← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

باب [في اشتراط العدالة في الشهادة] العدالة معتبرة في الشهادة وشرط في قبولها والحكم بها، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، وقوله ﷺ : "فإن شهد ذوا عدل فصوموا وافطروا" (٢)، وللإتفاق على أن شهادة الفاسق غير مقبولة، وقوله ﷺ لهلال بن أمية: "ألا أن يجلد هلال بن أمية ويبطل شهادته في المسلمين" (٣) يريد بخروجه عن العدالة بثبوت قذفه، ولا خلاف في ذلك (٤). فصل [١ - في عدم اكتفاء الحاكم من العدالة بظاهر الإِسلام]: لا يجوز للحاكم أن يكتفي من العدالة بظاهر الإِسلام دون البحث عن حالها والسؤال عن طرائقها والعلم بعدالتهما (٥)، وقال أبو حنيفة يكفيه ظاهر إسلامها ويحكم بشهادتهما ولا يلزمه البحث عن عدالتهما إلا أن يجرحهما الخصم (٦)، ودليلنا قوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٧) يعني من المسلمين فعلم أن

стр. 1472

العدالة معنى زائد على العلم بالإِسلام، وقوله ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١) والرضا لا يكون إلا بعد البحث عن حاله (٢) ولا يكفي في ذلك العلم بصحة اعتقاده لأن (أفعاله قد تكون مخالفة لما يوجب اعتقاده) (٣)، وروي عن عمر ﵁ أن رجلين شهدا عنده فقال: لا أعرفكما ولا يضركما ألا أعرفكما جيئاني برجل يعرفكما فجاءاه برجل فقال أتعرفهما قال: نعم، قال: أكنت معهما في السفر الذي يكشف أخلاق الناس قال: لا، قال: أفأنت جارهما تعرف صباحهما ومساءهما، قال: قال لا، قال: أعاملتهما بالدنانير والدراهم التي تتقطع بهما الأرحام، قال لا، قال يا بن أخي ما تعرفهما جيئاني بمن يعرفكما (٤). وهذا قوله بحضرة المهاجرين والأنصار والصحابة ولم ينقل عن أحد خلافه، ولأن العدالة أمر مشروط في الشهادة يمكن اعتبار باطنه فلم يجز أن يحكم بظاهره، أصله دار الإِسلام لأن ظاهر الدار الإِسلام، ولأنها شهادة يتعلق بها حكم الحاكم فلا يكتفي فيها بظاهر الإِسلام، أصله إذا كان في قتل أو حد. فصل [٢ - في صفة العدل]: صفة العدل الجائز الشهادة: (٥) أن يكون بالغًا عاقلًا حرًّا مسلمًا ثقة أمينًا غير فاسق بفجور ولا كذب متيقظًا غير غافل فطنًا ضابطًا عارفًا بالشهادات وصفة تحملها التي يجوز معها إقامتها متحرزًا من الحيل التي تنم على من قل تيقظه (٦)

стр. 1473

من الشهود بعيدا عن التهمة بالشره ودناءة النفس حافظًا لمرؤته ليس بينه وبين المشهود له أو عليه التهمة معه من بمحبة إيصال نفع إليه أو دفع ضرر عنه أو ضد ذلك من إلحاق ضرر به ولا في الشهادة بذلك النوع المشهود فيه ما يوجب من التهمة ما قدمناه. والتهمة المراعاة في الشهادات تكون في ثلاثة مواضع: في المشهود له والمشهود عليه والشيء المشهود به، وتفصيل هذه الجملة: أن الولد لا تقبل شهادته لوالديه ولا لأجداده وجداته من قرب منهم أو بعد وكذلك الوالدان والأجداد للولد وولد الولد وإن سفلوا ذكورهم وإناثهم الوارث منهم وغير الوارث، وكذلك شهادة أحد الزوجين لصاحبه، والسيد لعبده، وشهادة من له دين على مفلس بحق له على آخر، وشهادة الوصي لمن يلي عليه، وفي شهادته عليهم روايتان: إحداهما الجواز والأخرى المنع، ومن عدى الوالدين والمولودين من سائر القربات جائز شهادتهم لأقاربهم كالأخ والعم وولدهم (١) إلا أن تعرض تهمة من دفع عار أو إثبات ولاء للشاهد أو نسب أو أن يكون في عياله أو تناله صلته أو معروفه وما أشبه فيمنع فيه دون سائر الحقوق. ولا تقبل شهادة الصديق الملاطف ولا السؤَّال (٢) المتكففين للناس. وأما التهمه في المشهود عليه فشهادة العدو على عدوه، والشهادة بجرح من شهد على أبيه (٣) وأخيه أو ببعض من لا تجوز له شهادته كجد فإن هذا يتهم بدفع العار عنهم بشهادته. وشهادة الخصم لا تقبل مثل أن يشهد بجرح من يشهد عليه بزنا أو قتل أو حق

стр. 1474

سائر الحقوق، وكل من منع الشهادة له فشهادته عليه جائزة مقبولة (١) وكل من لم تقبل شهادته عليه فشهادته له مقبولة. وأما التهمة في الشهادة والشيء المشهود به فمثل شهادة البدوي على الحضري (٢) في الحقوق الممكن الإشهاد عليها في الحضر دون القتل والجراح ومما لا يمكن تعمد الإشهاد عليه ومثل شهادة ولد الزنا وشبهه، وفي شهادة التائب من كبيرة كان عليها أو تاب منها خلاف بين أصحابنا هل يقبل في ذلك النوع أم لا، ومثل شهادة الكافر بعد إسلامه والصبي بعد بلوغه والفاسق بعد عدالته والعبد بعد عتقه فيما كانوا يشهدون به فردت شهادتهم فيه (لأنهم يتهمون على دفع العار عنهم بقبول ما ردت شهادتهم فيه) (٣). وإذا جمعت الشهادة ما فيه التهمة وما لا تهمة فيه ردت في الجميع ولم تقبل فيما لا تهمة فيه وإن جمعت بين ما ترد لغيره التهمة وبين ما لا ترد فيه قبلت فيما لا ترد وردت فيما لا تقبل فيه، ومثال الأول أن يشهد بشهادة لنفسه ولأجنبي، أو يشهد اثنان كل واحد منهما لصاحبه بكتاب واحد أو يشهد بحق واحد لأبيه (٤) ولأجنبي فلا تقبل في الجميع، وإذا شهد بالوصية له فيها شيء فإن كان ذا بال لم تقبل أصلًا وإن كان يسيرًا لا خطب له ولا تسبق التهمة إليه أن يكون شهد لأجلها فيها ثلاث روايات: إحداها قبول الشهادة في الجميع، والأخرى ردها في الجميع والثالثة ردها فيما له بال وقبولها فيما ليس له بال، ومثال الثاني أن يشهد النساء بوصية فيها مال وعتق أو يشهدان بطلاق ودين بشهادة واحدة فيقبلن في الدين دون الطلاق

стр. 1475

وتقبل شهادة القاذف ما لم يجلد فإذا (جلد لم تقبل إلا أن يتوب وإذا تاب شاهد الزور وعرفت توبته قبلت شهادته) (١)، وقال عبد الملك إن كانت حاله في الظاهر كحال مالك بن أنس والعمري (٢) فلا تقبل شهادته من بعد لأنه لا يستطيع زيادة على ما كان يظهر منه، وإن كان دونهما جازت شهادته بعد توبته إذا ظهر منه من حسن الحال زيادة على ما كان يعرف منه. فصل [٣ - في اشتراط البلوغ في العدالة]: أما اشتراط البلوغ فلأن العدالة من صفات التكليف فهي تتضمن البلوغ، وقد قال النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث فذكر الصبي حتى يحتلم" (٣)، والبلوغ مشترط في كل الشهادات إلا في موضع ضرورة خرج عن القياس فأجريت كشهادة من يعقل الشهادة من الصبيان فيه للضرورة على أوصاف نذكرها، ومنعت في كل موضع سواه فلا يجب أن يعترض به على الأصل ونحن نبينه. فصل [٤ - في شروط قبول شهادة الصبيان]: شهادة الصبيان تقبل في الجراح والقتل على شروط تسعة: (٤). أحدها أن يكونوا ممن يعقلون الشهادة، والثاني أن يكونوا ذكورًا، والثالث أن

