← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

يسهم لهم (١) ولا بأس أن يرضخ (٢) للمعاونة الحاصلة منهم فأما الصبيّ المراهق إذا أطاق القتال فيسهم له عندنا (٣) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٤) لحديث سمرة ابن جندب (٥) قال: كان رسول الله ﷺ يعرض عليه غلمان الأنصار فيلحق من أدرك منهم فعرضت عليه عامًا فألحق غلامًا وردني فقلت يا رسول الله: ألحقته ورددتني ولو صارعني لصرعته قال: فصارعني فصرعته فألحقني (٦)، ولأنه قد وجد فيه ما يوجد في البالغ من القتال والمكابدة للعدو وهو من الجنس الذي يسهم له فكان كالبالغ. فصل [٢٦ - سهم الفارس والفرس]: للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه (٧) خلافًا لأبي حنيفة في قوله أن له سهمين (٨) لما رواه ابن عمر (أنه ﷺ كان يسهم للخيل للفرس سهمين وللفارس سهما) (٩)، ورواه ابن عباس (١٠) وغيره، ولأن الفارس لما زيد على الراجل لكثرة مؤونته وكانت مؤونة الفرس أكثر من مؤونة فارسه فوجب أن يزاد له أيضًا بمثل ما له زيد فارسه على الراجل.

стр. 597

فصل [٢٧ - سهم الراجل]: وللراجل (١) سهم لأن النبي ﷺ كذلك أسهم له وأضعف للفارس والفرس، ولأن ذلك يوجب المساواة إلا أن يكون هناك معنى يقتضي الزيادة وليس ذلك بالفرس وقد ذكرناه. فصل [٢٨ - فيمن كان له عدة أفراس]: وإذا كان له عدة أفراس لم يسهم إلا لواحد (٢) خلافًا لأبي يوسف وغيره (٣) في قوله: إنه يسهم لفرسين ولا يسهم لما زاد عليهما ولابن الجهم (٤) من أصحابنا؛ لأن النبي ﷺ لم يسهم إلا لواحد في حروبه كلها، وكذلك الأئمة بعده، ولأن العدو لا يمكن أن يقاتل إلا على فرس واحد وما زاد على ذلك رفاهة وزيادة لا يؤثر في زيادة السهمين كالذي معه زيادة سيوف أو رماح واعتبارا بالثالث والرابع. فصل [٢٩ - الإسهام للهجن والبراذين]: والهجن (٥) والبراذين (٦) إن أجازها الإِمام أسهم لها (٧) لأنها في جنس الخيل

стр. 598

العتاق وتولدها، وإنما شرطنا إذن الإِمام لأن الإنتفاع بها يختلف بحسب المواضع فالهجن والبراذين تصلح للمواضع المتوعرة كالشعاب والجبال والعتاق (١) تصلح للمواضع التي يأتي فيها الكر والفر فكان ذلك متعلقا برأي الإِمام، والعتاق خيل العرب والهجن والبراذين خيل الفرس والروم. فصل [٣٠ - الإسهام للبغل والحمار والبعير]: ولا يسهم لبغل ولا حمار ولا بعير (٢) لقوله ﷺ : "للفرس سهمان (٣) " فخصه بالإسهام، ولأنه لم ينقل عنه أنه ﷺ أسهم لما سوي الخيل ولا الأئمة بعده، ولأنه لا يتأتى القتال عليها ولا تصلح للكر ولا للفر وإنما تصلح للحمولة. فصل [٣١ - في قسمة غنيمة السرية]: إذا خرجت سرية (٤) من عسكر فغنمت بينهما وبين بقية العسكر، وإن خرجت من بلد لم يقسم لأهل البلد معهم (٥)، والفرق بين الموضعين أنها إذا خرجت من جملة عسكر فبقية العسكر ردء لها وعون فبقوتهم وصلت إلى الإنفراد لأنه لو دهمها أمر لأمدها بقية العسكر ولولا أنهم خلفها لما أقدمت على التقدم والإنفراد، وليس كذلك إذا خرجت من بلد لأن أهل البلد ليسوا عونا لها حينئذ ولا ردءًا بدليل أنه لو دهمها أمر لم يصل أهل البلد إلى معونتها ولا انتفعت بهم بانقطاعهم عنها فإذا كان كذلك وجب انفرادها بما غنمت.

стр. 599

مسألة [٣٢ - غنيمة أموال أهل الحرب]: ما غنم من أموال أهل الحرب على وجهين: منه مغنوم بقتال أو إيجاف (١) عليه بخيل أو ركاب فهذا يخمس فيكون خمسه للإمام وأربعة أخماسه للغانمين (٢) والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٣) فدل على أن أربعة أخماسه للغانمين، وقوله ﷺ : "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس" (٤) فدل أن الباقي لهم. ومنه مغنوم بغير إيجاف ولا حاجة إلى قتال وذلك هو ما ينجلي عنه أهله ويتركونه رهبة (٥) وفزعا فهذا لا يقسم بل يصرف جميعه في مصالح المسلمين وحكمه حكم الخمس من الغنيمة خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه يخمس (٦) والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (٧) فأخبر تعالى بأن استحقاقهم القسم لا يكون إلا بإيجافهم، وروي أنه ﷺ لما نزل علي بني النضير فزعوا وجعلوا ينقبون الحصون ويهربون وحاز هو ﷺ الديار بما فيها فانتظر المسلمون القسم بينهم فنزلت هذه الآية (٨).

стр. 600

فصل [٣٣ - حكم الفيئ والخراج والجزية]: الفيئ (١) وخمس الغنيمة والخراج (٢) والجزية (٣) حكم كله واحد لا يخمس شيء منه بل يأخذ الإِمام من كفايته وعياله (٤) بغير تقدير بل لو احتاج إلى جميعه لأخذه (٥) ويصرف الباقي في مصالح المسلمين من بناء القناطر والمساجد وعمارة الثغور وأرزاق القضاة على حسب ما يؤديه إليه اجتهاده، (ويعطى من قرابة النبي ﷺ على ما يؤديه اجتهاده) (٦)، وقال أبو حنيفة: يقسم خمس الغنيمة على ثلاثة أسهم: سهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل، قال وسهم النبي ﷺ وقد سقط بموته (٧)، وقال الشافعي يقسم خمسة أخماس (٨): سهم للنبى ﷺ ويصرف اليوم في مصالح المسلمين وسهم لذوي القربى غنيهم وفقيرهم، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل (٩). وحكى عن طاوس وغيره زيادة سهم سادس وهو ما ينصرف إلى عمارة الكعبة (١٠)، فدليلنا قوله ﷺ : "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس

стр. 601

مردود فيكم" (١)، ولم يقل أن خمس الخمس مردود فدل على أن ما زاد على قدر كفايته منه ينصرف في مصالح المسلمين، ولأن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضوان الله عليهم قسموا الخمس (٢) على الاجتهاد (٣). وروي أن أبا بكر وعمر ﵄ (٤) كانا لا يعطيان من سهم النبي ﷺ إلا الفقراء (٥) وأن عمر بن الخطاب تلى قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ .. ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٦) فقال: إنَّ (٧) هذه الآية قد استوعبت الناس كلهم حتى الراعي بعدن (٨). وروي أن عليا دخل على عمر ﵄ في المرض الذي مات فيه فأعطاه سهم ذوى القربى فقال على ﵁: أن بناء العام غنى عنه وبالناس (٩) حاجة فاقسمه فيهم (١٠)، ولأنه نصيب من الخمس فجارٍ صرفه إلى الفقراء ومصالح المسلمين اعتبارا بما عدى خمسه ﵇، وأما عمارة الكعبة فلم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الأئمة أن لها سهما مقدرا فكانت كسائر المصالح إن احتيج إلى عمارتها أنفق عليها بقدر الحاجة.

