← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

قالوا: زعموا أن فرعون -قبّحه الله- أضرّ به العطش، وعطش عطشًا شديدًا؛ لأنه صار كلما استقى ماء فإذا هو دم عبيط، وأنه اضطر إلى مَصِّ مِيَاهِ الشَّجَرِ التي تكون في الشجر، قالوا: فإذا مصّ ماء الشجرة فوصل فاه فإذا هو دم - والعياذ بالله تعالى - قالوا: مكث عليهم الدم سبعة أيام، من السبت إلى السبت، فلما تأذوا به كثيرًا شكوا إلى فرعون، وجاء فرعون موسى وقال: الآن حُق لنا أن نتوب التوبة النصوح فـ ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٤] فلما كشفه عنهم رجعوا إلى أخبث كفرهم وأشده، وهذا من اللجاج؛ ولأجل هذا - اللجاج والكفر وإخلاف الوعد - غضب موسى عليهم غضبًا شديدًا، ودعا رَبَّهُ ذلك الدعاء الحاد العظيم حيث ذكره الله في سورة يونس في قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾ [يونس: آية ٨٨] وفي قراءة أخرى (١): ﴿لِيَضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: الآيتان ٨٨، ٨٩]؛ لأن [هارون] (٢) قال: آمين. والمُؤَمِّن أحد الداعيين. وهذا معنى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣] (آيات) حال. أرسلنا عليهم هذه الأشياء في حال كونها آيات. أي: علامات ودلالات واضحات لا شك في الحق معها. وقوله: ﴿مُّفَصَّلَاتٍ﴾ قال بعض العلماء: ﴿مُّفَصَّلَاتٍ﴾ أي: بينات

стр. 1927

واضحات لا لبس فيها أنها من الله، وأنها حق، وأن هؤلاء الكفرة عاندوا الحق الواضح. وقال بعض العلماء: مفصلات: بينها فصل؛ لأنه كلما جاءتهم آية وعَذَّبَهُم الله بها وضَجُّوا إلى فرعون، وضَجَّ فرعون إلى موسى، وقال: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٤] فكشف عنهم الرجز ومكثوا زمنًا في عافية فصار بين الآيات فصل من العافية بين هذه وهذه، وأن ذلك هو معنى قوله: ﴿مُّفَصَّلَاتٍ﴾ أي: متتابعات بين كل اثنتين منها فصل، هكذا قاله بعضهم، وهذا معنى قوله: ﴿وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ﴾. ﴿فَاسْتَكْبَرُواْ﴾ أي: تَكَبَّرُوا عَنْ قَبُولِ الحَقِّ مَعَ مشاهدة هذا عندما ينزل بهم العذاب يستكينون ويخضعون قهرًا لا رغبة في الخير، فإذا رُفع عنهم أعرضوا إلى ما كانوا عليه، هذا معنى: ﴿فَاسْتَكْبَرُواْ﴾. ﴿وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣] قدمنا مرارًا (١) أن القوم في لغة العرب التي نزل بها القرآن: اسم جمع لا واحد له من لفظه، يختص في الوضع في الذكور دون الإناث، وربما دخل فيه الإناث بحكم التبع، والدليل على اختصاصه بالذكور في الوضع قوله تعالى في الحجرات: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاءٍ﴾ فلو دخل النساء في اسم القوم وضعًا لما قال: ﴿وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاءٍ﴾ [الحجرات: آية ١١] ونظيره من كلام العرب قول زهير بن أبي سلمى (٢):

стр. 1928

وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أدرِيْ ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ ومن الدليل على أن النساء ربما دَخَلْنَ في القوم بحكم التبع: قوله تعالى في بلقيس: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ [النمل: آية ٤٣] وهذا معنى قوله: ﴿وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣]. المجرمون: جمع تصحيح للمجرم، وهو اسم فاعل الإجرام، والمجرم هو مرتكب الجريمة، والجريمة: الذنب الذي يستحق صاحبه التنكيل والعذاب، وهذا معنى قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣]. ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (١٣٥)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٣٤، ١٣٥]. هذه الآية كأنها تُقرأ عند كل واحدة من الآيات السابقة ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾ [الأعراف: آية ١٣٠] قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٣] أي: ولما عُذبوا بالطوفان ووقع عليهم رجز الطوفان ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ فلما رفعه عنهم ووقع عليهم رجز الجراد ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٤]. [وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ﴾]

стр. 1929

(١) هم بنو إسرائيل بإجماع العلماء (٢)، وكونهم ﴿كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٧] كان فرعون يستضعفهم ويأخذهم أخذ الضعيف الذي لا حيلة له فيقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، ويستخدمهم في الأعمال الشاقة، إلى غير ذلك من الإهانات، كما يأتي في قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: آية ١٤١]. فقوله: ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [الأعراف: آية ١٣٧] جماهير العلماء على أن مشارق الأرض هو المفعول الثاني لـ (أورثنا) (٣)، أورثنا المستضعفين مشارق الأرض ومغاربها. أي: جعلناها آيلة إليهم بعد أن أهلكنا الكفار الذين كانوا فيها، وهذا هو التحقيق خلافًا لما نُقل عن الكسائي والفراء (٤) مِنْ أنَّهُ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الخَافِضِ، وأن المعنى: وأوْرَثْنَا القوم الذين كانوا يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها، وعلى هذا القول فمفعول الإيراث محذوف. ولا يخفى أن هذا القول غير صواب، وإن نقل عن الكسائي والفراء وغيرهم، وأن التحقيق أن الإيراث واقع على بني إسرائيل، وأن قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ﴾ أن (أورثنا) تطلب مفعولين، المفعول الأول: هو قوله ﴿الَّذِينَ﴾ والمفعول الثاني: هو قوله: ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ﴾ أي: أورثناهم مشارق الأرض كما جاء موضحًا في آيات أُخر، كقوله: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾ [الدخان: آية ٢٨] ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء: آية ٥٩] ونحو ذلك من الآيات.

стр. 1930

ومعنى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ قال أكثر المفسرين (١): ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ﴾: الشام، ومغاربها: مصر. وأن الله أهلك فرعون وقومه وأورث بني إسرائيل أرضهم كما صرح بذلك في قوله: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾ [الدخان: آية ٢٨] وقوله: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء: آية ٥٩] وهي ما تركوا من جنات وعيون، وزروع، ونعمة كانوا فيها فاكهين، وأن مشارق الأرض: هي الشام، أورثهم الله إياها بعد أن أهلك الجبارين الكنعانيين وأبادهم. هذا يقوله أكثر العلماء، ويزعمون أن في التوراة: أن هذه المشارق والمغارب من الفرات، وأنها من الفرات إلى المحل الذي خرجوا من البحر منه [وطلبهم] (٢) منه فرعون!! وبعض العلماء يقول (٣): مشارق الأرض ومغاربها: الشام فقط؛ لأنه أورثهم أرضه من مشرقها ومغربها، أي: ما يلي المشرق منها وما يلي المغرب. واعلموا أن الآيات القرآنية دلت دلالة واضحة على أن الله أورث بني إسرائيل ما كان عند فرعون وقومه من الجنات والعيون، والزروع والكنوز، والمقام الكريم، هذا جاء في آيات متعددة، جاء موضحًا في سورة الشعراء، وفي سورة الدخان، وأُشير له هنا في الأعراف.

стр. 1931

وبعض العلماء يقول: في إيراثهم ديار مصر وأمواله، وديار قومه وأموالهم، فيه إشكال؛ لأنه لم يُعلم في التاريخ أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بعد أن أنجاهم الله من عذاب فرعون وفلق لهم البحر -والله تعالى أعلم- ولأجل ذلك قال بعض العلماء: أراضي الشام ومشارقها: ما يلي جهة المشرق من أرض الشام من أطرافها، وما يلي جهة المغرب. هذا أقوال العلماء في الآية. وقوله: ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي: أكْثَرْنَا فيها البَرَكَات من كثرة المياه والزروع والثمار ونحو ذلك من بركات الأرض وخيراتها. وهذا معنى قوله: ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: آية ١٣٧] جماهير العلماء (١) على أن المراد بهذه الكلمة التي صرح الله بأنها تمت على الإسرائيليين أنها هي قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص: الآيتان ٥، ٦] ومعنى تمام الكلمة: أنها أولاً كانت وعدًا، فلما أُنجز هذا الوعد فقد تم ذلك بإنجازه كما لا يخفى. وهذا معنى قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ الحسنى: تأنيث الأحسن، والأحسن: الذي يفوق غيره في الحسن ويفضُله. وقوله: ﴿عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ تمت عليهم؛ أي: مضت عليهم وكملت عليهم بإنجازها لما كانت وعدًا.

