← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فجاز (١) الإحرام به في رجب أو شعبان كالعُمرة، ولأن الإحرام ركن يشترط فيه الحج والعُمرة، فجاز أن يفعل في غير أشهر الحج أصله طواف الإفاضة ولا يلزم عليه الوقوف لأنه مختص بالحج. فصل [٢ - الإحرام بالحج في غير أشهره ولا ينقلب عمرة]: والدليل على أنه لا ينقلب عمرة قوله ﷺ : "وإنما لأمريء ما نوى" (٢)، وهذا لم ينو العُمرة فلم تكن له، ولأنه أحرم بالحج، فلم ينقلب عمرة أصله إذا أحرم في أشهر الحج، ولأنها عبادة تشتمل على طواف وسعي، فإذا أحرم بها لم يصح انعقادها عن عبادة أخرى كالعُمرة. فصل [٣ - مواقيت المكان للحج]: وأما مواقيت المكان فهي أربعة مواقيت منقسمة على جهات الحرم (٣): فميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة (٤)، وميقات أهل المدينة ذو الحليفة (٥)، وأهل نجد من قرن (٦)، وأهل اليمن يلملم (٧)، وأهل العراق

стр. 492

وخراسان والمشرق ذات عرق (١)، والأصل فيه قوله ﷺ : "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام من الجحفة وأهل نجد من قرن وأهل اليمن من يلملم" (٢)، وفي حديث جابر: أنه ﷺ قال: "وأهل العراق من ذات عرق" (٣)، وقيل: إنه من توقيت عمر بن الخطاب ﵁ (٤). فصل [٤ - فيمن يمر على هذه المواقيت لمن يريد الإحرام أو دخول مكة]: ومن مر على هذه المواقيت يريد الإحرام أو دخول مكة لزمه الإحرام منها كان من أهلها أو من غير أهلها (٥)، لقوله ﷺ في حديث ابن عباس: "هن لهم ولكل آت آتي عليهن من غيرهم ممن أراد الحج أو العمرة" (٦) ولأنه ميقات للحج، فإذا مر به مريد الإحرام جاز أن يلزمه ويمنع من تأخيره عنه أصله إذا كان من أهله. فصل [٥ - تأخير الإحرام عن هذه المواقيت]: وإذا ثبت هذا فلا يجوز لأحد مر على ميقات من هذه المواقيت يريد الإحرام تأخيره عنه إلا أهل الشام ومصر إذا مروا بذي الحليفة، فإن لهم أن يؤخروا الإحرام لأنهم يمرون على ميقاتهم وهو الجحفة، وليس ذلك لغيره ممن يمر بذي

стр. 493

الحليفة (١) لأنها لا يتعداها إلى ميقات أهل بلده فلزمه الإحرام من موضعه، فأما إذا (٢) مر به لحاجة لا يريد الإحرام ثم تجددت له نية الإحرام، فإنه يحرم من موضعه ولا يرجع إلى الميقات لأن وجوب الإحرام من المواقيت هو على المارين (٣) بها لا المتأخرين دونها (٤). فصل [٦ - أحوال المرور بالميقات]: فإذا ثبت هذا فلا يخلوا المار بالميقات من ثلاثة أحوال: إما أن يكون مريد الحج أو العمرة، أو أن يكون يريد دخول مكة لحاجة لا لحج ولا لعمرة، أو أن يكون له حاجة فيها دون مكة، فإن كان يريد الحج والعُمرة، فلا يجوز له أن يجاوزه إلا محرمًا لأنه ﷺ وقَّت المواقيت لمريد الإحرام فيجب الإحرام منها (٥)، وقوله: "هن لهم ولكل آت آتي عليهن من غير أهلهن" (٦)، ولأنه لو جاز له تعديلها إلى ما بعدها لم ينفع التوقيت بها شيئًا وكانت كغيرها (٧) من البقاع. فصل [٧ - من جاوز الميقات حلالًا]: فإن ثبت، فإن تعدّاها غير محرم نظر: فإن كان لم يحرم عاد فأحرم ولا شيء عليه، لأنَّه لم يخل بنسك من مناسك الحج ولا أدخل نقصًا على إحرامه فإن أحرم مضى على وجهه ولم يرجع إلى الميقات وعليه دم رجع أو لم يرجع (٨).

стр. 494

فصل [٨ - فيمن جاوز الميقات حلالًا ثم أحرم]: وإنما قلنا: إنه لا يرجع لأن رجوعه لا يفيد شيئًا لأن النقص قد دخل على إحرامه لإيقاعه (١) إياه بعد الميقات ورجوعه لا يزيل ذلك النقص. فصل [٩ - في الدليل على من جاوز الميقات حلال وأحرم بعده أن عليه الدم]: وإنما قلنا: إن عليه الدم لنقصه نسكًا من المناسك، لأن عليه أن يحرم من الميقات، فإذا ترك الإحرام منه إلى ما بعده، فقد أدخل النقص فوجب جبره بدم. فصل [١٠ - في أن رجوعه بعد إحرامه لا يسقط الدم]: وإنما قلنا: إن رجوعه بعد إحرامه لا يسقط الدم عنه خلافًا للشافعي (٢)، لأن الدم إنما وجب للنقص وليس النقص تجاوزه الميقات على انفراده، وإنما هو إحرامه بعده، وهذا لا يقدر على إزالته لأنه لا يتمكن من حله بعد عقده فلم يسقط الدم عنه، ولأنه معنى لا يزيل النقص الواقع في إحرامه، فلم يسقط الدم عنه أصله إذا أتى ببعض أفعال الحج من الطواف والسعي، ثم عاد إلى الميقات، فإن الدم لا يسقط عنه بالاتفاق، ولأنه ترك الإحرام من الميقات إلى ما بعد الميقات مريدًا له فأشبه أن يتمادى ولا يرجع، ولأن كل (٣) فعل من أفعال الحج لزم في موضع يؤثر الدم في تركه، فإن العود إليه بعد فوته لا يسقط الدم عنه كالمبيت بالمزدلفة. فصل [١١ - فيمن مر بالميقات يريد دخول مكة]: وأما إن مر بالميقات يريد دخول مكة فلا يخلو من أمرين (٤): إما أن يكون

