← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

قال بعض العلماء: لما عَبَدُوا العِجْلَ أمَرَهُ الله أن يأتي إلى الطور بسبعين يختارها من خيارهم ليعتذروا إلى ربهم من عبادة قومهم للعجل حتى يتوب عليهم، وأن هذا هو ميقات السبعين التي اختيرت من أجله. وقال بعض العلماء: ذهب موسى وهارون ومع هارون ابنه شبر وابنه شبير، جاءوا إلى جبل فوجدوا عند ذلك الجبل كرسيًّا فاضطجع عليه هارون وقَبَضَ الله رُوحَهُ، فلما رجع موسى لبني إسرائيل قالوا: أين هارون؟ قال: مات. قالوا: بل قتلته وحسدتنا على لين خلقه، أنت الذي قتلته!! وأنه قال: كيف أقتله ومعي ابناه؟ وأن الله أعطاه وعدًا يختار منهم سبعين حتى يُحيي لهم هارون ويسألوه، وأن السبعين ذهبت حتى جاء هارونَ وقال: مَنْ قَتَلَكَ؟ قال: ما قتلني أحد ولكن الله توفاني. إلى أقوالٍ كثيرةٍ من هذا النمط لا دليل عليها. هذه هي الأقوال في الميقات، وعلى كل حال فَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلاً مِنْ خِيَارِ الإِسْرَائِيليين اختارها موسى لميقاتٍ وقَّتَه الله له، ولما جاءوا ذلك الميقات أخذتهم بالرجفة، والرجفة: الزلزلة الشديدة، والهزَّة العظيمة. واختلف العلماء في سبب هذه الرجفة وهذه الهزة اختلافًا مبنيًّا على الميقات الذي كنا نقول (١)، فقال بعضهم: إنه ذهب بهم ليعتذروا من عبادة العجل، وأن الله أسمعهم كلامه لنبيه، وأنهم قالوا له: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فامتنعوا من الإيمان والتصديق

стр. 1997

حتى يروا الله، فأخذتهم الصاعقة، وتلك الصاعقة هي التي أرجفتهم، وقال هنا: ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: آية ١٥٥]. وقال بعض العلماء: هؤلاء الطائفة لم يفعلوا ذنبًا لكنهم لما ذهبوا مع موسى وسمعوا كلام الله داخلتهم هيبة شديدة وخوف عظيم حتى كادت مفاصلهم يبين بعضها من بعض. وهذا القول لا يتجه؛ لأنه يقول: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء﴾ وهذا يدل على أن هنالك بعض الشيء. وقال بعض العلماء: إن الله لما أمر موسى أن يأتي الميقات بسبعين، اختار السبعين وهم في نظره أفضل بني إسرائيل، وما كان يظن أنهم قد عبدوا العجل مع من عبده، وهم قد عبدوه، وموسى لا يدري عن ذلك، فلما جاءوا الميقات جاءتهم الرجفة والهزة العنيفة بسبب عبادة العجل. وقال بعض العلماء: لم يعبدوا العجل ولكنهم داهنوا من عبَدَه فلم يزجروه زجرًا قويًّا، فجاءتهم الرجفة لعدم زَجْرِهِمْ كَمَا يَنْبَغِي. هذه أقوال المفسرين، وفيها غير هذا، ولا شيء يقوم عليه الدليل القاطع منها، والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الهزة الشديدة، سواء قلنا إنها بسبب قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] أو بسبب أنهم عبدوا العجل، أو أنهم لم ينهوا مَنْ عَبَدَ العِجْلَ، أو غير ذلك من الأسباب، ضاق الأمر بموسى، وعلم أنهم إن ماتوا وقعت بنو إسرائيل في بليةٍ لا مخرج منها؛ لأنه لو ماتت تلك

стр. 1998

السبعون من خيارهم وجاءهم فقالوا: أين السبعون؟ فقال: ماتوا. يقولون: أنت الذي قتلتهم!! ويقع فيهم الخلاف والشقاق والفساد الذي لا حد له، ومن هنا كان نبي الله موسى حريصًا جدًّا على أن الله يحييهم -على القول بأنهم ماتوا- أو يرفع عنهم الرجفة -على القول بأنهم سقطوا مغشيًا عليهم غير ميتين- كما هو معروف. وهذا معنى قوله: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قال موسى متضرِّعًا لِرَبِّهِ ألاّ يقتلهم في ذلك الوقت الحَرِج، وذلك الظرف العصيب الذي له عواقب سيئة في قومه: ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ﴾ يا رب لو شئت إهلاكهم أهلكتهم من قبل هذا الوقت؛ لأنه مَرَّتْ أوْقَات لو هلكوا فيها ما كان في إهلاكهم عاقبة سيئة، فلو قتلتهم بمحضر قَوْمِهِمْ وهم ينظرون لما كانوا يَتَّهِمُونِي ولا نشأ عن ذلك فساد ولا بلايا ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ أي: وأهْلَكْتَنِي مَعَهُمْ في غير هذا الظرف كان ذلك أهون عليَّ وأقل أذيةً لي. ثم إنه قال مُنَاجِيًا رَبَّهُ، وهذا الاستفهام -على التحقيق- استفهام استعلام مع تذللٍ واستعطاف ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾ تهلكني أنا وإياهم. وقال بعض العلماء: تهلك جميع بني إسرائيل؛ لأنهم إن ماتوا في ذلك اتهموا نبيَّهُمْ ووقع فيهم الخلاف والقيل والقال الذي لا يرتفع. ﴿بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا﴾ السفهاء: جمع سَفِيهٍ. والمراد بهم هنا: الذين فعلوا الموجب الذي أخذتهم الرجفة بسببه سواء قلنا: إنه قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: آية ٥٥] ولا سفه أكبر من ذلك، أو عبادتهم العجل، أو عدم نهيهم من عَبَدَ العجل، إلى غير ذلك.

стр. 1999

والسفهاء: جمع سفيه، والسفه في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناه: الخِفَّة والطيش (١)، تقول العرب: «تَسَفَّهَت الريحُ الريشةَ» إذا استخَفَّتْهَا فطارَتْ بِهَا كُل مَطَارٍ. وهو في الاصطلاح: خِفَّةُ العَقْلِ وعَدَمُ رَجَاحَةِ الحلم، حتى يفعل الأشياء التي تضره وهو لا يدري أنها تضره (٢). والسفه في اصطلاح الفقهاء الذي يحجر به على المال (٣) اختلف علماء الفقه في تحقيق مناطه (٤)، فَذَهَبَ مالك بن أنس ومَنْ وَافقَهُ من العلماء أن مناطه على حفظ المال وحسن النظر فيه، فلو كان الإنسان يحفظ ماله ويحسن النظر فيه لم يكن سفيهًا عند مالك، وأُعطي له ماله ولو كان فاسقًا شِرِّيبًا سكِّيرًا عاصيًا لله. وذهب الشافعي في طائفةٍ من العلماء إلى أنه إن كان يعصي الله فهو أسْفَهِ السفهاء، وأنه لا يستحق ماله إلا وهو مطيع لله؛ لأن من عصى الله سفيه خفيف العقل طائشه لا يعلم مصلحته. وَشَارِبُ الخَمْرِ إِذَا مَا ثَمَّرا ... لما يَلِي مِنْ مَالِهِ لَمْ يُحْجَرَا (٥) أي: عند مالك، خلافًا للشافعي ومن وَافقه -رحم الله الجميع- وهذا معنى ﴿بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا﴾.

