← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

فصل [٢٩ - في كيفية إحلاف اليهودي والنصراني]: ولا يزاد في إحلاف اليهودي أن يقال الذي أنزل التوراة على موسى ولا في إحلاف النصراني أنزل الإنجيل على عيسى (١) خلافًا للشافعي (٢) لأن ذلك معنى زائد على التغليظ في صفات اليمين لا يجب في حق المسلم فنقول لأنها يمين وجبت في حق فلم يزد فيها على لفظ الإخلاص أصله في حق المسلم، ولأنه كافر فلم يزد في إحلافه على اسم الله وصفة الإخلاص كالوثني، ولأن زيادة هذه الصفات إن كانت لاختصاص الكتابيين بها فيجب أن يزاد الذي كلم موسى على الطور وغير ذلك فيجب أن يزاد على الوثني اللاة والعزى لأن ذلك هو الذي يعظم وذلك باطل. فصل [٣٠ - في الحلف قائمًا واستقبال القبلة في ذلك؟]: يحلف قائما في كل الحقوق (٣) لأن ذلك أبلغ في الشرح والزجر وأما استقبال القبلة فقيل إنه لا يحتاج إليه لأنه لما لم يغلظ بأن يحلف عندها لم يغلظ باستقبالها كسائر المواضع وقيل يستقبل بالحالف القبلة لقوله ﷺ : "خير المجالس ما استقبل به القبلة" (٤) لأن ذلك أردع له وأزجر، ولأن استقبال القبلة يعظمها المسلمون ما لا يعظمون (٥) الانحراف عنها ألا ترى أنه يفعل بالمحتضر وفي الدفن وعند الذبح والآذان فكذلك في اليمين. فصل [٣١ - في افتداء اليمين]: يجوز افتداء اليمين وهو أن يبذل شيئًا لتسقط عنه (٦) لأنه إجماع الصحابة

стр. 1542

وروي أن عثمان ﵁ خاصمه يهودي إلى عمر وادعى عليه أربعة آلاف درهم فوجبت (١) عليه اليمين فأبى أن يحلف وغرم المال فلما فعل ذلك وقال: والله ماله علي شيء فقال عمر ما حملك على ما فعلت قال خفت أن يصادف يمين قدرا (٢) فيقول الناس ظلم عثمان اليهودي ولم ينكر عليه عمر (٣)، ولأن ابن مسعود أُخِذ بأرض الحبشة فصالح (٤) عن نفسه بدينارين (٥)، ولأن في الاستحلاف مذلة (٦) وامتهانا فجاز للإنسان الافتداء منها صيانة للعرض وقد قال ﷺ "ما وقي به المرء عرضه فهو صدقة (٧) ". فصل [٣٢ - في استحلاف المرأة في بيتها]: وإذا كانت المرأة من ذوات الأقدار والشرف جاز أن يبعث الحاكم إليها من يحلفها (٨) لأن في ذلك صيانة لها وإقلالًا من تبذيلها، ولا مقال للخصم في ذلك لأن الذي يجب له إحلافها دون تبذيلها وإن كانت ممن لا تخرج نهارًا جاز أن تؤخر لتخرج ليلًا زيادة في الصيانة وقلة التبذل. فصل [٣٣ - فيمن أراد كتابة كتاب على غيره]: من أراد أن يكتب على غيره كتابًا بذكر حق أملاه الذي عليه الحق وإن أملاه الذي له الحق بحضرته ورضاه فلا بأس به وإن ارتضيا بمن يمليه غيرهما جاز

стр. 1543

وأجرة الكتاب عليهما وإن كان الدين لجماعة فأجرة الكتاب عليهم بالسوية اتفقت سهامهم أو اختلفت (١). وإنما قلنا إنه يمل الذي عليه الحق لقوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ (٢)، ولأن الذي له الحق قد يزيد (٣) فيما له عليه ويتغافل عنه الذي عليه الحق فإذا أملاها الذي عليه الحق كان ذلك أمنا لها يخاف منه وقد وعظ الله الذي عليه الحق فقال ﴿وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئًا﴾ (٤)، ولأنه قد يزيد الذي له الحق في التوثق على ما يجب له وذلك غير جائز، ولأن الذي عليه الحق إذا أملاه صار ذلك إقرارا منه فيعتد به وإذا أملاه الذي كان مدعيا والدعوى لا يعتد بها فيقال للذي عليه إذا أملاه أنت لتقربها عليك فإن كان سها أو غير عالم بالشروط أمل ذلك وليه الذي إليه أمره أو وكيله لأنه إذا كان عن أمره فإقراره حاصل. وإنما قلنا إن أملاه صاحب الحق بحضرته ورضاه جاز لأن التهمة تزول عنه وتصير كأن الذي هو عليه أمله فيكون إقرارا، وإنما قلنا إن الأجرة عليهما لأن الكاتب أجير لهما، وإنما قلنا إنها تكون على أهل الدين بالسوية وإن اختلفت أنصباؤهم لأن التعب في ذلك واحد فليس نصيب واحد منهم أكثر من نصيب الآخر والله أعلم. …

стр. 1544

كتاب الحبس والوقوف والصدقة والعمرى والرقبي وما يتصل بذلك قال القاضي: الحبس والوقف (١) صحيح لازم لا يفتقر لزومه إلى حاكم به (٢) وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يلزم الوقف ولا يزول (٣) عن ملك الواقف قبض أو لم يقبض وله الرجوع عنه بالبيع والهبة، ويورث عنه إن مات إلا أن يحكم به حاكم أو يكون الوقف مسجدًا أو سقاية أو يوصي به فيكون في ثلث (٤). فدليلنا فعل رسول الله ﷺ (٥)، وإجماع الصحابة بعده من غير خلاف منهم الأئمة الأربعة وطلحة (٦) والزبير (٧) وزيد بن ثابت وعائشة وأبو رافع (٨)

стр. 1545

وخالد بن الوليد (١) وابن عمر وغيرهم. (٢) رضوان الله عليهم، وكذلك قال مالك: هذه صدقات رسول الله ﷺ وأصحابه والخلفاء (٣) معروفة عندنا (٤)، وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال للنبي ﷺ إني أصبت أرضا بخيبر وهي من أنفس مال أصبته وإني أريد أن أتصدق بها فقال له ﷺ : "حبسن الأرض وسبل الثمرة" (٥) وفي طريق آخر فتصدق به عمر وكتب هذا ما تصدق به عمر بن الخطاب صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث، على الفقراء وذوي القربى وفي سبيل الله وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف (٦)، ففيه أدلة: أحدها قوله ﷺ "حبس الأرض" وذلك يقتضي التأبيد وانتفاء الرجوع فيه، والثاني أن عمر استشار رسول الله ﷺ في ذلك فأشار عليه به فدل على أنه يلزم وإلا لم يكن قد دله على مراده، والثالث أنه كتب لا يباع ولا يوهب ولا يورث بعد إذنه ﷺ فيه لأنه تحبيس أصل على وجه القربة فلم يفتقر إلى حكم حاكم أصله المسجد. وقولنا أصل (٧) احترازا من الحيوان والعروض على إحدى الروايتين، ولأنه ضرب من العطية يلزم بعد الوفاة بالوصية فوجب أن يلزم بفعله حال الحياة أصله

стр. 1546

الهبة والصدقة، ولأنه إزالة ملك على وجه القربة فلم يفتقر إلى حكم حاكم أصله العتق ويزيد (١) في الفرع إزالة ملك عن منافع الرقبة المحبسة. فصل [١ - جوز الحبس في المحوز والمشاع]: ويجوز ذلك في المحوز والمشاع خلافًا لأبي يوسف (٢) ومحمد (٣)، لحديث عمر أنه أصاب مائة سهم وذلك يقتضي أنه مشاع، ولأنها عرصة يجوز بيعها فجاز وقفها كالمحوز. وعنه في حبس غير العقار من الحيوان روايتان (٤): إحداهما المنع، والأخرى الجواز، ومن أصحابنا من يقول إن حبس الخيل جائز، وإنما الخلاف في غيرها: فوجه المنع أن الأخبار إنما وردت في العقار دون غيره فلم يجز تعديه، ولأن الحبس والوقف إنما يراد للتأبيد والدوام وذلك لا يمكن إلا في العقار فلم يجز في غيره مما يتغير ولا يدوم ألا ترى أن الشفعة لما استحقت لإزالة الضرر على وجه الدوام اختصت بالعقار دون غيره لأن الدوام لا يوجد في غيره غالبًا لسرعة تغيره، ووجه الجواز قوله ﷺ "إنكم تظلمون خالدا أنه حبس أذرعه وأعبده في سبيل الله" (٥) والأذرع الخيل وروي أن أبا معقل (٦) وقف بعيرًا له فقيل