стр. 495

ممن يكثر ترداده إلى مكة في ذهابه ومجيئه كأهلها والمقيمين بها الذين يخرجون للاحتطاب والمعايش، فهذا له أن يتجاوزه غير محرم لأن في إلزامه الإحرام بالميقات مشقة وكلفة وقطعًا له عن معاشه، فلم يلزمه ذلك، أو أن يكون ممن يقل دخوله إليها كأهل الآفاق الذين إنما يقصدونها لحاجة أو تجارة أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز له تجاوز الميقات إلا محرمًا (لأنه لا يجوز لأحد دخول إلا محرمًا) (١) إلا من (٢) ذكرناه. فصل [١٢ - فيمن جاوز الميقات حلالًا أمر بالعودة إليه]: فإذا ثبت هذا (٣)، فمتى تجاوزه غير محرم أمر بالعودة (٤) إليه فيحرم منه ولا دم عليه، فإن تفادى وأحرم، ففيها (٥) روايتان (٦): إحداهما وجوب الدم عليه، والأخرى سقوطه عنه، فوجه الوجوب فلأنه جاوزه مخاطبًا بالإحرام فيه فإذا أحرم بعده لزمه الدم أصله إذا كان يريد الحج والعمرة، ووجه إسقاطه فلأنه جاوزه غير مريد لحج ولا لعمرة، فأشبه إذا جاوزه لحاجة، فأما إن جاوزة لحاجة دون مكة فقد ذكرنا حكمه. فصل [١٣ - فيمن كان منزله بين الميقات وبين مكة]: ومن كان منزله بين الميقات وبين مكة أحرم من منزله، ولم يكن عليه الرجوع إلى الميقات، فإن جاوز منزله فأحرم فعليه دم (٧). وإنما قلنا: أنه يحرم من منزله، فلقوله ﷺ : "هن لهم

стр. 496

ولكل آت أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعُمرة" (١)، ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة، ولأن الميقات وضع لمن بعد منزله عن الحرم، فأما من كان بقرب (٢) منه، فمنزله ميقاته. وإما قلنا: أنه ليس عليه أن يرجع لأن منزله ميقاته فلا معنى لرجوعه (٣) إلى غير ميقاته. وإنما قلنا: أنه إن جاوزه فعليه دم لأنَّه مجاوز لميقاته محرم بعده، فقد أدخل النقص على إحرامه كأهل الآفاق إذا أحرموا بعد مجاوزة مواقيتهم. فصل [١٤ - فيمن دخل إلى مكة لا يكون إلا محرمًا]: لا يجوز أن يدخل مكة إلا محرمًا (٤) لقوله ﷺ : "اللهم إن إبراهيم حرم مكة فهي حرام إلى يوم القيامة" (٥)، وهي حرام من كل وجه إلا ما قام دليله، وقوله: "أحلت لي ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي" (٦)، ولأنها محل لفعل الحج مع كونها حرمًا، فكان لها مزية على غيرها. فصل [١٥ - فيمن دخل مكة غير محرم]: وإن دخلها غير محرم أساء ولا شيء عليه؛ لأن دخول محل الفرض لا يوجب الدخول في الفرض أصله (٧) الدخول إلى مِنَى وعرفة والمسجد الجامع يوم الجمعة.

стр. 497

فصل [١٦ - تقديم الإحرام عن الميقات]: الاختيار أن يحرم من الميقات، فإن قدمه عليه كره له وجاز (١) خلافًا للشافعي (٢) لأنه ﷺ حج واعتمر عمرًا، فلم ينقل أنه أحرم قبل الميقات، فلو كان فيه فضيلة لبيَّنه أو فعله، ولأنه أحد نوعي المواقيت فكره التقديم (٣) بالإحرام عليه كميقات الزمان. فصل [١٧ - الإحرام بالعُمرة من الحرم]: ولا يجوز الإحرام بالعُمرة من الحرم ويخرج من كان بالحرم، وأراد الإحرام بها إلى أدنى الحل (٤)؛ لأن الإحرام من حقه أن يجمع فيه بأن الحل والحرم كالحج، والعُمرة لا تعلق لها بالحل، فإذا أحرم بها من الحرم لم يمكنه الجمع بينهما، فإن أحرم بها من الحرم خرج إلى الحل ثم عاد فطاف فسعى. فصل [١٨ - القارن يحرم من مكة]: واختلف أصحابنا في القارن (٥): فقال ابن القاسم لا يجوز له الإحرام من مكة، وقال سحنون وغيره: يجوز، فلابن القاسم أنه محرم بعمرة، فوجب أن يكون من الحل أصله إذا انفرد ولا يجوز أن يقال بأن يقال بأنه محرم بحج (٦) فجاز أن يكون من مكة كالمفرد (٧)؛ لأن ذلك يؤدي إلى نقض الأصل (٨) الذي هو الحاجة في الإحرام بالعُمرة إلى الجمع بين الحل والحرم، ولأن تقدير القرآن

стр. 498

دخول الحج على العمرة وتغليب حكمها عند فعل الإحرام، ولغيره أن الذي لأجله أريد الإحرام بالعمرة من الحل: أن يجمع في الإحرام بين الحل والحرم، وهذا يوجد مع القران لأنه لا بد للقارن من الخروج إلى الحل للوقوف والرمي. ***

стр. 499

باب: أركان الحج (١) وأركان الحج أربعة (٢) وهي: الإحرام والوقوف والطواف والسعي. فأما الإحرام فالأصل فيه فعل رسول الله ﷺ وأمره به (٣)، لأن كل عبادة لها إحلال لم يصح الدخول فيها إلا بإحرام كالصلاة، وذلك إجماع (٤). فأما الوقوف فلقوله ﷺ : "الحج عرفة" (٥)، وقوله: "من وقف بعرفة فقد تم حجه، ومن فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج" (٦)، ولا خلاف في ذلك (٧). وأما الطواف فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٨)،

стр. 500

ولأنه ﷺ طاف وقال: "خذوا عني مناسككم" (١)، ولا خلاف أيضًا فيه (٢). وأما السعي فمن فروض الحج (٣) عندنا خلافًا لأبي حنيفة (٤)، لأنه ﷺ سعى وقال: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" (٥)، ففيه أدلة: أحدها أنه فعله، وقال: "خذوا عني مناسككم"، والأخرى أمره به بقوله: "اسعوا"، والثالث: إخباره بأنه مكتوب علينا، ولأنه ركن في العُمرة فكذلك في الحج أصله الطواف، ولأن كل نسك يؤتي به في الحج والعُمرة على هيئة واحدة، فإن الدم لا ينوب منابه كالإحرام ولا يدخل عليه الخلاف لأنه يؤتي به بعد الفراغ من العُمرة. فصل [١ - رمي جمرة العقبة]: وليس من أركانه رمي جمرة العقبة خلافًا لعبد الملك (٦)؛ لأنه نسك بمِنَى، فلم يكن وجوبه وجوب الأركان كالمبيت والحلاق، ولأنه رمي كسائر الجمار، ولأنه نسك يفعل بغير مكة بعد الإحرام لا يتعلق فوات (٧) الحج بفواته كالمبيت بمزدلفة.