стр. 1932

وقوله: ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ الباء سبَبِيَّة، و (ما) مصدرية، أي: بسبب صبرهم. وذلك يدل على أن الصَّبْرَ سَبَبٌ لِلْفَرَجِ كما هو معروف، وكما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: آية ٤٥] وهذا معنى قوله: ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾. وقوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ التدمير: الإهلاك التام. والمعنى: دمرنا وأهلكنا ما كان يصنعه فرعون وقومه من القصور التي كان يبنيها، والبنايات التي كان يضعها في الأرض دَمَّرَهَا الله وهَدَمَها وأهلكها. وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ قرأ هذا الحرف جماهير القراء غير ابن عامر وشعبة عن عاصم: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ بكسر الراء مضارع عَرَشَه يعرشه. وقرأ من السبعة: ابن عامر وشعبة عن عاصم: ﴿وما كانوا يَعْرُشُون﴾ (١) وهما لغتان وقراءتان صحيحتان، (يعرُشون) بضم الراء لغة بني تميم. ومعنى: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ فيه وجهان للعلماء (٢): قال بعض العلماء: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ أي: لجنات الكرم، وهو العنب يجعلون لها العريش لتمتد عليه، كما تقدم في قوله: ﴿جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: آية ١٤١]. وقال بعضهم: عَرَشَه: إذا رفع بناءه، والعرش أصله السقف، وعروش الأبنية: سقوفها. يعني: ودمرنا ما كانوا يرفعونه من البناء كصرح هامان المشهور، ونحو ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا

стр. 1933

كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٣٧]. [١٨/أ] / ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٣٨، ١٣٩]. ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ العرب تقول: جاوز الشيء وجاوز به غيره إذا جازه وتعدّاه، و (فَاعَلَ) هنا بمعنى المجرد بمعنى: جاز. أي: إذا تخطاه وتعداه، وذلك أن الله (جل وعلا) لما أمر نبيه موسى أن يُسري ببني إسرائيل ويرفع عنهم يد قهر فرعون، وأسرى بهم ليلاً ذاهبين إلى جهة البحر الأحمر، وأن فرعون استيقظ من الصباح فلم يجد من الإسرائيليين أحدًا، فأرسل فرعون في المدائن حاشرين، وزعم أن الإسرائيليين قليل ﴿إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥)﴾ [الشعراء: الآيتان ٥٤، ٥٥] وأتبعهم فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا، فلما ارتفع النهار تراءا الجمعان: بنو إسرائيل على شاطىء البحر، وفرعون يتبعهم من ورائهم، فخاف الإسرائيليون خوفًا شديدًا كما أوضحناه سابقًا في سورة البقرة، فقالوا: إن تقدمنا فالبحر أمامنا، وإن تأخرنا ففرعون وجنوده من ورائنا. فقال الله لهم ما قال في سورة طه: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ وفي قراءة أخرى: ﴿لا تَخَفْ دركًا ولا تخشى﴾ (١) [طه: آية ٧٧] دركًا مما وراءك من فرعون وجنوده، ولا تخشى من البحر أمامك، سيجعل الله لكم مخرجًا.

стр. 1934

وعند ذلك أوحى الله إلى موسى أن يضرب بعصاه البحر فضرب البحر بعصاه فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم. يعني صار البحر كأنه جبال عظام بينها طرق، وأرسل الله عليها الريح -كما يقول المفسرون- فيبست كما أشار له تعالى بقوله: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: آية ٧٧] يزعم المفسرون أنه كانت في البحر اثنتى عشرة طريقًا، وأن الأمواج ممسكة بين الطرق بقدرة الله وإرادته كأنها الجبال الشامخة، كما قال تعالى: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: آية ٦٣] أي: كالجبل الشامخ المنيف، ويزعم المفسرون أن الله جعل بينها فُرجًا كالكّوة التي تكون في البيوت حتى صار ينظر بعضهم إلى بعض (١)، وأنهم سلكوا في تلك الطرق قاطعين للبحر، وأن فرعون لما وجدهم دخلوا البحر يزعمون أنه كان على جواد ذكر من الخيل، وأن جبريل جاء أمامه على فرس وديق -وهي التي تحب الفحل، وإذا كانت تحب الفحل كان يُشم فيها ريح ذلك- وأن الجواد شم فيها ريح ذلك واقتحم، فاقتحموا في البحر مع تلك الطرق (٢)، ولما جاوز موسى البحر ببني إسرائيل أراد أن يضرب البحر بعصاه ليلتئم، فقيل له: ﴿وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: آية ٢٤] أي: خَلِّه ساكنًا منفلقًا. ليدخل فرعون وقومه فيغرقوا؛ لأنه لو التطم لرجع إلى حالته ولرجعوا، فلما تكامل خروج بني إسرائيل ومجاوزتهم البحر، وتكامل دخول القبط -فرعون وقومه- أطبق الله عليهم البحر، وتلاطمت أمواجه، فلم يبق منهم داع ولا مجيب، كما أوضحناه سابقًا في

стр. 1935

البقرة (١)، وذلك معنى قوله: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [الأعراف: آية ١٣٦]. لما ماتوا كلهم وأنجى الله بني إسرائيل، ووقع الغرق بالقبط وهم ينظرون، كما تقدم في قوله: ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة: آية ٥٠] لما وقع هذا وجاوزوا البحر كانوا في الحقيقة قومًا غير طيبين؛ لأنهم لما جاوزوا البحر أتوا على قوم يعبدون الأصنام، أتوا على قوم يعكفون وراء البحر لما جازوه، وهؤلاء القوم يقول بعض المؤرخين: إنهم من لخم قبيلة العرب المشهورة. وبعضهم يقول: من لخم وجذام. وبعضهم يقول: هم من الكنعانيين الذين أُمروا بقتالهم في البلاد المقدسة (٢). وكان ابن جريج يقول: أصنامهم أمثلة البقر، فلما رأوا أمثلة البقرة كأنهم من ذلك الوقت أحبوا عبادة البقر (٣)؛ ولذلك أخرج لهم السامري العجل كما هو معروف، وكان بعض المؤرخين يقول: هم قوم كانوا نازلين بالرّقة من مصر. ويقولون: إنها من الريف، قريب من الساحل، يُوصَل منها إلى الفيوم. هكذا يقولون. والله تعالى أعلم. وعلى كل حال فلما جاوز الله بهم البحر بعد هذه الآيات والعبر وهذه النعم العظيمة طلبوا من نبيهم عبادة الأوثان -والعياذ بالله- وهذا يدل على عدم الطيب؛ ولذا قال: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ﴾ ﴿فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ﴾ معناه: مروا على قوم.