стр. 1547

لرسول الله ﷺ فلم ينكر وإن أم معقل قالت: يا رسول الله أريد الحج وإنه وقف السبيل فأركبه فقال: "اركبيه، فإن الحج من سبيل الله" (١)، ولأنه أصل يبقى ويصح الانتفاع به كالعقار. فصل [٢ - في عدم جواز البيع واستبدال الربع المحبس]: الربع الموقف أو المحبس حبسا محرمًا لا يجوز بيعه إذا خرب ولا الاستبدال به بوجه (٢) لأن في بيعه إبطال شرط الواقف وحلا لما عقده وذلك غير جائز، واعتبارًا به إذا لم يخرب، ولأن العمارة تنتقل من مكان إلى مكان فلم يكن في تبقيته إتلاف له لجواز عودة العمارة إليه، ولأن في بيعه إبطالًا لحق من جعل له فيه حق بعد هذا البطن (٣) ولا سبيل إلى ذلك وجوار بيعه محكي عن ربيعة (٤) وأظن بعض أصحابنا يذهب إليه ولست أحققه (٥) في هذا الوقت (٦). فصل [٣ - في الفرس المحبس وغيره إذا هرم أو كلب]: وأما الفرس أو غيره إذا كلب أو حطم أو هرم وخيف عليه العطب فيجوز بيعه عند ابن القاسم ولا يجوز بيعه عند عبد الملك، فوجه قول ابن القاسم إنه إذا لم يبق فيه منفعة في الحال ولا في المترقب في الوجه الذي حبس عليه لم يكن في تبقيته فائدة إلا تعريضه للتلف وذلك غير جائز لأن إضاعة المال منهي عنها

стр. 1548

ومتى بيع هذا الفرس الذي قد كلب أو دخل العيب قوائمه لم يكن القتال عليه أمكن أن ينتفع به مشتريه في غير ذلك الوجه بأن يطحن (١) عليه أو يعمل عليه وابتيع بثمنه غيره فكان ذلك أولى من إضاعته، ولأن في تبقيته ومنع بيعه إنما يراد لئلا يبطل شرط الواقف متى بيع وتبقيته تؤول إلى ذلك من غير نفع فكان إبطال الشرط بما يقوم مقامه ويسد بعض (٢) مسده أولى. ووجه قول عبد الملك اعتباره بالرباع بعلة أنها عين أبد حبسها فلم يجز بيعها، فإذا ثبت هذا وبيعت على قول مالك وابن القاسم جعل ثمنها في مثلها إن بلغ وإلا أعين به في مثله وانتفع في ذلك الوجه الذي حبس الأصل فيه لأن بدل الشيء يقوم مقامه وهذا كله على قول (٣) أن حبس الحيوان جائز فأما إذا قال أن حبسه لا يصح فلا معنى لهذا الفرع ويجوز على الإطلاق. فصل [٤ - الألفاظ التي ينعقد بها الوقف]: الألفاظ التي ينعقد بها الوقف هي أن يقول وقفت وحبست وتصدقت وما أشبه ذلك مما يفيد معناه (٤) فأما لفظ الوقف فإنه صريح في التأبيد فإذا قال وقفت هذ الدار وقال هذه الدار وقف كان هذا القدر كافيا في تأبيد (٥) تحريمها فلا يرجع ملكا أبدًا وإن ضم إلى ذلك أن يقول وقف لا تباع ولا توهب ولا تورث فذلك تأكيد والاقتصار على لفظ الوقف كاف. وإنما قلنا ذلك لأن مفهوم هذه اللفظة في العرف أنه يقصد بها السبيل وتأبيد حبسها وتمليك منفعتها على الدوام فوجب الحكم بذلك فيها، فأما لفظ الحبس

стр. 1549

فهو أن يقول داري هذه حبس في وجه كذا أو لا يقول، لكن (١) إن قال حبس فقط أو قال قد حبستها فإنها تكون حبسًا (٢) في الوجه الذي جعله فيه وإن لم يذكر له وجهًا بل قال: حبس فقط صرف في وجوه البر والخير، فأما الحكم في تأبيده فينظر فإن لم ينضم إلى ذلك أن يقول: وقف لا تباع ولا توهب أو غير ذلك مما يفيد التأبيد وكانت على معين أو جماعة بأعيانهم غير مجهولين ولا موصوفين مثل أن يقول: حبس على فلان لرجل بعينه أو على قوم بأعيانهم ولم يذكر عقبا ولا نسلًا فقد اختلف قوله في ذلك هل يتأبد أم لا ففي روايتان: (٣) إحداهما أنه لا يتأبد ويصرف أولًا في الوجه الذي جعله فيه (فإذا زال عاد ملكا له إن كان باقيا أو لورثته إن كان ميتًا، والأخرى أنه يتأبد فيصرف أولا في الوجه الذي جعله) (٤) فيه فإذا انقرض عاد حبسًا إلى أقرب الناس بالمحبس عليه، فإن لم يكن له قرابة عاد إلى الفقراء والمساكين، فأما إن انضم إلى لفظ الحبس في المعنيين (٥) بعض ألفاظ (٦) التأبيد مثل أن يقول حبس وقف أو محرم أو مؤبد أو لا تباع ولا توهب أو جعل إطلاق لفظه في مجهولين أو موصوفين كالفقراء والعلماء أو بني تميم (٧) أو فلان وعقيبه أو على ولدي وعقبهم ولم يعين ولا ذكر مرجعا فلا يختلف المذهب في هذين الوجهين أنهما يفيدان التأبيد والتحريم، فأما لفظ الصدقة وهو أن يقول هذه الدار صدقه على فلان فإنه على وجهين: أحدهما أن يريد تمليكه الرقبة والآخر أن يريد الحبس فإن أراد المتصدق

стр. 1550

تمليك الرقبه جاز وكون ملكا للمتصدق عليه كالهبة، وإن أراد به معنى التحبيس فذلك على وجهين إنك كان على رجل معين أو قوم معينين غير مجهولين ولم يذكر عقبى ففيها روايتان على ما بيناه في لفظ الحبس: إحداهما أنه لا يتأبد فيصرف أولًا فيمن نص عليه فإذا انقرض ذلك الوجه عادت ملكا، والأخرى أنها تتأبد فتصرف في الوجه الذي جعلت فيه فإذا انقرض عادت إلى الفقراء والمساكين، وأما إن جعلها في قوم مجهولين أو موجودين لا يحاط بعددهم كبني تميم (١) وبني تغلب (٢) أو على موصوفين كالعلماء والفقراء أو شرط في المعنيين أعقابهم فإنها تتأبد ولا تكون ملكا وكذلك ذكر ابن عبد الحكم (٣) عن بعض أصحابنا في هذا إذا قال صدقة على فلان وعقبه ما عاشوا ولم يقل حبسا أنها تكون ملكا لآخر عقيب من رجل أو امرأة ويتصرف فيه بما شاء من بيع أو غيره قال وأكثر أصحابنا يرونة حبسا وهذا الذي قاله ليس بشيء والصحيح أنها تكون حبسا، وأما إذا أطلق لفظ الصدقة ولم يضم إليه ما يقتضي معنى الحبس لا من لفظ التأبيد ولا من صفات المتصدق عليهم فلا يكون معنى الحبس لأنه ظاهر الصدقة تقتضي تمليك الرقبة، وإنما ينصرف إلى الحبس بقرينة تنضم إليه، فأما إن جمع بين لفظ الحبس والصدقة فقال هذه الدار حبس صدقة أو قال حبس فإن ضم إلى ذلك لا تباع ولا توهب أو قال محرمة أو مؤبدة أو وقف فلا يختلف المذهب إنما تتأبد بذلك، وإن لم يقل إلا حبسا

