← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وسلم: "من ذرعه (١) القيء فلا قضاء عليه" (٢)، وقوله: "ثلاث لا يفطرن الصائم: فذكر القيئ" (٣)، ولأنه خارج من البدن من غير مخرج الحيض، فإذا كان بغير صنع من الصائم ولا استدعاء لم يفسد الصوم أصله الاحتلام. فصل [٤ - فيمن استقى عامدًا]: وإن استقى فمن أصحابنا من يقول: إن القضاء واجب، ومنهم من قول: مستحب (٤)، موجه الوجوب قوله ﷺ : "ومن استقى فعليه القضاء" (٥)، ولأن الغالب منه عود شيء مما يخرج من حلقه إلى جوفه، وذلك مفطر له للغالب على اليقين، ووجه نفيه فلأنه خارج من الفم كالبصاق ولأنه لما افترق الحكم بين غلبته وعمده دل على أنه لا يقع به الفطر، وهذا يدخل عليه الإنزال لأن الحكم يفترق بين غلبته بالاحتلام وبين عمده والقول في الكفارة مبني على هذا الاختلاف. فصل [٥ - الحجامة في الصوم]: الحجامة (٦) لا تفطر (٧) خلافًا لأحمد (٨)، "لأنه ﷺ

стр. 457

احتجم وهو صائم" (١)، وقال: "ثلاث لا يفطرن فذكر الحجامة" (٢)، ولأنها في معنى الجراحة كالفصاد (٣). فصل [٦ - ]: إذا ثبت أنها لا تفطر فإنها مكروهة لأن الغالب منها لحوق الضعف، فربما أدى إلى الفطر، وقد روي هذا المعنى عن عليّ وابن عباس (٤)، وجماعة من الصحابة. فصل [٧ - السواك للصائم]: السواك جائز للصائم في الجملة (٥) لقوله ﷺ (٦): "خير خصال الصائم السواك" (٧)، ولأنه ﷺ كان يفعله ويداوم عليه (٨)، وأول النهار وآخره سواء في إباحته خلافًا للشافعي في كراهيته له آخر النهار (٩)؛ لأن كل معنى لم يكره أول النهار لم يكره آخره كالمضمضة، ولأن أول النهار مساو لآخره في شروط الصحة، فكذلك في الندب والإباحة.

стр. 458

فصل [٨ - الأسباب التي يفطر بها الصائم]: الأسباب التي يفطر بها الصائم ضربان: منها ما هو من فعله، ومنها ما ليس من فعله. فالذي ليس من فعله لا كفارة فيه أصلًا، وذلك الحيض والنفاس والإغماء والجنون والإكراه مثل أن يمسك ويوجر (١) الماء أو تمسك المرأة وتجامع كرهًا وما أشبه ذلك، ولسنا نريد بقولنا: إنه يفطر الصائم أنه طرأ على صوم صحيح فيفسده، وإنما نريد لا يصح الصوم معها بأن تقارن ابتداؤه تارة فتمنع انعقاده وتطرأ عليه بعد انعقاده فتمنع (٢) استدامته، فكل هذا لا كفارة فيه إلا في المجامعة مكرهة، فإن الكفارة على مكرهها دونها (٣). والذي هو من فعله نوعان: نوع يعذر به، ونوع لا يعذر به لا كفارة فيه (٤) أصلًا، وذلك كالأكل والجِماع سهوًا أو لسفر أو لمرض أو لإكراه أو ضرورة عطش (٥) أو لجوع يخاف معه (٦) التلف أو حدوث مرض أو خطأ الوقت أو بضرب من التأويل يعذر فيه بجهل كمسافر مقدارًا لا تقصر الصلاة في مثله أو قادم قبل طلوع الفجر ظانًّا أن من لم يقدم من أول الليل فلا صوم له أو ما أشبه ذلك سوى متعجل الفطر من أجل عذر يتوقعه من مرض أو حيض أو سفر فعليه الكفارة، وخالف عبد الملك في المفطر عازمًا على السفر فقال: إن مضى لسفره فلا كفارة عليه وإن قعد فعليه الكفارة (٧).

стр. 459

ومن الأعذار الذي لا كفارة معها: الفطر لخوف على حمل أو ولد أو لإفناء وهرم، والذي نريده (١) بالكفارة في هذا الموضع هو الكفارة العظمى، فهؤلاء لا كفارة عليهم، وإنما قلنا ذلك لأن الكفارة متعلقة بالهتك وانتفاء العذر، وذلك يتضمن كونه من فعلتهم ومنعهم من إيقاعه، فكل هذا معلوم في النوعين معًا. فصل [٩ - الفعل الذي لا يعذر معه الصائم في فطره]: والنوع الذي لا يعذر معه ينقسم قسمين: منه ما يقصد به هتك حرمة الصوم، ومنه ما يقصد به هتك شيء يجر إلى هتك حرمة الصوم، وهذا كالردة التي ليس الصوم مقصود بها، وإنما يقصد هتك حرمة الإِسلام فيجر إلى الصوم فلا كفارة فيه. والقسم الآخر ما يقصد به هتك حرمة الصوم نفسه بالإفساد، فهذا النوع تلزم (٢) به الكفارة من غير اعتبار بما به يقع الفطر من جماع أو أكل أو شرب أو ترك نية عمدًا أو تعمد إنزال عن فعل منهي عنه من استمناء أو وطء دون الفرج أو قبلة أو لمس لشهوة أو استدامة نظر أو غير ذلك إذا قارن جميع ما ذكرناه الإنزال، وإن شئت فصلت بين هذا القسم وبين الردة: بأن كل فعل يفسد الصوم ويُوجب القضاء تتعلق به الكفارة وكل ما لا يوجب القضاء لا تتعلق به الكفارة وهو الردة (٣). فصل [١٠ - الدليل على أن المجامع عامدًا عليه الكفارة]: وإنما قلنا إن المجامع عمدًا في الفرج عليه الكفارة للحديث المروي في ذلك (٤)، وإنما قلنا: إنه لا اعتبار بما به يقع الفطر إذا وجد الهتك خلافًا للشافعي

стр. 460

في قصره ذلك على الجماع في الفرج (١) لما روي: أن رجلًا أفطر رمضان، فأمره ﷺ أن يكفر ولم يستفصل (٢)، واعتبارًا بالجِماع بعلة وجوب الهتك بما يوجب القضاء. فصل [١١ - الكفارة على المرتد]: وإنما قلنا: لا كفارة على المرتد؛ لأن الكفارة متضمنة بالقضاء، فإذا لم يجب القضاء لم تجب الكفارة، ولأنه لا يخلو أن يقيم على ردته أو يعود إلى الإِسلام: فإن أقام على الردة فالكافر لا يخاطب بفروع الشريعة (٣) مع الإقامة على كفره، وإن عاد إلى الإِسلام سقط عنه كل ما كان قبل توبته اعتبارًا بالكافر الأصلي. فصل [١٢ - أنواع الكفارة]: والكفارة ثلاثة أنواع (٤): إعتاق (٥)، وصيام، وإطعام. والإعتاق (٦): هو تحرير رقبة مؤمنة ليس فيها عقد من عقود العتق ولا يكون مستحقًا بجهة أخرى. والصيام: أن يصوم شهرين متتابعين.

