← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

فيه من الستر ما طلب في الزنا، وجعل فيه القسامة مع اللوث لتأكد أمره لئلا يجتري الناس على الدماء. وجعل في الأموال شهادة النساء مع الرجال لأنها أحفظ حرمة من الأبدان ودعت الضرورة في هذا الموضع أعني الولادة وما تعلق بها إلى قبول شهادتهن منفردات كما دعت إلى قبول شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح لأنها لو لم نقبلها لأدى ذلك إلى إضاعة دمائهم كذلك في هذا الموضع لو لم تقبل شهادة النساء في الولادة وما يجري مجرها لأدى ذلك إلى أحد أمرين ممنوعين: أما إلى إضاعة الحقوق المتعلقة بها أو إلى أنا يحضر الرجال هذه المواضع ويطلعوا على عورات النساء وذلك باطل فلم يبق إلا قبولها. جملة ما تقبل فيه شهادة النساء منفردات ما ذكرناه من عيوب النساء التي لا يطلع عليها سواهن من الولادة والاستهلال والرضاع وما أشبه ذلك، ولا خلاف في هذا إلا في الرضاع فعندنا أنهن يقبلن فيه بانفرادهن عن الرجال، وقال أبو حنيفة (١) لا يقبلن فيه على انفرادهن (٢)، ودليلنا أنه لا يحضره الرجال في الغالب فجاز أن يقبلن فيه منفردات كالولادة والاستهلال، ولأنها شهادة على عورة لشهادة النساء مدخل فيه كالولادة. فصل [١٥ - فيما ينضم إلى شهادة النساء]: إذا ثبت أنّه لا يحتاج في ذلك إلى شهادة الرجال فعنه في شيء ينضم إلى شهادتهن روايتان: (٣) إحداهما أنه لا يكفي في ذلك إلا أن يفشى ذلك عند الجيران أو يظهر وينشر، والأخرى أن شهادتهن مقبولة وإن لم يفشى (*).

стр. 1507

فوجه الأولى أن الرضاع وإن كان مما ينفرد به النساء فيتعلق به أحكام شرعية ولا يكاد يخفى أمره غالبا بل يظهر وينتشر ويفشو أمره ولا يكتم (١) فإذا شهدن به ولم يكن شيء مما ذكرناه ضعفت الشهادة ودخلها التهمة. ووجه الثانية اعتباره بسائر العورات اللاتي يقبلن فيها وهذه أصح (٢). فصل [١٦ - في العدد الذي يكفي من النساء في الشهادة]: وإنما قلنا إن العدد الذي يكفي منهن اثنتان خلافًا للشافعي في قوله أربع (٣) ولغيره في قوله ثلاث (٤) لأن كل جنس قبلت منه شهادة في شيء على انفراد (كفى منه شخصان أصله الرجال) (٥)، وإنما قلنا لا تكفي امرأة واحدة خلافًا لأبي حنيفة في قوله إذا كن ما بين السرة والركبة قبل فيه امرأة واحدة (٦)، لأنها شهادة في حق فلم يثبت بشهادة شخص واحد أصله سائر الحقوق لأن شهادة الرجل آكد وأقوى من شهادة النساء فإذا لم تقبل شهادة من رجل واحد فشهادة امرأة واحدة أولى. فصل [١٧ - في قبول شهادة المرأة في الاستهلال]: وإنما تقبل في الاستهلال (٧) خلافًا لمن منع ذلك (٨) اعتبارًا بالولادة والرضاع لأنّه لا يطلع عيه الرجال في غالب الحال.

стр. 1508

فصل [١٨ - في قبول الشهادة على السماع]: وإنما قلنا إن الشهادة على السماع (١) تقبل فيما لا يتغير حاله ولا ينتفل الملك فيه (٢) لأن الضرورة تدعو إلى قبولها وإلا تلف الحق المشهود به لأن البينة لا تبقى على مر السنين وتطاول الأوقات وكان ثبوت الحق المشهود به مما يؤمن تغيره وزواله كالولاء الذي لا يصح نقله عن الملك بل يبقى ميراثًا وكالموت والنسب والوقف المحرم وما أشبه ذلك فجازت فيه شهادة السماع. وصفتها أن يشهد شاهدان إنا لم نزل نسمع أن فلان بن فلان على مر السنين وتطاول الأوقات وليس للعدد (٣) الذي يسمع منه الشهود حد محصور أكثر من ثلج النفس وثقتها إلى خبرهم فهي في معنى الخبر في المتواتر، ووجه قوله في النكاح إنها تقبل فيه أنه أمر ثابت لا يتغير إذا مات أحد الزوجين فأشبه الولاء والوقف، ووجه قوله إنه لا تقبل فيه أن أصله غير (٤) مستقر بدليل جواز التنقل فيه فكان كالشهادة على الأملاك أنها تثبت بالسماع. فصل [١٩ - في قبول كتاب القاضي إلى القاضي]: وإنما قلنا إن كتاب القاضي إلى القاضي يقبل وإنه يلزم المكتوب إليه تنفيذ ما فيه للضرورة إلى ذلك (٥) لأنه لو لم يقبل لأدى إلى تلف الحق المشهود به لأن البينة التي للمدعي قد تكون بغير البلد الذي يحتاج إلى إقامتها به فلا يجوز تكليفهم السفر إليه ليشهدوا به وقد لا يكون هناك من يعرفهم بالعدالة فلم يبق إلا

стр. 1509

شهادتهم في الموضع الذي هم به وكتاب الحاكم الذي يشهدون عنده إلى الحاكم الذي يحتاج إليه في إقامة الشهادة عنده بما ثبت عنده من الحق بشهادتهم وعلى ذلك مضى أمر السلف. وإنما قلنا إنه لا يثبت إلا بشاهدين دون طابع (١) القاضي لأنه سبب يجب به تنفيذ الحكم فوجب أن لا يكون إلا بشاهدين أصله إقرار المدعي عليه، ووجه قوله في الزنا إنه يثبت الكتابة بشاهدين أن الشهادة بالكتاب (٢) غير الشهادة بالزنا فإذا ثبت الكتاب بشاهدين فالحد يقام بشهادة الأربعة الذين شهدوا عند الحاكم الأول، ووجه القول بأنه لا بد من أربعة أن الحد يقام بكتاب الحاكم وما يقام به الحد من الشهادة لا يكون إلا بأربعة أصله الشهادة المباشرة. فصل [٢٠ - فيمن دفع إلى شهود كتابًا مطويًا وقال اشهدوا على ما فيه]: اختلف قول مالك فيمن دفع إلى شهود كتابا مطويًا وقال اشهدوا على ما فيه هل يصلح تحملهم الشهادة أم لا وكذلك الحاكم إذا كتب كتابًا إلى حاكم وختمه وأشهد الشهود بأنه كتابه ولم يقرأ عليهم فعنه في ذلك روايتان (٣): إحداهما أن الشهادة جائزة وإن لم يقرأ الكتاب والأخرى أنهم لا يشهدون به إلا أن يقرءوه وقت تحمل الشهادة، فوجه الجواز أنه أشهدهم على إقراره بما في الكتاب، عرفوه فصح تحملهم الشهادة أصله إذا قرآه عليهم، ولأن عمال النبي ﷺ كانت ترد عليهم كتبه فيعملون بما فيها من غير أن يقرءوها. واستدل القاضي إسماعيل ابن إسحق بدليل أن النبي ﷺ دفع كتابا إلى عبد الله بن جحش (٤) وأمره أن

стр. 1510

يسير ليلتين ثم يقرأ الكتاب فيتبع ما فيه (١)، ولأن الإنسان قد يكره أن يعلم غيره ما أقر به (٢) ويحب طي ذلك وإخفاءه فلو لم تجز الشهادة عليه إلا إذا أظهره ونشره للحق في ذلك ضرر ومشقة، ووجه المنع قوله تعالى ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ (٣) وإذا لم يقرءوا الكتابة لم يعلموا ما يشهدون به فلم تجز شهادتهم، ولقوله ﷺ : "إن رأيت مثل الشمس فاشهد" (٤) ولأن الخط قد يعمل عليه ويزور فلا يؤمن ذلك في الكتاب المطوي فإذا قرأه وعرف ما فيه أمنوا الحيلة فيه. …

