← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فصل [٣ - عدم الوفاء بنذر المعصية]: وإنما قلنا إن ما عداه لا يوفى به لقوله ﷺ "ومن نذر أن يعصيه (١) فلا يعصه" (٢)، وحديث أبي إسرائيل (٣) لما رآه رسول لله ﷺ حافيًا قائمًا في الشمس فقال: "مروه فليستظل ولينتعل" (٤)، ولأن الإيجاب فرع على الجواز فإن كان فعل العصيان غير جائز فهو على الوجوب أبعد، فأما المباح فلا يلزم لأن المقصود من النذر القربة والمباح لا قربة فيه. فصل [٤ - إثبات حكم مخرج النذر بالنطق والنية]: وإنما قلنا إنه يثبت حكم مخرجه بالنية والنطق لأنهما طريقان لمعرفة المراد وثبوت أحكام الخطاب، وقد قال ﷺ "وإنما لامريء ما نوى" (٥). فصل [٥ - النذر المطلق]: وإنما قلنا إن النذر المطلق يلزم (٦) حكمه خلافًا لبعض الشافعية (٧)، لعموم الأخبار، واعتبارًا بالمقيد بعلة (٨) أنه ألزم نفسه على وجه النذر ما يجب الوفاء بجنسه. فصل [٦ - التسوية بين نذر اللجاج والتبرر]: وإنما سوينا بين نذر اللجاج والتبرر خلافًا للشافعي في قوله أن نذر اللجاج تجب به كفارة يمين (٩)؛ لأن اختلاف الحال التي عقد عليها النذر لا يوجب

стр. 632

سقوط المنذور وإلزام غيره أصله حال التبرر، ولأنها قربة ألزمها نفسه على وجه النذر فإذا وجد شرطها لم يجز إسقاطهما كالحج. فصل [٧ - التسوية بين شروط النذر]: وإنما سوينا بين شروط النذر لأن الإيجاب علق بوجوده وما كان كذلك فلا يراعى فيه صفة زائدة عليه كالطلاق والعتاق. فصل [٨ - فيمن قال: مالي في سبيل الله]: ومن قال: مالي في سبيل الله أو هدي لزمه إخراج الثلث (١) خلافًا لمن قال: لا يلزمه شيء أصلا (٢)، لقوله ﷺ لأبي لبابة (٣) ونذر أن يختلع من جميع ماله: "يجزيك من ذلك الثلث" (٤) واعتبارًا به إذا عين شيئًا من ماله، ولا يلزمه الكل خلافًا للشافعي، للخبر، ولأن المريض لما منع من إخراج كل ماله إنقاء على ورثته كان الحي أولى لحق نفسه. فصل [٩ - ولا تجزيه كفارة يمين]: ولا تجزيه كفارة يمين (٥) خلافًا لمن ذهب إلى ذلك (٦) لقوله ﷺ : "يجزيك من ذلك الثلث" (٧) فدل على أنه لا يجزيه دونه، ولأنه نذر إخراج مال كما لو عين.

стр. 633

مسألة [١٠ - فيمن نذر المشي إلى بيت الله]: إذا نذر المشي إلى بيت الله لزمه النذر فإن عَيَّن (١) حجا أو عمرة لزمه ما عينه وإن أطلق لزمه ما يختار منهما، ومنتهى المشي في الحج طواف الإفاضة وفي العمرة الفراغ من السعي فإن كان ضرورة وأراد الجمع في سفره بين فرضه ونذره مشي في عمرة ثم حج ويكون متمتعًا إن كانت عمرته في أشهر الحج، ولا يجوز له ترك المشي مع القدرة عليه والمشي من حيث حلف فإن عجز ركب ثم عاد قابلا فلفق مشيه وأهدى إن قدر وإلا فليهد ولا يعد، وكذلك العاجز عن المشي من أول مرة، وهذا (٢) إذا كان ما ركب كثيرا فإن كان يسيرا أهدى ولا عود عليه وينتعل ناذر الحفاء ولا دم عليه (٣). فصل [١١ - دليل لزوم نذر المشي]: وإنما قلنا إن نذر المشي يلزم لقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ (٤) وفي حديث عقبة بن عامر (٥) أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة فقال ﷺ : "لتمشي أو لتركب وتهدى" (٦)، ولأنه قول ابن عمر (٧) ولا مخالف له، وإنما قلنا إنه

стр. 634

يمشي في حج أو عمرة لأن الألفاظ إذا أطلقت ولها معهود في الشرع حملت عليه، كما لو نذر صلاة أو صومًا والمعهود من المشي إلى بيت الله إنه لأحد هذين النسكين فوجب انصراف (١) النذر إليه. وإنما قلنا إنه إن عين أحدهما لزمه ما عينه لأن تعيينه قد أوجبه على نفسه كتعيين الصلاة والصوم، وإذا لم يعين كان مخيرا لأن التعيين لا يثبت إلا من جهته. وإنما قلنا يمشي في الحج إلى آخر طواف الإفاضة لأن نذره تناول المشي في جميع الحج فما دام في الإحرام فعليه المشي ولا يخرج منه إلا بطواف الإفاضة، وفي العمرة بالفراغ من السعى. وإنما قلنا في الضرورة إن له أن (٢) يجعل مشيه في عمرة ليتم له غرضه من أداء الفرض والنذر (٣) في سفر واحد. وإنما قلنا إنه يلزمه المشي مع القدرة عليه للظاهر (٤) والخبر الذي رويناه (٥). وإنما قلنا إن المشي من حيث حلف لأنه الموضع الذي تناوله الوجوب بالنذر دون غيره. وإنما قلنا إنه إن عجز ركب لأنه في الخبر (لتمشي أو لتركب ولتهدى) (٦) ولأن النذر تناول المعنى إلى مكة على صفة وهي المشي فإذا عجز عن صفة الذهاب لم يسقط عنه أصله (٧)، وإنما قلنا أنه يرجع من قابل إن أمكنه لأن المشي باق في ذمته لا يسقط عنه إلا بأدائه، وركوبه هو لتمام المناسك لا ليكون بدلا عن المشي.

