← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

اعلموا -أيها الإخوان- أن شكر خالقنا واجب علينا (١)، فهذه العيون التي فتح الله في أوجهكم من أعظم نعمه عليكم، فمِن شُكْرِها: أن لا تنظروا بهذه العيون إلا ما يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا وتَفَضَّلَ عَلَيْكم بها، أما النَّظَرُ في المحرَّمَات فلا ينبغي للعبد أن يَسْتَعْمِلَ نِعْمَةَ اللهِ فيما يغضب الله ويسخطه، فهذا أمر فظيع شنيع!! منّ الله عليكم بهذه الأيدي، وفرّق أصابعها، وأبعد إبهامها من الأصابع ليمكنكم العقد والحل، وشد رؤوسها لكم بالأظفار، فَشُكْر هذه الأيدي: ألا تبطشوا بها، ولا تتناولوا بها إلا ما يرضي مَنْ خَلَقَهَا وامْتَنَّ عليكم بها، وهكذا في سائر الأعضاء والجوارح، والجاه والمال، وغير ذلك، فلا تستعينوا على سخط الله بنعم الله، بل اشكروا لله نعمه، واصرفوا نعمه فيما يُرْضِيهِ، واعلموا أنَّ مِنْ أَقْبَحِ القبائح وأرْذَلِ الرذائل أن يكون العبد الضعيف الحقير يمُنّ عليه خالق السماوات والأرض (جل وعلا) مع عظمته وجلاله بنعمه ثم إنه يصرف نعمه فِيمَا يغضبه ويسخطه!! هذا مِنْ أقْبَحِ الأفْعَالِ وأخَسِّهَا، ومَنْ لَهُ عَقْلٌ يستحيي مِنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلكَ. واعلموا أن مادة (الشكر) تتعدى إلى النعمة بنفسها بالإجماع، كقوله: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل: آية ١٩] أما تعدي مادة (الشكر) إلى المنعم فاللغة الفصحى أنها تتعدى باللام، وبالغ قوم من علماء العربية فقالوا: لا يجوز تعديها بنفسها (٢)، وهذا إفراط شديد!! فمثلاً لو قلت: نحمد الله ونشكره. هذا لا ينبغي أن يُقال!! وليس هو الأولى. وزعم بعضهم أنه لا يجوز. فيقول: نحمد

стр. 1962

الله ونشكر له. ولا يقول: ونشكره. ومن ادعى أن: (ونشكره) وأن تعدي مادة الشكر إلى المفعول الذي هو المنعم بنفسها لا يجوز؛ خلاف التحقيق. والحق الفصل الذي لا شك فيه في هذا المقام: أن اللغة الفصحى أن تتعدى إليه باللام لا بنفسها، وأن تقول: نحمد الله ونشكر له. هذه اللغة الفصحى بلا نزاع. وهي لغة القرآن، يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: آية ١٤] ولم يقل: أن اشكرني. ويقول: ﴿وَاشْكُرُواْ لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: آية ١٥٢] ولم يقل: واشكروني. أما قولهم: إن مثل قوله: (أحمده وأشكره) أنه لحن لا يجوز. فليس بصواب، بل (أشكره) لغة مفضولة، و (أشكر له) هي اللغة الفصحى، وقد جاء عن العرب أنهم يُعَدُّونَ -مثلاً- الشكر إلى المنعم بلا واسطة الحرف، وهو متبوع في كلامهم، ومن أمثلته في كلامهم قول أبي نخيلة (١): شَكَرْتُكَ إِنَّ الشُكْرَ حَبْلٌ مِنَ التُّقَى ... وَمَا كُلُّ من أَوْلَيْتَهُ نعمةً يَقْضِي ولم يقل: شكرت لك. وإنما قال: شكرتك. ومنه بهذا المعنى قول جميل بن معمر (٢): خَلِيْلَيَّ عُوجَا اليومَ حتى تُسَلِّمَا ... على عَذْبَةِ الأَنْيَابِ طَيِّبَةَ النَّشْرِ فإنكُما إنْ عُجْتُمَا ليَ ساعةً ... شكرتُكُمَا حتى أُغَيَّبَ في قبري فإنه عربي قح، وقد قال: شكرتكما. ولم يقل: شكرت لكما.

стр. 1963

وقول الله في هذه الآية: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: آية ١٤٤] صفة الكلام هي التي جاء بها الذين يبحثون عن الكلام (١)، وجاءوا ببلايا، وجاءوا بعلم الكلام، وغيّروا عقائد الناس، وجاءت البلايا من ذلك الوقت لما دخل علم الكلام في المسلمين، وصاروا يحكِّمون العقل في صفات الله تعالى، وينفون الصفات بالتأويلات، بزعمهم أن العقل يمنعها، جاء من ذلك شر كبير، ومصدر هذا الشر الكبير، عسى الله أن يعفو عن المأمون فيه؛ لأنه هو أول من ترجم الكتب اليونانية، وكان منها هذه المقاييس المنطقية، وقد قدمنا لكم مرارًا (٢) أن الطريق الأحوط الذي يُنجي المسلم ويخلصه من القيل والقال والبلايا كلها حتى يلقى الله سالمًا على أساس صحيح في نور القرآن العظيم هو أن يلتزم الأسس الثلاثة التي أكثرنا من تكرارها في هذه الدروس، ونحن كررناها قصدًا لشدة الحاجة إليها، وكثرة من غفل عنها من المتعلِّمين، وقد بيّنا لكم مرارًا أَنَّ مَنْ أرَادَ مِنْكُمْ أن يلقى الله سالمًا ويتخلص من هذا المأزق في آيات الصفات؛ كصفة الكلام، وصفه اليد، والاستواء وجميع الصفات أن يبنيه على ثلاثة أُسس: أولها: وهو أساس العقيدة الصحيحة: تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة خلقه في شيء من ذواتهم أو صفاتهم أو أفعالهم. والخلق صنعة، وهو (جل وعلا) صانعها، والصنعة لا تشبه صانعها لا في ذاته، ولا في فعله، ولا في صفته. فإذا

стр. 1964

استقر هذا الأساس الأعظم في القلوب وطهرت من أقذار التشبيه، وغلب عليها تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة خلقه سهل عليها. الأساس الثاني: وهو أن تؤمن بصفات الله الثابتة في كتابه وسنة رسوله الصحيحة ﷺ إيمانًا مبنيًّا على أساس ذلك التنزيه. ونحن نكرر لكم مرارًا أن هذا التعليم ما قلناه من تلقاء أنفسنا، لا والله وكلا، ولكنا نقوله في ضوء المحكم المُنَزَّل، كلام رب العالمين؛ لأنه أوضح هذا إيضاحًا شافيًا لا يترك في الحق لبسًا، وذلك أنه لما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أتبعه بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فجميع الحيوانات تبصر -ولله المثل الأعلى- فكأن الله يقول لك في هذه الآية: يا عبدي لا تتنطع وكن عاقلاً، ولا تذهب بصفتي إلى صفة خلقي فتكون مشبهًا، وتضطر إلى التأويلات والبلايا، بل لاحظ في إثبات الصفات أني لا مثيل لي ولا نظير، وأَثْبِتْ لِي صِفَاتِي عَلَى ذلك الشَّرْط المُعَيَّن؛ ولذا جاء بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ بعد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: آية ١١] أي: أثبت لي سمعي وبصري، ولا تذهب بهما إلى مشابهة أسماع الخلق وأبصارهم، بل أثبتهما على أساس ما ذكرتُ قبلهما، وهو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فتثبت له سمعه وبصره على أساس التنزيه والتقديس والتكريم عن مشابهة صفات المخلوقين، فتكون أولاً مُنزّهًا، وثانيًا مُثْبِتًا على أساس التنزيه، وإن جئت يوم القيامة لا يأتيك لوم ولا توبيخ من أنك نزهت الله، والله لا يقول لك الله: لِمَ كنت تنزهني في دار الدنيا عن مشابهة خلقي؟ لا، أبدًا. هذا طريق سلامة محقق. ولا يقول لك: لِمَ كنت تصدقني في صفاتي التي مدحت بها نفسي وأثنى عليَّ بها