стр. 461

والإطعام لستين مسكينا مدًّا بمد النبي ﷺ ، والأصل في هذه الجملة حديث الأعرابي الذي قال: وقعت على أهلي في رمضان "فأمره رسول الله (١) ﷺ أن يكفر بعتق رقبة أو بصيام شهرين متتابعين أو بإطعام (٢) ستين مسكينًا" (٣)، ولا خلاف أنها هذه الأنواع (٤). فصل [١٣ - كفارة الفطر على التخيير]: وهي على التخيير (٥) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٦) لما روي أنه ﷺ أمر السائل أن يكفر بعتق رقبة أو بصيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا (٧)، وأو موضوعها التخيير، ولأنها كفارة وجبت من (٨) غير عمد ولا إتلاف، فكانت على التخيير أصله كفارة اليمين. فصل [١٤ - الإطعام مختار في كفارة الفطر]: والاختيار عند مالك ﵀ (٩) الإطعام (١٠) لأنه أعم نفعًا؛ لأن العتق يخص المعين والصيام لا منفعة فيه لغير الصائم والإطعام يسقط الفرض ويعم نفعه جماعة المساكين. فصل [١٥ - المريض يفطر]: وإنما قلنا: إن للمريض أن يفطر لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى

стр. 462

سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١)، ولأنه لما جاز الفطر لمشقة السفر التي قد تكون، وقد لا تكون فلأن يجوز له ذلك في المرض أولى، ولا خلاف في ذلك (٢)، وكذلك إذا خاف حدوث المرضى جاز له الفطر، كما يجوز له التيمم متى خاف المرض باستعمال الماء. فصل [١٦ - الحامل تفطر]: وإنما قلنا: إن الحامل إذا خافت على حملها أفطرت ولا إطعام عليها (٣) خلافًا للشافعي (٤)، وعبد الملك؛ لأنها مفطرة بعذر كالمريض، ولأن عذرها أبلغ من عذر مخطيء الوقت، فإذا لم يجب عليه إطعام، فالحامل أولى، ولأن خوفها على ولدها وربما تعدى إليها، فكان كخوفها على نفسها. فصل [١٧ - الفطر للمرضع]: وفي المرضع روايتان (٥): فوجه الوجوب أنها مفطرة من أجل غيرها لا من أجل نفسها، فضعف عذرها عن الحامل، ووجه نفي الوجوب فلأنها مسوغ لها الفطر كالمريض. فصل [١٨ - الشيخ الهرم يفطر ولا يطعم]: وإنا قلنا: إن الشيخ الهرم لا يلزمه الصوم لأنه يضعف عنه ويؤدي إلى تلفه، وذلك مسقط للتكليف عنه، وإنما قلنا: لا إطعام عليه (٦) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٧)، لأنه مسوغ له الفطر كالمريض.

стр. 463

فصل [١٩ - المرأة تطاوع زوجها بالجِماع في رمضان]: وإذا طاوعت المرأة بالجماع فعليها الكفارة (١) خلافًا للشافعي (٢)؛ لأن كل فطر على وجه الهتك، فإنه يوجب الكفارة كفطر الرجل، ولأنها شخص مفطر على وجه الهتك كالرجل. فصل [٢٠ - عدم تحمل الرجل كفارة زوجته]: ولا يتحملها عنها الرجل (٣)، خلافًا للشافعي (٤) في بعض أقاويله لأن الفطر بالهتك يلزم الكفارة به للمفطر من غير تحمل عنه أصله الرجل. فصل [٢١ - فيمن أفطر يومين]: وإذا أفطر يومين فعليه كفارتان سواء كفَّر عن اليوم الأول أم لا (٥)، خلافًا لأبي حنيفة (٦)؛ لأنه هتك لحرمة الصوم بالفطر فيه كاليوم الأول، ولأن تأخير الكفارة عن اليوم الأول لا يوجب سقوطها في اليوم الثاني أصله في السنتين، ولأنه حكم لزم بالفطر فأشبه القضاء. فصل [٢٢ - الواطيء سهوًا في رمضان]: ولا كفارة على الواطيء سهوًا (٧) خلافًا لأحمد بن حنبل (٨)، لقوله صلى

стр. 464

الله عليه وسلم (١): "رفع عن أُمتي الخطأ والنسيان" (٢)، ولأنه خرم الإمساك سهوًا كالأكل، ولأن الكفارة تتعلق بالهتك دون العذر كالمريض .. فصل [٢٣ - من أصبح جنبًا فصام]: ومن أصبح جنبًا فصام أجزأه (٣)، خلافًا لبعضهم (٤)، فلأنه ﷺ كان يفعل ذلك (٥)، ولأنه حدث فبقى تطهيره لا يمنع الصوم كالحدث الأصغر. فصل [٢٤ - الحائض تطهر ليلًا وتؤخر الغُسل حتى طلوع الفجر]: وإذا طهرت الحائض ليلًا فأخرت الغُسل حتى طلع الفجر صامت إن كانت نوت وأجزاها سواء فرطت بالتأخير أو لم تفرط (٦)، خلافًا لعبد الملك ومحمد ابن مسلمة (٧)؛ لأنها محدثة زال حدثها قبل الفجر ولم يبق عليها سوى التطهير كالجنب، ولأن وجوب الغسل لا ينافي صحة الصوم كالغسل من الجنابة. فصل [٢٥ - فيمن أفطر في غير رمضان]: لا تلزم العظمى (٨) في إفطار ما على رمضان (٩) خلافًا لما يحكى عن

стр. 465

قتادة (١) أن في قضائه الكفارة (٢) لأن الكفارة واجبة لهتك حرمة الزمان واعتبارًا بالنفل والنذر. فصل [٢٦ - زمن قضاء رمضان]: قضاء رمضان موسع إلى دخول رمضان من السنة الآتية، فإن دخل ولم يقضه نظر: فإن كان بعذر فلا إطعام عليه ولا شيء سوى القضاء، وإن كان لغير عذر لزمه مع القضاء بعدد الأيام أمداد عن كل يوم مد (٣) خلافًا لأبي حنيفة لقوله: لا إطعام عليه (٤)، لقول عائشة أم المؤمنين (٥) ﵂: "إن كان ليكون عليَّ صوم من رمضان فلا أستطيع أن أقضيه حتى يدخل شعبان" (٦)، فأبانت بذلك أن وقت القضاء ما بين الرمضانين، فإذا آخره عن هذا الوقت فقد آخره عن وقته المجعول له، فأشبه إذا أخر صوم رمضان عن وقته (٧). فصل [٢٧ - جواز الفطر للمسافر]: ومن سافر سفرًا مباحًا تقصر الصلاة في مثله فهو بالخيار إن شاء صام رمضان وإن شاء أفطر (٨) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ

стр. 466

أيامٍ أُخَر﴾ (١)، معناه فأفطر، وقوله ﷺ : "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" (٢)، وقوله لحمزة بن عمرو الأسلمي (٣)، وكان كثير الصيام "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر" (٤)، وقال أنس: "نسافر مع رسول الله في رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم" (٥). فصل [٢٨ - صحة صوم المسافر]: وإنما قلنا: إن صومه يصح خلافًا لبعض من لا يعتد بخلافه (٦) للأخبار التي رويناها، ولأن السفر حال يصح فيها صوم غير رمضان أصله الحضر، ولأن رخصة الفطر كرخصة القصر ولو أتم الصلاة لأجزاه فكذلك إذا صام. فصل [٢٩ - قضاء ما أفطره المسافر]: وإنما قلنا: أن عليه القضاء لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٧)، ولأنه عذر أبيح معه الإفطار كالمرض، وإنما قلنا: إنه مقصور على مدة للاتفاق على

стр. 467

تساويهما في ذلك، ولأنه أحد الأركان الخمسة، للسفر تأثير في تخفيضه، فوجب أن يكون مسافته ثمانية وأربعون ميلًا كالصلاة. فصل [٣٠ - الصوم أفضل من الفطر في السفر]: إذا ثبت أنه غير فالصوم أفضل (١) خلافًا للشافعي (٢)، والفرق بينه وبين القصر أنه إذا قصر، فقد أدى العبادة وبرئت ذمته منها، وإذا أفطر فهي متعلقة بذمته وأداء العبادة أفضل من تأخيرها. فصل [٣١ - إذا أقام المسافر في أضعاف سفره]: إذا أقام (٣) المسافر في أضعاف سفره بموضع عازمًا على الإقامة أربعة أيام لزمه الصوم خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا يلزمه ذلك إلا إذا نوى إقامة خمسة عشر يومًا، لقوله ﷺ : "يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا" (٤)، فجعل إقامة الثلاث (٥) في حكم السفر، فكان الاعتبار بزيادة عليها وأقل ذلك ما يتعلق به حكم الصيام، وهو يوم وهو أقل ما يستغرقه من الزمان. فصل [٣٢ - إذا بدأ الإقامة في بعض يوم]: وإن دخل في بعض يوم، قال ابن القاسم: ألغاه، وحسب من غده، وقال غيره: يراعى إقامة عشرين صلاة من وقت عزمه على الإقامة (٦)، فلابن القاسم أن العبادة المتعلقة بعدد أيام تحسب قبل طلوع الفجر، ويلغى ما كان بعد طلوعه كالعدة بالشهور والأسبوع في العقيقة، ولغيره أن الاعتبار

стр. 468

بالأربعة أيام جميعها (١) لعشرين صلاة وتلفيقها يوجد فيها هذا المعنى، فكان بمنزلة كمالها. فصل [٣٣ - من أفطر في صيام التطوع]: ومن تطوع بالصوم لزمه إتمامه إذا كان حاضرًا ولم يجز له الخروج منه إلا لعذر، فإن أفطر لغير عذر لزمه القضاء (٢) خلافًا للشافعي (٣) لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤)، ولأنها عبادة مقصودة لنفسها كالحج والعُمرة، فأما القضاء فلما روي: أن عائشة وحفصة (٥) ﵄ (٦) أصبحتا صائمتين متطوعتين فيه فأُهدي لهما طعام فأفطرتا عليه، فقال ﷺ : "اقضيا يوما مكانه" (٧). وإن أفطره من عذر لمرض أو عطش أو شدة جوع أو إكراه أو سهو أو خطأ وقت فلا قضاء عليه لأنه التزمه مع القدرة على إتمامه، فإذا قطعه عليه قاطع بغير صنعه ولا اختياره فلا شيء عليه. فصل [٣٤ - من تطوع بالصوم في السفر أو الحضر ثم سافر فأفطر]: إذا تطوع في السفر أو صام في الحضر ثم سافر في بقية يومه، فأفطر ففيها

стр. 469

روايتان (١): إحداهما وجوب القضاء عليه والأخرى سقوطه، فوجه الأولى أنه أفطر مختارًا مع إمكان الإتمام كالحاضر، ووجه الثانية أن كل معنى جاز معه الإفطار في رمضان سقط به القضاء في التطوع أصله المرض. فصل [٣٥ - من نذر معينًا فمرض]: إذا نذر يومًا معينًا فمرضه فلا قضاء عليه لأنه التزم صومًا عينه، فإذا فات فلا قضاء عليه وإن صومه مع فواته غير ممكن، وكذلك إذا حاضت فإن أفطر متعمدًا فعليه قضاؤه، ولأنه مستحق عليه، فإذا تركه استحق البدل عليه اعتبارًا برمضان والسفر ليس بعذر اعتبارًا بقطع التتابع، وقيل: في المرض يقضي والأول أصح (٢). فصل [٣٦ - إذا حاضت في صيام الشهرين أو أكل ناسيًا]: إذا حاضت في صيام الشهرين أو أكل ناسيًا أو مخطئًا للوقت لم يقطع تتابعه لأنَّه أمر غالب كالحيض (٣)، وإنما قلنا: إن الحيض لا يقطعه لأنه لا يكون لها سبيل إلى الخلاص منه، وإن مرض فأفطر لم يقطع التتابع (خلافًا للشافعي (٤) لأنه عذر لا يمكنه دفعه كالحيض) (٥)، وإن سافر فأفطره انقطع تتابعه (٦) لأنه يقدر معه على الصوم فلم يكن عذرًا في قطع التتابع. فصل [٣٧ - من أفطر في رمضان بعذر ثم زال عذره]: ومن أفطر في رمضان بعذره ثم زال عذره في بقية يومه فذلك على ضربين (٧):

стр. 470

إن كان عذره يبيح (١) الفطر مع العلم بأن اليوم من رمضان لم يلزمه إتمام الإمساك كالحائض والمريض والمسافر إذا زالت أعذارهم في بقية يومهم، وإن كان عذرًا يسوغ الفطر معه بشرط عدم العلم بأن الوقت مستحق صومه، فإن زوال العذر موجب للإمساك (٢)، وذلك كخطأ العدة والوقت بالإفطار قبل الغروب أو بالسحر (٣) بعد الطلوع مع الاجتهاد والظن لبقاء الليل وخروج النهار والأكل سهوًا وما أشبه ذلك (٤). فصل [٣٨ - في صيام الدهر]: سرد الصوم (٥) جائز إذا أفطر الأيام المنهى عن صيامها (٦) لقوله تعالى (٧): ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (٨)، وقوله ﷺ : "يقول الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به" (٩)، ولأن جماعة من الصحابة قد فعلوا ذلك (١٠)، ولأنه من عبادات الأبدان المبتدأة فجاز سرده في أوقات جوازه كالصلاة والله أعلم. (تم كتاب الصيام يتلوه كتاب الاعتكاف: بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمَّد) (١١).