стр. 635

وإنما قلنا إنه إذا عجز فلا يعود لأنه لا فائدة في عوده لأن العود إنما يراد ليكمل المشي، وإنما قلنا إن عليه الهدي خلافًا للشافعي (١)، لقوله ﷺ : "لتمشي أو لتركب ولتهدي" (٢) معناه إن عجزت، ولأنه إذا ألزم نفسه المشي فقد تعين عليه لزومه فصار كالتعيين بالشرع وما لزم بتركه الدم مع القدرة والعجز كالرمي إذا عجز منه. وإنما قلنا إن الركوب اليسير ينوب عنه الدم لأنه لا حكم له مع المشي المقصود وهو الأكثر، وإنما قلنا إن من نذر المشي حافيا انتعل لأن الحفاء لا قربة فيه، ولقوله ﷺ في حديث أبي إسرائيل (مروه فلينتعل) (٣). فصل [١٢ - فيمن نذر المشي إلى مسجد رسول الله وإلى بيت المقدس]: ومن نذر المشي إلى مسجد الرسول ﷺ أو إلى بيت المقدس للصلاة فيهما لزمه ذلك (٤) خلافًا للشافعي (٥) لقوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد .. فذكر مسجده وبيت المقدس" (٦)، ولأنهما مسجدان تضاعف الصلاة فيهما بألف كالمسجد (٧) الحرام، ولا يلزم نذر المشي إلى غيرها للخبر، ولأن المعنى فيهما معدوم في غيرهما. فصل [١٣ - فيمن نذر ذبح ابنه]: ومن نذر ذبح ابنه في يمين أو على وجه القربة فعليه اهدي وإن نذره مجردا لا يقصد القربة فلا شيء عليه (٨)، وإنما قلنا ذلك لأنه إذا نذره على وجه القربة فإنما

стр. 636

أراد نذر الفداء عنه، لأن ذلك معهود في الشرع أن نحر الابن قد يكون على وجه القربة لأن إبراهيم ﵇ تعبد بذلك، وصارت الأضحية أصلا في شرعنا تشبيها به فكان الناذر له على وجه القربة ناذرا للفداء عنه، وإن لم يرد القربة فلا شيء عليه لأنه نذر معصية مع التجريد. فصل [١٤ - فيمن نذر أن يهدي شيئًا من ماله]: ومن نذر أن يهدي شيئًا من ماله فإن كان مما يجوز أن يكون هديًا أهداه لأن أداء النذر مع الإمكان مستحق، وإن كان مما (١) لا يهدي مثله باعه واشترى به هديًا لأنه نذر أهداه فالكلام ينصرف إلى الوجه الذي يمكن إهداؤه عليه فإذا امتنع في عينه لزم في ثمنه (٢) والله أعلم. * * *

стр. 637

كتاب الأضاحي الأضحية (١) سنة مؤكدة (٢)، والأصل فيه قوله ﷺ : "أمرت بالنحر وهو لكم سنة" (٣)، ولأنه ﷺ ضحى والأئمة بعده ولا خلاف في فضلتها" (٤). فصل [١ - حكم الأضحية]: وليست بواجبة وجوب الفرائص ولا على ما يقول أصحا ب أب ي حنيفة أنها واجبة يجرح تاركها (٥) زائدة (٦) على وجوب السنن، لقوله ﷺ (٧): "ثلاثة هي علي فرض ولكم تطوع: الوتر والأضحية والسواك" (٨)، ولأنه ذبح لا يجب على المسافر فلم يجب على الحاضر كالعقيقة. فصل [٢ - على من هي مسنونة]: وهي مسنونة لكل أحد إلا الحاج بمنى (٩) لأن ما ينحر بمنى هو هدي لأنه من

стр. 638

حقه أن يوقف بعرفة، ولأن الحاج بمنى لما لم يخاطبوا (١) أيضًا بصلاة العيد لأجل (٢) حجهم فكذلك بالأضحية. فصل [٣ - ما يجزيء في الأضحية]: لا تجوز الأضحية إلا من بهيمة الأنعام دون غيرها، لأنه ﷺ ضحى بالغنم (٣) وبيَّن ما يجزيء منها (٤) فلم يذكر إلا الإبل والبقر والغنم، ولأنه ذبح متقرب به كالهدايا. فصل [٤ - ما يجزيء من الأنعام وأفضلها في الأضحية]: وأفضلها الغنم ثم البقر ثم الإبل، والضأن أفضل من المعز، وفحول كل جنس أفضل من إناثه (٥) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: أن الأفضل الإبل ثم البقر ثم الغنم (٦)، لأنه ﷺ ضحى بكبشين (٧)، وقوله: "خير الأضحية الكبش" (٨)، ولأن المراعي طيب اللحم ورطوبته دون كثرته بدليل ما رويناه من تضحيته بالغنم وعدوله إليها عن الإبل والبقر ولأنه يختص بها أهل البيت دون الفقراء بخلاف الهدايا.

стр. 639

فصل [٥ - السن الجائزة في الأضحية]: والسن الجائز فيها الجذع من الضأن والثني مما سواه (١)، أما الجذع من الضأن فلا خلاف في جوازه يعتمد عليه (٢)، والأصل فيه قوله ﷺ : "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن (٣) وقوله: "ضحوا بجذاع الغنم" (٤) فأما الجذع من غيره فلا يجوز لقوله لأبي بردة (٥) وقال: ما عندي إلا جذع من المعز "يجزيك ولا يجزي أحدا بعدك" (٦)، وقوله: "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن" (٧) فقصر الجذاع على جنس مخصوص وهو الضأن فكان ما عداه مبقى على الأصل، والجذع من الضأن ما له سته أشهر فما زاد، والثني من المعز ما له سنة وقد دخل في الثانية، والثني (٨) من البقر ما له سنتان وقد دخل في الثالثة، ومن الإبل ما له ست سنين لأنه يلقى ثنيته.

стр. 640

فصل [٦ - أيام الأضحى]: أيام الأضحي يوم النحر ويومان بعده ولا يضحي في اليوم الرابع (١)، خلافًا للشافعي (٢)، لأنه إجماع الصحابة روي عن عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وأنس (٣)، ولا مخالف لهم، وقوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ (٤) وأقل الأيام ثلاثة (٥)، ولأنه ليس بمعلوم كالخامس، ولأنه لا يتعقبه مبيت بمنى فأشبه ما بعده. فصل [٧ - في أفضلية التضحية يوم النحر]: الأفضل أن يضحي يوم النحر (٦) لأنه ﷺ (٧) والأئمة بعده كانوا يضحون فيه، وعن علي رضوان الله عليه: النحر ثلاثة أيام أفضلها أولها (٨)، ولأنه اليوم المقصود بذلك، وإليه ينسب النحر وما بعده في حكم التابع (٩)، وقيل في تأويل قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ (١٠) صلى العيد وانحر الأضحية (١١).