стр. 602

مسألة [٣٤ - في الأسارى]: الإِمام في الأسارى مخير بين أشياء (١): إما قتلهم أو استرقاقهم أو فدائهم أسارى إن كانوا في أيدي العدو من المسلمين، أو منَّ عليهم وأطلقهم بغير شيء، أو عقد ذمة على أداء الجزية في بلادنا فإذا لم يقتلهم فبأي وجه (٢) رآه من هذه الوجوه فقد حصل لهم معه الأمان فلا يجوز بعده قتلهم. فصل [٣٥ - جواز قتل الأسارى]: فأما جواز قتلهم فلا خلاف فيه (٣) إلا ما يحكى عن بعض التابعين (٤)، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٥) قيل بالقتل الكثير (٦)، وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٧)، ولأنه ﷺ قتل جماعة من الأسارى منهم عقبة والنضر بن الحارث وغيرهما (٨)، وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال في الفجاءة: وددت أني لم أحرقه وكنت قتلته سريحا أو أطلقته نجيجا (٩)، وقتل

стр. 603

أبو موسى الأشعرى دهقان السوس (١) وكان أعطاه الأمان على جماعة لم يدخل نفسه فيهم وليس في ذلك خلاف يعتمد عليه. فصل [٣٦ - في استرقاق الأسارى]: فأما جواز استرقاقهم فلأنهم جنس مشركون فجاز استرقاقهم إذا رآه الإِمام كالنساء والعبيد والصبيان، ولأنه ليس في كونهم رجالا بالغين إلا خيفة المقاتلة وذلك لا يمنع استرقاقهم كالصبيان إنه يخاف منهم المقاتلة بعد الكبر ثم لا يمنع ذلك استرقاقهم. فصل [٣٧ - استبقاء الأسرى على أداء الجزية]: فأما جواز استبقائهم على أداء الجزية وكونهم أحرارا فاعتبارا، بمن جاءنا ابتداء وسأل عقد الذمة له، ولأن ذلك موجب الظاهر من قوله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢) وقوله ﷺ لأمرائه: "فإن أبوا فادعهما إلى أداء الجزية (٣) " (٤)، ولأنهم لو بذلوا ذلك قبل القدرة عليهم لقبلناهم فكذلك بعدها. فصل [٣٨ - المفاداة]: وأما جواز المن عليهم (٥) أو المفاداة (٦) بهم خلافًا لأبي حنيفة في منعه الأمرين (٧)، فلقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٨)، وهذا نص ولأنه

стр. 604

- ﷺ إذ أراد قتل أبي عزة الشاعر لما أسر ببدر فقال له أطلقني فإني ذو عيال فأطلقه على أن لا يرجع إلى القتال فمضى إلى المشركين وقال سخرت من محمَّد ثم عاد فقاتل فأخذ فطلب أن يطلق فقال ﷺ : "لا يلسع المؤمن من جحر مرتين" وقتله بيده (١) وسئل في ثمامه بن أثال (٢) فمن عليه (٣)، وقال ﷺ : "لو كان مطعم حيا فسألني في هؤلاء لأطلقتهم له" (٤)، وأما المفاداة فلقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٥)، وبفعله ﷺ بأسارى بدر أطلقهم على مال أخذه منهم (٦)، وأطلق أسيرا من عقيل وفادى به رجلين من أصحابه كانا أسيرين من ثقيف (٧). فصل [٣٩ - الأمان]: وإنما قلنا إن كل ذلك يتضمن الأمان لأنه لا يفعل إلا مع الاستبقاء فلم يجز قتلهم من بعد لأنّه قد يكون غدرا، والغدر ممنوع غير جائز لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (٨)، وقوله ﷺ : "ينصب للغادر لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان" (٩).

стр. 605

فصل [٤٠ - أمان المسلم]: أمان الحر المسلم العاقل البالغ لازم لا يجوز نقضه ذكرا كان أو أنثى (١)، وقال عبد الملك أمان من سوى أمير الجيش موقوف على إجازته: فإن رأى أن يمضيه وإلا رده (٢)، وجه الأول قوله ﷺ : "ويسعى بذمتهم أدناهم" (٣) وهذا عام، لأن أم هانئ (٤) أجارت رجلًا من المشركين يوم الفتح فقال رسول ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" (٥) وكذلك العباس (٦) مع أبي سفيان أجاره بغير أمر النبي ﷺ فلم ينكر عليه (٧)، ووجه الثاني هو أنه لا يؤمن أن يكون في ذلك ضرر على المسلمين فكان موقوفًا على رأي الإِمام، ولأنهم لو رأوا استرقاق الأسارى أو المن عليهم وأباه الإِمام لكان ذلك إليه فكذلك الأمان، ولأن في ذلك افتياتا على الأئمة وتقدما عليهم وذلك غير جائز. فصل [٤١ - آمان العبد]: آمان العبد جائز أذن له سيده في القتال أو لم يأذن (٨) خلافًا لأبي حنيفة في

стр. 606

قوله أنه إن لم يأذن له لم يجز أمانه (١) لقوله: "ويسعى بذمتهم أدناهم" وروي "ويجير عليهم أدناهم" (٢)، ولأن صحة الأمان لا يتعلق بالإذن في القتال كالحر إذا لم يأذن له الإِمام في القتال. فصل [٤٢ - أمان الصبي]: والصبي إذا عقد الأمان جاز أمانه عند ابن القاسم (٣) لأنه ممن يعقل الأمان كالبالغ. فصل [٤٣ - قتل النساء والصبيان]: ولا يقتل النساء ولا الصبيان (٤) لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (٥)، ولأنه ﷺ نهى عن قتل النساء ولا الصبيان وقال: "لا تقتلوا طفلا أو امرأة" (٦)، ولأنهم أموال ورقيق للمسلمين. فصل [٤٤ - قتل الرهبان والشيوخ]: فأما الرهبان والشيوخ الهرماء (٧) فلا يقتلوا إلا أن يكون في تبقيتهم ضرر على الإِسلام مثل أن يكونوا من ذوي الرأي والتدبير والمشورة فإن قتلهم جائز (٨) وقال الشافعي يقتلون وإن لم يكن فيهم ضرر (٩) ودليلنا قوله ﷺ : "ولا تقتلوا شيخا

стр. 607

فانيا" (١)، وقوله: "ولا تقتلوا أهل الصوامع" (٢) وروي مثله عن أبي بكر الصديق (٣) رضوان الله عليه (٤) ولا مخالف له، ولأنه لا فضل فيهم للقتال ولا ضرر في تبقيتهم على المسلمين كالنساء والصبيان. فصل [٤٥ - في الرهائن]: وإذا ارتهن المسلمون من المشركين رهائن فأسلموا وهم في أيدينا رددناهم ولم يجز لنا حبسهم (٥) خلافًا لمن أبي ذلك لأن في منع ردهم غرر بهم وذلك غير جائز، ولأنه ﷺ صالح المشركين يوم الحديبية على أن من أتاه منهم رده إليهم ومن أتاهم منا لم يردوهم فكلمه عمر ﵁ في ذلك فقال ﷺ : "من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاء منهم إلينا فرددناه جعل الله له مخرجا" (٦)، ولأنا إذا لم نرد رهائنهم لم نؤمن غدرهم بالمسلمين لأنهم أيضًا يهتمون (٧) بالرهائن ما داموا على دينهم، ومراعاة العامة أولى من رعاة الواحد والاثنين، وقد فعل ﷺ ذلك مع أبي رافع (٨) لما جاءه رسولا لهم فأسلم فقال له: ارجع

