1457

وقال عبد الملك يحكم بعلمه في مجلس حكمه إذا حضر عنده الخصم واعترف بحق خصمه (١). وقال أبو حنيفة يحكم في حقوق الآدميين فيما علمه بعد القضاء لا يحكم فيما علم قبله (٢) وقال الشافعي إنه يحكم بعلمه في كل الأشياء (٣). فدليلنا قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ (٤) فأمر بجلد القاذف متى لم يقم بينة على ما رمى به المقذوف، وقوله ﷺ في حديث هلال بن أمية لما لاعن زوجته: "إن جاءت به على نعت كذا فهو لهلال وإن جاءت به على نعت كذا فهو (لشريك فجاءت به على النعت المكروه فقال ﷺ : "لو كنت راجمًا أحد بغير بينة لرجمتها" (٥) موضع الدليل أنه ﷺ علم أنها زنت لإخباره أنها جاءت به على نعت كذا فهو) (٦) لغير زوجها ثم لم يحكم بالحد لعدم البينه. وعند المخالف يجب أن يرجمها إذا علم بذلك، وروى أنه ﷺ بعث أبا جهم مصدقًا فلاحقاه رجلان فشجهما فأتيا إلى النبي ﷺ يطلبان القصاص فبذل لهما مالًا فرضيا به فقال إني أخطب الناس وأذكر لهم ذلك أفرضيتما، قالا: نعم فخطب الناس ثم قال أرضيتما بعد أن ذكر القصة فقالا: لا، فهم بهم المهاجرون

стр. 1458

والأنصار فمنعهم النبي ﷺ ثم نزل فزادهما فرضيا فصعد المنبر فقال أرضيتما فقالا: نعم (١)، موضع الدليل أنه لم يحكم عليهما بعلمه لما جحدا أن يكونا رضيا، ولأنه ﷺ امتنع من قتل المنافقين مع علمه بكفرهم وقال: "لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (٢) وإنما لم يقتلهم لأن الناس لم يعلموا بكفرهم كعلمه، ولأن الحاكم لما كان غير معصوم فقد تلحقه الظنة والتهمة في أن الحكم لوليه على عدوه وأمكن وقوع ذلك منهم وجب حسم الباب: بألا يحكم بعلمه لئلا يدعى عليه بذلك، ولإمكان أن يقع ذلك منه فيلحق الناس أذية منه: فإذا منع أن يحكم بعلمه زالت التهمة في ذلك ويعرض الكلام في الحدود ولأصحاب الشافعي فيها وجهان. ودليلنا أنه لا يحكم فيها بالعلم، الظاهر والأخبار وقول أبي بكر ﵁ لو رأيت رجلًا (٣) على حد من حدود الله ما أقمته عليه حتى يشهد على ذلك أربعة (٤)، ولا مخالف له نعلمه وإن سلموا ذلك قسنا عليه سائر الحقوق، وقلنا إنه حكم بعلم فلم يجز أصله الحدود واعتبارا بعلمه قبل الولاية مع أبي حنيفة، وفي غير مجلس الحكم مع عبد الملك. فصل [٤ - في جواز تنفيذ الحاكم الحكم بعلمه]: إذ ثبت أنه ليس له أن يحكم فله أن ينفذ الحكم بعلمه بعدالة الشهود ويقف عنه بعلمه بفسقهم وليس ذلك حكمًا منه بعلمه بدليل أن لغيره من الحكم أن