стр. 471

كتاب الاعتكاف (١) الأصل في جوازه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢)، وقوله ﷺ لعمر ﵁ وقال له: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف: "أوف بنذرك" (٣)، ولأنه فعله هو (٤) والسلف بعده والإجماع على ذلك (٥). فصل [١ - تعريف الاعتكاف الشرعي]: والاعتكاف الشرعي هو المقام في المسجد مع الصوم والنية، وإنما قلنا: إنه المقام في المسجد لأن الاعتكاف هو الملازمة والعكوف والثبوت واللزوم، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (٦) أي ملازمون لعبادتها. فصل [٢ - اشتراط المسجد في الاعتكاف]: وإنما قلنا: إن من شرطه المسجد (٧) لقوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (٨)، فدل على أن المسجد من شرطه، وإلا لم يكن لتخصيصه من

стр. 472

سائر الأماكن مع النهي عن المباشرة في جميعه معنى، ولأنه ﷺ اعتكف في المسجد ولم يعتكف في غيره (١)، ولأنه إجماع (٢). فصل [٣ - المرأة والرجل سواء في الاعتكاف]: وإنما قلنا: إن المرأة والرجل فيه سواء (٣) خلافًا لأبي حنيفة (٤) في قوله: إن المرأة تعتكف في مسجد بيتها، للظاهر وهو عام، ولأنه شخص معتكف كالرجل ولأن كل شرط للاعتكاف لزم الرجل لزم في حق المرأة كالصوم. فصل [٤ - اشتراط النية في الاعتكاف]: وإنما قلنا: إن النية من شرطه لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (٥)، ولأنها عبادة متقرب بها والقربة لا بد لها من نية. فصل [٥ - عدم جواز خروج المعتكف من المسجد]: ولا يجوز له الخروج من المسجد إلا لحاجة الإنسان أو لأمر يضطره (٦) إلى الخروج من حاجته إلى شراء طعامه (٧)، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٨)، وروي: "أنه ﷺ كان إذا اعتكف لا يخرج إلا لحاجة الإنسان" (٩)، ولأن الحاجة لا بد من الخروج لها، فكانت بخلاف غيره، وكذلك شراء الطعام.

стр. 473

ولا يجوز له الخروج لعيادة مريض ولا لصلاة على جنازة ولا لتشاغل بشيء من أموره سوى ما ذكرناه، لأنه ﷺ لم يكن يفعل ذلك (١)، ولأن المسجد من شرطه فلم يجز له مفارقته كالصيام. فصل [٦ - عدم جواز اشتراط الخروج من الاعتكاف]: ولا يجوز له أن يشترط في الاعتكاف جواز الخروج منه لضرورة إن نزلت به سوى ما ذكرناه (٢) خلافًا للشافعي (٣)؛ لأنه شرط ما ينافي موجب الاعتكاف كما لو شرط ترك الصوم، ولأنها عبادة اشترط فيها خلاف موجب عقدها المطلق ونقيضه، فلم يصح كالصلاة والصيام. فصل [٧ - في اشتراط الصيام في الاعتكاف]: وإنما قلنا: إن الصيام من شرطه (٤)، خلافًا للشافعي (٥)، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ … إلى قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٦)، فنهى عن المباشرة في الاعتكاف وقصر المخاطبة به على الصائمين، فدل على كون الصيام شرطًا فيه، "ولأنه ﷺ اعتكف صائمًا" (٧)، فكان ذلك بيانًا له، وقوله ﷺ لعمر ﵁: "أوف بنذرك وصم" (٨)، ولأنه

стр. 474

لبث في مكان مخصوص، فلم يكن قربة إلا بانضمام معنى آخر إليه وهو قربة في نفسه كالوقوف بعرفة. فصل [٨ - أقل ما يصح فيه الاعتكاف من الأيام]: وأقل ما يصح الاعتكاف في يوم واحد (١) لأن الصيام لا يمكن في أقل منه، وكل عبادة شرط فيها زمان فأقله ما يستغرقه وقته كالصلاة والاختيار أن لا ينقص من عشرة أيام لأنه ﷺ لم ينقص منها (٢). فصل [٩ - الصيام للاعتكاف]: وليس من شرط الاعتكاف أن يصوم للاعتكاف إلا أن يجعله شرطًا (٣) لأنه ﷺ اعتكف في رمضان، وهو واجب لغير الاعتكاف، ولأن من حقه ألا يكون إلا في الصوم سواء كان له أو لغيره كما أن الصلاة لا تكون إلا بطهارة من الحدث لها أو لغيرها. فصل [١٠ - الاعتكاف في المسجد]: والاعتكاف جائز في مسجد (٤) لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٥)، فإن كان أيامًا تتخلها الجمعة لم يجز له الاعتكاف إلا في الجامع لا لأجل أن الاعتكاف لا يصح في غيره من المساجد، لكن لأنه (٦) لا بد له من

стр. 475

الخروج إلى المسجد فيبطل اعتكافه أو يتركه (١)، وذلك غير جائز لأنها أولى من الاعتكاف فلم يبق إلا ما قلناه. فصل [١١ - فيمن خرج من معتكفه إلى الجمعة]: وإذا (٢) خرج إلى الجمعة بطل اعتكافه عند مالك ﵀، وقال عبد الملك: لا يبطل (٣)، فوجه قول مالك: إنه خرج من المسجد مختارًا فيما كان يمكنه ألا يخرج فأشبه (٤) خروجه لعيادة مريض، ووجه قول عبد الملك: إن الجمعة أمر يضطره إلى الخروج لا يجوز له الإقامة في المسجد معه كحاجة الإنسان. فصل [١٢ - متى يبدأ ويدخل في الاعتكاف]: ويستحب لمن يريد الاعتكاف أن يدخل إلى معتكفه قبل غروب الشمس من أول ليلة من اعتكافه ليستوي في اليوم بليلته، فإن دخل بعد غروب الشمس وقبل طلوع الفجر في وقت ينوي فيه الصوم (٥) أجزاه لأن الليل كله وقت لنية الصيام، فأي (٦) وقت نوى فيه أجزاه. فصل [١٣ - في انصراف المعتكف في آخر رمضان]: ويستحب لمن اعتكف آخر رمضان أن لا ينصرف إلى بيته حتى يشهد العيد مع المسلمين (٧) لأن رسول الله ﷺ كذلك كان يفعل (٨)، ولأنه إذا رجع إلى أهله

