← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

النشوز، ولأنه عدد منصوص عليه فيما يتعلق بتكفير لزم لنقص في الإحرام كالصيام وعدد المساكين في فدية الأذى. فصل [٢٠ - القاتل ليس أحد الحكمين]: وإنما قلنا: إنه لا يكون القاتل أحد الحكمين (١) خلافًا للشافعي (٢)، لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣)، فخاطب (٤)، بذلك من يلزمه التحكيم فاقتضى أن يكون الحكمان غير المحكوم عليه كما قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٥)، فاقتضى أن يكون الشاهد غير المشهود عليه، ولأن حكم الإنسان على نفسه غير متصور، ولأن الحكم كما يقتضي حاكمًا فيقتضي (٦) محكومًا عليه غيره كاقتضائه محكومًا له غيره، ولأن الجزاء بدل للمتلف فلم يرجع فيه إلى أمانة المتلف كتقويم المتلفات. فصل [٢١ - تخيير الحاكمين للقاتل في نوع الجزاء]: وإنما قلنا: إنهما يخبرانه لورود النص بذلك، وإنما ينحتم عليه النوع الذي يكفر به بعد اختياره وحكمهما عليه بما يختاره. فصل [٢٢ - تقويم الصيد بالطعام]: وإنما قلنا: إن اختار التكفير بالإطعام قوَّم الصيد نفسه بالطعام لا المثل خلافًا للشافعي في قوله: أن يقوم المثل (٧) لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ

стр. 527

النَّعَمِ .. إلى قوله: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (١)، وظاهره يقتضي أن يكون الإطعام جزاء عن المقتول معتبرًا به دون المثل، ولأن المتلف هو الصيد دون المثل فوجب أن يكون هو المقوم كسائر المتلفات، ولأن الإطعام بدل (٢) عن نفس المتلف، فوجب أن يكون معتبرًا به لا بغيره أصله المثل من النعم، ولأنه طعام مخرج في جزاء الصيد فوجب أن يكون معتبرًا بقيمة الصيد كالذي لا مثل له. فصل [٢٣ - تقويم الصيد بالطعام دون الدراهم]: وإنما اخترنا أن يقوَّم الصيد دون أن يقوم بالدراهم لأن الطعام بدل عن (٣) الصيد فوجب أن يقع التقويم به، وإنما يقوم بالدراهم إذا كانت هي المأخوذة في القيمة هذا هو المختار، فإن لم يفعل وقوم الصيد دراهم ثم قومت طعامًا جاز لأن ذلك يؤول إلى معرفة القيمة من الطعام. فصل [٢٤ - التقويم يكون في موضع القتل]: ويقوم بالطعام في الموضع الذي قتل (٤) فيه إن كان هناك طعام يقوم بغالب طعام ذلك المكان إلا أن يكون موضعًا لا طعام فيه ولا قيمة، فيعدل إلى أقرب المواضع إليه لأنه لا يوصل إلى معرفة قيمته بأكثر من ذلك. فصل [٢٥ - في كون الإطعام مدًّا لكل مسكين]: وإنما قلنا: إنه يطعم لكل مسكين مدًّا مدًّا اعتبارًا بسائر الكفارات أنه لا يزاد فيها على مد، وفدية الأذى ليست بكفارة، وإنما هي فدية وعلى أنها مخصوصة بتقدير الصيام فيها بالأيام مع التخيير في جميعها. فصل [٢٦ - الصيام عن كل مد يومًا]: وإنما قلنا: إنه إن اختار الصوم صام عن كل مد يومًا خلافًا لأبي حنيفة في

стр. 528

قوله: إنه يصوم عن كل مدين (١) يومًا (٢) اعتبارًا بكفارة الفطر في رمضان، لأنه صيام بدل عن طعام (٣)، فوجب لحرمة عبادة ولا يدخل عليه كفارة الظهار لأنه ليس لحرمة (٤) عبادة ولا فدية الأذى لأنه جعل فيه مكان أربعة أمداد يومًا، وذلك غير معتبر ها هنا. فصل [٢٧ - جبر كسر المد بصوم يوم كامل]: وإنما قلنا: إنه يجبر كسر المد بصوم يوم كامل لأن إسقاط الصوم غير جائز وتبعيضه غير ممكن فلم يبق إلا جبره بالإكمال كالأيْمَان في القسامة. فصل [٢٨ - لزوم التحكيم فيما حكم فيه الصحابة وفيما لم تحكم]: وإنما قلنا: إن التحكيم يلزم فيما حكمت فيه الصحابة، وفيما لم تحكم خلافًا للشافعي في قوله: أنه يكتفي فيما حكمت فيه الصحابة بما تقدم الحكم به (٥) لقوله : ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ .. إلى قوله: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٦) فعم من الجهتين، ولأنه صيد لزم بقتله الجزاء فلا بد من التحكيم فيه أصله ما لم تمض فيه حكومة. فصل [٢٩ - الهدي الواجب في الجزاء]: وإنما قلنا: إن الواجب فيه هدي لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٧)، ولا بد أن يساق من الحل إلى الحرم -أعني الهدي- خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن اشتراه من الحرم ونحوه أجزاه (٨)؛ لأن النبي ﷺ ساق هديه

стр. 529

من الحل إلى الحرم (١)، وكان فعله بيانًا للمناسك، ولأنه لو اشتراه في الحل ونحره هناك لم يجزه لأنه لم يجمع له الحل والحرم، وكذلك إذا أفرده بالحرم لا يجزيه، فإن وقف به بعرفة نحوه بمِنَى، وإن لم يقف به نحوه بمكة؛ لأن النحر في الحج لا يكون إلا بأحد هذين الموضعين: إما مِنَى، أو مكة، فإذا (٢) لم يكن يوجد فيه شرط النحر كان النحر بمكة. فصل [٣٠ - أمثال الصيد]: فأما تفصيل أمثال الصيد من النعم: ففي النعامة بدنة، وبذلك حكمت الصحابة لأنها (٣) أشبه شيء بها من بهيمة الأنعام، وفي حمار الوحش والإبل بقرة لأنها أقرب شبهًا به من الإبل والغنم. وفي الغزال شاة لأنها أشبه به من الإبل والبقر وعلى هذا تجري مسائله (٤). وفي حمام مكة شاة وفي حمام الحرم شاة، واختلف فيه، فقيل: هذا، وقيل: حكومة (٥)، وفي حمام الحل حكومة، وفي بيض النعامه عُشر ثمن البدنة، وفي بيض الطير عُشر ثمن ما يجب في أمه، وفي سائر الطير والوحش مما لا مثل له الاجتهاد كالأرنب واليربوع والصقر والبازي (٦)، والسمان (٧)،