стр. 1511

باب [شهادة الأعمى] شهادة الأعمى جائزة في كل ما وقع له العلم به، وإنما يمنع فيما طريقه الرؤية فقط فيقبل على ما يلمسه أنه حار أو بارد أو لين أو خشن وفيما يذوقه أنه حلو أو حامض وفيما يشمه وكذلك فيما يسمعه (١)، والدليل على ذلك أن العمى لا يؤثر في العلم بما يشهد من ذلك فكان فقد البصر كفقد غيره من الأعضاء في أنه لا يمنع قبول ما يتحمله من الشهادة به، فأما شهادته بالإقرار وما طريقه الصوت فيقبل عندنا سواء تحملها أعمى أو بصير ثم عمي خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما أنها لا تقبل إذا تحملها أعمى (٢)؛ لأن الصوت طريق لمعرفة الأشخاص والتمييز بين الأعيان شرعًا وعادة: أما الشرع فدليل مالك ﵀ أن الصحابة والتابعين رووا عن أزواج النبي ﷺ ومعلوم أنهم سمعوا منهن من وراء حجاب وإنما كانوا يميزون بين أشخاصهن بالصوت، وقوله ﷺ : "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم (٣)، ولم يكونوا يفرقوا بينهما إلا بالصوت، ولأن الإقدام على الفروج أغلظ من الشهادة عليه بالحقوق وقد ثبت أن الأعمى يطأ زوجته وهو لا يعرفها إلا بالصوت فدل (٤) ذلك إجماع على أن الصوت طريق يميز به بين الأشخاص. وأما العادة (٥) فهي أن الأعمى إذا تكرر عليه سماع صوت زوجته وولده

стр. 1512

وصديقه وطال اجتماعه معه وكثير ألفه له وطروقه لسمعه وقع له العلم بذلك وبعد شبهه (١) بغيره وميز بين أشخاصهم لسماعه وصار ذلك له طريقا مستمرًا لا يخالجه (٢) فيه شك ولا ريب، وإن جاز أن يخفي عليه إذا غير صوته في بعض الأوقات فإنه إذا تبينه زال عنه الشك فحكمه في هذا حكم البصير إذا رأى الشخص في الظلمة وأنه إذا تبينه وتأمله عرفه، وكذلك لو رأى من بعد عهده به أو من كان بعهده أمرًا والتحى فإنه يشتبه عليه اشتباها إذا حقق التأمل زال عنه، وإذا ثبت ذلك صح أن الصوت طريق يميز به بين الأشخاص فقبلت شهادة الأعمى معه. فصل [١ - شهادة الأخرس، والشهادة على الشهادة]: شهادة الأخرس جائزة إذا فهمت إشارته (٣) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٤) لأن الشهادة علم يؤديه الشاهد إلى الحاكم فإذا فهم منه بطريق يفهم من مثله قبلت كالناطق إذا أداها بالصوت، ولأنها معنى يحتاج إلى النطق ليقع الفهم به فإذا تعذر النطق به جاز أن تقوم الإشارة مقامه إذا وقع الفهم بها أصله الإقرار والطلاق. الشهادة على الشهادة جائزة وهو قول كافة الفقهاء (٥) إلا من حكي عنه (٦) منعها (٧)؛ لأن عليًا ﵁ أجازها (٨) ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا خالفه، ولأن الشهادة طريقها الأمانة كالأخبار فإذا جاز النقل في أحدهما فكذلك في الآخر، ولأن شهادة العدل علي شهادة نفسه معنى يسوغ للحاكم الحكم به فجاز أن يشهد به عنده ويحكم به إذا شهد عنده الإقرار.

стр. 1513

فصل [٢ - في جواز الشهادة على الشهادة في الحقوق والحدود كلها]: وتجوز في الحقوق والحدود كلها (١) خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنها لا تجوز في القتل ولا في الحدود (٢) ولأنه حق مشهود به فجاز أن تسمع فيه الشهادة على الشهادة كسائر الحقوق. فصل [٣ - في حكم ما إذا شهد اثنان على شهادة اثنين]: إذا شهد اثنان على شهادة اثنين فإن شهد كل واحد منهما على شهادة كل واحد من الشاهدي الأصل قبلت (٣) الشهادة، وإن شهد واحد على شهادة واحد وآخر لم تقبل (٤) لأن شهادة كل واحد معنى يثبت عند الحاكم فلا يثبت بأقل من اثنين، وقد ذكرنا الخلاف في نقل الشهادة على الشهادة في الزنا وفي كتاب القاضي إلى القاضي بالزنا (٥). فصل [٤ - في كفاية شهادة اثنين على اثنين]: ويكفي أن يشهد اثنان على اثنين، وقال عبد الملك ولا يحوز إلا أن يشهد على الآخر اثنان سوى الاثنين الذين شهدا (٦) على الأول وهو أحد قولي الشافعي (٧)، وإنما قلنا ذلك لأن شهود الفرع نقلوا (٨) عن شهود الأصل والحق يثبت بشهود الأصل فصار الشاهدان كأنهما يشهدان بحقين فلم يحتج إلى غيرهما.

стр. 1514

فصل [٥ - رجوع الشهود عن شهادتهم]: إذا رجع الشهود عن شهادتهم بعد أن شهدوا وقبل حكم الحاكم، قبل رجوعهم ولم يحكم بتلك الشهادة في كل شيء شهدوا به وكذلك إن رجع بعضهم (١) خلافًا لمن قال إنه يحكم ولا يلتفت إلى رجوعهم (٢) لأن الحكم إنما يكون بشهادة يثبت عليها ورجوعهم عنها يجعلهم بمنزلة من لم يشهد فيصير الحكم للثاني من قوليهما دون المرجوع عنه كالحاكم إذا اجتهد ثم بان له الخطأ قبل تنفيذ الحكم. فصل [٦ - رجوع الشهود بعد استيفاء الحكم]: فإن رجعوا بعد استيفاء الحكم لم ينتقض برجوعهم ثم لا يخلو المشهود به أن يكون مالًا أو طلاقا أو قتلًا أو حدًّا، ولا يخلو رجوعهم أن يكون إخبارا عن غلط أو تعمد كذب (٣) فمن شهد بمال فلما حكم به قالا غلطنا في الشهادة لم ينتقض الحكم ولم يرجع على من أخذ المال ويغرمانه للمشهود عليه، وإن رجع أحدهما غرم نصف الحق وقال عبد الملك في الغلط لا يرجع عليهما بشيء. وإن قالا تعمدنا الكذب رجع عليهما بغير خلاف وكذلك لو رجع أحدهما بإكذاب نفسه غرم نصف المال، فإن شهدا بقتل أو قطع ثم رجع أحدهما أو كلاهما بعد الآخر غرمًا الدية إن كان غلط وإن كان عن عمد يقتص (٤) منهما (ويغرمان الدية أيضًا هذا قول ابن القاسم، وقال أشهب يقتص منهما) (٥) في العمد وإن رجع أحدهما فعلى الخلاف الذي ذكرناه.

стр. 1515

وإن شهدا بطلاق ثم رجعا لم يغرما للزوج الصداق، فإن شهدا أنه تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول فاغترمه الحاكم نصف الصداق ثم رجعا غرما النصف الذي غرمه، ولو شهدا على دخوله بزوجته عنده وهو مقر بالنكاح (١) منكر للدخول ثم رجعا عن شهادتهما غرما نصف الصداق، ولو شهدا أنه أعتق عبدا له ثم رجعا عن شهادتهما (٢) غرما قيمته، ولو كانت الشهادة بتنجيز (٣) عتق مكاتب غرما قيمة كتابته أو ما بقي منها فإن شهدا بإعتاق أم ولد فلا غرم عليهما. فصل [٧ - في القول بأن رجوعهم بعد استيفاء الحق لا ينتقض به الحكم]: وإنما قلنا إن رجوعهم بعد استيفائهم (٤) الحق لا ينقض به الحكم خلافًا لمن حكي عنه ذلك (٥) لأن رجوعهم إن كان إكذابًا لهم لأنفسهم فذلك تفسيق منهم لأنفسهم والحكم لا ينقض بقول فاسق وإن كان عن غلط فيجوز أن يكونوا غلطوا في الثاني فلا يقبل قولهم وقد تعلق بالأول حق للمشهود له فلم يجز إبطاله بدعواهم. فصل [٨ - في غرامه ما رجع عليه الشهود]: وإنما قلنا إنهم يغرمون ما أغرم المشهود عليه من المال خلافا لعبد الملك في منعه ذلك بالغلط (٦) لأنهم في العمد مقرون بإتلاف مال غيرهم لأنهم اضطروا الحاكم إلى أن أغرمه ما شهدوا به فلزمهم غرمه، وقلنا ذلك في الغلط لأنهم بإتلافهم كالعمد، وقلنا في رجوع أحدهما أنه يغرم النصف لأن الإتلاف