стр. 1459

يحكم بشهادتهم ولو كان ذلك حكمًا بالعلم لم يجز لمن جاء بعده أن يحكم بشهادة من قد رد شهادته الذي قبله كما لا يجوز له نقض حكم حكم به مما يسوغ لهما (١) الحكم به. فصل [٥ - في كون الحاكم شاهدا فيما علمه ومنع الحكم فيه]: إذا علم شيئًا ومنع الحكم فيه بعلمه فإنه قد يكون شاهدًا فيه لمن له الحكم فيرفع إلى الإِمام أو إلى غيره من الحكام ويدعي صاحب الحق شهادة الحكم فيكون الحاكم كأحد الشهود فيعمل فيه كما يعمل في شهادة الشاهد وسائر الحقوق (٢). فصل [٦ - إذا حكم الحاكم بحكم ثم أنكر أن يكون حكم به]: وإذا حكم الحاكم بحكم ثم أنكر أن يكون حكم به فإذا شهد شاهدان على حكمه ثبت ولم يسقط بإنكاره وكذلك لو نسي (٣) أن يكون حكم به فشهد به عنده شاهدان قبل شهادتهما (٤)، وقال أبو حنيفة والشافعي إن لم يذكر حكمه لم تنفع شهادة الشهود شيئًا (٥). ودليلنا أنها شهادة عنده على حكم لو كان ذاكرًا له لساغ قبولهما فكذلك إذا كان ناسيًا، أصله إذا شهد عنده بحكم غيره، ولأنه قد تعلق بذلك حق لغيره وهو من يشهد بالحكم له فلو قلنا أن الشهادة غير مقبولة إلا أن يذكرها ومعلوم أنه قد ينسى ويشك لأدى إلى تضييع حقوق الناس ولكان لا معنى للإشهاد على إنفاذه، ولأنه قد يتهم أيضًا أن يكون جحد حكمه لعداوة بينه وبين المشهود له.

стр. 1460

فصل [٧ - إذا وجد في ديوانه حكمًا بخطه ولم يذكر أنه حكم به]: وإذا وجد في ديوانه حكمًا بخطه ولم يذكر أنه حكم لم يجز له أن يحكم به إلا أن يشهد عنده شاهدان (١) خلافًا لابن أبي ليلى في قوله يحكم بالخط (٢)، لأنه لم يثبت عنده أنه حكم به فلا يجوز قياسًا على حكم غيره. فصل [٨ - في عدم جواز تولي العبد والمرأة الحكم]: لا خلاف أعلمه أن العبد لا يجوز أن يكون حاكمًا (٣) (والعلة فيه نقصه بالرق، وأما المرأة فلا يجوز أن تكون حاكمًا) (٤) عندنا على وجه، وقال أبو حنيفة يجوز أن تكون حاكمًا في كل أمر تجوز فيه شهادة النساء (٥) فدليلنا قوله ﷺ : "إنكن ناقصات عقل ودين" (٦) وهذا خارج مخرج الذم وفيه تنبيه على منع رد شيء من أمور الدين إليهن، وقوله ﷺ : "لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة (٧) " وقوله: "أخروهن حيث أخرهن الله" (٨)، ولأنها ولاية لفصل القضاء وتنفيذ الأحكام كالإمامة الكبرى، ولأنه لا يصح أن يكون حاكمًا في الحدود والقتل فكذلك في غيره من الأحكام أصله العبد.

стр. 1461

فصل [٩ - فيمن قال بجواز تولي المرأة الحكم مطلقًا]: وذهب ابن جرير الطبري (١) إلى أن المرأة يجوز أن تكون حاكمًا على الإطلاق في كل ما يجوز أن يحكم فيه الرجل (٢)، وسمعت أبا الفرج بن ظرارة (٣) وسئل عن هذه المسألة في مجلس السلطان الأعظم عندنا بمدينة السلام وأنا حاضر سنة سبع وثمانين وثلاثمائة فاحتج بأن قال: لأن الغرض من الحكام (٤) تنفيذ الأحكام، وسماع البينة، والفصل بين الخصوم وذلك متأت من المرأة كتأتيه من الرجل فلا فرق بينهما إلا كفرق ما بين الأنثى والذكر وهذا القدر غير مؤثر (٥) فنقضه القاضي الإِمام أبو بكر محمَّد بن الطيب الأشعري (٦) شيخنا ﵀ بالإمامة الكبرى لأن الغرض بها حفظ البيضة وحماية الجوزة والذب عن الأمة وجباية الخراج وأموال المسلمين وصرفها في وجوهها قد يتأتى ذلك من المرأة كتأتيه من الرجل ومع ذلك فلا يجوز أن تكون إمامًا.