стр. 2000

ثم قال موسى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَاّ فِتْنَتُكَ﴾ الذي جرأ موسى على أن يضيف الفتنة إلى الله هو أن الله قال له: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾ [طه: آية ٨٥] فأسند الله هذه الفتنة لنفسه بقوله: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ فجرأ ذلك موسى على أن يقول: ﴿إِنْ هِيَ إِلَاّ فِتْنَتُكَ﴾ سواء قلنا: إنَّ الرجفة أخذتهم بسبب قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فهذا امتحان وابتلاء من الله، أو بسبب أنهم عبدوا العجل فذلك ابتلاء وامتحان من الله، أو بسبب أنهم لم ينهوا من عَبَدَ العجل فذلك ابتلاء وامتحان من الله. وهذا معنى قوله: ﴿إِنْ هِيَ﴾ أي: الفتنة التي فتنوا بها، ما هي إِلَاّ ﴿فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء﴾. وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا أن (الفتنة) أُطلقت في القرآن إطلاقاتٍ معروفة مشهورة (١)، فمن أشهر إطلاقاتها: الاختبار والامتحان، ومنه قوله: ﴿لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن: الآيتان ١٦ - ١٧] ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: آية ٣٥] فأشهر إطلاقاتها: الامتحان والابتلاء. ومن إطلاقات الفتنة هو: الإحراق بالنار كقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ [النازعات: آية ١٣] أي: يحرقون، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: آية ١٠] أحرقوهم بنار الأخدود على القول بذلك. ومن إطلاقات الفتنة: نتيجة الاختبار إن كانت سَيِّئَةً خاصةً، كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: لا يبقى شرك على وجه الأرض، بدليل قوله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا

стр. 2001

لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ» (١) وتدل على ذلك الآيتان في سورة البقرة وسورة الأنفال؛ لأن الله قال في البقرة: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله﴾ [البقرة: آية ١٩٣] فقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لله﴾ معناه: أنه لا يبقى شرك في الأرض؛ لأن الشرك ما دام في الأرض فالدين بعضه للشركاء، وآية الأنفال قوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ [الأنفال: آية ٣٩] كما هو ظاهر. وأطلقت الفتنة في سورة الأنعام على الحُجة في قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ﴾ وفي القراءة الأخرى: ﴿فتنتَهم﴾ (٢) أي: حجتهم ﴿إِلَاّ أَن قَالُواْ وَالله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: آية ٢٣]. ﴿تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء﴾ كما أضللت الذين عبدوا العجل والذين قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: آية ٥٥] ﴿وَتَهْدِي﴾ بها ﴿مَن تَشَاء﴾ فلا تفتنه. ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا﴾ الولي في لغة العرب التي نزل بها القرآن: هو مَنِ انْعَقَدَ بَيْنَكَ وبينه سبب يجعلك تواليه ويواليك (٣)، والله ولي المؤمنين ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: آية ٥٥] والمؤمنون أولياء الله ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: الآيتان ٦٢، ٦٣] فهم يوالونه بالطاعة وهو يواليهم بالثواب الجزيل والرحمة والغفران. وهذا معنى قوله: ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا﴾.

стр. 2002

﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ الغفر في لغة العرب: معناه الستر، ومنه سُمِّي المغفر مغفرًا؛ لأنه يستر الرأس، والمراد به سَتْر الذنوب ومحْوها حتى لا يَظْهَرَ لها أثر يَتَضَرَّر به صاحبها (١). ﴿وَارْحَمْنَا﴾ الرحمة: صِفَة معروفة من صفات الله تظهر آثارها في خَلْقِهِ، وهي على التحقيق صفة معنى قائمة بالذات، غلط كثيرٌ من المتكلمين زعم أنها من صفات الأفعال، كما هو معلوم في محله. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ الذين يغفرون الذنوب؛ لأن مَنْ غَفَرَ في الدنيا قد يغفر لتحسن سمعته ( ... ) (٢). [٢٠/أ] / ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شيء فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الاعراف: آيات ١٥٦ - ١٥٩].

стр. 2003

يقول الله : ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شيء فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ هذا من بقية دعاء موسى بن عمران (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام)، قال: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قوله: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا﴾ معناه قدر لنا واقض لنا، أي: اجعل ذلك قدرًا مقدورًا وقضاءً مقضيًّا لنا ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ في هذه الحياة (الدنيا) تأنيث الأدنى لدنوِّها أو لدناءتها بالنسبة إلى الآخرة. ﴿حَسَنَةً﴾ قد قدمنا في سورة البقرة في الكلام على قوله: ﴿وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: آية ٢٠١] أن أظهر الأقوال أنّ الحسنة المطلوبة في الدنيا شاملة، فهي شاملة للتوفيق، والحياة الطيبة، والرزق الحسن، والعافية، وأن حسنة الآخرة المسئولة هي الجنة ونعيمها والنظر إلى وجه الله الكريم، فطلب موسى حسنة الدنيا الشاملة لعافيتها وتوفيقها ورزقها، وحسنة الآخرة التي هي التَّنَعُّمُ في الجَنَّةِ، والنَّظَر إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ، هذا معنى قوله: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ﴾ أي: وفي الآخرة حسنة. فحُذفت لدلالة ما قبلها عليها. وقوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ العرب تقول: هاد يهود: إذا تَابَ

стр. 2004

ورَجَعَ، وهذا هو المعنى المشهور الصحيح في هذه الآية ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تُبْنَا ورَجَعْنَا إليك. وهذا كالتعليل لما قبله؛ لأن التوبة والإنابة والرجوع إليه من الأسباب التي يكتب الله بها حسنة الدنيا وحسنة الآخرة العرب تقول: هد أيها الرجل. تُبْ إلى الله من ذنوبك وارجع، وهاد: أي: تاب. والهُود: جمع هائد وهو التائب. وقد قال بعضهم (١): يَا رَاكِبَ الذَّنْبِ هُدْ هُدْ ... واسْجُدْ كَأَنَّكَ هُدْهُد معنى: ﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تبنا ورجعنا منيبين إليك. قال الله جل وعلا: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء﴾ قرأ هذا الحرف جماهير القراء: ... ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء﴾ بإسكان ياء المتكلم. وقرأه نافع: ﴿عَذَابيَ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ وهما لغتان فصيحتان وقراءتان صحيحتان (٢). ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ﴾ أعذب به وأهين به ﴿مَنْ أَشَاء﴾ أي: من أشاء إهانته به. والقراءة الصحيحة التي قرأ بها الجمهور: ﴿مَنْ أَشَاء﴾ بالشين المعجمة المثلثة وضم الهمزة. أما القراءة التي تُذكر عن الحسن وغيره أنه قرأ: «قال عذابي أصيب به من أساء ورحمتي وسعت كل شيء» (٣) فهي قراءة شاذة لا تجوز القراءة بها. ومعلوم أن أهل الأهواء والبدع من قدرية وغيرهم يستدلون بتلك القراءة: «أصيب به من أساء» يستدلون بها

стр. 2005

لشيء من مذاهبهم، ولما كانت قراءةً شاذةً لا تجوز القراءة بها فلا معول عليها ولا طائل لما أخذوه منها واستدلوا به لمذاهبهم الباطلة. وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الرحمة صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الله اشْتَقَّ مِنْهَا لِنَفْسِه اسمه (الرحمن) واسمه (الرحيم)، وهي على التحقيق من صفات المعاني القَائِمَة بذاته (جل وعلا)، وكثيرٌ من المتكلمين الذين يُؤَوِّلون صفات الله ويحملونها أولاً على محامل غير طيبة ثم يُلْجِئُهم ذلك إلى تأويلها يزعمون أنها صفة فعل. وذلك ليس بحق، والحق أنها صفة ذات من صفات المعاني القائمة بذات الله، ولا تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ المخْلُوقِين، ليس فيها رقة مخلوقية، ولا انعطاف مخلوقي، لا وكلاّ، بل هي صفة كمال وجلال لائقة برب العالمين، منزهةٌ كل التنزيه، مقدسةٌ كل التقدير، لم تشبه شيئًا من صفات الخلق. وقوله: ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شيء﴾ رحمة الله واسعةٌ لا تضيق عن شيء، فهي تسع كل شيء كائنًا ما كان. و (الشيء) عند أهل السنة والجماعة يُطلق على الموجود، ولا يُطلق على المعدوم (١)، فكل موجود يُطلق عليه اسم (الشيء) عند أهل السنة والجماعة، ولا يُطلق (الشيء) على [المعدوم] (٢). وجاز إطلاقه على الله كما قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: آية ٨٨] وقال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: آية ١٩]، ولا يطلق على المعدوم بدليل أنّ الله صرح بأن المعدوم ليس بشيء كقوله:

стр. 2006

﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شيئًا﴾ [مريم: آية ٩] فصرح بأن المعدوم ليس بشيء. والمعتزلة يقولون: إنّ المعدوم يصدق عليه اسم (الشيء) ويتعسفون الاستدلال لذلك من آية من كتاب الله، قالوا: إن الله قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشيء إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ فسماه (شيئًا) قبل أن يريده، وقبل أن يقول له: «كن» وهو في ذلك الحين معدوم. وهذا لا دليل فيه؛ لأنه لما تعلقت إرادة الله به صار كأنه موجود بالفعل؛ لأن المتوقع وجوده كالموجود بالفعل. هذا معنى قوله: ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شيء﴾. يقول بعض المفسرين: إنه لما عمم سعة رحمته لكل شيء أن إبليس طمع ومد عنقه، وأنه لما قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أنه يئس ورجع. هكذا يقولون، والله أعلم بصحته (١). ويزعمون أن أهل الكتابين قالوا: نحن ممَّنْ يَتَّقِي. فلمّا جاء بعض الصفات علموا أنها لا تنطبقُ كل الانطباق إلا على هذه الأمة الكريمة المرحومة (٢)؛ ولذا قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أجعلها مكتوبة مُقَدَّرَةً مقضيةً لهم، والعرب كل شيء لازم محتوم تسميه مكتوبًا، وهو معروف في لغتهم، ومنه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: آية ١٨٣] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: آية ١٧٨] لأن (كَتْب الشيء) معناه: جعله لازمًا، وهذا معروفٌ في لغة العرب، ومنه قول الشاعر (٣):

стр. 2007

يَا بِنْتَ عَمِّي كِتَابُ اللهِ أَخْرَجَنِي ... عَنْكُمْ فَهَلْ أَمْنَعَنَّ اللهَ مَا فَعَلَا قوله (كتاب الله) أي: ما كتبه وقَضَاهُ وحَكمه. ومنه بهذا المعنى قول ابن أبي ربيعة (١): كُتِبَ القَتْلُ والقِتَالُ عَلَيْنَا ... وَعَلَى الغَانِيَاتِ جَرُّ الذُّيولِ وهذا معنى قوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي: يجعلون بينهم وبين غضب خالقهم وعقابه وقاية تقيهم سخط ربهم وعذابه. وتلك الوقاية هي امتثال أَمْرِهِ واجتناب نهيه (جل وعلا) كما بيّناه مرارًا (٢). أي: يتقون الشرك والمعاصي، ويمتثلون أوامِرَ الله، هذا معنى قوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. أكثر العلماء على أن معنى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ يُعطون الحقوق الواجبة في المال المقررة المفصلة في السنة في المواشي والزروع والثمار والمعادن والذهب والفضة والتجارة وما جرى مجرى ذلك مما تجب فيه الزكاة، وأن هذا هو المراد بالزكاة الحقوق الواجبة في المال. وقال بعض العلماء: هي زكاة الأبدان وتطهيرها من أدران الذنوب والمعاصي والشرك بطاعة الله (جل وعلا)؛ لأن من أطاع الله زكى، أي: طهر من أدناس الذنوب وأرجاسها كما قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ﴾ [النور: آية ٢١] هذا معنى قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ

стр. 2008

بِآيَاتِنَا﴾ الشرعية التي أنزلنا على رسلنا ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدقون الرسل فيها، ويشمل ذلك عند بعضهم: ﴿بِآيَاتِنَا﴾: الكونية القدرية، كما نصبنا من العلامات على قدرتنا، وأني أنا المستحق العبادة وحده، يؤمنون بذلك فيعلمون أنها دالة على ربوبية من نصبها، واستحقاقه للعبادة وحده. ويفهم من هذه الآية من مفهوم مخالفتها: أن الذين لا يتقون الشرك ولا المعاصي، ولا يؤتون الزكاة لا تكتب لهم هذه الرحمة، وقد بيّن تعالى ذلك في قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الآية [فصلت: الآيتان ٦، ٧] وهذا معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٥٦]. ثم ذكر من صفاتهم: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ﴾ [الأعراف: آية ١٥٧] للعلماء كلامٌ كثير في الفرق بين الرسول والنبي، وأشهر الفوارق المعروفة عندهم: أن الرسول من أُرسل إليه وحي وأُمر بتبليغه، وأن النبي من أُوحي إليه سواء أُمر بتبليغه أو لم يؤمر (١). وهذا الفرق مشهورٌ على ألسنة العلماء، تأباه آية من سورة الحج، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَاّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية [الحج: آية ٥٢] فإنه صرح فيها بأن هناك نبيًا مرسلاً ورسولاً مرسلاً، ومع أنهما مرسلان فهما متغايران كما دل عليه العطف؛ ومن أجل هذه الآية قال بعض العلماء: الرسول: من أُنزل إليه كتاب مستقل كمحمد ﷺ وموسى، والنبي: من أُمر بأن يتعبد بكتاب منزل على غيره كأنبياء بني إسرائيل الذين يؤمرون بالتعبد

стр. 2009

بما في التوراة، كما بينا ذلك سابقًا في المائدة في الكلام على قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة: آية ٤٤] أي: يحكمون بها بأمرٍ من الله أنهم يحكمون بما فيها، إلى غير ذلك من الفوراق (١). وفي حديث البراء الثابت في الصحيح أنّ البراء لما قال: «آمنت برسولك الذي أرسلت» قال له النبي ﷺ : «بِنَبِيِّكَ الذي أرْسَلْتَ» (٢). وذلك يدل على أنه لو قال: «رسولك الذي أرسلت» يكون الكلام تكرارًا محضًا، فلما قال: «وَنَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ» صار الكلام ليس تكرارًا محضًا. هذا معنى قوله: ﴿يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: آية ١٥٧]. الأمي: هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، وكان نبينا ﷺ لا يعرف الكتابة ولا يعرف قراءة الكتب. وقد عرفتم في السيرة والتاريخ في صلح الحديبية أنه لما كتب عليٌّ ﵁ وثيقة الصلح التي وقعت بين النبي ﷺ في صلح الحديبية مع سهيل بن عمرو العامري قال: هذا ما اتفق عليه محمد رسول الله ﷺ مع قريش. قال له: امحُ عنّا هذا، لو كنا نقرّ بأنك رسول الله لما صددناك عن البيت الحرام وأنت محرم. فقال لعلي: امْحُها. فامتنع علي أن يمحوها، فطلب منهم أن يروه محلها -لا يعرفها- حتى محاها (٣). هذا يُذكر في

стр. 2010

الأخبار والسيرة، ولكن الله نص على ما يدل على هذا في سورة العنكبوت حيث قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: آية ٤٨] وهذا معنى (الأمي): الذي لا يقرأ ولا يكتب. واختلف العلماء في منشأ النسبة إلى الأمي هذه (١)، فقال بعض العلماء: منسوب إلى أمة العرب؛ لأنهم أمةٌ أميون لا يكتبون ولا يحسبون؛ ولذا كانوا يعدون بالحصى؛ لأنهم لا يكتبون ولا يحسبون. (الأمي) أي: من أمة -منسوب إلى أمة- لا تحسب ولا تكتب ولا تقرأ. قال بعض العلماء: منسوبٌ إلى أم القرى وهي مكة المكرمة حرَسَها الله. وجماعةٌ من العلماء يقولون: الأمّيّ: الذي لا يقرأ ولا يكتب، منسوب إلى أمِّه؛ لأنه كأنه على الحالة التي ولدته بها أمُّه لم يتعلم بعدها كتابة ولا قراءة. هكذا زعمه بعضهم والله تعالى أعلم. ﴿يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ﴾ [الأعراف: آية ١٥٧]. قوله: ﴿يَجِدُونَهُ﴾ معناه يجدون صفته الكاشفة ونعوته الواضحة مكتوبةً عندهم في التوراة والإنجيل؛ لأن الله بَيَّن صفات هذا النبي الكريم ونعوته الكاشفة التي لا تترك في النبي لبسًا، بَيَّنها في التوراة، وهو الكتاب الذي أنزل على موسى، وبَيَّنها في الإنجيل، وهو الكتاب الذي أنزل على عيسى (عليهم وعلى نبينا صلاة الله وسلامه)، فصفاته موجودةٌ عندهم، حتى إن الله قال عنهم:

стр. 2011

﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: آية ١٤٦] لشدةِ إيضاحه بالصفات الكاشفة التي لا لبس فيها بُينت لهم صفاته موضحة، وأُخذت عليهم المواثيق إن بعثه الله ليؤمنن به ولينصرنه، وأخذ الله ذلك الوعد على جميع الرسل، وعلى جميع أمم الرسل على ألسنة الرسل، كما أوضحه الله (تعالى) في سورة (آل عمران) وهو قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتيناكم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ وفي القراءة الأخرى: ﴿لماءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾ (١) هو محمد ﷺ على أصح التفسيرين، وهو الحق الذي لا شك فيه -إن شاء الله- وجزم به غير واحد ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ [آل عمران: الآيتان ٨١، ٨٢] أخذ عليهم هذه العهود المؤكدة العظيمة بالإيمان به ﷺ وبيّن لهم صفاته الكاشفة ونعوته الواضحة، كما قال هنا: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ أي: صفته ونعته الذي يوضحه ولا يترك فيه لبسًا. ﴿مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الأعراف: آية ١٥٧] قرأ هذا الحرف عامة القراء غير أبي عمرو: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ وروي عن الدوري أنه اختلس الضمة، وقرأه أبو عمرو: ﴿يَأْمُرْهُمْ بِالمَعْرُوفِ﴾ بسكون الراء (٢). وجزْم الفعل المضارع بلا جازم للتخفيف لغةٌ موجودةٌ في كلام العرب، جاءت بها

стр. 2012

قراءات صحيحة في كتاب الله لا إشكال فيها (١)، وأنشد بعض علماء العربية لجزم المضارع من غير جازم تخفيفًا قول امرئ القيس (٢): الْيَوْمَ أشْرَب غَيْر مُسْتَحْقب ... إِثْمًا مِنَ الله ولا وَاغِلِ ومعروف أن بعضهم كَوَرْش يُبدل الهمزة ألفًا، تقول: ﴿يامُرُهُم بالمعروف﴾ ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿يأمُرْهم بالمعروف﴾ (٣). (المعروف): هو كل ما عرفه الشرع وكان منه، كعبادة الله وحده، وصلة الأرحام، ومكارم الأخلاق، وغير ذلك مما جاء به ﷺ . ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ المنكر: اسم مفعول (أنكره) وهو ما أنكره الشرع ولم يكن منه، ولم يأمر به، كعبادة الأوثان، وادعاء الأولاد لله، وكالخصال السيئة، وارتكاب المعاصي. ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ اختلف العلماء في معنى الطِّيْب والخُبث في هذه الآية الكريمة ونحوها من الآيات في كتاب الله (٤)، واختلافهم هذا من الاختلاف الذي ينبني عليه بعض الأحكام الشرعية، فذهب جماعة من العلماء إلى أن الطيبات هنا طِيبُها على نوعين: طِيب شرعي، وهو أن يكون الله أباحها وجعلها حِلاً لخلقه، فالله لا يُحِلُّ إلا الطيب، ولا يبيح إلا الطيب. ومعنى هذا -أنها طيبات- أن الله أباحها لخلقه واستطابها لهم، أي: يحل لهم الأشياء التي لا تحريم فيها.

стр. 2013

وقال بعض العلماء: الطيبات؛ لأنها مستلذَّة يستطيبها من يستعملها. وكذلك يُحرِّم عليهم الخبائث، قال بعض العلماء: هي التي دَلَّ الشرع على خبثها بنهيه عنها، كالميتة والدم ولحم الخنزير وما جرى مجرى ذلك. وقال بعض العلماء: كل ما استخبثه الطبع العربي الذي صاحبه ليس ببالغ من الجوع غايةً تجعله يستطيب غير الطيب أنه يحرِّم ذلك. فالذين قالوا: إن المراد بالطيبات هو الطيب الشرعي، وأن الله أباحها لخلقه مما يستلذه خلقه، وأنّ الخبائث هي ما خبث شرعًا مما منعه الله (جل وعلا) على خلقه كمالك بن أنس - وهو ممن قال هذا القول- فإنه لا يجعل استخباث الطبع العربي علة للتحريم؛ ولذا جاز عند مالك أكل المستخبثات التي يستخبثها الطبع العربي السليم، فإنه يجيز أكل الحيات إذا أُمن سمها، والعقارب والحشرات، وما جرى مجرى ذلك. ولا شك أن هذه الأشياء مما يستخبثه الطبع العربي السليم. وكانت جماعة من العلماء منهم الإمام الشافعي ﵀ يقول: دلَّ قوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ أن كل ما استخبثه الطبع العربي السليم الذي لم يتضرر بالجوع- لأن مَنْ آذاه الجوع جِدًّا قد يستطيب الخبيث لشدة جوعه كما قال بعض شعراء العرب (١):

стр. 2014

أَكَلْنَا الرُّبى يَا أُمَّ عمروٍ وَمَنْ يَكُنْ ... لَدَيْكُمْ غَريبًا يأكُلُ الحَشَرَاتِ أي: لشدة جوعه. وسُئل أعرابي عن جماعته من البدو: ما تأكلون؟ قال: نأكل كل ما دب ودرج إلا أم حُبين. فقال: لِتَهْنِ أم حُبين العافية. وأم حبين دويبة معروفة، يفر الإنسان ويستقذرها إذا رآها. فعلى هذا القول فالاستخباث الطَّبعي من العرب الذين لم تلجئهم ضرورة الجوع قد يكون عنوانًا للتحريم عند بعض العلماء، وهو مذهب الشافعي (رحمه [٢٠/ب] الله) ومن وافقه، قال:/ دلت هذه الآية وأمثالها في القرآن على أن كل ما يستخبثه الطبع العربيُّ السليم الذي لم يَشْتَد جوعه أنه لا يجوز؛ لأنه يصدق عليه اسم الخبيث في لغة العرب التي نزل بها القرآن. والخبائث حَرَّمَهَا اللهُ في كتابه على لسان رسوله، وتحريم هذا النبي الكريم للخبائث من أعلام نبوته (صلوات الله وسلامه عليه)؛ لأنه مكتوبٌ في الكتب السابقة أنه إذا بُعث: من صفاته أنه يحرم الخبائث، فإذا جاء محرمًا لها كان ذلك من معجزاته ومصداقًا لنبوته ﷺ . والحاصل أن الذي يستخبثه الطبع السليم العربي كأشياء كثيرة كالخنفساء والحشرات، وما جرى مجرى ذلك، والعقارب والحيات: بعض العلماء يقول: هو حرام لهذه الآية الكريمة، كالشافعي، وأن الذين أجازوا ذلك كمالكٍ وأصحابه قالوا: ليس المراد بالخبث استخباث الطبع، وإنما المراد به ما دَلَّ الشرع على خبْثِهِ كما هو مُقَرَّرٌ في مذاهب الأئمة، وهذا معنى قوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾. ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن عامر: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ بكسر الهمزة وإسكان الصاد، وقرأه ابن عامر وحده: ﴿ويضع عنهم آصَارهم والأغلال التي كانت

стр. 2015

عليهم﴾ (١) فالآصار جمع إصر (فِعْل) مجموع على (أَفْعَال) والإصر في اللغة العربية التي نزل بها القرآن: الثقل الذي كان من التكليف على من قبلهم؛ لأنَّ مَنْ قَبْلَنَا كانت عليهم من التكليف آصارٌ وأغلال. الآصار: الأثقال التي تثقل صاحبها (٢)، منها ما قدمنا أن توبة الذين عبدوا العجل لم يقبلها الله إلا بتقديمهم أنفسهم للموت، فهذا ثقلٌ عظيم؛ لأنه لا حادث في الدنيا أعظم من الموت. والمَوتُ أعظَمُ حادثٍ ... فيما يمرُّ على الجِبِلَّهْ (٣) فرفع هذا الثقل عن هذه الأمة صلى الله على نبيّها، فصار مَنِ ارْتَكَبَ أعظم كفر وأشنع ذنب يكفيه أن يتوب إلى الله، وأن يُقلع عن الذنب، ويندم على ارتكابه، وينوي ألا يعود، فيتوب عليه ربه بذلك، فهذا من رفع الآصار. والإصر: هو الثقل المعروف، ومنه قول الشاعر (٤): .......................... ... وحَامِل الإِصْرِ عَنْهُمْ بَعْدَمَا غَرِقُوا وقوله: ﴿وَالأَغْلَالَ﴾ الأغلال جمع غُل، والغُلّ هو القيد المعروف؛ لأن التكاليف القوية الشديدة كأنها أغلال يُغَلُّون بها، مثل

стр. 2016

أن الواحد منهم كان لا يصلي إلا بالماء، ولا يصلي إلا في الكنيسة، وإذا مست النجاسة شيئًا من ثوبه لزم أن يقرضه بمقراض، إلى غير ذلك من التشديدات (١)؛ بخلاف هذه الأمة فقد رُفع عنها ذلك، فجُعلت لها الأرض كلها مسجدًا وطهورًا، وأُجيز لها إزالة النجاسة بالماء، وسهل لها كل شيء كان مُصَعَّبًا على من قبلها، وهذا معنى قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. وهنا عَبَّر عن التكاليف الشاقة بالأغلال؛ لأن الأغلال كأنها تُقَيِّدُ صاحبها وتمنعه، وكذلك التكاليف الشاقة والأغلال التي كانت عليهم جاء النبي بوضعها كلها، وجاء بحنيفيةٍ سمحة، فالأرض فيها طهور، والأرض كلها مسجد، والماء يطهر كل شيء، وكل من استعصى عليه شيء وشق عليه رخص له فيه ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: آية ٧٨] أي: من ضيق ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: آية ١٨٥]، والآيات في مثل ذلك كثيرة، وهذا معنى قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أثقال التكاليف التي كانت عليهم جاء ﷺ بإزالتها ووضعها؛ لأنه (صلوات الله وسلامه عليه) جاء بالحنيفية السمحة التي لا حرج فيها. وهذا معنى قوله: ﴿وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ﴾ أي: صدقوا به ﷺ وبما جاء به: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ﴾ قرأ الجمهور: ﴿عَزَّرُوه﴾ وفي بعض القراءات -غير السبعة-: بتخفيف الزاي (٢).