стр. 1516

لم يكن به وحده ولزم قدر ما أتلف بشهادته كالمشتركين في قتل خطأ يلزم كالواحد منهم من الدية بقسطه وكذلك المخطيء مع العامد يلزم المخطئ نصف الدية. فصل [٩ - في الرجوع عن الشهادة بقتل أو قطع]: وإنما قلنا في الرجوع عن الشهادة بقتل أو قطع أنه إن كان ذلك بغلط غرما الدية لما قدمناه، لا يقتص منهما لأن القصاص لا يكون إلا في العمد المحض. ووجه القول أنه لا يقتص منهما في العمد أن شهادتهما سبب لا مباشرة فلا يجب بها القود، ولأنه غير ملجيء لأن الحاكم قد كان يمكنه أن ينعزل (١) فلا يحكم. ووجه إيجاب القود ما روي عن علي رضوان الله عليه أنه جاءه شاهدان فقالا: نشهد أن هذا سرق فقطعه ثم جاآه بآخر فقالا أوهمنا هو هذا فرد قولهما الثاني، وقال: لو أعلمكما تعمدتما لقطعتكما (٢)، ولم يحفظ خلاف عليه ولأن الشهود إذا كان ظاهرهم العدالة وأدوا الشهادة إلى الحاكم لزمه الحكم بشهادتهم في حقوق الله ولمن (٣) يطلبه إذا ثبت له من الآدميين فقد صار ملجأ بشهادتهما فكان الشاهد (٤) كالمكره لغيره على القتل ويلزمه القود ولا يجب على هذا أن يكون على الحاكم القود كالمكره لأن القاتل مكرها مباشر بما لم يكن له أن يباشره، والحاكم لم يباشر قتلًا محرما وإنما باشر أمرًا أوجبته الشريعة فاقترقا. وإنما قلنا إنهما إذا شهدا بطلاق قبل الدخول أو بعده ثم رجعا فلا غرم عليهما

стр. 1517

خلافًا للشافعي في قوله يرجع عليهما بمهر المثل أو بكمال المهر (١) لأن بالدخول قد استحق عليه المهر كاملا وبالعقد نصفه وإن كان لم يدخل لم يتلفا على الزوج شيئًا بشهادتهما فلا يلزمهما غرم. فصل [١٠ - في رجوع الشهود بالزوجية وبالطلاق]: وإنما قلنا إنهما إذا شهدا بالزوجية وبالطلاق قبل الدخول ثم رجعا فإنهما يغرمان نصف المهر لأنهما قد أتلفاه عليه بشهادتهما فلزمهما غرمه اعتبارًا بشهادة المبتدأة بالمال ويفارق الأول لأن المهر كان مستحقًا عليه بالعقد الثابت. فصل [١١ - في رجوع الشهود بزوجة يقر بنكاحها]: وإنما قلنا إنهما إذا شهد بدخوله بزوجة يقر بنكاحها ثم رجعا فإنهما يغرمان نصف الصداق فلأن ذلك القدر هو الذي أتلفاه بشهادتهما لأن النصف مستحق عليه بالعقد فلم يتلفاه عليه لما قدمناه، والثاني لا يستحق إلا بالدخول والدخول لم يثبت إلا بقولهما فإذا رجعا عن الشهادة فقد اعترفا أنهما أتلفاه عليه فيلزمهما غرمه. فصل [١٢ - في رجوع الشهود بعتق عبده]: وإنما قلنا إنهما إذا شهدا عليه بعتق عبده ثم رجعا أنهما يغرمان قيمته لأنهما أتلفاه عليه فيلزمهما غرم قيمته كما لو شهد عليه بمال لرجل، وقلنا في المكاتب يغرمان الكتابة لأنها المتلفة دون الرقبة، وقلنا في أم الولد لا يغرمان لأنهما لم يتلفا بشهادتهما إلا الاستمتاع ولا قيمة لذلك. فصل [١٣ - إذا حكم بشهادة شهود ثم قامت بينة بعد ذلك بفسقهم]: إذا حكم الحاكم بشهادة شهود ثم قامت بعد الحكم بينه بفسقهم فلا ضمان عليه فيما أتلف بشهادتهم ولو قامت بينه برقهم أو كفرهم ضمن، والفرق أن

стр. 1518

العدالة والفسق طريقهما الاجتهاد وإذا انفرد الحاكم (١) باجتهاد لم ينقض باجتهاد مثله، وليس كذلك الحكم بشهادة العبيد والكفار (٢) لأن ذلك لا اجتهاد فيه إذ لا يخفي الكفر والرق لأنهما خلافه أمر ظاهر فالحكم مع ذلك مقصر في اختبار (٣) حال الشهود فضمن الحاكم بتفريطه. …

стр. 1519

باب [- في الدعوى والبينات] إذا تداعى (١) رجلان شيئًا فالتقسيم يرجع إلى ثلاثة أشياء، أحدها إلى اليد والثاني إلى البينة والثالث إلى صفة الدعوى، فأما حكم اليد فينظر فإن كانت الدعوى متساوية مثل أن يدعي كل واحد جميعه فإن لم يكن في أيديهما وكان في يد من لا يدعيه لنفسه لم يحكم لأحدهما إلا ببينة فإن أقام أحدهما بينه حكم له به، وإن أقام الآخر بينة نظر إلى أعدل البينتين فحكم به فإن تساويا في العدالة (٢) عرضت اليمين عليهما فإن نكل أحدهما حكم للحالف وإن حلفا قسم بينهما وإن نكلا تركا على ما كانا عليه، وإن كان ذلك الشيء في أيديهما فالحكم فيه مثل مالوا لم يكن في أيديهما سواء. وإن كان في يد أحدهما فهو أولى به من المدعى الذي لا يد معه فيحكم له به مع اليمين، فإن نكل حلف المدعي وحكم له به وإن نكل أقر على (٣) يد من هو في يده فإن أقام المدعي بينة فالبينة أولى من اليد .. وإن أقام صاحب اليد بينه حكم بأعدل البينتين فإن تساويا سقطتا وكان صاحب اليد أولى، وسواء كانت الدعوى في ملك مطلق غير مضاف إلى سبب (أو في مضاف إلى سبب) (٤) يتكرر أو لا يتكرر فالمطلق أن يقيم بينة بأن (هذا العبد ملكه وأن) (٥) هذا الشيء له هكذا مطلقا، وغير المطلق هو المضاف إلى سبب

стр. 1520

وهو أن يبين سبب الملك مثل أن يقيم بينة بأن هذا العبد ملكه ولد في ملكه وأن هذه الدابة نتجت في ملكه وأن هذا الثوب ملكه (١) نسج في ملكه، ثم هذا السبب على ضربين متكرر يمكن أن يتكرر في الملك مثل الغراس إذا قال كل واحد منهما غرسته في ملكي فهذا يمكن أن يتكرر بأن يغرس دفعتين وكذلك نسج الثوب الخز على ما يقوله أهل صنعته يمكن أن ينسج دفعتين، ومنه ما لا يمكن تكراره كالولادة والنتاج ونسج لثوب القطن. وأما التقسيم على البينة فهو أن يقال إذا تداعى رجلان شيئًا فلا يخلو أن يكون مع كل واحد بينة أو لا بينة أو مع أحدهما أو أن تكون البينة مع أحدهما ولا بينة مع الآخر فإن أقام كل واحد منهما بينة نظر إلى أعدلهما فحكم به، وإن تساويا عرضت الأيمان عليهما فإن حلفا حكم به لصاحب اليد (منهما أو قسم بينهما إن لم يكن يدا وكان في أيديهما، وإن لم تكن مع أحد منهما بينة عرضت الأيمان عليهما فإن حلفا قسم بينهما، (وإن كان مع أحد منهما يد كان لصاحب اليد) (٢)، وإن كان مع أحدهما بينة ولا بينة مع الآخر حكم به لصاحب البينة سواء كان صاحب اليد أو الخارج إلا أن صاحب اليد لا يكلف بينة ابتداء لأن اليد مغنيه عنها) (٣). وأما التقسيم (٤) على صفة الدعوه لا يخلو أن تكون الدعوى متساوية أو مختلفة (٥): فإن كانت متساوية فالحكم على ما ذكرنا، وإن كانت مختلفة مثل ثوب أو كيس (٦) يدعي أحدهما جميعه ويدعي الآخر نصفه، أو يكون بين ثلاثة يدعي أحدهم كله والآخر نصفه ويدعي الثالث ثلثه فإن تقسيم اليد والبينة

стр. 1521

على ما قدمناه لا يخلو أن يكون في أيديهم أو في يد غيرهم ممن لا يدعيه لنفسه أو في يد أحدهم، ثم لا يخلو أن يكون مع أحدهم بينة أو أن يكون مع كل واحد منهم بينة: فإن كان مع أحدهم بينه حكم له به كان في يده أو في أيديهم أو في غيرهم، وإن كان مع كل واحد منهم بينة حكم بأعدلها أو لا بينة لهم جميعًا عرضت الأيمان عليهم ثم قسم بينهم، فإن لم يكن في أيديهم قسم على موجب دعواهم، وإن كان في أيديهم فاختلف في ذلك على وجهين: أحدهما أنه يقسم على عددهم والآخر على موجب دعواهم على ما نبينه من بعد ونحن نتكلم على تفصيل الجملة (١) وموضع الخلاف منها. فصل [١ - أدلة الحكم فيما إذا لم يكن الشيء المدعى عليه في أيديهما أو كان في يد من لا يدعيه]: وإنما قلنا إنه إذا لم يكن الشيء المدعى عليه في أيديهما أو كان في يد من لا يدعيه لنفسه أو لم يكن في يد أحد فإنه لا يحكم به لأحدهما إلا ببينة لقوله ﷺ : "لو أعطي الناس بدعاويهم لادعى قوم دم قوم وأموالهم" (٢)، وقال للمدعي "شاهداك أو يمينه" (٣)، ولأنهما متساويان في الدعوى لا يرجع أحدهما على الآخر فلم يكن أولى منه. فصل [٢ - في الحكم لمن أقام البينة منهما]: وإنما قلنا إن من أقام البينة منهما حكم له به لقوله ﷺ "البينة على