стр. 1476

يكونوا أحرارًا، والرابع أن يكونوا مسلمين والخامس أن يكون ذلك في قتل أو جرح، وبعض أصحابنا يقول تكون في الجراح دون القتل، والسادس أن يكون ذلك فيما بينهم خاصه لا لصبي على بالغ ولا لبالغ على صبي، والسابع أن يكون ذلك قبل أن يفترقوا ويغيبوا، والثامن أن تتفق شهادتهم ولا تختلف، والتاسع أن يكون من شهد منهم اثنان فصاعدًا. وعند أبي حنيفة والشافعي لا تقبل على وجه (١) ونحن نتكلم على جواز قبولها في الجملة ثم ندل على وجوب اعتبار ما ذكرناه من الشروط فيها. فصل [٥ - في الدليل على قبول شهادة الصبيان على الصفة المشترطة]: ودليلنا على قبولها على الصفة المشترطة فيها أن ذلك إجماع الصحابة لأنه مروي عن علي وابن الزبير ومعاوية ﵃ ولا مخالف لهم، وروي أن عليًّا رضوان الله عليه كان يأخذ بأولى شهادة الصبيان (٢)، وروى مالك عن هشام (٣) بن عروة عن أبيه أن ابن الزبير كان يجيز شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح (٤)، وروى قتادة أن معاوية كان يجيز شهادة بعضهم على بعض ما لم يدخلوا البيوت فيعلموا (٥)، ولا مخالف لهم ولأن الضرورة تدعوا إلى قبولها لأنا لو لم نقبلها لأدى ذلك إلى أمور ممنوعة وذلك أنا قد ندبنا إلى تدريبهم (٦) على الحرب وتعليمهم الرمي والصراع واستعمال السلاح للحاجة إلى الجهاد وأن

стр. 1477

ذلك مما يجب أن يلزموا (١) عليه وبالقوة من الصغر لينشؤوا عليه ويألفوه ومعلوم أنه لا بد أن يخلوا بنفوسهم لما يتعاطونه (٢) من ذلك ولا سيما العرب فإن ذلك لها مع أولادها عادة قد طبعوا عليها ولو انتظر إلى أن يشهدوا (٣) أمورهم كبيرًا يكون معهم لضاق عليهم لأنه لهم عادة في كل وقت ركوب الخيل وما جرى مجراه وهم من الجنس المحقون دماهم وكانت الجراح والدماء قد غلظ أمرها وشدد الأمر في حفظها بما زادت (٤) على سائر الحقوق فقبلت فيها الأيمان مع اللوث وليس ذلك في غيرها حياطة لها ومعلوم أنهم إذا اجتمعوا جاز أن يكون بينهم الجراح التي ربما أدت إلى القتال أو إلى ما دونه فلو لم تقبل شهادتهم لأدى إلى أشياء ممنوعة: إما إلى أن لا يجوز لهم التعليم إلى أن يبلغوا وذلك خلاف الإجماع، أو إلى ألا يمكنوا من الرمي ولا علاج بسيف أو رمح إلا إذا كان معهم شهود عدول وهذا أيضًا معتذر ومؤدى (٥) إلى أن يتعلموا إلى أن لا يفعلوا من ذلك ما يؤدي (٦) جراح فهذا أيضًا غير منضبط ولا متأت لهم أو إلى أن ذلك إن جرى أهدرت جراحهم ودماؤهم وهذا أيضًا خلاف الواجب لأنه لا يجوز لنا أن نبيح لهم (٧) ما يؤدي إلى هدر دمائهم وإضاعتها فلم يبق إلا ما قلناه وقد ألزمونا على هذا قبول شهادة العبيد وقد احترزنا منهم بأنهم يجب أن يكونوا من أهل الشهادة بعد البلوغ، وألزمونا اجتماع النساء في الصنيع إذا جرى بينهم، من الجراح فأجبنا على ذلك قل ما يقع وما يفعلونه (٨)

стр. 1478

من ذلك منهي عنه، والتزمه (١) قوم من متأخري أصحابنا، وألزمونا المال فأجبنا عنه بأن الدماء لها حرمة فاحتيط لها ما لم يحتط لغيرها. فصل [٦ - دليل اشتراط العقل في شهادة الصبيان]: فإذا ثبت وجوب قبولها في الجملة فإنما راعينا اعتبار العقل لأن الغرض من قبول شهادتهم (٢) أن يؤدوا إلينا (٣) ما علموا من الحال الحادثة (٤) التي يشهدون بها وذلك لا يتأتى إلا من العاقل فكان شرطًا معتبرًا فيها. فصل [٧ - دليل اشتراط الذكورية في شهادة الصبيان]: وإنما شرطنا الذكورية لأن الإناث ولا مدخل لهن في إثبات الدماء، وقد روي عن مالك جواز قبول شهادة الإناث الأحرار (٥)، ووجه ذلك اعتبارهن بالبالغين في كونها لوثا في القسامة على إحدى الروايتين. فصل [٨ - دليل اشتراط الحرية في شهادة الصبيان]: وإنما شرطنا الأحرار لأن العبيد لا مدخل بجنسهم في الشهادة أصلًا ولا يلطخ بها في دم. فصل [٩ - دليل اشتراط الإِسلام في شهادة الصبيان]: وإنما شرطنا الإِسلام لأن البالغين من الكفار لا تقبل شهادتهم فالأصاغر أولى. فصل [١٠ - دليل شهادة الصبيان في جرح أو قتل]: وإنما شرطنا أن يكون ذلك في جرح أو قتل لحرمة الدماء ووجوب حفظها وعدم الضرورة في ذلك إلى غيرها، ووجه قول من يفرق بين الجراح والقتل من

стр. 1479

أصحابنا أن القتل أغلظ أمرًا من الجراح بدليل أن القسامة فيه دون الجراح وشهادة الصبيان ضعيفة فوجب قصرها على أضعف الأمرين، والصحيح التسوية بينهما لأنها ليس الواجب بها قتل وإنما الواجب بها مال فلا معنى للتفريق بينهما. فصل [١١ - في اشتراط قبول شهادة الصبيان قبل التفريق]: وإنما شرطنا أن يكون ذلك قبل التفرق لأن الغالب من حالهم أن يخبرون بالصدق إذا بدهوا ويؤدون الأمر على ما جرى عليه وأنهم إذا تفرقوا غيبوا ولقنوا وتعلموا الكذب وقد روي هذا المعنى عمن أجاز شهادتهم من الصحابة. فصل [١٢ - اشتراط اتفاق شهادة الصبيان]: وإنما شرطنا أن يكون ما يؤدونه متفقًا لأن الغرض من قبول قولهم أن يغلب على الظن صدقهم فيما يخبرون بموضع اختلاف أقوالهم وتناقضها مما يغلب على الظن كذبهم وتعلمهم وإخبارهم عن الأمر بخلاف ما هو عليه فلم يقبل. فصل [١٣ - اشتراط كون عددهم اثنان]: وإنما شرطنا أن يكون عددهم اثنين لأن شهادة واحد غير مقبولة في البالغين ففي الأصاغر أولى، فإذا ثبت ما ذكرناه عدنا إلى تفصيل أصل المسألة. فصل [١٤ - في اشتراط العقل في الشهود]: وإنما شرطنا العقل لقوله تعالى ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ (١)، وقوله ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢) والمجنون غير مرضي ولا علم له بما شهد به، وقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث: فذكر المجنون" (٣) وذلك يفيد أنه لا حكم لقوله ولا خلاف في ذلك (٤).

