← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وأعربوا: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ بأنه في محل نصب ﴿رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أعني ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وهذا القطع هو الذي يسميه علماء العربية: النصب على المدح ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الله (جل وعلا) الذي يرسل الرسل ويشرع الأحكام هو الذي له ملك السماوات والأرض. وهذه الآية الكريمة دالة على أنه لا يشرع للخلق ويأمرهم وينهاهم ويحرم عليهم إلا الملك الذي هو نافذ التصرف نفوذًا مطلقًا، وله الكلمة العليا، وهو فوق كل شيء. هذه الآية تدل على هذا، وبذلك يُعلم أن الضعيف المسكين العاجز لا تشريع له، ولا يصح منه أن يحلل ولا أَنْ يُحَرِّمَ، فالَّذِي يُحَلِّلُ ويُحرِّم ويُشرع هو خالق هذا الكون (جل وعلا)؛ لأنه لا يشرع إلا الملك الأعظم الكبير الأكبر، كما قال هنا فيمن يرسل ويشرع على ألسنة الرسل: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [الأعراف: آية ١٥٨] فالذي يشرع قانونًا وضعيًّا إن كان له ملك السماوات والأرض، وهو الذي يحيي ويميت، وهو المعبود وحده فليتقدم وليشرع، وإن كان عاجزًا مسكينًا مربوبًا فليعلم قدره، وليقف عند حده، وليعلم أن من يحلل ويحرم هو الكبير الأكبر، والملك العظيم، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لله الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: آية ١٢] فالعلي الكبير الذي هو أعلى وأكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وهو الملك الأعظم، هذا هو الذي له حق التشريع، والتحليل والتحريم. وبهذا تعلمون أن الأمر ما أمر الله به، والنهي ما نهى الله عنه، والحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه الله،

стр. 2032

وأن القوانين الوضعية خزي ووبال وكفر على أصحابها، يعطون مُسْتَحَق خالق السماوات والأرض لأجهل خلق الله، وأخسهم وأكفرهم سبحانه (جل وعلا) أن يكون له في حكمه شريك، كما تقدس (تعالى) أن يكون له في عبادته شريك، فحكم الله (جل وعلا) كعبادته، فَكَمَا أنَّ مَنْ أشْرَك به في عبادته كافر به فكذلك مَنْ أشْرَكَ به في حكمه فهو كافر به. والقرآن بين استوائهما، قال في الإشراك في العبادة: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: آية ١١٠] وقال في حكمه: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: آية ٢٧] ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: آية ٢٦] وقرأه ابن عامر من السبعة: ﴿ولا تُشْرِك في حكمه [٢١/ب] أحدًا﴾ (١) / فالحكم لخالق السماوات والأرض، لا تشريع لغيره، لا تحليل إلا لله، ولا تحريم إلا لله، ولا تشريع إلا لخالق السماوات والأرض ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: آية ٥٩] فما جعل (جل وعلا) بين إذنه والافتراء عليه واسطة. وقد ذكرنا مرارًا (٢) أن هذه الآيات القرآنية تدل على أن الذين يتحاكمون إلى نظم وضعية وقوانين لم يشرعها خالق السماوات والأرض زاعمين أنها هي الكفيلة بتنظيم الحياة، ومسايرة ركب الحضارة، والكفالة للناس بحقوقهم، زاعمين -لطمس بصائرهم وقلة عقولهم- أن نور السَّمَاءِ الذي أنزله خالق السماوات والأرض

стр. 2033

على سيد الخلق من تشريع رب العالمين لا يمكن أن يكون كفيلاً بذلك!! فهؤلاء كفرهم لا يخفى، ولا يشك في كفرهم وبعدهم من الإيمان إلا مَنْ طَمَسَ اللهُ بَصِيرَتَهُ. وهذا كثير في القرآن لا تكاد تحصيه في المصحف الكريم. وقد بيّنا لكم مرارًا في هذه الدروس والمناسبات (١) أن ذلك الأمر وقعت فيه مناظرة بين حزب الشيطان وحزب الرحمن، وكل يتمسك بمستنده، فحزب الشيطان يتمسك بوحي الشيطان وفلسفة إبليس، وحزْب الرَّحْمَن يَتَمَسَّكُ بهذا الوحي المُنَزَّل الذي لا يَضِلُّ مَنِ اتَّبَعَهُ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. ولما تناظرت الفئتان تَوَلَّى الحكم بينهما خالق السَّمَاوَاتِ والأرض بفتوى سماوية تُتْلَى في كتاب الله على آذان الخلق. وهذا أوضحناه في هذه الدروس مرارًا، وأكثرنا مِنْ ذِكْرِه في المناسبات لشدة الحاجة إليه، ذلك أن إبليس أوحى من وحيه الشيطاني إلى إخوانه مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ: أن سلوا محمدًا ﷺ عن الشاة تصبح ميتة من هو الذي قتلها؟ فأجابهم: «بأن الله قتلها» فاستدلوا على إباحة الميتة بفلسفة إبليس ووحي الشيطان فقالوا: ما ذبحتموه بأيديكم -يعنون المُذَكَّى- تقولون: هو حلال، وما ذبحه الله بيده الكريمة -يعنون الميتة- تقولون: حرام. فأنتم إذًا أحسن من الله؟! فهذه طائفة تتمسك بوحي إبليس، وفلسفة الشيطان، وتقول: إنه أحسن، وأن ذبيحة الله أحل من ذبيحة الناس!! وهذه طائفة أُخرى تتمسك بهذا المحكم المنَزّل في تحريم الميتة ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة: آية ١٧٣] هؤلاء يستدلون بالقرآن وهؤلاء بوحي الشيطان، فتناظرا هذه المناظرة،

стр. 2034

فتولى الله الفتيا فيها قُرآنًا يُتلى في سورة الأنعام، فأنزل في هذا: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يعني: الميتة. أي: وإن زعموا أنها ذبيحة الله، ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أي: خروج عن طاعة الله، ثم قال: ﴿وَإِنَّ الشياطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ﴾ يعني وحي الشيطان وفلسفة إبليس ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ بوحي الشيطان: ما ذبحتموه حلال، وما ذبحه الله حرام، فأنتم إذن أحسن من الله!! ثم أفتى بين الفريقين، وحكم بين الخصمين قال: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: آية ١٢١] فحكم على هؤلاء المسلمين أنهم إن أطاعوا حزب الشيطان واتبعوا نظام إبليس وتشريعه وقانونه بالفلسفة الإبليسية أن ما ذبح الله أحل مما ذبح الناس أنهم مشركون. وهذه الآية الكريمة من سورة الأنعام هي عند علماء العربية مثال لحذف اللام الموطئة للقسم (١). قالوا: هنا قسم، واللام الموطئة محذوفة، والأصل: ولئن أطعتموهم إنكم لمشركون. قالوا: والقرينة الدالة على لام القسم الموطئة المحذوفة: أنه لو لم يكن هناك قسم وكانت (إن) الشرطية في قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ خالية من قسم لوجب اقتران الجملة بالفاء في قوله: فإنكم لمشركون. فلما عريت من الفاء دل خلوها من الفاء على حذف القسم. وهذا وجيه. فما زعمه قَوْمٌ مِنْ أَنَّ الفَاءَ في جملة الجزاء التي لا تصلح أن تكون فعلاً للشرط أنه يجوز سقوط [الفاء] (٢) منها اختيارًا، فهو غير صحيح، والتحقيق في لغة العرب: أنها لا بد من اقترانها بالفاء، وأن سقوط الفاء من آية الأنعام هذه نظرًا للقسم