стр. 608

إليهم (١)، ورد أبا جندل (٢) وأبا بصير (٣) يمشيان في قيودهما وجاءاه مسلمين وقال: "سيجعل الله لكما فرجا ومخرجا" (٤). فصل [٤٦ - فيمن أسلم على وجه الصلح وله أرض]: ومن أسلم على وجه الصلح فأرضه ملك له لا يعترض عليه فيها كسائر أملاكه، ومن فتحت أرضه عنوة فهي مغنومة لا يكون أحق بها كسائر الأموال المغنومة عنهم (٥)، فإن كانت عامرة ووجد الإِمام من يسكنها من المسلمين ويؤدى خراجها تركها وقفا للمسلمين ولم يقسمها كأرض السواد خلافا لمن يقول أنها تقسم (٦) لإخبار الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى … ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٧) وبذلك احتج عمر بن الخطاب ﵁ فقال أن هذه الآية مستوعبة لجميع المسلمين حتى الراعي بعدن (٨)، وطولب بقسمتها فامتنع فلج به بلال فقال: اللهم اكفني بلالا وذوي بلال (٩)، ولم ينكر أحد من الصحابة عليه ذلك، وتلاه عثمان وعلي ﵄ على مثله (١٠)، ومع ذلك فإن رأي الإِمام في وقت من الأوقات قسمتها رأيا لم يمتنع أن

стр. 609

يقال له ذلك فيما يفتحه من بعد، ولأن النبي ﷺ قد غنم غنائم وأراضي لم ينقل أنه قسم منها إلا خيبر (١)، وهذا إجماع السلف والله أعلم. (تم كتاب الجهاد ولله الحمد) (٢). …

стр. 610

كتاب الأيمان (١) والنذور (٢) الحلف الجائز هو بالله وبصفات ذاته والحلف بغيره ممنوع كالحلف بالأنبياء والآباء أو بالكعبة أو ما أشبه ذلك من المخلوقات (٣) لقوله ﷺ : "لا تحلفوا بآب ائكم ولا بأمهاتكم ولا تحلفوا إلا بالله ومن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" (٤). فصل [١ - المحلوف به]: المحلوف به، ضربان: قديم ومحدث، فالقديم هو الله تعالى وصفات ذاته والكفارة تتعلق بهذا الضرب دون غيره، والمحدث ما عدى الباري وصفاته فلا كفارة في الحلف بشيء من ذلك (٥). فصل [٢ - في الحنث]: وإنما قلنا إن الحنث (٦) في الحلف بالله تجب به الكفارة لقوله: ﴿وَلَكِنْ

стр. 611

يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (١) واتفق على أن اليمين بالله داخله في هذا (٢)، وقوله ﷺ : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" (٣)، ولا خلاف في ذلك. فصل [٣ - الحلف بأسمائه تعالى وصفاته]: وجميع أسمائه تعالى تتعلق بها الكفارة كالرحمن والرحيم والعزيز والسميع والعليم وما أشبه ذلك، وكذلك صفات ذاته كعلمه وقدرته وجلاله وعظمته وكبريائه وعزته وكلامه وعهده وميثاقة وكفالته وحقه وسائر صفات ذاته (٤)، وإنما قلنا ذلك لأنها يمين بقديم غير مخلوق فكان كالحلف بالذات. فصل [٤ - الحلف بالعهد]: فأما العهد (٥) فالدليل على أنها يمين قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (٦) وذلك يدل على أن العهد والميثاق والكفالة أيمان، ولأن عرف الناس جار بالحلف بهذه الأشياء وهي من صفات الذات. فصل [٥ - في كون العهد والميثاق والكفالة يمين ولو أطلق]: ويكون يمينا وإن أطلق (٧) خلافًا للشافعي (٨)؛ لأنها صفة من صفات الذات فإطلاقها كتعينها أصله العلم والقدرة.

стр. 612

فصل [٦ - فيمن قال على عهد الله وميثاقه وكفالته]: وإذا قال على عهد الله وميثاقه وكفالته: فإن أراد التكرار أو التأكيد فكفارة واحدة، وإن أراد الاستئناف فلكل واحد كفارة، وذمة الله في معنى عهده (١). فصل [٧ - الحلف بأمانة الله]: وأمانة الله يمين تكفر لأنها من صفات الذات فإن أراد الأفعال التي بين العباد فلا كفارة وهذا التفسير لأشهب. فصل [٨ - من قال: أقسم وأشهد وأحلف]: إذا قال: أقسم وأشهد وأحلف فإن أراد بالله فهي يمين وإن أراد غيره أو أطلق (٢) لم تكن يمينًا تكفر (٣) خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنها أيمان أراد بها الله أو لم يرده (٤) والشافعي في بعض أقاويله أنها ليست بأيمان أراد بها الله أو لم يرده (٥)، فدليلنا على أبي حنيفة أن الإطلاق لا يتضمن محلوفا (٦) به مخصوصا لأن القسم قد يكون بغير الله وكذلك الحلف فإذا ثبت ذلك فكان يمينا تعرف عن اسم الله وصفاته لفظا ونية وعرفًا فلا كفارة فيها كقوله والنبي والكعبة، ودليلنا على الشافعي أن القسم يمين لقوله تعالى ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (٧) ولا فرق عند أهل اللغة بين قولهم أقسمت وحلفت (٨)، ومنه قوله تعالى ﴿إِذْ أَقْسَمُوا

стр. 613

لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١)﴾ (٢) معناه حلفوا (٣)، وقوله ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ (٤) يريد نحلف (٥). فصل [٩ - في قوله: أقسمت عليك]: إذا قال أقسمت عليك لتفعلن كذا (٦): فإن أراد سؤاله فلا كفارة عليه وليست يمين، وإن أراد اليمين كان على ما قدمناه (٧). فصل [١٠ - الحلف بما يفيد الخروج من الإِسلام إن لم يقع المحلوف عليه]: إذا قال أشركت بالله أو أكفر بالله أو هو يهودي أو نصراني أو بريء من الله أو من الإِسلام أو من النبي أو القرآن أو الكعبة أو ما أشبهه ذلك فكل هذا لا كفارة فيه (٨)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن ذلك كله أيمان (٩)؛ لأنها أيمان تعرت عن اسم الله وصفاته فلم يجب بالحنث فيها كفارة يمين أصله قوله والنبي والكعبة، ولأنه حلف بالبراءة ممن لا يجوز التبري منه كقوله هو بريء من الكعبة. فصل [١١ - أقسام الأيمان]: الأيمان على ثلاثة أقسام لغو وغموس ومنعقدة: واللغو هو أن يحلف على شيء يظنه على ما حلف عليه ثم يتبين له أنه بخلافه فهذا لا أثم فيه ولا كفارة.