стр. 1522

المدعي" (١)، وقوله "شاهداك أو يمينه" (٢) ولأنه قد أتى بالسبب الدال على صدقه فيما ادعاه فوجب الحكم به له، وإنما قلنا إن الآخر إذا أتى ببينة نظر إلى أعدلهما فرجحت على الأخرى، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما إن الزيادة في العدالة لا يقع بها ترجيح (٣)، لأن الشهادة تقف صحتها على العدالة وهي مبنية (٤) على الاجتهاد فكانت الزيادة فيها مطلوبة لأنها أبلغ في التوثيق وأقرب إلى صحة ما يشهد به، ولأن الشهادة أقوى من الخبر لأنه نص فيها على العدد فلم يقبل فيها قول العبد ولا المرأة بانفرادهما وفي الخبر لم ينص على عدد ولم يمنع في العبد ولا المرأة، ثم كانت صفة العدالة يقع بها الترجيح في الخبر فمن كان (أعدل وأوثق كان) (٥) أولى بأن يصار إلى خبره كان في الشهادة أولى ولا يلزم على ما قلناه زيادة لأنه منصوص عليه فأغنى عن الاجتهاد. فصل [٣ - إذا تساويا في الشهادة]: وإنما قلنا إذا تساويا في العدالة سقطتا لأن إحداهما ليست بأولى من الأخرى فكانا كمن لا بينة معهما، وإنما قلنا تعرض الأيمان عليهما فلأن اليمين أحد الحجج للمدعي، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر حكم به للحالف لأنه قد ساوى صاحبه بالبينة وزاد عليه باليمين فكان أرجح منه، وإن حلفا قسم بينهما لأن التقادم إذا وجد لم يكن أحدهما أولى من الآخر لتساويهما فيما يقتضي الحكم به لمن يثبت له فلم يبق إلا ما قلناه، وقد قال مالك إلا أن يكون ذلك

стр. 1523

الشيء شيئًا (١) مما يرى الإِمام أن يقف الحكم فيه فلا يقسم بينهما والنظر هو الأول، وإنما قلنا إنهما إذا نكلا تركا على ما كانا عليه فلأن تساوي (٢) البينتين يمنع الحكم مع إحداهما، وإنما عرضنا الأيمان عليهما ليرجع أحدهما فيحكم له فأما إذا لم يوجد ذلك فقد أضعفا دعواهما فتركا على ما كان عليه. فصل [٤ - إذا كان الشيء المدعى في أيديهما]: وإنما قلنا إن الشيء المدعى إذا كان في أيديهما فالحكم فيه مثل ما قدمناه فإنه لا رجحان لأحدهما على الآخر لأن اليد وإن كان الترجيح يقع بها لمن (٣) حصلت له فقد تساويا فيها فكان كتساويهما في البينة. فصل [٥ - إذا كان الشيء المدعى في يد أحدهما]: وإنما قلنا إن كان في يد أحدهما كان أولى من المدعي الذي لا بينه له مع يمينه لأن اليد ظاهرها يدل على الملك فقد حصل أقوى سبب من المدعي فكانت البينة على الخارج. وإنما كانت اليمين على صاحب اليد لأنَّه مدعى عليه وقد قال ﷺ "اليمين على المدعى عليه" (٤)، ولأنه أقوى سببا باليد والحيازة واليمين تكون في جنبه أقوى المتداعين سببا، وإنما لم يحكم له بمجرد اليد دون اليمين لأن السبب الواحد لا يحكم به دون أن ينضاف إليه غيره كالشاهد الواحد. فصل [٦ - إذا نكل المدعى عليه]: وإنما قلنا إنه إذا نكل انتقلت اليمين (إلى جنبة المدعى لأن سببه قد ضعف بنكوله فصار المدعى أقوى سببا منه فانتقلت اليمين إلى جهته) (٥) كما أن

стр. 1524

المدعى عليه يكون اليمين في جنبته لقوه سببه ببراءة الذمة في الأصل وإذا كان مع المدعي شاهد انتقلت اليمين إليه لقوة سببه. إنما قلنا إنه إذا حلف المدعي حكم له به لأنه قد اجتمع له سببان يمينه ونكول خصمه وذلك مؤثر في الحكم، وإنما قلنا إنه إذا نكل أقر صاحب اليد لأن نكوله (١) أضعف دعواه وصار كأنهما لم يتأتيا بشيء ورجح الآخر عليه باليد. فصل [٧ - إذا كان للمدعي بينة]: إنما قلنا إذا كان للمدعي بينة كانت أولى من اليد لأنها أرجح منها لأن البينة تشهد بما لا تشهد به اليد لأن اليد مبهمة (٢)، والبينة مفسرة، وإنما يحكم لليد بالظاهر ولقوله ﷺ : "البينة على المدعي" (٣) ولم يفرق، وفائدة ذلك أنه إذا أقامها حكم له بها. وإنما قلنا إن صاحب اليد إذا أقام بينة رجح بأعدل البينتين لما بيناه أن الغرض بالبينة العدالة والحكم بها موقوف على حصولها فوجب الترجيح بالزيادة فيها. فصل [٨ - إذا تساوى المدعيان]: وإنما قلنا إنهما إذا تساويا حصل التهاتر وحكم به لصاحب اليد خلافًا لأبي حنيفة في قوله أن بينة الخارج أولى إذا كانت في مال مطلق أو مضاف إلى سبب يتكرر (٤) لما روي أن رجلين تداعيا عند النبي ﷺ بعيرا فجاء هذا ببينة فقضى به

стр. 1525

لمن هو في يده (١)، ولأنها متداعيان يتساويا في إقامة البينة وانفراد أحدهما باليد فوجب أن تقدم بينته لأجل اليد أصله الدعوى في الملك المضاف إلى سبب لا يتكرر كالولادة والنتاج (٢)، ولأن كل واحد منهما مساو لصاحبه في الدعوى قبل البينة إلا أن صاحب اليد أقوى وأرجح بثبوت يده على الشيء المدعي فلما انفرد بذلك قوي أمره فقدم على المدعي لرجحانه باليد، وهذه حالهما بعد البينة لأنهما قد تساويا فيها وسقطتا وصار كأنهما لم يكونا فانفرد صاحب اليد بيده كما كان قبل البينة، وإنما عرضنا الأيمان عليهما بعد تهاتر البينتين اعتبارًا بحال الابتداء. فصل [٩ - الاختلاف في الدعوى]: فأما اختلاف الدعوى مثل أن يتداعى رجلان ثوبا أو كبشًا (٣) وهو بأيديهما يدعي أحدهما الكل والآخر النصف أو ثلاثة ويدعى الثالث الثلث فقد ذكرنا أن أصحابنا يختلفون في كيفية قسمته بينهم فمنهم من يقول تقسم بينهم على عدد المدعين (٤) بالتسوية ومنهم من يقول يقسم بينهم على صفة اختلاف الدعوى. وصورة القول الأول أن يتداعى رجلان كبشًا أو ثوبًا وهو بأيديهما يدعي أحدهما الكل والآخر النصف فيكون بينهما نصفين وكذلك إن ادعاه ثلاثة يدعى الثالث الثلث يكون بينهم أثلاثا، وصورة الحكم على موجب الاختلاف في الدعوى في المسألة الأولى أن يحكم لمدعي الكل بثلاثة أرباع المدعى ولمدعي النصف بربعه فيقسم بينهم على أربعة أسهم.