стр. 1480

فصل [١٥ - في اشتراط كون شهادة الصبيان فيما بينهم]: وإنما شرطنا أن يكون ذلك فيما بينهم لأن الكبير لا ضرورة به إلى مخالطة الصبيان فكان قولهم يسقط مع مشاهدة الكبار، ولأن القياس يمنع قبول شهادتهم وإنما أجيزت للضرورة فيجب قصرها على قدر ما دل عليه الدليل. فصل [١٦ - في اشتراط الحرية في الشهادة]: وإنما شرطنا الحرية، خلافًا لداود في قوله أن شهادة العبد مقبوله لسيده ولغيره (١)، لقوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) وهذه الإضافة تفيد الحرية دون الإِسلام لأن غير المسلم ليس بعدل، ولأنه نوع نقص يمنع الميراث بينه وبين الأحرار فوجب أن يمنع قبول الشهادة كالكفر، ولأن الشهادة مبنية على التفاضل والكمال وكل ما هذه سبيله فلا مدخل للعبد فيه كالرجم. فصل [١٧ - في اشتراط الإسلام في الشهادة]: وإنما شرطنا الإِسلام خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن شهادة الكفار مقبولة على أهل ملتهم وعن سائر أنواع الكفر (٣)، لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٤) ولا تخلو هذه الإضافة أن تكون إلى الدين أو الحرية أو النسب وأي ذلك فالكافر لا مدخل له فيه والنسب غير معتبر باتفاق، ولأن كل من لا تقبل شهادته على المسلمين لم تقبل على غيرهم كالفاسق الملي (٥)، ولأنه فاسق بفعله كالملي، ولأن فسق المسلم أدون منه وشهادته غير مقبولة فشهادة الكافر أولى.

стр. 1481

فصل [١٨ - اشتراط الثقة في الشاهد]: وإنما شرطنا أن يكون ثقة لأن ذلك من صفات العدالة لأن الكذاب والخائن فاسقان غير عدلين ولا مرضيين فلم يجز قبول شهادتهما. فصل [١٩ - اشتراط الأمانة في الشاهد]: وإنما شرطنا الأمانة لأن ضدها الخيانة وذلك فسوق (١) والخائن غير عدل ولا مرضي وإنما شرطنا نفي الفجور والكذب لأن ذلك من ضروب الفسق الذي هي أبلغ ما يفسق به الفاسق ولا خلاف في ذلك (٢). فصل [٢٠ - اشتراط الضبط والفطنة والتحرز في الشاهد]: وإنما شرطنا الضبط والفطنة والتحرز لأنه ما لم يكن كذلك تمت عليه حيلة الخصم فلا يؤمن أن يشهد بالزور والكذب فإذا كان متحرزًا متيقظًا (٣) أمن عليه ذلك وأدى الشهادة سليمة مما يخاف عليه من الزلة فيها، ولذلك أصل في الشهادات وهو جعل امرأتين بإزاء شهادة (٤) واحد من الرجال لأن الغالب من شأن النساء السهو وقلة التحصيل ولذلك قال ﷺ : "إنكن ناقصات عقل ودين" (٥)، وذكر في نقصان العقل أن شهادة امرأتين مقام شهادة رجل فيتم عليها حيلة لا يؤمن معها أن تؤدي الشهادة على خلاف ما هي عليه فضممنا إليها أخرى لأن ذلك يبعد عن الجماعة ويؤمن فيها غالبًا وكل هذا يدل على وجوب ما رعيناه في الشهود.

стр. 1482

فصل [٢١ - اشتراط كون الشاهد عارفًا بالشهادات]: وإنما شرطنا أن يكون عارفًا بالشهادات ووجه تحملها لأنه متى لم يكن كذلك لم يكن مرضيًّا وقد شرط الله تعالى الرضا في قبول الشهادة والجاهل ليس بمرضي، وليس يكفي في ذلك أن يكون من أهل الدين دون أن يضاف إليه العلم لما يشهد به ومعرفة آداء الشهادات ولأنه إذا كان غير عارف بكيفية تحملها لم يؤمن أن يؤديها على الوجه الممنوع قبولها معه فلم يجز. فصل [٢٢ - اشتراط بعد الشاهد عن الشره ودناءة النفس]: وإنما شرطنا بعده عن الشره ودناءة النفس (١) لأنه إذا كان معروفًا بذلك سقطت مروءته وسبقت الظنة إليه وتسرع إليه التهم أنه إنما يشهد لشيء يعطى له وذلك قادح في العدالة والدين مزيغ (٢) الصدق والأمانة فوجب حسم الباب بانتفائه عن الشاهد. فصل [٢٣ - اشتراط حفظ المروءة في الشاهد]: وإنما شرطنا الحفظ للمروءة لأن من لا يحفظ مروءته ويراعيها ليس بمرضي، ولأنه إذا أهملها دل ذلك منه على إهماله دينه وقلة مراعاة ما يلزمه من حق الله وسبقت الظنة إليه وقدح ذلك في عدالته، وإنما شرطنا نفي التهمة في الجملة لقول ﷺ "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين (٣) ولا جار لنفسه" (٤)، وروي: "لا

стр. 1483

تقبل شهادة ذي ظنة" (١)، ولأن ذلك لو جاز (٢) لقبلت شهادة الإنسان لنفسه ولم يحتج إلى غيره فإذا كان غيره يتهم له جرى مجرى شهادته لنفسه. فصل [٢٤ - في منع قبول شهادة الولد لوالديه، وشهادتهما له]: ونتكلم على التفصيل لهذه الجملة على ما قدمناه، وإنما منعنا من قبول شهادة الولد لوالديه وشهادتهما له خلافًا لداود وغيره في إجازته ذلك (٣) لقوله ﷺ "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين" (٤) والظنة موجوده ها هنا لأنه معلوم بالطبائع (٥) أن الابن يحب نفع أبيه والأب يحب إيصال المنفعة إلى ابنه ورفع الضرر عنه ويؤثر ذلك على منفعه نفسه فضلًا من غيره فربما دعاه ذلك إلى أن يشهد له في الزور ويركب كل محظور في تخليصه من ضرر يقع فيه أو إيصال نفع إليه، (وقد قال تعالى ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ (٦)) (٧) وقد قال ﷺ "فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها" (٨).

стр. 1484

فصل [٢٥ - في منع قبول شهادة سائر الوالدين والمولودين]: وإنما أجرينا سائر الوالدين والمولودين من بعد منهم مجرى من قرب للاتفاق على ألا فرق بينهما في ذلك لأن عمود الولادة يجمعهم، ولأن التهمة قائمة في الجنس لا تخصص ببعض منه وإن كانت في الأقرب (١) أكثر. فصل [٢٦ - في منع شهادة أحد الزوجين للآخر]: وإنما منعنا من قبول (٢) شهادة أحد الزوجين للآخر خلافًا للشافعي (٣) لقوله ﷺ : "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين" (٤) والظنين المتهم والتهمة حاصلة بين الزوجين في غالب الطباع ودليل ذلك الشرع والعادة، أما الشرع فقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (٥) فأخبر ﵎ أن الزوجية سبب لسكون نفس كل واحد منهما إلى الآخر وإنه طبعهم على التحابب (٦) والتودد والحنو (٧) والرأفة (٨) ونبه على تأكيد ذلك بقوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ (٩) وقوله ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ (١٠) فجعل هذين الجنسين غاية ومثلًا يستطرف وقوع العداوة من مثلها لأنهما الغاية في المحبة والعطف

стр. 1485

التي لا زيادة فوقها فدل ذلك على قوة التهمة وتأكدها، وأما العادة فالعلم بأن الإنسان يحب نفع زوجته ويهوى هواها (١) ويكره ضررها حتى أنه يغضب لها أهله وأقاربه وينتفع بما لها ويتبسط فيه ويتجمل به وأنه ينتهى في محبتها والميل إليها إلى حد تقوى معه التهمة، وإذا صح ذلك كانت هذه التهمة مانعة من قبول شهادة أحدهما للآخر كالأب والابن ونحوه قياسًا فنقول لأنها شهادة تقوي التهمة وأسبابها من الشاهد والمشهود له فكانت مردوده أصله شهادة الأب لابنه، ولأنها شهادة يجر بها الشاهد نفعًا إلى نفسه فلم تقبل كشهادته لنفسه ولغريمه. فصل [٢٧ - في منع شهادة السيد لعبده]: وأما شهادة السيد لعبده فإنها أدخل في المنع من جميع ما ذكرناه (٢)، لأن التهمة قائمة فيها إن شهد فيها بغير مال على مثل تزويج أو رجعة أو ما أشبه ذلك، وإن شهد بمال كانت شهادته لنفسه لأنه يملك عبده وماله. فصل [٢٨ - في منع شهادة الغريم لغريمه]: فأما شهادة الغريم لغريمه المفلس (٣) فلأنه متهم فيه أيضًا أن يكون إنما شهد له أن يصل المال إليه فيكون كأنه شهد لنفسه فلم يقبل، ولأنه خصم وقد قال ﷺ "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين". فصل [٢٩ - في منع شهادة الوصي لمن يلي عليه]: إنما منعنا شهادة الوصي لمن يلي عليه (٤) لأنه يجر بها إلى نفسه نفعًا وهو جواز تصرفه في المال وكونه في قبضه لحق ولايته، ووجه قوله إن شهادته عليهم تقبل لانتفاء التهمة عنهم فيها بخلاف الشهادة لهم لأنه يخرج عن يده ما لا يقطع حق ولايته فيه، ولأن كل من لم تقبل شهادة إنسان له قبلت عليه كالأب والابن،