стр. 501

فصل [٢ - الاغتسال لأركان الحج كلها]: ويستحب أن يغتسل لأركان الحج كلها (١)، أما الإحرام "فلأن رسول الله ﷺ اغتسل له" (٢)، وكذلك الصحابة ويستحب للطاهر والحائض؛ لأنه أريد به التنظف للعادة، ولأمره ﷺ أبا بكر ﵁ (٣) أن يأمر أسماء بالاغتسال وكانت نفساء (٤). وأما الوقوف، فإنه (٥) ﷺ اغتسل له (٦)، واعتبارًا بالإحرام بعلة كونه ركنًا، وكذلك الطواف والسعي إلا أنه يكفيه لهما غسل واحد لأن أحدهما مرتبط بالآخر وتابع له. ويستحب الغسل لدخول مكة لأن الصحابة ﵃ فعلت ذلك (٧). فصل [٣ - في مريد الإحرام]: ومن أراد الإحرام بدأ بالاغتسال ثم ركع ركعتين وأحرم على أثرهما ويستحب

стр. 502

له أن يحرم على أثر نافلة دون مكتوبة، فإن لم يقدر على ذلك لضيق الوقت أو لكونه وقتًا يكره فيه التنفل انتظر إمكانه إن قدر، فإن لم يقدر أحرم على أثر مكتوبة، وذلك أفضل من الإحرام بغيرها (١)، فإن لم يقدر لإعجال أو خوف فوات وأحرم بغير صلاة فلا شيء عليه ولو أحرم ابتداء بغير صلاة قادرًا على أن يصلي، ثم يحرم كره له ذلك ولا شيء عليه (٢). وإنما اخترنا له ذلك؛ لأن رسول الله ﷺ كذلك فعل (٣)، واخترنا له التنفل لأنه زيادة مقصودة لأجل الإحرام، وقلنا: أنه ينتظر الإمكان لئلا يعرى الإحرام من فضيلة الصلاة مع القدرة عليها. وإنما قلنا: أنه إن أحرم عقيب مكتوبة جاز؛ لأن رسول الله ﷺ أحرم عقيب صلاة، فقيل: نافلة، وقيل: مكتوبة، ولأن الإحرام عقيب المكتوبة لا يعرى من صلاة، فكان أفضل من الإخلال بها جملة. وإنما قلنا: أنه إذا أحرم بغير صلاة أصلًا، فلا شيء عليه؛ لأن ذلك مستحب غير واجب لأنه ليس في الأصول عبادة يقف صحة فعلها على صلاة قبلها. فصل [٤ - تجرد المحرم عن المخيط]: ويتجرد بعد غسله من مخيط الثياب لأنه ممنوع من لبسها في الإحرام، فلا بد من تقديم ذلك ليصادف إحرامه هيئته المبينة له، وهذا للرجل دون المرأة (٤).

стр. 503

فصل [٥ - الإهلال بالتلبية بعد ركوب الراحلة]: وإذا فرغ من صلاته ركب راحلته وأهل بالتلبية (١) لأنه ﷺ كذلك فعل (٢)، ويستحب له تأخير الإحرام حتى يستوي على الراحلة خلافًا لأبي حنيفة في قوله أنه يحرم عقيب الركوع (٣)؛ لأن في الحديث أنه ﷺ أهل حين استوت به راحلته، ولأن الدخول في العبادة يجب أن يكون عند الشروع في فعلها لا قبله. فصل [٦ - يبدأ بالإهلال إذا استوى على الراحلة]: ويهل إذا استوى على الراحلة ولا ينتظر أن تنبعث به خلافًا للشافعي في قوله: أنه يحرم إذا انبعثت به راحلته (٤)، لأن في الحديث أنه ﷺ أهل حين استوت به راحلته، ولأنه استوت به (٥) راحلته، فأشبه إذا انبعثت به؛ وإن كان ماشيًا، فإذا أخذ في مشيه لأن ذلك كاستوائه على الراحلة. فصل [٧ - لفظ التلبية]: ولفظ التلبية (٦): "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" لأن ذلك منقول عنه ﷺ (٧)

стр. 504

بهذا اللفظ، فإن زاد عليها زيادة ابن عمر جاز ولفظها: "لبيك لبيك وسعديك والخير بيدك والرغباء إليك والعمل" (١). فصل [٨ - أقل ما يكفي من التلبية]: ويكفي منها مرة واحدة لأنَّه أقل ما يتناوله الاسم وما زاد على ذلك مستحب، فإن أخل بها جملة فعليه الدم لأنها من شعائر الحج وواجبات نسكه، والأصل فيه قوله ﷺ : "الحج العج والثج" (٢)، ولأمره بها وحضه عليها وفعله لها، وقال: "خذوا عني مناسككم" (٣)، وقال: "من ترك من نسكه شيئًا (٤) فعليه دم" (٥). فصل [٩ - رفع الصوت بالتلبية]: ويستحب رفع الصوت بها للرجال (٦)، لقوله ﷺ : "أتاني جبريل ﵇ فأمرني أن أمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال" (٧) ويكره ذلك للنساء خيفة الفتنة، ولأن الإخفات أستر لهن.

стр. 505

فصل [١٠ - في انعقاد الإحرام]: والإحرام هو الاعتقاد بالقلب للدخول في الحج والعمرة ولا يفتقر إلى تلبية في انعقاده (١)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أنه لا ينعقد إلا بنطق أو بسوق هدي مع النية (٢)؛ لأنها عبادة لا يجب الذكر في آخرها أو أثنائها (٣)، فلم يجب في ابتدائها كالصيام عكسه الصلاة، وللاتفاق على أنه إذا قلد الهدى وأشعره ولم يلب أن إحرامه يصح، فلو كان للنطق من شرط صحة الدخول فيها لم يقم غيره مقامه. فصل [١١ - النية لما يريده بإحرامه]: والنية مغنية عن التسمية، فإن سمي ما يريده بإحرامه من حج أو عمرة جاز (٤) لأن رسول الله ﷺ قد فعل ذلك (٥) على حسب اختلاف الروايات عنه من إفراد أو قران (٦). فصل [١٢ - التلبية أدبار الصلوات]: ويستحب التلبية عند أدبار الصلوات لأنها أوقات يستحب الذكر فيها، وعند كل شرف، لأن ذلك مروي عن الصحابة (٧)، ويكره له الإكثار منها حتى

стр. 506

يخرج إلى الإلحاح (١)، لأن ذلك سرف وخروج عما يتعلق بالندب، ويكره أن يلبي في طواف أو سعي لأنه (٢) حال يستحب فيها الدعاء، وروي عن الصحابة مثل ذلك (٣). فصل [١٣ - متى تقطع التلبية]: ويستحب قطع التلبية بعد الزوال من يوم عرفة (٤)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: أنها تقطع عند رمي جمرة العقبة (٥)؛ لأن ما قلناه إجماع الصحابة، وروي عن الخلفاء الأربعة وابن عمر وعائشة (٦) ﵃ أجمعين (٧)، وذكر مالك أنه إجماع أهل المدينة (٨)، ولأن التلبية إجابة للنداء بالحج الذي دعي إليه، فهذا انتهى إليه فقد أتى بما لزمه فلا معنى لاستدامتها فيما زاد. …