стр. 2017

قال بعض العلماء: ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ أي: مدحوه وأثنوا عليه ثناءً عظيمًا. قال بعض العلماء: ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ أي: منعوه من أن يناله أحدٌ بسوء، حتى لا يقوى أحدٌ على أن يصل إليه، ولا يؤذيه بأذيَّةٍ ما. والمعاني في التعزير تدور حول هذا؛ لأن أصله يُشعر بالتعظيم، وهذا معنى قوله: ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾. ﴿وَنَصَرُوهُ﴾ النصر في لغة العرب: إعانة المظلوم، أي: أعانوه على أعدائه الذين ظلموه وكذبوه، وكل من كذبه فهو ظالمٌ له، وهذا معنى قوله: ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾. ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ﴾ النور الذي أُنزل معه ﷺ هو هذا القرآن العظيم؛ لأنه النور الذي أنزله الله من السماء يبصر الناس ببصائرهم في ضوئه الحق حقًّا، والباطل باطلاً، والحسن حسنًا، والقبيح قبيحًا، فهو أعظم نور يُكشفُ به ظلمات الباطل ويُرى في ضوئه الحق واقعًا كما ينبغي. وقد سماه اللهُ نورًا في آياتٍ كثيرة كقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ [التغابن: آية ٨] وقوله: ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ﴾ [الشورى: آية ٥٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (١٧٤)﴾ [النساء: آية ١٧٤] فهذا النور العظيم لمّا صرح الله في آياتٍ كثيرةٍ من كتابه أنه نوره الذي أنزله مع سيد الخلق (صلوات الله وسلامه عليه) ليكشف به ظلمات الجهل والباطل كان على المؤمن ألا يطلب الضوء إلا في نوره، ولا يطلب الهدى إلا منه، فالذين يتركون هذا النور ويطلبون الهدى في الظلام الذي جاءت به الكفرة الفجرة دليل على أنهم خفافيش

стр. 2018

البصائر يعميهم النور، والله قد صرح في سورة الرعد أن من لم يعلم أحقية هذا القرآن وأنه الحق الذي لا شك فيه أن ذلك إنما جاءه من قِبل عماه؛ لأن الأعمى إذا كان يعجز عن رؤية الشمس لا يؤثر ذلك في ظهور الشمس شيئًا!! فنحن نقول: لا شك في وضوح الشمس وإن كان الأعمى لا يراها!! كذلك القرآن معجزته ونوره أوضح وأعظم من نور الشمس، ولا ينافي ذلك أن هنالك عميانًا لا يرون الشمس في رابعة النهار!! إِذَا لمْ يكنْ للمرءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ ... فلا غَرْوَ أنْ يَرْتَابَ والصُّبْحُ مُسْفِرُ (١) والله صرح بهذا في سورة الرعد في قوله: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: آية ١٩] فصرح أن الذي منعه من أن يعلم أنه الحق إنما هو عماه. ........................... ... وَلَا تَرَى الشَّمْسَ عَيْنٌ تَشْتَكِي العَوَرَا كما هو معروف. فهؤلاء -والعياذ بالله- الذين يعدلون عن هذا النور الذي هو أعظم من نور الشمس في رابعة النهار، وأوضح وأشد كشفًا وإيضاحًا لحقائق الأشياء وإيضاح الحق من الباطل، والحسن من القبيح، والنافع من الضار، هم خفافيش البصائر قطعًا والخفاش إذا ارتفع شعاع الشمس، وانتشر ضوؤها على الدنيا، وصار جميع الناس يمشون في ذلك الضوء، يقضون جميع حوائجهم، أعمى ذلك الضوء الخفافيش، فإذا جاء الظلام وزال النور قام الخفاش يفرح ويمرح، وذلك الظلام عنده كأنه ضوء.

стр. 2019

خَفَافِيشُ أَعمَاهَا النهارُ بِضَوئِهِ ... فَوَافَقَها قِطْعٌ من الليلِ مُظْلِمُ (١) فإذا رأيت من لا يقبل كتاب الله ولا يطلب الهدى فيه، ويذهب ويزعم أن الهدى في زبالات أذهان الكفرة الفجرة الخنازير الحمير فاعلم أنه خفاش البصيرة يقينًا لا شك في ذلك، وأنه إنما عمي عن نور القرآن الذي هو أعظم من نور الشمس كما أعمى نور الشمس الخفاش، كما هو مشاهد: مِثْلُ النَّهَارِ يَزِيدُ أَبْصَارَ الْوَرَى ... نُورًا ويُعْمِي أَعْيُنَ الخُفَّاشِ (٢) كما هو معروف، وهذا معنى قوله: ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٥٧] المفلحون: جمع المفلح، وهو اسم فاعل (أفْلَحَ) والعَرَب تقول: (أفلح) إذا نال الفلاح، والفلاح يُطلق في اللغة العربية إطلاقين معروفين صحيحين (٣): أحدهما: تُطلق العرب الفلاح على الفوز بالمطلوب الأكبر، فَمَنْ فَازَ في مطلوبه الأكبر تقول العرب: «أفلح»، ومنه قول لبيد بن ربيعة (٤): فَاعْقِلي إِنْ كُنْتِ لمَّا تَعْقِلي ... ولَقْد أَفْلَح مَنْ كَانَ عقَلْ يعني: فاز بأكبر المطلوب من كان عنده العَقْل؛ لأنه رأس الخيرات.

стр. 2020

وتُطلق العرب الفلاح على البقاء والدَّوَامِ في النَّعِيمِ، وكل مَنْ بَقِيَ بقاءً سرمديًّا في النعيم تقول له العرب: (أفلح) وتقول لذلك البقاء: (فلاح) ومنه بهذا المعنى قول الأضبط بن قُريع. وقيل: كعب بن زهير (١): لكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ ... والمُسْيُ والصُبْحُ لا فَلَاحَ مَعَهْ يعني: أن تَعَاقُبَ اللَّيْلِ والنَّهَارِ لا بقاء للحَيِّ مَعه، ومنه بهذا المعنى قول لبيد بن ربيعة أيضًا (٢): لَوْ أَنَّ حَيًّا مُدْرِكَ الْفَلَاحِ ... لَنَالَهُ مُلاعِبُ الرِّمَاحِ يعني: لو أن حيًّا ينال البقاء ولا يموت لناله ملاعب الرماح. وفي هذين المعنيين بكل منهما فُسِّر حديث الأذان والإقامة في قوله: «حي على الفلاح» فقال بعضهم: (حي على الفلاح) أي: الفوز بالمطلوب الأكبر وهو الجنة. وقال بعضهم: (حي على الفلاح) هَلُمَّ إلَى البَقَاءِ السَّرْمَدِيّ في النعيم الذي لا ينقطع في الجنة؛ لأنكم تنالون ذلك بالمواظبة على الصَّلَوات. وهذا معنى قوله: ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ كان بعض أفاضل العلماء يقول: هذه الأخيرة وهي قوله: ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ﴾ هي التي جاءت منها البليَّةُ إلى عَمِّهِ ﷺ أعني أبا طالب؛ لأن أبا طالب من الذين آمنوا برسول الله، فهو مؤمن برسول الله يقينًا (٣)، ولا يشك في نبوّته ورسالته، وقد صرح بذلك كثيرًا في شعره كقوله في شعره (٤):