стр. 1486

ووجه قوله إنها لا تقبل اعتبارًا بالشهادة لهم لأنها شهادة في حق لوليه (١) بولاية لأن التهمة قائمة في الموضعين لأنهم (٢) يخرج عنهم مالًا بقوله ولزمه بحق الولاية حفظه. فصل [٣٠ - في إجازة شهادة سائر القرابة عدى من ذكرناه]: وإنما أجزنا شهادة سائر القرابة عدى من ذكرنا لأن التهمة تضعف فيها ولا تقوي قوتها في الولادة والزوجية وإنما منعناها إذا كان في عيال من يشهد له لأن التهمة تقوى فيها فيمتنع قبولها، وكذلك في دفع العار مثل أن يقذف أخوه رجلًا ويشهد هو وثلاثة على المقذوف بأنه زنى فلا يقبل لأنه بشهادته يدفع العار عن أخيه لأن عاره ينجر إليه، وكذلك لو قذف أخاه رجل وأتى بأربعة شهداء أنه زنى ثم شهد هذا الأخ بجرحهم (٣) (فلا يقبل لأنه متهم بالجرح) (٤) أن يريد دفع العار عن أخيه. فصل [٣١ - في منع شهادة الصديق الملاطف]: وإنما منعنا قبول شهادة الصديق الملاطف إذا كانت تناله الصله والمعروف خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٥)، لقوة التهمة لأنه معلوم أنه من بينه وبين غيره صداقة ومودة فإنه يبره ويصله وأنه يحب جر النفع إليه ودفع الضرر عنه فردت شهادته له وعلى نحو من ذلك شهادة السؤال بل الرد (٦) فيهم أولى لأن الصدقة قد يكون منها البر وقد لا يكون والسؤال أمرهم مبني على التماس البر من أدنى وجوهه.

стр. 1487

فصل [٣٢ - في منع شهادة العدو على عدوه]: ولمثل ذلك منعنا شهادة العدو على عدوه (١) خلافًا لأبي حنيفة (٢) لأن الطباع تقضي أن العدو يحب ضرر عدوه وإذايته ويتهم بإدخال الضرر عليه بشهادته عليه فمنعناها لأجل ذلك كما منعناه في الصديق لقضائها بضد ما تقضي به في العدو والتهمة قائمة في الموضعين. وتحريره أن يقال بأن بينهما تهمة غالبة في الطباع فكانت مؤثرة في رد الشهادة كالتهمة بين الأب والابن على أن نص الخبر شاهد لنا وهو قوله ﷺ "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي غمر على أخيه" (٣). فصل [٣٣ - في منع شهادته لجرح من شهد عليه بحق أو حد]: وإنما منعنا قبول شهادته لجرح من شهد عليه بحق أو حد لأنه خصم في ذلك وقد قال ﷺ "لا تقبل شهادة خصم" (٤). فصل [٣٤ - في من منعت شهادته له قبلت عليه]: وإنما قلنا من منع شهادته (له قبلت عليه، ومن منع شهادته عليه قبلت له) (٥) لأن التهمة توجد في أحد الموضعين وتنتفي من الآخر فحيث توجد منعناها وحيث تنتفي نجيزها لأنها هي العلة المؤثرة. فصل [٣٥ - في منع شهادة البدوي على القروي]: وإنما منعنا شهادة البدوي على القروي في الحقوق التي يمكن التوثق فيها بإشهاد

стр. 1488

الحاضر (١) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٢)، لقوله ﷺ : "لا تقبل شهادة بدوي على قروي" (٣) وروي "على صاحب قرية" (٤) ولأن التهمة تقوى في هذه الشهادة لأن الناس لا يتركون التوثق بإشهاد جيرانهم وأهل بلدهم ويستشهدون بالأباعد وأهل البدو (٥) إلا لريبة يعلمون معها أن الشهود من الحضر لا يشهدون في ذلك فيعدلون إلى من لا يعرفه، ولذلك قلنا إنها تقبل في الجراح وفيما يتفق من الحقوق في البادية التي يخاف فواتها والتجاحد إن وقف عليها إلى الحصول في الحضر لانتفاء التهمة فيها. فصل [٣٦ - في عدم قبول شهادة ولد الزنا]: وإنما قلنا إن شهادة ولد الزنا لا تقبل في الزنا خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٦)، لقوله ﷺ : "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين" (٧) والظنه ها هنا موجودة لأنه يحب أن يكون غيره مشاركًا له في المعرة، والعادة تقضي بذلك لأن كل معرور (٨) بأمر لازم لا يفارقه يحب أن يكون غيره مثله (٩) ولو أمكنه لا يبقى

стр. 1489

أحد إلا يكون مثل حاله لأحب ذلك لئلا ينفرد بالعار فيكون في مشاركة غيره له سلوة وقد نبه الله تعالى على هذا المعنى بقوله ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (١) معناه لما كنتم تعتقدون في الدنيا من المشاركة في الشدة يحدث معها السلوة لمن هو فيها غير خالصة (٢) لكم، ونحو ذلك روي عن عثمان ﵁ أنه قال: ودت الزانية أن النساء كلهن زنين (٣)، فأخبر أن ذلك طبع في الناس أن المعرور يحب أن يشاركه كل واحد في معرته ليقل من يعيره بذلك وإذا صح قوة التهمة في هذه الشهادة بما ذكرناه وجب ردها. فصل [٣٧ - في شهادة من كان على كبيرة]: وأما من كان على كبيرة مثل الزنا وشرب الخمر (٤) وغيره فتاب منها، فوجه القول أن شهادته لا تقبل في مثل ذلك الشيء اعتباره بمسألتنا بعلة أنه معنى يلحق به العار فاتهم بمشاركة غيره له في المعرة، ووجه القول بأنها تقبل أن معرة هذه الأشياء تزول بالتوبة منها كالكافر يسلم ويفارق ولد الزنا لأن معرته لا تزول فالتهمة لا تفارقه. فصل [٣٨ - في عدم قبول شهادة الفاسق والكافر والصبي والعبد بعد زوال العدل المناعة]: وإنما قلنا في الفاسق والكافر والصبي والعبد إنهم إذا شهدوا بشهادة فردت ثم شهدوا بها بعد زوال العلل المانعة من قبول شهادتهم أنها لا تقبل خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٥) فيمن عدا الفاسق للتهمة منهم أن يكونوا إنما شهدوا بها

стр. 1490

ليزول عنهم العار (١) بردها، واعتبارا بالفاسق لأنهم موصوفون بنقص ينافي العدالة فوجب إذا شهدوا حال وجود هذا النقص ثم زال أنهم إذا أعادوها لا تقبل كالفاسق. فصل [٣٩ - إذا جمعت الشهادة ما فيه التهمة وبين ما لا تهمة فيه]: وإنما فرقنا بين أن تجمع الشهادة ما فيه التهمة وبين ما لا تهمة فيه أنه يرد الجميع وبين أن تجمع أنواعها تقبل شهادة ذلك (٢) في بعضها ولا تقبل في البعض فقبلناها فيما تقبل فيه لأن في المسألة الأولى تقوى التهمة أن يكون إنما شهد بما لا يتهم فيه ليقبل فيما يتهم فيه وذلك كما يشهد لابنه ولأجنبي بحق فإنما شهد للأجنبي لأنها إذا قبلت في حقه قبلت في حق ابنه فردت في الجميع، وفي المسألة الأخرى لا تهمة فيه فوجب قبولها. فصل [٤٠ - فيمن شهد في وصية له فيها شيء]: والصحيح من الروايات فيمن شهد في وصية (٣) له فيها شيء ألا تقبل شهادته لا في حقه ولا في حق غيره (٤) لأن مع التهمة لا تتبعض الشهادة على ما ذكرناه. فصل [٤١ - في قبول شهادة القاذف ما لم يجلد]: وإنما قلنا إِن شهادة القاذف تقبل ما لم يجلد لأنه على العدالة لا يثبت فسقه إلا بأن يثبت عليه البينة فيجلد، فإذا جلد ثبت فسقه فلم تقبل شهادته لقوله ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا

