← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

في حديث البخاري المذكور (١)، وبدلوا القول الذي قيل لهم فقالوا مكان حطة: حبة في شعرة. وفي بعض روايات الحديث في غير البخاري: حنطة في شعرة. فبدلوا القول وبَدَّلُوا الفِعْلَ، وقابلوا نعم الله بالكفران والمعصية في الأقوال والأفعال -عياذًا بالله- وهذا معنى قوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾ [الأعراف: آية ١٦١]. في هاتين الكلمتين بضميمة إحداهما إلى الأخرى أرْبَعُ قِراءَات سَبْعِيَّات كلها صحيحة متواترة عن النبي ﷺ (٢)، فقرأه نافع وحده من السبعة ﴿وادْخُلُوا الباب سُجَّدًا تُغْفَرْ لكُمْ خَطِيئاتُكُمْ﴾ بضم تاء (تُغفَر) وفتح الفاء مبنيًّا للمفعول. و (خطيئاتُكم) هو جمع مؤنث سالم، هو نائب فاعل (تُغْفَر) فهذه قراءة نافع وحده. وقرأه الشامي -أعني ابن عامر- وحده من السبعة: ﴿وقُولُوا حِطَّة وادْخُلوا البَابَ سُجَّدًا تُغْفَرْ لَكُمْ خَطِيئَتُكُمْ﴾ فقراءة ابن عامر كقراءة نافع إلا أن نافعًا قال: ﴿خَطِيئَاتُكُمْ﴾ بالجمع، وابن عامر قرأ ﴿خَطِيئتُكُمْ﴾ بالإفراد، واكتسبت العموم من إضافتها إلى الضمير. وقرأ أبو عمرو وحده: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِر لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ بـ (نغفر) بنون العظمة، و (خطاياكم) جمع تكسير. وقرأ الباقون من السَّبْعَةِ وهم: ابن كثير، وعاصِم، وحمزة، والكِسَائي: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ

стр. 2067

خَطِيئَاتِكُمْ﴾ بكسر التاء جمعًا مؤنثًا سالمًا، والكسرة علامة النصب. هذه القراءة -في الآية- الصحيحة، ومعناها شيء واحد كما ترون. الغفران في لغة العرب: هو الستر والتغطية. والخطايا والخطيئات: جمع خطيئة وهي الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه النكال يُقال لها: (خَطِيئَة) و (خِطْء) ومنه قوله: ﴿إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: آية ٣١] ويقال لمرتكبها عمدًا: (خاطِئ) ومنه قوله: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ [العلق: آية ١٦] وقوله: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَاّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَاّ الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ [الحاقة: الآيتان ٣٦، ٣٧] فالخاطئ بصورة الفاعل إنما هو على مرتكب الخطيئة عمدًا، أما مرتكب الذنب غير عامد فهو المُسمَّى بالمخطئ، فلا يقال له: خاطئ كما هو معلوم. وعلى قراءة (نغفر) فصيغة الجمع للتَّعْظِيمِ، عظم الله (جل وعلا) نفسه، هذا معنى قوله: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾. ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٦١] هذا استئناف، فكأن قائلاً قال: وماذا بعد غفران الخطايا؟ قال: سنزيد المحسنين. السين للتنفيس، وهو وعد صادق من الله. واختلفت عبارات المفسرين في المراد بالمحسنين، ولا ينبغي أن يُختلف فيه؛ لأن خير ما يُفسر به كتاب الله بعد كتاب الله سنة نبينا محمد ﷺ ، وقد فسر المحسنين تفسيرًا ثابتًا في الصحيح فلا ينبغي العدول عنه لغيره وذلك ما هو مشهور في حديث جبريل لما جاء في صورة الأعرابي وقال للنبي ﷺ : «يا محمد أخبرني عن الإحسان».

стр. 2068

فقال ﷺ : «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (١). وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (٢) أن سؤال جبريل هذا ليُعَلِّم أصحاب النبي ﷺ معنى الإحسان أنه سؤال عظيم مُحتاج إليه غاية الحاجة، وذلك أن الله (جل وعلا) بيّن في آيات من كتابه أن الحكمة التي خلق مِنْ أجْلِهَا خَلْقَهُ وسَمَاوَاتِه وأرضه هي أن يبتلي الخلق، أي: يختبرهم في شيء واحد هو إحسانهم العمل ليظهر مَنْ يُحْسِن منهم عمله ومن لا يُحْسِنُهُ، كما قال تعالى في أول سورة هود: ﴿خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ ثم بَيَّن الحِكْمَة فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود: آية ٧] ولم يقل: أيكم أكثر عملاً. وقال في أول سورة الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ ثم بيَّن الحكمة بقوله: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: آية ٧] وقال في أول سورة الملك ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ ثم بيّن الحكمة فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: آية ٢] فاتضح في هذه الآيات أن الإحسان (٣) هو الذي خُلقتم من أجل الابتلاء فيه -ولا ينافي هذا قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: آية ٥٦] أي: إلا لآمرهم بالعبادة على ألسنةَ رُسُلِي فأبْتَلِي مُحْسِنَهُمْ من غير محسنهم، كما لا يخفى- صار الإحسان محتاجًا إلى معرفته؛ ولذا سأل جبريل عنه وأجابه النبي ﷺ بأنه: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». والإحسان مصدر أحْسَن العَمَلَ يُحْسِنُهُ إِحْسَانًا: إذا جاء به حَسَنًا مُتْقَنًا