стр. 530

والدراج (١)، وغير ذلك، ويجب في صغار الصيد الذي ليس له مثل من النعم (٢)، مثل ما يجب في كباره. فصل [٣١ - حمام مكة]: وإنما قلنا: في حمام مكة شاة لحكم الصحابة بذلك (٣)، وإنما قلنا: فصلنا في حمام الحرم والحل لحرمة الحرم وكثرة الحمام بمكة وتأكيد (٤) حرمتها. وإما قلنا: إن في بيض النعامة عُشر من البدنة خلافًا للشافعي (٥) في قوله: أن الواجب فيه قيمة البيضة، لحكم الصحابة بذلك، واعتبارًا بالجنين أن فيه عُشر ما يجب في أمه. وإنما قلنا: إن فيما سوى ذلك الاجتهاد لأنه لا مثل له من النعم فلم يبق إلا الاجتهاد. فصل [٣٢ - في صغار الصيد]: وإنما قلنا: إن في صغار الصيد من المثل من النعم مثل ما في كباره خلافًا للشافعي في قوله (٦) أن في النعامة الكبيرة بدنة وفي الصغيرة فصيلًا، وفي حمار الوحش بقرة، وفي سخله عجلًا، لقوله تعالى (٧): ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٨)، فلو تركنا هذا لقلنا في الصغر والكبر والصورة، فلما قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٩)، اقتضي ما يتناوله اسم الهدي نحو الإطلاق، وذلك

стр. 531

يقتضي الهدي التام لأمرين: أحدهما: أن الصحابة قالت: الهدي بدنة أو بقرة وأدناه شاة (١)، فعمت جنس الهدي فلم يبق هدي إلا ما هذا وصفه. والآخر أن من قال لله عليَّ هدي لزمه هدي تام لا صغير ولأنه حيوان مخرج باسم الكفارة، فلم يختلف باختلاف أصله الرقبة في كفارة القتل والظِهار، ولأنه دم وجب لمعنى محظور في الإحرام، فوجب أن يكون دمًا تامًّا كاملًا أصله نسك الأذى، ولأنه دم لا يجوز نحره في غير الحرم فلم يجز فيه الصغير أصله دم المتعة والقِران. فصل [٣٣ - ما يجوز للمحرم قتله]: وللمحرم قتل الحية والعقرب والفأرة والزنبور (٢) من غير خلاف (٣)، والأصل فيه قوله ﷺ : "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: فذكر الحية والعقرب والفأرة والكلب العقور" (٤)، وفي حديث ابن مسعود قال: كنا مع النبي ﷺ ليلة عرفة (٥)، فخرجت حية فقال: "اقتلوا، اقتلوا" فسبقتنا (٦). فصل [٣٤ - قتل السباع العادية المبتدئة بالضرر]: وله عندنا قتل السباع العادية المبتدئة بالضرر من الوحش والطير مثل: الأسد

стр. 532

والذئب والنمر والفهد والكلب العقور وما أشبهها ولا جزاء عليه (١)، ومن الطير: الغراب والحدأة (٢). ووافقنا أبو حنيفة في الذئب والكلب العقور، ويخالفنا في السبع والفهد والنمر وغيرها من السباع، فقال: لا يقتل شيئًا من ذلك، وإن قتله فداه (٣). وقال الشافعي: كل ما لا يؤكل لحمه من الصيد فلا فدية فيه إلا في السبع وهو المتولد بين الذئب والضبع (٤)، فدليلنا على أبي حنيفة ما رواه (٥) أبو سعيد أن النبي ﷺ سُئل: ما يقتل المحرم؟ فذكر: الحية والعقرب والفويسقة والكلب العقور والحدأة والسبع العادي، وقوله: "خمس ليس على المحرم في قتلهن جناح فذكر الكلب العقور" (٦)، واسمه يعم الأسد وغيره، ولأنه لما أبيح قتل الكلب العقور والذئب وسقط الجزاء فيه للضرر الواقع منه (٧)، وابتداؤه بالعدو والفرس، وكان الأسد أدخل في هذه المعاني من كل ما عداه وضرره أشد كان بإباحة القتل أولى، ولأن بما فيه من الصيد لا يضمن إلا بأحد وجهين: إما بمثله في الخلقة أو بكمال قيمته، وكل ذلك معدوم في السبع لأن المخالف لا يراعى المثل في الخلقة ولا يوجب فيه كمال القيمة لأنه يقول: إن زادت قيمته على قيمة شاة لم يجب كمالها، فدل على أنه لا يضمن بالقتل. ودليلنا على وجوب الجزاء في الصقر والبازي والثعلب وكل متوحش لا يؤكل لحمه خلافًا للشافعي (٨)، لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ

стр. 533

حرمًا﴾ (١)، وقوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢) فعم، ولأنه حيوان بري ممتنع لا يبتديء بالضرر غالبًا، فكان مضمونًا بالجزاء أصله الضبع (٣). …

стр. 534

باب: أضرب الحج الإحرام على ثلاثة أخرجه: إفراد (١) وتمتع (٢) وقِران (٣): فالإفراد: هو أن يحرم بالحج على انفراده من غير إضافة العُمرة إليه، أو بالعُمرة على انفرادها من غير أن يجمع بينها وبين الحج في عقد الإحرام ويعرى من صفة التمتع، (ولا يبين وصفه على الحقيقة إلا بعد أن يتبين صفة القِران والتمتع) (٤)، فيعلم أن الإفراد هو ما يعرى عن صفاتهما. فأما القِران: فعلى وجهين: أحدهما أن يبتديء الإحرام بالعُمرة والحج معا في حال واحد ينوي بقلبه ويعتقد أنه داخل فيهما: مقدمًا للعُمرة في نيته من غير اعتبار بلفظه، فهذا يكون قارنًا إذا فعل ذلك بالنية والعقد دون الفعل لأن فعله (٥) لا يزيد على فعل المُفرِد في الطواف والسعي والفدية وجزاء الصيد، ولا يؤثر قرانه في زيادة على فعل المفرد، وإنما يؤثر في المفرد يكون فعله للحج وحده، والقِران يكون فعله للعبادتين، ويلزمه الهدي لقرانه إذا لم يكن مقيمًا بمكة متوطنًا (٦) على ما سنذكره.

стр. 535

والضرب الآخر: أن يبتديء الإحرام بالعُمرة (١) مفردًا ثم يضف الحج إليها، ومعنى ذلك أن يجدد اعتقادًا أنه قد شرك (٢) بينها وبين الحج في ذلك الإحرام، فهنا يكون قارنًا كالمبتديء بعقد الإحرام لهما. واختلف أصحابنا في الوقت الذي يكون له ذلك فيه (٣): فقيل ذلك له ما لم يشرع في الطواف، فإن شرع فيه ولو شوطًا واحدًا، فقد فاته القِران، وقيل: ما لم يطف ويركع ويكره له (٤) بعد الطواف وقبل الركوع، فإن فعل لزمه، فأما بعد الركوع فقد فاته -دخل في السعي أو لم يدخل- وقيل له ذلك ما بقي عليه شيء من عمل العُمرة من طواف أو سعي، واتفق على أنه إذا فرغ من السعي وبقى عليه الحلاق فقد فاته القِران، وإذا (٥) قرن بعد الفوات على الاختلاف فيه، وقد بقى عليه من عمل العُمرة، فقد اختلف في لزوم الحج له بعد فراغه من العُمرة وتحلله: فقيل يلزمه الحج مبتدئًا بالإحرام، وقيل: لا يلزمه، وتحرير القول في صفته: أن يشرك غير المكي بين العُمرة والحج في إحرام واحد مقدمًا للعمرة عقدًا أو إردافًا على الاختلاف الذي ذكرناه في وقته، هذا على (٦) قول مالك وأكثر أصحابنا، وأما عبد الملك فعنده أن القارن من أهل مكة عليه دم القِران، فلا معنى لاشتراط كونه من غير أهل مكة على قوله (٧)، ولسنا نريد باشتراطنا أن يكون غير مكي أن المكي إذا قرن على الصفة التي ذكرناها لم يكن قارنًا، لأن ذلك رفع الوجوب (٨)، وإنما نريد أنه ليس له حكم القارن في وجوب الدم بالقِران -هذا الكلام في صفة القِران-.