стр. 1965

رسولي ﷺ وعليك أن تقف عند حدّك (١). هذا ذكرناه مرارًا مطولاً ومختصرًا، فعلينا أن ننزّه خالقنا عملاً بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء﴾ ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: آية ٤] ﴿فَلَا تَضْرِبُواْ للهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: آية ٧٤] وعلينا أن نُصَدِّقَهُ بما وصف به نفسه، ولا نقول: هذا نص يوهم غير اللائق!! فنثبت: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ على أساس: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء﴾ [الشورى: آية ١١] ولا نقول: هذا نص يوهم غير اللائق؛ لأن الحيوانات تسمع وتبصر فنؤوّله!! لا نفعل ذلك، ونقف عند حدّنا ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاُ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: آية ١١٠] ونعلم أن الله وصف نفسه بأنه كلم موسى، وأكد ذلك التكليم في سورة النساء بالمصدر في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: آية ١٦٤] يجب علينا أن نعلم أن الكلام صفة الله الأزلية، وأنه لم يَتَجَرَّدْ يومًا ما عن أنه متكلِّم، وأنه في كل يوم يتكلم بما شاء، كيف شاء، على الوجه اللائق بكلامه وجلاله المنزّه عن مشابهة كلام المخلوقين من جميع الجهات، ونُمِرُّه كما جاء مع تنزيه الله وتعظيمه، ولا نأتي بشيء من المحالات والبلايا. وهنا للمتكلمين ضلالات طويلة، وكلام باطل طويل في الكلام لا يسعه هذا المقام. [١٩/أ] / ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا

стр. 1966

أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ [الأعراف: الآيات ١٤٨ - ١٥٠]. يقول الله جل وعلا: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾. ﴿قَوْمُ مُوسَى﴾ هم بنو إسرائيل، أي: واتخذ بنو إسرائيل ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ أصل هذا الحلي للقبط استعاره منهم الإسرائيليون لعُرس أو ليوم زينة عندهم كانوا يَتَزَيَّنُون فيه، وأُمر موسى أن يسري ببني إسرائيل قبل أن يردوا الحلي للقبط، فسافروا به، وأهلك الله فرعون وقومه، وبقي ذلك الحلي المستعار منهم عند الإسرائيليين، فاتخذ السامري العجل من ذلك الحلي. وهنا قال: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ قال بعض العلماء: لأن الله أَوْرَثَهُمْ أموالهم بعدهم كما في قوله: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء: آية ٥٩] ولذا أضافه إليهم بعد هلاك فرعون وقومه. وقال بعض العلماء: الإضافة تقع بأدنى ملابسة، فلما كان تحت أيديهم عاريةً عندهم أضافه إليهم بهذه الملابسة، وقد بيَّن في «طه» أنه من زينة قوم آخرين كما ذكر عن الإسرائيليين أنهم قالوا: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه: آية ٨٧] وهي حلي القبط. هذا وضابط ذلك أن السامري -قبّحه الله- موسى بن ظفر رأى جبريل لما جاء على فرس

стр. 1967

ليأخذ موسى إلى الميعاد، أو ليمشي أمام فرعون وقومه، والأكثرون يقولون: إن موسى لما أراد الله إتيانه للميعاد أرسل إليه جبريل. قالوا: وكان جبريل راكبًا على فرس فلاحظها السامري، كل شيء مسه حافر تلك الفرس ينبت فيه النبات، فَعَرَفَ السَّامِرِيُّ أن الله (جل وعلا) جعل في أثر تلك الفرس خاصة الحياة، فجاء وقبض قبضة من التراب الذي مسه حافر ذلك الفرس ثم أمسك ذلك التراب عنده، وكان السامري -قبحه الله- صائغًا فصاغ ذلك العجل. يقول بعض المؤرخين: إنه بعد غيبة موسى قال لهارون: هذا الحلي صار غنيمة، والغنائم لا تحل لكم فاجعلوه في النار ليكون قطعة واحدة ليكون ذلك أيسر لأمره حتى يأتي نبي الله موسى فَيَرَى رَأْيَهُ فيه، وإنهم لما جعلوه في النار صاغه السامري على صورة عجل، ولما صاغ ذلك الحلي على صورة عجل جعل فيه ذلك التراب الذي كان مُدَّخرًا له -الذي مسه حافر فرس جبريل وجعل الله فيه خاصة الحياة- فصار ذلك العجل جسدًا له خوار. وقد أشار الله إلى هذا في سورة (طه) في قوله عن موسى والسامري: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ يعني من أثر حافر فرس الرسول، يعني جبريل ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ [طه: الآيتان ٩٥، ٩٦] أي: على العِجْل. فجعله الله جسدًا له خوار، فلما ألقى السامري ذلك التراب على العِجْل وصار ذلك العِجْل المصوغ من الحلي جسدًا له خوار. الخوار في لغة العرب: هو أصوات البقر خاصة، تقول العرب: خارت البقر تخور وتخاورت البقر؛ أي: صَوَّت بعضها إلى بعض، وهذا معروف في كلامهم، ومنه قول العباس بن مرداس السُّلَمِي في غزوة حنين في

стр. 1968

معرض مدحه لسليم (١): لا يغرسونَ فَسِيْلَ النخلِ حولهم ... ولا تَخَاوَرُ في مَشْتَاهُم البقرُ فالخوار: صوت البقر. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ بضم الحاء وتشديد الياء (٢). والحُلي أصله: (حُلُوْي) جمع حَلْي (فَعل) مجموع على (فُعُولَ) وجمعه (حُلُوْي) كفَلْس وفُلُوس، وظَهْر وظُهُور، وحَلي وحُلُوْي، اجتمعت فيه الواو والياء، أولاهما ساكنة غير عارضة ولا عارضة السكون، فوجب إبدال الواو ياءً، وقُلبت ضمة اللام كسرة لمجانسة الياء فقيل: من حُليِّهم (٣). وقرأه حمزة والكسائي: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حِلِيِّهِمْ﴾ بكسر الحاء إتباعًا للَاّم، وأصل الحاء مضمومة (٤). وقوله: ﴿عِجْلاً﴾ العِجْلُ وَلَدُ البَقَرَةِ، ويجمع على عجاجل على غير قياس (٥). وقوله: ﴿عِجْلاً جَسَدًا﴾ [الأعراف: آية ١٤٨] قال بعض العلماء: الجسد هو البدن الذي فيه اللحم والدم، ويدل لهذا قوله:

стр. 1969

﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَاّ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)﴾ [الأنبياء: آية ٨] واختلف العلماء في هذا العِجْلِ هل جعل الله فيه لحْمًا ودَمًا وجعله حيًّا، أو هو عجل باقٍ في صورة الذهب والفضة إلا أن الرياح إذا دخلت في منافذه كان يُسمع في داخله صوت يشبه أصوات البقر؟ قال بكلٍّ منهما بعض العلماء (١). وظاهر قوله: ﴿جَسَدًا﴾ أن الله جعله عجلاً، والله (جل وعلا) قادرٌ على كل شيء لا يتعاصى على قدرته شيء. وقوله الآتي: ﴿وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ [طه: آية ٥٧] على أن التحريق معناه التحريق بالنار كما قاله جماعة من العلماء، فيظهر أن العجل صار جسدًا لحمًا ودمًا؛ لأن اللحم والدم إذا أُحرق بالنار يبس وأمكن دقه ونسفه في البحر؛ لأن الذهب والفضة لا يمكن دقهما ونسفهما في البحر، وأما على أن المعنى لنحرّقنّه: نبردنّه بالمبارد كما تشهد له القراءة الأخرى: ﴿لَنَحْرُقَنَّهُ﴾ (٢) [طه: آية ٩٧] فعلى هذا المعنى فالأليق أن يكون بقي ذهبًا وفضة إلا أنه يصوّت صَوْتَ البَقَر إذا دخلت الريح في داخله. وقوله: ﴿عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾ مفعول (اتخذ) الثاني محذوف لدلالة المقام عليه، أي: اتخذوا عجلاً جسدًا إلهًا معبودًا من دون الله. فحذف المفعول الثاني لدلالة المقام عليه، وهذا هو التحقيق، والنكتة في حذفه: أنه لا ينبغي أن يُتَلَفَّظَ بأن عجلاً مصطنعًا إلهًا (٣) فحذف لهذه النكتة كما قاله بعضهم.