стр. 2021

لَقَدْ عَلِموا أَنَّ ابْنَنَا لا مُكذَّبٌ ... لَدَيْنَا ولا يُعْنَى بقولِ الأَبَاطِلِ وقوله في شعره الآخر (١): وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا فهو يعتقد أنه رسول الله حَقًّا ولا يشك في ذلك، فهو ممن آمن به قلبه وآمن به لسانه ( .... ) (٢). [٢١/أ] / ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: آية ١٥٨]. معنى قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قل يا نبي الله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ (أيُّ) هنا نُودي ليُتوصل به إلى نداء الاسم المقترن بـ (أل)؛ لأن ياء النداء لا تجتمع مع (أل)، فجعلت (أي) متصلة بالياء مناداة ليكون ذلك اتصالاً إلى نداء ما فيه الألف واللام؛ لأن (يا) النداء والألف واللام لا يجتمعان. و (الهاء) هاء تنبيه. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ أي: مرسلٌ من الله ﴿إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ولم يرسل قبله نبي لعامة الخلق، إنما كان يرسل النبي لقومه ونحو ذلك، وهو ﷺ أُرسل للأسود والأحمر، وهذه من الأشياء التي فضله الله بها على جميع الرسل. ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ مرسل من الله إليكم أُبيّن لكم ما يأمركم به ربكم من عقائد وحلالٍ وحرام وغير ذلك.

стр. 2022

وقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ يُعرب حالاً، ويُفسر بأنه توكيد، أي: إني رسول الله إليكم في حال كونكم جميعًا مجتمعين لم يتخلف منكم أحد ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ قال بعض العلماء: هو في محل خَفْضٍ نعتٌ لله، إني رسول الله الذي. وهذا على هذا القول لم يمنع من تبعيته له الفصل بينهما بقوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. وقال بعض العلماء: الفصل بينهما بقوله: ﴿إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ يمنع من الإتباع و ﴿الَّذِي﴾ في محل نصب منصوبًا على المدح، أو محل رفع خبر مبتدأ محذوف، كما لا يخفى، وهذا معنى قوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ هذا الذي جئتكم مرسلاً منه ينبغي أن يُهاب، وأن يُخاف منه، وأن تُحترم رسله، وتُطاع أوامره، وتجتنب نواهيه لشدةِ عظمته، وشدة الخوف من بأسه، وشدة الرغبة فيما عنده، فلا ينبغي أن يُعصى، فهذا الذي أرسلني؛ لأن هذه صفاته ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ هو ملك السماوات والأرض وهو المعبود وحده. ﴿لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾ أي: لا معبود يُعبدُ بحق لا في السماء ولا في الأرض ولا في غيرهما إلا هو وحده جل وعلا. ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ هو الذي يحييكم ويميتكم. والكفار كانوا يقرون بإماتتين وإحياءة وينكرون إحياءة، ويوم القيامة أقروا بالإحياءتين والإماتتين فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ [غافر: آية ١١] فالإماتتان: الأولى منهما: هي أطوارك أيها

стр. 2023

الإنسان قبل أن تحيا، فالذي تمكثه وأنت نطفة كأنك ميت، والذي تمكثه في بطن أمك وأنت علقة كأنك ميت، والذي تمكثه وأنت مضغة كذلك، فإذا نفخ الله فيك الروح فقد أحياك الإحياءة الأولى بعد الإماتة الأولى. ثم إذا أمَاتك المرة الثانية وصرت إلى القبر فقد مِتَّ الموتة الثانية، ثم يحييك حياة البعث، وهي الإحياءة الثانية التي كانوا ينكرون؛ ولذا قالوا لما أحياهم الإحياءة الثانية وعاينوها وبُعثوا: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ [غافر: آية ١١] وقد أوضح الله هاتين الإحياءتين والإماتتين في سورة البقرة في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الآية [البقرة: آية ٢٨] هذا معنى قوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ومن كان يحيي ويميت فهو الذي يُخاف منه غاية الخوف؛ لأنه لا يقع على الإنسان في هذه الدار الدنيا حادث أعظم من الموت الذي يقطعه عن كل شيء. والمَوْتُ أَعْظَمُ حَادِثٍ ... فيمَا يَمُرُّ عَلَى الجِبِلَّهْ (١) ولا شيء أعظم -من التصرفات- من إحياء الإنسان بعد موته والإتيان به حيًّا بعد أن صار عظامًا رميمًا -سبحان ربنا وخالقنا ما أعْظَمَهُ! وما أعظم قدرته (جل وعلا)! وما أظهر براهين توحيده! - وهذا معنى قوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ﴾ أي: صَدِّقُوا بِهِ وَبِكُلِّ مَا يجب له، وآمنوا برسوله محمد ﷺ . ﴿النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: آية ١٥٨] قرأ نافع هنا في

стр. 2024

الموضعين وفي جميع القرآن (النبيء) بالهمزة إلا في موضعين من سورة الأحزاب قرأ في رواية قالون بالإدغام موافقة للجمهور (١). وعلى قراءة نافع فالنبيء من (النبأ)، والنبأ (٢): هو الخبر الذي له الشأن، فكل نبأ خبر، وليس كل خبر نبأ. وعلى قراءة الجمهور: فقيل هي كقراءة نافع، أصلها من (النبأ) إلا أنّ الهمزة أُبدلت ياءً، وأُدغمت فيها الياء التي بعد الباء. وقال بعض العلماء: (النبي) في قراءة الجمهور من النَّبْوَة وهي الارتفاع؛ لارتفاع شأن الأنبياء ومكانتهم بالوحي الذي فضلهم الله به. وهذا معنى قوله: ﴿وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ويؤمن بكلمات الله، ومن كلمات الله: كتبه المنزلة؛ لأن النبي ﷺ يؤمن بكتب الله كما شهد الله له بذلك في قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: آية ٢٨٥] وقراءة الجمهور: ﴿وَكَلِمَاتِهِ﴾ وفي بعض القراءات الشاذة: ﴿يؤمن بالله وكلمته﴾ (٣)، قال بعض العلماء: كلمته هي عيسى؛ لأن الله قال لمريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ [آل عمران: آية ٤٥] كما قال عن زكريا: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: آية ٣٩] هذا معنى قوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾.

стр. 2025

﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٥٨] أمر الله هذه الأمة أن تتبع سيد الخلق (صلوات الله وسلامه عليه) ومعنى اتباعه: هو الاقتداء به فيما جاء به من عقائد وأفعالٍ وأقوال، هذا هو معنى الاتباع. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: لأجل أن تهتدوا، أو على رجائكم الهداية باتباعه ﷺ ، وهذا معنى قوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: آية ١٥٩] بيّن الله أن قوم موسى -وهم بنو إسرائيل- منهم قوم ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ وهو كتاب الله الذي أنزله على نبيه، يهدون بما فيه من الحق، يأمرون الناس فيه بالخير الذي يرضي الله جل وعلا ﴿وَبِهِ﴾ أي: بذلك الحق الذي هو ضد الباطل ﴿يَعْدِلُونَ﴾ من العدل الذي هو ضد الجور. جرت عادة المفسرين بعضهم يذكر عند هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف قصةً غريبةً معروفة عن بعض بني إسرائيل الله أعلم بها (١)، يزعمون أن طائفة من بني إسرائيل آمنوا وثبتوا وأطاعوا الله تمامًا، ولم ينجرفوا مع الذين غَيَّرُوا وبَدَّلُوا وكفروا وعصوا، وسألوا الله أن يثبتهم على ما هم فيه، وأن الله شق لهم نفقًا من الأرض، وأنهم مشوا في ذلك النفق أكثر من سنة، وأنهم خرجوا من وراء بلاد الصين، وأنهم كانوا هناك في بلاد شاسعة وراء بلاد الصين، وأنهم على إيمانهم، يزعمون كثيرًا هذا، ويذكره جماعة منهم عند هذه الآية من سورة الأعراف، والله أعلم بذلك. وظاهر القرآن: أن الله أثْنَى على قوم موسى أن منهم أمة يأمرون