стр. 1936

﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ قرأ هذا الحرف جمهور القراء منهم السبعة غير حمزة والكسائي: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ بضم الكاف. وقرأه من السبعة حمزة والكسائي: ﴿يَعْكِفُونَ عَلَى أصْنَامٍ لهُمْ﴾ بكسر الكاف (١). وهما قراءتان سبعيتان صحيحتان، ولغتان عربيتان فصيحتان. والعكوف: معناه الإقامة، أي: يقيمون ملازمين عبادة الأصنام. ﴿عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ يعكفون مقيمين عليها دائمًا يعبدونها، يُقال: إنها تماثيل بقر كما قاله ابن جريج. ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا﴾ صنمًا مثل أصنام هؤلاء نعبده ﴿كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (ما) بقوله: ﴿كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ قيل: هي كافة للكاف؛ ولذا جاءت بعدها جملة. وبعضهم يقول: هي مصدرية. وبعضهم يقول: موصولة. والخطب في ذلك سهل (٢). والمعنى: كما أن هؤلاء لهم آلهة فاجعل لنا إلهًا كآلهتهم نعبده -والعياذ بالله- وبعض العلماء يقول: هم كفروا بهذا القول؛ لأن من طلب عبادة غير الله فقد كفر. وقال بعض العلماء: كانوا قومًا يتمكن منهم الجهل، يظنون أَنَّ مَنْ تَقَرَّبَ إلى الله بعبادة غيره أن ذلك يُقَرِّبُهُ إلى الله!! ويعتقدون أن ذلك يصح! وهذا غاية الجهل، كما قال لهم نبي الله موسى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وصفهم بالجهل المطلق، وجاء بصيغة المضارع يشير إلى أن الجهل كأنه معهم في الحال والمستقبل لا يفارقهم،

стр. 1937

ثم أجابهم هنا قال: ﴿إِنَّ هَؤُلاء﴾ الذين يعبدون هذه الأصنام ﴿مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف: آية ١٣٩] المُتَبَّر: اسم مفعول (تبَّره) والعرب تقول: تبّره يُتَبِّره تتبيرًا: إذا كسّره ودمره، والإناء المُتَبَّر: معناه المكسر. والذهب المُتبَّر: المكسر. والتِّبر: قطعة من الذهب إذا تُبِّر، أي: إذا كُسِّر. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: آية ٧] هذا الذي فيه هؤلاء من عبادة الأوثان مُدَمَّر، مُحْرقٌ، مُكسر لا خير فيه؛ لأنه كله باطل، ولا ينبغي لأحد أن يفعله (١) ﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وأظهر أوجه الإعراب في هذا (٢): أن قوله: ﴿مُتَبَّرٌ﴾ هو خبر (إن) وأن قوله: ﴿مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ نائب فاعل (مُتَبَّر) وكذلك ﴿مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فاعل به لقوله: ﴿وَبَاطِلٌ﴾. هذا أجود الأعاريب في الآية. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ الباطل: هو الزائل المضمحل الذي لا بقاء له؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: آية ٢٣] فهذا معنى قوله: ﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ [الأعراف: آية ١٤٠] بهمزة استفهام الإنكار، ينكر عليهم إنكارًا شديدًا، والعرب تقول: أبغيك وأبغي لك. معناه: أطلب لك. أفغير الله أطلب لكم إلهًا؟ ﴿إِلَهًا﴾ غير الله، والهمزة للإنكار، أَنْكَرَ عليْهِمْ هذا الطلب إنكارًا شديدًا؛ أوَّلاً وَصَفَهُمْ بالجَهْلِ، وبيَّن لهم بطلان عبادة الأصنام، ثم أنْكَر عليهم طلبهم إلهًا غير الله؛ ولذا قال: ﴿أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ أبغي لكم

стр. 1938

وأطلب لكم معبودًا غير الله سبحانه عن ذلك وتعالى علوًّا كبيرًا ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ والحال: هو فضلكم على العالمين. ومن تفضيله لكم: أن أهلك عدوكم وأنجاكم وأنقذكم من هذا الطاغية العظيم، وهم في ذلك الوقت -جميع الناس كفرة- وهم عندهم إيمان، فهم أحسن الموجودين على ما كان منهم مما لا ينبغي، وهذا معنى قوله: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ وقد بينّا مرارًا النصوص الصحيحة الدالة على أن هذه الأمة الكريمة أفضل منهم مرارًا (١)، وهذا معنى قوله: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٤٠]. ﴿وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾ [الأعراف: آية ١٤١]. قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن عامر: ﴿وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ﴾ وقرأه ابن عامر وحده من السبعة: ﴿وَإِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ من غير ياء ولا نون (٢). فعلى قراءة ابن عامر: اذكروا إذ أنجاكم الله. أنجاكم هو، أي: الله. وعلى قراءة الجمهور: ﴿أَنجَيْنَاكُم﴾ فالنون للتعظيم، والله هو المتكلم بذلك معظمًا لنفسه، وقوله: واذكروا ﴿إِذْ أَنجَيْنَاكُم﴾ حين أنجيناكم ﴿مِّنْ آلِ فِرْعَونَ﴾ أي: من فرعون وقومه. ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ قال بعض العلماء: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾

стр. 1939

يبغونكم سوء العذاب، كما تقول لمن طلب السلعة: سامها. والعلماء يقولون: سامه كذا: إذا أذاقه إِيَّاهُ، ومنه: سَامَهُ العَذَاب: إذا أذاقه العذاب وكلَّفَهُ إيَّاهُ. وهو مَعْنى مشهور في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلقته (١): إِذَا مَا المَلْكُ سَامَ الناسَ خَسْفًا ... أَبَيْنَا أنْ نُقِرَّ الذُلَّ فِينَا ومعنى ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾: يذيقونكم ويكلفونكم سوء العذاب، والإضافة في قوله: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ من إضافة الصفة إلى موصوفها؛ أي: يذيقونكم العذاب الموصوف بسوء من يقع عليه؛ أي: العذاب السيئ الشديد. ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ﴾ قرأ هذا الحرف عامة القراء غير نافع: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ﴾ وقرأه نافع وحده: ﴿يَقْتُلون أبناءكم﴾ بسكون القاف وضم التاء (٢). وقرأ مع نافع ابن كثير: ﴿سَنَقْتُلُ أبناءهم﴾ (٣) [الأعراف: آية ١٢٧] والجمهور يقرءون: ﴿سَنُقَتِّلُ﴾ و ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ بصيغة التضعيف؛ لأن التضعيف يدل على التكثير، يقتل أولادهم كثيرًا. وهذا معنى قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ﴾ أي: إناثكم يتركوهن حيات. وفي هذه الآية الكريمة ونظائرها في القرآن سؤال معروف، وهو أن التحقيق في قوله: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ﴾ كأنه بدل من قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: آية ١٤١]

стр. 1940

فتقتيل الأبناء واستحياء النساء هو من نفس سوء العذاب الذي كان يسومهم. ووجه السؤال هو أن يُقال: أما تقتيل الأبناء فكونه من العذاب الذي يسومهم به [فظاهر] (١)، وأما استحياء النساء فمن أين كان يُعد من جملة العذاب الذي يسومهم؛ لأن استحياءها قد يسبق إلى الذهن إنه خير من موتها، وأن بقاء أحد الولدين خير من موتهما جميعًا، والإناث هبة من الله أيضًا، كما قال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: آية ٤٩] فوجه السؤال: كيف عدّ استحياء النساء من جملة العذاب الذي يسومهم، مع أن ترك قتلهم أهون، كما قال (٢): حَمِدْتُ إِلَهِي بَعْدَ عُرْوَةَ إِذْ نَجَا ... خِرَاشٌ وَبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ فما وجه جعل استحياء النساء من جملة العذاب الذي يسومهم؟ هذا وجه السؤال. وأجاب بعض العلماء عن هذا السؤال: بأن استحياء الأُنثى قد يكون خيرًا (٣) [من تذبيح الكل، كما قال الهذلي: حَمِدْتُ إِلَهِي بَعْدَ عُرْوَةَ إِذْ نَجَا ... خِرَاشٌ وَبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ لكن استحياءهم للنساء ها هو من جملة العذاب؛ لأنهم يفعلون ذلك لإعمالهن في الأعمال الشاقة، وليفعلوا بهن ما لا يليق من العار والشنار، ولا شك أن بقاء البنت - وهي عورة - تحت يد