стр. 536

فأما التمتع: فأصله الذي أخذ (١) منه الجمع بين العُمرة والحج في سفر واحد فسمي ذلك متمتعًا لإسقاط أحد السفرين وتمتعه بذلك، وله شروط ستة: أحدها: ما ذكرناه أن يجمع بين العُمرة والحج في سفر واحد لأنه إن عاد إلى بلده بعد تحلله من عمرته أو مثل بلده في المسافة ثم سافر بالحج من عامه لم يكن بمتمتع لأنه لم يتمتع بإسقاط أحد السفرين. والثاني: أن يكون ذلك في عام واحد، فإن حلَّ من العُمرة فأقام إلى قابل ثم حج فليس بمتمتع، وإن كان السفر واحدًا. والثالث: أن يفعل العُمرة أو شيئًا منها في أشهر الحج، فلو حل منها قبل دخول شوال ثم أنشأ الإحرام بالحج من عامه في سفره ذلك لم يكن متمتعًا وليس من شرطه أن يبتديء الإحرام بالعُمرة في أشهر الحج بأن يكون متمتعًا -وإن أحرم بها قبل أشهر الحج (٢) إذ أتمها في أشهره-. والرابع: أن يقدم العُمرة على الحج، فإن قدم الحج ثم أحرم بالعُمرة بعد فراغه منه في عامه (٣) ذلك فليس بتمتع. والخامس: أن ينشيء الإحرام بالحج بعد فراغه من العُمرة وإحلاله منها، فإن كان بخلاف ذلك كان قارنًا على ما قدمناه (٤) من بيان الأرداف (٥)، ولم يكن متمتعًا. والسادس: أن يكون وطنه غير مكة من سائر الآفاق من الحرم أو الحل، فإن كان من مكة نفسها فليس بمتمتع، هذا جملة القول في حصر شروطه، فإذا ثبت

стр. 537

بما ذكرناه بيان صفة القِران والتمتع (١)، فالإفراد هو الإحرام العاري عن صفاتهما (٢)، ونحن ندل على جميع ذلك (٣). فصل [١ - حصر الإحرام في هذه الأقسام الثلاثة]: وإنما حصرنا قسمة (٤) الإحرام على هذه الأقسام الثلاثة، لأنه لا يتوهم خلوه من أحدها ولا يتصور وقوعه على وجه زائد عليها ولا ورود (٥) شرع بذلك كاف في الاستدلال عليه. فصل [٢ - دليل القِران]: وإنما قلنا: إن القِران جائز لفعل الصحابة (٦) والسلف له، وإجماعهم على جوازه من غير خلاف بينهم فيه (٧). فصل [٣ - الجمع بين العُمرة والحج في القِران]: وإنما قلنا: إنه يجمع بين العُمرة والحج في إحرام واحد، لأن ذلك فائدة وصفه بأنه قِران، ولأنه لو أفرد كل واحد منهما بإحرام لم يكن قارنًا، وكان لكل عبادة حكم نفسها في استغنائها عن الأخرى. فصل [٤ - القارن لا يزيد على فعل المفرد]: وإنما قلنا: إنه لا يزيد على فعل المفرد خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن عليه

стр. 538

طوافين وسعيين (١) لقوله ﷺ لعائشة ﵂: "طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك" (٢)، وروي إسماعيل بن إسحاق (٣) (يجزيك) (٤)، وهذا نص لأن عند أبي حنيفة لا يقع به إجزاء ولا كفاية، ولأنه نسك يؤتي به في الحج والعُمرة معًا، فوجب أن يكتفي القارن منه بواحد أصله الحلاق، ولأن العُمرة لو كانت لا تدخل في أفعال الحج لم يجز الجمع بينهما لأن كل عبادتين لا تتداخلان، فالجمع بينهما غير جائز كالصلاتين والحجتين، فلما أجاز الجمع بينهما علمنا أنهما تتداخلان كالطهارة. فصل [٥ - جزاء ما يقتله القارن من الصيد]: وإنما قلنا: إنه إذا قتل صيدًا كفاه جزاء واحد، وكذلك فدية واحدة في التطيب واللباس والحلق وغيره من ممنوعات الإحرام، وهدي واحد للفساد خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن عليه في كل ذلك جزائين وفديتين (٥). والأدلة ها هنا مفروضة في جزاء الصيد وما عداه يلحق به بالإجماع على أنه لا فرق بينهما لقوله تعالى (٦): ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ (٧)، فأوجب على قاتل الصيد جزاء واحد، ولم يفرق بين أن يكون قارنًا أو مفردًا، ولأنهما

стр. 539

حرمتان لو انفردت كل واحدة منهما بقتل الصيد فيها للزمه الجزاء لها (١)، فإذا اجتمعتا كفاه لها جزاء واحدًا أصله المحرم إذا قتل صيدًا في الحرم، ولأنه إحرام واحد (٢)، قتل فيه صيدًا واحدًا فلزم فيه جزاء واحد كإحرام المفرد. فصل [٦ - متى يتحقق القِران؟]: وإنما قلنا: إنه يكون على الوجهين اللذين (٣) ذكرناهما؛ لأن ذلك مروي عن السلف على هذا الوجه دون غيره فقصرناه لذلك عليه، ووجه القول بأن ذلك له ما لم يشرع في بعض الطواف، فإن شرع في شيء منه فقد فاته القِران إن كان شروعه فيه على وجه يستحق إتمامه على ذلك الوجه، فليس له نقله إلى غيره لأن في ذلك نقصًا لما أوجبه على نفسه ونقصًا مما ألزم (٤) نفسه إكماله، وذلك غير جائز، ويفارق الطواف الإحرام لأن الإحرام ابتداء يراد لما بعده، فإذا لم يشرع في مقصوده وسمع له أن يقصر إرادته به على أحدهما أو عليهما. فصل [٧ - هل يصح القِران إذا تم الإرداف بعد الطواف؟]: ووجه القول بأن ذلك له ما لم يكمل طوافه وركوعه، فلأن الطواف ما لم يكمل فلم يتقرر حكمه ولم يأت بركن من أركان العمرة فلم يمنعه ذلك من إضافة الحج إليها، فإذا فرغ من الطواف (لم يكن له ذلك لأن السعي قد لزمه عقيبه على الوجه الذي فعل عليه الطواف) (٥)، فليس له نقله إلى غيره، فأما إذا طاف ولم يركع فيكره له ذلك لأن الركوع لاتصاله بالطواف ومنع تراخيه عنه وتبعه له كأنه جزء منه.