стр. 476

لم يترفه بالعذر الذي يحصل عندهم إلى وقت خروجه لصلاة العيد، فإن لم يفعل جاز إذا انصرف بعد غروب الشمس لزوال مدة الاعتكاف. فصل [١٤ - المتكف يعقد النكاح]: وللمعتكف أن يعقد النكاح لنفسه ولغيره (١)، والفرق بينه وبين الإحرام أن الطيب ممنوع في الإحرام وهو من دواعي الوطء (٢)، فكان النكاح أولى بالمنع وليس كذلك الاعتكاف. فصل [١٥ - خروج المعتكف من المسجد لمرضه]: وإذا مرض المعتكف خرج من المسجد، فإن عجز (٣) عن الصوم، فله الفطر ويبطل اعتكافه (٤)؛ لأن المرض عذر يبيح الفطر والخروج من المسجد لأن إقامته في المسجد تضربه لحاجته إلى العلاج وغيره مما لا يجوز في المسجد. وكذلك الحائض تخرج من المسجد ويبطل اعتكافها (٥)، فأما خروجها من المسجد فلأن الحيض يمنع الإقامة فيه، وأما بطلان الاعتكاف فلأن من شرطه الصيام على ما بيناه والحيض ينافيه، وإذا صح المريض وطهرت الحائض، وقد بقي عليهما شيء من اعتكافهما يوم فما زاد عادا فتمماه وصاما فيه ووصلاه بما قبل المرض والحيض، ولم يجز لهما تأخيره فإن أخراه ابتدءا الاعتكاف. فصل [١٧ - الاعتكاف يقتضي التتابع في أيامه]: الاعتكاف يقتضي بإطلاقه التتابع، فمن نذر أن يعتكف عشرة أيام نذرًا مطلقًا

стр. 477

لزمه أن يتابعهما (١)، والأصل فيه أنها عبادة واجبة، وهي على الفور ومنع التراخي إلا أن يقوم دليل، ولأن الاعتكاف لما كان ليلًا ونهارًا، وكان حكم ليله كحكم نهاره في الامتناع من الوطء والمباشرة وسائر الأفعال المنافية للاعتكاف كان حكم الأيام العدة حكم اليوم الواحد. فصل [١٧ - قضاء الاعتكاف]: ومن قطع اعتكافه مرض أو حيض لزمه قضاء ما ترك الاعتكاف فيه (٢)، وإن كانت أيامًا معينة بخلاف الصوم المعين اعتبارًا بالحج والعُمرة، ولأنها عبادة لها تعلق بالمسجد تحرم فيه المباشرة فصح قضاؤهما. فصل [١٨ - ما يجوز فعله لمن خرج من المسجد]: ومن أجزنا له الخروج من المسجد إما لمرض أو لحيض أو لحاجة الإنسان، فهو في حكم من هو في المسجد فلا يجوز له (٣) أن يفعل ما كان ممنوعًا منه في الاعتكاف مما لا يتقضيه عذره، فمتى فعل ذلك أفسد الاعتكاف واستأنفه، وكذلك في اجتناب ما يجتنبه في النهار (٤). فصل [١٩ - ما لا يجوز فعله للمعتكف]: ولا يجوز للمعتكف أن يطأ ولا يُقَبِّل ولا يباشر ليلًا ولا نهارًا، فإن فعل ذلك بطل اعتكافه (٥)، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٦)، ولأنها عبادة من شرطها التتابع لم تجب بدلًا عن إتلاف نفس

стр. 478

ولا هتك حرمة فأفسدها الجماع كالحج وصوم الظهار وما عدى الجماع من الاستمتاع معتبر به. ويفسده أيضًا ركوب شيء من الكبائر كشرب الخمر والزنا واللواط والالتذاذ بما دونه؛ لأن الاعتكاف هو نهاية الطاعة والمبالغة لذلك حتى أنه يكره فيه (١) التشاغل عن التعبد بتدريس العلم أو المشي لصلاة على الجنازة إلى غير موضعه من المسجد لئلا يقطع ذلك العذر من الوقت بغير ما قصد له من العبادة وركوب الكبائر ينافي هذا، وما ضاد العبادة أفسدها والله أعلم. (تم كتاب الاعتكاف والحمد لله) (٢) …

стр. 479

كتاب المناسك (١) بسم الله الرحمن الرحيم (٢): الحج (٣) فرض على مستطيعه من أحرار المكلفين (٤) لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٦)، قيل: معناه من لم ير الحج واجبًا (٧)، وقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٨)، وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (٩)، وقوله ﷺ : "بني الإِسلام على خمس: فذكر الحج" (١٠)، وقوله للذي يسأله عن الإِسلام: "وحج البيت" (١١)، وقوله: "حجوا قبل أن لا تحجوا" (١٢)،

стр. 480

وقوله: "إن الله فرض عليكم الحج" (١)، ولإجماع الأُمة عليه من غير خلاف (٢). فصل [١ - وجوب الحج مرة في العُمر]: ووجوبه مرة في العمر غير متكرر (٣) لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٤)، وذلك يفيد أقل ما يتناوله الاسم، وروي أنه صلى الله عليه سُئل عند نزول هذه الآية فقيل: الحج كل عام فقال: "الحج مرة، ولو قلت: نعم لوجبت" (٥). فصل [٢ - شروط وجوب وأداء الحج]: شروط وجوبه وأدائه ستة (٦): وهي البلوغ والعقل والحرية والإِسلام والاستطاعة وإمكان المسير (٧)، فأما العقل والبلوغ، فلقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة فذكر: الصبيّ حتى يبلغ، والمغلوب حتى يفيق" (٨)، ولأنه من عبادات الأبدان كالصلاة والصوم (٩).

стр. 481

فصل [٣ - دليل شرط الحرية في الحج]: وأما الحرية فلقوله ﷺ : "أيما عبد حج ثم أعتق (١) فعليه أن يحج" (٢)، ولأن العبد منافعه مملوكة عليه فلا يستحق على السيد منها إلا قدر ما ورد به الشرع. فصل [٤ - دليل شرط الإِسلام في الحج]: وأما الإِسلام فإن قلنا: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة مع الإقامة على كفرهم بشرط أن يسلموا فيفعلوا كان الإِسلام شرطًا في الأداء، وإن قلنا: إن الوجوب لا يتوجه عليه إلا بعد إسلامهم (٣) كان شرطًا في الوجوب. فصل [٥ - في إمكان المسير]: وأما إمكان المسير، فمن أحكام الاستطاعة (٤)، وهو مختلف باختلاف عادات (٥) الناس في الأوقات، فإن كان في الطريق عدو قد تحقق طلبه للنفوس والغارات والقطع لا يكاد ينفع معه بذل مال إلا ما يشق ويعظم أو (٦) لا يؤمن غدره (٧) لتكرر ذلك منه، فإن الحج يسقط معه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٨)، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٩)، ولأن