стр. 1970

﴿عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾ قال في سورة طه: إنَّ السامري لمّا اصطنعه لهم قال لهم: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: آية ٨٨] فنسي موسى أن هذا إلهه، وذهب يطلبه في موضع آخر. وقال هنا: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ قرر علماء التفسير أن كل فعل مضارع مجزوم بـ (لم) إذا جاءت همزة الاستفهام قبل لم ففيه في جميع القرآن وجهان معروفان لعلماء التفسير (١): أحدهما: أن المضارع تنقلبُ مُضَارَعَتُه مَاضَويَّة، وينقلب نفيه إثباتًا، فيصير قوله هنا: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ ينقلب المضارع ماضيًا، والنفي إثباتًا، فيصير المعنى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ﴾ أي: رأوا أنه لا يكلمهم، أي: علموا بذلك، وعليه فيكون معنى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: آية ١] شرحنا لك. ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ﴾ [الكهف: آية ٧٥] قلت لك، ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (٨)﴾ [البلد: آية ٨] جعلت له عينين، وهكذا. أما انقلاب المُضَارَعَة مَاضَوِيَّة فلا إشكال فيه؛ لأن (لم) حرف قلب، تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى الماضي، كما هو معروف لا إشكال فيه. أما وجه قلب النفي إثباتًا: فالهمزة الداخلة على (لم) مضمنة معنى الإنكار، ففيها معنى النفي، فيتَسَلَّطُ النفي الكامن فيها على النفي الصريح في (لم) فينفيه، ونفيُ النفي إثبات. الوجه الثاني: أن الاستفهام في (ألم) في جميع القرآن هو استفهام تقرير (٢)، والمقرر في فن المعاني أن المراد باستفهام

стр. 1971

التقرير: هو حمل المخاطب على أن يقر ويقول: بلى (١)، وعلى هذا فالمراد بالاستفهام: حمل المخاطبين على أن يقروا ويقولوا: بلى هو لا يكلم ولا يهدي سبيلاً، وليس بشيء يستحقُّ أن يُعبد. وهذا معنى قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ ألم يروا أن هذا المعبود الذي افتروه واختلقوه لا يكلمهم؟ والمعبود الحق لا بد أن يكون يُكلم، ومعبود أهل السماوات والأرض بالحق يقول عن كلام نفسه: ﴿لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: آية ١٠٩]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: آية ٢٧] هذه صفة المعبود حقًّا، أمّا الذي لا يقدر على أن يتكلم كلمة واحدة فهذا ليس بمعبود. وقوله: ﴿وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ المعبود هو الذي يهدي، كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَاّ يَهِدِّيَ﴾ [يونس: آية ٣٥] أما الذي لا يهدي سبيلاً أي: طريقًا كائنًا ما كان فلا يمكن أن يكون برب ولا بمعبود، فلما قرر (جل وعلا) أن هذا العجل الذي اتخذوه إلهًا تنتفي عنه الصفات التِي يجب أن تكون للإله صرح بأنهم عبدوه وهم ظالمون في ذلك فقال: ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ اتخذوه إلهًا ﴿وَكَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ ظالمين في ذلك. وقد فسرنا الظلم مرارًا (٢)، وبيّنَّا أن أصله في لغة العرب: وضع الشيء في غير موضعه، وأكبر أنواع وضع الشيء في غير موضعه:

стр. 1972

وضع العبادة في عجلٍ مصطنع جماد!! من عبد هذا وأعطاه حق الله فقد وضع العبادة في غير موضعها، وأكبر أنواع الظلم: وضع العبادة في غير موضعها كظلم هؤلاء بعبادة هذا العجل؛ ولأجل ذلك كثر في القرآن إطلاق الظلم على الشرك بالله كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: آية ١٣] وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: آية ٢٥٤] وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ [يونس: آية ١٠٦] أي: من يعبد عجلاً مصطنعًا فهو من الظالمين الواضعين العبادة في غير موضعها كما هو ظاهر. ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ [الأعراف: آية ١٤٩]. قوله: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ﴾ كناية عَنْ شِدَّةِ النَّدَمِ، فكُلّ مَنْ أصَابَهُ نَدَمٌ شَدِيدٌ حتى بقي حائرًا من شِدَّةِ نَدَمِهِ تقول العرب: سُقِطَ فِي يَدِهِ (١). فمعنى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ﴾ لما ندموا غاية الندم وبقوا مُتَحَيِّرينَ على كُفْرِهِمْ بالله وعبادتهم لعجل مصطنع ﴿وَرَأَوْاْ﴾ رأى هنا بمعنى علم (٢). أي: وعلموا علمًا يقينًا ﴿أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ﴾ ضلوا عن طريق الصواب والرشد، وقد بيّنا في هذه الدروس مرارًا (٣) أن الضلال جاء في القرآن إطلاقه على ثلاثة معان، وهي إطلاقات معروفة مشهورة في كلام العرب مستفيضة فيه، فمن إطلاقات الضلال: إطلاقه على الذهاب عن الإيمان إلى الكفر، وعن طريق

стр. 1973

الجنة إلى طريق النار، وهذا أكثر إطلاقاته. ومنه بهذا المعنى: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: آية ٧] وإطلاق الضلال مرادًا به الذهاب عن علم شيء، فليس من الضلال في الدين، فكل من ذهب عن علم شيء تقول العرب: ضل عنه. ومنه بهذا المعنى قول أولاد يعقوب لأبيهم: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: آية ٩٥]، أي: ذهابك عن معرفة حقيقة يوسف، هو قد مات من زمان وأنت كل يوم تسأل عنه. وكقولهم فيه: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: آية ٨] لا يعنون الضلال في الدين، وإنما يعنون الذهاب عن حقيقة الأمر حيث زعموا أنه فَضَّل يوسف وأخيه عليهم، وأنهم أكثر نفعًا على أبيهم من يوسف وأخيه، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ أي: تذهب عن علم معرفة المشهود به ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: آية ٢٨٢]، ومنه بهذا المعنى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَاّ يَضِلُّ رَبِّي﴾ [طه: آية ٥٢] أي: لا يذهب عنه علم شيء عن ذلك، ومنه بهذا المعنى قول الشاعر (١): وَتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِي أَبْغِي بِهَا ... بَدَلاً أرَاهَا في الضَّلالِ تَهِيمُ أي: في عدم معرفة الحقيقة حيث ظنت أني أبغي بها بدلاً، والأمر على خلاف ذلك. الاستعمال الثالث: هو استعمال العرب الضلال في الغيبة والاضمحلال، يقولون لكل شيء غاب واضمحل يقولون فيه: ضَلَّ، كقولهم: ضل السمن في الطعام. إذا غاب واضمحل فيه، ومنه بهذا

стр. 1974

المعنى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: آية ٢٤] وقوله: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ﴾ [السجدة: آية ١٠] يعنون: إذا ضلت عظامهم في الأرض؛ أي: أكلها التراب واختلطت به وغابت واضمحلت فيه. ومن أجل هذا كانت العَرَبُ تسمِّي الدَّفْنَ (إضْلالاً) لأنَّ مَنْ دُفِنَ يَضِلّ في التّراب، وتأكل الأرض عِظَامَهُ ويختلط بها؛ ولذا كانوا يسمون الدفن إضلالاً، ومنه قول نابغة ذبيان (١): فَجَاءَ مُضلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ... وغُودِرَ بالجولانِ حزمٌ ونَائِلُ مضلوه: يعني دافنيه. وقول المخبَّل السَّعْدِي يرثي قيس بن عاصم المنقري التميمي (٢): أَضَلَّتْ بَنُو قَيْسِ بْن سَعْدٍ عَمِيدهَا ... وفَارِسَهَا في الدَّهْرِ قيسَ بْنَ عَاصِمِ ومن إطلاق العرب الضلال على الغيبة والاضمحلال قول النَّصْرَانيّ الشَّاعر الأخطل (٣): كُنْتَ القَذَى فِي مَوْجِ أَكْدَرَ مُزْبدِ ... قَذَفَ الأَتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلَالاً أي: إذا غاب غيبوبة واضْمَحَلّ اضْمِحْلالاً، ومنه بهذا المعْنَى قول الآخر (٤): أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِرْكَ الدِّيَارُ ... عَنِ الحَيِّ المُضَلّلِ أَيْنَ سَارُوا أي: المغيب.

стр. 1975

زاد بعض العلماء: أن العَرَبَ تطلق الضلال على الحبّ، وهذا إطلاق غير مشهور معروف كهذه الإطلاقات الثلاثة التي ذكرنا. ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ﴾ أي: علموا أنهم قد ضلوا عن طريق الإيمان إلى طريق الكفر، أنابوا إلى الله وتابوا ملتجئين إلى الله. ﴿قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ [الأعراف: آية ١٤٩] قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي: ﴿قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ بـ (ياء الغيبة) و ﴿رَبُّنَا﴾ مرفوعٌ فاعل: ﴿يَرْحَمْنَا﴾. وقرأه حمزة والكسائي من السبعة: ﴿قَالُوا لَئِن لَمْ تَرْحَمْنَا رَبَّنَا وَتَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ (١). فمعنى قراءة حمزة والكسائي (٢): لئن لم ترحمنا يا رَبَّنَا، وتغفر لنا يا ربنا لنكونن من الخاسرين. أمّا على قراءة الجمهور: فالمعنى: ﴿لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ أي: يتداركنا برحمته ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ الغفران: هو محو الذنوب حتى لا يظهر لها أثر يتضرر به صاحبها بعد ذلك. ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ والله لنكونن من الخاسرين. وأصل الخسران: نقصان مال التاجر مِنْ رِبْحٍ أوْ رَأْسِ مَالٍ، وهو قد يُطلق في الشَّرْعِ وفي القرآن على غَبْنِ الإنسان في حظوظه مِنْ رَبِّهِ، وأكبر الخسارة غبن الإنسان بحظوظه من خالقه جل وعلا.