стр. 507

باب الإحرام (١) إحرام الرجل في وجهه ورأسه ولا يجوز له تغطيتهما بشيء من اللباس أصلًا (٢)، فإن غطى رأسه فأكفه وانتفع بتغطيته افتدي من غير خلاف، والأصل فيه نهيه ﷺ المحرم عن لبس العمائم والبرانس (٣)، واتصال العمل بذلك، فأما الوجه فقال: لا يجوز تغطيته، وقال ابن القاسم: لا فدية في تغطيته، ومن أصحابنا من يقول: أنه يُخرّج على روايتين (٤)، وقال الشافعي: ليس عليه كشف وجهه في الإحرام (٥)، والأصل في ذلك قوله ﷺ : "المحرم أشعث أغبر" (٦)، فجعل من وصفه ذلك فاقتضى نفي كل ما أخرجه عن هذا المعنى والوجه أخص بذلك من سائر الأعضاء واعتبارًا بالمرأة. فأما الفدية فوجه وجوبها هو: أن العبادات إذا تعلقت بالوجه لم يفترق فيها حكم الرجل والمرأة كغير الإحرام، ولأنه عضو لزم كشفه في الإحرام فتعلقت (٧) الفدية به كالرأس، ووجه سقوطها أنه عضو يلزم المرأة كشفه، فلم يلزم الرجل فدية بتغطيته كاليدين، ولأنه عضو فرضه في الطهارة الغسل كالرجلين.

стр. 508

فصل [١ - إحرام المرأة]: وإحرام المرأة في وجهها وكفيها (١)، والأصل فيه قوله ﷺ : "إحرام المرأة في وجهها" (٢)، ونهيه النساء عن لبس النقاب في الإحرام (٣)، فإذا ثبت ذلك فلا يجوز لها تغطيته ببرقع ولا نقاب ولا سترة بوجه إلا أن يكون هناك جمال يخاف به الفتنة، فيجوز لها أن تسدل الثوب عليه ليستر بقدر ما يزول عنها ما يخاف من نظر من ينظر إليها، ومتى غطت زيادة على ذلك بنقاب أو برقع فانتفعت بتغطيته افتدت. وأما اليدان فيلزمها كشفهما (٤) إلى الكوعين ولا يجوز لها لبس القفازين (خلافًا لأبي حنيفة (٥) لنهيه ﷺ عن لبس القفازين (٦)) (٧)، ولأنه عضو ليس بعورة منها، فوجب أن يتعلق به حكم الإحرام في باب التغطية أصله الوجه. فصل [٢ - ما يمنع المحرم من لبسه]: والرجل ممنوع من لبس المخيط كله، فلا يجوز له لبس قميص ولا سراويل ولا جبة ولا قباء (٨)، والأصل فيه قوله ﷺ في المحرم: "لا

стр. 509

يلبس القميص ولا السراويلات ولا البرانس ولا العمائم" (١)، وأما المحرمة فيجوز لها لبس ذلك كله لنهيه ﷺ عن لبس القفازين والنقاب وقال: "لتلبسن بعد ذلك ما أحبت (٢) من قميص أو سراويل أو خفين" (٣) لأن ما عدى الوجه والكفين من جسدها (٤) عورة، وليس عليها كشف عورتها بل لا يجوز ذلك لها. فصل [٣ - فيمن احتاج إلى لبس المخيط من المحرمين]: وإن احتاج الرجل إلى لبس المخيط من سراويل أو قميص لبسه وافتدى (٥)، خلافًا للشافعي في إسقاطه الفدية بلبس السراويل (٦)؛ لأنه محرم ممنوع من لبس المخيط، فإذا لبسه لزمته الفدية، أصله إذا لبسها (٧) مع وجود المئزر لأن كل ما لو لبسه مع عدم العذر لزمته الفدية، فكذلك مع العذر أصله القميص. فصل [٤ - لبس الخفين للمحرم]: ولا يجوز للمحرم أن يلبس الخفين لا التامين ولا المقطوعين إلا أن لا يجد نعلين فيقطعهما أسفل من الكعبين (٨)، لقوله ﷺ : "لا يلبسن القميص ولا العمائم ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فيلبس الخفين وليقطعهما

стр. 510

أسفل من الكعبين" (١)، وإذا وجد النعلين لم يكن له لبس الخفين خلافًا لبعضهم لأن الخبر مشروط بعدم النعلين. فصل [٥ - فيمن لبس خفين تامين]: وإن عدم النعلين فلبس الخفين تامين، فعليه الفدية (٢) خلافًا لأحمد (٣)، لقوله ﷺ (٤): "إلا أن لا يجد نعلين فيلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين" (٥)، ففيه دليلان: أحدهما أن الأمر بالقطع على الوجوب، والآخر استثنى من حظر لبسا على صفة وهي القطع، فما عداه على أصل المنع، ولأنها حال إحرام للرجل فلم يجز فيها لبس الخف التام مع القدرة على قطعه كحال وجود النعلين. فصل [٦ - فيما إذا أدخل المحرم كتفيه في القباء]: إذا أدخل كتفيه في القباء فعليه الفدية (٦) خلافًا لأبي حنيفة (٧)؛ لأنه لبس مخيطًا على الوجه الذي يلبس مثله في العادة كالقميص. فصل [٧ - الألوان التي يجوز الإحرام بها]: كل الألوان جائز الإحرام فيها (٨) ما لم يكن طيبًا (٩) إلا أن البياض

стр. 511

أفضل (١) لقوله ﷺ : "خير ثيابكم البياض فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم" (٢). فصل [٨ - حلق الشعر للمحرم]: ويمنع المحرمون من إلقاء التفث (٣) وهو حلق الشعر وقص الأظافر وقتل القمل (٤)، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٥)، وقوله تعالى (٦): ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٧)، فأباح ذلك بعد التحلل، وقوله ﷺ لكعب بن عجرة (٨): "أتؤذيك هوام رأسك"؟ قال: نعم، فأمره بالحلاق والفدية (٩). فصل [٩ - الزينة في الإحرام]: الزينة ممنوعة في الإحرام كالكحل للنساء ولبس الحلي وغيره، واختلف

стр. 512

أصحابنا (١) هل هو منع حظر أو كراهة (٢)؟، فإن قلنا: أنه منع حظر كان فيه الفدية، وإن قلنا: أنه منع كراهة (٣) فلا فدية فيه (٤)، ووجه الحظر أنها عبادة تمنع الطيب والنكاح، فمنعت الزينة كالعدة ووجه الكراهة أنها عبادة إحرام وإحلال كالصلاة. فصل [١٠ - حك المحرم رأسه وجلده]: يجوز للمحرم حك رأسه وجلده (٥)، ويرفق في حك رأسه لئلا يقتل القمل لأن شعر الرأس يستكن (٦) فيه القمل، وله أن يحك جلده حكًّا شديدًا لأنه يأمن ذلك فيه غالبًا. فصل [١١ - الطيب في الإحرام]: الطيب ممنوع في الإحرام قليله أو كثيره منع حظر تجب الفدية بتناوله ولا خلاف في ذلك (٧)، والأصل فيه: أنها عبادة تمنع النكاح فمنعت (الطيب كالعدة ولا فدية في شمه ما لم يكن إتلاف والعصفر ليس من) (٨) الطيب لأنه من الريحان وليس في العادة (٩) التطيب به، فإن كثر جدًّا وكان ممن ينتقض، فمن أصحابنا من يوجب به الفدية ويجعله زينة ومقارنًا للطيب (١٠).