стр. 1941

عدو لا يشفق عليها، ويفعل بها ما لا يليق، ويكلّفها ما لا تطيق أن هذا من سوء العذاب، وقد قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ ... ﴾ الآية [النساء: الآية ٩] (١) وهذا معروف، وقد كان العرب إنما وأدوا بناتهم وفعلوا ذلك الفعل القبيح يخافون أن تبقى بعدهم فيهينها الناس، أو يتزوجها غير الأكفاء، فإهانة البنت وفضيحتها عَذَاب عَلَى وَلِيِّهَا؛ ولذا كان العرب يَتَمَنَّوْنَ الموت لبناتهم خوفًا مِنَ العَار، وخوفًا من الأذيّة والفضيحة والاضطرار لتزويج غير الأكفاء. وهذا كثير معروف في كلامهم، وكان شيخ كبير له بنت تُسمى (مودّة) كان يقول فيها (٢): مَوَدَّةُ تَهْوَى عُمْرَ شَيْخٍ يَسُرُّهُ ... لها المَوْتُ قَبْلَ اللَّيْلِ لَوْ أَنَّهَا تَدْرِي ... يَخَافُ عَلَيْهَا جَفْوةَ النَّاسِ بَعْدَهُ ... وَلَا خَتَنًا يُرْجَى أَوَدُّ مِنَ الْقَبْرِ ولما خُطِبَتْ عند عقيل بن عُلَّثَة المري ابنته الجرباء قال (٣): إِنِّي وَإِنْ سِيقَ إِلَيَّ المَهْرُ ... أَلْفٌ وَعُبدَانٌ وذَوْدٌ عَشْرُ ... أَحَبُّ أَصْهَارِي إِلَيَّ الْقَبْرُ وفي شعر الحماسة (٤): تَهْوَى حَيَاتِي وَأَهْوَى مَوْتَها شَفَقًا ... وَالمَوْتُ أَكْرَمُ نَزَّالٍ عَلَى الحُرَمِ والله يقول في كتابه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا (٩)﴾ [النساء: آية ٩] قال بعض العلماء: هذا وجه كون استحياء النساء من جنس

стр. 1942

العذاب (١)، ولا شك أن الرجل المسلم إذا خُيّر بين أن يقبض الله ابنته إليه ويسترها برحمته وعفوه، وبين أن تبقى تحت يد الكفرة الفجرة يفعلون بها ما يشاءون من الفواحش والعار والعيب والشنار، ويُعملونها بالأعمال الشاقة والخدمة العظيمة والإهانة، أنه يختار لها ما عند الله، أنها تصير إلى الله، وأن بقاءها بعده فيه تعذيب لقلبه، حتى إن الإنسان إذا كانت بناته بعده تجوع أو تعرى يألم من ذلك ويحزن كما قال الحماسي (٢): لقد زَادَ الحياةَ إلي حُبًّا ... بناتي، أنهن من الضِّعَافِ ... فأكره أن يَرَيْنَ البُؤسَ بعدي ... وأنْ يشربن كدرًا بعد صافي ولا سيما التعذيب والفواحش ونحو ذلك والعياذ بالله، وهذا معنى قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾ الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكُم﴾ مرجعها فيه وجهان معروفان (٣): أحدهما: أنها راجعة إلى الإنجاء: أنجيناكم وفي ذلك الإنجاء بلاء، أي: بلاء بالنعمة من الله عظيم عليكم. القول الثاني: أن الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكُم﴾ راجعة إلى ما يسومهم من سوء العذاب من تقتيل الأبناء، وعليه فقوله: ﴿بَلَاءٌ﴾

стр. 1943

[الأعراف: آية ١٤١] أي: بلاء بالشر -والعياذ بالله- عظيم من ربكم. والبلاء يكون بالخير ويكون بالشر كما هو معروف (١)، ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٨]. ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف: آية ١٤٢]. قرأ هذا الحرف عامّة القراء غير أبي عمرو ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى﴾ بألف بين الواو والعين من المواعدة. وقرأه أبو عَمْرٍو وحْدَهُ: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ من غير ألف بين الواو والعين (٢). ومعنى القراءتين واحد. ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى﴾ صيغة الجمع في قوله: ﴿وَوَاعَدْنَا﴾ للتعظيم، كان الله وعد نبيه موسى أنه إن أهلك عدوه وأراح قومه من تعذيب فرعون وإهانته لهم أن الله يُنزل عليه كتابًا فيه شَرْعٌ تَامٌّ، وأوامِرُ ونواهٍ، وشريعة كاملة؛ وذلك الكتاب الموعود به هو التوراة، فلما جاوزوا البَحْرَ جَاءَ وقت الميقات فذهب موسى إلى الميقات، وكان أولاً ثلاثين، وقال لبني إسرائيل: إن الميقات ثلاثون فقط؛ لأنه ما كان يدري عن العشرة التي صار بها أربعين. والمفسرون يقولون: إن سبب العشرة: أن الله وعد موسى ثلاثين ليلة -يقول جماهير من أهل

стр. 1944

التفسير: إنها هي شهر ذي القعدة، أولها من ذي القعدة، وأن العشر الذي تمم بها أربعون: عشر ذي الحجة (١)، وأن إعطاء التوراة كان يوم النحر في اليوم العاشر، انتهاء العشر. يقولون: إن الله لما أراد الميعاد مع موسى واعده ثلاثين ليلة - ليصوم فيها وينقطع للعبادة لمناجاة الله، فلما صام الثلاثين يقول المفسرون (٢): إنه لما صام ثلاثين يومًا أحس بخلوف فمه -خلوف فم الصائم- فاستاك فَغَيَّرَ السواك ريح خلوف الفم، وأن الملائكة قالوا: كنا نشم من فِيك ريح المسك فأفسدته بالسواك، وأنه لما استاك بعد الثلاثين أمَرَهُ الله أن يصوم عشرة أيام أُخَر لأجل أن يرجع له خلوف الفم، ويكون وقت المناجاة عند انتهاء الميقات وفمه فيه خلوف الصائم، وخلوف فم الصائم معروف، وفي الحديث عنه ﷺ : «لخلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» (٣). وهذا معنى قوله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ يصوم أيامها ويَتَعَبَّد هذه المدة قبل المناجاة، وذلك يدل أنه ينبغي العبادات والانقطاع إلى الله قبل مناجاته. ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ ما ذكرنا. ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: آية ١٤٢] بالعشر التي زِيدَتْ على الثلاثين، ومعلوم أن العشر إن زيدت على الثلاثين صارت أربعين كما قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ

стр. 1945

كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: آية ١٩٦] وبعضهم يقول (١): نصّ على الأربعين لئلا يتوهم مُتَوَهِّمٌ أَنَّ الثلاثين تُمِّمَتْ بِعَشْرٍ من الثلاثين، بل بين أنها تُممت بشيء زائد على الثلاثين، وهذا معنى قوله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ ليصومها ويتعبد فيها فيناجيه الله وينزل عليه الكتاب المعروف التوراة ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ للسبب الذي ذكرنا ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: آية ١٤٢] يقولون: إن انتهاءها عاشر ذي الحجة، وأن الله أنزل عليه التوراة في عشر ذي الحجة. قال بعض العلماء (٢): هذه الآية الكريمة يؤخذ منها بعض الأحكام: وهي أن ضرب التأجيل وتحديد المُدة للميعاد ونحوه أنه أمر معروف قديم، فيدل على ضرب الأجل، والتحديد بثلاثين أو أربعين لموعد ونحو ذلك كدين أو غيره مما يحتاج إلى الآجال. وقال جماعة من العلماء (٣): هذه الآية من سورة الأعراف دَلَّت على أن التاريخ بالليالي لا بالأيام، وذلك هو المقرر في فَنِّ العربية كما دلت عليه هذه الآية أن التاريخ بالليالي لا بالأيام، فتقول: وقع هذا لكذا وكذا ليلة. ولا تقول: لكذا يومًا. فالتاريخ بالليالي؛ لأن الليالي أوائل الشهور وهي سابقة للأيام، فالتاريخ بها لا بالأيام، وهذه الآية نص صريح في ذلك؛ لأن الله قال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ ولم يقل: ثلاثين يومًا. وقال: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ حذف منها التاء ولم يقل: «بعشرة»؛ لأن الليالي مؤنَّثَة، ولو أراد الأيام لقال: «بعشرة». بالتاء كما هو معروف في محله، وهذا معنى