стр. 641

فصل [٨ - الأيام المعلومات والأيام المعدودات]: يتعلق بأيام النحر ورابعها وصفان: معلوم ومعدود فيوم النحر معلوم غير معدود وأربعة معدود غير معلوم وما بينهما معدود، وفائدة وصفه في أنه معلوم جواز النحر فيه وبأنه معدود إيقاع الرمي فيه. وإنما قلنا إن يوم النحر معلوم لجواز النحر فيه، وإنما قلنا إنه ليس بمعدود لأن النفر لا يجوز في غده ومن حقه أن يكون في ثاني المعدودات. وإنما قلنا إن ثاني النحر وثالثه يجمع الوصفين لجواز النحر والرمي فيهما (١)، ولأن النفر جائز في اليوم الثالث، وقلنا إن رابع النحر معدود لجواز الرمي فيه، وقلنا إنه غير معلوم لامتناع النحر فيه. فصل [٩ - عيوب الأضاحي]: لا يجوز الأضحية بالعمياء (٢)، ولا العوراء البيِّن عورها ولا الشديدة المرض ولا العجفاء (٣) التي ليس فيها نقي، ولا الشديدة الضلع (٤) التي لا تلحق بالغنم، ولا المقطوعة الأذن، ولا السكاء، ولا يجوز الخرقاء والشرقاء (٥) والعضباء؛ والنقي المخ، والخرقاء المقطوع بعض أذنها من أسفله، والكساء هي المخلوقة بغير أذن، والعضباء هي الناقصة الخلق (٦)، وهذه العيوب قد ورد

стр. 642

النهي فيها من حديث علي (١) رضى الله عنه، البراء (٢)، ونكتة هذا الباب أن كل عيب نقص اللحم أو أثر فيه أو كان مرضًا أو نقص من الخلقة فإنه يمنع الأضحية، وفي بعضها خلاف، وينبغى في الجملة أن يتقي العيب وتتوخي السلامة لأنه ذبح مقصود به القربة فوجب أن يكون مسلَّما مخلصا مما ينقصه ويكدره، لقوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿ويجعلون لله ما يكرهون﴾ (٤)، فأما العوراء فلا نعلم خلافًا في منع الأضحية بها (٥)، وفي حديث علي والبراء أنه ﷺ نهى عن العوراء البين عورها، ولأنه ذهاب عضو منها فيه منفعة واستمتاع، وإذا لم تجز العوراء فالعمياء أولى أن لا تجوز، فأما المريضة البيِّن مرضها فكذلك في الحديث، ولأن المرض عيب يفسد اللحم ويضر بمن يأكله. والعجفاء التي لا شحم فيها ولا مخ في عظمها لشدة هزالها فقد ورد النهي عنها ولا منفعة فيها لأن المراعى في الأضحية إما كثرة اللحم ووفوره أو طيبه ورطوبته وكل ذلك معدوم في هذا الموضع، والعرجاء العرج الشديد (٦) عيب

стр. 643

مؤثر مستقبح عند الناس لنقص اللحم والرعي، وعند أبي حنيفة تجوز الأضحية بها دامت تمشي (١)، وما ذكرناه دلالة على فساد قوله، وفى الحديث: "العرجاء البين طلعها" (٢)، والجماء (٣) لا بأس بها لأن القرن لا منفعة فيه للأكل، وإنما منعناه إذا أدمى لأنه مرض، وروي " المقابلة والمدابرة" (٤) وهو قطع الأذن والإلية، وفي قدر ما ذكرناه تنبيه على تفريع هذا الباب. فصل [١٠ - الاشتراك في ثمن الأضحية وفي لحمها]: لا يجوز الاشتراك في ثمن الأضحية ولا لحمها (٥) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما أن البدنة تجزي عن سبعة وكذلك البقرة (٦)، لأنه حيوان يضحي به فلم يجز إلا عن واحد كالشاة، ولأن كل وحد يصير مخرجا للحم بعض بدنة أو بقرة، وذلك لا يكون أضحية كما لو اشترى لحمًا، ولأن كل إنسان مخاطب بفعل ما يسمى أضحية وهذا الاسم ينطلق على الدم دون اللحم، ولأنه اشتراك في دم فوجب أن لا يجزى مريد القربة أصله إذا قصد بعضهم الإباحة على قول أبي حنيفة، أو ما زاد على السبعة أصله إذا قصد على قوله (٧) وقول الشافعي.

стр. 644

فصل [١١ - التضحية بكبش عن الرجل وأهله]: وإن ضحى الرجل بكبش أو غيره عنه وعن أهل بيته جاز (١) لأن النبي ﷺ فعل ذلك (٢)، وليست هذا بشركة في ملك اللحم وإنما المراد بذلك الشركة في الثواب والبركة. فصل [١٢ - الرجل يلي أضحيته بيده]: الاختيار أن يلي الرجل ذبح أضحيته بيده (٣) لأن رسول الله ﷺ كذلك كان يفعل (٤)، ولأنها من عبادة الأبدان فاستحب أن يليها بنفسه كسائر عبادات الأبدان فإن كان له عذر جاز أن يستنيب غيره لأن الضرورات تسقط معها أحكام الاختيار. وإن استناب غيره من غير عذر كرهنا له ذلك وأجزناه لأن الأضحية طريقها المال وعبادات الأموال تصح فيها النيابة كتفريق الزكاة وغيرها، ولأن النبي ﷺ قد استناب عليًّا ﵁ في نحر الهدايا (٥) ولا فرق بينها (٦) وبين الأضاحي.

стр. 645

فصل [١٣ - إذا استناب حرًّا مسلمًا في ذبح أضحيته]: إذا استناب حرا (١) مسلما أجزاه من غير خلاف (٢) فإن استناب ذميا فلا يجزيه (٣) عند مالك ويجزيه (٤) عند أشهب وقيل أنه رواية عن مالك فإذا قلنا لا يجزيه فلأنه مشرك كالمجوسي، ولأن طريقها القربة المعلقة بالبدن فلا يجوز نيابة المشرك فيها كالحج وغيره، وإذا قلنا يجزيه فلأنه من أهل الذبح كالمسلم واعتبارًا بتوليته العتق وتفرقة (٥) الزكاة ولحم الأضحية. فصل [١٤ - في تسمية الذابح على الأضحية]: يسمى الذابح على الأضحية ويكبر (٦) لأن رسول الله ﷺ كذلك فعل حين ذبح أضحيته (٧) فإن نسي التسمية فلا شيء عليه وإن تعمد تركها لم تؤكل وذلك مذكور في الذبائح. فصل [١٥ - في وقت نحر الأضحية]: ووقت نحر الأضحية بعد الصلاة والخطبة (٨) ولا يجوز لأحد أن يذبح قبل الإمام إذا كان الإمام ممن يظهر نحر أضحيته وينبغى له إحضارها المصلى ليقف الناس على وقت ذبحه فلا يتقدموا (٩) عليه فإن لم يفعل توخي (١٠) الناس قدر