стр. 2026

الناس بالحق الذي علموه من كتاب الله، وأنهم يعدلون به العدل الذي هو ضد الجور، هذا هو الظاهر (١). يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: آية ١٥٨]. أمر الله (جل وعلا) نبينا ﷺ في هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف أن يقول لجميع الناس أسودهم وأحمرهم: إنه رسولٌ إليهم من رب السماوات والأرض، وهذه من المسائل التي فضله الله بها (صلوات الله وسلامه عليه) على جميع الرسل؛ لأنه فُضل بخصال لم يُعْطَها أحد قبله من الرسل (صلوات الله وسلامه عليهم)، كما جاء مبيّنًا في الأحاديث عنه ﷺ ، فقد أُحلت له الغنائم ولم تُحل لأحد قبله، كانوا يحرقونها بالنار، وقد جُعلت له الأرض مسجدًا وطهورًا، وقد نصره الله بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وأرسله إلى كافة الناس (صلوات

стр. 2027

الله وسلامه عليه) فهو (صلوات الله وسلامه عليه) أفضل الرسل، وخير العالمين ﷺ ، ومنْذُ بَعَثَهُ الله لم تبلغ دعوته أحدًا من الخلق ولم يؤمن به إلا دخل النار، فالذين يقولون: إن محمدًا ﷺ أُرسل إلى العرب ولم يُرسل إلى غَيْرِهم كفرة ملاحدة، كفرة بالله، مكذبون كتاب الله، مخالفون الضروري من دين الإسلام، فهو ﷺ مرسل إلى جميع الخلائق كما صرحت به هذه الآية الكريمة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وجاء في آيات أُخر من كتاب الله وأحاديث صحيحة معروفة، فمن الآيات الدالة على ذلك (١): قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: آية ١] فصرح بأنه نذير للعالمين، وكقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: آية ١٩] فكُلّ مَنْ بَلَغَهُ هَذَا القرآن فهو مُنْذَرٌ بِرِسَالَةِ محمَّدٍ ﷺ ، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ [سبأ: آية ٢٨] أي: إلا للناس كافة على التحقيق، خلافًا لمَنْ زَعَمَ من علماء العربية أن صاحب الحال إذا كان مجرورًا باللام أنه لا تتقدم عليه الحال (٢). والمتأخرون من علماء العربية قالوا: إن ذلك جائز وتدل عليه الآية التي ذكرنا، وهي قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ [سبأ: آية ٢٨]. ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: آية ١٧] وكلّ مَنْ سَمِعَ بِرِسَالَةِ محَمَّدٍ ﷺ وبلغته ولم يؤمن به دَخَلَ النَّارَ؛ لأنه رسول الله إلى الأسود والأحمر، وليس الخلق كافة (صلوات الله وسلامه عليه)، مرسل إلى الجن والإنس، عام الرسالة،

стр. 2028

باقيها إلى يوم القيامة؛ لأن الله لما أرسله رسالة عامة وجعلها باقية على مر العصور جعل معجزتها -وهي هذا القرآن العظيم- قائمة باقية تَتَرَدَّد في آذان الخلق إلى يوم القيامة، محفوظة من رب العالمين، لو أراد إنسان أن يزيد حرفًا أو ينقصه، أو نقطًا أو ينقصه لرد عليه الآلاف من صبيان المسلمين في أقطار الدنيا؛ لأن الله تولى حفظ هذا القرآن المحكم الذي هو أساس هذه الرسالة العامة الخالدة (صلوات الله وسلامه على من جاء بها). وهذا معنى قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. الرسول هنا (فَعُول) بمعنى (مُفْعَل) إني مرسل من الله إليكم جميعًا. وقد قدمنا مرارًا (١) أن علماء العَرَبِيَّة يقولون: إن أصل الرسول أصلُه مصدر وُصف به فجيء به بمعنى اسم المفعول، وإتيان المصادر على وزن (فَعُول) مسموع في أوزان قليلة كالقبول والولوع والرسول، في أوزان قليلة. وفائدة ذكرنا أن أصل الرسول مصدر وُصف به وجيء به بمعنى اسم المفعول؛ لنُزِيل بذلك إشكالاً في كتاب الله، وإيضاح ذلك: أن المعروف عند عُلَمَاءِ العَرَبِيَّة أن المصادر إذا نُعِت بها -أعني أُجريت مجاري الأوصاف- أنها تُلْزَمُ الإفراد والتذكير باللغة الفصحى (٢)، فتقول: هذا رجل عدل، وهذه نساءٌ عدل، وهذه امرأة عدل، وهؤلاء رجال عدل. هذا في اللغة الفصحى، وربما تُنُوسي أصل المصدر وعُومل معاملة الأوصاف نظرًا إلى وصفيته

стр. 2029

الطارئة، فالرسول على هذا تارة في القرآن يلاحظ فيه أصله الذي هو المصدر، وتارة يُلاحظ فيه الوصفية العارضة التي جُعل بمعناها. وإيضاح هذا: أن الرسول على أن أصله مصدر يُفرد عند حالة التثنية والجمع، تقول: هذان رسول، وهؤلاء رسول. وربما جُمع الرسول نظرًا إلى الوصفية وتناسيًا لأصل المصدرية، فَمِن جَمْع الرسول اعتبارًا بالوصفية: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ [البقرة: آية ٢٥٣] ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ﴾ [النساء: آية ١٦٥] ومن تثنيته: قوله في سورة طه: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [طه: آية ٤٧] فقد ثَنَّى الرسول اعتبارًا بوصفيته، وفي سورة الشعراء أفرد الرسول مع أن المراد به اثنان؛ نظرًا إلى أصله الذي هو المصدر، وذلك في قوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: آية ١٦] ولم يقل: إنا رسولا، فنطقت العرب بلفظ الرسول مفردًا مرادًا به الجمع، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي (١): أَلِكْنِي إِلَيْها وَخَيْرُ الرَّسُول ... أَعْلَمُهُم بِنَواحي الخَبَر فجمع الضمير في قوله: «أعلمهم» وهو عائد إلى الرسول المفرد نظرًا إلى أصل مصدريته. والرسول مسموع في كلام العرب بمعنى المصدر، ومنه قول الشاعر (٢): لَقَد كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهُمْ ... بِقَوْلٍ وَلَا أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ أي: برسالة. وقول الآخر (٣):

стр. 2030

أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَمْرًا رَسُولاً ... بِأَنِّي عَنْ فُتاحَتِكُم غَنِيٌّ أي: رسالة. وهذا معنى قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: مرسل من الله إليكم أيها الناس جميعًا. فقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ يُعْرَبُ حَالاً ويُفسَّر توكيدًا. ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ في حال كونكم مجتمعين لم يشذ أحد منكم، بل رسالتي عامة لجميعكم في حال كونها شاملة لكم مجتمعين فيها. هذا معنى قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. ولما بيّن أنه مرسل من الله ذكر الله (جل وعلا) من صفات هذا الرب المُرسِل ما يدعو خلقه إلى القبول والامتثال، فبين أن هذه الرسالة جاءتكم من عند عظيم العظمة الكاملة، فهو جدير بأن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وألَاّ تكذَّب رسله ولا يُعصى؛ ولذا قال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾. اختلف علماء العربية والتفسير في موضع قوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ من الإعراب (١): فقال قوم: إنه في محل خفض نعتٌ للجلالة في قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ إني رسول الله الذي له ملك السماوات والأرض. قالوا: ولا يضر الفصل بين الصفة والموصوف بقوله: ﴿إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ لأنه معمول المضاف الذي هو ﴿رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ قالوا: وربما حيل بين النعت والمنعوت حتى ولو بأجنبي، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ [الواقعة: آية ٧٦]. وقال قوم: هذه الحيلولة بين الصفة والموصوف لا تُغتفر،