стр. 1976

وقد بيّنا في هذه الدروس مرارًا وكررنا (١) أن هذا الخسران أقسم الله في سورة عظيمة من كتابه أنه لا ينجو منه أحد إلا بشروط معينةٍ منصوصة في كتاب الله، كما أوضح الله ذلك في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ ﴿إِنَّ الإِنسَانَ﴾ الألف واللام للاستغراق، فهو بمعنى: أن كل إنسان كائنًا من كان ﴿لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: الآيات ١ - ٣]. وقد كررنا في هذه السور الماضية مرارًا (٢) أن العلماء ضربوا لهذا الخسران مثلين، في كل منهما موعظة يتعظ بها المؤمن في دار الدنيا وقت إمكان الفرصة، كررناها مرارًا، ولا نزال نكررهما لعل الله أن يرسل موعظة لقلوب إخواننا تهديهم إلى ما يرضي الله، وتنهاهم عما يكرهه خالقهم، فمن ذلك: أن العلماء قال بعضهم: إن الله (جل وعلا) أعطى كل إنسان رأس مال، وأمره بالتجارة فيه مع خالقه، ورأس هذا المال المعطى لكل إنسان هو الجواهر النفيسة، والأعلاق العظيمة التي لا مثيل لها في الدنيا، ألا وهي: ساعات العمر ودقائقه وثوانيه. فليعلم كلٌّ منا أن رأس ماله الذي أعطاه خالقه جواهر لا مثيل لها في الدنيا، ولا نظير لها، ولا يوجد شيء أكبر منها فائدة إذا أُعملت على الوجه الأتم، ألا وهي: ساعات عمره ودقائق حياته وثوانيها.

стр. 1977

هذا رأس مالك أيها الإنسان، وأنت مأمور بتحريكه والتجارة فيه مع خالق السَّمَاوات والأرض، فإن كنت رجلاً عاقلاً يُقَدِّرُ الأمُورَ ويَخَافُ العَوَاقِبَ

стр. 1978

السَّيِّئَةَ حركت عمرك وتاجرت فيه مع خالق السماوات والأرض تجارة، وذلك أن تصرف ساعات العمر وأوقاته ودقائقه وثوانيه فيما يُرْضِي رَبَّكَ، وتحذر أن تصرف شيئًا منه فيما يسخط خالقك (جل وعلا) فتنظر في أوقات عمرك الوقت الذي يتوجَّهُ إليك فيه أمرٌ من السماء -كأوقات الصلوات وأوقات الصوم وأوقات الحج وما جرى مجرى ذلك- فتبادر إلى امتثال أمْرك بنفس طيِّبَة مُسارعة راغبة فيما عند الله، والأوقات الذي لم يتوجه عليك طلب مخصوص تستزيد من الخير بالنصوص العامة التي تحثك على طلب الخير ومرضاة مَنْ خَلَقَكَ (جل وعلا) وتَحْذَر كُلَّ الحَذَرِ من أن ترتكب شيئًا يغضب خالقك ويسخطه، فإذا اتجرت مع الله هذه التجارة في رأس هذا المال فحركته فيما يرضيه ربحت أيها الأخ ربحًا عظيمًا، ربحت الحور العين والولدان، ومجاورة رب غير غضبان، وسكنى الجنة ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: آية ١٧] وقد سمى الله هذه المعاملة معه من عبده سماها: (تجارة) وسماها: (بيعًا) وسماها: (شراءً) وسماها: (قرضًا) قال تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: آية ٢٤٥] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ وقال: ﴿فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ﴾ [التوبة: آية ١١١] وقال: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية [الصف: الآيتان ١٠، ١١]. أما إذا كان الإنسان المسكين أحمق أهوج لا يبالي بالعواقب السيئة، ولا يعرف حقيقة الأمر فإنه يَزْدَرِي الجواهر التي أعطاه الله وهي أيام عمره، كصاحب المزبلة تكون عنده اليواقيت وهو يظنها حجارة عادية لا يعرف قيمتها، فيُضَيِّعُ رأس ماله وأيام عمره في قال وقيل، وفيما لا يجدي، حتى تضيع، وربما أعملها فيما لا يرضي خالقه (جل وعلا) حتى ينتهي العمرُ المحددُ له، وينفد رأس ماله، فيُذهب به إلى القبر وهو مفلس لا رأس مالٍ عنده، فإذا عدم رأس المال فالرِّبْحُ مَعْدُومٌ!! والآخرة -أيها الإخوان- دارٌ لا تصلح للمفاليس؛ لأنها ليس فيها إرفاق وليس فيها بيعٌ ولا شراء ولا هبة، ليس فيها للإنسان إلا ما قَدَّمَ أَيَّامَ حَيَاتِهِ. لَا دَارَ لِلْمَرْءِ بَعْدَ المَوْتِ يَسْكُنُهَا ... إِلَاّ الَّتِي كَانَ قَبْلَ المَوْتِ يبنِيْهَا فَإِنْ بَنَاهَا بِخَيْرٍ طَابَ مَسْكَنُهُ ... وَإِنْ بَنَاهَا بِشَرٍّ خَابَ بَانِيهَا (١) فعلى العاقل أن يَتَّجِرَ مَع الله، ولا يضيِّع رَأْسَ مَالِهِ، والعمر كما جعله الله رَأْسَ مَالٍ فمَنْ ضَيَّعَهُ فَقَدْ خَسِرَ الخُسْرَانَ الأَعْظَم، كذلك جعله حجة على العبد؛ ولذا عَدَّهُ مَعَ النذير في قوله في سورة فاطر: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: آية ٣٧] فجعل تعمير الإنسان عمرًا يتذَكَّر فيه ويُنِيبُ إلى رَبِّهِ حُجَّةً عليه كالرسول، فعلينا جميعًا ألا نضيع أعمارنا، ونعرف قدر قيمتها، ونُعْمِلُهَا فيمَا نَتَمَتَّعُ بِهِ بَعْدَ المَوْتِ مِمَّا يُرْضِي خالقنا؛ لأن رأس المال إِنْ ضَاع خَسِرَ الإنسان كل شيء وَنَدِمَ حيث لا ينفع النَّدم. المثل الثاني الذي ضَرَبَهُ العُلَمَاء لهذا الخسران: هو حديث جاء

стр. 1979

عن النبي ﷺ (١) أن الله تعالى جعل لكل إنسان منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أطلع أهل الجنة على مساكنهم في النار لو أنَّهم كفروا وعصوا؛ لتزداد غبطتهم وسرورهم بما هم فيه، وعند ذلك يقول الواحد منهم: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: آية ٤٣] ثُمَّ يُطْلِع أهْلَ النار على مَنَازِلِهِمْ في الجَنَّة لو أنهم آمنوا وأطاعوا؛ لتزداد ندامتهم وحسرتهم وعند ذلك يقول الواحد منهم: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: آية ٥٧] ثم إن الله يجعل منازل أهل الجنة في النار لأهل النار، ومنازل أهل النار في الجنة لأهل الجنة، ومن عُوِّض منزل غيره في النار بمنزله في الجنة فصفقته صَفْقَة خَاسِرَة، وهو مِنَ الخَاسِرِين كما لا يَخْفَى. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ

стр. 1980

وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ [الأعراف: الآيات ١٥٠ - ١٥٥]. ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ [الأعراف: آية ١٥٠]. ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ لما رجع موسى إلى قومه من الميقات، عندما انتهى الميقات، وكلّم ربه وناجاه، وكتب له التوراة في الألواح، ورجع إلى قومه ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ﴾ رجع في حال كونه ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ (غضبان) حال من فاعل (رجع) رجع في حال كونه غضبان. وقوله: ﴿أَسِفًا﴾ حال أخرى. والأسف: شدّةُ الغضب، فمعنى: ﴿غَضْبَانَ﴾ شديد الغضب. والتحقيق: أن ﴿أَسِفًا﴾ هنا معناه: شديد الغضب، فهو كالتوكيد لغضبان. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: فلما أغضبونا انتقمنا منهم وأغرقناهم. قوله: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ هذان حالان من قوله: ﴿رَجَعَ مُوسَى﴾ أي: في حال كونه غضبان أسِفًا (١). وجمهور علماء العربية: أن الحال تتعدد وعاملها واحد وصاحبها واحد (٢)، خلافًا لجماعة من علماء العربية منهم أبو الحسن ابن عصفور ومن وافقه قالوا: لا يجوز تعدد