стр. 482

المحصور بعدو له أن يتحلل من الإحرام بالحج، فكان بأن لا يلزمه قبل الدخول فيه أولى، وهل ذلك مانع من الوجوب أو الأداء محتمل، والأقوى أن يكون مانعًا من الأداء. وأما إن علم من حال العدو أنه يطلب شيئًا من المال لا يجحف بالناس ولا يشق ولا يؤثر قدره، وأنه إذا بذل له مكن الناس من الحج ولم يغدر بهم، فإن الحج يلزم معه خلافًا لمن منع ذلك من أصحابنا (١)، لأن ما يبذل له حينئذ يجري مجرى بعض النفقات والمؤن والضرائب التي لا يسقط معها فرض الحج ولا يؤثر في ذلك كونه جورًا وظلمًا. فصل [٦ - دليل شرط الاستطاعة في الحج]: فأما الاستطاعة فإنها شرط في الوجوب لقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢)، وهي عندنا القدرة على الوصول إلى البيت، وفعل المناسك بكل ما أمكن ذلك معه من قوة ومشي ومال، ويختلف ذلك باختلاف أحوال الناس وقدرهم، فمن كانت عادته المشي وسلوك الطريق بنفسه من غير حاجة إلى راحلة لزمه الحج إذا وجد الزاد ولم يقف وجوبه على وجود الراحلة، فإن كانت عادته المسألة واستماحة الناس لزمه الحج، وإن عدم الزاد في الحال جرى على عادته في التماسه، وإن كان ممن لا يسأل ولا يقدر على الوصول إلى البيت إلا براحلة لم يلزمه الحج إلا بوجودها، وكل هذا خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٣) في قولهم: إن الاستطاعة الزاد والراحلة بمجموعهما؛ لأن الله تعالى قال:

стр. 483

﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١) فعم، والمال والقدر بالبدن (٢) تحصل بهما الاستطاعة، يقال: فلان مستطيع بماله وبنفسه، ولأنه قادر على الحج من غير خروج من عادة، ولا بد له كالواجد للراحلة، واعتبارًا بأهل الحرم بعلة تمكنه من الوصول إلى البيت، وفعل المناسك من غير مشقة فادحة، والحديث بيان لمن كانت استطاعته الزاد والراحلة وهو غالب الناس، وأن السائل سائل عن حال نفسه. فصل [٧ - المعضوب الذي لا يستمسك على الراحلة]: والمعضوب الذي لا يستمسك على الراحلة غير مستطيع للحج ولا يلزمه أن يحج عنه غيره من ماله (٣)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٤)، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٥)، معناه أن يحجوا البيت، فأخبر عن صفة التكليف وهو أن يفعله بنفسه فانتفى بذلك وجوبه على خلاف هذه الصفة، ولأن كل عبادة على البدن لم تدخلها النية مع القدرة لم تدخلها مع العجز كالصلاة، ولأن كل عبادة تعلق فرضها بالبدن مع القدرة لم تنتقل إلى غيره مع العجز كالصلاة والصوم. فصل [٨ - المرأة تجد الصحبة المأمونة وليس لها محرم]: وإذا وجدت المرأة صحبة مأمونة لزمها الحج وليس المحرم من الاستطاعة (٦) خلافًا لأبي حنيفة (٧)، لأنه سفر مفروض كالهجرة، ولأن وجود من تأمنه وتسكن إليه من النساء يقوم مقام (٨) المحرم.

стр. 484

فصل [- في حكم العُمرة]: والعمرة (١) سنة مؤكدة وليست بفريضة (٢) خلافًا للشافعي (٣)، لقوله ﷺ وسئل عن الحج أفريضة هو؟ فقال: "نعم"، قيل: والعمرة؟ قال: "لا ولأن تعتمر خير لك (٤) " (٥)، وقوله: "الحج جهاد والعمرة تطوع" (٦)، وقوله: "من مشى إلى مكتوبه فهي كحجة، ومن مشى إلى تطوع فهي كعمرة تامة" (٧)، ولأنه نسك ليس له وقت معين فلم يكن فرضًا أصله طواف القدوم، ولأن فرائض الأبدان المتعلقة بمكان مخصوص يتعلق بزمان معين، فلما لم يكن للعمرة زمن معين انتفى بذلك كونها فرضا. فصل [١٠ - دليل سنية العمرة وأنها مرة في العمر]: وإنما قلنا: إنها سنة لقوله ﷺ : "والعمرة تطوع ولأن تعتمر خير لك" (٨)، وقوله للأقرع (٩)، وقد سأله: أعمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟

стр. 485

فقال: (للأبد) (١)، ولأنه ﷺ اعتمر وأصحابه وأزواجه (٢) وسنتها مرة في العمر للحديث الذي رويناه، ولأن مشقتها كمشقة الحج فكانت في حكمه. فصل [١١ - من مات ولم يحج]: ومن مات قبل أن يحج لم يلزم الحج عنه من رأس ماله ولا من ثلثه إلا أن يوصي بذلك، فيكون في ثلثه (٣)، وقال الشافعي: يلزم الحج عنه من رأس ماله وصى بذلك أم لم يوصي (٤)، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٥)، معناه أن يحجوا، وذلك ممتنع بعد الموت، وقوله ﷺ : "من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًّا أو نصرانيًّا" (٦)، فلو لزم الحج عنه من ماله لم يغلظ هذا التغليظ، ولأنها عبادة على البدن، فلم يلزم أداؤها عنه في المال كالصلاة، ولأنها عبادة تدخلها الكفارات (٧) فلم تلزم بعد الموت أصله الصيام (٨).

стр. 486

فصل [١٢ - كراهية الحج عن الغير قبل أن يحج عن نفسه]: يكره أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه (١)؛ لأن الفرض أولى من النيابة عن الغير، كما يكره أن يتطوع بأداء الزكاة عن غيره قبل أن يخرج الزكاة عن نفسه، ولقوله ﷺ للذي سمعه يحرم عن غيره: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" (٢). فصل [١٣ - فإذا أحرم عن غيره قبل أن يحج عن نفسه]: فإن أحرم عن غيره كان عن من أحرم عنه، ثم يحج بعد ذلك عن نفسه (٣) خلافًا للشافعي في قوله: إنها تنقلب عنه فتكون له دون من أحرم عنه (٤)، لقوله ﷺ : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ذلك (٥)؟، قالت: نعم (٦)، ولم يشترط أن تكون قد حجت عن نفسها. ولأن كل فعل صحت النيابة فيه بعد سقوطه عن النائب صحت مع بقائه عليه أصله قضاء (٧) الدين، ولأنه قصد الحج عن غيره فصح ذلك أصله إذا صح عن