стр. 614

والغموس هو أن يحلف على الماضي متعمدا للكذب فهذا أعظم إثما من أن تكون فيه كفارة. والمنعقدة هو الذي يجب بالحنث فيه الكفارة على ما سنذكره. فصل [١٢ - في لغو اليمين]: إنما قلنا إن اللغو ما وصفناه لأن من حلف على علمه أو غلبة ظنه ولم يوجد منه استخفافا بحرمة اليمين ولا جرأة ولا إقدام على التغرير بها لأنه علقها على وصف مراعى مطابقًا لها وهو عليه وغلبة ظنه ومطابقة له انعقادها على ذلك الوجه: فإن كان على ما حلف عليه فقد بر، وإن كان بخلاف ذلك فلا شيء عليه (١) لأن اليمين لم تنعقد لأنها وقعت محلولة. فصل [١٣ - في قوله: لا والله وبلى والله]: واختلف أصحابنا في قوله: لا والله وبلى والله وعلى سبق (٢) اللسان: فقال ابن القاسم عن مالك ليس بلغو (٣) لأن صفة اللغو ما ذكرناه، وقال إسماعيل بن إسحق وشيخنا أبو بكر الأبهري وغيرهما أنه من حيز اللغو لأنه لا يتأتى البر ولا الحنث فيه ولا يمكن الاحتراز منه. فصل [١٤ - اليمين الغموس]: وإنما قلنا إن الغموس لا كفارة فيها (٤) خلافًا للشافعي (٥)، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٦) وهذه محلولة غير منعقدة لأن المنعقدة ما أمكن حله إذا انعقد، لأن العقد في مقابلة الحل والماضي واقع على وجه واحد لا يمكن تغييره (٧)، ولأنها يمين لا يتأتى فيها بر ولا حنث كاللغو، ولأن

стр. 615

الكفارة معنى يرفع حكم اليمين فلم تتعلق بالحلف (١) على الماضي أصله الاستثناء، ولأن الحنث مخالفة الشيء المحلوف عليه لليمين وذلك يقتضي تقديم اليمين ليصح وصف الفعل إذا وقع بأنه حنث ومتى تأخرت عنه وقع عاريا من الحكم له بذلك فلا يصير محكوما له من بعد. فصل [١٥ - اليمين المنعقدة]: فأما المنعقد فهو ما تأتى البر والحنث فيه (٢) وذلك هو الحلف على المستقبل وينقسم أربعة أقسام (٣): أحدها أن يحلف لا فعلت، والثاني إن فعلت، والثالث لأفعلن، والرابع إن لم أفعل، فأما يمينه لا فعلت وإن فعلت فهو على بر لا يحنث إلا بأن يفعل ما حلف أن لا يفعله فتلزمه حينئذ الكفارة. فصل [١٦ - البر والحنث]: وإنما قلنا ذلك لأن الأيمان مترددة بين البر والحنث وترقبهما فالبر هو الموافقة مثل أن يحلف ليضربن عبده أو ليدخلن الدار فيفعل ذلك، والحنث بالمخالفة من أن يحلف أن لا يفعله فيفعله، وإذا ثبت ذلك فهذا إذا حلف أن لا يفعل هو وقت حلفه غير فاعل فهو على بر، وإنما الحنث مترقب فيما بعد فإن فعل حنث لأن المخالفة حينئذ وجدت منه فإن لم يفعل فهو على أصل البر وكذلك قوله: إن فعلت؛ فأما يمينه لأفعلن وإن لم أفعل فإنه على حنث يفعل فيبر، وإنما قلنا ذلك لأن المخالفة موجودة منه في الحال لأنه قال إن لم أضرب عبدي فهو في الحال غير ضارب فهذا حنث إذ الحنث ليس بكثر من المخالفة والبر مترقب فيما بعد: كالحالف لا فعلت لأن الموافقة موجودة والحنث مترقب فيما بعد، فإذا ثبت ذلك فإن الحنث لا يتحقق عليه إلا بأحد أمرين: إما بأن يأتي حال يستحيل معها فعل

стр. 616

المحلوف مثل أن يحلف ليأكلن هذا الرغيف فيحترق أو يأكله غيره فحينئذ يتحقق الحنث لأنا نيأس من بره فها هنا تنحتم الكفارة عليه (١) أو النذر إن كان نذرًا. والآخر أن يكون ضرب أجلا مثل أن يقول: والله لأدخلن اليوم الدار فإن هذا على بر ما لم يتضيق الوقت فإذا خرج اليوم ولم يدخل حنث فإذا ثبت هذا فليس يفترق حكم الأفعال التي يحلف ليفعلنها أو إن لم يفعلها من كونها طاعة أو معصية في باب البر والحنث، وإنما يفترقان في أنه لا يؤمر بالبر في المعصية ويؤمر بالحنث لأن بره معصية مثاله: إذا احلف إن لم يشرب خمرا فيقال له أنت الآن على حنث وينبغي لك أن تكفر يمينك (٢) لأن اليمين أو النذر لا يسقط عنك إلا أن تبر والبر حرام عليك واستدامة الحنث واجبه عليك لازمة لك فإن عصى وشرب الخمر فقد بر في يمينه بمعنى أنه وافقها ولم يحنث فسقط حكمها أصلًا وأثم بذلك الفعل لأنه في نفسه معصية سواء على يمين أو وقع منفردا. فأما أفعال البر فإنه مختر فيها وكذلك الإباحة مثل يمينه أو ليصومن يومًا أو أن لم يكلم فلانًا أو يدخل الدار فإنه مختر في ذلك شاء يفعل فعل وحكم اليمين والنذر واحد في هذا الكتاب (٣). فصل [١٧ - الإستثناء في اليمين]: للإستثناء تأثير في حل اليمين ورفع موجبها، والأصل فيه قوله ﷺ : "من حلف واستثنى رجع غير حانث" (٤)، ولا خلاف في ذلك (٥).

стр. 617

فصل [١٨ - فيما يؤثر فيه الإستثناء]: فإذا ثبت ذلك فإنما يؤثر في اليمين بالله أو بصفاته أو بالنذر الذي لا مخرج له وهو كل موضع تدخله الكفارة، وما عدى ذلك من يمين بطلاق أو عتاق أو حج أو مشي أو صدقة أو غير ذلك فلا يؤثر الإستثناء فيه (١)، وهذا يرد في كتاب الطلاق (٢). فصل [١٩ - في قوله: إن شاء الله]: لا يكون قوله: إن شاء الله استثناء إلا أن يقصد به الإستثناء ورفع اليمين ومنع عقدها (٣)، فأما إن قصد التبرك أو التأكيد أو سبق على لسانه أو كانت عادته أن لا يذكر شياء ليفعله إلا ويقرنه بالمشيئة اعتقادا أن الأشياء لا تكون إلا بمشيئة الله قصد التلفظ أو لم يقصد به شيئًا فإنه لا يكون استثناء، والأصل فيه أن الكلام إنما يتعلق به حكم إذا كان مقصودا، ولأنه معنى يرفع به حكم اليمين فاحتاج إلى نية الكفارة. فصل [٢٠ - اتصال الاستثناء باليمين]: ومن حق الاستثناء أن يكون متصلا باليمين غير متراخ عنها (٤) خلافًا لما يحكى عن ابن عباس من جوازه بعد حين (٥) وعن غيره في اعتبار المجلس (٦) لأن أهل اللغة لم يستعملوه إلا متصلًا ويستقبحونه متراخيا يبين ذلك أن القائل ضربت عبيدي إلا ميمونًا أن ميمونًا مضروب (٧) إذ قاله متصلا فلو سكت ثم قال: بعد