стр. 1551

صدقة أو صدقة حبسا ولا ذكر مجهولين ولا عقبى فاختلف أصحابنا في تخريج قول مالك فيها: فمنهم من قال إنها على روايتين كقوله حبسا فقط ومنهم من قال على رواية واحدة إنها ترجع حبسا ولا تعود ملكا هذه جملة مما ذكره أصحابنا في ألفاظ الحبس والوقف ونحن نتكلم على تفصيلها. فصل [٥ - في أن لفظ الوقف يفيد بمجرده التحريم والتأبيد]: قد بينا أن لفظ الوقف يفيد بمجرده التحريم والتأبيد، ووجه قوله في الحبس المطلق على المعنيين أنه يرجع ملكا هو أن مجرد لفظ التحبيس لا يقتضي التأبيد والتحريم لامن لفظه ولا من معناه لأن لفظه مجرد على التحريم ومعناه أن (١) المنفعة لمن جعلت فقط حبس عليهم لا تخرج عنهم فأما تحريمها بعد انقراضهم لأنه مما لا يستفاد به فإذا كان كذلك وجب عودها ملكا للمحبس (لأنها على أصل ملكه لزوال الحق الذي يتعلق بها فإذا وصفت بالتأبيد والتحريم) (٢) فقد انضم إلى لفظه ما دل على المراد به فلذلك قلنا أنه مؤبد وكذلك إذا جعل على مجهولين أو موصوفين فإنه يقوم مقام التأبيد والتحريم ويدل على أن المحبس أراد ألا يرجع ملكا لأنه ملك منفعتها لمجهولين لا يحاط بعددهم ولا يعلم انقراضهم وكذلك الموصوفين بصفة لأن ذلك ينتظم الموجودين والمعدومين فدل هذا على أنه قصد بذلك التحريم. ووجه قوله أنها تكون حبسا محرمة قوله ﷺ لعمر ﵁ "حبس الأصل وسبل الثمرة" (٣) وموضع التعلق منه أن عمر أراد أن يتصدق بالأصل صدقة تبتدأ وهي تمليك رقبته فأشار عليه بأن يحبس أصله ويسبل الثمرة، فدل على أن الأصل يتأبد تحريمه ولو لم يكن كذلك لم يكن الغرض حاصلًا لأنه كان

стр. 1552

يعود إلى ملكه فيبطل غرضه في التصدق به، ولأن إطلاق القول أن هذا حبس منافعه على التأبيد مستحقه لأنه لم يقيد ذلك بوقت دون وقت فكان الإطلاق مقتضيًا للتأبيد وليس يخرجه عن ذلك بيانه لمن حبست عليه أن يقول حبس على فلان لأن ذلك لا يفيد تقييد الحبس (١) وإنما يفيد التبدئة فقط، ولأنه لفظ يقتضي التحبيس فوجب أن يستحق التأبيد بإطلاقه أصله لفظ الوقف، ولأن لفظ حبس مطلق فوجب أن يقتضي التحريم أصل إذا كان على مجهولين. فصل [٦ - في المراد من لفظ الصدقة]: وأما لفظ الصدقة فإن أراد به وجه الحبس (فقد بينا أن الاختلاف فيه كهو في لفظ الحبس) (٢) فوجه القول بأنه لا يتأبد أن إيجابه التصدق بالمنفعة (٣) على زيد أو ولده المعينين أو في وجه كذا لا يوجب التحريم لا من لفظه ولا من معناه وإنما يقتضى تبقيته ما دام الوجه صرف فيه باقيًا فإذا زال عاد إلى ملكه بالأصل، ووجه القول بأنه يوجب التأبيد أن إطلاق لفظ التصدق به يفيد التخلي منه فكان كالوقف. فصل [٧ - إذا جمع بين اللفظين في الوقف]: فأما إذا جمع بين اللفظين (٤) فوجه القول بأنه لا يتأبد أن ذلك مبني علي أن كل واحد بانفراده غير متأبد، فإذا جمعهما لم يتم جمعه بهما التأبيد لأن الجمع بين اللفظين لا يجعل لهما حكمًا يخالف حكم الانفراد، ووجه القول بالتأبيد أن فائدة التأبيد تحريم المحبس وتأبيده كقوله: لا يباع ولا يوهب. فصل [٨ - إذا جعل الوقف في قوم مجهولين أو موصوفين]: وإنما قلنا إنه إذا جعله في قوم مجهولين أو موصوفين أن ذلك يكون على

стр. 1553

التأبيد فلأن غير المحرم إنما يعود إلى المحبس بشرط انقراض المحبس عليهم فإذا صرفه إلى المجهولين علمنا أنه أراد التأبيد بأنه لا يعلم انقراضهم وكذلك الموصوفون لأن ذلك ينتظم المعدوم والموجود وذلك يقتضي تعلق حقهم به ما أمكن وجودهم وكذلك (١) العقب يقتضى التأبيد إلا أن يكون أصله معينا فإنه بتعيين أصله. وإنما قلنا إنه إذا قال هذه الدار حبس ولم يعين الوجه الذي تصرف فيه فإنها تصرف في وجوه الخير والبر لأن الحبس والوقف يراد به وجه الله تعالى والقربة إليه وذلك يتعين بتعيينه فإذا لم يعينه كان مطلقا فيها ولم يجز إبطاله لأنه لو صرح بذلك لكان هذا حكمه. ومن شرط الحبس والوقف أن يخرج من يده في صحته فإن أقام في يده حياته أو إلى مرضه الذي مات فيه فإنه يبطل ويكون ميراثًا إلا أن يكون أخرجه عن يده مدة يسيرة (٢) فيها ثم أعاده إلى نظره فكان يصرف غلاته في وجوهها ويقوم بها فإن ذلك لا يبطل الحبس. وإنما قلنا ذلك لحديث أبي بكر ﵁ أنه كان نحل عائشة ﵂ جذاذ عشرين وسقا فلم يقبضه حتى مرض مرضه الذي مات منه فقال لها: لو كنت حزتيه لكان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث (٣)، ولأن ذلك طريق إلى أن ينتفع الإنسان بماله في حياته ويخرجه عن ورثته بعد موته فلا ينفع الحجر عليه شيئًا فأما إن عاد إليه فكان يليه ويصرف غلاته في وجوهها وسلبها (٤) فإنه لا يبطل لأن التهمة تزول عنه إذا كان أخرجه عنه مدة بينة وأشهر (٥) أمره،

стр. 1554

ولا حد لهذه المدة إلا ما يعلم في مثله أنه لم يقصد انتفاعه بالمال (١) حياته وأدوا ورثته عنه، وابن القاسم يحد فيه سنة لأنها مدة وضعت للاختيار كإقامة البكر عند الزوج والعنين وعهدة السنة، وكان شيخنا أبو بكر ﵀ (٢) يقول: القياس ألا يصح رجوعه إلى يده طالت المده أو قصرت. وإنما قلنا إنه كان المحبس (٣) عليه من هو في ولايته فإن قبضه له قبض وكذلك الهبة لأنه ليس من أهل القبض لنفسه والنظر لها فكان قبض وليه قبضا له فلا يجوز أن يمكن ما وقفه على ولده الصغير لأن ذلك ذريعة إلى أن ينتفع بماله حياته ثم يخرجه عن ورثته بعد موته فوحب حسم الباب بمنعه. فصل [٩ - حكم الحبس المتأبد بانقراض الوجه الذي جعل فيه]: وإنما قلنا إن المحبس المتأبد إذا انقرض الوجه الذي جعل فيه عاد إلى أقرب الناس بالمحبس لأن الصدقة على الأقارب أولى منها على الأباعد، وقد قال ﷺ "لا يقبل الله صدقه وذو رحم محتاج" (٤)، وقال لأبي طلحة: "اجعلها في الأقربين" (٥)، وقال ﷺ "خير الصدفة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول" (٦). فصل [١٠ - الوقف في الصحة وفي المرض] الوقف في الصحة من رأس المال وفي المرض أو الوصية من الثلث (٧) لأن

стр. 1555

الصحيح لا يتعلق عليه حجر (١) لأحد في ماله ولا الوارث ولا غيره فكانت عطاياه وهباته من رأس المال، والمريض محجور عليه من أجل ورثته فما يفعله موقوف على الثلث بعد موته لأنه ليس له أن يخرج عنهم زيادة على الثلث بعد موته لأن ذلك تقدير ما جعل له، وإنما لم يحكم بتنجيزه من الثلث في الحال لجواز أن يتلف الثلثان الباقيان ويموت هو عن هذا المقدار فقط لأن الاعتبار ما يتركه بعد الموت لا قبله فيؤدي إلى أن يكون الوصايا قد نفذت قبل حصول الثلثين للورثة وذلك غير جائز. فصل [١١ - في عدم جواز وقف الإنسان على نفسه]: ووقف الإنسان على نفسه لا يصح (٢) خلافًا لما يحكى عن أبي يوسف (٣) لأنه إذا ملك شيئًا بضرب من ضروب الملك لم يملك نقله إلى نفسه بغير ذلك الوجه أصله إذا وهب لنفسه شيئًا من ماله. فصل [١٢ - حكم من وقف وقفا في مرضه أو وصيته]: وإن وقف في مرضه أو وصيته شيئًا على ورثته خاصة دون غيرهم لم يصح ذلك وكان ملكا للورثة (٤) لأن ذلك يجري مجرى الوقف على نفسه ولأنه يوقف (٥) عليهم ملكهم ويمنع التصرف فيه وذلك غير جائز فيه، وإن وقف على بعضهم لم يجز أيضًا، فإن دخل معهم أجانب نفذ (٦) الوقف من الثلث وقسم