стр. 513

فصل [١٢ - أكل المحرم ما فيه طيب]: ويجوز للمحرم أكل ما فيه طيب قد طبخته النار زعفرانًا كان أو غيره كالخبيص (١)، والخشكنان (٢)؛ لأنه بالطبخ قد خرج عن أن يكون طيبًا وصار في حكم المأكولات، ولأنه في حال تناوله متلف بغلبة الطعام عليه واستهلاكه فيه. فصل [١٣ - إذا خلط الطيب بطعام]: إذا (٣) خلط الطيب بطعام أو شراب على جهته من غير أن تمسه النار أو طيب به طعام، فتناوله المحرم ففيها روايتان (٤): إحداهما وجوب الفدية لأنه تناول طيبًا على جهته كما لو تطيب به، والآخر أنه لا فدية عليه لأنه مستهلك فيه والحكم للغلبة. فصل [١٤ - اغتسال المحرم]: يجوز أن يغتسل المحرم تبردًا (٥)؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك (٦)، وكذلك الصحابة (٧)، ويحرك شعر رأسه بيديه (٨)، ولأن الغسل ليس بطيب ولا زينة ولا إلقاء تفث وكل ما عدى ذلك، فجائز للمحرم.

стр. 514

فصل [١٥ - الفدية]: والفدية في الطيب وإلقاء التفث، ولبس المخيط ثلاثة أنواع: إطعام ستة مساكين مدين مدين لكل مسكين، أو صيام ثلاثة أيام، أو ذبح شاة وهي على التخيير دون الترتيب (١)، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢)، وفي حديث كعب بن عجرة أنه ﷺ قال: "أتؤذيك هوام رأسك؟ " قال: نعم، قال: "أحلق وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مُدَّيْن مُدَّيْن لكل مسكين أو أنسك بشاة أي ذلك فعلت أجزأ عنك (٣) " (٤). فصل [١٦ - مكان إخراج الفدية]: وليس لشيء منها مكان مخصوص (٥) أي موضع فعله جاز (٦) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن النسك لا يكون إلا بمكة (٧)، وللشافعي في قوله: أن النسك والإطعام لا يكونان إلا بمكة (٨)، لقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٩) فأطلق، وفي حديث كعب بن عجرة أنه ﷺ (١٠) قال له: "صم ثلاثة أيام أو أطعم أو أنسك بشاة" (١١) ولم يقيد ولأنه نوع من فدية الأذى، فجاز بمكة وغيرها كالصوم.

стр. 515

باب: من قتل صيدًا وهو محرم أو ذبحه أو صاده يحرم قتل الصيد وذبحه واصطياده على المحرم في الحل والحرم ويحرم في الحرم على المحرم والحلال (١)، والأصل في منعه للمحرم قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٤)، وقوله ﷺ : "لحم الصيد لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم" (٥) ولا خلاف في ذلك (٦). وجميع ما ذكرناه دال على منعه في الحرم لأن قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٧) يتضمن حرمة الإحرام وحرمة الحرم، وقوله ﷺ في مكة: "لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها" (٨)، فإذا ثبت هذا فالحرم حرمان: حرم

стр. 516

مكة، وحرم المدينة، فإن قتل صيدًا في مكة فعليه الجزاء، وإن قتله في حرم المدينة فلا جزاء عليه، وقال داود: لا يتعلق الجزاء بحرمة الحرم أصلًا (١)، ودليلنا قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٢)، والاسم ينطلق على المحرم (٣)، والحرام بالإحرام وبالمكان، ولأن كل ما كسبه اسم محرم أثر في وجوب الجزاء أصله الإحرام. فصل [١ - قتل الصيد في حرم المدينة]: وأما حرم المدينة فلا جزاء عليه عند مالك (٤)، وقال ابن أبي ذئب (٥): عليه الجزاء، فوجه قول مالك ﵀ (٦) قوله ﷺ : "من وجدتموه قد صاد في حرم المدينة فأوجعوه ضربًا واسلبوه ثيابه" (٧)، فلو كان فيه الجزاء لأمر به، ولأنه غير محل للمناسك فلم يتعلق بقتل الصيد فيه الجزاء (٨)، أصله الحل، ووجه إيجابه الجزاء قوله ﷺ : "اللهم إن إبراهيم حرم مكة وأنا أحرم المدينة بمثل ما حرم به مكة ومثله معه لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها" (٩)، ولأنه حرم يمنع الاصطياد فيه

стр. 517

فتعلق الجزاء به كحرم مكة، وهذا القول أقيس عندي على أصولنا، لا سيما مع قول أصحابنا إن المدينة أفضل من مكة، وأن الصلاة في مسجدها (١) أفضل من الصلاة بالمسجد الحرام، وسنذكر ذلك في موضعه من كتاب الجامع إن شاء الله. فصل [٢ - في كون العمد والسهو في الإتلاف سواء]: وعمد الإتلاف وسهوه سواء في وجوب الجزاء (٢) خلافًا لداود (٣) في قوله: أن قتل الصيد خطأ لا شيء فيه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ (٤)، فأوجب الجزاء على متعمد قتله ولم يفرق بين أن يكون ذاكرًا للإحرام أم ناسيًا، وقوله ﷺ (٥) في الضبع: "هو صيد وفيها كبش إذا أصابها المحرم" (٦)، ولأنه متلف للصيد في حال الإحرام أو الحرم، فأشبه العامد. فصل [٣ - في قطع شجر الحرم]: ولا جزاء في قطع الشجر (٧) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٨)؛ لأن إتلاف الشجر الذي لا ملك عليه لآمدي لا غرم على متلفه في الأصول، ولأن كونه من شجر الحرم لا يقتضي ضمان الجزاء اعتبارًا بما فيه منفعة للناس، ولأنه نوع من