стр. 1462

قلت أنا وينتقض أيضًا بالعبد فانفصل (١) وأجاب الشيخ (٢) بأن قال: لا يمتنع أيضًا أن يكون الأصل في كل من استنيب في شيء يتأتى منه فعل (٣) ذلك الشيء فإنه يصح (٤) تأتيه فيه إلا أن يقوم دليل من جهة الشرع يمنعه، وأجاب القاضي عن هذا بأنا لا نسلم أن يكون ذلك أصلًا في الشرع وإنما هو على حسب ما يقوم عليه الدليل من إطلاق أو تقييد قال: وهذا حيلة لدفع (٥) النقض. فصل [١٠ - إذا كان القاضي لا يعرف لغة الخصمين أو أحدهما]: إذا كان القاضي لا يعرف لغة الخصمين أو أحدهما احتاج إلى من يترجم عنه (٦)، وقال أبو حنيفة يكفي في ذلك رجل واحد كان أو امرأة (٧)، وقال الشافعي لا يكفي في ذلك أقل من اثنين (٨)، ولا أحفظ في هذا الوقت شيئًا من متقدمي أصحابنا، وفصل متأخرو شيوخنا فقالوا إن كان الإقرار يتضمن مالًا أو يتعلق بالمال قبل رجل وامرأتان وإن كان مما لا يتضمن ذلك لم يقبل فيه إلا رجلان، والأمر على ما قالوه، إلا أنه إن كان إقراره بمال أو دعواه بمال أو ما يتعلق بالمال فعندي أنه يخرج على وجهين: أحدهما أنه يقبل فيه رجل وامرأتان، والآخر لا يقبل فيه شهادة رجلين والذي لأجله وجب ذلك اختلافهم فيما يتعلق بالمال مما ليس هو في الحقيقة شهادة على مال هل يقبل فيه رجل وامرأتان أم لا وذلك لأنهم اختلفوا في الشهادة على الوكالة بالمال (٩):

стр. 1463

والوكالة في المطالبة والخصومة فيه ليست مالًا وإنما هي فعل بدن وحكم يثبت فيه يجر إلى تعلق المال فكذلك في مسألتنا هي شهادة على لغة وهي أن معنى ما قاله باللغة العربية أنه إقرار بمال والشهادة على أن هذا اللفظ في لغة الخصم موضوع لهذا المعنى في لغة العرب ليست بشهادة على مال فيجب على هذا ألا يقبل فيه إلا شاهدان. فصل [١١ - متى يحلف الحاكم المدعى عليه للمدعي؟]: لا يحلف الحاكم المدعى عليه إلا أن يعلم أن بينهما مخالطة أو معاملة أو تهمة دون الاقتصار على مجرد الدعوى، واختلف أصحابنا في تأويل ذلك (١): فمنهم من قال ينظر إلى الدعوى فإن كان مما يجوز ويشبه أن يدعي مثلها على المدعى عليه أحلف له، (ومنهم من قال إن كان المدعى عليه يشبه أن يكون مثله [يعامل] (٢) المدعي فيما ادعى عليه أحلف له) (٣)، ومنهم من قال إن المسألة على ظاهرها لا يحلفه الحاكم إلا أن يعلم بينهما مخالطة أو معاملة وهذا كله إذا كانا من أهل البلد أو مقيمين به، وأما إن كانا غريبين فيحلفه ولا يعتبر مخالطته ولا غيرها، وعند أبي حنيفة والشافعي أنه يحلف على أي وجه كان (٤). فدليلنا أن ما قلناه مروي عن علي بن أبي طالب ﵁ (٥) وهو صحابي إمام ولا مخالف له، ولأن من أصلنا الحكم بالذرائع ومعناها المنع من المباح إذا قويت التهمة في التطرق به إلى الممنوع، وهذا موجود في مسألتنا لأن اليمين تشق وتصعب على أهل الأقدار والديانات، وربما افتدوا منها وربما بذلوا