стр. 1556

نصيب الورثة على الشرط الذي شرطه وأخذ الأجانب حقوقهم، وإنما يصح الوقف إذا دخل فيه الأجانب لأنه قد وقفه على من يصح الوقف عليه ولم يرد تفضيل بعض الورثة على بعض. وإذا وقف على بعض ورثته وعلى أجانب كان ما يصيب الوارث بينه وبين باقي الورثة، ومن مات من الورثة، الذين لم يدخلهم في الوقف قام وارثهم مقامهم لأنه لا يرث عنه جميع حقوق المال التي كانت له فإذا مات الوارث الموقوف له انقطع حق باقي الورثة فيما كان يصيبه خاصة فإذا مات جميع الورثة الموقوف (١) عليهم انقطع حق باقي الورثة جملة وحصلت بغير الورثة. فصل [١٣ - إذا حبس على جماعة شيئًا ثم جعله في وجه آخر بعد انقراضهم]: إذا حبس على جماعة شيئًا ثم جعله في وجه آخر بعد انقراضهم فمات بعضهم: فإن كان ذلك الشيء مما يتجزأ أو ينقسم كالغلة والثمرة وما أشبه ذلك فإن حصة الميت تكون في الوجه الذي جعل فيه بعد انقراضهم ولا يرجع على من بقي من أهل الحبس وإن كان مما لا ينقسم كالعبد يُختدم والدابة تركب ففيها روايتان: إحداهما أنه كالذي ينقسم (ترجع حصة الميت إلى الوجه الذي نفذه) (٢)، والأخرى أنه ترجع حصة من مات من أهل الوقف على من بقي منهم فإذا انقرض جميعهم صارت إلى الوجه الذي بعدهم (٣). وإنما قلنا إنه إذا كان مما يتجزأ وينقسم فإن حصة الميت لا تعود إلى من بقي من أهل الحبس لأن كل واحد منفرد عن حق الآخر لا تعلق به وكان موته في وجوب

стр. 1557

عود نصيبه إلى من بعده كموت الجميع، ولأن الحبس لا يورث بالشركة فلو قلنا إن حصة الميت تعود إلى من بقي من غير شرط المحبس لذلك لكان كالميراث، ووجه قوله فيما لم ينقسم أن حصة الميت لا تعود إلا من دمعه (١) منهم اعتبارًا بما يقسم، وووجه قوله (٢) إنها تعود إلى من كان معه في الحبس أن الضرر يحصل في ذلك لسوء المشاركة بخلاف المتميز والأول أقيس. وإن كان الحبس مسكنًا فإنه على وجهين إن حبس عليهم للغلة فعلى ما ذكرناه من المتميز المنقسم وإن كان للسكنى فعلى الخلاف. إذا أسكن إنسانًا داره إلى مدة معلومة فقد ملك المسكن الانتفاع بتمليك المدة وليس للمالك الرجوع فيه فإن مات (الرجل المحبس عليه فبقيت السكنى إلى المدة لورثته لأنه مات) (٣) عن حق له يصح الإرث في نوعه فورثه وورثته كما لو كان على معارضة، وتقييده بالنوع احترازا من الوطء، وإن دفع صاحب الدار إليه شيئًا على أن يدع السكنى جاز لأن ذلك ليس بمعاوضة وإنما انتقال من هبه إلى هبه ولأن الأصل الإسكان قربة والقربة قد سومح فيها عما غلظ في المعاوضة كجواز الشركة والتولية في بيع الطعام قبل القبض وكذلك القرض والهبة وبيع المكاتب كتابته بما لا يجوز بيعها من الأجنبي وما أشبه ذلك لحرمة العتاقة وأنه ليس القصد محض المعاوضة وإنما القصد كمال الحرية والرفق بالعبد كذلك ها هنا. فصل [١٤ - في إطلاق الحبس]: وإذا أطلق الحبس ولم يشترط تقديما ولا تبدية فإنه يؤثر في الإسكان والقيمة (٤)

стр. 1558

أهل الحاجة لأن أصل الحبس إنما يقصد به القربة والثواب لسد الخلة ودفع الحاجة لأصل الحبس فيجب أن يكون من اشتد حاجته أدخل في الاستحقاق ممن قل عنه، ولا يخرج من سكن لحدوث من هو أحوج منه لأن الأول سكن بحق فكان أحق بالحيازة والسبق فإن شرط للحبس تقديما أو تبدية كان ما شرطه. فصل [١٥ - فيمن حبس دارا فسكن بيتا أو شيئًا يسيرًا منها]: إذا حبس دارا فسكن بيتا صغيرا أو شيئًا يسيرا منها أو دورًا عدة فسكن دارًا منها يسيرة فيما بقي جاز الحبس كله ما يسكن وما لم يسكنه (وإن سكن شيئًا كثيرًا بطل الحبس ما سكنه وما لم يسكنه) (١)، وقال ابن القاسم يجوز ما لم يسكنه ويبطل ما سكنه ولم يفرق في الموضعين بين القليل والكثير وقيل يبطل الجميع (٢). فوجه القول بأنه لا يبطل إذا كان سكنًا يسيرًا هو أن ذلك لا تهمة فيه أن يكون أراد الانتفاع بماله حياته وصرفه عن ورثته بعد موته لأن القدر الذي ينتفع به يسير الخطب كاللبن يشربه من غنم يحبسها أو التمر اليسير يأكله من حائط يحبسه، ولأن سكناه في الغالب لمراعاته وحفظه والنظر في مصالحه. ووجه القول بأنه ينفذ ما لم يسكن ويبطل ما سكن لأن ما سكن لم يحز عليه فلم ينفذ حبسه عليه، وما لم يسكنه فقد حيز عليه فزالت التهمة فيه فوجب نفوذ الحبس فيه، ووجه منع الجميع أن الحبس إذا كان واحدا بطل جميعه ببطلان بعضه لأن حكمه واحد غير متبعض. فصل [١٦ - في العمرى]: العمري (٣): هبة منافع الدار عمر الرجل مدفوعة إليه وليست بتمليك الرقبة،

стр. 1559

وصفتها: أن يقول رجل لرجل: أعمرتك هذه الدار أو أسكنتكها حياتك أو عمرك أو مدة بقائك أو منحتكها أو ما أشبه ذلك من الألفاظ التي يفهم منها تمليكه المنافع عمره، وهذا لم يملكه رقبة الشيء وإنما ملكه المنافع فما دام المعطي حيا فالمنافع له بقي المالك أو مات، وإن مات المعطي عادت إلى المالك إن كان حيا أو إلى ورثته إن كان ميتا ميراثا كسائر تركاته وعند الشافعي أن المعمر يملك رقبة الدار إذا (١) أعمرها. وإنما قلنا ذلك لأن المعمر لما شرط للمعطي أن تكون له عمره علمنا أنه أراد تمليك الانتفاع لأن تمليك الرقبة لا يصح إلا على التأبيد دون اشتراط العمر لأنه لو قال ملكته هذه الدار عمرك أو حياتك أو ما دمت حيا لم يصح ذلك ولم يملكها فعلم بتوقيته إياها بالمدة أنه أراد السكنى دون الرقبة وهذا إذا قال أعمرتك ولم يذكر العقب، فأما إن قال لك ولعقبك فإنها تكون للمعمر حياته فإذا مات كانت لورثته أبدا ما بقي من عقبه إنسان فإذا انقرض عقبه ولم يبق منهم أحد عادت إلى المالك إن كان حيا أو إلى ورثته إن كان قد مات على ما بيناه (٢). * * *