стр. 487

نفسه، ولأن بقاء الفرض عليه لا يمنعه أن يفعله ما ليس بفرض أصله إذا صام تطوعًا وعليه قضاء رمضان، ولأنه من أهل الإحرام في الجملة، فإذا قصد بالإحرام أن يكون عن غيره فلم (١) ينقلب عن نفسه أصله إذا كان قد حج، ولأنه أحرم ينوي به عن شخص فوجب أن يكون عمن نواه أصله إذا نواه عن نفسه، ولأن كل إحرام انعقد على صفة لم ينقلب إلى غيرها أصله إذا عقده عن نفسه على صفة لم ينقلب إلى غيرها. فصل [١٤ - فيمن يتطوع بالحج قبل أداء الفرض]: يكره أن يتطوع بالحج قبل أداء الفرض، فإن فعل كان على ما نواه ولم ينقلب عن فرضه (٢) خلافًا للشافعي (٣)، وإنما كرهناه لأن أداء الفرض أولى من التطوع كما لو تطوع بالصلاة قبل الفرض مع ضيق الوقت، وإنما قلنا: إنها لا تنقلب فرضًا لأنها عبادة نوى بها التطوع فلم تنقلب فرضًا كالصلاة والصوم. فصل [١٥ - الإجارة على الحج]: تصح الإجارة على الحج (٤) خلافًا لأبي حنيفة (٥) لأنها عبادة تتعلق بالمال يصح النيابة به فيها فصح أخذ الأجرة كأداء الزكاة (٦) وتفريقها، ولأنه لما صحت النيابة فيها بغير أجر جازت بأجر كالكفارات والنذور قياسًا على أخذ الأجرة (٧) على القضاء وبناء المساجد والقناطر.

стр. 488

فصل [١٦ - في أن الحج على الفور]: والحج على الفور (١) لا يجوز تأخيره للقادر عليه إلا من عذر (٢)، وقال الشافعي: هو على التراخي (٣)، فإن شاء فعله، وإن شاء تركه طول عمره بشرط العزم على أدائه من غير وقت معين ولا إثم عليه إن مات ولم يفعله، فينتقل الكلام إلى الأصل في الأوامر المطلقة هل هي على الفور أم (٤) التراخي (٥)؟ ودليلنا أنها على الفور أن الأمر اقتضى إيقاع الفعل، وكان الفعل لا بد له من زمان يقع فيه ولا ذكر له في اللفظ بتقديم ولا تأخير، وكانت الأفعال تختلف أحكامها باختلاف أوقاتها، فيكون الفعل في وقت طاعة وفي غيره معصية لم يثبت له وقت إلا بدليل. وأجمعوا على أنه إذا وقع في الوقت الأول، فقد أوقع في وقته فلم يثبت ما عداه وقتًا له إلا بدليل، ولأن الأمر لما اقتضى الإيقاع ولم يكن للترك ذكر وجب فعله عقيب الأمر، ولأن تأخيره لو جاز لم يخل أن يكون إلى غاية أو لا إلى غاية: فإن كان فذلك توقيت له، وخلاف التراخي، وإن كان لا إلى غاية لم يخل المكلف إذا مات قبل الفعل أن يكون آثمًا أو غير آثم. وفي القول بأنه آثم وجوب الجمع بين جواز الترك والمعصية به، وأن يحظر الله تعالى ترك الفعل في وقت لا بينه للمكلف وذلك غير صحيح. وفي القول بأنه غير آثم إخراج الفعل عن الوجوب إلى الندب؛ لأن الندب

стр. 489

هو الذي يكون للمكلف تركه إلى غير غاية ثم لا يأثم إذا مات قبل أن يفعله (١) ولا يعصمهم (٢) من هذا إثبات العزم على الإيقاع في المستقبل لأن في ذلك إيجابًا لما لم يوجبه الأمر وإسقاط ما أوجبه من الفعل، ولأن أهل اللغة يستحسنون ذم العبد إذا أمره سيده، فتركه وتراخى فيه ولا يلومون السيد على ذمه وضربه ويعللونه بتراخيه وينسبونه إلى الونى (٣)، والتقصير وذلك يدل على أنه عندهم على الفور، ودليلنا على نفس المسألة قوله ﷺ : "حجوا قبل أن لا تحجوا" (٤)، وقوله: "من أمكنه أن يحج ثم مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا" (٥)، ولأن الاستطاعة موجودة فوجب أن يلزمه (٦) الأداء كما لو غلب على ظنه تعذر الإمكان بعد عامه. …

стр. 490

باب: [مواقيت الحج] وللحج ميقاتان (١): ميقات زمان، وميقات مكان، فميقات الزمن أشهر (٢) الحج، وهي: شوال وذو القعدة وذو الحجة قيل: جميعه، وقيل: بعضه (٣)، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٤)، ولأن المتمتع يلزمه الهدي لإتيانه بالعُمرة في أشهر الحج. فصل [١ - الإحرام بالحج في أشهر الحج]: إذا ثبت ذلك فالأفضل أن يحرم بالحج في أشهره لأن النبي ﷺ كذلك فعل، ولأن فائدة التوقيت منع تجاوزها والتقدم عليها، فإن أحرم به قبلها لزمه ولم ينقلب إحرامه إلى العُمرة (٥) خلافًا للشافعي في قوله: أنه يصير محرمًا بعمرة ولا يلزمه الحج (٦)، لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٧)، وليس يخلو أن يكون أراد القسمة وأن نصف الأشهر للحج ونصفها لسائر المعاملات، وذلك ليس يقول لأحد أو أن يكون أراد الاشتراك فذلك ما نقوله، ولأن كل زمان صح فيه الإحرام بالعُمرة صح فيه الإحرام بالحج كأشهر الحج، ولأنه نسك يشتمل على إحرام وطواف وسعي،

стр. 491

فجاز (١) الإحرام به في رجب أو شعبان كالعُمرة، ولأن الإحرام ركن يشترط فيه الحج والعُمرة، فجاز أن يفعل في غير أشهر الحج أصله طواف الإفاضة ولا يلزم عليه الوقوف لأنه مختص بالحج. فصل [٢ - الإحرام بالحج في غير أشهره ولا ينقلب عمرة]: والدليل على أنه لا ينقلب عمرة قوله ﷺ : "وإنما لأمريء ما نوى" (٢)، وهذا لم ينو العُمرة فلم تكن له، ولأنه أحرم بالحج، فلم ينقلب عمرة أصله إذا أحرم في أشهر الحج، ولأنها عبادة تشتمل على طواف وسعي، فإذا أحرم بها لم يصح انعقادها عن عبادة أخرى كالعُمرة. فصل [٣ - مواقيت المكان للحج]: وأما مواقيت المكان فهي أربعة مواقيت منقسمة على جهات الحرم (٣): فميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة (٤)، وميقات أهل المدينة ذو الحليفة (٥)، وأهل نجد من قرن (٦)، وأهل اليمن يلملم (٧)، وأهل العراق