стр. 1946

قوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ الميقات: (مِفْعَال) من الوقت، أي: الزمان المؤقت لهذه المناجاة وإعطاء هذا الكتاب العظيم الذي هو التوراة ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: آية ١٤٢] أي: ولمّا تم ذلك الميقات ناجاه الله وكلمه الله. وسيأتي تكليمه له قريبًا في الآيات الآتية، وأعطاه التوراة كما سيأتي موضحًا في هذه السورة الكريمة، ولما أراد موسى أن يغيب عن قومه وكّل أخاه هارون على قومه؛ لأن موسى هو الذي نُبئ وأُرسل أولاً، وهو الذي شفع لأخيه في الرِّسَالة فكأنه هو الأصل في هذا كله، وهارون إنما نَبَّأَهُ اللهُ لمّا سَأَلَهُ موسى ذلك كما في قوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦)﴾ [طه: آية ٣٦] لما أراد السفر إلى الميقات للمناجاة قال: يا هارون ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ معنى ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ أي: كن خليفتي فيهم ﴿وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: آية ١٤٢] يعني: أصلح كل ما يحتاج إلى الإصلاح من أمرهم، وإذا رأيت من يريد الفساد كمن يريد عبادة العجل لا تتبع سبيله، بل كن على الإصلاح دائمًا، كن خليفتي فيهم وافعل فيهم ما كنت أفعل، وكن مصلحًا كل ما يحتاج إلى الإصلاح، ولا تتبع سبيل من أراد الفساد. هذه وصية موسى لأخيه هارون لما أراد السفر، ولما عجل عن قومه، وجاء ربه للميقات، وسأله ربه عن سبب عجلته عنهم ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ [طه: الآيتان ٨٣، ٨٤]. ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي

стр. 1947

فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٤٣، ١٤٤]. يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ [الأعراف: آية ١٤٣]. (لما) هذه هي التي تربط شرطًا بجزاء، وقد قدمنا أن علماء العربية اختلفوا فيها: هل هي حرف أو اسم؟ (١). ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى﴾ نبي الله موسى بن عمران ﴿لِمِيقَاتِنَا﴾ أي: جاء للوقت الذي حددناه له للميعاد للمناجاة وإعطاء التوراة بعد انتهاء الأربعين يومًا كما تقدم إيضاحه، كما تقول: جاءني فلان لستة خلون من شهر كذا، لما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه وسمع كلام الله (جل وعلا) اشتاق موسى إلى رؤية الله لما كلَّمه الله، قال موسى لربه: ﴿أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ (رب) أصله: يا ربي، حُذفت أداة النداء، وحُذفت ياء المتكلم اكتفاء عنها بالكسرة. وحَذْفُ ياء المتكلم إحدى اللغات الخمس المشهورة في المنادى إن كان صحيح الآخر، مضافًا إلى ياء المتكلم كما هو معروف في محله (٢). وقوله: ﴿أَرِنِي﴾ قرأ هذا الحرف جماهير القراء منهم السبعة غير ابن كثير وأبي عمرو ﴿أَرِنِي﴾ بكسر الراء كسرة تامة. وقرأ هذا

стр. 1948

الحرف ابن كثير والسوسي عن أبي عمرو: ﴿أرْني أنظر إليك﴾ بسكون الراء. وقرأه الدوري عن أبي عمرو بكسرة مُختلسة. فتحصَّل أن جميع القراء غير ابن كثير، وأبي عمرو قرءوا: ﴿أَرِنِي﴾ بكسرة تامة، وأن ابن كثير قرأ بسكون الراء، وكذلك قرأه السوسي عن أبي عمرو، وقرأ الدوري عن أبي عمرو بكسرة مُختلسة (١) -وقد قدمنا- بأن هذه القراءات في: ﴿أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ هي بعينها في قوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: آية ١٢٨]. وفي إسكان الراء في القراءة السبعية إشكال، فلطالب العلم أن يقول: ما وجه إسكان الراء ﴿أرْني أنظر إليك﴾ في قراءة ابن كثير والسوسي عن أبي عمرو؟ والجواب عن هذا السؤال: أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن أنها ربما اعتبرت العين كأنها لام، وكانت العين وراءها حرف لين محذوف لأمر أو لجزم - مثلاً - فتتخيل العرب العين كأنها اللام وتُنزّلها منزلة الحرف الأخير فتسكنها، ونظير هذا في القراءات: قراءة حفص في سورة النور (٢): قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: آية ٥٢] بسكون القاف، قوله: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ كقوله هنا: ﴿أرْني﴾ في قراءة ابن كثير والسوسي، وهذا معروف في كلام العرب، ومن أساليب اللغة أن العين المتحركة إذا كانت بعدها لام محذوفةٌ حرف علّة أنهم ربما اعتدوا بالعين فتخيلوا أنها اللام فسكنوها للأمر، وعليه قراءة: ﴿ويخش الله ويتقْه﴾ وقوله:

стр. 1949

﴿أرْنا مناسكنا﴾ [البقرة: آية ١٢٨] ﴿أرْني أنظر إليك﴾ ونظيره من كلام العرب قول الشاعر (١): أَرْنَا إِداوَةَ عبد الله نَمْلَؤُهَا ... من ماءِ زَمْزَمَ إن القومَ قد ظَمِئُوا وقول الآخر (٢): وَمَنْ يَتَّقْ فَإِنَّ اللهَ مَعْهُ ... فَرِزْقُ اللهِ مُؤْتَابٌ وغَادِ ومن شواهده المشهورة قول الراجز (٣): قَالتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقا ... وهَاتِ خُبزَ البُّرِّ أَوْ دَقِيقَا ... لَوْ كُنْتُ يَا سَلْمَى لِذَا مُطِيقا ... مَا كَانَ عَيْشِي عِنْدَكُمْ طَمِيقَا فقوله: «اشتر» أصله: (اشتري) وهو كقوله: ﴿أَرِنَا﴾ في القراءة المذكورة، وهذا معنى قوله: ﴿أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾. قال بعض العلماء: مفعول (أرني) الثاني محذوف (٤). أي: أرني نفسك أنظر إليك، والفعل المضارع مجزوم بجواب الطلب، فقد قدمنا أن علماء العربية (٥) يقول جماعة منهم: إن المضارع المجزوم في جواب الطلب مجزوم بشرط محذوف؛ أي: إن تُرني أنظر إليك. ولما قال موسى هذا وسأل ربه أن يُريه ينظر إليه، طلب الله النظرَ إليه (جل وعلا)، قال الله مجيبًا لموسى: ﴿لَن

стр. 1950

تَرَانِي﴾ [الأعراف: آية ١٤٣] (لن) هنا حرف نفي ﴿لَن تَرَانِي﴾ يعني: لن تراني في هذه الدار الدنيا كما سنوضحه قريبًا إن شاء الله، والمعنى: أنت أضعف يا موسى من أن تقدر على رؤية خالق السماوات والأرض؛ لأن شأنه أعظم وأمره أكبر وأجلّ من أن يقدر على رؤيته أحد في الدنيا؛ لأن الناس في الدنيا مركّبون تركيبًا لا يبلغ غاية القوة، معرضون للموت والهلاك، فأنت بهذه الدار لا تقدر أن ترى رب السماوات والأرض، وهذا هو التحقيق في الآية كما سنوضحه إن شاء الله. ثم إن الله كأنه يقول له: هذا الجبل لا شك أنه أقوى منك وأصلب، فهو إذن سأتجلى له، فإنْ تحمّل الجبل رؤيتي وتجلِّيّ له فأنت يمكن أن تقدر وَسَتَرانِي، وإن عجز الجبل عن ذلك -صار دكًّا وصار فتاتًا ترابًا- علمتَ أن الشيء الذي يدك الجبال لا يقدر عليه الدم واللحم منك يا موسى، وهذا معنى قوله: ﴿لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ مع قوته وصلابته ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ وتحمّل تجلّيّ له فيمكن أن تراني، وإن صار الجبل فتاتًا فالذي يدك الجبال لا تقدر عليه أنت يا موسى، فأنت أضعف من أن تتحمل ذلك، وهذا معنى قوله: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ جاء في حديث عند الحاكم (١) أن الله كشف من نوره شيئًا قليلاً بقدر بعض