стр. 1981

الحال، وإنما تتداخل، فزعموا أن ﴿أَسِفًا﴾ حال من الضمير المستكن في ﴿غَضْبَانَ﴾ وأن العامل فيها هو ﴿غَضْبَانَ﴾ فقالوا: الأحوال متداخلة، والجمهور يقولون: إنها متعددة لا متداخلة، وأن الحال تتعدد من غير تداخل مع العطف وبدون العطف. ومن أمثلتها بدون العطف قوله هنا: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ وقول الشاعر (١): عَلَيَّ إِذا مَا زُرْتُ لَيْلَى بخُفْيَةٍ ... زِيَارَةُ بَيْتِ اللهِ رَجْلَانَ حَافِيا أي: في حال كوني ماشيًا على رجلي غير منتعل. وتأتي أيضًا مع العطف كقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ [آل عمران: آية ٣٩] فهي أحوال متعددة متعاطفة. والأَسِفُ: شديد الغضب، وشذ بعض العلماء هنا فقال: الأسِفُ: الحزين، أي: غضبان حزينًا. والأول هو الأظهر (٢)، وغضبه وشدة أسفه مما فعله قومه من عبادة العجل. ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ﴾ قرأ هذا الحرف جمهور القراء: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي﴾ بتحقيق الهمزة، وقرأه ورش عن نافع، والسوسي عن أبي عمرو: ﴿بِيسَمَا خَلَفْتُمُونِي﴾ بإبدال الهمزة ياءً. ومعروف أن (بئس) في العربية فعل جامد لإنشاء الذم، وإذا جاءت بعدها (ما) فالخلاف فيها مشهور: هل فاعل (بئس) ضمير محذوف و «ما» نكرةٌ مميزةٌ لذلك الضمير؟ أو (ما) هو الفاعل؟ خلافٌ معروفٌ (٣)، وأقوال لأهل العلم فيها، أظهرها: أن الفاعل

стр. 1982

ضمير محذوف، وأن «ما» نكرة ميزت ذلك الفاعل المحذوف، بئس هو ما. أي: شيئًا خلفتموني به. ومعنى ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾ قمتم مقامي في غيبتي فيه، وكنتم خليفتي فيه، وهو عبادة العجل، على أن هذا راجعٌ للسامري ومن عبد معه العِجْل، وعلى أنه راجع للوجهَاء مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ -هارون ومن معه- فتكون خلافتهم التي ذَمَّهَا: أنهم لم يمنعوا مَنْ عَبَدَ العجل عَنْ عِبَادَةِ العجل، يعني: لم تخلفني يا هارون في قومي خلافةً حسنة حيث لم تكفف هؤلاء عن عبادة العجل. وهذا أظهر؛ لأنه قال لهارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٤٢] ولم يقل للسامري وعَبَدةِ العجل إنهم يخلفونه في قومه، وهذا معنى قوله: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ﴾. ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾ تدل على أنه غير موجود، فهي قد تغني عن قوله: ﴿مِن بَعْدِيَ﴾ قال بعض العلماء: وإنما زاد من بعدي مع أن ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾ تدل عليها ليشير إلى أنه ما دام موجودًا كان معروفًا بالتوحيد، والقمع عن الشرك، والحمل على ما يُرْضِي اللهَ جَلَّ وَعَلا. ثم قال منكرًا عليهم: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ للعلماء في هذه الآية أقوالٌ متقاربة (١)، وخير ما يفسر به القرآن: القرآن؛ لأن آية طه كالتفسير لآية الأعراف هذه، وعلى ذلك فالمعنى: أن الله أمركم بأمر، ووعدكم وعدًا، وقال لكم على لسان نبيه: إن موسى يذهب إلى الموعد، وأن الله يناجيه وينزل عليه كتابًا وفيه كل خير، وكل هدى ونور، يصلح الله لكم به دنياكم ودينكم وآخرتكم، وهذا وعدٌ

стр. 1983

عظيمٌ من الله، كما أشار له في قوله: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [طه: آية ٨٠] على أحد التفسيرين. فلما وعدكم الله هذا الوعد العظيم الذي فيه كل هذا من الخير عَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُم بِذَلِكَ الوعد، أي: عجلتم عنه، وسبقتموه، وعبدتم العجل، ولم تنتظروا الخير الذي وعدكم الله به، وجئتم قبله بكل شر وسوء وخبث. والدليل على أنّ هذا هو تفسير الآية الصحيح: أنّ الله قال في سورة طه: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي﴾ [طه: آية ٨٦] هذا هو الأظهر في معنى الآية الكريمة: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ أعجلتم عن أمر ربكم بانتظار موسى، وانتهاء الوعد، وإتيانكم بكل خير تصلح به دنياكم وآخرتكم، عجلتم عن هذا كله، وعبدتم العجل، وكفرتم بالله والعياذ بالله. ﴿وَأَلْقَى الألْوَاحَ﴾ جاء في حديث رواه ابن أبي حاتم وغيره أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعَايَنَةِ» (١) واستدل لهذا بأن موسى

стр. 1984

لما قال له ربه: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ هذا خبرٌ يقينٌ من الله، لم ينفعل موسى، ولم يلق الألواح، فلما جاء حاملاً ألواح التوراة، ونظر إليهم يعبدون العجل، ويعكفون حوله، لم يتمالك حتى ألقى الألواح، وانفعل عند المعاينة انفعالاً لم ينفعله عند الخبر اليقين، ومن هنا عُرِفَ أن الخبر ليس كالمعاينة. وهذا معنى قوله: ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ﴾ يعني: طرح ألواح التوراة التي هي مكتوبة فيها من شدةِ غضبه لانتهاك حرمة الله، وعبادة العجل معه. وكثيرٌ من المفسرين يقولون: إنه ألقاها إلقاءً قويًّا حتى تكسرت، وأنه رُفع شيء منها مع المكسر منها. وكل هذا لا دليل عليه، ولم يقم عليه دليل صحيح لا في كتاب ولا من سنة (١)، وظاهر القرآن أنها لم تتكسر، ولم يَضِع منها شيء؛

стр. 1985

لأنه قال: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف: آية ١٥٤] و (أل) هنا عهدية، وهي الألواح المعهودة التي ألقاها. / [١٩/ب] يقول الله جل وعلا: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٥٠] لما غضب موسى، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، استعطفه أخوه وقال له: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ معناه: يا ابن أمي ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ يعني: أن القوم الذين عبدوا العجل لما نهاهم كما شهد الله له بذلك في سورة طه في قوله: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: الآيتان ٩٠، ٩١] فلما ناصبوه وقالوا له علنًا: «لن نبرح عاكفين على عبادة هذا العجل حتى يرجع موسى». دل ذلك على أنهم استضعفوه، أي: تقوّوا عليه واستذلوه، ورأوه ضعيفًا عاجزًا عن مقاومتهم. ﴿وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي﴾ قاربوا قتلي وما قصَّرت، ثم إنه بيّن عذره في طه؛ لأن موسى قال له: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ استعطفه واعتذر له أيضًا وقال: ﴿إِنِّي خَشيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: الآيتان ٩٣، ٩٤] وقال له هنا: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء﴾ يعني: لا تفعل بي فعلاً سيئًا يفرح به أعدائي، فالشماتة هي سرور العدو بما ينال عدوه الآخر من مكروه أو سوء. فإذا أتى الله إنسانًا بمكروه أو سوء ومصائب نزلت به وفرح عدوه بما أصابه فذلك الفرح يُسمى: الشماتة، والذي تسبب فيه يقال: أشمته به يُشمته، ونفس العدو: شامت؛ أي: فَرِحٌ مَسْرُور بما يصيب عَدُوَّهُ مِنَ الأذَى. وهو

стр. 1986

معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى أو غيره (١): كَمْ شَامِتٍ بِي إِنْ هَلَكْـ ... ـتُ وَقَائِل للهِ درُّه وفي شعر الحماسة (٢): إِذَا مَا الدَّهْرُ جَرَّ عَلَى أُناسٍ ... كَلاكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَا ... فقُلْ للشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا ... سَيَلْقَى الشَّامِتُون كَمَا لَقِينَا يعني: لا تشمت بي الأعداء، لا تفعل لي فعلاً سيئًا يفرح به أعدائي، لا تفعل لي ذلك: ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ لا تجعلني مع عَبَدَة العجل كأني ممالئ لهم وموافقهم على ذلك، فأنا بريء من ذلك، وقد نصحتهم غاية طاقتي وجهدي. وهذا معنى قوله: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. فلما قال هارون هذا لموسى رجع موسى ودعا لنفسه ولأخيه، قال موسى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ واغفر ﴿وَلأَخِي﴾ هارون ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ اجعلنا ممن شملته رحمتك الواسعة ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٥١] لأن الله (جل وعلا) أرحم الراحمين، أرحم بعباده من الأم بولدها كما هو معروف. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٥٣)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٥٢، ١٥٣].