стр. 646

انصرافه وذبحه ثم ذبحوا بعد ذلك، ومن ذبح قبله متعمدًا أعاد فإن نحروا ثم بان لهم أنهم سبقوه أجزاهم، وكذلك من ذبح في قرية لا إمام فيها فتحرى ذبح من يليه من الأئمة فصادف ذبحه قبله (١)، ولا يجوز ذبح (٢) الأضحية بليل. فصل [١٦ - في أن الأضحية لا تكون إلا بعد الصلاة]: وإنما قلنا إن الأضحية لا تكون إلا بعد الصلاة لأن رسول لله ﷺ كذلك فعل: صلى ثم خطب ثم نحر ولقوله: "أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم ننحر فمن نحر قبل الصلاة فإنما تعجل لحمًا لأهله" (٣)، ولأمره ﷺ أبا برده بن نيار أن يعيد الذبح وكان ذبح قبل الصلاة (٤). فصل [١٧ - إعادة الذبح لمن ذبح قبل الإمام]: وإنما قلنا إن المأموم لا يذبح حتى يذبح الإمام وأنه يعيد إن فعل خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٥)، لحديث أبا بردة بن نيار أنه ذبح أضحيته قبل أن يذبح رسول الله ﷺ فأمره أن يعيد (٦)، ولأنه ذبح قبل الإمام فأشبه إذا ذبح قبل الصلاة. فصل [١٨ - الإمام يحضر أضحية المصلى]: وإنما قلنا إن على الإمام أن يحضر أضحيته المصلى لأنه قد ثبت أن على الناس الاقتداء به فوجب أن يظهر أضحيته ليصل الناس إلى العلم بوقت ذبحه فإن لم يفعل نحروا على ما ذكرناه لأنهم لا يقدرون على أكثر من ذلك.

стр. 647

وإنما قلنا إنه لا شيء عليهم إذا بان أنهم سبقوه فلأنهم يجتهدون فيما لا سبيل لهم إلى اليقين فيه كالاجتهاد في القبلة مع الغيمة، ولأن (١) من لا إمام عندهم تحروا ذبح أقرب الأئمة إليهم مخاطبون بالاقتداء بمن قرب دون من بعد. فصل [١٩ - عدم جواز النحر بالليل]: وإنما قلنا لا يجوز النحر بالليل خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٢)، لقوله تعالى: ﴿ليذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ (٣)، ولأنه ﷺ ذبح نهارًا (٤)، ولأنها قربة تتعلق بالعيد تضاف إليه لا يجوز تقدم ما قبله فلم يجز أن يفعل ليلا كالصلاة، ويستجب (٥) للرجل أن يأكل من لحم أضحيته لقوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا﴾ (٦)، وقال ﷺ : "فكلوا وادخروا" (٧)، وليس بواجب (٨) خلافا لقوم (٩)، اعتبارًا بسائر الذبائح. فصل [٢٠ - منع بيع شيء من الأضحية]: ولا يباع شيء من الأضحية من لحم أو جلد أو صوف أو غيره ولا يعوض عليه

стр. 648

ولا يعطى أجرة لجازر ولا دابغ (١) خلافًا لأبي حنيفة (٢) في إجازته بيع جلدها بما سوى الدراهم مما يعار وينتفع به، لنهيه ﷺ عن بيع أهب الضحايا (٣)، وقال علي رضى الله عنه: أمرنى أن لا أعطى الجازر منها شيئا، وقال نحن نعطيه من عندنا (٤)، ولأنه جزء من الأضحية كاللحم، ولأنها قد وجبت للمساكين وليس هو بوكيل لهم ولا قيم عليه كالزكاة. * * *

стр. 649

باب العقيقة العقيقة (١) مسحبة (٢) خلافًا لما يحكى عن أبي حنيفة أنها بدعة (٣) لقوله ﷺ : "مع الغلام عقيقة فأهرقوا عنه دما" (٤)، وقوله: "كل غلام مرتهن بعقيقته يعق عنه يوم سابعه ويسمى" (٥)، ولأنه ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا (٦)، وليست بواجبة خلافًا لقوم (٧)، لقوله ﷺ : "ليس في المال حق سوى الزكاة" (٨)، وقوله وسئل عن العقيقة: "لا أحب العقوق ومن ولد له

стр. 650

فأحب أن ينسك عنه فليفعل" (١) فعلقه بمحبة فاعله، ولأنه طعام يفعل عند الولادة كالوليمة. فصل [١ - في العقيقة شاة عن الذكر والأنثى]: ويعق شاة عن الذكر والأنثى (٢) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما إنه يعق عن الغالم بشاتين وعن الأنثى بشاة (٣)، لأنه ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا (٤)، ولأنه ذبح متقرب به فلم يتفاضل الذكر والأنثى كالأضحية. فصل [٢ - في الجمع بين اثنين في شاة واحدة]: ولا يجمع بين اثنين في شاة واحدة لأن العرض به إراقة (٥) الدم والشركة فيه كأنه أخرج (٦) لحما فلا يجوز كالأضحية (٧). فصل [٣ - في وقت العقيقة]: ووقتها يوم سابع الولادة (٨) لقوله ﷺ : في العقيقة "يذبح عنه يوم سابعه" (٩)، وروي أنه ﷺ عق عن الحسن والحسين رضوان الله عليهما (١٠) يوم سابعها (١١)، فإن ولد الصبي قبل الفجر عد ذلك اليوم وإن ولد بعده ألغي