стр. 1526

وفي المسألة الثانية إذا ادعى أحدهم الكل والثاني النصف والثالث الثلث يقسم بينهم على ستة وثلاثين جزءًا (١) منها لمدعي الكل خمسة وعشرون ولمدعي النصف سبعة ولمدعي الثلث أربعة أسهم، واحتج من ذهب إلى القول الأول بأنهم متساوون (٢) في أسباب الحكم والترجيح لأنهم قد تساووا في اليمين وفي الحيازة لأن مدعي الأكثر مساو لمدعي الأقل في اليد، وإنما يزيد عليه بالدعوى وذلك لا يوجب زيادة في الحيازة، وإذا لم يكن معهم ما يرجح به أحدهم على الآخر وجب تساويهم في القسم فأما إذا لم يكن في أيديهما فعلى موجب الاختلاف. واحتج من ذهب إلى القول الثاني بأن قال إذا ادعى أحدهما الكل وادعى الآخر النصف فمدعي النصف مقر بأنه لا حق له في النصف الآخر فصار النصف الذي يدعيه كان كمدعي الكل قد حازه وليس أحد يخاصمه فيه فيكون له ويصير التداعي في النصف الباقي فيقسم بينهما لتساويهما في حيازته، وكذلك في المسألة الثانية يقال لمدعي النصف ومدعي الثلث أنتما مقران بأن بالنصف الباقي لا حق لكما فيه فسلماه إلى مدعيه إذ لا خصومة بينكما وبينه فيه فيصير النصف لمدعي الكل (ويحصل التداعي بين مدعي النصف ومدعي الثلث) (٣) فيقال لمدعي الثلث أنت معترف بأن السدس الزائد على الثلث لا حق لك فيه فسلمه إلى من يدعيه فيصير بين مدعي الكل وبين مدعي النصف وأيديهما متساوية فيه فيقسم بينهما نصفين فيصير لمدعي الكل سبعة أسهم من اثنى عشر سهما ولمدعي سهم من اثنى عشر بهما ثم يبقى الثلث وهم يتداعونه بالسوية وأيديهم عليه متساوية فيقسم بينهم على موجب دعواهم بالسوية فيكون لكل واحد سهم وثلث (فيصير لمدعي الكل ثمانية وثلث من اثنى عشر سهمًا ويصير لمدعي النصف سهمان وثلث من اثني عشر سهمًا، ولمدعي الثلث سهم وثلث) (٤) فيضرب في مخرج

стр. 1527

الكسر لتسلم السهام فيكون سته وثلاثين وكذلك الاعتبار في اختلاف التداعي في الأنصباء. ومن أصحابنا من يقول في التداعي إذا اختلف ما يدعيه كل واحد منهما أنهما إذا أجمعت الدعاوى فكانت زيادة على المال كالعول قسم بينهم على موجب العول فضم الدعوتين ثم ينظر إلى ما اجتمع بيده فجعل النصاب الذي يقسم عليه وهذا على القول بأن القسم موجب الدعوى وبيانه: إذا تداعى رجلان ثوبًا وادعى أحدهما جميعه والآخر نصفه يكون كأن المسألة عالت بالنصف فيكون من ثلاثة لمدعي الكل الثلثان ولمدعي النصف الثلث. (وإذا ادعى أحدهما الكل والآخر النصف والآخر الثلث) (١): قسم المدعي بينهم على أحد عشر سهما لمدعي الكل ستة، ولمدعي النصف ثلاثة، ولمدعى الثلث اثنان قال: لأنهم إذا تساووا في اليد وضاق المال على الدعاوى لم يكن أحدهم بأولى من الآخر فيجب أن يتساووا في النقص (٢). فصل [١٠ - إذا تداعيا ثوبًا بأيديهما]: ولو تداعيا ثوبًا بأيديهما فقال أحدهما: لي نصفه، والنصف الثاني لزيد، وقال الآخر لي نصفه، ونصفه لزيد ولا شيء لك فيه: قسم بينهما لأن كل واحد منهما يقر للغائب بنصيب الآخر الذي قد حازه فلا يكون للمقر له شيء (٣). فصل [١١ - فيمن ادعى تزوج امرأة تزويجا صحيحا]: إذا ادعى أنه تزوج امرأة تزويجًا صحيحًا سمعت دعواه ولم يكلف أن يذكر شرائط النكاح (٤) خلافًا لأحد قولي الشافعي في قوله إن الدعوى لا تسمع إلا

стр. 1528

بأن يذكر شروط الصحة فيقول تزوجتها بولي وشهود عدول بإذنها إن كانت ممن تستأذن (١)، ودليلنا أنه دعوى عقد صحيح فوجب استماعها أصله إذا ذكر (٢) شروط صحتها، ولأنه عقد معاوضة فوجب أن يسمع الدعوى فيه على الصحة مجملة من غير اعتبار بذكر شروط الصحة أصله البيع. فصل [١٢ - إقرار أحد الابنين بمن ادعى دينا على أبيهم الميت]: إذا مات رجل وترك ابنين فادعى رجل على الميت دينا فأقر له أحدهما فإن كان ممن تقبل (٣) شهادته (وشهد له به حلف المدعي واستحق جميع الدعوى وإن كان ممن لا) (٤) تقبل شهادته ولكنه لم يكن يشهد لزمه نصف ما اعترف له به وهو مقدار ما كان نصيبه لو اعترف الابن الآخر أو قامت له بينة (٥) وقال أبو حنيفة يلزم المقر الإرث في حصته (٦). وإنما قلنا إنه إن شهد به لزم مع اليمين جميع الدعوى لأنها دعوى مال فقبل فيها الشاهد مع اليمين كسائر الدعاوي، وإنما قلنا إن شهادة الابن مقبولة لأن شهادة الأخ على أخيه مقبولة فيما يتعلق بدفع معرة عن الشاهد أو الأخ، ولأن التهمة عنه زائلة في ذلك، وإنما قلنا إنه يلزمه بإقراره لأنه مقر بأن غيره يستحق ما لا في يده فلزمه دفعه إليه. وإنما قلنا إنه لا يلزم الآخر شيء بإقرار أخيه لأن إقرار الإنسان (٧) على غيره غير مقبول، وإنما قلنا لا يلزم المقر أكثر من قدر ما كان يلزمه لو أقر الآخر لأن

стр. 1529

إقراره عليه وعلى أخيه فلم يلزم ظلم غيره، ولأنه معنى يستحق في المال مقدم على الميراث فوجب إذا اعترف به بعض الورثة أن تلزمه في حصته دون حصة من لم يعرف أصله الوصية. فصل [١٣ - اختلاف الزوجين في متاع البيت]: إذا اختلف الزوجان في متاع البيت فادعى كل واحد منهما أنه له ولا بينة لهما ولا لأحدهما نظر: فإن كان من متاع النساء فهو للمرأة مع يمينها، وإن كان من متاع الرجال فهو للرجل مع يمينه، وقال سحنون ما يعرف لأحدهما فهو له بغير يمين وما كان يصلح لهما جميعًا فهو للرجل مع يمينه، وقال المغيرة هو بينهما بعد أيمانهما وسواء كان اختلافهما قبل الطلاق أو بعده كانت الدار بينهما أو لأحدهما أو بكراء كان الاختلاف منهما أو ورثتهما أو من ورثة أحدهما مع حياة الآخر كانا حرين أو عبدين أو إحداهما كانت الزوجة مسلمة أو ذمية. والمتاع الذي يصلح للنساء كالحلي وثياب النساء والغزل والجهاز والمتاع والذي يصلح للرجل كالسيف والدرع والرمح وسائر السلاح وثياب الرجل وكتب العلم والأدب، والذي يصلح لهما جميعًا كالدراهم والدنانير وغير ذلك مما لا يختص في العرف بأحدهما سواء كانت أيديهما عليه شاهدة مثل أن يكونا قابضين عليه حكما مثل خشب موضوعة في الدار (١). ووافقنا أبو حنيفة في ذلك كله إلا في الذي يصلح لهما فإنه فرق في ذلك بين الرجل إذا كان حيا أو ميتا فقال: إن كان حيا فهو له وإن كان ميتا فهو للمرأة (٢)، وقال الشافعي من أقام البينة علي شيء فهو له وإلا كان بينهما بعد أيمانهما (٣).

стр. 1530

فصل [١٤ - في أن ما يصلح لأحدهما يكون له]: وإنما قلنا إن ما يصلح لأحدهما يكون له لأن اليد لما كانت مؤثرة في الملك ودلت عليه بدليل أن من ادعى عمامة على رأس رجل فإن القول قول من هي عليه، وقد ثبت أن لكل واحد من الزوجين يدا في الدار بدليل أن أجنبيًّا لو أدعى بعض ما فيه فتنازعاه أو أحدهما فيكون القول قوله دون الأجنبي فوجب إذا تنازعا أن يعتبر أظهرهما في الدعوى ومن يشهد له العرف بقوة دعواه وقد ثبت أن اليد تتفاضل فيكون بعضها أقوى من بعض كالراكب والممسك باللجام، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون أقوى اليدين أولاهما بالمدعى لشهادة العرف له. ولا يلزم عليه الدباغ والعطار إذا تنازعا فادعى الدباغ المسك وادعى العطار الجلود لأن أيديهما غير متساوية وقد ورد الظاهر والسنة بما قلناه وهو قوله تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾ (١)، وقوله في قصة يوسف ﵇ (٢) ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت﴾ (٣) فجعل قوة دعوى كل واحد منهما على ما يشهد عليه الغالب فكذلك في مسألتنا الغالب والعرف أن النساء يتخذن ما يصلح لهن والرجال يتخذون ما يصلح لهم وإذا صح ذلك ثبت ما قلناه، وروي أن رجلان تنازعا في خص (٤) فحكم به لصاحب القمط (٥) (٦) وهو يؤيد ما نقوله من الحكم بالأشبه في الدعاوى. فصل [¬*] [١٦ - الحكم فيما كان يصلح لهما]: ووجه قوله إنه يحكم به لمن يصلح بيمينه أن الحكم في الأصول لا يكون إلا