стр. 2035

المحذوف، وما احتجوا به من قراءة نافع وابن عامر (١) في سورة الشورى في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: آية ٣٠] قالوا: لم تكن في قراءة نافع وابن عامر الفاء، بل قرآ: ﴿وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم﴾ وكذلك هو في مصحف عثمان بن عفان الذي بقي عنده بالمدينة ليس فيه فاء ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ﴾ وكذلك في المصاحف التي أُرسلت إلى الشام. والتحقيق أن قراءة نافع وابن عامر هذه من السبعة: ﴿وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ لا تدل على خلو جملة الجزاء من الفاء إن كانت لا تصلح أن تكون فعلاً للشرط، بل (ما) من قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ﴾ على قراءة نافع وابن عامر موصولة لا شرطية. والمعنى: والذي أصابكم من المصائب كائن وواقع بسبب ما كسبت أيديكم. أما على قراءة بقية السبعة: فـ (ما) شرطية؛ ولذلك اقترنت الجملة بالفاء في قراءتهم وفي المصاحف التي أُرسلت إلى أقطارهم. وهذا الشرك في قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: آية ١٢١] أجمع العلماء على أنه شرك أكبر مخرج عن ملة الإسلام؛ لأن من حكَّم تشريع غير الله فقد كفر بالله. وهذا الشرك هو الذي وبخ الله صاحبه ويوبخه على رؤوس الأشهاد في سورة (يس) ويبين مصيره وقراره النهائي -والعياذ بالله- وذلك في قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَاّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ معنى عبادتهم الشيطان: هي اتباع نظامه وتشريعه وقانونه فيما أحل لهم من الكفر والمعاصي لله،

стр. 2036

المخالفة لما جاء به الرسل: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلاً كَثِيرًا﴾ [يس: الآيات ٦٠ - ٦٢] أضل الشيطان منكم خلائق كثيرة لا تحصى، ويدخل فيها الدخول الأوَّلِي: الذين اتبعوا نظامه وقانونه وتشريعه، وفضلوه على نور السماء الذي أنزله خالق الخلق على خيرته مِنْ خَلْقِهِ وهُمْ الرسل (صلوات الله وسلامه عليهم). ثم قال: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: آية ٦٢] لم تكن هنالك عقول ترشدكم إلى أن الذي يتبع تشريعه ويطاع في تحليله وتحريمه هو خالق هذا الكون الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت، وأن ذلك ليس للشيطان ولا لاتباع الشيطان. ثم بيّن المصير والقرار النهائي لمن كان يتبع تشاريع إبليس ونظمه وقوانينه: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس: الآيات ٦٣ - ٦٥]. وهنالك قوم قد أرادوا التَّحَاكُم لغير ما أنزل الله، وزعموا أنهم مؤمنون، فعجَّب الله نبيه من دعواهم الكاذبة الخائنة الفاجرة؛ لأنها حقيقة بأن يُعْجَبَ منها، وما ذلك إلا لشدة كذبها وبعدها عن الحق، وذلك بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: آية ٦٠] فالله قال مستبعدًا لحجة هؤلاء مستبعدًا لصدقها: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ﴾ إرادتهم للتحاكم للطاغوت أبعدت دعواهم عن أن يُقبل منهم أنهم يؤمنون. والآيات

стр. 2037

القرآنية الدالة على هذا كثيرة؛ ولذا ثبت أن عدي بن حاتم ﵁ سأل النبي ﷺ عن قوله: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله﴾ [التوبة: آية ٣١] كيف اتخذوهم أربابًا من دون الله؟ قال: «ألم يحلوا لهم ما حرم الله، ويحرموا عليهم ما أحل الله؟» قال: بلى. قال: «بذلك اتخذوهم أربابًا» (١) والعياذ بالله. ولذلك بين هنا صفات من يُتبع تشريعه ويُعمل به ليبين للخلق أن التشريع لا يُقبل ولا يُتبع إلا ممن هو أهل لأن يشرع؛ ولذا لما ذكر أنه أرسل هذا النبي الكريم لجميع الناس كافة بيَّن أن الذي أرسله بهذا التشريع وهذه الأوامر والنواهي والحلال والحرام أنه الذي له ملك السماوات والأرض، لا إله إلا هو يحيي ويميت. هذه صفات المشرع الذي يُحَلِّلُ ويُحَرِّمُ، وأما غير مَنْ هذه صفاته فليس له حق في ذلك، فاتباع تشريعه كفر برب العالمين كما أوضحناه مرارًا. وهذا معنى قوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ لأنه (جل وعلا) هو ملك السماوات والأرض النافذ تصرفه فيها، لا يُسأل فيها عما يفعل، لا معقب لحكمه؛ ولذا كان أمره ونهيه هو اللازم أن يُتبع. وهذا معنى قوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾. وقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾ قال بعض العلماء: هو في معنى البدل والبيان من: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ لأن المعبود الذي يستحق أن يُفرد بالعبادة وحده هو الذي له ملك السماوات والأرض، الذي يحيي ويميت؛ ولذا قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾ أي: لا معبود يُعْبَدُ بالحق إلا هو وحده (جل وعلا) وقد ذكرنا مرارًا أن الإله في (٢)

стр. 2038

لغة العرب: بمعنى المعبود، والإلهة: العبادة. وتألّهَ: إذا تَعَبَّدَ، فالإله (فِعَال) بمعنى: (مَفْعُول) بمعنى: مألوه؛ أي: معبود على سبيل المحبَّة والخوف والتعظيم. وإتيان (الفِعَال) بمعنى (المفعول) مسموع في أوزان من لغة العرب، وليس قياسيًّا فيها، فمنه: الكتاب بمعنى المكتوب، واللباس بمعنى الملبوس، والإله بمعنى المألوه. أي: المعبود. والإمام بمعنى المُؤتم به، في أوزان قليلة. والعرب تُسمِّي التألُّه تعبدًا، والإلاهة عبادة. وفي قراءة ابن عباس (١) -وإن كانت شاذة-: ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ﴾ وفي رجز رُؤْبَة (٢): للهِ دَرُّ الغَانِيَاتِ المُدَّهِ ... سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي أي: لا معبود يُعبد بالحق إلا ملك السماوات والأرض (جل وعلا)، الذي يحيي ويميت، الذي أرسلني إليكم فأنا مرسل ممن هو جدير بأن يُطاع ولا يُسْتَهْزَأ بأوامره ونَواهِيهِ. وهذا معنى قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ يحيي من شاء أن يحييه، ويميت من شاء أن يميته، فحذف المفعول للتَّعْمِيم. وهذا الإحياء والإماتة تدخل فيه الإماتتان والإحياءتان دخولاً أوليًّا المذكورتان في سورة المؤمن -سورة غافر- في قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: آية ١١] وهاتان الإماتتان والإحياءتان اختلف فيهما العلماء (٣)، والتحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه: أن الإماتة الأولى هو كونهم في بطون

стр. 2039

أمهاتهم علقًا ومُضَغًا لا حياة فيهم قبل أن يُنفخ فيهم الروح، وأن الإحياءة الأولى هي إحياءتهم في بطون أمهاتهم التي خرجوا بها إلى الدنيا. والإماتة الثانية: الإماتة إلى القبور، بالإحياءة الثانية: الإِحْيَاءَة من القبور بالبعث إلى الحساب والجزاء. وهذا المعنى أوضح الله أنه المراد في سورة البقرة في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ... ﴾ الآية [البقرة: آية ٢٨] والله (جل وعلا) قد يحيي غير هذا الإحياء ويميت غير هذه الإماتة، فهو يميت الأرض ويحييها كما قال جل وعلا: ﴿يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: آية ٥٠] وكذلك يحيي الإنسان لسؤال الملكين في قبره كما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ، ولذا قال: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ﴾ الفاء سببية، وهذه الرسالة لما أُرسل بها هذا الأمين الكريم من قِبَل هذا الملك العظيم الأعظم ملك السماوات والأرض، المعبود وحده، الذي بيده الحياة والموت، هذا يتسب للإيمان بها، وعدم الكفر بها؛ ولذا جاء بالفاء المؤذنة بالسبب في قوله: ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ﴾. قال بعض علماء العربية: العرب تطلق الإيمان لغة على التصديق، وهذا موجود في لغتها وإن أنكره بعض أهل العلم، كقوله: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا﴾ [يوسف: آية ١٧] أي: بمصدقنا في أن يوسف أكله الذئب ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: آية ١٧]. والإيمان في الشرع: هو التصديق الكامل من جهاته الثلاث، أعني: تصديق القلب بالاعتقاد والنية الصالحة، وتصديق اللسان