стр. 1491

تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (١) وإنما أجزنا شهادته بعد التوبة خلافًا لأبي حنيفة (٢) لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٣)، ولأن كل من ردت شهادته لفسق قبلت عند زوال فسقه اعتبارًا بالزاني والسارق. فصل [٤٢ - في قبول شهادة شاهد الزور بعد توبته]: وإنما قلنا في شاهد الزور إن شهادته تقبل إذا تاب لأن فسقه يزول بالتوبة فأشبه شارب الخمر وغيره من الفساق إذا تابوا، وعبد الملك أجراه مجرى الزنديق لأنه إذا كان في الظاهر كمالك بن أنس والعمري فإنه لا يوصل إلى توبته وإلى العلم بها لأنه لا يقدر أن يزيد على ما كان عليه وقد كان بتلك الصفة وهو فاسق فشكل حاله. * * *

стр. 1492

باب [- في التزكية] القدر الذي يلزم في التزكية: أن يشهد الشاهد لمن يزكيانه أنه عدل رضي ولا يكفي أحد الوصفين عن الآخر ولا يكفي من ذلك أن يقول لا أعلم له زلة ولا جريمة (١) ولا أعلم إلا خيرًا وإني لأرضى به لي وعلي (٢)، وإنما قلنا لا بد من وصفه بالعدالة والرضا لأن الله تعالى شرطهما في قبول الشهادة وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٤) ومعنى العدالة (٥): هو الاستواء والاستقامة ولذلك تنتفي الشهادة مع التهمة والغفلة وغيرهما لأن أحوال الشاهد غير مستقيمة معهما. وإنما قلنا إنه لا يجزى من ذلك أن يقول لا أعلم إلا خيرًا أو لا أعلم له زلة لأن ذلك شهادة بنفي (٦) فلا يستفاد بها شيء، ولأن التزكية في العدالة إثبات عدالة الشاهد والأخبار عما لا يعلمه الحاكم منه، فإذا قال لا أعلم له زلة ولا أعلم إلا خيرًا كان بمنزلة الحاكم لأن الحاكم أيضًا لا يعلم له زلة، وقد يعلم منه الخير والتدين ولكن لا يعلم هل هو ممن يصلح للشهادة أم لا، وأما قوله إني رضي به لي وعلي فليس بتزكية أيضًا لأنه قد يرضى بغير العدل وبالمغفل (٧)

стр. 1493

والمتهم لغرض له وقد لا يرضى العدل المرضي على حسب اختياره فليس على رضا الإنسان لأموره غمار (١) فلم يكن قوله هذا مؤثرًا في التزكية. فصل [١ - في قبول شهادة من عرفه القاضي بالعدالة والرضا]: ومن عرفه القاضي بالعدالة والرضا قبل شهادته ولم يحتج إلى أن يشهد عنده بتزكية، وكذلك المشتهر بالصلاح والدين لأن الغرض بالتزكية أن يعلم الحاكم أنه من أهل الشهادة فإذا عرف منه أغناه عن التزكية، وليس ذلك حكمًا بالعلم لأنه أمر يظهر ولا يخفى أعني العدالة والفسق، ولأنه قد يتوقف عن قبول شهادته ويقبله غيره من الحكام ولو كان حكمًا لم يجز نقضه، وإذا كان الحاكم لا يعرفه لم يثبت عدالته إلا بشهادة عدلين وبأن يعلمه صاحب مسائله بما عرف من حديثه لأنه خليفته وقائم في التزكية والجرح مقامه، والتعديل الذي يكونا شهادة لا يكون إلا باثنين (٢). فصل [٢ - في تعارض الجرح والتعديل في التزكية]: إذا عدل رجلان رجلًا وجرحه آخران ففيها روايتان: (٣) إحداهما أن ينظر إلى أعدل البينتين فيؤخذ بها، والأخرى أن شهادة الجرح أولى من التعديل. فوجه الأولى تعارض البينتين في أمر طريقه الاجتهاد فوجب الحكم بأعدلهما، أصله في الأموال، ووجه الثانية أن الجرح يخفى ولا يظهر فالشاهدان به عرفا من حال المجروح ما خفي عن المعدلين فكانت شهادتهما أولى، ولأن ذلك كالخبرين الحاظر والمبيح إذا تعارضا أن الحاظر أولى. * * *

стр. 1494

باب [- في حكم تحمل الشهادة] تحمل الشهادة فرض في الجملة، لقوله تعالي ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) وذلك من أفضل البر لأنه يتعلق به حفظ أموال الناس وحقوقهم وحقوق الله تعالى وإقامة حدوده، وقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (٢)، وقوله ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٣) وذلك على عمومه في التحمل والأداء، وقوله تعالى ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (٤) قال سفيان بن عيينة (٥): هو ما يدفع الله بالشهود من التجاحد والتظالم (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٧). فصل [١ - في أن تحمل الشهادة من فروض الكفايات]: إذا ثبت أن ذلك فرض في الجملة فإنه من فروض الكفايات إذا قام به البعض سقط عن الباقين فهو جار مجرى غسل الميت ودفنه والصلاة عليه ومجرى الجهاد

стр. 1495

وغيره من فرائض (١) الكفايات والدليل على ذلك (٢) أنها براءة للتوثق وحفظ الحقوق فإذا حصل هذا المعنى بالبعض سقط عن الباقين كما ذكرناه. فصل [٢ - في تعين فرض تحمل الشهادة]: وإذا ثبت، فقد يتعين فرضها في بعض المواضع وقد لا يتعين: (فالمواضع التي يتعين) (٣) أن يدعى الشاهد إلى تحمل الشهادة وهناك جماعة كبيرة ممن يتحملها فإنه يجب على اثنين منهم بغير أعيانهم فمن قام منهم بها سقط عن الباقين. وأما المواضع التي يسقط فيها فهو أن يدعى إلى تحمل شهادة قد تحملها غيره فلا تلزمه الإجابة لأن الغرض قد سقط بمن قام بها وتحملها، وأما المواضع التي يتعين فيها فرضها فمثل أن يدعى إلى تحملها وليس هناك غيره فتلزمه الإجابة وكذلك لو كان هناك من يتحملها إلا أنه يتعذر وجودهم أو يخاف بانتظارهم فوات الحادث مثل موت الموصي أو جحود المقر أو ما أشبه ذلك فتلزمه الإجابة وهذا إذا لم يكن له ما يعذر به فإن كان له عذر من مرض أو زمانه أو حق مثل ذلك الحق يخاف فوته وما أشبه ذلك من الأعذار لم (٤) يلزمه. فصل [٣ - في حكم أداء الشهادة]: فإذا ثبت تحملها على الوجه الذي ذكرناه، فأداؤها فرض أيضًا على الكفاية وحكمها حكم التحمل في التعيين وغيره، فإن دعي إلى إقامتها وهناك من يقيمها غيره لم تلزمه الإجابة لأن المقصود من الأداء إثبات الحق عند الحاكم فإذا حصل المقصود سقط الغرض، وكذلك إن كان من يسقط الغرض به كالصلاة على الجنازة، وأما إن دعي ولم يكن قد أشهد سواه أو أشهدوا سواه ولكن تعذر إحضارهم لبعد أو غيبة أو موت أو مرض فإنه يتعين عليهما الحضور والأداء

стр. 1496

لأن في امتناعهما إتلاف الحق وإضاعته، والدليل على وجوب الأداء في الجملة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (١) قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٢) وقوله : ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٣)، ولا خلاف في ذلك (٤) والله أعلم. * * *