стр. 651

وحسب ما غده، لأنه لو حسب منه لم يكمل سبعة أيام على التمام، فإن فات السابع فقيل إلى السابع الثانى، وقيل قد فات بفوات السابع الأول وهذا أقيس لفوات الوقت المقدر له (١) بالنص كالأضحية ولذلك لا يعق عن كبير، والاستحباب أن يسمى يوم السابع وقت العقيقة لقوله ﷺ : "يعق عنه يوم سابعه ويحلق ويمسى" (٢) وتذبح ضحوة اعتبارًا بالأضحية ولا يجوز بليل لأنه ذبح متقرب به كالضحايا والهدايا. فصل [٤ - العمل في العقيقة]: ويؤكل منها كما يؤكل من الأضحية (٣) وهي آكد منها ويتصدق لأن المقصد به القربة والتصدق الأصل والأكل تبع، وشأنها شأن الأضحية فيما يجوز منها ويمتنع من جنس وسن وسلامة من عيب ومنع من بيع لحمها وإهابها لأنه ذبح متقرب به يفعل عند حدوث سرور كالأضحية، ويجوز كسر عظامها لا أنه مسنون أو مستحب ولكن تكذيبا للجاهلية في تحرجهم من ذلك وتفصيلهم العظام من المفاصل وامتناعهم من كسرها. وحلق (٤) رأس الصبى والتصدق بوزن شعره جائز حسن (٥) لما روي عنه ﷺ فعل ذلك بالحسن والحسين رضى الله عنهما (٦)، ولا يمس الصبى بشيء من دمها لأن ذلك ينجسه من غير فائدة ولا قربة بل يجب تجنبه إياه مخالفة لفعل الجاهلية،

стр. 652

وإن فعل بدل الدم خلوق (١) جاز لما روي عن بريدة (٢) أنه قال كنا نفعل ذلك في الجاهلية فلما جاء الإسلام صرنا نحلق رأسه ونلطخه بزعفران بدلا من الدم (٣)، وروي عن عائشة ﵂ مثله (٤). فصل [٥ - في الختان]: الختان (٥) سنة مؤكدة في الذكور والإناث (٦) لقوله ﷺ : "عشر من الفطرة فذكر الختان" (٧)، وروي: "الختان سنة للرجال مكرمة للنساء" (٨)، وقوله: "أشميه ولا تنهكيه فإنه أنضر للوجه وأحظى عند الزوج" (٩).

стр. 653

فصل [٦ - حكم الختان]: وليس بواجب وجوب فرض خلافًا للشافعي (١) لأنه قطع شيء من البدن ابتداء كقطع السرة، ولأنه قطع مقصود به النظافة كقطع الظفر. * * * [تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله كتاب الصيد]

стр. 654

كتاب الصيد (١) الأصل فيه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم﴾ (٢)، وقوله: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ (٣)، وقوله: ﴿وما علمتم من الجوارح .. إلى قوله: فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ (٤) وقوله ﷺ : "كل ما ردت عليك قوسك" (٥)، وقوله: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل" (٦)، ولأنه إجماع (٧). فصل [١ - الآلة التي يصاد بها]: والآلة التي يصاد بها ضربان: سلاح وجوارح، فأما السلاح فالاصطياد بجميع أنواعه (٨) مباح من السيوف والسهام والرماح وغيرها، والأصل فيها (٩) قوله تعالى: ﴿ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم﴾ (١٠)

стр. 655

الآية، وقوله ﷺ : "كل ما ردت عليك قوسك" (١)، وقوله في المعراض: "إذا خرق فكل" (٢)، ولأن المذكى ضربان: مقدور عليه، وممتنع، فلما كان المقدور عليه يذكى بالسلاح فكذلك الممتنع، ولا خلاف في ذلك (٣). فصل [٢ - ما مات بقتل السهم]: وما مات بقتل السهم له جاز أكله (٤) لقوله: "كل ما ردت عليك قوسك" (٥) وقوله لأبي ثعلبة (٦): "ذكيًا وغير ذكي" (٧)، ولأن إرسال السهم كمباشر الذابح الذبح (٨). فصل [٣ - ما قتل بالمعراض]: ما قتل بالمعراض (٩) أكل إن كان بحده، ولا يؤكل إن كان بعرضه (١٠)،

стр. 656

لقوله في حديث عدي (١): "إذا رميت بالمعراض وذكرت اسم الله تعالى فخرق فكل وإن أصاب بعرضه فلا تأكل" (٢)، والمعراض: خشبة غليظة في رأسها كالزج يلقيها الفارس على الصيد، فربما أصابته الحديدة فجرحته وأسالت دمه، فهذا يجوز أكله لأنه حينئذ كالسيف والرمح، وربما أصابته الخشبة فترضه أو تشدخه فيكون حينئذ (٣)، وقيدًا كالمرمى بالبندقة والحجر، فلا يجوز أكله إلا أن يدرك ولم تنفذ مقاتله، فيذكى فإنه يؤكل، وإن بلغ إلى حيث لا ترجى له حياة لم تعمل الذكاة فيه. فصل [٤ - ما قتلته الحبالة]: لا يؤكل ما قتلته الحبالة (٤) وهي الشَرَك لأنه مقتول بغير ذكاة سهم لأن (٥) الحبالة: أحبل تكون فيه مناجل توضع للصيد عند الماء، فإذا وردت علقت به فاضطرب، فربما أصابته المناجل التي فيها فلا يؤكل لأنه حينئذ مقدورة عليه (٦) فذكاته بالذبح دون العقر. فصل [٥ - في منع أكل ما قتله السهم المسموم]: لا يؤكل ما قتله السهم المسموم (٧) وعللَّه مالك ﵀ بعلتين: إحداهما أنه لا يعلم هل قتله السهم أم السم، والأخرى أن الخوف على من يأكله.

стр. 657

فصل [٦ - ما صيد بالجوارح]: وأما الجوارح فكل جارح فَقَه التعليم من أي الجوارح كان من الكلاب والفهود والبزاة (١) والصقور والشواهين (٢) وغيرها إذا كان معلمًا، فصيده جائز (٣) خلافًا لمن ذهب إلى أنه لا يؤكل إلا صيد الكلاب دون البزاة وغيرها (٤)، ولمن ذهب إلى أنه لا يؤكل ما صاده الكلب الأسود (٥)، لقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله﴾ (٦) يريد مصرين (٧) إلى قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ (٨) فعم، وقوله ﷺ : "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل" (٩)، ولم يفرق بين البهيم وغيره، وقوله في حديث عدي بن حازم: "ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته، وذكرت اسم الله فكل مما أمسك عليك" (١٠)، ولأنه جارح يفقه التعليم فجاز الاصطياد به كالكلب الذي ليس ببهيم.