стр. 1560

باب [- في صحة ولزوم عقد الصدقة والهبة من غير قبض] عقد الصدقة والهبة يصح ويلزم من غير قبض، لكن القبض شرط في نفوذه وتمامه، فإن قال تصدقت عليك بهذا الثوب أو العبد أو الدار أو غير ذلك من الأملاك، أو وهبته لك ولم يرد بالهبة عوض الثواب فقال قد قبلت منك فقد انعقد وليس للواهب ولا للمتصدق الرجوع فيه ويلزمه إقباضه (١) للموهوب له أو التصدق عليه إذا طالبه ويجبر على ذلك إن امتنع منه، ولا يبطل العقد بتأخير الإقباض فإن مات (٢) المقبوض له أو المتصدق عليه وهو على المطالبة بالإقباض غير متراخ في ذلك ولا راض بتبقيتها في يد الواهب أو المتصدق لم يبطل بموته ولورثته من المطالبه مثل ما كان له وإن تراخى الموهوب أو المتصدق عليه في المطالبة بالإقباض أو أمكنة قبضها فلم يقبضها حتى مات الواهب أو مرض بطل ولم يكن له شيء (٣)، وقال أبو حنيفة والشافعي (٤) لا ينعقد إلا بالقبض وما لم تقبض تكون جائزة غير لازمة (٥). وإنما قلنا ذلك لقوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٦)، وقوله ﷺ : "الراجع في

стр. 1561

هبته كالراجع في قيئه" (١) ولم يفرق بين الرجوع قبل الإقباض أو بعده، ولأنه عقد من العقود فلم يفتقر انعقاده إلى قبض المعقود عليه أصله سائر العقود، ولأنها عطية فلم يفتقر انعقادها إلى قبض كالوصية. فصل [١ - في حيازة الأب ما وهبه لولده]: إذا تصدق على ولده الصغير أو وهب له فحيازته له جائزة إذا كان قد ميز الصدقة أو الهبة وأشهد عليها لأنه هو القابض له إذ الصغير ليس ممن يصح قبضه ولا بد من قابض له (٢)، وإنما شرطنا أن يميز ذلك ويشهد عليه لتثبت له الصدقة أو الهبة بغير قول الأب وإلا تطرق منه الوصية للوارث، وهذا إذا كان مما يمكن أن تعينه والإشهاد عليه، فأما ما لا يمكن ذلك فيه ما لا يتعين كالذهب والفضة والطعام وسائر المكيل والموزون فلا يصح قبض الأب له لأنه لا يمكن الإشهاد على عينه لأنه لا يتميز للشاهد وقت إقامة الشهادة لإمكان أن يكون ما شهد به غير الذي أشهد عليه فإن جعلها على يد أجنبي يكون قابضًا لهم جاز. قال شيخنا أبو بكر ويجوز أن تكون بيد الأب إذا جعلها في شيء وختم عليها وأشهد عليها لأنها تتميز ويمكن الشهادة عليها فيكون كالعبد والثوب وما يتميز عينه (٣).

стр. 1562

فصل [٢ - في صحة هبة المشاع]: تصح هبة المشاع كما تصح هبة المقسوم وتجوز من الشريك وغيره فيما تتأتى قيمته وفيما لا تتأتى (١) (خلافًا لأبي حنيفة (٢) في قوله إن المشاع الذي يمكن فيه قسمة لا تصح هبته) (٣) على وجه، ولأن كل مشاع جاز (٤) بيعه جازت هبته كالمقسوم، ولأن كل عقد صح في المشاع الذي لا ينقسم (صح في الذي ينقسم) (٥) كالبيع. فصل [٣ - إذا تصدق على ولده الصغير بجزء مشاع]: إذا تصدق على ولده الصغير بجزء مشاع من أرض أو دار وأشهد عليه ففيه روايتان: (٦) إحداهما جواز الصدقة والأخرى بطلانها والهبة مثل الصدقة فوجه الجواز أن العين الموهوب بعضهما مما يتعلق ويمكن الإشهاد عليها فالمشاع منها في حكم المقسوم، ووجه المنع أن نفس الموهوب غير متميز ولا معين فأشبه المنفرد الذي لا يتعين والأول أصح. فصل [٤ - في أقسام الهبة]: الهبة (٧) على ضربين: ضرب منها يقصد بها الثواب والآخر لا يقصد بها الثواب بل يكون على وجه المودة والمحبة وصلة الرحم، فأما الضرب الأول

стр. 1563

الذي يقصد به المكافأة والعوض فحكمه حكم المعاوضات ويراعى فيه ما يراعى في البيع ولا يفارقه إلا في وجه واحد وهو السكوت عن البدل فيه وعن مقداره فأما ما عدى ذلك من أحكامه فإنه يجري مجرى سائر المعاوضات (١). وإنما قلنا إنها جائزة على هذا الوجه لأنها تفعل على وجه المودة، وإيثار المكارمة والمواصلة وإن كان المقصود به المكافآت ففعلها على هذا الوجه له تأثير في التودد والتحبب فكانت في معنى نكاح التفويض في المسامحة بترك ذكر العوض ومقداره، وروي أن النبي ﷺ أثاب على اللقحة (٢) وطلب صاحبها الثواب فلم ينكر (٣) عليه بل أنكر سخطة الثواب وكان زائدا على القيمة (٤)، فأما الضرب الآخر الذي لا يقصد به الثواب فلا يستحق عليه ثواب ولا مكافآت لأن الواهب لم يرد ذلك وإنما أراد التمليك بغير عوض. فصل [٥ - الاختلاف في غرض الهبة]: فإن اختلفا فادعى الواهب أنه وهب للثواب وقال الموهوب له بل لغيره الثواب فالمرجع في ذلك إلى أحد أمرين: إما إلى شرط إن كان بينهما فإن اعترف به الموهوب له لزمه وإن أنكره فالقول قول الواهب إذا أشكل وتحاكما فيه إن كان يشبه، وإن كان لا يشبه، فالقول قول مدعي الأشبه منهما (٥). والقسم الآخر الذي يرجع فيه إليه وهو العرف فينتظر: فإن كانت العادة والعرف أن الواهب يرى أنه يريد الثواب وأن مثله إنما يهب مثل ذلك الموهوب

стр. 1564

لعوض (١) يناله منه أو مكافئة (٢) فالقول قوله وذلك مثل هبة الفقير للسلطان والغني (٣) وما أشبه ذلك فالعادة في هذا أنه يريد منه المكافآت، وأما هبة الغني للفقير والسلطان لأتباعه والرجل يهدي إلى العالم والصالح فالعرف في مثل هذا أنه للمودة لا للثواب. وأما النظر أو الأمثال فعلى حسب ما يعلم من دلائل الحال وعلى قدر الهبه (٤) هل يقصد به الثواب أم هي مما يقبح في العرف طلب الثواب في مثلها، وعنه في هبة أحد الزوجين للآخر روايتان: إحداهما أنها تقتضي الثواب لتميز الملكين وإن المعاوضة مطلوبة بينهما، والأخرى أنها لا تقتضي الثواب لأن العرف جار بأن كل واحد يتقرب إلى الآخر بالهدية والهبة ويحب التودد إليه وإحراز الحظوة عند (٥). فصل [٦ - في خيار الموهوب له هبة للثواب]: إذا ثبت ما ذكرناه فمن وهب له شيء للثواب فهو بالخيار إذا قبل الهبة إن شاء أثاب فيها فما زاد وإن شاء ردها، فإن أثاب قيمتها أو زيادة عليها لزم واهبها قبول ذلك ولا مقال له وإن قال: لا أرضى بقيمتها، وإن أثاب دون القيمة فالواهب بالخيار إن شاء قبل الثواب وإن شاء رده وارتجع هبته، فإن فاتت عند الموهوب منه لزمه قيمتها، والفوت مثل الحمل والموت أو العتق أو نقص في البدن، وقد اختلف عنه في زيادة الجسم أو السوق، فعنه فيه