стр. 1497

باب [- في أقسام البينة] البينة مرتبة بحسب الحقوق المشهود فيها والمحتاج إلى إقامتها وما هي عليه من التوسعة والتضييق والتخفيف والتثقيل وإمكان التوثق وتعذره على ما نبينه من بعد، والبيانات على اختلاف مراتبها في القوة والضعف لا تخرج من أقسام (١): أحدها: أربعة شهود رجال بالغون، والثاني: شاهدان رجلان، والثالث: شاهد وامرأتان، والرابع: شاهد ويمين المدعي، (والسادس: شاهد المدعي ونكول المدعى عليه، والسابع: امرأتان ونكول المدعى عليه) (٢) والثامن: يمين المدعي ونكول المدعى عليه، والتاسع: يمين المدعي مع قوة السبب، والعاشر: امرأتان بانفرادهما والحادي عشر: شهادة الصبيان في الموضع الذي ذكرناه، والثاني عشر: أيمان الأولياء في الدم مع اللوث، والثالث عشر: شهادة السماع، والرابع عشر: كتاب قاض إلى قاض، والخامس عشر: معرفة العفاص والوكاء في اللقطة لأن ذلك كالبينة، وربما أغفلنا شيئًا يجري ما ذكرناه فنبينه بقدر ما أوردناه عليه. فصل [١ - في الحقوق المشهود بها]: الحقوق المشهود بها على ستة أضرب: أحدهما أحكام تثبت في البدن (ليست بمال ويطلع عليها الرجال على غالب الحال، والثاني أحكام تثبت بالبدن تتعلق بالمال، والثالث أحكام تثبت في البدن لا يطلع عليه الرجال بل النساء كعيوبهن والولادة) (٣)، والرابع: شهادة على مال، الخامس: شهادة على

стр. 1498

ما كان المقصود منه المال وهذا كالقسم الذي قبله وإن انفرد عنه، السادس ما يجمع القسمين من هذه الأقسام أو أكثر. فإذا ثبت هذا فانقسام البينات على الحقوق على وجوه أحدها: ما لا مدخل فيه لشهادة النساء أصلًا ولا يقبل فيه إلا الرجال، والآخر ما يقبل فيه الرجال والنساء ولا يقبل فيه النساء بانفرادهن، والثالث ما تقبل فيه النساء بانفرادهن، والرابع ما يقبل فيه الرجل الواحد والمرأتان مع يمين المدّعى ثم بقية الأقسام على ما قدمناه. فصل [٢ - في الأحكام التي تثبت في البدن ليست بمال]: أما الأحكام التي تثبت في البدن ليست بمال ويطلع عليها الرجال في غالب الحال كالزنا والقذف والقتل والنكاح والرجعة والطلاق والإعتاق والإحصان (١) والتعديل والتجريح ورؤية الأهلة والشهادة على الشهادة (٢) وما أشبه ذلك فهذا لا يقبل فيه إلا الرجال. فالأربعة في الشهادة على إثبات الزنا وذلك على ثلاثة أوجه: إما شهادة على رؤية الزنا فهو المتفق عليه، وإما شهادة على الشهادة به وإما الشهادة على كتاب الحكم به وهذان مختلف في الشهادة بهما (٣): فقيل يكفي شهادة اثنين على شهادة كل واحد من الأربعة وعلى كتاب الحاكم به، وقيل لا يكفي إلا أربعة على كل واحد من الأربعة وكذلك على كتاب القاضي. وأما الشاهدان فلسائر الأحكام التي تثبت في البدن وفي المال مما عددناه. وأما الشاهد والمرأتان والشاهد ويمين المدعى والمرأتان واليمين فلحقوق الأموال وما المقصود منه المال، وأما المال فمثل أن يشهدوا أن فلانًا أقرض (٤)

стр. 1499

فلانًا ما لا أو أودعه أو أعاره أو غصبه وما أشبه ذلك، وما المقصود منه المال كالبيع والإجارات والشفعة والرهن والقراض والمساقات والصلح والكفالات وجنايات الخطأ والعمد التي لا قود فيها وما ضارع ذلك مما يكون المقصود منه المال فهذا كله يثبت بالشاهد والمرأتين وبالشاهد ويمين المدعي. وأما الشاهد ونكول المدعى عليه يقبل في كل موضع قبل فيه الشاهد واليمين والمرأتان واليمين، وقد اختلف في قبوله في الطلاق والعتاق فعنه في ذلك روايتان وكذلك في نكول المدعى عليهم مع اللوث وقد بيناه في موضعه، وأما الأحكام بالبدن المتعلقة بالمال مثل الشهادة على الوكالة بطلب المال وعلى إسناد (١) الوصيه التي ليس فيها إلا المال فقد اختلف أصحابنا فيها فقال مالك وابن القاسم وابن وهب يجوز فيها شاهد وامرأتان، وقال أشهب وعبد الملك لا تقبل فيها إلا رجلان. وأما المرأتان ونكول المدعى عليه فإنه يقبل في كل موضع يقبل فيه الشاهد (واليمين وليس في كل موضع يقبل فيه الشاهد) (٢) والنكول، وكذلك يمين المدعي مع النكول، وأما يمين المدعي مع قوة السبب فمثل يمين المشتري (٣) في الاختلاف في ثمن المبيع بعد قبض السلعة لأن يمينه (٤) قد قوي بالقبض، فأما المرأتان بانفرادهما ففي حقوق الأبدان التي لا يطلع عليها الرجال غالبًا كالولادة والاستهلال والرضاع وعيوب النساء وما أشبه ذلك. وأما شهادة الصبيان واللوث واللقطة فقد ذكرناه وأما شهادة السماع ففي ما يتغير (٥) ولا يزول وذلك مثل النسب والموت والولاء والحبس المتأبد وقيل في النكاح.

стр. 1500

فأما كتاب القاضي فإنه يقبل في كل شيء من الحقوق والحدود ولا يثبت إلا بشاهدين إلا ما ذكرناه من الخلاف في كتابه بشهادة الزنا عنده، هذا جملة من القول في أقسام البينة والأحكام المشهود فيها ونحن نتكلم على تفصيلها. فصل [٣ - في إثبات حد الزنا]: فأما قولنا إن الحد في الزنا لا يثبت إلا بشهادة أربعة رجال فقد بيناه في كتاب الحدود وقد ذكرنا توجيه الخلاف فيما يتعلق به، وإنما منعنا أن لا يقبل في أحكام الأبدان التي يطلع عليها الرجال إلا شهادة رجلين خلافًا لأبي حنيفة (١) أنه يقبل في جميعها شهادة النساء مع الرجال كالطلاق والرجعة والنكاح وغير ذلك إلا ما أوجب قتلًا أو حدًّا، فلقوله تعالى في الطلاق والرجعة ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) وهذا كناية عن ذكرين، واعتبارا بالقتل، وما يوجب الحد بعلة أنه من حقوق الأبدان التي يطلع عليها الرجال وهذا علة تستمر في التعديل والتجريح وكل ما هو من بابه. فصل [٤ - في قبول الشاهدين والشاهد والمرأتين في المال]: وإنما قلنا إن الشاهدين والمرأتين يقبلان في المال أو ما يكون المقصود منه المال، لقوله جل ذكره ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (٣)، ولا خلاف في ذلك (٤).

стр. 1501

فصل [٥ - في الحكم بالشاهد واليمين في المال وحقوقه]: وإنما قلنا إن الشاهد واليمين يحكم به في المال وحقوقه خلافًا لأبي حنيفة في منعه الحكم به على كل وجه (١)، لما روي أن رسول الله ﷺ : قضى باليمين مع الشاهد (٢)، ولأن كل حجة يسقط بها المدعى عليه عن نفسه المطالبة جاز أن تكون في جنبة المدعي، أصله البينة، ولأن الأصول موضوعة على أن اليمين تكون في جنبة أقوى المتداعيين سببًا لقوة سببه، وأن البينة يطالب بها أضعفهما سببًا لضعف سببه ألا ترى أنها تجب بالابتداء على المنكر لقوة سببه على المدعي لأن الأصل براءة ذمته مما أدعي عليه، وإذا صح ذلك فسبب المدعي قد قوي بالشاهد فوجب أن يكون اليمين في جنبته. فصل [٦ - في قصر الحكم باليمين والشاهد في الأموال دون الأبدان]: وإنما قلنا إن ذلك في الأموال أو ما يتعلق بها دون حقوق الأبدان للإجماع على ذلك من كل قائل باليمين والشاهد وقصرهم إياها على هذا النوع (٣)، ولأن حقوق الأموال أخفض رتبة من حقوق الأبدان بدلالة قبول النساء فيها، (وقد اختلف قوله في جراح العمد هل يجب القود فيها بالشاهد) (٤) واليمين فعنه فيه روايتان: إحداهما أنه يجب به التخيير بين القود والدية ومن جنس (٥) عمده ما لا يجب فيه إلا مال بخلاف النفس، والأخرى أنه لا يجب لأنه من حقوق الأبدان وهو الصحيح.