стр. 658

فصل [٧ - في اشتراط كون الجوارح معلمة]: وإنما اشترطنا أن تكون معلمة للظواهر والأخبار (١)، وصفة التعليم أن يطيعه إذا نبهه ويسترسل إذا أرسله ويسارع إذا أمره وينزجر إذا زجره، ويتكرر ذلك منه تكريرًا يعلم معه في العادة أنه قد فقه التعليم ولا حد في ذلك سوى ما ذكرناه. فصل [٨ - عدم اشتراط ترك الأكل]: وليس من شرطه ترك الأكل (٢) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٣)، لقوله: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ (٤)، ولم يفرق، وفي حديث أبي ثعلبة: "وإن أكل فكل" (٥)، ولأنه قتل إذا (٦) لم يتعقبه أكل كان ذكاة، فكذلك إن تعقبه كالذبح، ولأنه أداة في تذكية الصيد، فإذا أنفذ عقره مقاتله لم يضره ما طرأ بعد ذلك أصله السهم، ولأنه جارح أبيح صيده كالبازي، ولأنه لو بادر بأخذه من فم الكلب عقيب قتله لجاز أكله، ولو كان ترك الأكل من (٧) شرط التعليم لم يجز ذلك دون أن يتوقف لينظر هل يأكل أم لا. فصل [٩ - فيما إذا أثر الجارح في الصيد]: لا خلاف أنه إذا أثر فيه بتخليب أو تنبيت جاز أكله لأن عقره ذكاة له، وإن أمسكه أو ضمه ولم يؤثر فيه فلا يجوز أكله (٨)، لأن ذلك ليس بقتل له، فأما

стр. 659

إذا صدمه أو نطحه، فمات منه من غير جرح فعند ابن القاسم لا يؤكل وهو قول أبي حنيفة (١)، وعن أشهب يؤكل وهو أحد قولي الشافعي (٢). فوجه قول ابن القاسم: إنه آلة للاصطياد، فإذا قتل الصيد بصادم (٣) أو غيره، مما ليس بجرح لم يؤكل كالسهم، ولأنه حصل مقتولًا بغير جرح كما لو ضربه بالعصى، ووجه قول أشهب قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ (٤) يريد قتلن بإرسالكم ولم يفرق، وكذلك الخبر، ولأنه حصل مقتولًا بجارح مرسل عليه كما لو جرحه. فصل [١٠ - إذا أدرك الصيد والجوارح تنهشه]: إذا أدرك الصيد والجوارح تنهشه وتجرحه ولم تنفذ مقاتله وقدر على تخليصه منها فلا يأكله إلا بأن يذكيه (٥)، لأنه صار مقدورًا عليه قبل أن تكون ذكاته العقر، وإن لم يقدر أن يذكيه حتى مات بجرحها جاز أكله، لأن فوات نفسه حصل قبل القدرة عليه، وكذلك إن خلصه جريحًا، فمات في الفور قبل أن يتمكن من تذكيته، فإن أكله جائز خلافًا لأبي حنيفة (٦)، لقوله ﷺ : "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل وإن قتل" (٧)، ولأن الجارح عقره قبل القدرة على تذكيته (٨)، فكان كما لو مات في يديه قبل القدرة

стр. 660

على تخليصه، وإن خلصه من الجارح قبل فوات نفسه أو نفاذ (١) مقاتله، فتركه حتى مات فلا يؤكل لتفريطه في تذكيته، وكذلك لو تشاغل بإخراج سكين يذبحه بها. فأما إذا أدركه في أفواه الجوارح، وقد أنفذت مقاتله فأكله جائز، لأن ذكاته قد تمت بقتلها له فليس بمحتاج (٢) إلى تذكية أخرى، وكذلك القول فيه (٣) إذا وجد والسهم فيه أنه إن كان السهم قد أنفذ مقاتله، فالذكاة قد تمت وإن كان لم ينفذ مقاتله لم يؤكل إلا بذكاة، فإن تركه حتى مات لم يؤكل لأنه قدر على تذكيته كأخذه من فم الجارح قبل إنفاذ مقاتله سواء. فصل [١١ - في عقر الصيد غائبًا]: وليس من شرط تذكيته أن يعقره الجارح أو السهم، بحيث يشاهده، بل يؤكل إذا قتله غائبًا عن رؤيته ما لم يحصل منه تفريط في طلبه إذا غاب، فرأى فيه أثر كلبه أو سهمه، وسواء توارى عنه بعد أن رأى الجارح علق به أو قبل ذلك (٤)، خلافًا للشافعي في أحد قوليه: إنه إذا قتله غائبًا عنه بعد أن رآه قد علق (٥) به فلا يؤكل، وفي أحد قوليه (٦): إنه إذا كان قبل مشاهدته متشبثًا به فلا يؤكل (٧)، لقوله ﷺ : "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل" (٨)، ولأن في اعتبار مشاهدته (٩) عقره تكليف ومشقة تؤدي

стр. 661

إلى سد باب جواز أكل الصيد إذا صاده (١) الجارح لأن الغزال أو الطائر لا يملك عدوه وسرعة طيرانه واختباره في المكامن (٢) والغياض (٣) والكهوف والمواضع التي لا يصل إليها إلا الجارح بحيلولة الحوائل، ولأنه إذا رآه وفيه سهمه أو بالقرب منه جارحه فالظاهر منه أنه ليس به إلا عقر ما أرسله عليه، فجاز أكله، ويفارق الميت لأن هوام الليل تنتشر فيه فلا يؤمن مشاركتها فيه. فصل [١٢ - إذا بات الجارح عنه]: إذا بات الجارح عنه والصيد ثم وجده من الغد مقتولًا (٤) لم يأكله، واختلف في السهم، فقيل: إنه كالجارح، وقيل: بخلافه (٥)، فأما منع ذلك في الجارح، فلما روي أنه ﷺ قال: "فإن بات (٦) عنك فلا تأكله لا تدري، لعل كلبًا غير كلبك قتله" (٧)، ولأن الليل مخالف للنهار لأن الهوام تظهر فيه وتنتشر فيجور أن تكون أعانت على قتله، وأما السهم فإذا (٨) قلنا: إنه لا يؤكل الصيد إن بات عنه، فلما روي أن رجلًا أهدى إلى رسول الله ﷺ ظبيًا، فقال: إني رميته يا رسول الله، ثم اتبعته من الغد فوجدت سهمي فيه أعرفه، فقال ﷺ : "لا آكله لا أدري أهوام الأرض قتلته ولو أعلم أن سهمك قتله لأكلته" (٩)، وفي حديث آخر: "لو