стр. 1531

بشيئين فلم يجز الحكم له بمجرد العرف لأن ذلك حكم بسبب واحد، ووجه قول سحنون إنه له بغير يمين أن يده والعرف الشاهد له سببان فلم يحتج إلى يمينه. ووجه قول مالك إن ما كان لهما كان للرجل أن جنبته (١) أرجح لأن البيت له وهي متابعة له فيه والظاهر ما يكون في بيت الرجل له إلا ما يشهد العرف أن الأغلب كونه للمرأة. وإنما شرطنا اليمين ليحصل له سببان يحكم له بهما، ووجه قول المغيرة أنه بينهما وأن أيديهما متساوية ولا شبهة فيحكم به، والبيت منسوب إليهما لا إلى الرجل وحده فلم يبق إلا أن يكون بينهما بعد (٢) أيمانهما كالمتداعيين شيئًا بأيديهما. فصل [١٧ - في عدم التفريق إذا كان الزوجان حرين أو عبدين]: وإنما لم يفرق بين أن يكونا حرين أو عبدين وسائر ما ذكرناه لأن كل ذلك لا يؤثر في الدعوى بقوة ولا ضعف ولا شبهة فلذلك استوى الحكم في جميعه وإنما لم نفرق بين الحياة والموت لأن الورثة يقومون مقام مورثهم على سبيل ما كان له أن يفعل ألا ترى أنه لو اشترى بالخيار لم يكن لهم أن يفرقوا المبيع على البائع وكان لهم اختيار الجميع أو رده وكذلك ها هنا. فصل [١٨ - إذا مات رجل وعليه دين وله دين فيه شاهد واحد]: إذا مات رجل وعليه دين وله دين فيه شاهد واحد فللورثة أن يحلفوا مع الشاهد ويستحقوا الدين، فإذا حلفوا وأخذوا المال قضي منه الدين ثم أخذوا (الباقي ميراثا فإن لم يفضل شيء فهم مخيرون إن شاءوا حلفوا مع الشاهد ويستحقون الدين فإذا حلفوا أخذوا المال فقضوا منه الدين ثم أخذوا) (٣) فضلا

стр. 1532

إن كان وإن شاءوا لم يحلفوا وليس للغرماء إجبارهم على اليمين فإن لم يحلفوا حلف الغرماء واستحقوا الدين في ديونهم فإن كان فيه فضل عن ديونهم لم يستحقه الورثة فإن أرادوا من بعد أن يحلفوا لم يكن لهم ذلك إلا أن يكون لامتناعهم أولا وجه مثل أن يقولوا لم نعلم أنه يفضل منه شيء وكنا نرى أن الدين يستغرقه فيكون لهم أن يحلفوا (ويستحقوا الباقي، وإن كان امتناعهم على وجه النكول والترك لم يكن لهم أن يحلفوا من بعد، وكذلك) (١) لو ادعى إنسان على الورثة أن ميتهم أوصى له بمال وأقام على ذلك شاهدا واحدا فله أن يحلف معه فإن نكل الوارث أو مدعي الوصية للورثة وبرأ وحلف الورثة لمدعي الوصية وبرؤوا من نكل منهم لزمه ما يدعي عليه مع الشاهد، ويقيم الورثة الذين بقدر مواريثهم والموصى لهم يقسمون على حسب ما يدعى من الوصية، وإن حلف بعضهم ونكل بعضهم فلمن حلف نصيبه من الدين أو الوصية ولا شيء لمن لم يحلف، ولا يشارك الحالف في قسطه ولكن يعرض اليمين على المدعى عليه ويكون الحكم على ما بيناه (٢). فصل [١٩ - في حلف الورثة مع شاهد ميتهم]: وإنما قلنا إن للورثة أن يحلفوا مع شاهد ميتهم لأنهم يقومون مقام (الموروث في حقوق الإرث فلما كان للميت لو كان باقيا أن يحلف مع شاهده كان ذلك) (٣) للورثة بعده، وإنما قلنا إنهم إذا أخذوا المال بالشاهد وأيمانهم قضوا منه الدين ثم ورثوا الباقي لأن الدين مقدم على الميراث (٤) لقوله تعالى ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ (٥) فإذا قضوا استحقوا الباقي لوجوبه لهم …

стр. 1533

وإنما قلنا إنه إذا كان الدين مستغرقًا للتركة فلا شيء للورثة لأن الإرث بعد الدين (١) فإذا تزاحما فالدين مقدم عليه، وإنما قلنا أن لهم أن يحلفوا مع استغراق الدين للإرث ولا يضرهم أن يستحق المال غيرهم لأن الحق في التقديم لهم لأنهم يقومون مقام الميت، ولأنهم لو أدوا الدين من غير التركة لكان ذلك لهم ولم يكن للغرماء الاعتراض عليهم. وإنما قلنا إنهم مخيرون لأن الحق في ذلك لهم فإن شاءوا أخذوه وإن شاءوا تركوه، وإنما قلنا أنه ليس للغرماء إجبارهم على الحلف لأنهم يقولون لا فائدة لنا في اليمين على ما إذا استحق لم يكن لنا فيه حظ وكذلك إن كان فيه فضل فلهم أن يقولوا لسنا نختار أن نأخذ بيمين فيكون ذلك لهم. وإنما قلنا إن للغرماء أن يحلفوا إذا نكل الورثة خلافًا للشافعي في قوله ليس لهم ذلك (٢)؛ لأن الدين حق متعلق بالتركة (٣) فجاز لمستحقه أن يحلف مع شاهد الميت أصله حق الإرث، وإنما قلنا إنه إن كان فيه فضل عن ديونهم لهم يستحقه الورثة لأن الإنسان لا يستحق بيمين غيره شيئًا إذا كان ممن له أن يحلف، وإنما قلنا إن لهم أن يحلفوا ويستحقوا الفضل لأنهم يستحقون ما يتركه الميت فكان لهم أن يحلفوا عليه وليس امتناعهم أولا من اليمين بمانع لهم الآن منها لأنهم يقولون لم نر أن نحلف على ما يأخذه غيرنا، فأما إذا فضل ما ناخذه فإنا نحلف عليه وهذا عذر مسوغ (٤)، وإنما يمنع أن يحلفوا بعد ترك اليمين لأن نكولهم قد أسقط حقهم، وإنما قلنا إن للمدعي له أن يحلف مع شاهده لأنه يستحق من تركة الميت وما وصى له به، فإن لم يحلف فقد تقدم بيان النكول ورد اليمين وكذلك باقي المسألة.

стр. 1534

فصل [٢٠ - في الدعوى التي لا يجب فيها اليمين على المدعى عليه بمجرد الدعوى]: كل دعوى لا يقبل فيها شاهد وامرأتان ولا شاهد ونكول ولا يقبل فيه إلا شاهدان فلا يجب اليمين فيها على المدعى عليه بمجرد الدعوى، وذلك مثل دعوى النكاح والرجعة والطلاق وقتل العمد وما أشبه ذلك، فإذا ادعى رجل على امرأة أنها زوجته أو امرأة على رجل أنه زوجها أو أنه طلقها فلا يمين على المنكر منهما بمجرد الدعوى (وذلك مثل دعوى الناكح) (١) فإن أقام المدعي شاهدا واحدا حلفا المدعى عليه وإن نكل ففيها روايتان: إحداهما أنه يحكم عليه، والأخرى أنه يحبس حتى يحلف فإن طال حبسه خلي، واليمين على هذه الرواية استظهارا واحتياطا (٢). وإذا قلنا إنه لا يحلف بمجرد الدعوى فلا يتصور على هذا رد اليمين على المدعي لأن ذلك لا يكون إلا بنكول المدعى عليه، والنكول لا يكون بعد توجه اليمين إليه، وعند الشافعي في هذه المسائل أن اليمين تلزم المدعى عليه فإن نكل ردت على المدعي فإن حلف حكم له (٣)، فدليلنا على أن اليمين لا تلزم ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "إذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها لم يحلف بدعواها إلا أن تأتي بشاهد فإن كان معها شاهد حلف" (٤) وهذا نص، ولأن ذلك ذريعة إلى امتهان النساء بالأزواج فلا تشأ