стр. 2040

بالإقرار، وتصديق الجوارح بالعمل (١). ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ محمد ﷺ . قرأ هذا الحرف عامة القراء غير نافع: ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ بالإدغام. وقرأه نافع وحده: ﴿ورسوله النبيء الأمي﴾ ونافع في جميع القرآن قرأ (النبيء) و (النبيئين) و (الأنبئاء) بالهمزة المحققة إلا حرفين في سورة الأحزاب وافق الجمهور فيهما بالتشديد في رواية قالون عنه خاصة دون ورش، كما هو معروف في قراءته (٢). أما على قراءة نافع: ﴿ورسوله النبيء الأمي﴾ فالنبيء: فاعل من النبأ، والنبأ في لغة العرب: هو الخبر الذي له خطب وشأن، فالنبأ أخص من مطلق الخبر، فكل خبر نبأ وليس كل نبأ خبرًا؛ لأن العرب لا تكاد تُطلق النبأ إلا على خبر له شأن وخطب (٣)؛ فلو قال قائل: «جاءنا اليوم نبأ عن حمار الحجام» لما كان هذا من كلام العرب؛ لأن خبر حمار الحجام لا أهمية له ولا خطب له، فلا يُسمى نبأ وإنما يقول له: خبر. هكذا حققه بعض علماء العربية. أما على قراءة الجمهور: ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أن معناه كمعنى قراءة نافع، وأن الهمزة أُبْدلت ياء، وأُدغمت الياء في الياء، كقراءة ورش عن

стр. 2041

نافع (١): ﴿إنما النَّسِيُّ زيادة في الكفر﴾ [التوبة: آية ٣٧] بإدغام الياء في الياء، والأصل: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ كقراءة الجمهور. وعلى هذا فمعنى القراءتين واحد. وقال قوم: النبي على قراءة الجمهور مشتق من النَّبْوَة وهي الارتفاع، والعرب تسمي المرتفع من الأرض نبيًا، ومنه قوله (٢): لأَصبَحَ رتْمًا دُقاقُ الحَصَى ... مَكَانَ النَّبِيِّ مِنَ الْكَاثِبِ النبي: يعني به رملاً مرتفعًا. هكذا قاله العلماء (٣). وهذا معنى قوله: ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ هذه صفاته ﷺ . وقد أجرى الله العادة أنه يصف المرسلين والملائكة بما يصف به مطلق عوام المؤمنين؛ لأن قوله: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ كل عامي من المسلمين يؤمن بالله، وقد وصف نبيه ﷺ بصفة يتصف بها جميع المسلمين، وذلك للإيذان بشرف الإيمان بالله وكلماته وعِظَمِه كما قال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وصفهم بالإيمان ووصف المسلمين بالإيمان ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: آية ٧] وبين أن ذلك الإيمان الذي اتصف به حملة العرش وأهل الأرض من بني آدم صار الرابطة العظمى بينهم التي عطفت قلوبهم عليهم من فوق سبع

стр. 2042

سماوات فدعوا لهم ذلك الدعاء القرآني العظيم المذكور في قوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شيء رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم﴾ إلى آخر دعائهم الكريم [غافر: الآيتان ٧، ٨]. وهذا معنى قوله: ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾. الأمي: هو الذي لا يقرأ ولا يكتب؛ لأن نبينا ﷺ كان لا يقرأ ولا يكتب ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَاّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: آية ٤٨] وكونه لا يقرأ ولا يكتب مع هذه العلوم التي لا يُطَّلع عليها إلا بالوحي يدل على أن هذا إنما عَلِمَه بوحي من الله (جل وعلا). وقوله: ﴿وَكَلِمَاتِهِ﴾ قال بعض العلماء: معنى كلماته: كتبه التي أنزلها على خلقه (١)، كما قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ [البقرة: آية ٢٨٥] والتحقيق: أن كلمات الله أعم من كتبه (٢)، وأنها لا يحصيها إلا هو (جل وعلا) كما نوَّه عنها في أُخريات الكهف وأُخريات لقمان في قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: آية ١٠٩] وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: آية ٢٧] وكلمات الله لا يعلمها إلا الله (جل وعلا)، ولو كانت البحور مدادًا لكلماته لنفدت البحور وتلاشت قبل أن

стр. 2043

تنفذ كلماته (جل وعلا). والكلام صفته الأزلية التي لم يتجرد عنها يومًا ما، فهو (جل وعلا) متصف بكلامه الأزلي الذي لم يتجرد عنه يومًا ما، وفي كل يوم يتكلم بما شاء كيف شاء على الوجه اللائق بكماله وجلاله سبحانه (جل وعلا) ما أعظم شأنه. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ الضمير المنصوب في قوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ لهذا النبي الأمي (صلوات الله وسلامه عليه) أمر الله باتباعه؛ لأن اتباعه هو عين طاعة الله جل وعلا ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: آية ٨٠] ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: آية ٣١]. وقوله: ﴿لعلكم تهتدون﴾ أشهر معاني (لعل) في القرآن عند المفسرين معنيان (١): أحدهما: أنها لمعنى التعليل، وهو الأنسب هنا. قال بعض علماء العربية: كل (لعل) في القرآن فهي للتعليل إلا التي في سورة الشعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ [الشعراء: آية ١٢٩] قالوا: هي بمعنى: كأنكم تخلدون. وإتيان (لعل) بمعنى التعليل صحيح معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (٢): فقلتُم لنا كُفُّوا الحُروبَ لعلَّنَا ... نكُفُّ ووثَّقْتُم لنا كُل موثقِ «كفوا الحروب لعلنا نكف» أي: كفوا لأجل أن نكف.

стр. 2044

وقال بعض العلماء (١): (لعل) هي للرجاء، يعني: على رجائكم أيها الخلق الذين لا تعلمون العواقب وما تؤول إليه الأمور، أما الله (جل وعلا) فهو عالم بما تؤول إليه الأمور فلا تجري له (لعل)؛ ولذا قال لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ﴾ يعني فرعون ﴿قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: آية ٤٤] على رجائكما أن يتذكر أو يخشى ومبلغ علمكما، أما الله فهو عالم بأنه لا يتذكر ولا يخشى، ولا يجري عليه (لعل). هذان الوجهان معروفان، والتعليل هنا أنسب. وقوله: ﴿تَهْتَدُونَ﴾ تكونون على طريق الهدى التي هي موصلة إلى القصد والصواب من رضا الله (جل وعلا) ونيل ما عنده من الخلود في الجنة. (٢) [٢٢/أ] / ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٥٩، ١٦٠]. يقول الله (جل وعلا): ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٥٩] موسى هو نبي الله موسى بن عمران (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام). وقومه: هم بنو إسرائيل. وأصل (القوم) في لغة العرب: اسم جمع لا واحد له من

стр. 2045

لفظه، وُضع للذكور دون الإناث، وربما دخلت الإناث فيه بحكم التَّبَع (١)، والدليل على أنَّ لَفْظَ القوم يختص بالوضع بالذكور دون الإناث قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ فلو دخل النساء في اسم القوم لما كان لقوله: ﴿وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء﴾ [الحجرات: آية ١١] فائدة، وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول زهير بن أبي سلمى (٢): وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْري ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنِ أَمْ نِسَاءُ فدل على أن العَرَبَ تخص به الذكور، والدليل من القرآن على أن النَّسَاء رُبَّمَا دَخَلْنَ في اسم القوم بحكم التبع: قوله تعالى في ملكة اليمن: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ [النمل: آية ٤٣]. وقوله: ﴿أُمَّةٌ﴾ مبتدأ سوَّغ الابتداء به وهو نكرة اعتماده على المجرور قبله. والأمة: الطائفة الكثيرة المتفقة في دين ونحوه، وقد جاء في القرآن العظيم إطلاق الأمة على أربعة معان كلها صحيح موجود في كتاب الله (٣)، ومنه إطلاق الأمة على الطائفة المتفقة في دين ونحوه، وهذا أكثر إطلاقات الأمة، كقوله هنا: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ﴾ ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: آية ٢١٣] ونحو ذلك من الآيات.