стр. 662

أعلم أنه لم يعين على حتفه (١) دواب المغار (٢)، لأمرتك بأكله"، وهذا نص وتعليل. وإذا قلنا: يؤكل، فلما روي سعيد بن جبير (٣) عن عدي بن حاتم قال: يا رسول الله، إني أرمي الصيد فأطلبه فلا أجده إلا بعد ثلاثة (٤)، فقال: إذا وجدت أثر سهمك ولم يؤكل منه السبع فكله" (٥)، والفرق بين السهم والكلب أن السهم يوجد في موضع الإصابة، فإذا لم ير هناك أثرًا لغيره علم أن سهمه (٦) قتله، وليس كذلك الجارح (٧)، لأنه ليس لجرحه علامة يعرفه بها، فلا يأمن أن يكون قتله بغير جرحه. فصل [١٣ - إذا سقط الصيد في الماء أو وقع من أعلى جبل وقد جرحه السهم أو الكلب]: إذا سقط الصيد في الماء أو وقع من أعلى جبل وقد جرحه السهم أو الكلب، فإن كان لم ينفذ مقاتله فلا يأكله لأنه لا يتيقن أن موته بجرح السهم أو الكلب لإمكان أن يكون موته بالتردي أو بالماء، وإن كان قد أنفذ مقاتله جاز أكله (٨) لأن التردي والغرق كانا بعد تمام الذكاة، وإذا تمت الذكاة لم يؤثر فيها ما طرأ بعدها، وكذلك الذبيحة مثل الصيد سواء.

стр. 663

وإذا أرسل كلبه على صيد بشركة كلب آخر نظر، فإن كان لصائد مسلم قد أرسله على شرائطه الجائزة كان الصيد بينهما لأنه لا مزية لأحدهما عن الآخر، فلا يكون أولى به منه إلا أن يعلم أن الأول أنفذ مقاتله قبل وصول الثاني إليه، فيكون أولى به، لأن الذكاة تمت به دون الثاني وهذا إذا كان الآخر أرسله على ذلك الصيد أو أرسله إرسالًا مطلقًا، فأما إن أرسله على غيره، فعدل إليه أو كان كلبًا مسترسلًا بنفسه أو لمجوسي فينظر، فإن أصابه بعد إنفاذ الأول مقاتله فهو ذكي بالأول ولا يضره الثاني كالتردي من جبل بعد الذكاة، وإن كان ذلك قبل إنفاذ المقاتل أو لم يعلم لم يؤكل خلافًا للشافعي (١) في إجازته (٢) أكل ما شورك فيه على كل وجه، لقوله ﷺ في حديث عدي: "وإن شاركه كلب آخر فلا تأكله" (٣)، ولأنه نوع من التذكية فمشاركته من لا تؤكل تذكيه لو انفرد يمنع الأكل أصله الذبح إذا اشترك فيه المسلم والمجوسي. فصل [١٤ - ما استرسل عليه كلب بغير إرسال]: لا يؤكل ما استرسل عليه الكلب بغير إرسال (٤) لأن الإرسال شرط في جواز الأكل بدليل قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ (٥)، ولا يكون ممسكًا علينا إلا بأن نرسله، وقوله ﷺ : "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل" (٦)، ولأن من شرط الذكاة النية فإرسال الصائد كنية (٧) الذابح، ولأن التعليم شرط فلو لم يكن الإرسال شرطًا لم يكن للتعليم فائدة، ولأن الجارح آلة كالسهم.

стр. 664

فصل [١٥ - التسمية عند الإرسال]: ويسمى الله (١) عند الإرسال (٢) لقوله ﷺ : "إذا أرسلت كلبك المعلم وسميت فكل" (٣)، ولأن العقر أحد نوعي الذكاة كالذبح. فصل [١٦ - إذا صاد صيدًا ثم أفلت فصاده غيره]: إذا صاد صيدًا ثم فلت: فصاده غيره، فإن كان عن قرب كاليومين والثلاثة فهو للمالك الأول، وإن كان بعد طول زمان ولحوق بالوحش فهو لمن صاده (٤) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إنه للأول على كل حال (٥)، لأن الثاني صاده ممتنعًا مختلطًا بالوحش على صفة ما هي عليه من الإباحة، فكان له أصله الأول، ولأن ما أصله الإباحة إذا ملك ثم عاد إلى ما كان عليه كان للذي ملكه ثانيًا، أصله الماء في نهر إذا أخذ منه إنسان ثم أنصب من يده إلى النهر. * * *

стр. 665

كتاب الذبائح (١) شرط الذكاة (٢) بالذبح قطع الحلقوم (٣)، والودجين (٤)، فإن بقى شيء منها لم تتم الذكاة (٥)، والأصل فيه قوله ﷺ : "ما أفرى الأوداج وذكر اسم الله عليه فكل" (٦)، وقوله: "الذكاة في الحلق واللبة (٧) " (٨) ولأن الذبح ما لم يكمل في هذه المواقع جاز أن تعيش معه. فصل [١ - من شرط الذبح أن يكون في قطع واحد]: ومن شرطها أن يكون ذلك في قطع واحد، فإن قطع البعض، ثم رفع يده

стр. 666

ثم أعادها فتممه لم تؤكل لأنا لا نأمن أن يكون التلف كان عن الأول، ولأنه إذا رفع يده صار لكل قطع حكم نفسه كما لو تراخى في القطعين (١). فصل [٢ - في ترك الذبيحة حتى تبرد]: وينبغي أن يتركها حتى تبرد (٢) لأنه ﷺ كذلك فعل لما نحر الهدايا تركها حتى بردت ثم قال: "من شاء اقتطع" (٣)، ولأن ذلك أخف عليها وأقل لإيلامها، وإن تمادى حتى قطع الرأس أو زلت (٤) السكين بحدتها فأبانه (٥)، لم يحرمها لأن شرائط الذكاة قد حصلت. فصل [٣ - في كون الذكاة لا تخرج عن الحلق واللبة]: الذكاة لا تخرج عن الحلق واللبة، فالنحر في الإبل والذبح في الغنم والبقر، فإن نحرت البقر من غير ضرورة جاز أكلها (٦)، وإنما قلنا ذلك لورود السنة به واتصال العمل من المسلمين في كل الأعصار به، أما الإبل فإن رسول الله ﷺ نحرها (٧)، ولا يحفظ عن أحد فيها الذبح. وأما الغنم فإنه ﷺ ذبحها (٨) ولم يرو عن أحد أنه نحرها. وأما البقر، فإن المستحب فيها الذبح لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ (٩)، وإن نحرت جاز لما روي أنه ﷺ نحر عن