стр. 618

زمن طويل إلا ميمونًا لعدوه هاذيًا هذا هو المتعارف من خطابهم، ولأن الاستثناء لما كان لا يفيد بانفراده لتعلقه بما تقدم لم يحسن إفراده عنه كما لا يحسن الابتداء به، ولأنهم يجرونه مجرى الشرط والتقييد وخبر المبتدأ وكل ذلك يجب اتصاله بالكلام، ولأن ذلك يؤدي إلى أن لا يوثق أحد من أحد بوعد أو وعيد وأن يتوقف في الأوامر والنواهي والأخبار بجواز ورود الاستثناء عليها بعد تراخي الوقت وهذا على طريقة من منع تأخير البيان من أصحابنا هذا حجة المسألة (١) من طريق اللغة. فصل [٢١ - دليل وقوع الحنث]: فأما ما يدل على وقوع الحنث وأن إيراد الاستثناء متراخيًا لا يؤثر في سقوط الكفارة فقوله ﷺ : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" (٢) موضع الدليل: أنه قصد بيان ما يخرج به عن اليمين فلو كان الاستثناء مخرج عنها لذكره لأنه أخف من الحنث ومن الكفار، ولأن ذلك يؤدي إلى أن لا يحنث أحد في يمين لأنه إذا أراد المخالفة استثنى وانحلت يمينه، ولا يجوز التعلق في ذلك بقوله ﷺ : "والله لأغزون قريشا" ثم سكت ساعة ثم قال: "إن شاء الله" (٣) لأن ذلك امتثال لأمر لله تعالى لأنه كان أْنْسِيَ أن يصله بالكلام ثم ذكر وهذا تأويل أبي عبيد (٤)، وهذا إذا قطعه عن اليمين مختارا فأما إن انقطع عليه بسعال أو بسعال أو انقطع نفس أو تثاوب أو ما أشبة ذلك ثم وصله بيمينه فإنه يصح.

стр. 619

فإنما قلنا ذلك لأن هذا في حكم الواصل عن أهل اللغة والشرع لأنه كذلك في الشرط والتقييد فكذلك في الاستثناء ولأن مثل هذا لو تخلل بين قوله: لا إله وبين قوله: إلا الله لم يجعله كفرا وإن كان كفرا مع الاختيار كذلك ها هنا. فصل [٢٢ - الاستثناء بالنطق فقط]: لا يكون الاستثناء إلا نطقًا فإن نواه أو عقده من غير نطق لم ينفعه (١) والأصل فيه قوله ﷺ : "من حلف فقال إن شاء الله رجع غير حانث" (٢) وذلك يفيد النطق، لأنّه رفع لحكم اليمين كالكفارة ولو نوى أن عبده حر عن الكفارة لم يجز إلا أن يتلفظ به. فصل [٢٣ - في عقد اليمين من غير نطق]: واختلف متأخرو أصحابنا في عقد اليمين من غير نطق فمنهم من قال: يصح ومنهم من قال: لا يصح بناء على عقد الطلاق بالقلب (٣) فإن قلنا لا يصح فالباب واحد، وأن قلنا يصح فالفرق بين اليمين والاستثناء أن اليمين إيجاب وإلزام والاستثناء رفع وحل للوجوب وما طريقه الإلزام أغلط مما طريقه الإباحة والتحليل فجاز أن تنعقد اليمين بالقلب وأن لا ينعقد الاستثناء إلا باللفظ. فصل [٢٤ - النية مع عقد اليمين]: ليس من شرطه أن ينوى (٤) مع عقد اليمين لأن ذلك يوجب أن لا تحل (٥) يمين ابتدئ عقدها دون نيته (٦) وذلك باطل: فإذا ابتدأ غير ناوٍ ثم نوى قبل فراغه من اليمين جاز، وإن فرغ من التلفظ (٧) بها ثم أتى به متصلا غير متراخ على

стр. 620

الحد الذي يأتي المواز لا يصح (١)، فوجه قول مالك عموم الخبر، واعتبارًا به لو نواه الفراغ بعلة الاتصال مع النية، ووجه قول ابن المواز أن اليمين فرغ منها عارية من الاستثناء فوروده بعدها لا يؤثر كالتراخي، والأول أصح. فصل [٢٥ - حكم من حلف ألا يفعل شيئا ففعل بعضه أو أشياء ففعل واحدا]: إذا حلف ألا يفعل شيئًا ففعل بعضه أو أشياء ففعل واحد منها حنث (٢) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٣)؛ لأن اليمين على الجملة يتعلق بها وبأبعادها كالحالف (٤) ليفعلن، ولأن المنع في الجملة يفهم منه منع البعض أصله منع الغير. فصل [٢٦ - إذا حلف على شيء بعينه]: إذا حلف على شيء بعينه لا ينتفع به (٥) فقد قطع المن عنه تعلقت يمينه بكل ما في بابه (٦) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما لا يحنث إلا بما حلف عليه وحده (٧)؛ لأن من يمن غيره عليه (٨) فيحلف مجيبًا له بأن يقول: والله لا شربت لك الماء فإنه يفهم منه أراد والله لا انتفعت بشيء من مالك أصلا ونصه على الماء تنبيه بالأدون (٩) على جميع ما في بابه كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١٠)، وإذا ثبت ذلك قلنا لأنه لفظ يفهم منه الامتناع من جملة الانتفاع فأشبه أن يتلفظ به.

стр. 621

فصل [٢٧ - من حلف على شيء ثم فعله ساهيًا]: ومن حلف لا أفعل شيئًا ففعله ساهيًا حنث (١) خلافًا للشافعي (٢) لأنه حصل منه الفعل على وجه ينسب إليه وينفرد بإضافته إليه كالعامد، ويفارق المكره لأن الفعل لا ينسب إليه بل إلى من أكرهه، ألا ترى أنه لا يقال دخل فلان الدار وإنما يقال أُدخل. فصل [٢٨ - الاعتبار في الأيمان]: الاعتبار في الأيمان بالنية فإن عدمت فالسبب الذي أثار اليمين ليستدل منه عليها فإن عدم (٣) أجرى اللفظ على ما يقتضية عرف التخاطب (٤) دون عرف الفعل في المحلوف عليه، فإن لم يكن عرف أجري على موضوعه (٥) مثال ذلك: إذا حلف أن لا يأكل رأسًا فإن كانت له نية وإلا نظر في السبب فقصر على ما يقتضيه فإن كانت كل رأس ولا يراعى رؤوس الغنم أو الأبل أو البقر خلافًا لمن يراعي الاستعمال؛ لأن ذلك لا يؤثر في اللفظ لأنه (٦) يختلف باختلاف العادات في البلاد، ألا ترى أن العرف في الخبز جار (٧) في الحنطة في أغلب البلاد وسيما في البلاد الكبار المشار إليها، ثم لو حلف الخليفة في الملك العظيم لا آكل خبزًا حنث بأكل خبزًا الدخن، وكذلك لو حلف لا أكل لحمًا لحنث عندهم بأكل لحم الخنزير ولحم (٨) بني آدم وإن لم يجر ذلك عرف استعمال، وفروع هذا الباب عظيمة لا يحتملها هذا المختصر.