стр. 540

وليس كذلك السعي لأنه وإن جمع هذه الأمور، فله حكم في نفسه (١) في الوجوب وكونه ركنًا فهو في هذا المعنى مساوٍ للطواف غير تابع، فإن فعل لزمه لأن الطواف قائم بنفسه في الحقيقة عدا الركوع بخلاف بعض أشواطه، ووجه القول بأن له ذلك ما بقي عليه شيء من عمل العمرة من بعض الطواف أو السعي هو أنه أردف الحج على عُمرة قد أحرم بها ولم يتحلل منها، فكان قارنًا أصله إذا أردفه قبل الطواف. فصل [٨ - هل يلزمه الحج إذا وقع الإرداف على وجه غير جائز؟]: فإذا قيل (٢): تلزمه حجة بعد الفوات، فلأنه أردف حجًّا على عُمرة ولم يتحلل منها فتضمنه هذا الإرداف نسكين (٣): أحدهما: الحج على نفسه، والآخر: تداخل العملين، فلما لم يصح تداخل العملين بطل الأرداف (٤)، ولم يبطل الإيجاب لأن بطلان غرضه لا يوجب بُطلان أصله ألا ترى أن من أحرم لحج ثم فاته لم يجز أن يسقط عنه عمل العُمرة لفوات غرضه، وإذا قلنا: أنه لا يلزم فلأنه أردف إحدى العبادتين على الأخرى على وجه لا يصح له، فلم يلزمه حكم يفعله أصله إذا أردف حجًّا على حج أو عمرة على عمرة أو عمرة على حج. فصل [٩ - إرداف العُمرة على الحج]: وإنما قلنا: إنه إذا أردف عُمرة على حج، فإنه لا يلزمه ولا يكون قارنًا لأنه لا يستفيد بهذا الإرداف زيادة فعل إذ لا يفيد هذا الإرداف شيئًا لم يكن عليه بالإحرام (٥) الأول، فلم يكن له معنى.

стр. 541

فصل [١٠ - إرداف حج على حج]: وإنما قلنا: إنه إذا أردف حجًّا على حج أو أحرم بحجتين معًا، فلا يلزمه خلافًا لأبي حنيفة (١) للمعنى الذي ذكرناه، وهو أنه لا يستفيد به شيئًا ولا يتسع الوقت لأدائهما فعلًا فلم يلزم، ومتى فعل ذلك كان محرمًا بواحدة منهما (٢). فصل [١١ - القارن من أهل مكة لا دم عليه]: ووجه قول مالك: إن القارن من أهل مكة لا دم عليه لأنه لم يلزمه في الأصل سفران، فيسقط أحدهما فيلزمه الدم لذلك، وهذا المعنى هو الأصل في لزوم الدم على القارن، ووجه قول عبد الملك: أنه قد أسقط أحد العملين أتى بأحدهما وهذا يستوي فيه المكي وغيره، وبذلك فارق المتمتع (٣) لأن ما له وجب الدم على غير المكي معدوم في المكي وهو تمتعه بإسقاط أحد السفرين. فصل [١٢ - المتمتع يجمع بين العُمرة والحج في سفر واحد]: وإنما شرطنا في المتمتع أن يجمع بين العُمرة والحج في سفر واحد؛ لأن ذلك هو المعنى الذي له سمي متمتعًا، وهو تمتعه بإسقاط أحد السفرين لأنه كان عليه في الأصل أن ينشيء سفرًا للحج وسفرًا للعُمرة، فلما جمع بينهما في سفر واحد ترفه بذلك، وتمتع بإسقاط أحدهما فلزمه الدم بذلك. فصل [١٣ - المعتمر يرجع إلى أفقه ثم يحج من عامه]: وإنما قلنا: إنه إذا رجع إلى أفقه أو مثله في البعد ثم حج من عامه، فليس بمتمتع خلافًا لما يحكي عن الحسن (٤) لأن ما قلناه مروي عن ابن عمر (٥)، ولا

стр. 542

مخالف له، ولأنه لم يحصل منه تمتع لأنه قد أتى بالسفرين على ما كان عليه في الأصل، ومجرد فعل العُمرة في أشهر الحج لا يكون تمتعًا إلا إذا كان تابعًا للترفه بالسفر. فصل [١٤ - وجه اشتراط رجوعه إلى أفقه أو إلى مثله في البعد]: وإنما راعينا في الرجوع أن يكون إلى أفقه أو إلى مثله في البعد خلافًا للشافعي في قوله: إنه إذا رجع إلى الميقات وأحرم بالحج لم يكن متمتعًا (١)؛ لأن التمتع هو الترفه بإسقاط أحد السفرين، فيجب أن يعتبر موضع السفر، فإن وجد مترفًا فيه بإسقاط أحدهما، فقد وجد فيه معنى التمتع (وقد علمنا أن البغدادي إذا أحرم بالعُمرة في أشهر الحج وحل منها ثم خرج إلى ذات عرق أو إلى الطائف أو غيرها ثم أحرم فلم يزل عنه الترفه والتمتع) (٢)؛ لأنه قد جمع بين العُمرة والحج في سفر واحد، وإن هذا القدر لا تأثير له في المشقة عندما كان عليه في الأصل فصح ما قلناه. فصل [١٥ - التمتع بحج من عامه الذي اعتمر فيه]: وإنما شرطنا أن يحج من عامه لأن ذلك (مبني على أن يجمع بين العُمرة والحج في أشهر الحج، فهذا لا يكون إلا إذا كان في عام واحد لأنه إذا كان في عامين لم يكن معتمرًا في أشهر الحج الذي أتى به. فصل [١٦ - المتمتع يأتي بالعُمرة في أشهر الحج]: وإنما شرطنا أن يأتي بالعُمرة في أشهر الحج لأن ذلك) (٣) معنى التمتع، ولأن أصل الرخصة به تعلقت وهي إيقاع العُمرة في أشهر الحج الذي هو أولى بها لأن العرب كانت ترى ذلك تجوزًا، ولذلك راجعوه ﷺ لما أمرهم أن يحلوا بعمرة (٤) وإن ثبت ذلك تعلق وجوب الدم بهذه الرخصة.