стр. 667

نسائه البقر (١)، وقيل: إن الفرق بين الإبل والغنم أن عنق البعير طويل، فيبعد خروج الدم من الجوف إلى موضع الذبح منه فيكون في ذلك تعذيبه، وزيادة ألم في خروج روحه، والنحر أسهل وأخف لأنه في آخر العنق فيكون متوسط بين الرأس وباقي البدن. وأما الشاة، فإن عنقها قصير ولا لبة لها، فلا يتمكن من نحرها إلا بما يقرب من جوفها، فكان الوجه فيها الذبح، فإذا ثبت هذا فإن ذُبِح بعير أو نُحرت شاة: فإن كان لضرورة جاز أكلها مثل أن تقع في بئر أو مضيق لا يوصل منه إلى موضع الذبح من الشاة أو النحر من البعير أو ما أشبه ذلك. وإنما أجزنا لقوله ﷺ : "إنما الذكاة في الحلق واللبة" (٢) فأطلق، ولأنه من الأنعام فجاز أن يستباح بالذبح أو النحر، فإن كان من غير ضرورة فاختلف فيه على وجهين: أحدهما: أنه لا يؤكل تحريما، والآخر: أنه يكره ولا يحرم، وزاد ابن بكير (٣) وجهًا ثالثًا وهو أنه قال: يؤكل البعير إذا ذبح ولا تؤكل الشاة إذا نحرت (٤)، فوجه التحريم هو أن من ذبح بعيرًا أو نحر شاة، فقد أتى بالذكاة على خلاف الوجه المأمور به في الشرع فأشبه من ذبح من القفا أو أبقى شيئًا من الأوداج. ووجه الكراهة (٥) هو أن ذلك جائز مع الضرورة، فلولا أنه يكون ذكاة مع عدمها على وجه، وإلا لم يجز كالطعن في الفخذ، وأما ابن بكير فإنه فصل بينهما بأن قال: إن البعير له موضع الذبح، وإنما عُدل إلى النحر لأنه أقل

стр. 668

لتعذيبه والشاة لا منحر لها لأن موضع لبتها يقرب من خاصرتها، فيكون كالطاعن في جوفها، وهذا تلزم عليه الضرورة. فصل [٤ - ذكاة الجنين بذكاة أُمه]: إذا ذكيت البهيمة فخرج من جوفها جنين ميت كامل الخلق نابت الشعر كان ذكيًا بذكاتها (١) خلافًا لأبي حنيفة في منعه أكله (٢) لقوله ﷺ : "ذكاة الجنين ذكاة أُمه" (٣)، ولأن التذكية في الشرع بحسب القدرة والتمكين وتذكية الجنين لا يوصل إليها إلا بأن تذكى أمة فيذكى بذكاتها، ولأن الجنين المتصل بأُمه تابع لها في كل (٤) الأحكام الثابتة لها، وكذلك في الذكاة، ولأن ما امتنع مفردًا من المأكول يذكى بذكاة أصله على وجه كسائر الأعضاء. فصل [٥ - إذا لم يشعر الجنين أو نزل حيًّا]: وإنما شرطنا نبات الشعر خلافًا للشافعي (٥)، لأن ذلك علامة نفخ الروح فيه لأن الروح (٦) لا يكون إلا فيما قد تم خلقه، فأما ما لم ينزل ميتًا فإن ذكاة الأم لا تؤثر فيه وفي بعض الحديث: "ذكاة الجنين ذكاة أُمه إذا أشعر" (٧). فصل [٦ - في تحريم الميتة وما في معناها]: حرم الله تعالى الميتة وما في معناها من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة

стр. 669

وأكيلة السبع، واستثنى تعالى من التحريم ما ذكى، فدل على أن ما يذكي بعد حصول هذه الأشياء فإنه يؤكل (١)، والمنخنقة: ما تخنق بحبل أو ما في معناها، والموقوذة: التي تضرب بالخشب حتى تموت، والمتردية: التي تسقط من مكان عليّ (٢) فتتلف، والنطيحة: ما نطحها (٣) ذات القرن فتتلف أو تقارب التلف، وما أكل السبع: هو ما فرسه وهذا كله إذا أصابه ما ذكرناه فلا يخلوا من ثلاثة أحوال: إما أن تخرج روحه معه فيلحق بالميتة، لأن الميتة المحرمة هي ما تلف حتف أنفه مما يحتاج إلى ذكاة أو بوجه ليس بذكاة مثل ذبح المجوسي أو بغير آلة الذبح وكل (٤) هذا موجود في مسألتنا. وإنما قلنا: إن ذلك كله (٥) ميتة لقوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ (٦)، وقال ﷺ : "والذكاة في الحلق واللبة" (٧)، فانتفى أن تكون ذكاة سواها، وقال: "ما أفرى (٨) الأوداج وذكر اسم الله فكل" (٩)، وهذا معدوم في مسألتنا. والثانية: أن يصيبها من (١٠) ذلك ما ينحتها ولا يصيب منها مقتلًا، ويمكن أن تبقى معه غالبًا سواء انتقض منها بعض البنية أو لم ينتقض، وذلك مثل أن يلحقها

стр. 670

مرض أو كسر يد أو رجل أو ما أشبهه، فهذه تذكى وتؤكل، وإنما قلنا ذلك لقوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ (١)، فاستثنى ما استدركت تذكيته من التحريم، ولأن أشد ما في بابها أن تكون مريضة مثخنة، وذلك لا يمنع تذكيتها ما لم تبلغ حال النزع. والثالثة: أن يصيبها من ذلك ما لا تعيش معه مثل أن تنفذ مقاتلها (٢) أو يخرج السبع حشوتها أو يرض دماغها أو ما أشبه ذلك مما لا يجوز أن تبقي معه، إما قطعًا أو غالبًا، فهذه لا تصح تذكيتها، والأصل فيه أن الذكاة تعمل في الحي دون الميت، وما هو في حكم الميت لا تعمل فيه، وهذه في حكم الميت لأن الحركة الباقية فيها مستعارة كحركة (٣) المذبوحة، فلا تصح تذكيتها. فصل [٧ - إذا وقع البعير أو البقرة أو الشاة في بئر ولم يقدر على تذكيته]: إذا وقع البعير أو البقر أو الشاة في بئر ولم يقدر على إخراجه ولا على تذكيته في حلقه أو لبته لم يؤكل بعقره في موضع من بدنه (٤) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٥)، لأنه مما ذكاته النحر أو الذبح فلم يزل عن ذلك باختلاف حالاته أصله إذا هرب من يده (٦)، واحتاج إلى أخذه أو صعب عليه، وكان وحده ولم يتمكن أن يعقله لينحره، ولأن (٧) أكثر ما في بابه أن يخاف عليه التلف متى (٨) تركه، وذلك لا يبيح استعجال تذكيته على غير وجهها المأذون فيه مع القدرة عليه
следующие страницы →