стр. 1565

روايتان (١): إحداهما أنه فوت والأخرى أنه ليس بفوت، ولا تفتقر هبة الثواب إلى حيازة. فصل [٧ - في دليل أن الموهوب غير بين الإثابة أو الرد]: وإنما قلنا إن الموهوب غير بين الإثابة أو الرد لأنها معاوضة فلا يلزمه إلا باختياره إذا لم يتعلق بها حق الغير كسائر المعاوضات، وإنما قلنا أنه إذا قبلها لزمه الثواب فلأن الواهب ملكه إياها بشرط العوض إما لفظا أو عرفا فلزمه ما دخل عليه كالبيع، وإنما قلنا إن الثواب ما يتراضيان به اعتبارًا بنكاح التفويض لأنه عقد يشترك فيه العوض وطلب المودة والمواصلة فسومح (٢) فيه بترك تسمية العوض فكذلك الهبة إذا سكتا عن ذكر العوض فوقف على تراضيهما، وإنما قلنا أنهما إذا لم يتراضيا فالموهوب غير إن شاء أثاب عنها القيمة وإن شاء ردها، وأنه إذا أثاب القيمة لزم الواهب قبولها، اعتبارًا بنكاح التفويض (في تخيير الزوج إذا لم يتراضيا على قرض ببذل صداق مثل الذي هو قيمة البضع أو الطلاق وكذلك في الهبة، وإنما قلنا أنه لا يلزمه إرضاؤه بما يزيد على القيمة اعتبارًا بالتفويض على ما بيناه) (٣). وإنما قلنا إنه لا يراعى عرف في مكافآت مثل تلك الهبة خلافًا للشافعي في بعض أقواله (٤)؛ لأنه لا مدخل للعرف في المكافآت إذ ليس فيها حد يرجع إليه لأن الملك العظيم قد يثيب علي هدية تساوي مائة ألف وقد يثيب عشرة آلاف، وما بينهما وقد كان يخلو الموهوب في نفسه فيزيد في المكافآت عليه وكذلك غيره

стр. 1566

ممن يكافيء تختلف مكافآته بحسب حلاوة الموهوب في نفسه ومحبته بنفع مهديه (١) إليه فبطل اعتبار العرف في ذلك. وإنما قلنا لا يكفي أقل مما يقع عليه الاسم خلافًا للشافعي أيضًا، لأن العرف أن المهدي (٢) إذا دخل على زيادة على القيمة أو على مقدارها أو يرتجى المواصلة والمكارمة فإن ثاب على هدية قيمتها ألف بعشرة (٣) دراهم فإنه خلاف العرف الذي عليه دخل فلا يلزمه، وإنما قلنا إنه إذا فاتت لزمته قيمتها لأنه إذا كان ذلك هو الواجب عليه مع بقائها فكذلك فواتها وتأثير الفوت منع ردها فقط، وإنما كان العتق فوتًا لأنه لا يمكن ردها معه ولا فسخه والحمل ينقص قيمتها والموت عدمها. ووجه قوله في زيادة البدن والسوق أنها فوت واعتباره لتغير النقصان ووجه قوله أنها ليست بفوت أن ردها ممكن من غير ضرر يلحق أحدهما، إنما قلنا: إنها لا تفتقر إلى حيازة لأنها معاوضة كالبيع، ولأن التهمة لا مدخل فيها كدخولها في هبة غير الثواب. فصل [٨ - في الهبة التي لا يقصد بها ثواب]: فأما الهبة التي لا يقصد بها ثواب ولا مكافآت فعلى ضربين: ضرب يراد به المودة والمحبة، وضرب يراد به وجه الله تعالى من صلة الرحم وذلك كهبة الغني للفقير واليتيم فهذا الضرب صدقة فحكمه حكم الصدقة فلا يجوز الرجوع فيه بوجه لا من أب ولا من غيره (٤)، وإنما قلنا ذلك لأنه أخرجها عن ملكه على وجه القربة إلى الله تعالى وابتغاء وجهه لا لغرض دنيا

стр. 1567

فلم يجز له الرجوع فيه، وعلى ذلك دل قوله ﷺ لعمر ﵁ لما سأله عن الفرس الذي حمل عليه في سبيل ثم رآه يباع "لا تبتعه ولو باعكه بدرهم ولا تعد في صدقتك" (١)، وقوله ﷺ "إنما الصدقة ليومها" (٢) يريد يوم القيامة، ومن هذا هبة الغني للفقير والهبة لصلة الرحم وما كان بمثابة ذلك. وإذا ثبت منع الرجوع فكذلك الانتفاع به لأنه ضرب من الرجوع إلا أن يشرب من ألبان الغنم يسيرًا أو يركب الفرس الذي في سبيل الله أو ما أشبه ذلك مما يقل خطره. فأما الضرب الآخر وهو الهبة للمودة والمحبة فليس لأحد فيها رجعة إلا للوالدين فيما وهباه لولدهما فلهما اعتصاره ما لم يداين أو يتزوج أو يطأها إن كانت جارية أو يكاتبه إن كان عبدًا أو ينفقه إذا كان مالا أو يختلط بمثله إذا كان دراهم أو حنطة أو ما يكال أو يوزن أو يبعه فلا يكون للوالد سبيل إلى الارتجاع، وإذا كان الولد أيتامًا فلا عصرة للأم فيما وهبته، وليس لأحد رجوع في هبته إلا للوالدين لامن قريب ولا من أجنبي لا جد ولا غيره من الأقارب (٣). فصل [٩ - في منع الواهب من الرجوع في هبته]: وإنما قلنا إنه ليس للواهب سوى الوالدين الرجوع في هبته خلافًا لأبي حنيفة في قوله أن لهم ذلك (٤)، لقوله ﷺ " لا يحل للرجل أن يعطي العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها

стр. 1568

كمثل الكلب أكل حتى (١) شبع قاء ثم عاد في قيئه" (٢)، ولأنه لا يلي على ماله إلا بتولية، ويحد في وطئه أمته فلا رجوع له في هبته أصله الابن إذا وهب للأب. فصل [١٠ - جواز رجوع الأب فيما وهب لابنه]: وإنما قلنا إن للأب أن يرجع فيما وهب لابنه خلافًا لأبي حنيفة في منعه الرجوع (٣)، للحديث الذي رويناه، ولحديث النعمان بن بشير أن أباه نحله نحلا وجاء إلى النبي ﷺ يشهده فقال: إني نحلت ابني هذا فقال: "أكل ولدك نحلته" قال: لا، قال: "فارجعه" (٤)، فدل ذلك على أن للأب أن يرجع فيما وهب لابنه، ولأنها هبة لمن أضيف هو وماله إلى الواهب في الشرع إضافة الملك فكان له الرجوع فيها بوجه، أصله هبة السيد لعبده، ولأن الأب يختص مع الولد بما لا يوجد في غيره، وله شبهة في ماله ففارق الأجنبي. وإنما قلنا إن للأم أن تعتصر (٥) لمشاركتها في قرب الولادة ومباشرتها وإنما منعنا ذلك إذا كان الولد أيتاما لأن الهبة للأيتام يراد بها وجه الله كالصدقة، وإنما منعنا الاعتصار بعد التصرف لتعلق حقوق الغير بها، أما إذا داين الولد فإن الغرماء داينوه على المال الذي معه، فلو أجزنا للأب أخذه لكان

стр. 1569

غرورًا لهم، وكذلك إذا تزوجت الابنة لأن للزوج حق في تبقية مالها بيدها لقوله ﷺ : "تنكح المرأة لدينها ومالها" (١)، وللاتفاق على أنه لا رجوع له في البيع والعتق وكذلك سائر التصرف، فأما اختلاطه بما لا يتميز فجار مجرى إتلافه (٢) فبطل الرجوع فيه. فصل [١١ - في كراهة ارتجاع الصدقة بعوض أو هبة]: يكره أن يبتاع الرجل صدقته ويرتجعها بعوض أو هبة لأنه ضرب من العود فيها (٣)، ولأن الموهوب له والمتصدق عليه قد يستحيي منه فيسامحه في ثمنها أو يحط عنه ما لا يحط لغيره فيكون رجوعا في ذلك القدر، وفي حديث عمر أنه وجد فرسًا حمل عليه في سبيل الله (٤) يباع فأراد أن يشتريه فنهاه رسول الله ﷺ وقال: "لا تبتعه لو باعكه بدرهم ولا تعد في صدقتك (٥)، فأما إن مات المتصدق عليه فورثها المتصدق منه فلا بأس لأن ذلك ليس برجوع فيها ولا يتهم بأنه احتال فيه لأن الميراث يدخل في ملكه بغير صنعه، وفي الحديث أن امرأة وهبت لأمها وليدة فماتت الأم فورثتها الأبنه فسألت النبي ﷺ عن ذلك فقال: "أجرت في صدقتك ورد عليك الميراث وليدتك" (٦)، وإذا ثبت أنه لا يجوز الرجوع في الصدقه فالانتفاع بها ممنوع أيضًا على ما قدمناه (٧). فصل [١٢ - في التسوية بين الأولاد في الهبة]: ويستحب للإنسان أن يساوي بين ولده في الهبة، وأن لا يخص بعضهم بشيء