стр. 1951

الخنصر، فلما كَشَفَهُ وظهر للجبل صار الجبل دكًّا، اندك الجبل حَتَّى استوى بالتراب، وصار ترابًا. ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ الصحيح أن معنى قوله: ﴿صَعِقًا﴾: مغشيًّا عليه، خلافًا لقتادة القائل: (خَرَّ صعقًا) أي: ميتًا (١). وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن معنى (صعقًا): مغشيًا عليه، وهي قوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ لأن الإفاقة من الغشية والموت يقال: بعثه بعد الموت. لا أفاق بعد غشيته منها. وهذا معنى قوله: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قرأ هذا الحرف عامّة القراء غير حمزة والكسائي ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ مصدر بمعنى اسم المفعول، وقرأه حمزة والكسائي: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكَّاءَ وخر موسى صعقًا﴾ (٢). أما على قراءة الجمهور: صار الجبل دكًّا، أي: مدكوكًا (٣)، والدكّ: أصله طحن الجبال، فطحنه الله. قال بعضهم: حتى استوى

стр. 1952

بالتراب وصار فتاتًا ترابًا لعظمة رب العالمين (جل وعلا). فتبين لموسى أن الله لو تجلى له -يعني- لما أطاق ذلك؛ ولأن ما فتت الجبال لا يقدر على حمله موسى، هذا معنى الآية. ومَعْلُوم أنَّ المُعْتَزِلة والخوارج وبعض الضُلَاّل يستدلون بهذه الآية من سورة الأعراف على أن رؤية الله مستحيلة بتاتًا في الدنيا والآخرة، ويزعمون أن (لن) في قوله: ﴿لَن تَرَانِي﴾ [١٨/ب] أنها للنفي المؤبد في المستقبل/ وأنها تنفي الرؤية مستقبلاً بتاتًا في الدنيا والآخرة، وأن موسى تاب إلى الله من هذا الطلب، حيث قال: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ (١). والتحقيق الذي لا شك فيه الذي يجب على كل مسلم اعتقاده في شأن رؤية الله (جل وعلا) أنها بدار الدنيا جائزة عقلاً غير واقعة شرعًا، أما جوازها عقلاً فمن أعظم الأدلة عليه: أن نبي الله موسى طلبها من ربه، ولا يخفى على موسى الجائز عقلاً من المستحيل عقلاً، فمن المحال الباطل أن يكون نبي الله موسى يجهل المستحيل بحق الله ويعلمه أشياخ القدرية الجهلة الضُّلال!! أشياخ المعتزلة الجهلة الضُّلاّل!! هذا مما لا يكون ولا يقع!! فقول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ يدل على أن رؤية الله في دار الدنيا جائزة عقلاً، والذي منع منها عجز الآدميين عن تحمُّلها؛ لأن الله لما تجلى للجبل انْدَكَّ الجبل، فما بالك باللحم والدم؟! فهي في دار الدنيا جائزة عقلاً، وأما في الآخرة فلا شك أنها واقعة، ومن أنكرها فهو

стр. 1953

ملحد في دين الله، ضال مُضل منابذ للسنة المتواترة والقرآن العظيم. فلا شك أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، وقد جاءت آيات تدل على ذلك كقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: الآيتان ٢٢، ٢٣] وقوله: ﴿كَلَاّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: آية ١٥] يفهم من دليل خطابه -أعني مفهوم مخالفته- أن المؤمنين ليسوا يومئذ محجوبون عند ربهم، وقد استحسن العلماء استدلال الإمام الشافعي ﵀ بهذه الآية على رؤية الله يوم القيامة (١)، أما الأحاديث فَحَدِّثْ ولا حَرَج، فقد تواترت الأحاديث الصحاح في الصحيحين وغيرهما من السنن والمسانيد والأجزاء عن نحو من عشرين صحابيًّا كرامًا فضلاء عن النبي ﷺ أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، ولا يكاد ينازع من له إنصاف، في تواتر أحاديث رؤية الله يوم القيامة (٢). وجاء في الصحيحين وغيرهما [أحاديث كثيرة تدل على ذلك، وقد] (٣) روى رؤية الله يوم القيامة عن النبي ﷺ نحوٌ مِنْ عِشْرِين صحابيًّا، والأحاديث في ذلك متواترة مشهورة منها: «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ عَيانًا» «هَلْ تُضارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ؟ هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَذَلِكَ» (٤) «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ اللهَ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ» وأحاديث الرؤية صحيحة

стр. 1954

متواترة لا يطعن فيها إلا ملحد، والمعتزلة يحاولون دفعها، وهي لا تُدفع بالتأويلات الباطلة، والكلام الذي لا طائل تحته، فتحصّل أن التحقيق أن رؤية المؤمنين لربهم أنها في دار الدنيا جائزة عقلاً، وأنها في الآخرة واقعة شرعًا، فهي في دار الدنيا جائزة عقلاً غير واقعة شرعًا، وفي الآخرة واقعة شرعًا بلا نزاع ممن يُعتد به لتصريح النبي ﷺ بذلك في الأحاديث المتواترة. وما استدل به المعتزلة على استحالة رؤية الله: أما الأدلة العقلية التي يزعمون فكلها فلسفات باطلة لا طائل تحتها، كزعمهم أن رؤية الله تستلزم الجهة، وأن ذلك محال، وتستلزم أنواعًا من المقابلات، وأن كل ذلك محال، وأنهم يقولون: لو خيلنا أن بين العبد وربه حين

стр. 1955

يراه شكلاً مثلثًا، فشعاع العين الذي يمشي مع المستقيم يسبق إليه (جل وعلا) قبل الذي يمشي مع الزاوية المنفرجة فيسبق هذا هذا، وهذا محال. وهو كلام كله باطل وضلال لا طائل تحته!! وما استدلوا به من قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ فقد أجاب العلماء عنه بأن المنفي بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: آية ١٠٣] الإدراك المشعر بالإحاطة، أما مطلق الرؤية فليس هو المنفي في ذلك، بدليل قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: الآيتان ٢٢، ٢٣] فما يدّعونه من الاستحالات العقلية لا طائل تحته. وما تمسكوا به مِنَ النَّقْلِ لا حُجَّةَ لهم فيه، والتحقيق الذي لا شك فيه أنَّ المؤْمِنين يرون ربهم يوم القيامة لا يضارون في ذلك، كما صرّح به الصادق المصدوق، ورواه عنه نحو عشرين صحابيًّا من أصحابه ﵃. هذا هو التحقيق في هذا المقام. وقول المعتزلة: «إن (لن) حرف نفي يدل على نفي الشيء للمستقبل نفيًا باتًّا» هو كذب أيضًا، وتَقَوَّلٌ على اللغة العربية بما ليس منها!! والذي دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّة العَرَبِيَّةِ الواردة في القرآن الذي هو في الطرف الأعلى من الفصاحة والإعجازات على أن قول المعتزلة هذا بأن (لن) إنها للنفي في المستقبل نفيًا أبديًّا باتًّا هذا باطل كذب. وقد دلت ثلاث آيات من كتاب الله على كذب هذا القول، وأنه ليس بصحيح: إحداها: أن (لن) لو كانت نصًّا صريحًا في النفي المستقبل الباتّ الأبدي لما جاز تقييد نفيها في يوم ولا ظرف معين، وقد جاء

стр. 1956

بالقرآن تقييد نفيها بيوم معين، في قوله: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: آية ٢٦] لو كان نفي (لن) للكلام نفيًا مؤبدًا إلى يوم القيامة لكان قول مريم مناقضًا لذلك التأبيد كما ترى. الموضع الثاني: أن (لن) لو كانت تقتضي التأبيد الأبدي لما كان الله يقول بعد نفيها (أبدًا)، لأن لفظة (أبدًا) تكون تكرارًا مع التأبيد الذي دلت عليه (لن) كقوله: ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: آية ٩٥] لأن قوله: ﴿أَبَدًا﴾ على زعم المعتزلة يكون تكرارًا مع النفي الأبدي الذي زعموا أنه تدل عليه (لن) فلما قال الله بعد نفيها: ﴿أَبَدًا﴾ عرفنا أنهم كاذبون في ذلك. الموضع الثالث: أن (لن) لو كانت تدل على النفي المؤَبَّد البات إلى الأبَدِ لما جاز أن يوقّت نفيها بغاية معينة، وقد جاء في القرآن أن الله غيَّا نفيها بغاية معينة، وكونه غيّاه بغايَة معينة يناقض أنه إلى الأبد، كما في قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ قوله: ... ﴿حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: آية ٨٠] قَصْرُ هذا النفي على وقت الإذن ينافي كون (لن) هي نصّ في النفي البات كما ترى، فتبين من هذا أن قول المعتزلة: إن (لن) للنفي المستقبل البات الأبدي ولو فرضنا أن العربية تساعدهم على ما يقولون - فرض جدل - لما كان لهم في ذلك حجة؛ لأن النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق - بيّن في الأحاديث الصحيحة المتواترة أن نفي ﴿لَن تَرَانِي﴾ منقطع يوم القيامة، فصرح بأنهم يرونه يوم القيامة كما لا يخفى، وهذا معنى قوله: ﴿لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾. قرأ هذا الحرف من السبعة: عاصم وأبو عمرو وحمزة:

стр. 1957

﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ بكسر نون (لكن) على قاعدة التخلّص من التقاء الساكنين. وقرأه باقي السبعة: ﴿ولكنُ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ﴾ بضم النون إتْباعًا لضمة الراء كما هو معروف (١). ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ﴾ الجبل ﴿مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ أي: ظهر (جل وعلا) وكشف نوره للجبل انهد الجبل، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مدكوكًا، قال بعض العلماء: رفاتًا ترابًا مختلطًا بالأرض. وعلى قراءة حمزة والكسائي: ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ (٢) [الأعراف: آية ١٤٣] كأنه شبهه بالناقة الدكَّاء، والعرب تقول: ناقة دكَّاء، وجبل أَدَكّ. فالناقة الدكَّاء هي التي لا سنامَ لها؛ أي: لا ارتفاع في ظهرها، فظهرها كله مستو غير مرتفع، فكانت أرض الجبل كأنها لا ارتفاع فيها، وأنها دكّاء مستوية بالأرض، خلافًا لبعضهم القائل: إن دكَّاء مرادها: المرتفعة عن الأرض قليلاً كالدكة، وعلى كل حال فالله (جل وعلا) لما تجلَّى للجبل دك الجبل وأزاله وكسَّره، وصار رُفاتًا لعظمة خالق السماوات والأرض على القراءتين: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ ﴿جعله دكَّاء﴾. ﴿وَخَرَّ موسَى صَعِقًا﴾ خرّ نبي الله موسى من شدة الخطب الذي دك الجبل، خرّ في حال كونه صعقًا، أي: مغشيًّا عليه، خلافًا لقتادة القائل: ميتًا، وأن الله أحياه.

стр. 1958

وقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ أي: نبي الله موسى أفاق من غشيته قال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ (سبحان) كلمة تدل على التنزيه. معناه: تنزيهًا لك عن كل ما لا يليق بكمالك وجلالك (١)، وهذه الكلمة أعربها الشيخ سيبويه بأنها مصدر منصوب بفعل يُحذف دائمًا (٢)، أي: أُسبحك سبحانك. أي: تسبيحًا أنزهك عن كل ما لا يليق بكمالك وجلالك. ولفظة (سبحان) ملازمة للإضافة إلى المفرد، وسُمع نادرًا إتيانها غير مضافة، ومنه قول الأعشى: في شعره بالمنافرة بين علقمة بن عُلاثة وعامر بن الطفيل المشهورة (٣): فَقُلْتُ لمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ وهذا معنى قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهًا لك عما لا يليق بكمالك وجلالك، ومن ذلك أن يَتَحَمَّلَ أحد رؤيتك في دار الدنيا، فإن عَظَمَتَكَ تدكّ الجبال. وقال بعضهم: قوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ لأن موسى تجرّأ على سؤال الرؤية من غير إذن (٤)، وقد كان يظن أن قدرته تتحملها، فالذي جهله موسى هو مدى قدرة نفسه، أما ما يجوز في الله وما يستحيل فلا يجهله نبي الله موسى كما هو معروف. ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأ هذا الحرف عامّة القراء غير نافع: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من

стр. 1959

غير مدّ النون. وقرأه نافع وحده: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنآ أَوَّلُ المؤْمِنِينَ﴾ (١). قال بعض العلماء (٢): أول المؤمنين من بني إسرائيل. وقال بعضهم: أول المؤمنين بأن البشر لا يقدرون على رؤيتك في دار الدنيا. هكذا قاله بعضهم (٣)، والله أعلم. هذا معنى قوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال الله ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ قرأه بعض السبعة: ﴿إنّيَّ اصْطَفَيْتُكَ﴾ (٤) اصطفيتك: معناه: اخترتك. والطاء مبدلة من تاء الافتعال؛ لأن المقرر في فن الصرف: أن تاء الافتعال إذا جاءت بعد حرف من حروف الإطباق أُبدلت طاءً كما هو معروف في محله (٥). والاصطفاء معناه: الاختيار. أي: اخترتك على الناس ﴿بِرِسَالَاتِي﴾. قرأ هذا الحرف جمهور القراء غير نافع وابن كثير: ﴿بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ بصيغة الجمع المؤنث السالم، وقرأه من السبعة نافع وابن كثير: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِي﴾ بالإفراد (٦)،

стр. 1960

ومعنى القراءتين واحد؛ لأن الرسالة أُضيفت إلى معرفة فهي تعم، وتكون بمعنى الجمع كما هو معروف. ﴿بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ الذي كلمتك به ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾. ﴿مَا آتَيْتُكَ﴾ وهو التوراة. يعني: خذها كما يأتي: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: آية ١٤٥]. ﴿وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٤٤] لله على هذه النعم العظام حيث كلمك، وأهلك عدوك، وكتب لك هذا الكتاب العظيم الذي هو التَّوْرَاة. وقوله: ﴿مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ الشاكرون جمع الشاكر، وهو اسم فاعل الشكر، وقَدْ قَدَّمْنَا مرارًا (١) أن الشكر في لغة العرب: الظهور، ومنه: (ناقة شكور) يظهر عليها السِّمَن، و (الشكير): الغصن الذي يظهر في الجذع الذي كان مقطوعًا، كما هو معروف. والشكر في القرآن يطلق من الرب لعبده، ومن العبد لربه، كما قال في شكر الرب لعبده: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: آية ١٥٨]، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: آية ٣٤] ومعنى شكر الرب لعبده: هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل. ويُطْلِق الشكر من العبد لربه كقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: آية ١٣] ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: آية ١٤] وضابط شكر العبد لربه: هو أن يصرف نعمته بما يرضيه.

стр. 1961

اعلموا -أيها الإخوان- أن شكر خالقنا واجب علينا (١)، فهذه العيون التي فتح الله في أوجهكم من أعظم نعمه عليكم، فمِن شُكْرِها: أن لا تنظروا بهذه العيون إلا ما يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا وتَفَضَّلَ عَلَيْكم بها، أما النَّظَرُ في المحرَّمَات فلا ينبغي للعبد أن يَسْتَعْمِلَ نِعْمَةَ اللهِ فيما يغضب الله ويسخطه، فهذا أمر فظيع شنيع!! منّ الله عليكم بهذه الأيدي، وفرّق أصابعها، وأبعد إبهامها من الأصابع ليمكنكم العقد والحل، وشد رؤوسها لكم بالأظفار، فَشُكْر هذه الأيدي: ألا تبطشوا بها، ولا تتناولوا بها إلا ما يرضي مَنْ خَلَقَهَا وامْتَنَّ عليكم بها، وهكذا في سائر الأعضاء والجوارح، والجاه والمال، وغير ذلك، فلا تستعينوا على سخط الله بنعم الله، بل اشكروا لله نعمه، واصرفوا نعمه فيما يُرْضِيهِ، واعلموا أنَّ مِنْ أَقْبَحِ القبائح وأرْذَلِ الرذائل أن يكون العبد الضعيف الحقير يمُنّ عليه خالق السماوات والأرض (جل وعلا) مع عظمته وجلاله بنعمه ثم إنه يصرف نعمه فِيمَا يغضبه ويسخطه!! هذا مِنْ أقْبَحِ الأفْعَالِ وأخَسِّهَا، ومَنْ لَهُ عَقْلٌ يستحيي مِنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلكَ. واعلموا أن مادة (الشكر) تتعدى إلى النعمة بنفسها بالإجماع، كقوله: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل: آية ١٩] أما تعدي مادة (الشكر) إلى المنعم فاللغة الفصحى أنها تتعدى باللام، وبالغ قوم من علماء العربية فقالوا: لا يجوز تعديها بنفسها (٢)، وهذا إفراط شديد!! فمثلاً لو قلت: نحمد الله ونشكره. هذا لا ينبغي أن يُقال!! وليس هو الأولى. وزعم بعضهم أنه لا يجوز. فيقول: نحمد