стр. 1987

﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ﴾ إلهًا فعبدوه من دون الله ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ الغضب صفة وصف الله بها نفسه إذا انتُهكت حرماته، فنحن نصفه بها كما وصف بها نفسه، وننزه خالقنا أتمَّ التنزيه وأكمله عن مشابهة صفات المخلوقين؛ لأن جميع الصفات من بابِ واحد، فكما أنه (جل وعلا) ذات لا تشبهها شيء من الذوات فكذلك لها صفات لا يشبهها شيء من صفات خلقه، أي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ﴾ إلهًا فعبدوه من دون الله ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ﴾ هذا الغضب كائنٌ ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ معناه: يغضب الله عليهم، ومن غَضِبَ الله عليه فقد هلك. ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا﴾ الذلة: الصغار والهوان. قال جماعة من العلماء (١): هذه الآية من سورة الأعراف في طائفة من بني إسرائيل أُشربت قلوبهم حُبّ العجل، ولم يتوبوا فيمن تاب، بل بقوا غير تائبين، وعدهم الله هذا الوعيد، وهددهم هذا التهديد، وهذا هو الأظهر؛ لأن المعروف أن أكثر الإسرائيليين تاب من عبادة العجل تلك التوبة العظيمة التي بيّناها مفصَّلة في سورة البقرة؛ حيث قدموا أنفسهم للقتل تائبين إلى الله، الواحد منهم يجود بنفسه فيُقتل مرضاة لله وإنابةً إليه، كما تقدم إيضاحه في قوله: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: آية ٥٤] فمن تاب هذه التوبة النصوح

стр. 1988

العظيمة لا يُعقل أن الله يهدده هذا التهديد، ويتوعده هذا الوعيد؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فيظهر هنا ما ذكره جماعة أنها في طائفة أُشربت قلوبهم حب العجل ولم يتوبوا -والعياذ بالله- ووعدهم الله هذا الوعيد: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ﴾ الجزاء الذي جزينا به هؤلاء الذين عبدوا العجل: ﴿نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ كان العلماء يقولون: كل من افترى في الدين وابتدع في الدين سلط الله عليه الذلة، وكان الحسن يقول في المبتدعين المفترين في دين الله: والله إن الذلة على أكتافهم ولو هملجت بهم البَغْلَاتُ، وطقطقت بهم البراذين (١). وقال هذا غير واحدٍ من العلماء، أن كل مبتدع في الدين مفتر فيه آتٍ بِنِحْلَة ليست بحق لا بد أن يسلط الله عليه الذلة ولو بلغ ما بلغ، كما صرح بذلك في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فعلى المسلم أن يخاف من الذلة والغضب، ولا يفتري في دين الله، ولا ينتحل ولا يبتدع، بل يبقى على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. وهذا معنى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ كالذين عبدوا العجل، ﴿ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد تلك السيئات، ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ﴾ يعني من بعد ذلك الذي ارتكبوه من السيئات ﴿وَآمَنُواْ﴾ داموا على إيمانهم، أو أخلصوا في إيمانهم، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ أي: تلك السيئات والفعلات، وقال بعضهم: ﴿مِن بَعْدِهَا﴾ أي: التوبة المفهومة من قوله: ﴿تَابُواْ﴾ ﴿لَغَفُورٌ﴾ أي: كثير المغفرة والرحمة لعباده.

стр. 1989

وهذه الآية الكريمة تدل على أنَّ مَنِ ارْتَكَبَ السيئات العظام ثم تاب إلى الله تاب الله عليه، والله يقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [طه: آية ٨٢] ويقول للذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة -يستعطفهم ليتوب عليهم مع شناعة كفرهم حيث يقول لهم -: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: آية ٧٤] والتوبة واجبة على كل مسلم ومسلمة من كل ذنب كائنًا ما كان (١)، ولا يجوز تأخيرها، فإذا اقترف ذنبًا وأَخَّر التوبة منه كان تأخير التوبة ذنبًا يستوجب توبة أخرى. وقد أجمع العلماء على أن التوبة تتركب من ثلاثة أركان (٢): أحدها: الإقلاع عن الذنب إن كان متلبسًا به. والثاني: الندم على ما صدر منه من الذنب (الندم الشديد). والثالث: النية ألا يعود إلى الذنب أبدًا. هذه أركان التوبة التي أجمع عليها العلماء. وفي اثنين من أركانها في كلِّ واحد منهما إشكالٌ معروف (٣): أحدهما: الندم، فالندم أجمع العلماء على أنه ركن التوبة، والتوبة واجبة بالإجماع، كما أوجبها الله بقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: آية ٣١] وركن الواجب واجب إجماعًا، فلا خلاف بين العلماء أن الندم ركنٌ من أركان التوبة واجب. وفي هذا إشكالٌ معروف شديد، وهو أن الندم من

стр. 1990

الانفعالات والتأثرات النفسية لا من الأفعال الاختيارية كما هو معروف، فترى البائع المغبون يندم وهو يحاول أن يطرد عنه الندم فلا يستطيع؛ لأن الندم انفعال وتوتر نفساني لا فعل اختياري، ومعروف أن الانفعالات والتأثرات النفسانية ليست تحت قدرة العبد، وقد أجمع العلماء أن الله لا يكلف عبده إلا بفعل اختياري هو في طاقة العبد، ولذلك كان في التكليف بالندم هنا الإشكال المعروف. هذا السؤال الأول في الندم، وأجاب بعض العلماء عن هذا، قالوا: نعم إن الندم انفعال وتأثر نفساني ليس تحت طاقة العبد؛ لأنَّا نرى الإنسان يحاول أن يندم فلا يندم، ويحاول أن يطرد الندم فلا يطرده، يُشاهَد البائع المغبون يحاول أن يطرد الندم عن نفسه، والندم يضعه على الأرض من شدته، وهو لا يقدر أن يدفعه عن نفسه، وكذلك بعض عوام المسلمين قد ينال الواحد منهم قُبْلةً -مثلاً- من امرأةٍ بارعةٍ في الجمال يعشقها غاية العشق، فإذا أراد أن يندم على ذلك دعاه خيال ذلك الجمال ولذة ذلك الشيء القبيح فلا يستطيع أن يندم كما هو مشاهد، وإذا كان انفعالاً لا قدرة للعبد عليه فما وجه التكليف به؟! أجيب عن هذا: بأن المراد بالتكليف بالندم: التكليف بأسبابه الموصلة إليه، ومَنْ تَعَاطَى أسْبَابَهُ الموصّلة إليه تعاطيًا حقًّا لم يُحابِ فيه نفسه لا بد أن يَنْدَمَ، وَضَرَبَ العلماء لذلك مثلاً، قالوا: كل العقلاء إذا قَدَّمت إلى واحدٍ منهم شرابًا لذيذًا ولكنه فيه السم القَاتل الفتَّاك، فجميع العقلاء لا يستلذُّون ذلك الشراب ولا يعدّون لذته لذة؛ لأن السم القاتل الذي هو فيه يبطل لذته وينفِّر منها، ولا شك أن حلاوات المعاصي -قبّحها الله- ولذاتها تتضمن سمًّا قاتلاً فتَّاكًا