стр. 2046

الإطلاق الثاني: إطلاق الأمة على الرجل المقتدى به، كقوله في إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: آية ١٢٠]. الإطلاق الثالث: إطلاق الأمة على القطعة والبرهة من الزمان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: آية ٤٥] أي: تذكر بعد برهة من الزمان وقطعة من الدهر. وهو بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ﴾ [هود: آية ٨] أي: إلى مدة معينة في علمنا. الإطلاق الرابع: إطلاق الأمة على الشريعة والدين، وهذا الإطلاق مشهور في القرآن، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: آية ٢٣] أي: على شريعة وملة ودين، ومنه بهذا المعنى قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: آية ٩٢] أي: دينكم وشريعتكم شريعة واحدة. وهذا الإطلاق معروف مشهور في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان (١): حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُك لِنَفْسِكَ رِيبَةً ... وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أمَّةٍ وَهُوَ طَائِعُ يعني: أن من كان صاحب دين وشريعة لا يرتكب الإثم قاصدًا أبدًا، وهذا يقوله جاهلي، فكيف بالمسلم، فما ينبغي له أن يقول؟! وهذا معنى قوله: ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ أي: يهدون الناس بالحق، والمراد بالحق الذي يهدون به الناس: هو شرع الله ودينه الذي أنزله على رسله. ﴿وَبِهِ﴾ أي: بالحق المذكور ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يصيبون العدالة

стр. 2047

المتجافية عن طرفي الإفراط والتفريط. فالعدالة: المشي على الصواب وطريق القصد المتجافي عن طرف الإفراط والتفريط. وهذه الآية الكريمة دلت على أنَّ مِنْ قَوْمِ مُوسَى أمة طيبة، على الحق، وهذا المعنى جاء مُصرَّحًا بِهِ في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ [آل عمران: الآيتان ١١٣، ١١٤] وكقوله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لله لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾ [آل عمران: آية ١٩٩] وكقوله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا ... ﴾ الآية [الإسراء: الآيتان ١٠٧، ١٠٨] وكقوله: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد: آية ٣٦] في أهل الكتاب الذين يفرحون بما أنزل إليه ﷺ ، وقد بيّن القرآن أن هذه الطائفة من أهل الكتاب -التي كانت متمسكة بشريعة موسى وبما في التوراة إذا كانت على ذلك حتى آمنت بنبينا محمد ﷺ أنها تُؤتى أجرها مرتين، أجر إيمانها الأول بموسى وكتابه، وإيمانها بمحمد وكتابه، نص الله على هذا في سورة القصص في قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ الآية [القصص: الآيات ٥١ - ٥٤]. وهذا معنى قوله: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ

стр. 2048

بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف: آية ١٥٩]. وقد قدمنا في سورة المائدة أن ظاهر القرآن أن هذه الأمة هي الأمة المقتصدة المذكورة في قوله: ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: آية ٦٦] وهذه الأمة غاية ما نوَّه الله به عنها أنها مقتصدة، وهذه الأمة الكريمة التي هي أمة محمد ﷺ لمَّا نوَّه عنها وعن كتابها جعل فيها مرتبة أعظم من المقتصدة، وذلك في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر: آية ٣٢] فجعل فيهم سابقًا بالخيرات فوق المقتصد، ووعد الجميع ممن أورثوا هذا الكتاب بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ الآية [فاطر: آية ٣٣] فآية فاطر هذه تدل دلالة عظيمة واضحة على عظيم هذه الأمة المحمدية، وعلى عظيم نعمة هذا الكتاب والرحمة والنور الذي أنزل الله إليها من السماء على لسان سيد الخلق ﷺ ؛ لأن الله لما قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ بيّن أن إيراث هذا الكتاب علامة الاصطفاء -وهو الاختيار من الله- ثم قسم هذه الأمة التي اصطفاها الله بإيراث هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام (١): قال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ثم نوّه عن أن إيراث هذا الكتاب فضلٌ عظيم من الله قال: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: إيراثه إياكم ذلك الكتاب ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ من الله عليكم. ثم وعد الجمِيع والأول منهم الظالم لنفسه بوعده الصادق إن الله لا يخلف الميعاد ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا

стр. 2049

حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ [فاطر: الآيات ٣٣ - ٣٥] ولم يبق عن الطوائف الثلاثة الموعودة بالجنة -ممن لا يخلف الميعاد- إلا الكفار؛ لأن الله ذكر في مقابلتهم الكفار في قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [فاطر: آية ٣٦]. وكان بعض العلماء يقول (١): «حُق لهذه الواو - في سورة فاطر - أن تُكتب بماء العينين» يعني واو ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ لأنها واو شاملة بالوعد الصادق من الله بجنات عدن لجميع هذه الأمة التي أورثت هذا الكتاب، وعلى رأسهم الظالم لنفسه. وأصح التفسيرات في (الظالم، والمقتصد، والسابق بالخيرات) في آية فاطر هذه: أن الظالم: هو الذي يطيع الله تارة ويعصيه أُخرى، وهو من الذين قال الله فيهم: ﴿خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: آية ١٠٢] والمقتصد: هو الذي ينتهي عن المحرمات، ويأتي بالواجبات، ولا يتقرب بالنوافل التي هي غير ترك الحرام أو أداء الواجب. والسابق بالخيرات: هو الذي يمتثل الأوامر، ويجتنب النواهي، ويتقرب إلى الله بالنوافل (٢). وقد ذكرنا مرارًا أن العلماء اختلفوا في السبب الذي قُدم من أجله الظالم لنفسه في هذا الوعد العظيم من

стр. 2050

الله (١) - الذي لا يخلف الميعاد - بجنات عدن وما فيها من النعيم، فمن أين للظالم لنفسه أن يُقَدَّم على السابق بالخيرات والمقتصد؟ فقال بعض العلماء: هذه الآية من سورة فاطر مقام إظهار كرم رب العالمين، وشدة رحمته ولطفه بعباده، فقدم الظالم لئلا يقنط، وأَخَّر السابق بالخيرات لئلا يعجب بعمله فيحبط. وقال بعض العلماء: قدم الظالم لنفسه لأن أكثر أهل الجنة الظالمون لأنفسهم الذين خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا؛ لأن السابقين قليل، والمقتصدون أقل من الظالمين، وهذا معنى قوله: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف: آية ١٥٩] وسيأتي حديث عند قوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ [الأعراف: آية ١٨١] فقد ورد عنه ﷺ أنه قال: «هَذِهِ لَكُمْ وَقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ مِثْلَهَا» (٢) يعني قوم موسى في قوله هنا: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ولكن آية فاطر هذه التي ذكرناها زادت بالسابق بالخيرات، وبالوعد بالجنات للجميع، ففيها من إظهار فضل هذه الأمة ما لم تتناوله إحدى الآيتين هنا في سورة الأعراف. ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ

стр. 2051

كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾ [الأعراف: آية ١٦٠]. ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾، الضمير في ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾ عائد إلى قوم موسى، فقوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾ فيه وجهان معروفان من التفسير، وبحسبهما يكون القولان في إعراب قوله: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ (١) قال بعض العلماء: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾ أي: صَيَّرْنَاهم قطعًا. وعلى هذا فقطعنا تطلب مفعولين لتضمينها معنى (صيرنا)، ومفعولها الأول: هو الضمير ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾، ومفعولها الثاني: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ أي: صيرناهم اثنتي عشرة فرقة. وقال بعض العلماء: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾ معناه: فرقناهم وميزنا بعضهم عن بعض؛ لأنهم أبناء اثني عشر رجلاً، وكل رجل صار من نسله قبيلة، والسبط في أولاد إسحاق بمعنى القبائل في أولاد إسماعيل، ويعقوب (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام) كان له اثنا عشر ابنًا كل ابن منهم وُلد له نسل، فصار كل ابن منهم قبيلة، والقبائل عندهم تسمى (أسباطًا) (٢). والمفسرون يذكرون أسماء هؤلاء الأسباط الذين تَفَرَّعَتْ منهم القبائل (٣)، وذِكْرُها إنما هو عن طريق الإسرائيليات؛ ولذا اختلفوا فيها، فمنهم من يقول: هم روبيل، وشمعون، ويهوذا، وربالون، ويشجر، ودان، ونفتالي، وجاد، وآشر، ويوسف، وشقيقه بنيامين. ومنهم من يذكر غير