стр. 622

فصل [٢٩ - فيمن حرم على نفسه بعض ما يحل له سوى الزوجة]: إذا حرم على نفسه طعامًا أو شرابًا أو أمة أو بعض ما يحل له سوى الزوجة فلا يحرم عليه ولا يؤثر ذلك القول شيئًا (١) خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه يلزمه كفارة يمين في المأكول والمشروب دون الملبوس والطيب (٢)، لقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٣)، ولأنه حرم على نفسه ما لا يصح فيه طلاق ولا عتاق فلم يكن للتحريم تأثير أصله اللباس والطيب. فصل [٣٠ - إذا كرر اليمين]: إذا كرر اليمين فإن أراد الاستئناف فلكل يمين كفارة وإن أراد التأكيد فكفارة واحدة وإن أطلق حمل على التأكيد (٤)، ولا يكون الاستئناف إلا بالقصد لأن الظاهر تأكيد والاستئناف إيجاب كفارة مبتدأة فلا تثبت إلا بالقصد (٥). فصل [٣١ - كفارة اليمين]: كفارة اليمين أربعة أنواع: إطعام وكسوة وإعتاق وصيام وهي على التخيير بأيها شاء أن يكفر مع القدرة على الآخرين فعل إلا لصوم فإنه لا يجزيه إلا مع العجز عن هذه الأنواع الثلاثة. فأما الأطعام فهو أن يطعم عشرة مساكين مدا لكل مسكين بالمد الأصغر إن كان بالمدينة، وإن كان بغيرها من الأمصار فوسطها من الشبع وهو رطلان من الخبز بالبغدادي، وشيء من الإدام وإن اقتصر على مد أجزأه. والكسوة لكل إنسان قدر ما تجزيه (٦) به الصلاة فللرجل ثوب وللمرأة ثوبان

стр. 623

درع وخمار ولا يجزيه (١) أن يصرف الكسوة والإطعام إلا إلى العدد المشترك وهو العشرة ولا يجزيه إلا المؤمنون الأحرار، وله أن يطعم الصغير ولكن قدر ما يكفي الكبير. وأما الإعتاق فأن يحرر رقبة مؤمنة كاملة ليس فيها شرك ولا عقد عتق من تدبير أو كتابة أو استيلاد أو عتق إلى أجل أو من الأقارب وكل من يستحق عتقه بغير الكفارة سليمة غير معينة. وأما الصيام فثلاثة أيام يستحب له متابعتها، وتجزيه إن فرقها (٢). فصل [٣٢ - حصر الكفارة في الأنواع الأربعة]: وإنما حصرنا الكفارة على الأنواع الأربعة لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ … ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (٣) فأخبر أن ذلك جملة الكفارة فلم يبق زائد عليها ولا خلاف في ذلك (٤). فصل [٣٣ - دليل التخيير في الكفارة]: وإنما قلنا إنه مخير في الأنواع الثلاثة لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ … ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٥) وأو موضوعها التخيير ولا خلاف في ذلك (٦)، وإنما قلنا إن الصوم لا يجزوه مع القدرة على إحداهما (٧) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٨) فشرط في كونه كفارة أن يكون عاجزًا عن الأنواع الثلاثة، ولا خلاف في ذلك (٩).

стр. 624

فصل [٣٤ - دليل التقدير في الإطعام]: وإنما قدرنا الإطعام بالمد أو زيادة يسيرة (١)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله يخرج من البر نصف صاع ومن التمر والشعير صاعا (٢) لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٣) والوسط هو أغلب عادات (٤) الناس وهو ما بين الأقل والأكثر، ولأنه إطعام (٥) في كفارة كالفطر في رمضان، وإنما فرقنا بين المدينة وغيرها لضيق العيش بها وتعذر الأقوات فيها واتساعه في غيرها (٦). فصل [٣٥ - الدليل في تقدير الكسوة]: وإنما قدرنا الكسوة بما ذكرناه خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما يجزوه أقل ما يتناوله الاسم (٧)، لقوله ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ (٨) وإطلاق ذلك لا يفهم منه المنديل وحده أو المئزر وحده ولأنه مصروف إلى المسكين في الكفارة فوجب أن يكون مقدرًا كالإطعام وإذا الكسوة المطلقة تنصرف (٩) إلى الشرعية وليس ما يتعلق به حكم (١٠) في الشرع إلا ما قلناه. فصل [٣٦ - اشتراط العدد في الإطعام والكسوة]: وإنما قلنا إن العدد مشترط في الإطعام والكسوة خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه

стр. 625

يجزيه (١) صرف الإطعام والكسوة إلى مسكين واحد في عشرة أيام (٢)، لقوله تعالى ﴿أو إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٣) فأخبر أن الكفارة صرف الإطعام إلى هذا العدد لأنه تعالى جعل لكل مسكين جزاء من الطعام فلم يجز أن يستبد بجميعه، ولأنه دفع جميع الكفارة إلى مسكين واحد فلم تجزه كما لو دفعها (٤) في اليوم الأول. فصل [٣٧ - اشتراط كون المساكين مسلمين]: وإنما شرطنا أن يكونوا مسلمين خلافًا لأبي حنيفة في تجويزه دفعها إلى أهل الذمة (٥)، اعتبارًا بزكاة المال، ولأنه ناقص بالكفر كالحربي، ولأن كل من لا يجوز دفع زكاة المال إليه فكذلك الكفارة كالمرتد. فصل [٣٨ - اشترط كونهم أحرارا]: وإنما شرطنا أن يكونوا أحرارا لأن العبد ليس بمسكين لاستغنائه بمنفعة سيده وكذلك المكاتب خلافًا لأبي حنيفة (٦) لأنه باق على حكم الرق كالمدبر. وإنما جوزنا إعطاءها للصغير لوجود الصفات المعتبرة فيه وهي كونه حرا مسلما مسكينا ويعطي ما يكفي الكبير وإلا كان ناقصًا (٧) من المقدار. فصل [٣٩ - اشتراط كون الرقبة مؤمنة]: وإنما اشترطنا في الإعتاق أن تكون الرقبة مؤمنة خلافًا لأبي حنيفة (٨) لأنه تكفير بعتق فأشبه كفارة القتل واعتبارا بالمرتد والوثني.

стр. 626

وإنما منعنا أن يكون فيها شرك لقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١) وبعض الرقبة ليس برقبة، ولأن التكفير إنما يكون بنوع دون الجمع بين البدل والمبدل. فصل [٤٠ - أن لا يكون في الرقبة عقد عتق]: وإنما قلنا لا يكون فيها عقد عتق لأن التحرير يقتضى ابتداء الإعتاق دون تخير عقد متقدم، ولأن عتق من فيه من عقود العتق مستحق على السيد (٢) بغير الكفارة فأشبه أم الولد، وهذه علة جامعة لكل ما في هذا الباب. فصل [٤١ - في كون الرقبة سليمة]: وإنما قلنا سليمة خلافًا لداود في تجويزة إعتاق المعيبة (٣)، لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٤) والإطلاق يقتضى رقبة كاملة والقطعاء والعمياء ناقصة، ولأنه نقص في الرقبة كالنقص في الدين. فصل [٤٢ - في كون الصيام ثلاثة أيام]: وإنما قلنا إن الصيام ثلاثة أيام لورود النص بذلك والإجماع عليه (٥). وإنما استحببنا له أن يتابعها لأن ذلك أكمل وأفضل وأداءه (٦) على الوجه الجائز بالإجماع. وإنما أجزنا له تفريقها خلافًا للشافعي في أحد قوليه (٧) لأن الظاهر مطلق غير مقيد، ولأنه نوع دون عدد يكفر به اليمين فجاز تفريقه أصله الإطعام والكسوة.