стр. 518

النبت كالخشب والثمار، ولأنه يتلف حيوانًا ولا شيئًا من الحيوان فلم يلزمه جزاء كسائر الجمادات (١)، وقياسًا على المحرم يقطع الشجر في الحل لأن ما لزم الحلال جزاؤه في الحرم لزم المحرم مثله في الحل، فلو كان في قطع شجره (٢) جزاء للزم المحرم ذلك في الحل. فصل [٤ - أكل لحم الصيد الذي يصيده الحلال]: أكل لحم الصيد الذي يصيده الحل الذي الحل جائز للمحرم إذا لم يصد من أجله ولا من أجل محرم سواه (٣)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه لا يؤكل وإيجابه الجزاء عليه بأكله (٤)، لقوله ﷺ : "لحم الصيد لكم حلال وأنتم محرمون ما لم تصيدوه أو يصد لكم" (٥)، ولأنه إذا صيد لهم كانوا كالراضين بقتله فلزمهم الجزاء، وإذا لم يصد لهم فلا جزاء عليهم لأنهم لم يتلفوه ولا أتلف من أجلهم. فصل [٥ - فيمن كل من صَيْدٍ صِيْدَ من أجله]: وإن أكل (٦) من صيد صيد من أجله فعليه فيه الجزاء (٧) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٨)، لقوله ﷺ : "ما لم تصيدوه أو يصد لكم" (٩)، ولأنه إتلاف ممنوع منه لأجل رضاه به، فكان عليه الجزاء أصله إذا أتلفه بنفسه،

стр. 519

ولأن الوكيل كفعل الموكل في الحكم، ولأن في ذلك ذريعة إلى استباحة الاصطياد فوجب حسم الباب. فصل [٦ - من قتل صيدًا وأكله؟]: ومن قتل صيدًا فأكله فعليه جزاء واحد (١)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: عليه الجزاء وضمان قيمة ما أكل (٢) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ (٣)، فلم يوجب سواه، ولأن الإتلاف بعد القتل لا يوجب جزاء آخر كما لو قتله وأحرقه. فصل [٧ - لا يذبح المحرم الصيد]: ولا يصح من المحرم تذكية الصيد (٤) خلافًا للشافعي (٥) لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٦)، والقتل في الشرع عبارة عن الإتلاف الذي لا يبيح الأكل والذكاة عبارة عن ما يبيحه، ولأنه ذبح محرم لحق الله لمعنى في نفس الذابح فأشبه ذبح المجوسي، ولأن كل معنى أوجب تحريم أكل المذبوح على ذابحه أوجبه على غيره أصله ذبح المجوسي، ولأن كل صيد حظر على صائده لحق الله فلا تصح تذكيته له أصله الخنزير. فصل [٨ - ذبح الصيد المملوك في الحرم]: وللحلال أن يذبح صيدًا مملوكًا في الحرم ولا جزاء عليه (٧) خلافًا لأبي حنيفة (٨)؛ لأنه لما جاز له إمساكه والتصرف فيه وهو حلال في الحرم، جاز له

стр. 520

ذبحه كالنعم (١)، ولأن كل من جاز له تملك صيد بالشراء والهبة جاز له ذبحه كالحلال إذا كان في الحل، ولأنه لو منع ذلك لفسد لحم الصيد، فأدى إلى أنهم لا يأكلونه إلا متغيرًا، والفرق بين حرمة الموضع وحرمة الإحرام لأن الإحرام لا يدوم وحرمة الموضع دائمة فافترقا فيما يحرم في الإحرام كالنكاح والوطء؛ لأن حرمة الإحرام تمنع منها وحرمة الموضع لا تمنعه. فصل [٩ - المحرم يدل على صيد لمن يقتله أو يصيده]: ولا يجوز لمحرم أن يدل على صيد لمن يقتله أو يصيده (٢)؛ لأن ذلك يجري مجرى المعاونة على قتله، ومن منع فعل شيء منع المعونة عليه، ولأنه لما حرم عليه قتل الآدمي حرم عليه أن يدل عليه كذلك الصيد. فصل [١٠ - فيمن دل على صيد فصاده]: وإن فعل أثم ولا جزاء عليه (٣) خلافًا لأبي حنيفة (٤) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ (٥)، فعلق وجوب الجزاء بالقتل المباشر، فدل على انتفائه بغيره، ولأنه دال فلم يلزمه بدلالته غرم كما لو دل على عبد غيره، ولأنه لم يكن منه قتل لا بمباشرة ولا بسبب أثَّر في نفسي المقتول كالدال على قتل الآدمي، ولأنه ممنوع من إتلاف الصيد (٦) لحرمة توجب منع اصطياده، فإذا دل عليه لم يلزمه جزاء (٧) أصله الحل الذي الحرم إذا دل على صيد في الحرم.

стр. 521

فصل [١١ - اشتراك محرمين في قتل صيد]: إذا اشترك جماعة محرمون في قتل صيد، فعلى كل واحد جزاء كامل (١) خلافًا للشافعي في قوله: أنه على جميعهم جزاء واحد (٢)، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٣)، وهذا خطاب لكل قاتل في نفسه، ولأنه محرم أتلف صيدًا ممنوعًا من إتلافه كالمنفرد، ولأنه اشتراك في قتل نفس تجب الكفارة بقتلها، فكانت الكفارة بعدد القاتلين كالآدمي ولأنه معنى تتصف (٤) به الجماعة، والآحاد لو انفرد كل واحد به لزمته كفارة كاملة فكذلك إذا أشرك فيه كالجماعة إذا اشتركت في الحلف على شيء واحد، فإن على كل واحد كفارة كاملة، ولأن الجزاء طريقة الكفارة لا الدية لقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (٥)، ولأنه حق لله يجب (بإتلاف نفس للصوم مدخل فيه، فكان على كل واحد كفارة كقتل الآدمي، ولأنه من المحظورات فكان الواجب) (٦)، بإتلافه كفارة كحلق الرأس والطيب. فصل [١٢ - قتل المحرم صيدًا لغيره]: إذا قتل المحرم صيدًا لغيره فعليه القيمة مع الجزاء (٧)، خلافًا لمن أسقط عنه الجزاء، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ (٨) فعم، ولأنه ممنوع من قتله لحرمة الإحرام فعليه الجزاء كالذي ليس بمملوك.