стр. 2031

وأعربوا: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ بأنه في محل نصب ﴿رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أعني ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وهذا القطع هو الذي يسميه علماء العربية: النصب على المدح ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الله (جل وعلا) الذي يرسل الرسل ويشرع الأحكام هو الذي له ملك السماوات والأرض. وهذه الآية الكريمة دالة على أنه لا يشرع للخلق ويأمرهم وينهاهم ويحرم عليهم إلا الملك الذي هو نافذ التصرف نفوذًا مطلقًا، وله الكلمة العليا، وهو فوق كل شيء. هذه الآية تدل على هذا، وبذلك يُعلم أن الضعيف المسكين العاجز لا تشريع له، ولا يصح منه أن يحلل ولا أَنْ يُحَرِّمَ، فالَّذِي يُحَلِّلُ ويُحرِّم ويُشرع هو خالق هذا الكون (جل وعلا)؛ لأنه لا يشرع إلا الملك الأعظم الكبير الأكبر، كما قال هنا فيمن يرسل ويشرع على ألسنة الرسل: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [الأعراف: آية ١٥٨] فالذي يشرع قانونًا وضعيًّا إن كان له ملك السماوات والأرض، وهو الذي يحيي ويميت، وهو المعبود وحده فليتقدم وليشرع، وإن كان عاجزًا مسكينًا مربوبًا فليعلم قدره، وليقف عند حده، وليعلم أن من يحلل ويحرم هو الكبير الأكبر، والملك العظيم، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لله الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: آية ١٢] فالعلي الكبير الذي هو أعلى وأكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وهو الملك الأعظم، هذا هو الذي له حق التشريع، والتحليل والتحريم. وبهذا تعلمون أن الأمر ما أمر الله به، والنهي ما نهى الله عنه، والحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه الله،

стр. 2032

وأن القوانين الوضعية خزي ووبال وكفر على أصحابها، يعطون مُسْتَحَق خالق السماوات والأرض لأجهل خلق الله، وأخسهم وأكفرهم سبحانه (جل وعلا) أن يكون له في حكمه شريك، كما تقدس (تعالى) أن يكون له في عبادته شريك، فحكم الله (جل وعلا) كعبادته، فَكَمَا أنَّ مَنْ أشْرَك به في عبادته كافر به فكذلك مَنْ أشْرَكَ به في حكمه فهو كافر به. والقرآن بين استوائهما، قال في الإشراك في العبادة: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: آية ١١٠] وقال في حكمه: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: آية ٢٧] ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: آية ٢٦] وقرأه ابن عامر من السبعة: ﴿ولا تُشْرِك في حكمه [٢١/ب] أحدًا﴾ (١) / فالحكم لخالق السماوات والأرض، لا تشريع لغيره، لا تحليل إلا لله، ولا تحريم إلا لله، ولا تشريع إلا لخالق السماوات والأرض ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: آية ٥٩] فما جعل (جل وعلا) بين إذنه والافتراء عليه واسطة. وقد ذكرنا مرارًا (٢) أن هذه الآيات القرآنية تدل على أن الذين يتحاكمون إلى نظم وضعية وقوانين لم يشرعها خالق السماوات والأرض زاعمين أنها هي الكفيلة بتنظيم الحياة، ومسايرة ركب الحضارة، والكفالة للناس بحقوقهم، زاعمين -لطمس بصائرهم وقلة عقولهم- أن نور السَّمَاءِ الذي أنزله خالق السماوات والأرض

стр. 2033

على سيد الخلق من تشريع رب العالمين لا يمكن أن يكون كفيلاً بذلك!! فهؤلاء كفرهم لا يخفى، ولا يشك في كفرهم وبعدهم من الإيمان إلا مَنْ طَمَسَ اللهُ بَصِيرَتَهُ. وهذا كثير في القرآن لا تكاد تحصيه في المصحف الكريم. وقد بيّنا لكم مرارًا في هذه الدروس والمناسبات (١) أن ذلك الأمر وقعت فيه مناظرة بين حزب الشيطان وحزب الرحمن، وكل يتمسك بمستنده، فحزب الشيطان يتمسك بوحي الشيطان وفلسفة إبليس، وحزْب الرَّحْمَن يَتَمَسَّكُ بهذا الوحي المُنَزَّل الذي لا يَضِلُّ مَنِ اتَّبَعَهُ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. ولما تناظرت الفئتان تَوَلَّى الحكم بينهما خالق السَّمَاوَاتِ والأرض بفتوى سماوية تُتْلَى في كتاب الله على آذان الخلق. وهذا أوضحناه في هذه الدروس مرارًا، وأكثرنا مِنْ ذِكْرِه في المناسبات لشدة الحاجة إليه، ذلك أن إبليس أوحى من وحيه الشيطاني إلى إخوانه مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ: أن سلوا محمدًا ﷺ عن الشاة تصبح ميتة من هو الذي قتلها؟ فأجابهم: «بأن الله قتلها» فاستدلوا على إباحة الميتة بفلسفة إبليس ووحي الشيطان فقالوا: ما ذبحتموه بأيديكم -يعنون المُذَكَّى- تقولون: هو حلال، وما ذبحه الله بيده الكريمة -يعنون الميتة- تقولون: حرام. فأنتم إذًا أحسن من الله؟! فهذه طائفة تتمسك بوحي إبليس، وفلسفة الشيطان، وتقول: إنه أحسن، وأن ذبيحة الله أحل من ذبيحة الناس!! وهذه طائفة أُخرى تتمسك بهذا المحكم المنَزّل في تحريم الميتة ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة: آية ١٧٣] هؤلاء يستدلون بالقرآن وهؤلاء بوحي الشيطان، فتناظرا هذه المناظرة،

стр. 2034

فتولى الله الفتيا فيها قُرآنًا يُتلى في سورة الأنعام، فأنزل في هذا: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يعني: الميتة. أي: وإن زعموا أنها ذبيحة الله، ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أي: خروج عن طاعة الله، ثم قال: ﴿وَإِنَّ الشياطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ﴾ يعني وحي الشيطان وفلسفة إبليس ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ بوحي الشيطان: ما ذبحتموه حلال، وما ذبحه الله حرام، فأنتم إذن أحسن من الله!! ثم أفتى بين الفريقين، وحكم بين الخصمين قال: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: آية ١٢١] فحكم على هؤلاء المسلمين أنهم إن أطاعوا حزب الشيطان واتبعوا نظام إبليس وتشريعه وقانونه بالفلسفة الإبليسية أن ما ذبح الله أحل مما ذبح الناس أنهم مشركون. وهذه الآية الكريمة من سورة الأنعام هي عند علماء العربية مثال لحذف اللام الموطئة للقسم (١). قالوا: هنا قسم، واللام الموطئة محذوفة، والأصل: ولئن أطعتموهم إنكم لمشركون. قالوا: والقرينة الدالة على لام القسم الموطئة المحذوفة: أنه لو لم يكن هناك قسم وكانت (إن) الشرطية في قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ خالية من قسم لوجب اقتران الجملة بالفاء في قوله: فإنكم لمشركون. فلما عريت من الفاء دل خلوها من الفاء على حذف القسم. وهذا وجيه. فما زعمه قَوْمٌ مِنْ أَنَّ الفَاءَ في جملة الجزاء التي لا تصلح أن تكون فعلاً للشرط أنه يجوز سقوط [الفاء] (٢) منها اختيارًا، فهو غير صحيح، والتحقيق في لغة العرب: أنها لا بد من اقترانها بالفاء، وأن سقوط الفاء من آية الأنعام هذه نظرًا للقسم

стр. 2035

المحذوف، وما احتجوا به من قراءة نافع وابن عامر (١) في سورة الشورى في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: آية ٣٠] قالوا: لم تكن في قراءة نافع وابن عامر الفاء، بل قرآ: ﴿وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم﴾ وكذلك هو في مصحف عثمان بن عفان الذي بقي عنده بالمدينة ليس فيه فاء ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ﴾ وكذلك في المصاحف التي أُرسلت إلى الشام. والتحقيق أن قراءة نافع وابن عامر هذه من السبعة: ﴿وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ لا تدل على خلو جملة الجزاء من الفاء إن كانت لا تصلح أن تكون فعلاً للشرط، بل (ما) من قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ﴾ على قراءة نافع وابن عامر موصولة لا شرطية. والمعنى: والذي أصابكم من المصائب كائن وواقع بسبب ما كسبت أيديكم. أما على قراءة بقية السبعة: فـ (ما) شرطية؛ ولذلك اقترنت الجملة بالفاء في قراءتهم وفي المصاحف التي أُرسلت إلى أقطارهم. وهذا الشرك في قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: آية ١٢١] أجمع العلماء على أنه شرك أكبر مخرج عن ملة الإسلام؛ لأن من حكَّم تشريع غير الله فقد كفر بالله. وهذا الشرك هو الذي وبخ الله صاحبه ويوبخه على رؤوس الأشهاد في سورة (يس) ويبين مصيره وقراره النهائي -والعياذ بالله- وذلك في قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَاّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ معنى عبادتهم الشيطان: هي اتباع نظامه وتشريعه وقانونه فيما أحل لهم من الكفر والمعاصي لله،
следующие страницы →