стр. 627

فصل [٤٣ - في تقديم الكفارة على الحنث]: وفي تقديم الكفارة على الحنث روايتان (١): إحداهما الجواز وهو قول الشافعي (٢)، والأخرى المنع وهو قول أبي حنيفة (٣)، فوجه الجواز قوله ﷺ : "من حلف يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير" (٤)، وروي "فيأت الذي خير وليكفر عن يمينه" (٥) وذلك يفيد التخيير، ولأنه معنى لرفع حكم اليمين كالاستثناء، ولأن الكفارة أقوى من الاستثناء لأنه يؤتى بها متصله ومنفصلة والاستثناء لا يؤتى به إلا متصلا فإذا أثر الاستثناء قبل الحنث فالكفارة أولى، ولأنه كفر بعد العقد فأشبه أن يكفر بعد العقد والحنث ووجه المنع قوله ﷺ : "فأت الذي هو خير ثم كفر عن يمينك" (٦) وهذا نص، ولأنه حق في مال تعلق بسبب فلم يجز تقديمه على سببه أصله الزكاة، ولأن الكفارات (٧) في الأصول يجوز تقديمها على ما يوجبها اعتبارا بالظهار والقتل. فصل [٤٤ - لا فصل بين الصيام وغيره في تقديم الكفارة على الحنث]: وإذا قلنا بالجواز فلا فصل بين الصيام وغيره (٨)، خلافًا للشافعي (٩)؛ لأنه أحد أنواع الكفارة فأشبه الإعتاق والإطعام.

стр. 628

باب [في النذر] النذر على ضربين (١) مجهول ومعلوم: فالمجهول هو الذي لا يبين مخرجه بنية ولا نطق مثل: أن يقول لله على النذر ولا يبين ما هو، فهذا يلزم فيه كفارة يمين، فإن سمى له مخرجًا ونوى به شيئًا. سقط اعتبار الكفارة (٢) وصار الحكم للمخرج الذي سُمِّي له وهذا هو الضرب الثاني من النذر وهو المعلوم الذي قد سُمِّي مخرجه وبيَّن المراد به، ولا يخلوا مخرجه من أربعة أقسام: أما أن يكون طاعة وقربة كالصلاة والصوم والحج وسائر ما يتقرب به. أو أن يكون معصية كالقتل والزنا وشرب الخمر وغير ذلك. أو أن يكون مكروها كنذر ترك التنفل والتطوع. أو أن يكون مباحًا كنذر أكل بعض المباحات ولبس الثياب الفاخرة وغيرها والطيب والمشي في بعض الطرق وما أشبه ذلك، فالذي يلزم الوفاء به من هذا كله هو الطاعة والقربة دون ما عداها، فأما المعصية فيحرم الوفاء بها، وأما ترك التنفل فيكره الوفاء به، فأما المباح فلا يتعلق بنذره حكم أصلًا (٣). نوع آخر والنذر ضربان: مطلق ومقيد. فالمطلق هو أن يكون مستقلا بنفسه غير معلق (٤) بغيره إما بأن يتبين مخرجه أو لا يتبين مثل أن يقول لله على نذر ويسكت أو يقول هو كذا وكذا.

стр. 629

والمقيد هو أن يعلقه بغيره ويجعله شرطًا فيه مثل أن يقول إن كان كذا وكذا فلا يلزمه النذر إلا بوجود ذلك الشرط، ثم ما يقيد به ينقسم إلى أربع أقسام كانقسام ما يحلف عليه وهو أن يقول لله عليَّ نذر صلاة أو صوم أو صدقة إن فعلت أو إن لم أفعل أو لأفعلن أو لا فعلت (١) وكذلك ما ليس من فعله كقوله إن شفى الله مريضي أو قدم غائبي أو رزقني مالًا أو ما أشبه ذلك وكل هذا عندنا يلزم الوفاء به إذا وجد شرطه من غير اعتبار بشرطه أن يكون طاعة أو معصية أو مباحًا كاليمين سواء إلا إن متعلق النذر ينقسم إلى أربعة (٢) أقسام كانقسامه في نفسه. منه ما يجب فعله مثل أن يعلق النذر بواجب كقوله: لله علي نذر إن صليت الظهر في وقتها وما أشبه ذلك فهذا يلزم الوفاء به ويلزم فعل الشرط فإن اجترأ وأثم وأخر الصلاة عن وقتها شيء عليه من نذره (٣) لأنه لم يوجد شرطه. ومنه ما يحرم فعله كقوله لله علي نذر إن لم أشرب خمرًا فهذا لا يجوز فعله فإن شرب عصى وأثم وسقط عنه النذر. ومنه ما يكره الوفاء به كقوله لله علي النذر إن تنفلت الليلة بصلاة يقصد ذلك منع نفسه من فعلها لا شوقًا إليها (٤) فهذا يكره له الوفاء به ويستحب له أن يتنفل ويكفر فإن لم يتنفل حتى خرجت الليلة فلا نذر عليه، ومنه ما يكون الوفاء به مباحًا مثل أن يعلق النذر بما لا يحرم عليه فعله كان طاعة أو مباحا كما ينذر فعل طاعة بشرط طاعة كقوله لله علي أن أحج السنة إن صمت غدا أو بشرط مباح كقوله إن كلمت زيدا فيكون مخيرًا في ذلك إن فعله لزمه النذر وإن لم يفعله لم يلزمه (٥).

стр. 630

نوع آخر ولا يفترق الحكم (١) عندنا بأن يكون النذر (٢) على وجه التبرر والرضا أو اللجاج (٣) والغضب في جميع أحكامه، فأما التبرر والرضا فهو أن يكون على سبيل الشكر كقوله لله علي نذر إن شفى الله مريضي أو قدم غائبي أو سلم مالي أو رزقني الحج أو ما أشبه ذلك، واللجاج أن يقصد منع نفسه من فعل سيئ ومعاقبتها بإلزام نفسه النذر كقوله لله علي نذر إن أكلت هذا الرغيف أو إن كلمت فلانًا أو بت في داري أو ما أشبه ذلك مما يقصد به غيظ نفسه والتشديد عليها فالحكم في ذلك كله سواء على ما بيناه (٤). فصل [١ - النذر المجهول]: وإنما قلنا إن النذر المجهول ينعقد وتلزم فيه كفارة يمين لقوله ﷺ : "كفارة النذر كفارة اليمين" (٥)، وروي "من نذر نذرًا لم يسمه فعليه كفارة يمين" (٦)، ولأنه نذر مقصود به القربة فوجب أن يثبت حكمه كالمسمى؛ لأن معنى النذر الإيجاب وأدنى واجب مقدر كفارة يمين. فصل [٢ - وجوب الوفاء بنذر الطاعة]: وإنما قلنا إن الوفاء بنذر الطاعة واجب لقوله ﷺ : "من نذر أن يطع الله فليطعه" (٧)، ولأن القول أحد نوعي الإيجاب بالشرع كالفعل.