стр. 1570

يفرده عن الآخر إلا ويكون مثله لغيره، فإن أعطي بعضهم سيئًا من ماله جاز وإن أعطاه كل ماله كره ذلك ولم يبطل (١). وإنما استحببنا في الجملة أن يسوي بينهم في العطية لقوله ﷺ في حديث النعمان بن بشير لما نحله أبوه شيئًا وأراد الشهادة عليه فقال ﷺ " أكل ولدك نحلته مثل ما نحلت هذا" قال لا، "فارجعه"، وفي الحديث "أتحب أن يكونوا لك في البر سواء" (٢) ولأن ذلك يؤدى إلى العقوق وترك البر ويورث الحسد والضغن فوجب كراهيته لذلك، وهذا وهب كل ماله فإذا وهب البعض منه أو الشيء اليسير (٣) بعينه فذلك جائز لأن أبا بكر الصديق ﵁ وهب لعائشة ﵂ من ماله (٤)، والفرق بين البعض والكل أن في البعض لا تتولد العدواة والبغضاء لأنه قد ما يصير للولد الباقين إذا كان الموهوب يسيرًا، لا يكون جل ماله ولا قطعة مؤثرة فيه فيجري حينئذ مجرى هبة الكل. وإنما قلنا إن وهب جميعه نفذ وإن كان مكروها خلافًا لأحمد بن حنبل وغيره في منعه نفوذه (٥)، لحديث أبي بكر ﵁ واعتبارًا بالأجانب. فصل [١٣ - جواز التصدق بكل ماله في صحته]: يجوز أن يتصدق بماله كله في صحته وأن يهبه للظواهر والأخبار والترغيب في الصدقة، ولأن جماعة من الصحابة قد انخلعوا (٦) من أموالهم (٧)، وهذا إذا

стр. 1571

كان المتصدق له مال يرجع إليه من صناعة أو حرفة فيخلف منها ما لا يرده على نفسه، فأما إن كان لا يرجع إلى ما يقوته أو يقوت عياله إن كان ذا عيال فلا ينبغي له أن يمنع نفسه وعياله، وقد منع ﷺ سعدا أن يوصي بماله كله (١) إبقاء على ورثته، فإبقاء الإنسان على نفسه أولى، وقال تعالى ﴿لَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (٢). فصل [١٤ - في جواز إخدام عبده لرجل حياته]: من أخدم رجلا حياته عبده جاز ذلك، وقد اختلف عنه في نفقته على من تكون فعنه فيه روايتان (٣): إحداهما أنها على مالك رقبته، والأخرى أنها على من جعلت له خدمته، فوجه الأولى من أن النفقة على المالك بالرق وتعلق حق الغير بمنافعه لا يوجب عليه نفقته كما لو أجره، ووجه الثانية أنه يملك منافعه دون سيده فكانت النفقة عليه كالزوجة لما ملك الاستمتاع بها ملك منافعها ولا يلزم عليه الإجارة لأن العوض عنها قد أخد منه والله أعلم. …

стр. 1572

كتاب الوصية (١) الأصل في ثبوت الوصايا وتعلق الأحكام بها قوله تعالى في آية المواريث ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢)، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣)، وقوله ﷺ : "ما حق امرئ له مال يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده" (٤)، إذا ثبت ذلك فهي مندوب إليها (٥) للخبر الذي رويناه، ولأن فيها تحرزا وإحتياطا لأن الإنسان لا يدري متى يأتيه أمر الله ، وقد يكون عليه حقوق يحتاج إلى التخلص منها فيجب أن يكون على استظهار من ذلك. فصل [١ - الوصية بالثلث]: موضع الوصية الثلث، ولا يجوز الزيادة عليه إلا بإذن الورثة (٦)، وإنما قلنا إن له أن يوصي بالثلث لحديث سعد قال جاءني ﷺ يعودني من وجع اشتد بي فقلت: يا رسول الله بلغ مني الوجع ما ترى، وأنا رجل ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بثلثي مالي فقال "لا"، قلت فشطره، قال "لا" فقلت

стр. 1573

فالثلث (١) قال: "الثلث والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس (٢)، وقوله ﷺ "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم عند موتكم" (٣). وإنما قلنا الزيادة جائزة عليه إذا أذن الورثة لأن المنع من ذلك لأجلهم لأن ما زاد عليه حق لهم فإذا أجازوه فقد أسقطوا حقوقهم فجاز، وإن أجازه بعضهم وأباه بعض جاز في حق من أجازه ولم يجز في حق من منع لأن من أجازه فقد ترك حقه ومن منع فقد طالب بحقه فله ذلك. فصل [٢ - من لا وارث له يوصي بجميع ماله؟]: ومن لا وارث له فليس له الوصية بجميع ماله، فإن أوصى بزيادة على الثلث لم يكن له إلا الثلث فقط (٤)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن له أن يوصي بكل ماله (٥)، لقوله ﷺ : "إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند موتكم زيادة في أعمالكم" (٦) وظاهره يمنع زيادة عليه ولأن المسلمين يعقلون عنه فلم يكن له أن يوصي في حقهم بأكثر من ثلثه كالموالي، واعتبارا بالورثه المياسير. فصل [٣ - في عدم جواز الوصية لوارث إلا بإذن الورثة]: ولا تجوز الوصية لوارث من ثلث ولا غيره إلا بإذن باقي الورثه (٧)، والأصل

стр. 1574

في منعها قوله ﷺ : "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" (١)، (ولأن ذلك تعدى ما حد الله تعالى ورسمه لأنه تعالى جعل لكل وارث) (٢) قدرًا معلومًا من التركة، وإذا خص الميت بعضهم بزيادة على ذلك كان كأنه يعطيه من حق غيره، فإذا لم يجيزوا رجعت ميراثا لأنه لا يجوز أن ينفرد بها بعضهم، وليس لها جهة تصرف من قبل وصية فلم يبق إلا أن يرجع ميراثًا كالذي لم يوصي به. فصل [٤ - في القول بأنها تجوز بإجازة الورثة]: إنما قلنا أنها تجوز بإجازة الورثة، خلافًا لمن منع ذلك (٣)؛ لأن المنع لحقوقهم فإذا أجازوه فقد تركوا حقوقهم فيجب جوازه، ولأنها جهة للوصية يمنع منها لحق الورثة فجاز بإجازتهم أصلة الزيادة على الثلث. فصل [٥ - في حكم الوصية]: الوصية غير واجبة لقريب ولا لأجنبي (٤)، خلافًا لمن حكي عن وجوبها (٥) لمن لا يرث (٦) من الأقربين والذين (٧) إذا لم يكونوا وارثين؛ لأن كل من لم

стр. 1575

تلزم عطيته في الحياة لم تجب الوصية له بعد الوفاة كالأجانب، ولأنها هبة وعطية فلم تلزم اعتبارا بحال الحياة. فصل [٦ - في استئذان الورثة في الوصية لوارث أو بأكثر من الثلث]: إذا استأذن الورثة في الوصية لوارث أو بأكثر من الثلث فأذنوا له فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يجيزوا في الصحة، أو في المرض الذي يحجر عليه فيه أو أن يجيزوا بعد الموت فإن أجازو في الصحة فلا يلزمهم ذلك، ولهم الرجوع فيه لأنه لا حق لهم في الحجر عليه حال الصحة فأشبه إذن الأجنبي؛ لأنه لا يلزمه (١) إذا صار وارثا من بعد الموت (٢)، وإن أجازوا بعد الموت فذلك لازم من غير خلاف لأن الإرث قد وجب لهم، فإذا تركوه بعد وجوبه جاز كما لو وهبوه ابتداء. وإن أجازوه حال المرض المخوف لزم ذلك ولم يكن لهم الرجوع فيه (٣)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٤)؛ لأنها حال يملكون عليه الحجر فيها فإذا أذنوا فيما لهم منه لزمهم، كالسيد إذا أذن لعبده والزوج لامرأته، ولأنها حال تعتبر عطاياه فيها من الثلث كما بعد الموت، وإذا استأذنهم عند سفر فأذنوا له ففيها روايتان: إحداهما أنه لا يلزم اعتبارًا بالصحة، ولأن تصرفه في هذه الحال من رأس المال، والأخرى أنه يلزم اعتبارًا بالمرض المخوف لأنها حال خوف وخطر، وهذا في السفر البعيد الذي يخاف من مثله.