стр. 2052

ذلك (١)، ولا طريق صحيحة تثبت ذلك، إلا أن الأظهر أن هؤلاء الاثنتي عشرة أن كل واحدة منهم من سبط من أولاد يعقوب كما تقدم في قوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: آية ١٢] لأن كل سبط من هذه الأسباط بعث الله موسى فيه نقيبًا سيدًا يتفقد شؤونه وأحواله؛ لتكون تلك الرجال الاثني عشر يُطلعون موسى على سرائر قومهم فيهون عليه الإصلاح من شؤونهم؛ ولذا قال هنا: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: آية ١٦٠] فعلى أن (قطعنا) بمعنى (صيرنا) فـ (اثنتى عشرة) هو المفعول الثاني، وعلى أن (قطعنا) بمعنى (ميزنا) بعضهم عن بعض، وفرقنا بعضهم عن بعض؛ لنجعل على كل فرقة منهم نقيبًا، فقوله هنا: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ هي حال جامدة مؤولة، أي: ميزناهم وفرقناهم في حال كونهم بالغين هذا العدد الذي هو اثنتي عشرة، واختلف العلماء في مميز ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ (٢) وظاهر القرآن أن مميزه ﴿أَسْبَاطًا﴾ ولكن المعروف في لغة العرب أن العدد كله من الثلاثة إلى العشرة يميز بالجمع مضافًا إليه العدد، أما غيره من الأعداد فإنه يميز بالمفرد التمييز المطابق للعربية المعروفة لو قيل: قطعناهم اثنتي عشرة سبطًا. وذهب بعض العلماء في الجواب عن هذا إلى أن الأسباط هنا جمع سبط مضمَّن معنى القبيلة، وأن الأسباط: القبيلة تكون فيها أسباط كثيرة، وعليه فالمعنى: قطعناهم اثنتي عشرة قبيلة. فالأسباط بمعنى القبيلة. وهذا مردود لما ذكرنا من أن الأسباط

стр. 2053

في ذرية إسحاق بمعنى القبائل في ذرية إسماعيل. والذي اختاره غير واحد من المحققين: أن المُمَيَّز محذوف دل المقام عليه: وقطعناهم اثْنَتَيْ عشرة فِرْقَةً. وقوله: ﴿أَسْبَاطًا﴾ بدل من ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ و ﴿أُمَمًا﴾ بدل بعد بدل على الصواب، ولا مانع من إتيان البدل بعد البدل كما هو معروف في علم العربية، فقد وُجد في كلام العرب. وهذا معنى قوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ كل سبط منهم أمة، أي: خلق وقبيلة كثيرة كثيفة العدد. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ ذكر (جل وعلا) هنا بعض ما أنعم الله به على الإسرائيليين في التيه يُذكِّر الموجودين منهم زمن نبينا نعمه عليهم، وُيذكِّرهم أيضًا كثرة ما هم فيه من الخلاف وعدم طاعة الله ورسله؛ لأن سبب هذا التيه: أن الله لما أنجا موسى وقومه من فرعون، وفلق لهم البحر، وأمرهم بقتال الجبارين، أصابهم الجبن الذي قدمنا شرحه في سورة المائدة، وقالوا لنبيهم موسى: ﴿لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ فأصابهم الجبن والخوف، فقال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ فضرب الله علبهم التيه أربعين سنة ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: الآيات ٢٤ - ٢٦] يصبحون حيث أمسوا، فإذا مشوا النهار كله أصبحوا من حيث كانوا أمس!! الله ضرب عليهم هذا التيه. وأصحاب الأخبار والتاريخ يطبقون على أن موسى وهارون (عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام) توفيا في التيه (١)، ثم صار الخليفة بعد موسى يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف (عليهم

стр. 2054

السلام) وهو الذي فتح الله على يديه كما سيأتي هنا وتقدم في سورة البقرة. ولما كان بنو إسرائيل في التيه هذه الأربعين سنة أصابهم العَطَشُ وشَكَوْا إلى موسى فأوْحَى الله إليه أن اضرب بعصاك الحجر، فضَرَبَهُ فانبجست منه اثنتا عشرة عينًا. وشكوا له مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فظلل الله عليهم الغمام يقيهم حر الشمس، وشكوا له من الجوع فأنزل الله عليهم المن والسلوى كما تقدم في سورة البقرة (١) وكما هو مذكور هنا في سورة الأعراف. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ [الأعراف: آية ١٦٠] أوحى الله إلى نبيه موسى حين استسقاه قومه. الإيحاء في لغة العرب: هو كل إلقاء بشيء في سرعة وخفاء فهو إيحاء. فهذا معناه اللغوي، والوحي له معنى لغوي ومعنى شرعي كغيره من المعاني (٢). فالوحي الشرعي معروف، وهو: ما يوحي الله لنبيه بواسطة الملك مثلاً، وربما أوحى إلى النبي بغير واسطة كما أعطى نبينا ﷺ ليلة الإسراء الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة، فظاهر حديث ابن مسعود عند مسلم أنه من غير واسطة الملك (٣). وقد يكون الوحي بواسطة الملك وهو على أنحاء كثيرة معروفة. وأصل الإيحاء في لغة

стр. 2055

العرب: هو كل إلقاء جامع بين الخفاء والسرعة تسمية العرب (وحيًا)، فكل من ألقى شيئًا بخفاء وسرعة فهو وحي في كلام العرب؛ ولأجل ذلك كانت العرب تطلق اسم الوحي على الكتابة، وعلى الإشارة، وعلى الإلهام؛ لأن كلاً من هذه إلقاء في سرعة وخفاء. ويطلقون الوحي على الإلهام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ﴾ [النحل: آية ٦٨] أي: ألهمها. ويطلق الوحي على الإشارة، وهو أصح القولين في قوله عن زكريا: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشيًا﴾ [مريم: آية ١١] أي: أشار إليهم. وتطلق العرب الوحي على الكتابة؛ لأنها معان تُلْقَى بِأَفْعَالٍ سَرِيعَةٍ خُفْيَةً، وإطلاق الوحي على الكتابة إطلاق كثير مشهور في كلام العرب، وكان بعض المفسرين يقول: منه قوله في زكريا: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ أي: كتب لهم، والأظهر: الإشارة، كما يدل عليه قوله: ﴿إِلَاّ رَمْزًا * وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا﴾ [آل عمران: آية ٤١] وإطلاق العرب الوحي على الكتابة مشهور جدًّا في كلامها، كثير جدًّا في أشعارها، ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته (١): فَمَدافِعُ الرَّيَانِ عُرِّيَ رَسمُها ... خَلَقًا كما ضَمِنَ الوُحيَّ سِلَامُها الوُحيُّ: جمع وحي، وهو الكتابة، وهو (فَعْلٌ) مجموع على (فُعُول)، كَفَلْس وفلوس، ومنه قول عنترة (٢): كوحي الصَّحائفِ منْ عهدِ كسرى ... فأهْدَاهَا لأعْجَمَ طِمْطِمي

стр. 2056

وقول نابغة ذبيان (١): دارٌ لأَسْمَاءَ بالغَمْرينِ ماثلةٌ ... كالوَحْيِ ليسَ بها مِن أَهْلِهَا أَرِمُ وقول نابغة ذبيان أيضًا (٢): لِمَنِ الدِّيَارُ غَشيتُها بالفَدْفَدِ ... كالوَحْي في حَجَرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ ومنه قول ذي الرمة (٣): سِوَى الأَرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّوَاتِي كَأَنَّهَا ... بَقِيَّةُ وَحْيٍ فِي بُطُونِ الصَّحَائِفِ وقول جرير (٤): كأنَّ أَخَا الكتابِ يَخُطُّ وحْيًا ... بِكَافٍ في مَنَازِلِهَا وَلَامُ وهو كثير مشهور، وهذا معنى قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ نبي الله موسى بن عمران ﴿إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ حين استسقاه قومه. والمقرر في فن التصريف أن (استفعل) من أبنية الطلب؛ لأن السين والتاء تدلان على الطلب، فاستسقى معناه طلب السقيا، واستطعم طلب الطعام، واستنزل طلب النزول، إلى غير ذلك. ﴿إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ طلبوا منه السقيا، أن يسأل الله لهم فيسقيهم. وقوله: ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ﴾ (أن) هذه هي التي يسميها