стр. 1502

فصل [٧ - في قبول شهادة امرأتين ويمين المدعي في الأموال وحقوقها]: وإنما قلنا إنه يقبل في الأموال وحقوقها شهادة امرأتين ويمين المدعي خلافًا للشافعي (١)؛ لأنهما قد أقيما في الشرع مقام رجل واحد في الشهادة على الأموال لقوله : ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (٢) فإذا جاز أن يحكم بشهادة الرجل مع اليمين جاز أن يحكم بشهادة امرأتين مع اليمين، ولأنهما إحدى شرطي شهادة المال كالشاهد الواحد، ولأنه سبب مؤثر في الحكم قويت به حجة المدعي فجائز (٣) أن يحلف معه، أصله الشاهد الواحد. فصل [٨ - في الحكم بالشاهد الواحد ونكول المدعي عليه]: وإنما قلنا إنه يحكم بالشاهد الواحد ونكول المدعى عليه خلافًا للشافعي (٤) لأن النكول سبب مؤثر في الحكم فوجب إذا انضاف إلى الشاهد الواحد أن يحكم به، أصله يمين المدعي، ونبين تأثيره في الحكم أنه إذا نكل المدعى (عليه انتقلت اليمين إلى جنبة المدعي) (٥) فحلف وكان نكوله كشاهد، ولأن الشاهد (٦) أقوى من يمين المدعي بدليل أنه إنما يحتاج إلى اليمين مع عدم الشاهد وأن اليمين مختلف في دخولها في بينة المدعي والشاهد غير مختلف فيه، وأن

стр. 1503

الشاهد يدخل في البينة في جميع الحقوق وأن اليمين (١) مضاف إليه وهو لا يضاف إليها وإذا ثبت تأكيده على اليمين ثم كان النكول إذا اجتمع مع أضعف السببين (٢) يحكم به كان إذا انضاف إلى الأقوى والآكد أولى. فصل [٩ - في ثبوت الوكالة بالمال بشهادة رجل وامرأتين]: ووجه القول في الوكالة بالمال إنها تثبت بشهادة رجل وامرأتين أنها شهادة على مقصود به المال كالشهادة على البيع والإجازة، ووجه منع قبولها أن الوكالة فعل بدن ليست بمال قال عبد الملك: لأن الشاهد واليمين لا يقبل فيهما فكذلك الرجل والمرأتان لأن أحدهما لا يقبل إلا حيث يقبل الآخر. فصل [١٠ - في الحكم بشهادة امرأتين مع النكول]: وإنما قلنا يحكم بشهادة امرأتين مع النكول لأنها أحد شرطي شهادة المال كالشاهد الواحد. فصل [١١ - في الحكم بيمين المدعي ونكول المدعى عليه]: وإنما قلنا إنه يحكم بيمين المدعي ونكول المدعى عليه في الأموال وما يتعلق بها لأنها سببان مؤثران في تنفيذ الحكم فإذا اجتمعا وجب الحكم بهما كالشاهد واليمين وذلك أن النكول مؤثر في وجوب الحكم به إذا انضم إليه شاهد وامرأتان وكذلك كون اليمين في جنبة المدعى. فصل [١٢ - في عدم الحكم بمجرد النكول]: ولا يحكم بمجرد النكول دون أن ترد اليمين على المدعي فيما ترد فيه فإذا حلف حكم له على المدعى عليه (٣)، وقال أبو حنيفة إذا نكل المدعى عليه عن

стр. 1504

اليمين كررت عليه ثلاث فإن حلف وإلا حكم عليه بنفس نكوله ولا ترد اليمين على المدعي هذا إذا كانت الدعوى في المال. واتفقوا على أنه لا يحكم بالنكول في قتل العمد وجراحه، ثم اختلفوا في حكمه فعند أبي حنيفة أنه يحبس إلى أن يحلف أو يعترف، وعند أبي يوسف يحكم عليه بالدية (١) فالكلام معهم في موضعين: أحدهما: هل يحكم بالنكول بمجرده أم لا، والآخر هل يلزم رد اليمين على المدعي أم لا. فدليلنا على أنه لا يحكم بمجرد النكول اتفاقنا على أنه لا يحكم به في دعوى دم العمد فكذلك في سائر الحقوق بعلة أنه نكول عن اليمين توجهت على المدعى عليه ولأنه نكول لا يحكم به دم العمد فلذلك في غيره أصله الأول والثاني ولأن البينة حجة للمدعي في إثبات ما يدعيه واليمين حجة للمنكر فيها ينفيه وقد ثبت أن المدعي لو قعد عن إقامة البينة لم يسقط حقه ولم يحكم عليه بضد ما ادعاه فكذلك المدعى عليه إذا قعد عن اليمين لأن المدعى عليه لو أمسك عن جواب المدعي أو قال لا اعترف ولا أنكر ولا أحلف لم يلزمه فهذا حكم وهو نكول على الأمرين عن الاعتراف وعن اليمين فكان بنكوله عن اليمين وحدها أولى. ودليلنا على وجوب اليمين مع النكول قوله ﷺ في القسامة "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا لم نحضر قال: فتبرأ لكم اليهود بخمسين يمينا" (٢) وهذا رد اليمين، ولأن ذلك إجماع لأنه مروي عن عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب (٣) رضوان الله عليهم ولا مخالف لهم ولأن الأصول موضوعة على أنه لا يحكم للمدعي على سبب واحد وإنما يحكم بسببين كالشاهدين، أو كشاهد ويمين، أو كشاهد وامرأتين، أو شاهد ونكول، فأما النكول وحده فإنه

стр. 1505

سبب واحد فلابد أن ينضاف إليه غيره فإذا ثبت ذلك فليس إلا يمين المدعي، ولأن اليمين في الدعوى يتوجه على أقوى المتداعيين سببا ولذلك وجبت في الأصل على المنكر وانتقلت إلى المدعي إذا كان له شاهد، وإذا (١) ثبت ذلك فالمدعي في هذا الموضع أقوى سببا من المنكر لأن ذلك قد أضعف جنبته (٢) بنكوله فانتقلت اليمين إلى جنبة المدعي. فصل [١٣ - في الحكم باليمين مع قوة السبب]: وأما اليمين مع قوة السبب فقد بيناه فيما تقدم من اختلاف الزوجين في قبض الصداق ومقداره والمتبايعين في مقدار الثمن والعرف في التداعي ووجه ذلك أن العرف أصل يقوى به سبب المدعي فإذا كان كذلك انتقلت اليمين إلى جهته كما لو كان معه شاهد ألا ترى أن العرف يرجع إليه ويحكم به إذا لم يكن هناك غيره مثل الخلاف إذا وقع في النقد والسير والحمولة وغيرها. فصل [١٤ - فيما تقبل فيه شهادة النساء]: وإنما قلنا إن شهادة النساء مقبولة فيما لا يطلع عليه الرجال غالبا من أحكام الأبدان في الجملة بانفرادهن (٣) مثل عيوب النساء والولادة وما في معنى ذلك لأن الشهادة رتبت في الشرع على حسب الأشياء المشهود بها وتأكدها وضعفها وإمكان التوصل إلى إثباتها: فجعل في الزنا أربعة رجال لأنه غلظ فيه فجعل التغليظ من وجهين: أحدهما الجنس والآخر العدد، وجعل في القتل وغيره من حقوق الأبدان شاهدان رجلان فغلظ فيه من وجهة الجنس فقط لأنه لم يطلب