стр. 543

فصل [١٧ - ابتداء الإحرام للعُمرة]: وإنما لم يشترط (١) أن يبتديء الإحرام بها في أشهر الحج خلافًا للشافعي في أحد قوليه، لأن فعل العُمرة في أشهر الحج حاصل منه، كما لو ابتدأ الإحرام بهما في أشهر الحج، ولأن الغرض ليس هو استيفاء جميع عملها، وإنما هو عمل غير الحج في أشهره سواء كان جميع العبادة أو بعضها. فصل [١٨ - تقديم العُمرة على الحج للمتمتع]: وإنما شرطنا أن يقدم العُمرة على الحج لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ (١)﴾ (٢)، فيبدأ بالعُمرة في الفعل، ولأن من شرط التمتع أن يجمع بينهما في أشهر الحج، وذلك يتضمن تقدم العُمرة لأن فراغه من الحج هو بتقضي (٣) شهره (٤) إن قلنا: إن أشهر الحج تنقضي بعد العشر، وإن قلنا: إنها إلى آخر ذي الحجة فلأن الرُخصة تعلقت بأن يأتي بالعُمرة في أشهر الحج في الوقت الذي هو أولى أن يحرم فيه بالحج، وهذا لا يتصور بعد الفراغ فلذلك قلنا: أنه لا بد من تقديمها على الحج. فصل [١٩ - الإحلال من العُمرة ثم إنشاء إحرام الحج]: وإنما شرطنا أن يحل منها ثم ينشيء إحرامًا بالحج لوجوب الفصل بين صفة التمتع والقِران وليس ذلك إلا بالفصل بين الإحرام بهما؛ لأنه إن أحرم بهما معًا أو أردف الحج على العُمرة صار قارنًا وزال الفصل بينهما.

стр. 544

فصل [٢٠ - المتمتع من غير أهل مكة]: وإنما (١) شرطنا أن يكون من غير أهل مكة لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢)، وهذا نص، ولأن التمتع مأخوذ من الترفه بإسقاط أحد السفرين، وذلك لا يتصور إلا في غير المكي. فصل [٢١ - في حاضري المسجد الحرام]: وإنما قلنا: إن حاضري المسجد الحرام هم: أهل مكة نفسها دون من عداهم خلافًا لأبي حنيفة (في قوله: من كان دون المواقيت إلى مكة (٣)، وللشافعي في قوله: إنهم من كان من الحرم على مسافة لا يقتصر فيها الصلاة (٤) ولغيرهما) (٥) في قوله: أنهم أهل الحرم (٦)، لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٧)، وحاضر الشيء لا يحتاج إلى تكلف مسير إليه من قطع مسافة للحصول فيه، وذلك مقصور على أهل مكة فقط، ولأن كل موضع ليس بمكة فأهله لا يوصفون بأنهم حاضروا المسجد الحرام كالمدينة والعراق. فصل [٢٢ - حكم التمتع]: وإنما قلنا: إن التمتع جائز لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٨)، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم تمتعوا وقرنوا

стр. 545

وأفردوا (١)، واختلف في حج النبي ﷺ ، وإن كان الظاهر أنه أفرد (٢). فصل [٢٣ - في تمتع المكي]: ويجوز للمكي (٣) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: ليس له ذلك (٤) لعموم الظاهر، ولأن كل من جاز له الإفراد جاز له التمتع والقِران أصله غير المكي وقد دَلَّلنا (٥) أنه لا دم عليه خلافًا لأبي حنيفة. فصل [٢٤ - أفضل أنواع الإحرام]: فإذا ثبت ما ذكرناه فالإفراد أفضل من التمتع والقران والتمتع أفضل من القِران (٦)، وإنما قلنا: إن الإفراد أفضل من الأمرين خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنهما أفضل منه (٧)، وللشافعي في قوله: إن التمتع أفضل من الإفراد (٨)، لأن النبي ﷺ أفرد بالحج (٩)، ورواية عائشة ﵂ (١٠) أرجح من

стр. 546

رواية غيرها، ولأن الأفضل أن يؤتي بالعبادة منفردة بنفسها من غير خلط لها بغيرها، ولأن القِران والتمتع يتضمنان من الرخص ما يوجب النقص والجبران من إيقاع العُمرة في أشهر الحج والترفه بإسقاط أحد السفرين وجعل الفعلين (١) واحدًا، وكل ذلك نقص يوجب جبرانًا، والعبادة التي لا نقص فيها ولا تحتاج إلى جبران (أفضل مما خالفها. فصل [٢٥ - دم التمتع والقِران جبران]: وإنما قلنا: إن الدم الواجب بالتمتع والقِران جبران) (٢)، لأنّه دم يختص وجوبه بالإحرام فوجب أن يكون لنقص وجبران أصله دم الجزاء ونسك الأذى، ولأنه دم يجب بترك الميقات، وكان كالدم على من جاوز الميقات. فصل [٢٦ - وجه أن التمتع أفضل من القِران]: وإنما قلنا: إن التمتع أفضل من القِران لأنه يأتي بالعملين على تمامهما، ولأن المعاني الموجبة للدم في القِران أكثر منها في التمتع، وكل ما قل ما يقتضي النقص كان العمل أفضل. فصل [٢٧ - في أن الدم واجب بالتمتع والقِران]: إذا ثبت ما ذكرناه أن التمتع والقِران نقص في الإحرام، فالدم واجب بها (٣) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٤)، (وقالت عائشة ﵂: أهدي رسول الله ﷺ عن نسائه البقر وكن متمتعات (٥).

стр. 547

فصل [٢٨ - الجمع في الهدي بين الحل والحرم]: وهذا الدم هدي لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١)) (٢)، ولا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم (٣) خلافًا للشافعي (٤)؛ لأنه ﷺ ساق هديه من الحل إلى الحرم فوقف به بعرفة ثم أدخله الحرم ونحره (٥) وقال: "خذوا عني مناسككم" (٦)، ولأن اسم الهدي مأخوذ من الهدية والإهداء، فيجب أن يهدي من غير الحرم إلى الحرم، ولأن المحرم لما كان يجمع في إحرامه بين الحل والحرم، فكذلك في هديه لأن الهدي محل كما أن الإحرام له محل. فصل [٢٩ - في نحر الهدي قبل يوم النحر]: ولا يجوز نحر هدي التمتع والقِران قبل يوم النحر (٧) خلافًا للشافعي (٨) لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ (٩)، وقد ثبت أن الحلاق لا يجوز قبل يوم النحر، فدل على أن الهدي لا يبلغ محله إلا يوم النحر والظاهر لاستغراق الجنس، وقوله ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عُمرة" (١٠)، ولو كان النحر

стр. 548

جائزًا قبل يوم النحر لم يتأسف على ذلك لأنه وقت لا يتحلل فيه كما قبل الإحرام. فصل [٣٠ - فيمن لم يجد الهدي]: وإن لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لورود النص (١) بذلك، ووقت الصوم من بعد الإحرام بالحج إلى يوم عرفة (٢) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن يصوم عقيب إحرامه العُمرة (٣)، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (٤)، ومن لم يحرم بالحج فليس بمتمتع، ولأن قوله في الحج يقتضي أن يكون بعد التلبس بالحج، ولأنه صوم علق وجوبه بشرط فلم يجز تقديمه قبل وجود (٥) شرطه أصله الكفارة، ولأنه جبران للتمتع كالهدي. فصل [٣١ - صوم أيام مِنَى]: فإن فاته ذلك كله صام أيام منَى، وقد ذكرناه في كتاب الصوم، وإن فاته صوم أيام مِنَى صام بعدها قضاء (٦)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه لا يصومها ويستقر الهدي في ذمته (٧) لأنه صوم واجب فجاز أن يفعل أداء وقضاء أصله صوم رمضان وكفارة الظِهار، ولأن الصوم معنى يسقط به ما لزم بتمتعه فلم يمتنع فعله بعد خروج وقته أصله الهدي، لأنه لو أخره عن وقته للزمه نحره بعد الوقت.