стр. 631

فصل [٣ - عدم الوفاء بنذر المعصية]: وإنما قلنا إن ما عداه لا يوفى به لقوله ﷺ "ومن نذر أن يعصيه (١) فلا يعصه" (٢)، وحديث أبي إسرائيل (٣) لما رآه رسول لله ﷺ حافيًا قائمًا في الشمس فقال: "مروه فليستظل ولينتعل" (٤)، ولأن الإيجاب فرع على الجواز فإن كان فعل العصيان غير جائز فهو على الوجوب أبعد، فأما المباح فلا يلزم لأن المقصود من النذر القربة والمباح لا قربة فيه. فصل [٤ - إثبات حكم مخرج النذر بالنطق والنية]: وإنما قلنا إنه يثبت حكم مخرجه بالنية والنطق لأنهما طريقان لمعرفة المراد وثبوت أحكام الخطاب، وقد قال ﷺ "وإنما لامريء ما نوى" (٥). فصل [٥ - النذر المطلق]: وإنما قلنا إن النذر المطلق يلزم (٦) حكمه خلافًا لبعض الشافعية (٧)، لعموم الأخبار، واعتبارًا بالمقيد بعلة (٨) أنه ألزم نفسه على وجه النذر ما يجب الوفاء بجنسه. فصل [٦ - التسوية بين نذر اللجاج والتبرر]: وإنما سوينا بين نذر اللجاج والتبرر خلافًا للشافعي في قوله أن نذر اللجاج تجب به كفارة يمين (٩)؛ لأن اختلاف الحال التي عقد عليها النذر لا يوجب

стр. 632

سقوط المنذور وإلزام غيره أصله حال التبرر، ولأنها قربة ألزمها نفسه على وجه النذر فإذا وجد شرطها لم يجز إسقاطهما كالحج. فصل [٧ - التسوية بين شروط النذر]: وإنما سوينا بين شروط النذر لأن الإيجاب علق بوجوده وما كان كذلك فلا يراعى فيه صفة زائدة عليه كالطلاق والعتاق. فصل [٨ - فيمن قال: مالي في سبيل الله]: ومن قال: مالي في سبيل الله أو هدي لزمه إخراج الثلث (١) خلافًا لمن قال: لا يلزمه شيء أصلا (٢)، لقوله ﷺ لأبي لبابة (٣) ونذر أن يختلع من جميع ماله: "يجزيك من ذلك الثلث" (٤) واعتبارًا به إذا عين شيئًا من ماله، ولا يلزمه الكل خلافًا للشافعي، للخبر، ولأن المريض لما منع من إخراج كل ماله إنقاء على ورثته كان الحي أولى لحق نفسه. فصل [٩ - ولا تجزيه كفارة يمين]: ولا تجزيه كفارة يمين (٥) خلافًا لمن ذهب إلى ذلك (٦) لقوله ﷺ : "يجزيك من ذلك الثلث" (٧) فدل على أنه لا يجزيه دونه، ولأنه نذر إخراج مال كما لو عين.

стр. 633

مسألة [١٠ - فيمن نذر المشي إلى بيت الله]: إذا نذر المشي إلى بيت الله لزمه النذر فإن عَيَّن (١) حجا أو عمرة لزمه ما عينه وإن أطلق لزمه ما يختار منهما، ومنتهى المشي في الحج طواف الإفاضة وفي العمرة الفراغ من السعي فإن كان ضرورة وأراد الجمع في سفره بين فرضه ونذره مشي في عمرة ثم حج ويكون متمتعًا إن كانت عمرته في أشهر الحج، ولا يجوز له ترك المشي مع القدرة عليه والمشي من حيث حلف فإن عجز ركب ثم عاد قابلا فلفق مشيه وأهدى إن قدر وإلا فليهد ولا يعد، وكذلك العاجز عن المشي من أول مرة، وهذا (٢) إذا كان ما ركب كثيرا فإن كان يسيرا أهدى ولا عود عليه وينتعل ناذر الحفاء ولا دم عليه (٣). فصل [١١ - دليل لزوم نذر المشي]: وإنما قلنا إن نذر المشي يلزم لقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ (٤) وفي حديث عقبة بن عامر (٥) أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة فقال ﷺ : "لتمشي أو لتركب وتهدى" (٦)، ولأنه قول ابن عمر (٧) ولا مخالف له، وإنما قلنا إنه

стр. 634

يمشي في حج أو عمرة لأن الألفاظ إذا أطلقت ولها معهود في الشرع حملت عليه، كما لو نذر صلاة أو صومًا والمعهود من المشي إلى بيت الله إنه لأحد هذين النسكين فوجب انصراف (١) النذر إليه. وإنما قلنا إنه إن عين أحدهما لزمه ما عينه لأن تعيينه قد أوجبه على نفسه كتعيين الصلاة والصوم، وإذا لم يعين كان مخيرا لأن التعيين لا يثبت إلا من جهته. وإنما قلنا يمشي في الحج إلى آخر طواف الإفاضة لأن نذره تناول المشي في جميع الحج فما دام في الإحرام فعليه المشي ولا يخرج منه إلا بطواف الإفاضة، وفي العمرة بالفراغ من السعى. وإنما قلنا في الضرورة إن له أن (٢) يجعل مشيه في عمرة ليتم له غرضه من أداء الفرض والنذر (٣) في سفر واحد. وإنما قلنا إنه يلزمه المشي مع القدرة عليه للظاهر (٤) والخبر الذي رويناه (٥). وإنما قلنا إن المشي من حيث حلف لأنه الموضع الذي تناوله الوجوب بالنذر دون غيره. وإنما قلنا إنه إن عجز ركب لأنه في الخبر (لتمشي أو لتركب ولتهدى) (٦) ولأن النذر تناول المعنى إلى مكة على صفة وهي المشي فإذا عجز عن صفة الذهاب لم يسقط عنه أصله (٧)، وإنما قلنا أنه يرجع من قابل إن أمكنه لأن المشي باق في ذمته لا يسقط عنه إلا بأدائه، وركوبه هو لتمام المناسك لا ليكون بدلا عن المشي.

стр. 635

وإنما قلنا إنه إذا عجز فلا يعود لأنه لا فائدة في عوده لأن العود إنما يراد ليكمل المشي، وإنما قلنا إن عليه الهدي خلافًا للشافعي (١)، لقوله ﷺ : "لتمشي أو لتركب ولتهدي" (٢) معناه إن عجزت، ولأنه إذا ألزم نفسه المشي فقد تعين عليه لزومه فصار كالتعيين بالشرع وما لزم بتركه الدم مع القدرة والعجز كالرمي إذا عجز منه. وإنما قلنا إن الركوب اليسير ينوب عنه الدم لأنه لا حكم له مع المشي المقصود وهو الأكثر، وإنما قلنا إن من نذر المشي حافيا انتعل لأن الحفاء لا قربة فيه، ولقوله ﷺ في حديث أبي إسرائيل (مروه فلينتعل) (٣). فصل [١٢ - فيمن نذر المشي إلى مسجد رسول الله وإلى بيت المقدس]: ومن نذر المشي إلى مسجد الرسول ﷺ أو إلى بيت المقدس للصلاة فيهما لزمه ذلك (٤) خلافًا للشافعي (٥) لقوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد .. فذكر مسجده وبيت المقدس" (٦)، ولأنهما مسجدان تضاعف الصلاة فيهما بألف كالمسجد (٧) الحرام، ولا يلزم نذر المشي إلى غيرها للخبر، ولأن المعنى فيهما معدوم في غيرهما. فصل [١٣ - فيمن نذر ذبح ابنه]: ومن نذر ذبح ابنه في يمين أو على وجه القربة فعليه اهدي وإن نذره مجردا لا يقصد القربة فلا شيء عليه (٨)، وإنما قلنا ذلك لأنه إذا نذره على وجه القربة فإنما
следующие страницы →