стр. 2057

علماء العربية: (أن المُفسِّرة) وضابطها: أن يتقدمها معنى القول ولا يكون فيه حروف القول (١)؛ لأن ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ يتضمن معنى (قلنا لموسى) وليس فيه [حروف] (٢) القول، ومعنى كونها تفسيرية: أن ذلك الذي أُوحي إلى موسى يفسره ما بعد (أن) وهو الأمر بضرب الحجر لتنبجس منه اثنتا عشرة عينًا. وبعض علماء العربية يقولون: لا مانع من دخول أن المصدرية على الأفعال الطلبية، وعليه فتكون مصدرية على هذا القول. قوله: ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٠] العصا معروفة، يعرفها كل أحد، وألفها مبدلة من واو، فلو ثنيت لقيل فيها: (عَصَوَان) ومنه قول ذي الرمة -غيلان بن عقبة (٣) -: فجاءَتْ بنَسْجِ العنكَبُوتِ كأنَّهُ ... على عَصَوَيْهَا سابِريٌّ مُشَبْرَقُ وقوله: ﴿الْحَجَرَ﴾ قال بعض العلماء: هذه الألف واللام تدل على عهد، وأنه حجر كان معهودًا عند موسى. وبعض العلماء يقول: هي لمطلق الجنس. وفيه هنا مقالات إسرائيلية لا يثبت شيء منها (٤). قوم زعموا أنه حجر مربع كان يحمله في التيه معه في مخلاته ويضربه [بالعصا] (٥) فكل جهة من جهاته الأربع تنفجر فيها ثلاث عيون، ويكون المجموع اثنتا عشرة عينًا. وقال بعض العلماء: هو كلما نزل في محل أخذ حجرًا منه وضربه فانفجرت منه تلك العيون. وقال

стр. 2058

بعض العلماء: هو الحجر الذي هرب بثوبه وقصته مشهورة، وسيأتي الكلام عليها في تفسير سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: آية ٦٩] لأن نبي الله موسى كان بنو إسرائيل في زمنه يذهبون إلى البحر فيغتسلون بعضهم ينظر إلى بعض وهم عراة، وكان نبي الله موسى لا يغتسل حيث يراه أحد، بل يبعد ويغتسل من حيث لا يراه أحد، وكانوا يقولون: ما منعه أن يغتسل بمرأى منا إلا أنه آدر، والآدر: المصاب بالأُدرة، والأُدرة انتفاخ إحدى الخصيتين حتى تعظم وتكبر من مرض. فيومًا وضع ثوبه على حجر فأجرى الله الحجر بالثوب إلى جماعة بني إسرائيل، فاشتد موسى يعدو في أثر الحجر يقول: ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر، حتى رآه بنو إسرائيل كأحسن ما يكون من الرجال، سالمًا من الأُدرة كل السلامة، فقالوا: والله ما بموسى من بأس (١). ويذكر بعضهم أنه قيل له: احتفظ بهذا الحجر فإن له لشأنًا، وأنه هو الذي كان يضربه بعصاه. وكل هذه مقالات إسرائيلية لا ثبوت لشيء منها، هذا معنى قوله: ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾. قال في سورة البقرة: ﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: آية٦٠] وقال في سورة الأعراف هنا: ﴿فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ وأكثر علماء العربية على أن معنى (الانبجاس)

стр. 2059

و (الانفجار) أن معناهما واحد واللفظ مختلف، فكل من الانبجاس والانفجار انشقاق واسع ينحدر منه الماء بقوة (١). وزعم قوم أن الانبجاس أنه يكون أولاً قليلاً ثم لم يزل يكثر حتى يكون انفجارًا. وعلى هذا فقد ذكر في سورة الأعراف بدء انفجار الماء، وفي سورة البقرة منتهاه، والأظهر أنهما سواء، وهو معروف في كلام العرب، وقد قال العجاج (٢): وانحَلَبتْ عيناهُ من فَرْطِ الأَسَى ... وَكِيْفَ غَرْبَيْ دالجٍ تبجَّسا يعني بقوله: «تَبَجَّسَا» أي: أفرغ ماء كثيرًا في الحوض، وهذا معروف في كلام العرب. وقوله: ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ العين معروفة، وهو كل ماء كثير تسميه العرب عينًا. ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ (الأناس) اسم جمع لا واحد له من لفظه، والمعنى: أن كل أمة من أمم بني إسرائيل علموا مشربهم، أي: عينهم التي يشربون منها؛ لأنهم اثنتا عشرة أسباطًا أُممًا، والحجر فيه اثنتا عشرة عينًا، وكل أمة لها عين، وكل أمة عرفت عينها تشرب منها؛ وهذا معنى قوله: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾.

стр. 2060

﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ الغمام: هو السحاب، وهو وعاء الماء. قالوا: وهو سحاب أبيض رقيق يُظَلِّلُهُمُ اللهُ به ويَقِيهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ. ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ أكثر المفسرين على أن (المن) هو الترنجبين، والترنجبين شيء يشبه العسل الأبيض ينزل كنزول الندى والثلج ثم يجتمع كثيرًا، لونه أبيض، وطعمه طعم العسل، فهو عسل أبيض، أو شيء يشبه العسل الأبيض، بالغ في الحلاوة واللذاذة. وقال بعض العلماء: المن أعم من هذا، واستدلوا بحديث الصحيحين الثابت عن النبي ﷺ من حديث سعيد بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الْكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» (١) وفي بعض رواياته: «مِنَ المَنِّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى» جاءت في بعض روايات الحديث. فبعض العلماء يقول: الظاهر أن المَنَّ كان أعم من الترنجبين. وأكثر علماء التفسير يقولون: هو الترنجبين، والحديث على نوع التشبيه. وظاهر حديث النبي ﷺ أن الكمأة من ذلك المن الذي أُنزل إليهم (٢). وقوله: ﴿وَالسَّلْوَى﴾ التحقيق أن المراد بالسلوى طائر، وعليه جماعة المفسرين (٣)، قال بعض العلماء: هو طائر يشبه السُّمَانَى، وقال بعض العلماء: هو السُّمَانَى بعينه، وهو طائر. فالترنجبين شبه الشراب والفاكهة، والسُّمَانَى لحم طير لذيذ. فهو أكل وغذاء عظيم لذيذ.

стр. 2061

أما تفسير السلوى بالعسل فقوم زعموا أن العرب لا تطلق السلوى على العسل. والتحقيق خلاف هذا، وأن إطلاق السلوى على العسل إطلاق صحيح معروف في كلام العرب، إلا أنه صحيح في العربية وليس صحيحًا في التفسير؛ لأن المراد بالسلوى في الآية ليس العسل، وإن كانت السلوى تطلق على العسل إطلاقًا صحيحًا معروفًا. ومنه قول الهُذلي (١): فَقَاسَمْتُهَا بِاللهِ جَهْدًا لأنَتْمُ ... أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نشورُهَا السلوى: العسل. ونشورها: نستخرجها. والشَّوْر: استخراج العسل خاصة. هذا معنى قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾. ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: وقلنا لهم. و ﴿كُلُواْ﴾ هذا أمر إباحة. فيه ثلاثة أفعال في اللغة العربية مبدوءة بالهمزة يجوز حذف همزتها في الأمر، ولا نظير لها، وهي: أخذ، وأمر، وأكل (٢). تقول: في الأمر منها: (خُذ، مُرْ، كُلْ) بقياس مُطَّرد، إلا أن (أَمَرَ) إذا كان قبل الهمزة واو أو فاء كان إثبات الهمزة في الأمر أفصح. ومنه قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه: آية ١٣٢] فإن لم يكن قبلها واو ولا فاء فإسقاط الهمزة في الأمر أفصح، كقوله ﷺ : «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ» (٣) «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» (٤) ونحو ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿كُلُواْ مِن