стр. 549

فصل [٣٢ - من عدم الهدي ثم وجده بعد صيام يوم أو يومين]: وإذا عدم الهدي فصام يومًا أو يومين ثم وجده استحببنا له أن يهدي، فإن مضى على صومه جاز (١) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن يهدي إذا وجده قبل الفراغ من الثلاثة وأنه يمضي على صومه إذا وجده في صوم السبعة (٢)؛ لأنه بدل تلبس به عند عدم المبدل مقصود في نفسه، فلم يلزمه الخروج منه بوجود المبدل اعتبارًا بوجوده بعد الدخول (في صوم السبعة وتقييده احترازًا من وجود المتيمم الماء قبل الدخول في) (٣) الصلاة. فصل [٣٣ - ابتداء صوم السبعة في الطريق]: ويصوم السبعة إذا رجع إلى أهله لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٤) وذلك عندنا رخصة، فإن صامها في الطريق أجزاه (٥)، خلافًا للشافعي في أحد قوليه (٦)، لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٧)، فوجب تعليقه بأول الرجوعين، ولأن إضمار الرجوع إلى الحج أولى لأنه منطوق به، ولأنه فرع من أفعال الحج كما لو رجع إلى أهله. فصل [٣٤ - فيمن ساق هديًا في عُمرته فأراد أن يجعله عن قِرانه]: إذا ساق في العُمرة هديًا تطوعًا، ثم أحرم بالحج، فأراد أن يجعله عن قِرانه، فقد اختلف قوله فيه (٨)، والصحيح أنه لا يجزيه لأنه قد وجب بالتقليد والإشعار ولم يبق فيه إلا النحر فلم ينقل عن أصله.

стр. 550

باب: [في الدخول إلى مكة] يستحب للداخل إلى مكة محرمًا أن يدخل من كداء (١) الثنية التي بأعلى مكة، وأن يخرج منها (٢) لأن رسول الله ﷺ كذلك فعل في دخوله وخروجه (٣). مسألة [١ - البداية بالمسجد واستلام الحجر لداخل مكة]: إذا دخل مكة بدأ بالمسجد فيستلم الحجر بفيه إن قدر، فإن لم يقدر وضع يده عليه ثم وضعها على فيه من غير تقبيل (٤)، وإنما قلنا ذلك لما روي: "أنه ﷺ كان إذا دخل مكة لم يلو ولم يعرج دون المسجد" (٥). وإنما استحببنا البداية بالشروع في الطواف على كل شيء لأنه تحية للبيت كما أن الركوع قبل الجلوس تحية لسائر المساجد (٦)، ولأنه ﷺ كان يفعل (٧)، وإنما قلنا: يبدأ باستلام الحجر لما روى جابر وابن عمر: "أنه صلى

стр. 551

الله عليه وسلم بدأ بالحجر فاستلمه" (١)، ولأن عمر بن الخطاب ﵁ قبل الحجر وقال: "إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ولكني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك" (٢). وإنما قلنا: إنه إذا لم يقدر وضع يده عليه (ثم وضعها على فيه ليكون ذلك عوضًا من التقبيل، ولأنه روي ذلك عن جماعة من الصحابة (٣). فصل [٢ - بداية الطواف من الركن الأسود]: يبدأ بالطواف من الركن الأسود والبيت على يساره فيطوف سبعة أشواط، الثلاثة الأولى منها خبب (٤) والأربعة مشي، وكل ما مر بالركن الأسود قبله إن قدر وإلا وضع يده عليه) (٥)، على ما ذكرناه، ولا يستلم اليماني ولكن يضع يده عليه ثم يضعها على فيه، فإن طاف منكسًا (٦) فلا يجزيه. فصل [٣ - دليل بداية الطواف من الركن الأسود]: وإنما قلنا: يبدأ الطواف من الركن الأسود لأن رسول الله ﷺ كذلك فعل به فاستلم الركن ثم رمل (٧).

стр. 552

فصل [٤ - في كون البيت على يسار الطائف]: وإنما قلنا: إنه يطوف والبيت على يساره لأن رسول الله (١) ﷺ كذلك فعل (٢)، فإن طاف (٣) منكسًا فلا يجزيه خلافًا (٤) لأبي حنيفة (٥)؛ لأنه ﷺ طاف والبيت على يساره غير منكوس، وقال: "خذوا عني مناسككم" (٦)، ولأنه نسك مبني على الحركة والتكرار، فلم يجز منكسًا كالسعي. فصل [٥ - عدد أشواط الطواف]: وإنما قلنا: إنه يطوف سبعة أشواط؛ لأن النبي ﷺ كذلك فعل (٧)، وهذا مما نقلته الأمة بالعمل، ولأنه نسك مبني على الحركة والتكرار، فكان سبعًا كالسعي. فصل [٦ - فيمن ترك شيئًا من أشواط الطواف]: وإذا ترك شيئًا من أشواطه فلا يجزيه ولا ينوب عنه الدم (٨) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه إذا ترك أكثرها لم يجزه، وإن ترك أقلها ثلاثة فدونها أجزاه وجبره بالدم (٩)؛ لأنه ﷺ طاف سبعًا رمل ثلاثًا ومشى

стр. 553

أربعًا (١)، وقال (خذوا عني مناسككم) (٢)، ولأنه نقص من الأشواط السبعة كما لو اقتصر على ثلاثة. فصل [٧ - الرمل في الثلاثة الأولى]: وإنما قلنا: إن الثلاثة الأولى خبب والباقية مشي لأنه ﷺ كذلك فعل (٣)، وروي مثله عن أبي بكر وابن مسعود وغيرهم (٤). وذكر ابن عباس السبب في ذلك فقال: "قدم رسول الله ﷺ مكة فقال المشركون: أنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب ولقوا منها شرًّا، فاطلع الله تعالى نبيه على ذلك فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة ولم يأمرهم بالأشواط كلها إبقاء عليهم، فلما رأوهم قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم إن الحمَّى نهكتهم هؤلاء أجلد منا" (٥). وإنما قلنا: إنه يستلم الحجر كما مر به، لما روي: "أنه ﷺ كان يفعل ذلك في طوافه كما مر على الركن" (٦). فصل [٨ - الطهارة في الطواف]: ولا يجزيء الطواف إلا بطهارة (٧) خلافًا لأبي حنيفة (٨)، لقوله صلى الله