стр. 1576

فصل [٧ - في الإذن المحكوم به]: الإذن المحكوم به إذا كان طوعا لا خوفا من إضرار بهم مثل أن يكون الوارث في عيال الموصي ونفقته، إن لم يأذن به قطع به، أو يكون له عليه دين يلزمه أو يكون سلطانًا يرهبه أو ما أشبه ذلك فمتى كان الإذن على بعض هذه الوجوه لم يلزم وكان له الرجوع. فصل [٨ - هبات المريض وعطاياه]: هبات (١) المريض وعطاياه مراعاة فإن صح لزمته من رأس ماله وإن مات كانت من الثلث إلا أنها حال المرض موقوفه لا تنفذ (٢)، وقال داود هي جائزة من رأس المال الصحيح (٣)، ودليلنا قوله ﷺ : "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم عند الموت زيادة في أعمالكم" (٤)، فأخبر ﷺ أنه ليس لهم إلا الثلث ولا زيادة عليه، وروي أن رجلا أعتق ستة أعبد له في مرضه لا يملك غيرهم فبلغ ذلك النبي ﷺ فتغيظ عليه غيظا شديدا ثم دعى بهم فأسهم بينهم فأعتق ثلثهم وأرق ثلثيهم" (٥)، ولأن حصول سبب الموت بمنزلة حضور الموت نفسه بدليل منع الهبة للوارث، فإن نازعوا في ذلك دللنا عليه بإجماع الصحابة في قصة أبي بكر ﵁ لما قال لعائشة ﵂ إني كنت نحلتك جذاد عشرين وسق ولو كنت حزتيه لكان لك وإنما في اليوم مال الوارث" (٦) فبين تعلق حقوق الورثة به، وإن ذلك هو المانع من تسليمه إليها ولم يخالف عليه أحد، ولأنه إيجاب عطية في المرض كالوصية.

стр. 1577

فصل [٩ - إذا أوصى بزيادة على الثلث ولم يجز الورثة]: إذا أوصى بزيادة على الثلث ولم يجز الورثة قسم الموصى لهم الثلث على حسب مبلغ (١) الوصايا من جملة المال، مثاله: أن يوصي بالنصف والثلث ولا يجيز الورثة فينظر أقل ماله نصف وثلث وهي ستة مبلغ الوصية منها خمسة أسهم فيقسم الثلث بينهم على خمسة لصاحب النصف ثلاثة ولصاحب الثلث سهمان، وكذلك بالثلث والربع يكون على سبعة من اثني عشر لصاحب الثلث أربعة ولصاحب الربع ثلاثة على هذا الحساب (٢)، وقال أبو حنيفة يتساوى الموصى لهم في الثلث (٣). ودليلنا أنهما وصيتان لو كانتا مطلقتين مرسلتين قسمتا على التفصيل فإذا كانتا مقيدتين قسمتا (٤) كذلك، أصله لو أوصى بالسدس والثمن، وبيان ذلك أنه لو أوصى لزيد بألف درهم وقدرها النصف ولعمر بخمس مائة وقدرها الربع لاقتسمنا الثلث إذا لم يجز الورثة على التفصيل بحسب الوصايا، وهذا وفاق معهم فكذلك إذا قيد بنسبة، ولأنهما وصايا تتفاضل (قصرت عن الثلث فوجب) (٥) بحسبها أن تتفاضل في قسمة الثلث عليها إذا زادت عليه كالمرسلة. فصل [١٠ - في شراء ابنه بقدر ثلثه]: له أن يشترى ابنه بما يكون قدر ثلثه لأن له التصرف في الثلث ويرثه لأنه يعتق عليه وهو حر، وقال محمد بن مسلمة يجوز له أن يشتريه بكل ماله اعتبارًا باستلحاقه، وقال شيخنا أبو بكر في توريث ابنه نظر لأنه إخراج لورثته عن الميراث بعد ثبوت البينة لهم (٦).

стр. 1578

فصل [١١ - إذا أوصى له بمثل نصيب ابنه وله ابن واحد]: إذا أوصى لرجل بمثل نصيب ابنه وله ابن واحد فللموصى له كل المال، وكذلك لو كان ابنان فوصى للرجل (١) بمثل نصيب أحدهما كان له نصف المال، على هذا الحساب ينظركم ذلك النصيب إذا انفرد عن الوصية فيكون هو الموصى به (٢)، وقال أبو حنيفة والشافعي يجعل الموصى له كأنه ابن آخر فيأخذ مع الأبن الواحد النصف ومع الاثنين الثلث (٣). ودليلنا أنه إذا قال: أوصيت لك بمثل نصيب ابني فقد أحال بمعرفة القدر الموصي به على معرفة نصيب من أحال عليه فيجب أن يكون ذلك المحال عليه معلوما مقدرًا قبل الوصية ليصبح العمل بقدرها منه، ومتى علقنا معرفة المحال عليه على مقدار الوصية فذلك تناقض واستحال لأن الوصية معلقة عليه ويصير هو معلقًا على الوصية فيكون ذلك جعل الشيء شرطا لما هو شرط له (٤) فلا يصح، وإذا ثبت ذلك صح ما قلناه. فصل [١٢ - إذا أوصى لفلان بمثل نصيب أحد ورثته]: إذا أوصى لفلان بمثل نصيب أحد ورثته نظر إلى عدد رؤوسهم ثم أعطي جزءا منها (٥)، ولا ينظر إلى اختلاف فروضهم ولا إلى الذكور والإناث، مثاله: أن يترك ستة ذكورا وإناثا، أو إناث وذكورًا (٦) من نوع واحد كالبنين والبنات،

стр. 1579

أو الزوجات والجدات أو الأخوة والأخوات وغير ذلك فيعطي السدس، وإنما قلنا ذلك لأن الأنصباء إذا اختلفت مقاديرها لم يكن الأكثر بأولى من الأقل، فلم يبق إلا الاعتبار بالرؤوس (١). فصل [١٣ - إذا أوصى بسهم من ماله ولم يعينه]: إذا أوصى بسهم من ماله ولم يعينه أو بجزء منه أو بنصيب فذلك كله (٢) سواء، فاختلف أصحابنا في مقدار ما يلزم بالوصية بعد اتفاقهم على أنه لا يزاد على الثلث فمنهم (من قال يعطي الثمن) (٣) ومنهم من قال يعطي (٤) السدس، ومنهم من قال ينتظر إلى ما تبلغه قسمة الفريضة بالضرب إن احتيج إليه فيعطي سهما منه قلت السهام أم كثرت، وقال أبو حنيفة (٥): يدفع إليه مثل أقل سهام الورثة إلا أن يزيد إلى السدس فيكون له السدس (٦)، وقال الشافعي يدفع إليه الورثة ما شاءوا من غير مقدار مؤقت (٧). فدليلنا أولا على وجوب التقدير خلافًا للشافعي، أن السهم والجزء والنصيب عبارة عن التقدير لأنه يقال هذا المال بينهم على كذا وكذا جزءا أو سهما أو نصيبا، فإذا ثبت ذلك فكأنه أوصى له بقدر وأجمل التقدير فيجب أن يطلب ما هو أولى

стр. 1580

بأن يكون أراده ومتى وكلناه إلى مشيئة الورثة زال التقدير وصار كأنه قال أوصيت بشيء فإذا ثبت التقدير: فوجه القول بأنه يعطي الثمن أنه لما لم يكن بعض السهام بأولى من بعض وجب أن يدفع الأقل لأنه متحقق (١)، وما زاد عليه مشكوك فيه لإمكان أن يكون (أراده وإمكان أن يكون) (٢) أراد ما دونه فلم يجز أن يدفع إليه بالشك، ووجه القول بأنه يعطي السدس والجزء الذي ينقسم عليه الفريضة ما لم يزد على الثلث أن أصل حساب الفرائض السدس، وإنما ينشأ ما زاد عليه منه لأنه أقل السهام في الأصول بخلاف (٣) الثمن لأنه ليس بأصل وإنما هو سهم يستحق بحجب عن أصل الفرض. ووجه القول أنه يعطى سهما مما انقسمت عليه الفريضة بالغا ما بلغ أنه لما قال: له سهم من مالي أو جزء كان ذلك راجعًا إلى أجزاء ماله وسهامه فوجب أن تكون القسمة عليه دون اعتبار الفروض. فصل [١٤ - في التسوية بين الوصية في الصحة والمرض]: الوصية في الصحة والمرض سواء لأنهما تنفذ بعد الموت وليست بلازمة، والرجوع له فيما شاء منها إلا التدبير لأنه إيجاب في الحياة، وإن كان له حكم الوصية من بعض الوجوه وهو خروجه من الثلث، وكذلك العتق المبتل (٤) في المرض (٥).
следующие страницы →