стр. 492

وخراسان والمشرق ذات عرق (١)، والأصل فيه قوله ﷺ : "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام من الجحفة وأهل نجد من قرن وأهل اليمن من يلملم" (٢)، وفي حديث جابر: أنه ﷺ قال: "وأهل العراق من ذات عرق" (٣)، وقيل: إنه من توقيت عمر بن الخطاب ﵁ (٤). فصل [٤ - فيمن يمر على هذه المواقيت لمن يريد الإحرام أو دخول مكة]: ومن مر على هذه المواقيت يريد الإحرام أو دخول مكة لزمه الإحرام منها كان من أهلها أو من غير أهلها (٥)، لقوله ﷺ في حديث ابن عباس: "هن لهم ولكل آت آتي عليهن من غيرهم ممن أراد الحج أو العمرة" (٦) ولأنه ميقات للحج، فإذا مر به مريد الإحرام جاز أن يلزمه ويمنع من تأخيره عنه أصله إذا كان من أهله. فصل [٥ - تأخير الإحرام عن هذه المواقيت]: وإذا ثبت هذا فلا يجوز لأحد مر على ميقات من هذه المواقيت يريد الإحرام تأخيره عنه إلا أهل الشام ومصر إذا مروا بذي الحليفة، فإن لهم أن يؤخروا الإحرام لأنهم يمرون على ميقاتهم وهو الجحفة، وليس ذلك لغيره ممن يمر بذي

стр. 493

الحليفة (١) لأنها لا يتعداها إلى ميقات أهل بلده فلزمه الإحرام من موضعه، فأما إذا (٢) مر به لحاجة لا يريد الإحرام ثم تجددت له نية الإحرام، فإنه يحرم من موضعه ولا يرجع إلى الميقات لأن وجوب الإحرام من المواقيت هو على المارين (٣) بها لا المتأخرين دونها (٤). فصل [٦ - أحوال المرور بالميقات]: فإذا ثبت هذا فلا يخلوا المار بالميقات من ثلاثة أحوال: إما أن يكون مريد الحج أو العمرة، أو أن يكون يريد دخول مكة لحاجة لا لحج ولا لعمرة، أو أن يكون له حاجة فيها دون مكة، فإن كان يريد الحج والعُمرة، فلا يجوز له أن يجاوزه إلا محرمًا لأنه ﷺ وقَّت المواقيت لمريد الإحرام فيجب الإحرام منها (٥)، وقوله: "هن لهم ولكل آت آتي عليهن من غير أهلهن" (٦)، ولأنه لو جاز له تعديلها إلى ما بعدها لم ينفع التوقيت بها شيئًا وكانت كغيرها (٧) من البقاع. فصل [٧ - من جاوز الميقات حلالًا]: فإن ثبت، فإن تعدّاها غير محرم نظر: فإن كان لم يحرم عاد فأحرم ولا شيء عليه، لأنَّه لم يخل بنسك من مناسك الحج ولا أدخل نقصًا على إحرامه فإن أحرم مضى على وجهه ولم يرجع إلى الميقات وعليه دم رجع أو لم يرجع (٨).

стр. 494

فصل [٨ - فيمن جاوز الميقات حلالًا ثم أحرم]: وإنما قلنا: إنه لا يرجع لأن رجوعه لا يفيد شيئًا لأن النقص قد دخل على إحرامه لإيقاعه (١) إياه بعد الميقات ورجوعه لا يزيل ذلك النقص. فصل [٩ - في الدليل على من جاوز الميقات حلال وأحرم بعده أن عليه الدم]: وإنما قلنا: إن عليه الدم لنقصه نسكًا من المناسك، لأن عليه أن يحرم من الميقات، فإذا ترك الإحرام منه إلى ما بعده، فقد أدخل النقص فوجب جبره بدم. فصل [١٠ - في أن رجوعه بعد إحرامه لا يسقط الدم]: وإنما قلنا: إن رجوعه بعد إحرامه لا يسقط الدم عنه خلافًا للشافعي (٢)، لأن الدم إنما وجب للنقص وليس النقص تجاوزه الميقات على انفراده، وإنما هو إحرامه بعده، وهذا لا يقدر على إزالته لأنه لا يتمكن من حله بعد عقده فلم يسقط الدم عنه، ولأنه معنى لا يزيل النقص الواقع في إحرامه، فلم يسقط الدم عنه أصله إذا أتى ببعض أفعال الحج من الطواف والسعي، ثم عاد إلى الميقات، فإن الدم لا يسقط عنه بالاتفاق، ولأنه ترك الإحرام من الميقات إلى ما بعد الميقات مريدًا له فأشبه أن يتمادى ولا يرجع، ولأن كل (٣) فعل من أفعال الحج لزم في موضع يؤثر الدم في تركه، فإن العود إليه بعد فوته لا يسقط الدم عنه كالمبيت بالمزدلفة. فصل [١١ - فيمن مر بالميقات يريد دخول مكة]: وأما إن مر بالميقات يريد دخول مكة فلا يخلو من أمرين (٤): إما أن يكون

стр. 495

ممن يكثر ترداده إلى مكة في ذهابه ومجيئه كأهلها والمقيمين بها الذين يخرجون للاحتطاب والمعايش، فهذا له أن يتجاوزه غير محرم لأن في إلزامه الإحرام بالميقات مشقة وكلفة وقطعًا له عن معاشه، فلم يلزمه ذلك، أو أن يكون ممن يقل دخوله إليها كأهل الآفاق الذين إنما يقصدونها لحاجة أو تجارة أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز له تجاوز الميقات إلا محرمًا (لأنه لا يجوز لأحد دخول إلا محرمًا) (١) إلا من (٢) ذكرناه. فصل [١٢ - فيمن جاوز الميقات حلالًا أمر بالعودة إليه]: فإذا ثبت هذا (٣)، فمتى تجاوزه غير محرم أمر بالعودة (٤) إليه فيحرم منه ولا دم عليه، فإن تفادى وأحرم، ففيها (٥) روايتان (٦): إحداهما وجوب الدم عليه، والأخرى سقوطه عنه، فوجه الوجوب فلأنه جاوزه مخاطبًا بالإحرام فيه فإذا أحرم بعده لزمه الدم أصله إذا كان يريد الحج والعمرة، ووجه إسقاطه فلأنه جاوزه غير مريد لحج ولا لعمرة، فأشبه إذا جاوزه لحاجة، فأما إن جاوزة لحاجة دون مكة فقد ذكرنا حكمه. فصل [١٣ - فيمن كان منزله بين الميقات وبين مكة]: ومن كان منزله بين الميقات وبين مكة أحرم من منزله، ولم يكن عليه الرجوع إلى الميقات، فإن جاوز منزله فأحرم فعليه دم (٧). وإنما قلنا: أنه يحرم من منزله، فلقوله ﷺ : "هن لهم
следующие страницы →