стр. 1535

امرأة أن تؤذي زوجها إلا ادعت عليه الطلاق لتحلفه وذلك إضرار بالناس فيجب منعه على ما بيناه من الذرائع، ولا يلزم عليه دعوى الأموال لأنها أخفض رتبة والإجماع على خروجها عن حكم هذا الأصل. فصل [٢١ - الدليل على أن اليمين لا ترد فيما لا يقبل فيه إلا شاهدين]: ودليلنا أن اليمين لا ترد فيما لا تقبل فيه إلا شاهدين أنا وجدنا الشاهد والمرأتين أقوى من اليمين والنكول لأن النكول من غير جنبة المدعى، ولأنه لا يحتاج إليهم (١) مع المرأتين، وإذا ثبت ذلك كان الطلاق والنكاح لا يحكم فيه بشاهد والمرأتين كان بأن لا يحكم فيه الشاهد والنكول وبالنكول واليمين أولى. فصل [٢٢ - إذا كانت له بينة وعدل عنها إلى يمين المدعى عليه]: إذا كان له بينة حاضرة وكان عالمًا بها قادرًا على إقامتها فعدل عنها إلى يمين المدعى عليه ثم أراد إقامتها من بعد ففيها روايتان (٢): إحداهما أن ذلك له والأخرى أنه ليس له ذلك. فوجه الأولى أنها حال لو أقر فيها المدعى عليه لثبت الحق عليه فوجب إذا أقام فيها المدعي البينة أن يكون له ذلك أصله قبل أن يحلف، ولأنها بينة لو أراد إقامتها قبل اليمين لكان له ذلك فوجب ألا يقطعها اليمين أصله إذا كانت غائبة أو كان لا يعلم بها، ووجه الثانية قوله ﷺ "شاهداك أو يمينه (٣) فجعل له أحدهما إذا استوفاه لم يكن له الآخر، ولأنه لو قال للحاكم أريد أن محمع لي بين الأمرين بين يمينه وبينتي لم يكن له ذلك فدل على ما قلناه، ولأن عدوله إلى اليمين مع قدرته على البينة رضا بها فلم يكن له نقض موجبها كما لو صالح ثم أراد الرجوع في الصلح.

стр. 1536

فصل [٢٣ - في يمين الإنسان علي فعل نفسه وعلى فعل غيره]: يمين الإنسان على فعل نفسه يكون على القطع وعلى فعل غيره يكون على العلم مثل أن يدعي على رجل مالا فيقر له به ويزعم أنه قضاه أباه فيحلف أنه ما قضاه قطعا، ولو أدعى أن لأبيه عليه مالا وأنه ورثه عنه فزعم المدعى عليه أنه قد قضاه إياه حلف على العلم أنه لا يعلم أباه اقتضى منه شيئًا، والفرق بينهما أنه يقدر على العلم باقتضائه نفسه ولا يصل إلى العلم باقتضاء أبيه والصغير يحلف مع شاهد أبيه على إثبات الحق إذا بلغ، ولو كان للميت شاهد بحق له ولد صغير سمع الحاكم شهادة شاهده ثم عرض اليمين على المدعى عليه فإن حلف لم يسقط الدعوى عنه ويؤخر إلى أن يبلغ الصبي فيحلف ويأخذ (١)، وإنما عرضنا اليمين على المدعى عليه لجواز أن ينكل فيثبت الحق ولا يحتاج إلى انتظار بلوغ الصبي (٢) فلما لم ينكل كان الحق باقيا للصبي. فصل [٢٤ - فيمن كانت له دار يتصرف فيها مدة عشر سنين فأكثر ثم جاء من يدعيها … ]: إذا كانت في يد رجل دار جائز لها يتصرف فيها مدة عشر سنين فأكثر بالبناء والهدم والإجارة والعمارة ينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه وإنسان يراه ويشاهده طول هذه المدة ولا يعارضه فيها ولا يذكر أن له فيها حقا ولا مانعًا يمنعه مطالبته من خوف سلطان أو ما أشبه ذلك من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق ولا بينه وبين المتصرف في الدار قرابة أو شركة في ميراث أو ما أشبهه مما يتسامح به القرابات والصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه بل كان عريًا من ذلك أجمع، ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه ويزعم أنها له ويقيم بينة بذلك فعندنا أن بينته غير مسموعة ويكون صاحب اليد أولى بها (٣).

стр. 1537

وإنما قلنا ذلك لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها غير مقبولة لقوله تعالى ﴿وأمر بالعرف﴾ (١)، وأوجب الرجوع إليه عند الاختلاف (٢) في الدعاوي كالنقد والحمولة والسير وغير ذلك وفي الأبنية ومعاقيد القمط ووضع الجذوع على الحائط فكذلك في هذا الموضوع، وقد علمنا أن الإنسان في العادة إذا كان له ملك يراه في يد غيره يتصرف فيه تصرف ذي الملك التام بالهدم (٣) والبناء والعمارة والإجارة والرهن وغير ذلك وينسبه إلى ملكه وهذا حاضر يراه ويشاهده ولا ينازعه ولا يدعي معه شيئًا ولا مانع يمنعه من مطالبته ولا يذكر أنه ملكه ولا يعارض فيه بل ساكت ثم يأتي بعد سنين طويلة ومدة بعيدة فزعم أنه ملكه ويقيم البينة على ذلك فإن ذلك خلاف العادة لأن الإنسان لا يسكت (٤) على ما يجري هذا المجرى ولذلك قلنا إنه إن كان غائبًا سمعت بينته لأنه لا عرف يكذب قوله وكذلك إذا كانت في يد سلطان يخافه إن أقام البينة. وإنما قلنا: إن الحيازة من الأقارب لا تمنع الدعوى كجري العادة بإبساط بعضهم في إضافة الملك المشترك إليه وترك تشاحيهم فيها وإنما تبقى (٥) مدة طويلة غير مقسومة بل على شركة المواريث المتداولة ففارقوا الأجانب. فصل [٢٥ - التغليظ في الأيمان]: التغليظ في الأيمان عندنا بالمكان والزمان (٦) خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا يغلظ في المكان (٧) لقوله في ﷺ "من حلف على منبري هذا على يمين كاذبة ولو

стр. 1538

على سواك من أراك فقد تبوأ مقعده من النار" (١)، ولأن أبا بكر وعمر رضوان الله عليهما استحلفا عند المنبر (٢)، وروي أن عمر ﵁ طولب بذلك في يمين توجهت عليه فافتدى ولم يحلف (٣)، وروي عن علي ﵁ أنه قال لرجل -أحلف بالطلاق فقال لامرأته: حبلك على غاربك- تحلف بالله عند المنبر لما أردت الطلاق (٤)، ونحوه عن ابن عباس (٥) فدل على أنه إجماع، ولأن اليمين تراد لزجر وردع وليتخرج الحالف ويمتنع من الإقدام على يمين إن كان مبطلا بها ويخرج من حق إن كان، وقد ثبت أن الحلف في المواضع التي تعظم وتشرف أبلغ في الردع وأوقع في الزجر من الحلف في غيرها فوجب أن يكون أولى. إذا ثبت هذا فالمواضع في البلد الذي يكون فيه الخصومة: ففي المدينة عند منبر رسول الله ﷺ لأنه أشرف المواضع بها، وللخبر الذي رويناه، وفي سائر البلاد في أشرف البقاع بها وأعظمها حرمة وذلك في المسجد الجامع أو غيره مما يشرف به ويعظم، وتغلظ على اليهود والنصارى فيحلف اليهودي في كنيسته والنصراني في بيعته لأن هذه المواضع هي أعظم مواضعهم عندهم، ولأن التغليظ بذلك إنما الغرض به الردع والزجر فهي في المواضع التي يعتقدون تعظيمها أبلغ فيما يراد.

стр. 1539

فصل [٢٦ - الحقوق التي تغلظ فيها الأيمان]: فأما الحقوق التي تغلظ فيها فينظر فإن كانت الدعوى في غير المال مثل الدماء والطلاق والعتاق وما أشبه ذلك فإن اليمين (١) تغلظ في ذلك كله، وإن كانت الدعوى في مال فلا تغلظ فيه عن المنبر في التافه اليسير وهو ما دون ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الورق وتغلظ في ربع دينار وفي ثلاثة دراهم فصاعدا (٢)، وقال الشافعي: تغلظ في العشرين دينارًا دون ما قصر عنها (٣)، وقال بعض المتأخرين تغلظ في القليل والكثير (٤). ودليلنا علي أنه لا تغلظ في اليسير ما روي أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ رأى رجلًا يحلف عند المنبر فقال: أعلى دم، فقال، لا، فقال: على عظيم من المال فقال لا، فقال لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المكان (٥)، ولم ينكر ذلك عليه أحد فثبت تقدير المحلوف عليه، ولأن المقصود من التغليظ الردع والزجر بحرمة الموضع المحلوف عنده فيجب أن يكون ذلك فيما له خطر وقدر إعظامًا للموضع وتأكيدا لحرمته، ودليلنا على أنه تغلظ في ربع دينار أنه قدر من المال تثبت به حرمته في الشرع بدليل أنه يقطع فيه اليد وأنه أقل ما يستباح به البضع فجاز التغليظ فيه كنصاب الزكاة، ولأنه خارج عن التفاهة والنذارة بدليل ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت لم يكن رسول الله ﷺ يقطع في التافه وكان يقطع في ربع دينار (٦).