стр. 554

عليه وسلم: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله ﵎ (١) أباح فيه النطق" (٢)، وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يطوف توضأ ثم طاف (٣)، وفي حديثها قالت: قدمت مكة فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ قال: "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري" (٤)، وفي حديث صفية (٥) أنها حاضت، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "أحابستنا هي"؟، قيل: أنها قد أفاضت، قال: "فلا إذن" (٦) ولأنها عبادة مختصة بالبيت فلم تجز إلا بطهارة كالصلاة. فصل [٩ - الطواف داخل الحجر]: ولا يجزيء الطواف داخل الحجر (٧) خلافًا لأبي حنيفة (٨) لقوله ﷺ : "الحجر من البيت" (٩)، فإذا ثبت أنه من البيت لم يجزه أن

стр. 555

يطوف فيه لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١)، وذلك يقتضي استيفاء جميعه، ولأنه ﷺ طاف خارج الحجر (٢)، وقد قال: "خذوا عني مناسككم" (٣)، واعتبارًا بالطواف داخل البيت. فصل [١٠ - في صفة ركعتي الطواف والسعي]: إذا أتم الطواف ركع عند المقام ركعتين، وهما سُنَّة مؤكدة إن تركهما أتى بهما، فإن عاد إلى بلده فعليه دم، ثم يستلم الحجر بعد الركعتين إن قدر، ثم يخرج إلى الصفا والمروة (٤) ترى البيت، فيكبر ويهلل ويدعوا ثم ينحدر ماشيًا حتى ينتهي إلى المروة، فإذا ظهر عليها فعل مثل ذلك حتى يستوي سبعة أشواط يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، وذلك ثماني وقفات أربع على الصفا وأربع على المروة، فهذا صفة الطواف والسعي (٥). فصل [١١ - في حكم ركعتي الطواف]: وإنما قلنا: إنه إذا فرغ من الطواف ركع لأنه ﷺ كذلك فعل (٦)، وعندنا أن الركعتين سنة مؤكدة لا تترك (٧) خلافًا للشافعي في قوله: إنهما مستحبتان وليستا بسنتين (٨)، لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ

стр. 556

مُصَلًّى﴾ (١)، فروي جابر بن عبد الله: "أنه ﷺ لما فرغ من الطواف تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٢) وصلى ركعتين" (٣)، وروى: "أنه ﷺ طاف راكبًا فلما فرغ نزل وصلى خلف المقام" (٤)، وهذا يدل على تأكدهما لما لم يصلهما على الراحلة، ولأن الطواف بالبيت من أركان الحج، فوجب أن يكون من توابعه ما هو واجب وجوب سنة كالوقوف بعرفة، لأن من توابعه المبيت بالمزدلفة. فصل [١٢ - في عودته إلى الركن بعد صلاة ركعتي الطواف]: وإنما قلنا: إنه يعود إلى الركن فيستلمه لما روي جابر: "أنه ﷺ طاف فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فركع، ثم عاد إلى البيت" (٥). فصل [١٣ - الإتيان بالسعي عقيب الطواف]: وإنما قلنا: إنه يأتي بالسعي عقيب الطواف والركوع؛ لأن رسول الله ﷺ فعل ذلك وأتى به على الصفة التي ذكرناها في سياق وحديث جابر (٦). فصل [١٤ - في كون السعي ركنًا]: والسعي ركن لا ينوب عنه دم (٧) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه واجب

стр. 557

وليس بركن فينوب عنه الدم (١)؛ لأنه ﷺ سعى، وقال: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" (٢)، ففيه أدلة: أحدها: أن فعله على الوجوب وقد أتى به بيانًا فقوله: "خذوا عني مناسككم" (٣). والثاني: قوله: "اسعوا"، وهذا أمر فهو على وجوبه. والثالث: قوله: "فإن الله كتب عليكم السعي"، وهذا من أبلغ ما يدل (٤) على فرضه، ولأنه مشي ذو عدو سبع كالطواف، ولأن كل ركن في العمرة، فإنه ركن في الحج كالطواف. …

стр. 558

باب: [ذكر أعمال الحج] الطواف في الحج ثلاثة أطواف (١): طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الصدر (٢)، وهو طواف الوداع، والسعي واحد يؤتي به عقيب طواف القدوم إلا أن يفوت فيؤتي به عقيب طواف الإفاضة، وطواف القدوم واجب وجوب السُّنَّة، وطواف الإفاضة فرض وطواف الوداع سُنَّة (٣). وسُنَّة طواف القدوم لمن جاء قادمًا إلى مكة (٤) من غيرها دون من كان بها، فإذا فرغ منه ومن السعي، فإن كان عليه في الوقت فضل خرج إلى مِنَى يوم التروية (٥)، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مضى منها إلى عرفة وقطع التلبية بها بعد الزوال، فيجمع بها مع الإِمام الظهر والعصر ثم الوقوف، بحيث يقف الناس، والاستحباب أن يكون راكبًا، وبأي موضع شاء وقف سوى بطن عرنة (٦)، ويقف إلى أن تغرب الشمس ثم يمضي إلى مزدلفة، (ولا بد من جزء من الليل، فإن فاته ذلك فقد فاته الحج، وإن وقف جزءًا من الليل من أوله أو آخره، فقد أدرك الحج وقف نهارًا أو لا، فإذا أتى مزدلفة) (٧) جمع بها بين صلاتي المغرب والعشاء، ثم يبيت بها أي موضع شاء عدى بطن

стр. 559

محسر (١)، فإنه لا يبيت به، ويحرك دابته في المسير إذا انتهى إليه، ثم يمكث بها حتى يصلي الصبح، فإن لم يبت فعليه دم ثم يأتي المشعر الحرام فيقف به ويدعو، ثم يدفع قبل طلوع الشمس إلى مِنَى، وللإمام أن يقدم ضعفة أهله من مزدلفة إلى مِنَى ليلة (٢) النحر. وإذا جاء مِنَى بدأ برمي جمرة العقبة راكبًا إن قدر فيرميها وحدها ثم ينحر هديًا إن كان معه، ثم يحلق أو يقصر والحلاق أفضل، وإن قَدَّم العلائي على النحر أو النحر على الرمي فلا شيء عليه، وإن قدَّمِ العلائي على الرمي فعليه دم، ثم يرجع إلى مكة فيطوف ويركع ثم يعود إلى مِنى. وأما المراهق (٣) فيمضي على وجهه إلى عرفة فيفعل ما وصفناه، وإذا طاف للإفاضة سعى عقيبه ولا دم عليه لترك طواف القدوم وإن تركه غير المراهق فعليه دم. فصل [١ - في أن الطواف ثلاثة]: وإنما قلنا: إن الطواف ثلاثة لأن النبي ﷺ والسلف بعده لم يأتوا بزيادة على ذلك إلا ما بينوا أنه تطوع مبتدأ لا تعلق له بفروض الحج ولا بسنته. فصل [٢ - السعي عقيب الطواف]: وإنما قلنا: إنه يسعى عقيب طواف القدوم لما رويناه من فعله ﷺ لذلك (٤)، فإن فاته سعى عقيب طواف الإفاضة لأن السعي لا يكون إلا عقيب طواف، ولتقرر الإجماع على ذلك (٥).