стр. 1464

الشيء الذي يدعى عليهم كراهية أن يتحدث عنهم أنهم أقدموا على اليمين وحراسة لحسن الظن بهم وانتفاء التهمة (١) عنهم فلو كانت اليمين بمجرد الدعوى لما شاء أحد أن يؤدى أهل الدين والقدراء ويتعرض لما لهم إلا وأظهر الدعوى فيحصل إما على شيء يأخذه أو على الأذية والذلة لهم، وفي ذلك إضرار بالناس وتطريق إلى من يريد أذاهم إلى ما يريده لهم فوجب حسم الباب بالمنع منه حتى إذا كان مع الدعوى سبب يقويها وجب اليمين لغلبة الظن بإمكان ما يدعيه المدعى ولا يلزم على هذا ألا يعديه (٢) لأن حضور مجلس الحاكم إذا لم تقارنه يمين لا هجنة (٣) فيه لأنه لم يتم للمحضر (٤) المدعى عليه ما أراد به. فصل [١٢ - في تحكيم غير الحاكم]: إذا حكم الرجلان بينهما رجلًا ورضيا بحكمه فحكم بينهما بما يجوز في الشرع لزمها ولم يعتبر موافقة حاكم البلد أو مخالفته (٥)، وقال أبو حنيفة إن وافق ما حكم به رأى قاضي البلد لزم وإلا لم يلزم (٦)، وللشافعي قولان: أحدهما مثل قولنا، والآخر يكون فتوى منه لا حكمًا (٧)، فدليلنا على لزومه خلافًا للشافعي قول ﷺ : "المؤمنون عند شروطهم" (٨)، وقوله: "لكل مسلم شرطه" (٩)، ولأنهما إذا تراضيا به لزمهما حكمه لإلزامهما أنفسهما وذلك كما لو رضي بقاض البلد، ولا يشبه هذا الشهادة إذا

стр. 1465

قال فلان صادق فيما شهد به عليَّ ثم أنكر شهادته لأن الرضا بالشهادة ليس برضا بإجتهاد لأن الشهادة علم يؤديها الشاهد إلى الحاكم لا مجال للإجتهاد فيها له أن ينكر إذا شهد عليه بالباطل، والقضاء بخلافها لأن طريقه الاجتهاد فما رضيا بحكمه وعلما أنه يجتهد وأن اجتهاده ربما وافق مراد أحدهما وربما خالفه فقد دخلا على الرضا بما يكون منه. فأما إذا حكم بينهما بجور أو بخلاف نص أو إجماع فلا يلزم كالشهود إذا شهدوا بالباطل لأنهما إنما رضيا بأن يحكم بالشرع لا بخلافه، ودليلنا على أنه يلزم وإن خالف رأي قاض البلد أنه إذا ثبت أن يتراضيا به (١) فقد صار حاكمًا ينفذ حكمه عليها وصار بمنزلة حاكم آخر في البلد لأن تراضيهما به يقوم مقام نصب السلطان له. فصل [١٣ - في كتاب حاكم بلد إلى حاكم بلد آخر]: إذا ثبت عند حاكم بلد حق لإنسان على رجل في بلد آخر وتعذر عليه إقامة بينة عند حاكم ذلك البلد جاز للحاكم الذي يثبت الحق عنده أن يكتب بما يثبت عنده له إلى حاكم ذلك البلد وعلى المكتوب إليه أن ينفذه إذا شهد شاهدان (٢) بأنه كتاب ذلك الحاكم ولا تنفع الشهادة على حكمه دون لفظه بأنه كتابه (٣). وإنما قلنا إن كتاب الحاكم إلى الحاكم يثبت به الحق للضرورة إليه (٤) لأن البينة ربما يتعذر إقامتها عند ذلك الحاكم فلم يبق طريق إلا أن يكتب ذلك الحاكم به إلى من يلتمس تنفيذه للحكم لأنه لو لم يقبل ذلك لأدى إلى ضياع الحقوق، ولأن كتاب الحاكم أو شهادة الشهود بثبوت الحق يثبت عند الحاكم (٥) الثاني بشهادة الشهود عنده بحكم الأول به فكذلك شهادتهم عليه أن هذا كتابه.