стр. 1506

فيه من الستر ما طلب في الزنا، وجعل فيه القسامة مع اللوث لتأكد أمره لئلا يجتري الناس على الدماء. وجعل في الأموال شهادة النساء مع الرجال لأنها أحفظ حرمة من الأبدان ودعت الضرورة في هذا الموضع أعني الولادة وما تعلق بها إلى قبول شهادتهن منفردات كما دعت إلى قبول شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح لأنها لو لم نقبلها لأدى ذلك إلى إضاعة دمائهم كذلك في هذا الموضع لو لم تقبل شهادة النساء في الولادة وما يجري مجرها لأدى ذلك إلى أحد أمرين ممنوعين: أما إلى إضاعة الحقوق المتعلقة بها أو إلى أنا يحضر الرجال هذه المواضع ويطلعوا على عورات النساء وذلك باطل فلم يبق إلا قبولها. جملة ما تقبل فيه شهادة النساء منفردات ما ذكرناه من عيوب النساء التي لا يطلع عليها سواهن من الولادة والاستهلال والرضاع وما أشبه ذلك، ولا خلاف في هذا إلا في الرضاع فعندنا أنهن يقبلن فيه بانفرادهن عن الرجال، وقال أبو حنيفة (١) لا يقبلن فيه على انفرادهن (٢)، ودليلنا أنه لا يحضره الرجال في الغالب فجاز أن يقبلن فيه منفردات كالولادة والاستهلال، ولأنها شهادة على عورة لشهادة النساء مدخل فيه كالولادة. فصل [١٥ - فيما ينضم إلى شهادة النساء]: إذا ثبت أنّه لا يحتاج في ذلك إلى شهادة الرجال فعنه في شيء ينضم إلى شهادتهن روايتان: (٣) إحداهما أنه لا يكفي في ذلك إلا أن يفشى ذلك عند الجيران أو يظهر وينشر، والأخرى أن شهادتهن مقبولة وإن لم يفشى (*).

стр. 1507

فوجه الأولى أن الرضاع وإن كان مما ينفرد به النساء فيتعلق به أحكام شرعية ولا يكاد يخفى أمره غالبا بل يظهر وينتشر ويفشو أمره ولا يكتم (١) فإذا شهدن به ولم يكن شيء مما ذكرناه ضعفت الشهادة ودخلها التهمة. ووجه الثانية اعتباره بسائر العورات اللاتي يقبلن فيها وهذه أصح (٢). فصل [١٦ - في العدد الذي يكفي من النساء في الشهادة]: وإنما قلنا إن العدد الذي يكفي منهن اثنتان خلافًا للشافعي في قوله أربع (٣) ولغيره في قوله ثلاث (٤) لأن كل جنس قبلت منه شهادة في شيء على انفراد (كفى منه شخصان أصله الرجال) (٥)، وإنما قلنا لا تكفي امرأة واحدة خلافًا لأبي حنيفة في قوله إذا كن ما بين السرة والركبة قبل فيه امرأة واحدة (٦)، لأنها شهادة في حق فلم يثبت بشهادة شخص واحد أصله سائر الحقوق لأن شهادة الرجل آكد وأقوى من شهادة النساء فإذا لم تقبل شهادة من رجل واحد فشهادة امرأة واحدة أولى. فصل [١٧ - في قبول شهادة المرأة في الاستهلال]: وإنما تقبل في الاستهلال (٧) خلافًا لمن منع ذلك (٨) اعتبارًا بالولادة والرضاع لأنّه لا يطلع عيه الرجال في غالب الحال.

стр. 1508

فصل [١٨ - في قبول الشهادة على السماع]: وإنما قلنا إن الشهادة على السماع (١) تقبل فيما لا يتغير حاله ولا ينتفل الملك فيه (٢) لأن الضرورة تدعو إلى قبولها وإلا تلف الحق المشهود به لأن البينة لا تبقى على مر السنين وتطاول الأوقات وكان ثبوت الحق المشهود به مما يؤمن تغيره وزواله كالولاء الذي لا يصح نقله عن الملك بل يبقى ميراثًا وكالموت والنسب والوقف المحرم وما أشبه ذلك فجازت فيه شهادة السماع. وصفتها أن يشهد شاهدان إنا لم نزل نسمع أن فلان بن فلان على مر السنين وتطاول الأوقات وليس للعدد (٣) الذي يسمع منه الشهود حد محصور أكثر من ثلج النفس وثقتها إلى خبرهم فهي في معنى الخبر في المتواتر، ووجه قوله في النكاح إنها تقبل فيه أنه أمر ثابت لا يتغير إذا مات أحد الزوجين فأشبه الولاء والوقف، ووجه قوله إنه لا تقبل فيه أن أصله غير (٤) مستقر بدليل جواز التنقل فيه فكان كالشهادة على الأملاك أنها تثبت بالسماع. فصل [١٩ - في قبول كتاب القاضي إلى القاضي]: وإنما قلنا إن كتاب القاضي إلى القاضي يقبل وإنه يلزم المكتوب إليه تنفيذ ما فيه للضرورة إلى ذلك (٥) لأنه لو لم يقبل لأدى إلى تلف الحق المشهود به لأن البينة التي للمدعي قد تكون بغير البلد الذي يحتاج إلى إقامتها به فلا يجوز تكليفهم السفر إليه ليشهدوا به وقد لا يكون هناك من يعرفهم بالعدالة فلم يبق إلا

стр. 1509

شهادتهم في الموضع الذي هم به وكتاب الحاكم الذي يشهدون عنده إلى الحاكم الذي يحتاج إليه في إقامة الشهادة عنده بما ثبت عنده من الحق بشهادتهم وعلى ذلك مضى أمر السلف. وإنما قلنا إنه لا يثبت إلا بشاهدين دون طابع (١) القاضي لأنه سبب يجب به تنفيذ الحكم فوجب أن لا يكون إلا بشاهدين أصله إقرار المدعي عليه، ووجه قوله في الزنا إنه يثبت الكتابة بشاهدين أن الشهادة بالكتاب (٢) غير الشهادة بالزنا فإذا ثبت الكتاب بشاهدين فالحد يقام بشهادة الأربعة الذين شهدوا عند الحاكم الأول، ووجه القول بأنه لا بد من أربعة أن الحد يقام بكتاب الحاكم وما يقام به الحد من الشهادة لا يكون إلا بأربعة أصله الشهادة المباشرة. فصل [٢٠ - فيمن دفع إلى شهود كتابًا مطويًا وقال اشهدوا على ما فيه]: اختلف قول مالك فيمن دفع إلى شهود كتابا مطويًا وقال اشهدوا على ما فيه هل يصلح تحملهم الشهادة أم لا وكذلك الحاكم إذا كتب كتابًا إلى حاكم وختمه وأشهد الشهود بأنه كتابه ولم يقرأ عليهم فعنه في ذلك روايتان (٣): إحداهما أن الشهادة جائزة وإن لم يقرأ الكتاب والأخرى أنهم لا يشهدون به إلا أن يقرءوه وقت تحمل الشهادة، فوجه الجواز أنه أشهدهم على إقراره بما في الكتاب، عرفوه فصح تحملهم الشهادة أصله إذا قرآه عليهم، ولأن عمال النبي ﷺ كانت ترد عليهم كتبه فيعملون بما فيها من غير أن يقرءوها. واستدل القاضي إسماعيل ابن إسحق بدليل أن النبي ﷺ دفع كتابا إلى عبد الله بن جحش (٤) وأمره أن

стр. 1510

يسير ليلتين ثم يقرأ الكتاب فيتبع ما فيه (١)، ولأن الإنسان قد يكره أن يعلم غيره ما أقر به (٢) ويحب طي ذلك وإخفاءه فلو لم تجز الشهادة عليه إلا إذا أظهره ونشره للحق في ذلك ضرر ومشقة، ووجه المنع قوله تعالى ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ (٣) وإذا لم يقرءوا الكتابة لم يعلموا ما يشهدون به فلم تجز شهادتهم، ولقوله ﷺ : "إن رأيت مثل الشمس فاشهد" (٤) ولأن الخط قد يعمل عليه ويزور فلا يؤمن ذلك في الكتاب المطوي فإذا قرأه وعرف ما فيه أمنوا الحيلة فيه. …
следующие страницы →