стр. 1962

الله ونشكر له. ولا يقول: ونشكره. ومن ادعى أن: (ونشكره) وأن تعدي مادة الشكر إلى المفعول الذي هو المنعم بنفسها لا يجوز؛ خلاف التحقيق. والحق الفصل الذي لا شك فيه في هذا المقام: أن اللغة الفصحى أن تتعدى إليه باللام لا بنفسها، وأن تقول: نحمد الله ونشكر له. هذه اللغة الفصحى بلا نزاع. وهي لغة القرآن، يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: آية ١٤] ولم يقل: أن اشكرني. ويقول: ﴿وَاشْكُرُواْ لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: آية ١٥٢] ولم يقل: واشكروني. أما قولهم: إن مثل قوله: (أحمده وأشكره) أنه لحن لا يجوز. فليس بصواب، بل (أشكره) لغة مفضولة، و (أشكر له) هي اللغة الفصحى، وقد جاء عن العرب أنهم يُعَدُّونَ -مثلاً- الشكر إلى المنعم بلا واسطة الحرف، وهو متبوع في كلامهم، ومن أمثلته في كلامهم قول أبي نخيلة (١): شَكَرْتُكَ إِنَّ الشُكْرَ حَبْلٌ مِنَ التُّقَى ... وَمَا كُلُّ من أَوْلَيْتَهُ نعمةً يَقْضِي ولم يقل: شكرت لك. وإنما قال: شكرتك. ومنه بهذا المعنى قول جميل بن معمر (٢): خَلِيْلَيَّ عُوجَا اليومَ حتى تُسَلِّمَا ... على عَذْبَةِ الأَنْيَابِ طَيِّبَةَ النَّشْرِ فإنكُما إنْ عُجْتُمَا ليَ ساعةً ... شكرتُكُمَا حتى أُغَيَّبَ في قبري فإنه عربي قح، وقد قال: شكرتكما. ولم يقل: شكرت لكما.

стр. 1963

وقول الله في هذه الآية: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: آية ١٤٤] صفة الكلام هي التي جاء بها الذين يبحثون عن الكلام (١)، وجاءوا ببلايا، وجاءوا بعلم الكلام، وغيّروا عقائد الناس، وجاءت البلايا من ذلك الوقت لما دخل علم الكلام في المسلمين، وصاروا يحكِّمون العقل في صفات الله تعالى، وينفون الصفات بالتأويلات، بزعمهم أن العقل يمنعها، جاء من ذلك شر كبير، ومصدر هذا الشر الكبير، عسى الله أن يعفو عن المأمون فيه؛ لأنه هو أول من ترجم الكتب اليونانية، وكان منها هذه المقاييس المنطقية، وقد قدمنا لكم مرارًا (٢) أن الطريق الأحوط الذي يُنجي المسلم ويخلصه من القيل والقال والبلايا كلها حتى يلقى الله سالمًا على أساس صحيح في نور القرآن العظيم هو أن يلتزم الأسس الثلاثة التي أكثرنا من تكرارها في هذه الدروس، ونحن كررناها قصدًا لشدة الحاجة إليها، وكثرة من غفل عنها من المتعلِّمين، وقد بيّنا لكم مرارًا أَنَّ مَنْ أرَادَ مِنْكُمْ أن يلقى الله سالمًا ويتخلص من هذا المأزق في آيات الصفات؛ كصفة الكلام، وصفه اليد، والاستواء وجميع الصفات أن يبنيه على ثلاثة أُسس: أولها: وهو أساس العقيدة الصحيحة: تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة خلقه في شيء من ذواتهم أو صفاتهم أو أفعالهم. والخلق صنعة، وهو (جل وعلا) صانعها، والصنعة لا تشبه صانعها لا في ذاته، ولا في فعله، ولا في صفته. فإذا

стр. 1964

استقر هذا الأساس الأعظم في القلوب وطهرت من أقذار التشبيه، وغلب عليها تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة خلقه سهل عليها. الأساس الثاني: وهو أن تؤمن بصفات الله الثابتة في كتابه وسنة رسوله الصحيحة ﷺ إيمانًا مبنيًّا على أساس ذلك التنزيه. ونحن نكرر لكم مرارًا أن هذا التعليم ما قلناه من تلقاء أنفسنا، لا والله وكلا، ولكنا نقوله في ضوء المحكم المُنَزَّل، كلام رب العالمين؛ لأنه أوضح هذا إيضاحًا شافيًا لا يترك في الحق لبسًا، وذلك أنه لما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أتبعه بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فجميع الحيوانات تبصر -ولله المثل الأعلى- فكأن الله يقول لك في هذه الآية: يا عبدي لا تتنطع وكن عاقلاً، ولا تذهب بصفتي إلى صفة خلقي فتكون مشبهًا، وتضطر إلى التأويلات والبلايا، بل لاحظ في إثبات الصفات أني لا مثيل لي ولا نظير، وأَثْبِتْ لِي صِفَاتِي عَلَى ذلك الشَّرْط المُعَيَّن؛ ولذا جاء بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ بعد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: آية ١١] أي: أثبت لي سمعي وبصري، ولا تذهب بهما إلى مشابهة أسماع الخلق وأبصارهم، بل أثبتهما على أساس ما ذكرتُ قبلهما، وهو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فتثبت له سمعه وبصره على أساس التنزيه والتقديس والتكريم عن مشابهة صفات المخلوقين، فتكون أولاً مُنزّهًا، وثانيًا مُثْبِتًا على أساس التنزيه، وإن جئت يوم القيامة لا يأتيك لوم ولا توبيخ من أنك نزهت الله، والله لا يقول لك الله: لِمَ كنت تنزهني في دار الدنيا عن مشابهة خلقي؟ لا، أبدًا. هذا طريق سلامة محقق. ولا يقول لك: لِمَ كنت تصدقني في صفاتي التي مدحت بها نفسي وأثنى عليَّ بها

стр. 1965

رسولي ﷺ وعليك أن تقف عند حدّك (١). هذا ذكرناه مرارًا مطولاً ومختصرًا، فعلينا أن ننزّه خالقنا عملاً بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء﴾ ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: آية ٤] ﴿فَلَا تَضْرِبُواْ للهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: آية ٧٤] وعلينا أن نُصَدِّقَهُ بما وصف به نفسه، ولا نقول: هذا نص يوهم غير اللائق!! فنثبت: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ على أساس: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء﴾ [الشورى: آية ١١] ولا نقول: هذا نص يوهم غير اللائق؛ لأن الحيوانات تسمع وتبصر فنؤوّله!! لا نفعل ذلك، ونقف عند حدّنا ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاُ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: آية ١١٠] ونعلم أن الله وصف نفسه بأنه كلم موسى، وأكد ذلك التكليم في سورة النساء بالمصدر في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: آية ١٦٤] يجب علينا أن نعلم أن الكلام صفة الله الأزلية، وأنه لم يَتَجَرَّدْ يومًا ما عن أنه متكلِّم، وأنه في كل يوم يتكلم بما شاء، كيف شاء، على الوجه اللائق بكلامه وجلاله المنزّه عن مشابهة كلام المخلوقين من جميع الجهات، ونُمِرُّه كما جاء مع تنزيه الله وتعظيمه، ولا نأتي بشيء من المحالات والبلايا. وهنا للمتكلمين ضلالات طويلة، وكلام باطل طويل في الكلام لا يسعه هذا المقام. [١٩/أ] / ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا
следующие страницы →