стр. 1466

وإنما قلنا إن الشهادة على الخط لا تنفع لأن الخط لا يحكم باعتراف كاتبه على ما كتبه (١) لأنه قد يكتب أشياء لا يؤخذ بها ولو لفظ كتبه لأخذ به. فصل [١٤ - إذا مات القاضي المكتوب إليه]: وإذا مات المكتوب إليه أو عزل فجاء الكتاب إليه والمكاتبة للذي قبله لزم الثاني أن يحكم بما فيه (خلافًا لما حكي عن أبي حنيفة من أنه لا يجوز للقاضي الثاني أن يحكم بما فيه (٢)) (٣) لأن الحاكم لا يخلو أن يكون كتب ما به قد حكم أو بثبوت حق عنده لم يحكم به: فإن كان قد كتب بأنه قد حكم فيلزم كل من ثبت عنده ذلك من الحكام تنفيذه، وإن كان قد كتب بها يثبت عنده فذلك جار مجرى الشهادة على الشهادة فشهود الفرع إذا ماتوا جاز لغيرهم تحمل الشهادة كذلك ها هنا. فصل [١٥ - في حكم الحاكم على الغائب]: يحكم على الغائب إذا أقام الحاضر البينة وسأل الحكم له (٤)، وقال أبو حنيفة يسمع الحاكم دعوى الحاضر وبينته ولكن لا يحكم له على الغائب ولا على من هرب قبل الحكم وبعد إقامة البينة (٥)، ودليلنا قوله ﷺ لهند وقالت له إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي أفأخذ من ماله فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٦)، وقول عمر بن الخطاب ﵁ لما خطب الناس "ألا إن أسفيع: جهينه رضي لدينه وأمانته أن يقول سبق الحاج فادان معرضا وإنا بايعوا ماله فمن كان له عليه دين فليحضر (٧) ولم يكن أسفيع حاضرًا

стр. 1467

ولا أنكر ذلك على عمر أحد، ولأنها بينة مسموعة طلب صاحبها الحكم بها فأشبه إذا كان الخصم حاضرًا، ولأنها دعوى مستحق على غائب قامت بها بينة فوجب أن يحكم بها أصله إذا ادعى على رجل أنه قتل وليه خطأ لا خلاف أنه يحكم له بالدية على العاقلة وإن كانوا غيبًا لأن غيبة المدعى عليه لا تمنع الحكم عليه أصله إذا ادعى على ميت وأقام البينة أو ادعى على جماعة غيب أحدهم حاضر، ولأن عدم الحضور بالموت أبلغ في التعذر منه بالغيبة فإذا قضى مع الموت فمع الغيبة (١) أولى، ولأن ذلك ذريعة إلى إبطال حقوق الناس لأنه لا يشأ أحد أن يأخذ أموال الناس ولا يؤديها إلا غاب فلا يمكن القضاء عليه، ولأن الاتفاق حاصل على أن الحاكم يسمع البينة عليه والفائدة في ذلك الحكم بها وإلا لم ينتفع باستماعها، ولأنهم قد وافقونا على أن امرأة لو ادعت النفقة على زوجها وهو غائب وذكرت أن له وديعة عند رجل فأقربها فإنه يقضى لها بنفقتها ويؤخذ لها منه فكذلك سائر الحقوق. فصل [١٦ - في التفريق في الحكم مع الغيبة بين الرباع وغيرها]: وإنما فرقنا بين الرباع وغيرها من الأموال لأن الرباع مأمونة لا يخاف عليها فاستحسن مالك ﵀ التوقف عن الحكم فيها مع الغيبة (٢)، وأن لا يعجل بذلك إلى أن يقدم الغائب فيذكر حجة إن كانت له ويحكم عليه بما لا يحتاج إلى نقض بعده، وعنه رواية أخرى أنه لا فرق بين الرباع وسائر الأموال في وجوب القضاء على الغائب. فصل [١٧ - في كون حكم الحاكم لا يغير الشيء عن باطنه وحقيقته]: حكم الحاكم لا يغير الشيء عن باطنه عما هو عليه ولا يحيله عن حقيقته، ولا