стр. 1991

هو سخط رب العالمين، وغضبه والخوف من عقابه العاجل والآجل، فإذا أخذ الإنسان نفسه أخذًا حقًّا، وعَرَفَ أنَّ حَلاوَةَ المعاصي يضاف فيها السم القاتل الفتَّاك من سخط رب العالمين فلا بد أن يَنْدَمَ، والذي لا يندم إنما جاءه ذلك من أنه يحابي نفسه، وينجرف معها بالمعاصي، فلا يأخذها بالأسباب أخْذًا حقًّا، ولمَّا كان الندم أسبابه مُتَيَسَّرة ومن تعاطاها حقًّا حصل عليه، صار كأنه فعلٌ في طاقة المخلوق فكُلّف به. وأما الإشكال الثاني: فهو في الإقلاع؛ لأن بعض الناس قد يتوب ويندم ولا يقدر على إكمال الإقلاع، كالذي بث بدعةً وعمل بها الناس في مشارق الأرض ومغاربها، والنبي يقول: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا» (١) إذا تاب هذا الإنسان وبدعته متمادية يُعمل بها في مشارق الأرض ومغاربها، هل نقول: هو مقلع؛ لأنه فعل طاقته وما يقدر عليه؟ أو نقول: ركن التوبة هنا معدوم؛ لأن الإقلاع معدوم؛ لأن ذنبه متمادٍ جار في أقطار الدنيا؟! وكذلك الإنسان إذا رمى إنسانًا من بعيد بسهم أو رصاصة ثم بعد أن زايل السهم تاب ذلك الإنسان قبل أن يصل السهم إلى المرمى، هل نقول: هو تائب؛ لأنه فعل قدر طاقته؟ أو نقول: لا تقبل توبته؛ لأن الإقلاع ركن في التوبة، ولم يتحصَّل؛ لأن فساده متمادي، وسهمه رائحٌ إلى المسلم ليقتله؟ وكذلك من غصب - مثلاً - أرضًا عشرين كيلاً، ثم إنه ندم وخرج منها، هل هو في أثناء الخروج قبل أن ينفصل عن الأرض لو أدركه الموت نقول: أدركه الموت تائبًا؛ لأنه فعل قدر طاقته؟

стр. 1992

أو نقول: لم تحصل توبته؛ لأن الإقلاع لم يكن؛ لأنه ما زال يشغل فراغًا مغصوبًا بجسمه استولى عليه بغير حقا شرعي؟. والصحيح عن الأصوليين أن هذا الأخير تقبل توبته وإن كان الإقلاع لم يصح منه؛ لأنه عاجزٌ عنه، وقد جاء في توبته بما يستطيع، والله لا يكلف إلا بما يستطيعه عبده ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: آية ٢٨٦] وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» الحديث (١). وهذان السؤالان في التوبة. وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ﴾. ﴿مِن بَعْدِهَا﴾ أي: السيئات، ﴿وَآمَنُواْ﴾ داموا على إيمانهم؛ أي: أخلصوا في إيمانهم وتوبتهم ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ أي: التوبة ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أو ﴿مِن بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد السيئات التي تاب العبد منها ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ كثير الغفران والرحمة لعباده. ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: آية ١٥٤] سكت عن موسى الغضب معناه: سكن غضبه وطفئ. لما طفئ غضبه وسكن، وفي بعض القراءات الشاذة: ﴿وَلَمَّا سَكَنَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ (٢) يعني: لما سكن غضبه وَطُفِئَ، وذلك باعتذار أخيه حتى عرف صدق عذره، وبتوبة الذين عبدوا العجل حتى قدموا أنفسهم للموت طائعين مَرْضَاةً لربهم. ﴿أَخَذَ الأَلْوَاحَ﴾ طرح الألواح مِنْ أَجْلِ الغَضَبِ، ولما سكن الغضب أخذها. و (أل) في الألواح عهدية، وظاهر هذه الآية أن

стр. 1993

الألواح لم تَتَكَسَّر، وأن التوراة لم يُرفع منها شيء، ومعلوم كثرة أقوال المفسرين أنها تكسَّرت، وأنّ رضاضها لم يزل عند الملوك الإسرائيليين، وأنها رُفع منها كل التفاصيل، وبقي منها الهدى والرحمة. ولكن هذا لم يقم عليه دليل يجب الرجوع إليه، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ﴾ أي: أخذها ليعمل بما فيها؛ لأن ربه قال له: خذها بقوة. ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ النسخة هنا (فُعْلَة) بمعنى (مفعول)، أي: المنسوخ فيها، أي: المكتوب فيها من التوراة من كلام رب العالمين، وفيه ﴿هُدًى﴾ أي: دلالة وإرشاد إلى الخير، ورحمة تقي عذاب الله وسخطه لمن عمل به. ﴿لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ الذين هم يخافون الله، وخصَّهم لأنهم هم المنتفعون به، وجرت العادة في القرآن أن الله يخص المنتفعين (١)، كما قال: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: آية ١١] وهو منذر للأسود والأحمر، ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ [النازعات: آية ٤٥] وهو منذر للجميع، ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: آية ٤٥] وهو مذكر لمن يخاف ومن لا يخاف كما هو معلوم. واللام في قوله: ﴿لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ففيها أوجه (٢)، وأظهرها أن المعمول إذا قُدِّم على عامله ضعفت تعديته إليه، فإذا جيء باللام تقوَّتِ التَّعْدِيَةُ، ونظيره قوله: ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا

стр. 1994

تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: آية ٤٣]. وقال بعض العلماء: هي اللام الأجَلِيَّةُ التَّعْلِيليَّةُ، ﴿يَرْهَبُونَ﴾ يخافون لأجل ربهم، لا للسّمْعَة ولا الرياء، كما قاله بعضهم. ومعنى: ﴿يَرْهَبُونَ﴾: يخافون، والرَّهَب: الخوف، والمعنى: أن في المنسوخ المكتوب في تلك الألواح هدىً ورحمة لمن يخاف الله؛ لأنه هو الذي يعمل به وينتفع به، وهذا معنى قوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أي: يرهبون ربهم، أي: يخافونه، ولما قُدِّمَ المعْمُول ضعف تعدي الفعل إليه فأُكِّد باللام كقوله: ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: آية ١٥٥] جمهور العلماء على أن ﴿قَوْمَهُ﴾ منصوب بنزع الخافض؛ لأن أصل الفعل يتعدى إليه بـ (من) فحذفت (مِن) فتعدى الفعل إليه بنفسه فنُصب، والأصل: واختار موسى من قومه سبعين رجلاً، فحُذفت (مِن) ونُصب ﴿قَوْمَهُ﴾، وهذا الأسلوب معروف في كلام العرب، ومنه قول الفرزدق (١): مِنّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجَال سَمَاحةً ... وَجُودًا إذا هَبَّ الرِّيَاحُ الزَّعَازِعُ معناه: (اختير الرجال) أي: اختير من الرجال؛ لأجل سماحته وجوده. ومنه قول الراعي يمدح رجلاً (٢): اخْتَرْتُكَ النَّاسَ إذا رثّتْ خلائِقُهُم ... واختَلَّ مَنْ كَانَ يُرْجَى عنْدَهُ السُّولُ يعني: اخترتك من الناس، هذا أسلوب معروف لا إشكال فيه.

стр. 1995

وزعم الأخفش الصغير -سليمان بن علي- أن النصب بنزع الخافض مطَّرِدٌ قِيَاسِيٌّ إذا أُمِنَ اللَّبْسُ، وجماهير علماء العربية يقولون إنه سَمَاعِي يُحْفظُ ما سُمع منه ولا يُقاس عليه، كما هو معلوم في محلّه (١). واختار موسى من قومه سبعين رجلاً. اعلم أن هذه السبعين لا شك أن الله أمر موسى أن يختارها، ووقَّت لها وقتًا معينًا يأتيه بها في محل معين، إلا أنه مُخْتَلَف في ميقات هذه السبعين ما هو؟ وما سببه؟ اختلف العلماء في ذلك (٢)، فذهب بعض العلماء إلى أن ميقات السبعين هذه المذكور هنا في قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا﴾ زعم بعضهم أنه الميقات الأول الذي قال فيه: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: آية ١٤٣] وأن الله لما أمر موسى بذلك الميقات أمره أن يأتيه في سبعين رجلاً من قومه يختارها، وتكون من خيارهم، وأنه جاءه بسبعين منهم، وسأل الله أن يُسمعهم كلام الله، فسمعوا كلام الله يكلم موسى، يأمره ويَنْهَاه، افْعل ولا تفعل، وأنه لما انْقَضَتِ المُنَاجَاةُ، وارْتَفَعَ عَمُود الغمام الذي كانوا فيه قالوا له: يا موسى ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: آية ٥٥] وأنهم أخذتهم الصاعقة، كما سيأتي تفصيله، وعلى هذا القول فالميقات ميقات السبعين هو ميقات موسى للمناجاة وإنزال التوراة. وهذا القول ليس بظاهر؛ لأن ما وقع في الميقاتين والقِصَّتَيْن كله مختلف، فيظهر أنه ميقات آخر وقصة أخرى، وللعلماء فيه أقوال:

стр. 1996

قال بعض العلماء: لما عَبَدُوا العِجْلَ أمَرَهُ الله أن يأتي إلى الطور بسبعين يختارها من خيارهم ليعتذروا إلى ربهم من عبادة قومهم للعجل حتى يتوب عليهم، وأن هذا هو ميقات السبعين التي اختيرت من أجله. وقال بعض العلماء: ذهب موسى وهارون ومع هارون ابنه شبر وابنه شبير، جاءوا إلى جبل فوجدوا عند ذلك الجبل كرسيًّا فاضطجع عليه هارون وقَبَضَ الله رُوحَهُ، فلما رجع موسى لبني إسرائيل قالوا: أين هارون؟ قال: مات. قالوا: بل قتلته وحسدتنا على لين خلقه، أنت الذي قتلته!! وأنه قال: كيف أقتله ومعي ابناه؟ وأن الله أعطاه وعدًا يختار منهم سبعين حتى يُحيي لهم هارون ويسألوه، وأن السبعين ذهبت حتى جاء هارونَ وقال: مَنْ قَتَلَكَ؟ قال: ما قتلني أحد ولكن الله توفاني. إلى أقوالٍ كثيرةٍ من هذا النمط لا دليل عليها. هذه هي الأقوال في الميقات، وعلى كل حال فَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلاً مِنْ خِيَارِ الإِسْرَائِيليين اختارها موسى لميقاتٍ وقَّتَه الله له، ولما جاءوا ذلك الميقات أخذتهم بالرجفة، والرجفة: الزلزلة الشديدة، والهزَّة العظيمة. واختلف العلماء في سبب هذه الرجفة وهذه الهزة اختلافًا مبنيًّا على الميقات الذي كنا نقول (١)، فقال بعضهم: إنه ذهب بهم ليعتذروا من عبادة العجل، وأن الله أسمعهم كلامه لنبيه، وأنهم قالوا له: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فامتنعوا من الإيمان والتصديق

стр. 1997

حتى يروا الله، فأخذتهم الصاعقة، وتلك الصاعقة هي التي أرجفتهم، وقال هنا: ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: آية ١٥٥]. وقال بعض العلماء: هؤلاء الطائفة لم يفعلوا ذنبًا لكنهم لما ذهبوا مع موسى وسمعوا كلام الله داخلتهم هيبة شديدة وخوف عظيم حتى كادت مفاصلهم يبين بعضها من بعض. وهذا القول لا يتجه؛ لأنه يقول: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء﴾ وهذا يدل على أن هنالك بعض الشيء. وقال بعض العلماء: إن الله لما أمر موسى أن يأتي الميقات بسبعين، اختار السبعين وهم في نظره أفضل بني إسرائيل، وما كان يظن أنهم قد عبدوا العجل مع من عبده، وهم قد عبدوه، وموسى لا يدري عن ذلك، فلما جاءوا الميقات جاءتهم الرجفة والهزة العنيفة بسبب عبادة العجل. وقال بعض العلماء: لم يعبدوا العجل ولكنهم داهنوا من عبَدَه فلم يزجروه زجرًا قويًّا، فجاءتهم الرجفة لعدم زَجْرِهِمْ كَمَا يَنْبَغِي. هذه أقوال المفسرين، وفيها غير هذا، ولا شيء يقوم عليه الدليل القاطع منها، والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الهزة الشديدة، سواء قلنا إنها بسبب قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] أو بسبب أنهم عبدوا العجل، أو أنهم لم ينهوا مَنْ عَبَدَ العِجْلَ، أو غير ذلك من الأسباب، ضاق الأمر بموسى، وعلم أنهم إن ماتوا وقعت بنو إسرائيل في بليةٍ لا مخرج منها؛ لأنه لو ماتت تلك

стр. 1998

السبعون من خيارهم وجاءهم فقالوا: أين السبعون؟ فقال: ماتوا. يقولون: أنت الذي قتلتهم!! ويقع فيهم الخلاف والشقاق والفساد الذي لا حد له، ومن هنا كان نبي الله موسى حريصًا جدًّا على أن الله يحييهم -على القول بأنهم ماتوا- أو يرفع عنهم الرجفة -على القول بأنهم سقطوا مغشيًا عليهم غير ميتين- كما هو معروف. وهذا معنى قوله: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قال موسى متضرِّعًا لِرَبِّهِ ألاّ يقتلهم في ذلك الوقت الحَرِج، وذلك الظرف العصيب الذي له عواقب سيئة في قومه: ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ﴾ يا رب لو شئت إهلاكهم أهلكتهم من قبل هذا الوقت؛ لأنه مَرَّتْ أوْقَات لو هلكوا فيها ما كان في إهلاكهم عاقبة سيئة، فلو قتلتهم بمحضر قَوْمِهِمْ وهم ينظرون لما كانوا يَتَّهِمُونِي ولا نشأ عن ذلك فساد ولا بلايا ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ أي: وأهْلَكْتَنِي مَعَهُمْ في غير هذا الظرف كان ذلك أهون عليَّ وأقل أذيةً لي. ثم إنه قال مُنَاجِيًا رَبَّهُ، وهذا الاستفهام -على التحقيق- استفهام استعلام مع تذللٍ واستعطاف ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾ تهلكني أنا وإياهم. وقال بعض العلماء: تهلك جميع بني إسرائيل؛ لأنهم إن ماتوا في ذلك اتهموا نبيَّهُمْ ووقع فيهم الخلاف والقيل والقال الذي لا يرتفع. ﴿بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا﴾ السفهاء: جمع سَفِيهٍ. والمراد بهم هنا: الذين فعلوا الموجب الذي أخذتهم الرجفة بسببه سواء قلنا: إنه قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: آية ٥٥] ولا سفه أكبر من ذلك، أو عبادتهم العجل، أو عدم نهيهم من عَبَدَ العجل، إلى غير ذلك.

стр. 1999

والسفهاء: جمع سفيه، والسفه في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناه: الخِفَّة والطيش (١)، تقول العرب: «تَسَفَّهَت الريحُ الريشةَ» إذا استخَفَّتْهَا فطارَتْ بِهَا كُل مَطَارٍ. وهو في الاصطلاح: خِفَّةُ العَقْلِ وعَدَمُ رَجَاحَةِ الحلم، حتى يفعل الأشياء التي تضره وهو لا يدري أنها تضره (٢). والسفه في اصطلاح الفقهاء الذي يحجر به على المال (٣) اختلف علماء الفقه في تحقيق مناطه (٤)، فَذَهَبَ مالك بن أنس ومَنْ وَافقَهُ من العلماء أن مناطه على حفظ المال وحسن النظر فيه، فلو كان الإنسان يحفظ ماله ويحسن النظر فيه لم يكن سفيهًا عند مالك، وأُعطي له ماله ولو كان فاسقًا شِرِّيبًا سكِّيرًا عاصيًا لله. وذهب الشافعي في طائفةٍ من العلماء إلى أنه إن كان يعصي الله فهو أسْفَهِ السفهاء، وأنه لا يستحق ماله إلا وهو مطيع لله؛ لأن من عصى الله سفيه خفيف العقل طائشه لا يعلم مصلحته. وَشَارِبُ الخَمْرِ إِذَا مَا ثَمَّرا ... لما يَلِي مِنْ مَالِهِ لَمْ يُحْجَرَا (٥) أي: عند مالك، خلافًا للشافعي ومن وَافقه -رحم الله الجميع- وهذا معنى ﴿بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا﴾.

стр. 2000

ثم قال موسى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَاّ فِتْنَتُكَ﴾ الذي جرأ موسى على أن يضيف الفتنة إلى الله هو أن الله قال له: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾ [طه: آية ٨٥] فأسند الله هذه الفتنة لنفسه بقوله: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ فجرأ ذلك موسى على أن يقول: ﴿إِنْ هِيَ إِلَاّ فِتْنَتُكَ﴾ سواء قلنا: إنَّ الرجفة أخذتهم بسبب قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فهذا امتحان وابتلاء من الله، أو بسبب أنهم عبدوا العجل فذلك ابتلاء وامتحان من الله، أو بسبب أنهم لم ينهوا من عَبَدَ العجل فذلك ابتلاء وامتحان من الله. وهذا معنى قوله: ﴿إِنْ هِيَ﴾ أي: الفتنة التي فتنوا بها، ما هي إِلَاّ ﴿فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء﴾. وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا أن (الفتنة) أُطلقت في القرآن إطلاقاتٍ معروفة مشهورة (١)، فمن أشهر إطلاقاتها: الاختبار والامتحان، ومنه قوله: ﴿لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن: الآيتان ١٦ - ١٧] ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: آية ٣٥] فأشهر إطلاقاتها: الامتحان والابتلاء. ومن إطلاقات الفتنة هو: الإحراق بالنار كقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ [النازعات: آية ١٣] أي: يحرقون، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: آية ١٠] أحرقوهم بنار الأخدود على القول بذلك. ومن إطلاقات الفتنة: نتيجة الاختبار إن كانت سَيِّئَةً خاصةً، كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: لا يبقى شرك على وجه الأرض، بدليل قوله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا
следующие страницы →