стр. 560

فصل [٣ - حكم طواف القدوم]: وإنما قلنا: إن طواف القدوم مسنون، وربما عبر عنه أصحابنا بالواجب (١) لشدة تأكده (٢) لفعله ﷺ له (٣)، ولأنه شرط في ركن من أركان الحج وهو السعي، فكان من متأكد السنن. فصل [٤ - الخروج إلى مِنَى]: وإنما قلنا: إنه إذا فرغ من السعي خرج إلى مِنَى ليصلي بها يوم التروية لما روي أنه ﷺ فعل ذلك، رواه ابن عباس (٤)، وجابر (٥)، وأنس (٦). فصل [٥ - متى يقطع الحاج التلبية]: وإنما قلنا: إنه يقطع التلبية بعرفة بعد الزوال خلافًا للرواية الأخرى (٧)، ولمن ذهب إليها (٨)، وهي أنه يقطع عند جمرة العقبة، لإجماع الصحابة عليه، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وابن عمر وعائشة وسعد وجابر

стр. 561

وابن الزبير وأُم سلمة (١) ﵃ (٢)، وذكر مالك أنه إجماع أهل دار الهجرة (٣)، ولأن التلبية إجابة للنداء بالحج دعى إليه، فإذا انتهى إلى الموضع الذي دعى إليه، فقد انتهى إلى غاية ما أمر به، فلا معنى لاستدامتها. فصل [٦ - في الجمع بين الظهر والعصر بعرفة]: وإنما قلنا: إنّه يجمع بعرفة بين الظهر والعصر لما روي جابر أن النبي ﷺ فعل ذلك (٤). فصل [٧ - الوقوف يتلوا الصلاة]: وإنّما قلنا: إنه يتلوا ذلك بالوقوف لورود الرواية بذلك من حديث جابر (٥)، وغيره، ولنقل الأُمة إياه بالعمل (٦). فصل [٨ - الوقوف بعرفة راكبًا]: وإنما استحببنا أن يقف راكبًا لأنه ﷺ وقف راكبًا على راحلته القصواء (٧)، ولأن الركوب أعون على الوقوف وأمكن له في الدعاء أروح من التعب. فصل [٩ - الوقوف في أي موضع سوى بطن عرنة]: وإنما قلنا: أن يقف أي موضع شاء سوى بطن عرنة لقوله ﷺ : "عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرفة" (٨).

стр. 562

فصل [١٠ - زمن الوقوف بعرفة]: وإنما قلنا: إنه يقف إلى الغروب لأنه ﷺ كذلك فعل (١)، وإنما قلنا: إنه إن دفع قبل الغروب ولم يرجع فيقف جزءًا من الليل، فقد فاته الحج خلافًا، لأبي حنيفة والشافعي (٢)، لما روي عليّ (٣) وجابر (٤)، وأسامة (٥) أنه ﷺ دفع حين غابت الشمس، ففيه دليلان: أحدهما فعله، والآخر قوله: "خذوا عني مناسككم"، وروي عطاء عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من أدرك عرفة قبل الفجر فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة بليل، فقد فاته الحج" (٦)، ولأنه لم يقف بعرفة جزءًا من الليل، وكان كالواقف قبل الزوال، ولأن النهار لو كان وقتًا للوقوف لاستوى أوله وآخره كالليل.

стр. 563

فصل [١١ - الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء بمزدلفة]: وإنما قلنا: إنه يمضي إلى مزدلفة فيجمع بها بين العشائين (١)، لأن رسول الله ﷺ كذلك فعل، رواه جابر (٢)، وأسامة (٣) وغيرهما، وهذا الجمع عندنا سنة مؤكدة، فإن صلى المغرب في وقتها بعرفة والعشاء في وقتها، فقد ترك السنة والاختيار ويجزيه خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه لا يجزيه (٤)؛ لأنهما صلاتان سن الجمع بينهما في وقت إحداهما، فلم يمنع ترك الجمع بينهما جوازهما أصله الظهر والعصر بعرفة. فصل [١٢ - في المبيت بمزدلفة]: وإنما قلنا: إنه يبيت بها لأن رسول الله ﷺ كذلك فعل (٥)، وإنما قلنا: إنه يبيت أي موضع شاء منها إلا بطن محسر لقوله ﷺ : "مزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر" (٦). فصل [١٣ - حكم المبيت بمزدلفة]: والمبيت بالمزدلفة سنة يجب بتركها بغير عذر الدم (٧)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا شيء فيه (٨)، ولأنه ﷺ بات بها ولم يرخص في ترك ذلك إلا للضعفاء ورعاة الإبل (٩)، فوجب كونه مسنونًا.

стр. 564

فصل [١٤ - الوقوف بالمشعر الحرام عند الإسفار]: وإنما قلنا: إنه يقف بالمشعر الحرام (١) فيدعوا ثم يدفع عند الإسفار لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٢)، وفي حديث جابر: "أنه ﷺ صلى الصبح ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام، فرقى واستقبل القِبْلة فحمد الله وكبره وهلله، ولم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا ثم دفع قبل طلوع الشمس" (٣)، وفي حديث آخر أنه قال: "كان أهل الشرك يدفعون بعد طلوعها حيث تعتم بها رؤوس الجبال، وإنا ندفع قبل طلوعها هدينا مخالف هدي أهل الشرك والأوثان (٤). فصل [١٥ - في تقديم دفع الضعفة من مزدلفة]: وإنما أجزنا للإمام تقديم ضعفة أهله، وكذلك رعاة الإبل لإرخاصه ﷺ في ذلك (٥)، ولأن فيه رفقًا بهم وتخفيفًا عنهم، وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يكون هذا الإرخاص بشرط الدم، والظاهر خلافه. فصل [١٦ - رمي جمرة العقبة]: وإنما قلنا: إنه يأتي مِنَى فيرمى جمرة العقبة، لما روى جابر: "أنه ﷺ دفع من مزدلفة فذكر … إلى أن قال: حتى أتى الجمرة عند

стр. 565

الشجرة فرماها (١) بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، وكل حصاة منها كحصاة الخذف (٢) " (٣). فصل [١٧ - من أين ترمي الجمرة]: والمستحب أن يرميها من بطن الوادي ولا يرميها من فوقها، لما روي عن عمر ابن الخطاب ﵁: أنه رمى الجمرة من بطن الوادي ثم قال: "والذي أنزلت عليه سورة البقرة لقد رأيته يرمي ببطن الوادي ﷺ " (٤) روي عن عبد الله بن مسعود (٥) نحوه (٦). فصل [١٨ - في نحر الهدي]: وإنما قلنا: ينحر هديًا إن كان معه بعد الرمي؛ لأن رسول الله ﷺ كذلك فعل رمى الجمرة ثم نحر البدن (٧). فصل [١٩ - الحلاق بعد الإتمام]: وإنما قلنا: إنه إذا أتم حلق رأسه لأنه ﷺ حلق بعد أن نحر، رواه ابن عباس قال لما رمى رسول الله ﷺ الجمرة أتى بنسكه فنحره ثم دعى الحلاق فقال: "ابدأ بالشق الأيمن" (٨).
следующие страницы →