стр. 1468

فرق في ذلك بين ما يملك الحاكم ابتداؤه وبين ما لا يملكه في أن حكمه إذا كان عن سبب غير صحيح لم ينفذ في الباطن، ومثال ذلك أن يدعى رجل على أجنبية أنها زوجته ويقيم على ذلك شاهدي زور فيشهدان فيحكم الحاكم بشهادتهما هذا حكم لا يصح في الباطن ولا يحل المرأة له فإن وطئها مع علمه فهو زان، وكذلك لو ادعت امرأة على رجل أنه طلقها ثلاثًا وشهد بذلك شاهدا زور فحكم الحاكم بالفرقة فإنها لا تطلق عندنا وتكون المرأة على حالها ولا يجوز لها أن تزوج بذلك الحكم ولا لأحد الشاهدين أن يتزوجها هذا وما أشبه من نظائره (١)، وقال أبو حنيفة في هذه المسائل إن حكم الحاكم يزيل الشيء عن حقيقته في الباطن (٢). ففي المسألة الأولى إذا حكم له الحاكم بالزوجية جاز له أن يطأها وتصير زوجته عند الله تعالى، وقال في المسألة الثانية أنها تصير مطلقة بحكم الحاكم بشهادة الزور بطلاقها ويجوز لها أن تتزوج ويجوز لأحد شاهدي الزور أن يتزوجها وهو يعلم أن الزوج لم يطلقها، وإن حكم الحاكم بطلاقها إنما كان عن شهادة الكذب، وقال في نوع آخر وهو أن يدعي على ذات محرم أنها زوجته وشهد له بذلك شاهدا زور أن الحكم لا ينفذ في الباطن ولا تكون زوجته، وكذلك إذا أقام شاهدي زور في دعوى مال (٣) فحكم له الحاكم فإنه لا ينفذ، وفصلوا بين الموضعين بأن لكل موضع جاز أن يكون للحاكم في ابتداء فعله ولاية نفذ حكمه فيه ظاهرًا وباطنًا، وكل موضع لا ولاية له في ابتداء فعله لم ينفذ حكمه إلا في الظاهر دون الباطن قالوا فالأول مثل ما قدمناه في ادعاء الزوجية والطلاق وإنما

стр. 1469

نفذ حكمه في الظاهر والباطن لأن للحاكم ولاية عقد النكاح وفي أن يطلق على غيره، ومثال الثاني ادعاء زوجية ذوات المحارم وادعاء مال لأن الحاكم لا ولاية له في تزويج ذوات (١) المحارم ولا في نقل الأموال وكذلك لو ادعى رجل على أنه قتل وليًّا له وأقام شاهدي زور فحكم الحاكم بالقود لم يكن للمحكوم له أن يقتل لأن الحاكم ليس له أن يبتدئ القتل. فدليلنا قوله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢) فحرم المحصنة وهي التي لها زوج إلا أن يملك الكوافر (٣) بالسبي، وعند المخالف أن التي لها زوج تحل متى حكم الحاكم بشهادة زور أنها قد طلقت أو أن يقيم شهادة زور بتزويجه إياها، وقوله : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٤) فعم، وعندهم أنها لا تحل (٥) له أن يراجع نكاحها وإن لم يطلقها إذا حكم (٦) الحاكم بشهادة زور أنه طلقها، وقوله ﷺ : "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أستمع فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار" (٧)، وهذا صريح (٨) بأن حكمه بها ليس بجائز للمحكوم له

стр. 1470

ولا يحل له بسبب غير صحيح في الباطن فلم ينفذ الحكم له في الباطن، كادعاء زوجية ذوات المحارم والحكم بالمال، ولأنه حكم بشهادة زور فلم ينفد في الباطن كالمال، ولأن كل شاهدين لو علم الحكم بحالهما لم (يجز له الحاكم بشهادتهما فإذا حكم فيها مع الجهل بحالهما لم ينفذ) (١) حكمه في الباطن كالكافرين والعبدين. * * *