стр. 1540

فصل [٢٧ - فيما يستحب فيه التغليظ في الزمان]: وأما التغليظ في الزمان فيستحب في الدماء واللعان أن يكون الحلف بعد صلاة العصر لقوله عز جل ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله﴾ (١) قيل في التفسير: بعد صلاة العصر (٢)، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا ينظر إليهم: فذكر من حلف يمينا كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امريء مسلم" (٣)، ولأن أدبار الصلوات أوقات مشرفة معظمة ترتجى فيها إجابة الدعاء ويقرب الإنسان إلى الله تعالى بالتسبيح والذكر فيها فهي أبعد من اكتساب الآثام بالأيمان الكاذبة، واختير بعد صلاة العصر لأنه وقت يجتمع فيه الناس وربما ردع ذلك الحالف به. فصل [٢٨ - في كون لا مدخل للتغليظ في الأيمان بالألفاظ]: لا مدخل للتغليظ في الأيمان بالألفاظ ولا تزاد في الحلف على أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو فقط (٤)، وقال الشافعي يزاد على ذلك عالم خافية الأعين وما تخفي الصدور والذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية (٥) وما أشبه ذلك (٦) ودليلنا أن هذه الصفات لا غاية لها ولا حصر فلم يكن بعضها بأن تغلظ اليمين به بأولى من بعض فوجب الاقتصار على الحلف باسمه تعالى ووصفه الأخص الذي لا زيادة عليه وله مزية على سائر الصفات.

стр. 1541

فصل [٢٩ - في كيفية إحلاف اليهودي والنصراني]: ولا يزاد في إحلاف اليهودي أن يقال الذي أنزل التوراة على موسى ولا في إحلاف النصراني أنزل الإنجيل على عيسى (١) خلافًا للشافعي (٢) لأن ذلك معنى زائد على التغليظ في صفات اليمين لا يجب في حق المسلم فنقول لأنها يمين وجبت في حق فلم يزد فيها على لفظ الإخلاص أصله في حق المسلم، ولأنه كافر فلم يزد في إحلافه على اسم الله وصفة الإخلاص كالوثني، ولأن زيادة هذه الصفات إن كانت لاختصاص الكتابيين بها فيجب أن يزاد الذي كلم موسى على الطور وغير ذلك فيجب أن يزاد على الوثني اللاة والعزى لأن ذلك هو الذي يعظم وذلك باطل. فصل [٣٠ - في الحلف قائمًا واستقبال القبلة في ذلك؟]: يحلف قائما في كل الحقوق (٣) لأن ذلك أبلغ في الشرح والزجر وأما استقبال القبلة فقيل إنه لا يحتاج إليه لأنه لما لم يغلظ بأن يحلف عندها لم يغلظ باستقبالها كسائر المواضع وقيل يستقبل بالحالف القبلة لقوله ﷺ : "خير المجالس ما استقبل به القبلة" (٤) لأن ذلك أردع له وأزجر، ولأن استقبال القبلة يعظمها المسلمون ما لا يعظمون (٥) الانحراف عنها ألا ترى أنه يفعل بالمحتضر وفي الدفن وعند الذبح والآذان فكذلك في اليمين. فصل [٣١ - في افتداء اليمين]: يجوز افتداء اليمين وهو أن يبذل شيئًا لتسقط عنه (٦) لأنه إجماع الصحابة

стр. 1542

وروي أن عثمان ﵁ خاصمه يهودي إلى عمر وادعى عليه أربعة آلاف درهم فوجبت (١) عليه اليمين فأبى أن يحلف وغرم المال فلما فعل ذلك وقال: والله ماله علي شيء فقال عمر ما حملك على ما فعلت قال خفت أن يصادف يمين قدرا (٢) فيقول الناس ظلم عثمان اليهودي ولم ينكر عليه عمر (٣)، ولأن ابن مسعود أُخِذ بأرض الحبشة فصالح (٤) عن نفسه بدينارين (٥)، ولأن في الاستحلاف مذلة (٦) وامتهانا فجاز للإنسان الافتداء منها صيانة للعرض وقد قال ﷺ "ما وقي به المرء عرضه فهو صدقة (٧) ". فصل [٣٢ - في استحلاف المرأة في بيتها]: وإذا كانت المرأة من ذوات الأقدار والشرف جاز أن يبعث الحاكم إليها من يحلفها (٨) لأن في ذلك صيانة لها وإقلالًا من تبذيلها، ولا مقال للخصم في ذلك لأن الذي يجب له إحلافها دون تبذيلها وإن كانت ممن لا تخرج نهارًا جاز أن تؤخر لتخرج ليلًا زيادة في الصيانة وقلة التبذل. فصل [٣٣ - فيمن أراد كتابة كتاب على غيره]: من أراد أن يكتب على غيره كتابًا بذكر حق أملاه الذي عليه الحق وإن أملاه الذي له الحق بحضرته ورضاه فلا بأس به وإن ارتضيا بمن يمليه غيرهما جاز

стр. 1543

وأجرة الكتاب عليهما وإن كان الدين لجماعة فأجرة الكتاب عليهم بالسوية اتفقت سهامهم أو اختلفت (١). وإنما قلنا إنه يمل الذي عليه الحق لقوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ (٢)، ولأن الذي له الحق قد يزيد (٣) فيما له عليه ويتغافل عنه الذي عليه الحق فإذا أملاها الذي عليه الحق كان ذلك أمنا لها يخاف منه وقد وعظ الله الذي عليه الحق فقال ﴿وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئًا﴾ (٤)، ولأنه قد يزيد الذي له الحق في التوثق على ما يجب له وذلك غير جائز، ولأن الذي عليه الحق إذا أملاه صار ذلك إقرارا منه فيعتد به وإذا أملاه الذي كان مدعيا والدعوى لا يعتد بها فيقال للذي عليه إذا أملاه أنت لتقربها عليك فإن كان سها أو غير عالم بالشروط أمل ذلك وليه الذي إليه أمره أو وكيله لأنه إذا كان عن أمره فإقراره حاصل. وإنما قلنا إن أملاه صاحب الحق بحضرته ورضاه جاز لأن التهمة تزول عنه وتصير كأن الذي هو عليه أمله فيكون إقرارا، وإنما قلنا إن الأجرة عليهما لأن الكاتب أجير لهما، وإنما قلنا إنها تكون على أهل الدين بالسوية وإن اختلفت أنصباؤهم لأن التعب في ذلك واحد فليس نصيب واحد منهم أكثر من نصيب الآخر والله أعلم. …

стр. 1544

كتاب الحبس والوقوف والصدقة والعمرى والرقبي وما يتصل بذلك قال القاضي: الحبس والوقف (١) صحيح لازم لا يفتقر لزومه إلى حاكم به (٢) وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يلزم الوقف ولا يزول (٣) عن ملك الواقف قبض أو لم يقبض وله الرجوع عنه بالبيع والهبة، ويورث عنه إن مات إلا أن يحكم به حاكم أو يكون الوقف مسجدًا أو سقاية أو يوصي به فيكون في ثلث (٤). فدليلنا فعل رسول الله ﷺ (٥)، وإجماع الصحابة بعده من غير خلاف منهم الأئمة الأربعة وطلحة (٦) والزبير (٧) وزيد بن ثابت وعائشة وأبو رافع (٨)

стр. 1545

وخالد بن الوليد (١) وابن عمر وغيرهم. (٢) رضوان الله عليهم، وكذلك قال مالك: هذه صدقات رسول الله ﷺ وأصحابه والخلفاء (٣) معروفة عندنا (٤)، وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال للنبي ﷺ إني أصبت أرضا بخيبر وهي من أنفس مال أصبته وإني أريد أن أتصدق بها فقال له ﷺ : "حبسن الأرض وسبل الثمرة" (٥) وفي طريق آخر فتصدق به عمر وكتب هذا ما تصدق به عمر بن الخطاب صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث، على الفقراء وذوي القربى وفي سبيل الله وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف (٦)، ففيه أدلة: أحدها قوله ﷺ "حبس الأرض" وذلك يقتضي التأبيد وانتفاء الرجوع فيه، والثاني أن عمر استشار رسول الله ﷺ في ذلك فأشار عليه به فدل على أنه يلزم وإلا لم يكن قد دله على مراده، والثالث أنه كتب لا يباع ولا يوهب ولا يورث بعد إذنه ﷺ فيه لأنه تحبيس أصل على وجه القربة فلم يفتقر إلى حكم حاكم أصله المسجد. وقولنا أصل (٧) احترازا من الحيوان والعروض على إحدى الروايتين، ولأنه ضرب من العطية يلزم بعد الوفاة بالوصية فوجب أن يلزم بفعله حال الحياة أصله
следующие страницы →