стр. 2062

طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ كهذا الطائر اللذيذ الذي هو السُّمانَى وهذه الفاكهة العظيمة التي هي المن، أو غير ذلك على أنه أعم من الترنجبين. والطِّيب هنا شامل طِيبَ الإباحة وطِيبَ اللذاذة؛ لأن الطِّيبَ يطلق إطلاقين: يطلق طَيِّبًا من جهة الإباحة وعدم الشُّبْهة، ويُطلق طَيِّبًا من جهة اللذاذة وحسن المأكل، وهو جامع لهما هنا في قوله: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٠] فهؤلاء اليهود لمَّا أنْعَمَ الله عليهم هذه النعم وخالفوا ادَّخَرُوا من المن والسلوى وهم منهيون عن الادِّخَار، وسيأتي ما بدلوا من القول والفعل ما سلط الله عليهم بسببه من العذاب، قال الله: إن مخالفاتهم عند الإنعام عليهم، ومقابلاتهم إنعام الله بمعاصيه أنهم ما ظلموا الله في ذلك، وما ظلموا إلا أنفسهم، أي: وما ظلمونا بمقابلتهم إنعامنا بالمعاصي ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ هو نص صريح على أن نفي الفعل لا يدل على إمكانه؛ لأن الله نفى ظلمهم له، ونفيه (جل وعلا) ظلمهم له لا يدل على إمكان ذلك سبحانه عن ذلك علوًّا كبيرًا (١). ﴿وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ قدَّم المفْعُول لأجْلِ الاختصاص؛ أي: لا يظلمون بذلك إلا أنفسهم. [٢٢/ب] / يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)﴾ [الأعراف: آية ١٦١].

стр. 2063

واذكر يا نبي الله خسائس هؤلاء اليهود العريقة في أسلافهم؛ ليُعلم بذلك أن تكذيبهم لك وإنكارهم لما عندهم من صفاتك أنه أمر أصله فيهم وفي أسلافهم. واذكر ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ حين قال لهم الله على ألسنة أنبيائه ﴿اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ قوله: ﴿اسْكُنُواْ﴾ أمر من السكنى لا من السكون الذي هو ضد الحركة؛ لأن الأمر بالسكون الذي هو ضد الحركة سجن وحبس، فهو أمر بالسُكنى، وأن يتخذ ذلك البلد مسكنًا، وكون البلد مسكنًا له لا ينافي أن يتجول في أنحائه ويتنعم فيها، كما قال هنا بعد الأمر بقوله: ﴿اسْكُنُواْ﴾ ﴿وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ هذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾. وأكثر المفسرين على أن هذه القرية هي بيت المقدس. وبعض المفسرين يقول: هي أريحا. وبعضهم يقول غير ذلك، فهي قرية في فلسطين من قرى الشام (١)؛ لأن الشام كان يطلق أولاً على ما يضم دمشق وفلسطين والأردن وغير ذلك من نواحيه، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ القرية: هي المحل الذي يجتمع فيه السكان، من: قريتَ الماء في الحوض: إذا جمعته. ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا﴾ أي: كلوا من ثمارها وحبوبها وزروعها حيث شئتم؛ لأنهم كانوا في التِّيهِ يَتَمَنَّوْن الأكْلَ من ذلك كما قدمنا في سورة البقرة في الكلام على قوله: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ وقد قال لهم: ﴿اهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة:

стр. 2064

آية ٦١] ولما أُمروا بدخول هذه القرية وبسُكْنَاها أُمروا بالأكل من ذلك أمر إباحة وتكريم ﴿وَكُلُواْ مِنْهَا﴾ أي: من ثمارها وحبوبها وزروعها وغير ذلك. وقوله: ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أصل (حيث) في لغة العرب كلمة تدل على المكان كما تدل (حين) على الزمان، وربما ضُمِّنت معنى الشرط، ويجوز في العربية لا في القراءة تثليث فائها وإبدال يائها واوًا كما هو معروف في علم العربية (١). قوله: ﴿شِئْتُمْ﴾ أي: مِنْ أَيّ مكان من هذه القرية أرَدْتُمْ أن تأكلوا مِنْ ثِمَارِهَا وحبوبها، وهذا معنى قوله: ﴿وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ وهذا الأكل رَغدًا بدليل ما تقدم في سورة البقرة: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة آية ٥٨]. وقوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ لما كان في التيه مات نبي الله هارون أولاً، ثم مات موسى في التيه كما أطبق عليه المؤرخون (٢). ثم إن خليفة موسى كان يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف، وهو الذي فتح الله عليه هذه القرية قرية الجبارين بيت المقدس أو أريحا، وقيل غير ذلك. لما فتح الله عليهم أَمَرَهم أن يشكروا لله نعمته التي أنعمها عليهم فأمرهم بقول، وأمرهم بفعل، أما الفعل: فقد أمرهم بأن يدخلوا الباب سُجَّدًا، أي: يدخلوا من باب القرية التي فتحها الله لهم سُجَّدًا. قال بعض العلماء: المُراد بالسجود هنا: الركوع تواضعًا وانحناءً وتعظيمًا لله، وشكرًا له على نعمة الفتح. وقال بعض

стр. 2065

العلماء: هو السجود على الجَبْهَة، يسجدون (١). ثم إنهم أُمروا أيضًا بقول، وهو أن يدخلوا الباب وهم يقولون: (حطة) وأكثر المفسرين -وهو ظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة- أنهم تُعبدوا بهذه اللفظة (حطة). وقراءة الجمهور التي لا يجوز العدول عنها: ﴿حِطَّةٌ﴾ بالرفع، وهي خبر مبتدأ محذوف، أي: مسألتنا حطة، والحطة فِعْلة من الحط الذي هو الوضع. والمعنى: مسألتنا لربنا هي حِطَّةٌ لذنوبنا وأوزارنا. معناه: مسألتنا لك أن تحط عنا ذنوبنا وأوزارنا، فهي كلمة استغفار تُؤْذِنُ بِحَطِّ الذنوب ووضع الأوزار، وهي خَبَر مبتدأ محذوف، (فِعْلَة) من الحط، بمعنى الوضع، هذا معناه. وقال بعض العلماء: الحطة: الكلمة التي تحط الذنوب، وهي لا إله إلا الله، والقول الأول أظهر. وقد ثبت في صحيح البخاري وغيرِه من حديث أبي هريرة ﵁ أنهم أُمروا بقول وأمروا بفعل، وأَمْرهم بالقول والفعل كلاهما مذكور في القرآن؛ لأن الله أمرهم بأن يدخلوا الباب سجدًا، وهو الفعل الذي أُمروا به، وأمرهم أن يقولوا: حطة، وهو القول الذي أُمروا به، وفي حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره أنهم بدلوا القول الذي قيل لهم بقول غيره، وبدلوا الفعل الذي قيل لهم بفعل غيره؛ ولذا قال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [الأعراف: آية ١٦٢] قال بعض العلماء: في الكلام حذفان، أي: فبدل الذين ظلموا بالقول الذي قيل لهم قولاً غير الذي قيل لهم، وبالفعل الذي قيل لهم فعلاً غير الذي قيل لهم، فالفعل الذي قيل لهم -وهو دخولهم الباب سجدًا- بدلوه فدخلوا يزحفون على أستاههم، كما ثبت

стр. 2066

في حديث البخاري المذكور (١)، وبدلوا القول الذي قيل لهم فقالوا مكان حطة: حبة في شعرة. وفي بعض روايات الحديث في غير البخاري: حنطة في شعرة. فبدلوا القول وبَدَّلُوا الفِعْلَ، وقابلوا نعم الله بالكفران والمعصية في الأقوال والأفعال -عياذًا بالله- وهذا معنى قوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾ [الأعراف: آية ١٦١]. في هاتين الكلمتين بضميمة إحداهما إلى الأخرى أرْبَعُ قِراءَات سَبْعِيَّات كلها صحيحة متواترة عن النبي ﷺ (٢)، فقرأه نافع وحده من السبعة ﴿وادْخُلُوا الباب سُجَّدًا تُغْفَرْ لكُمْ خَطِيئاتُكُمْ﴾ بضم تاء (تُغفَر) وفتح الفاء مبنيًّا للمفعول. و (خطيئاتُكم) هو جمع مؤنث سالم، هو نائب فاعل (تُغْفَر) فهذه قراءة نافع وحده. وقرأه الشامي -أعني ابن عامر- وحده من السبعة: ﴿وقُولُوا حِطَّة وادْخُلوا البَابَ سُجَّدًا تُغْفَرْ لَكُمْ خَطِيئَتُكُمْ﴾ فقراءة ابن عامر كقراءة نافع إلا أن نافعًا قال: ﴿خَطِيئَاتُكُمْ﴾ بالجمع، وابن عامر قرأ ﴿خَطِيئتُكُمْ﴾ بالإفراد، واكتسبت العموم من إضافتها إلى الضمير. وقرأ أبو عمرو وحده: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِر لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ بـ (نغفر) بنون العظمة، و (خطاياكم) جمع تكسير. وقرأ الباقون من السَّبْعَةِ وهم: ابن كثير، وعاصِم، وحمزة، والكِسَائي: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ

стр. 2067

خَطِيئَاتِكُمْ﴾ بكسر التاء جمعًا مؤنثًا سالمًا، والكسرة علامة النصب. هذه القراءة -في الآية- الصحيحة، ومعناها شيء واحد كما ترون. الغفران في لغة العرب: هو الستر والتغطية. والخطايا والخطيئات: جمع خطيئة وهي الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه النكال يُقال لها: (خَطِيئَة) و (خِطْء) ومنه قوله: ﴿إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: آية ٣١] ويقال لمرتكبها عمدًا: (خاطِئ) ومنه قوله: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ [العلق: آية ١٦] وقوله: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَاّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَاّ الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ [الحاقة: الآيتان ٣٦، ٣٧] فالخاطئ بصورة الفاعل إنما هو على مرتكب الخطيئة عمدًا، أما مرتكب الذنب غير عامد فهو المُسمَّى بالمخطئ، فلا يقال له: خاطئ كما هو معلوم. وعلى قراءة (نغفر) فصيغة الجمع للتَّعْظِيمِ، عظم الله (جل وعلا) نفسه، هذا معنى قوله: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾. ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٦١] هذا استئناف، فكأن قائلاً قال: وماذا بعد غفران الخطايا؟ قال: سنزيد المحسنين. السين للتنفيس، وهو وعد صادق من الله. واختلفت عبارات المفسرين في المراد بالمحسنين، ولا ينبغي أن يُختلف فيه؛ لأن خير ما يُفسر به كتاب الله بعد كتاب الله سنة نبينا محمد ﷺ ، وقد فسر المحسنين تفسيرًا ثابتًا في الصحيح فلا ينبغي العدول عنه لغيره وذلك ما هو مشهور في حديث جبريل لما جاء في صورة الأعرابي وقال للنبي ﷺ : «يا محمد أخبرني عن الإحسان».

стр. 2068

فقال ﷺ : «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (١). وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (٢) أن سؤال جبريل هذا ليُعَلِّم أصحاب النبي ﷺ معنى الإحسان أنه سؤال عظيم مُحتاج إليه غاية الحاجة، وذلك أن الله (جل وعلا) بيّن في آيات من كتابه أن الحكمة التي خلق مِنْ أجْلِهَا خَلْقَهُ وسَمَاوَاتِه وأرضه هي أن يبتلي الخلق، أي: يختبرهم في شيء واحد هو إحسانهم العمل ليظهر مَنْ يُحْسِن منهم عمله ومن لا يُحْسِنُهُ، كما قال تعالى في أول سورة هود: ﴿خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ ثم بَيَّن الحِكْمَة فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود: آية ٧] ولم يقل: أيكم أكثر عملاً. وقال في أول سورة الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ ثم بيَّن الحكمة بقوله: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: آية ٧] وقال في أول سورة الملك ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ ثم بيّن الحكمة فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: آية ٢] فاتضح في هذه الآيات أن الإحسان (٣) هو الذي خُلقتم من أجل الابتلاء فيه -ولا ينافي هذا قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: آية ٥٦] أي: إلا لآمرهم بالعبادة على ألسنةَ رُسُلِي فأبْتَلِي مُحْسِنَهُمْ من غير محسنهم، كما لا يخفى- صار الإحسان محتاجًا إلى معرفته؛ ولذا سأل جبريل عنه وأجابه النبي ﷺ بأنه: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». والإحسان مصدر أحْسَن العَمَلَ يُحْسِنُهُ إِحْسَانًا: إذا جاء به حَسَنًا مُتْقَنًا

стр. 2069

لا نَقْصَ فِيهِ ولا وصم. وإحسان العمل لا يمكن إلا بمراقبة خالق هذا الكون (جل وعلا). وقد قَدَّمْنَا فِي هَذِهِ الدروس مرارًا (١) أن العلماء أجمعوا على أنه لم ينزل الله واعظًا من السماء إلى الأرض ولا زاجرًا أكْبَر مِنْ وَاعِظِ المُرَاقَبَة المُعَبَّر عنه هنا بالإحسان، وقد ضرب العلماء لهذا مثلاً قالوا: لو فرضنا أن في هذا البراح من الأرض ملكًا عظيم البطش، شديد النكال، وسيَّافه قائم على رأسه، والنطع مبسوط، والسيف يقطر منه الدم -ولله المثل الأعلى- وهذا الملك الذي هذا بطشه وشدته ينظر، أترى أن أحدًا من الحاضرين يهتم بريبة مع بناته أو زوجاته أو نسائه؟! لا، كلهم خاشع الطرف، ساكن الجوارح، أمنيته السلامة -ولله المثل الأعلى- فرب العالمين أعظم اطلاعًا وأشد بطشًا، وحِمَاه في أرضه محارمه، فمن لاحظ أن رب السماوات والأرض مطلع عليه، وأنه يرى كل ما يفعل إن كان عاقلاً لا بد أن يُحاسِب. ولو علم أهل بلد أن أمير ذلك البلد بات مطلعًا على كل ما يفعلون من القبائح والخسائس لكفوا عن كل ما لا ينبغي، ولم يرتكبوا إلا ما يجمل -ولله المثل الأعلى- فكيف بخالق السماوات والأرض الذي يعلم خطرات القلوب، وكيف يجهل خطرات القلوب خالق خطرات القلوب؟ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: آية ١٤] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: آية ١٦] معناه: أن المحسنين الذين يراقبون

стр. 2070

الله ويعبدونه كأنهم يرونه أن الله يزيدهم على هذه المراقبة وهذه النية وهذا الإحسان لِلْعَمَلِ يزيدهم أجرًا على أجرهم، وقد جاءت آية في سورة يونس تدل على أن إحسان العمل يزيد الله صاحبه النظر إلى وجهه الكريم كما يأتي في تفسير قوله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: آية ٢٦] فقد جاء في الصحيح أن المراد بالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم (١). وبذلك فسر بعض العلماء قوله تعالى في (ق): ﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: آية ٣٥] ومعنى الآية: أن المحسنين الذين يراقبون الله عند الأعمال ويعبدونه كأنهم يرونه يزيدهم أجرًا، ولا مانع من أن يكون مما يزيدهم: النظر إلى وَجْهِهِ الكريم كما فُسِّرَتْ بِهِ آية يونس المذكورة آنفًا. وهذا معنى قوله: ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٦١]. وقوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الأعراف: آية ١٦٢] لم يقل: فبدلوا. وعدل عن الضمير إلى الظاهر ليسجل عليهم ظلمهم وينيط ما نزل عليهم باسم الظلم الذي ارتكبوا. وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (٢) أن الظلم في لغة العرب التي نزل بها هذا القرآن العظيم هو وضع الشيء في غير محله، فكُلّ مَنْ وضَعَ شَيْئًا في غير موضعه فقد ظلم في لغة العرب، وهذا معروف في كلامهم، ومنه قالوا للذي يضرب لبنه قبل أن يروب قالوا: هو ظالم؛ لأنه وضع ضرب اللبن في غير موضعه؛ لأن ضَرْبَه قبل أن يروب يفسد زبده فهو ظلم؛ لأنه وضع للضرب في غير موضعه، وفي لُغَز الحريري في مقاماته: «هل
следующие страницы →