стр. 1471

باب [في اشتراط العدالة في الشهادة] العدالة معتبرة في الشهادة وشرط في قبولها والحكم بها، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، وقوله ﷺ : "فإن شهد ذوا عدل فصوموا وافطروا" (٢)، وللإتفاق على أن شهادة الفاسق غير مقبولة، وقوله ﷺ لهلال بن أمية: "ألا أن يجلد هلال بن أمية ويبطل شهادته في المسلمين" (٣) يريد بخروجه عن العدالة بثبوت قذفه، ولا خلاف في ذلك (٤). فصل [١ - في عدم اكتفاء الحاكم من العدالة بظاهر الإِسلام]: لا يجوز للحاكم أن يكتفي من العدالة بظاهر الإِسلام دون البحث عن حالها والسؤال عن طرائقها والعلم بعدالتهما (٥)، وقال أبو حنيفة يكفيه ظاهر إسلامها ويحكم بشهادتهما ولا يلزمه البحث عن عدالتهما إلا أن يجرحهما الخصم (٦)، ودليلنا قوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٧) يعني من المسلمين فعلم أن

стр. 1472

العدالة معنى زائد على العلم بالإِسلام، وقوله ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١) والرضا لا يكون إلا بعد البحث عن حاله (٢) ولا يكفي في ذلك العلم بصحة اعتقاده لأن (أفعاله قد تكون مخالفة لما يوجب اعتقاده) (٣)، وروي عن عمر ﵁ أن رجلين شهدا عنده فقال: لا أعرفكما ولا يضركما ألا أعرفكما جيئاني برجل يعرفكما فجاءاه برجل فقال أتعرفهما قال: نعم، قال: أكنت معهما في السفر الذي يكشف أخلاق الناس قال: لا، قال: أفأنت جارهما تعرف صباحهما ومساءهما، قال: قال لا، قال: أعاملتهما بالدنانير والدراهم التي تتقطع بهما الأرحام، قال لا، قال يا بن أخي ما تعرفهما جيئاني بمن يعرفكما (٤). وهذا قوله بحضرة المهاجرين والأنصار والصحابة ولم ينقل عن أحد خلافه، ولأن العدالة أمر مشروط في الشهادة يمكن اعتبار باطنه فلم يجز أن يحكم بظاهره، أصله دار الإِسلام لأن ظاهر الدار الإِسلام، ولأنها شهادة يتعلق بها حكم الحاكم فلا يكتفي فيها بظاهر الإِسلام، أصله إذا كان في قتل أو حد. فصل [٢ - في صفة العدل]: صفة العدل الجائز الشهادة: (٥) أن يكون بالغًا عاقلًا حرًّا مسلمًا ثقة أمينًا غير فاسق بفجور ولا كذب متيقظًا غير غافل فطنًا ضابطًا عارفًا بالشهادات وصفة تحملها التي يجوز معها إقامتها متحرزًا من الحيل التي تنم على من قل تيقظه (٦)

стр. 1473

من الشهود بعيدا عن التهمة بالشره ودناءة النفس حافظًا لمرؤته ليس بينه وبين المشهود له أو عليه التهمة معه من بمحبة إيصال نفع إليه أو دفع ضرر عنه أو ضد ذلك من إلحاق ضرر به ولا في الشهادة بذلك النوع المشهود فيه ما يوجب من التهمة ما قدمناه. والتهمة المراعاة في الشهادات تكون في ثلاثة مواضع: في المشهود له والمشهود عليه والشيء المشهود به، وتفصيل هذه الجملة: أن الولد لا تقبل شهادته لوالديه ولا لأجداده وجداته من قرب منهم أو بعد وكذلك الوالدان والأجداد للولد وولد الولد وإن سفلوا ذكورهم وإناثهم الوارث منهم وغير الوارث، وكذلك شهادة أحد الزوجين لصاحبه، والسيد لعبده، وشهادة من له دين على مفلس بحق له على آخر، وشهادة الوصي لمن يلي عليه، وفي شهادته عليهم روايتان: إحداهما الجواز والأخرى المنع، ومن عدى الوالدين والمولودين من سائر القربات جائز شهادتهم لأقاربهم كالأخ والعم وولدهم (١) إلا أن تعرض تهمة من دفع عار أو إثبات ولاء للشاهد أو نسب أو أن يكون في عياله أو تناله صلته أو معروفه وما أشبه فيمنع فيه دون سائر الحقوق. ولا تقبل شهادة الصديق الملاطف ولا السؤَّال (٢) المتكففين للناس. وأما التهمه في المشهود عليه فشهادة العدو على عدوه، والشهادة بجرح من شهد على أبيه (٣) وأخيه أو ببعض من لا تجوز له شهادته كجد فإن هذا يتهم بدفع العار عنهم بشهادته. وشهادة الخصم لا تقبل مثل أن يشهد بجرح من يشهد عليه بزنا أو قتل أو حق