стр. 522

فصل [١٣ - جزاء الصيد]: لا يخلوا الصيد الذي يقتله المحرم أن يكون مما له مثل من النعم أو أن يكون مما لا مثل له: فإن كان له مثل وشبه (١) من النعم فجزاؤه ذلك المثل كالنعامة المشبهة للبدنة وحمار الوحش المشبه للبقرة وغير ذلك مما نذكر مفصلًا، فهذا النوع من الصيد يجب فيه ما يقرب شبهه به من النعم (٢)، وإن كان مما لا مثل له كالأرنب واليربوع (٣)، وغير ذلك ففيه حكومة، ووجوب إخراج المثل غير متحتم، فإن شاء القاتل أخرجه، وإن شاء أخرج قيمته طعامًا ويخرج قيمة الصيد المقتول لا قيمة المثل، ويقوم نفس الصيد المقتول بالطعام دون تقويمه بالدراهم وتقويم الدراهم بالطعام، فإن شاء صام بدلًا من الطعام مكان كل مد أو كسره يومًا بالغًا ما بلغ. ولا يجوز أن يلي ذلك بنفسه دون التحكيم عليه لذوي عدل سواه يحكمان عليه بعد تخييره ما يريده (٤) من ذلك من غير أن يجبراه على غير إرادته، فإذا اختار ما يحكمان به عليه ثم حكما به، فقد انحتم وجوبه وسقط ما بعد (٥) خياره، وأصل الجزاء على التخيير دون الترتيب ويلزم التحكيم في كل وقت، وفيما حكمت فيه الصحابة، وفيما لم تحكم فيه، والواجب فيه هدي كامل يسوقه من الحل إلى الحرم ولا يأكل منه ويطعم لمساكين الحرم دون غيرهم، ومحله مني إن وقف به بعرفة وإن فاته ذلك نحوه بمكة (٦).

стр. 523

فصل [١٤ - في أن ماله مثل النعم مضمون بمثله]: وإنما قلنا: أن ماله مثل من النعم مضمون (بمثله خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أنه مضمون) (١) بالقيمة (٢) لقوله (٣): ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٤)، ففيه أدلة: أحدهما: أن إطلاق المماثلة يقتضي الخلقة والصورة والجنس، فلما قيده بأن يكون من النعم علم بأنه أراد الخلقة من هذا النوع دون غيره. والثاني: قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٥)، وهذه الكناية عائدة إلى الجزاء وهو المثل من النعم ولا ذكر للقيمة للظاهر. والثالث: قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٦)، فأوجب أن يكون نفس الشيء المحكوم به هديًا بالغ الكعبة، وهذا لا يمكن في القيمة دون أن تبدل (٧)، وإنما يصح في المثل، وقوله ﷺ : "الضيع صيد وفيها كبش إذا أصابها المحرم" (٨)، ففيه أدلة: أحدهما: أنه عين الواجب فيها وهو الكبش، وعند المخالف أن الواجب القيمة من غير تعيين. والثاني: أنه ﷺ جعل فيها جزاء مقدرًا وعندهم لا يتقدر، لأنه يزيد وينقص باختلاف القيم. والثالث: أنه أوجب كبشًا وعندهم يجب تارة كبشًا، وتارة دونه، وتارة أكثر منه بحسب اختلاف القيمة، ولأنه إجماع الصحابة روي عن عمر وعثمان

стр. 524

وعليّ وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن مسعود وعائشة (١) ﵃ أجمعين ولا مخالف لهم (٢)، ولأنه حيوان يخرج في كفارة، فوجب أن لا يكون على وجه القيمة كإعتاق الرقبة. فصل [١٥ - ما لا مثال له من الصيد]: وإنما قلنا: أن ما لا مثال له فيه حكومة: وهي وجوب قيمة لحمه لأن هذه سبيل سائر المتلفات أن المراعي فيما له مثل وجوب مثله، فإن عدم المثل فالقيمة قائمة مقامه كالغصب وغيره، ولأن الناس قائلان (٣): فمعتبر للقيمة في جميع الصيد ومقتصر بها على ما لا مثل له من النعم، فقد تضمن ذلك الإجماع على اعتبار القيمة فيما لا مثل له. فصل [١٦ - كفارة قتل الصيد على التخيير]: وإنما قلنا: إن كفارة قتل الصيد على التخيير دون الترتيب خلافًا لما يحكيه بعض أهل الخلاف عن ابن عباس وغيره (٤) من كونها على الترتيب لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ … إلى قوله: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (٥)، أو عدل ذلك صيامًا أو موضوعة للتخيير إذا وردت لغير الشك مثل الأمر أو إباحة جنس، ولأن الصيغة ها هنا كهي في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٦)، معلوم أن مفهومها في ذلك الموضع التخيير فكذلك ها هنا (٧) في مسألتنا، ولأنه حق لزم بإتلاف صيد كان ممنوعًا لحرمة الإحرام، فوجب أن يكون على التخيير أصله كفارة الأذى.

стр. 525

فصل [١٧ - قصر كفارة قتل الصيد على الثلاثة أنواع فقط]: وإنما قلنا: إنها مقصورة على هذه الأنواع الثلاثة، وهي المثل من النعم فيما له مثل منه أو الإطعام أو الصيام أو القيمة فيما لا مثل له لأن النص ورد بحصرها على ذلك دون زيادة عليه، واعتبارًا بفدية الأذى بعلة ما قدمناه. فصل [١٨ - التحكيم فيما يخرجه عما قتل من النعم]: وإنما قلنا: إنه ليس (١) له إخراج شيء من ذلك بنفسه دون التحكيم فيه لورود النص باشتراط التحكيم لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢)، ولا خلاف في ذلك (٣). فصل [١٩ - التحكيم يكون من اثنين]: وإنما قلنا: إنه لا يكتفي بأقل من اثنين لقوله تعالى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤)، ولأن عمر بن الخطاب ﵁ دعي عبد الرحمن بن عوف ﵄ (٥) ليحكم معه على رجل قتل ظبيًا وهو محرم (٦)، وكذلك دعى كعبًا (٧) في قصة أخرى (٨)، ولأنه عدد مشترط بالنص في ما يتعلق بالتحكيم كالحكمين في

стр. 526

النشوز، ولأنه عدد منصوص عليه فيما يتعلق بتكفير لزم لنقص في الإحرام كالصيام وعدد المساكين في فدية الأذى. فصل [٢٠ - القاتل ليس أحد الحكمين]: وإنما قلنا: إنه لا يكون القاتل أحد الحكمين (١) خلافًا للشافعي (٢)، لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣)، فخاطب (٤)، بذلك من يلزمه التحكيم فاقتضى أن يكون الحكمان غير المحكوم عليه كما قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٥)، فاقتضى أن يكون الشاهد غير المشهود عليه، ولأن حكم الإنسان على نفسه غير متصور، ولأن الحكم كما يقتضي حاكمًا فيقتضي (٦) محكومًا عليه غيره كاقتضائه محكومًا له غيره، ولأن الجزاء بدل للمتلف فلم يرجع فيه إلى أمانة المتلف كتقويم المتلفات. فصل [٢١ - تخيير الحاكمين للقاتل في نوع الجزاء]: وإنما قلنا: إنهما يخبرانه لورود النص بذلك، وإنما ينحتم عليه النوع الذي يكفر به بعد اختياره وحكمهما عليه بما يختاره. فصل [٢٢ - تقويم الصيد بالطعام]: وإنما قلنا: إن اختار التكفير بالإطعام قوَّم الصيد نفسه بالطعام لا المثل خلافًا للشافعي في قوله: أن يقوم المثل (٧) لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ

стр. 527

النَّعَمِ .. إلى قوله: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (١)، وظاهره يقتضي أن يكون الإطعام جزاء عن المقتول معتبرًا به دون المثل، ولأن المتلف هو الصيد دون المثل فوجب أن يكون هو المقوم كسائر المتلفات، ولأن الإطعام بدل (٢) عن نفس المتلف، فوجب أن يكون معتبرًا به لا بغيره أصله المثل من النعم، ولأنه طعام مخرج في جزاء الصيد فوجب أن يكون معتبرًا بقيمة الصيد كالذي لا مثل له. فصل [٢٣ - تقويم الصيد بالطعام دون الدراهم]: وإنما اخترنا أن يقوَّم الصيد دون أن يقوم بالدراهم لأن الطعام بدل عن (٣) الصيد فوجب أن يقع التقويم به، وإنما يقوم بالدراهم إذا كانت هي المأخوذة في القيمة هذا هو المختار، فإن لم يفعل وقوم الصيد دراهم ثم قومت طعامًا جاز لأن ذلك يؤول إلى معرفة القيمة من الطعام. فصل [٢٤ - التقويم يكون في موضع القتل]: ويقوم بالطعام في الموضع الذي قتل (٤) فيه إن كان هناك طعام يقوم بغالب طعام ذلك المكان إلا أن يكون موضعًا لا طعام فيه ولا قيمة، فيعدل إلى أقرب المواضع إليه لأنه لا يوصل إلى معرفة قيمته بأكثر من ذلك. فصل [٢٥ - في كون الإطعام مدًّا لكل مسكين]: وإنما قلنا: إنه يطعم لكل مسكين مدًّا مدًّا اعتبارًا بسائر الكفارات أنه لا يزاد فيها على مد، وفدية الأذى ليست بكفارة، وإنما هي فدية وعلى أنها مخصوصة بتقدير الصيام فيها بالأيام مع التخيير في جميعها. فصل [٢٦ - الصيام عن كل مد يومًا]: وإنما قلنا: إنه إن اختار الصوم صام عن كل مد يومًا خلافًا لأبي حنيفة في

стр. 528

قوله: إنه يصوم عن كل مدين (١) يومًا (٢) اعتبارًا بكفارة الفطر في رمضان، لأنه صيام بدل عن طعام (٣)، فوجب لحرمة عبادة ولا يدخل عليه كفارة الظهار لأنه ليس لحرمة (٤) عبادة ولا فدية الأذى لأنه جعل فيه مكان أربعة أمداد يومًا، وذلك غير معتبر ها هنا. فصل [٢٧ - جبر كسر المد بصوم يوم كامل]: وإنما قلنا: إنه يجبر كسر المد بصوم يوم كامل لأن إسقاط الصوم غير جائز وتبعيضه غير ممكن فلم يبق إلا جبره بالإكمال كالأيْمَان في القسامة. فصل [٢٨ - لزوم التحكيم فيما حكم فيه الصحابة وفيما لم تحكم]: وإنما قلنا: إن التحكيم يلزم فيما حكمت فيه الصحابة، وفيما لم تحكم خلافًا للشافعي في قوله: أنه يكتفي فيما حكمت فيه الصحابة بما تقدم الحكم به (٥) لقوله : ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ .. إلى قوله: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٦) فعم من الجهتين، ولأنه صيد لزم بقتله الجزاء فلا بد من التحكيم فيه أصله ما لم تمض فيه حكومة. فصل [٢٩ - الهدي الواجب في الجزاء]: وإنما قلنا: إن الواجب فيه هدي لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٧)، ولا بد أن يساق من الحل إلى الحرم -أعني الهدي- خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن اشتراه من الحرم ونحوه أجزاه (٨)؛ لأن النبي ﷺ ساق هديه

стр. 529

من الحل إلى الحرم (١)، وكان فعله بيانًا للمناسك، ولأنه لو اشتراه في الحل ونحره هناك لم يجزه لأنه لم يجمع له الحل والحرم، وكذلك إذا أفرده بالحرم لا يجزيه، فإن وقف به بعرفة نحوه بمِنَى، وإن لم يقف به نحوه بمكة؛ لأن النحر في الحج لا يكون إلا بأحد هذين الموضعين: إما مِنَى، أو مكة، فإذا (٢) لم يكن يوجد فيه شرط النحر كان النحر بمكة. فصل [٣٠ - أمثال الصيد]: فأما تفصيل أمثال الصيد من النعم: ففي النعامة بدنة، وبذلك حكمت الصحابة لأنها (٣) أشبه شيء بها من بهيمة الأنعام، وفي حمار الوحش والإبل بقرة لأنها أقرب شبهًا به من الإبل والغنم. وفي الغزال شاة لأنها أشبه به من الإبل والبقر وعلى هذا تجري مسائله (٤). وفي حمام مكة شاة وفي حمام الحرم شاة، واختلف فيه، فقيل: هذا، وقيل: حكومة (٥)، وفي حمام الحل حكومة، وفي بيض النعامه عُشر ثمن البدنة، وفي بيض الطير عُشر ثمن ما يجب في أمه، وفي سائر الطير والوحش مما لا مثل له الاجتهاد كالأرنب واليربوع والصقر والبازي (٦)، والسمان (٧)،

стр. 530

والدراج (١)، وغير ذلك، ويجب في صغار الصيد الذي ليس له مثل من النعم (٢)، مثل ما يجب في كباره. فصل [٣١ - حمام مكة]: وإنما قلنا: في حمام مكة شاة لحكم الصحابة بذلك (٣)، وإنما قلنا: فصلنا في حمام الحرم والحل لحرمة الحرم وكثرة الحمام بمكة وتأكيد (٤) حرمتها. وإما قلنا: إن في بيض النعامة عُشر من البدنة خلافًا للشافعي (٥) في قوله: أن الواجب فيه قيمة البيضة، لحكم الصحابة بذلك، واعتبارًا بالجنين أن فيه عُشر ما يجب في أمه. وإنما قلنا: إن فيما سوى ذلك الاجتهاد لأنه لا مثل له من النعم فلم يبق إلا الاجتهاد. فصل [٣٢ - في صغار الصيد]: وإنما قلنا: إن في صغار الصيد من المثل من النعم مثل ما في كباره خلافًا للشافعي في قوله (٦) أن في النعامة الكبيرة بدنة وفي الصغيرة فصيلًا، وفي حمار الوحش بقرة، وفي سخله عجلًا، لقوله تعالى (٧): ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٨)، فلو تركنا هذا لقلنا في الصغر والكبر والصورة، فلما قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٩)، اقتضي ما يتناوله اسم الهدي نحو الإطلاق، وذلك
следующие страницы →