стр. 1474

سائر الحقوق، وكل من منع الشهادة له فشهادته عليه جائزة مقبولة (١) وكل من لم تقبل شهادته عليه فشهادته له مقبولة. وأما التهمة في الشهادة والشيء المشهود به فمثل شهادة البدوي على الحضري (٢) في الحقوق الممكن الإشهاد عليها في الحضر دون القتل والجراح ومما لا يمكن تعمد الإشهاد عليه ومثل شهادة ولد الزنا وشبهه، وفي شهادة التائب من كبيرة كان عليها أو تاب منها خلاف بين أصحابنا هل يقبل في ذلك النوع أم لا، ومثل شهادة الكافر بعد إسلامه والصبي بعد بلوغه والفاسق بعد عدالته والعبد بعد عتقه فيما كانوا يشهدون به فردت شهادتهم فيه (لأنهم يتهمون على دفع العار عنهم بقبول ما ردت شهادتهم فيه) (٣). وإذا جمعت الشهادة ما فيه التهمة وما لا تهمة فيه ردت في الجميع ولم تقبل فيما لا تهمة فيه وإن جمعت بين ما ترد لغيره التهمة وبين ما لا ترد فيه قبلت فيما لا ترد وردت فيما لا تقبل فيه، ومثال الأول أن يشهد بشهادة لنفسه ولأجنبي، أو يشهد اثنان كل واحد منهما لصاحبه بكتاب واحد أو يشهد بحق واحد لأبيه (٤) ولأجنبي فلا تقبل في الجميع، وإذا شهد بالوصية له فيها شيء فإن كان ذا بال لم تقبل أصلًا وإن كان يسيرًا لا خطب له ولا تسبق التهمة إليه أن يكون شهد لأجلها فيها ثلاث روايات: إحداها قبول الشهادة في الجميع، والأخرى ردها في الجميع والثالثة ردها فيما له بال وقبولها فيما ليس له بال، ومثال الثاني أن يشهد النساء بوصية فيها مال وعتق أو يشهدان بطلاق ودين بشهادة واحدة فيقبلن في الدين دون الطلاق

стр. 1475

وتقبل شهادة القاذف ما لم يجلد فإذا (جلد لم تقبل إلا أن يتوب وإذا تاب شاهد الزور وعرفت توبته قبلت شهادته) (١)، وقال عبد الملك إن كانت حاله في الظاهر كحال مالك بن أنس والعمري (٢) فلا تقبل شهادته من بعد لأنه لا يستطيع زيادة على ما كان يظهر منه، وإن كان دونهما جازت شهادته بعد توبته إذا ظهر منه من حسن الحال زيادة على ما كان يعرف منه. فصل [٣ - في اشتراط البلوغ في العدالة]: أما اشتراط البلوغ فلأن العدالة من صفات التكليف فهي تتضمن البلوغ، وقد قال النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث فذكر الصبي حتى يحتلم" (٣)، والبلوغ مشترط في كل الشهادات إلا في موضع ضرورة خرج عن القياس فأجريت كشهادة من يعقل الشهادة من الصبيان فيه للضرورة على أوصاف نذكرها، ومنعت في كل موضع سواه فلا يجب أن يعترض به على الأصل ونحن نبينه. فصل [٤ - في شروط قبول شهادة الصبيان]: شهادة الصبيان تقبل في الجراح والقتل على شروط تسعة: (٤). أحدها أن يكونوا ممن يعقلون الشهادة، والثاني أن يكونوا ذكورًا، والثالث أن
следующие страницы →