стр. 2069

لا نَقْصَ فِيهِ ولا وصم. وإحسان العمل لا يمكن إلا بمراقبة خالق هذا الكون (جل وعلا). وقد قَدَّمْنَا فِي هَذِهِ الدروس مرارًا (١) أن العلماء أجمعوا على أنه لم ينزل الله واعظًا من السماء إلى الأرض ولا زاجرًا أكْبَر مِنْ وَاعِظِ المُرَاقَبَة المُعَبَّر عنه هنا بالإحسان، وقد ضرب العلماء لهذا مثلاً قالوا: لو فرضنا أن في هذا البراح من الأرض ملكًا عظيم البطش، شديد النكال، وسيَّافه قائم على رأسه، والنطع مبسوط، والسيف يقطر منه الدم -ولله المثل الأعلى- وهذا الملك الذي هذا بطشه وشدته ينظر، أترى أن أحدًا من الحاضرين يهتم بريبة مع بناته أو زوجاته أو نسائه؟! لا، كلهم خاشع الطرف، ساكن الجوارح، أمنيته السلامة -ولله المثل الأعلى- فرب العالمين أعظم اطلاعًا وأشد بطشًا، وحِمَاه في أرضه محارمه، فمن لاحظ أن رب السماوات والأرض مطلع عليه، وأنه يرى كل ما يفعل إن كان عاقلاً لا بد أن يُحاسِب. ولو علم أهل بلد أن أمير ذلك البلد بات مطلعًا على كل ما يفعلون من القبائح والخسائس لكفوا عن كل ما لا ينبغي، ولم يرتكبوا إلا ما يجمل -ولله المثل الأعلى- فكيف بخالق السماوات والأرض الذي يعلم خطرات القلوب، وكيف يجهل خطرات القلوب خالق خطرات القلوب؟ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: آية ١٤] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: آية ١٦] معناه: أن المحسنين الذين يراقبون

стр. 2070

الله ويعبدونه كأنهم يرونه أن الله يزيدهم على هذه المراقبة وهذه النية وهذا الإحسان لِلْعَمَلِ يزيدهم أجرًا على أجرهم، وقد جاءت آية في سورة يونس تدل على أن إحسان العمل يزيد الله صاحبه النظر إلى وجهه الكريم كما يأتي في تفسير قوله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: آية ٢٦] فقد جاء في الصحيح أن المراد بالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم (١). وبذلك فسر بعض العلماء قوله تعالى في (ق): ﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: آية ٣٥] ومعنى الآية: أن المحسنين الذين يراقبون الله عند الأعمال ويعبدونه كأنهم يرونه يزيدهم أجرًا، ولا مانع من أن يكون مما يزيدهم: النظر إلى وَجْهِهِ الكريم كما فُسِّرَتْ بِهِ آية يونس المذكورة آنفًا. وهذا معنى قوله: ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٦١]. وقوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الأعراف: آية ١٦٢] لم يقل: فبدلوا. وعدل عن الضمير إلى الظاهر ليسجل عليهم ظلمهم وينيط ما نزل عليهم باسم الظلم الذي ارتكبوا. وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (٢) أن الظلم في لغة العرب التي نزل بها هذا القرآن العظيم هو وضع الشيء في غير محله، فكُلّ مَنْ وضَعَ شَيْئًا في غير موضعه فقد ظلم في لغة العرب، وهذا معروف في كلامهم، ومنه قالوا للذي يضرب لبنه قبل أن يروب قالوا: هو ظالم؛ لأنه وضع ضرب اللبن في غير موضعه؛ لأن ضَرْبَه قبل أن يروب يفسد زبده فهو ظلم؛ لأنه وضع للضرب في غير موضعه، وفي لُغَز الحريري في مقاماته: «هل

стр. 2071

يجوز أن يكون الحاكم ظالمًا؟ قال: نعم إذا كان عالمًا» (١) يجوز أن الحاكم إذا كان يضرب لبنه قبل أن يروب لا مانع من توليته إذا كان من أهل العلم. وهذا معنى مطروق في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (٢): وقَائِلَةٍ ظَلَمْتُ لَكُم سِقَائِي ... وهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكدِ الظَّلِيمِ (ظلمت لكم سقائي) أي: ضَرَبْتُهُ لكم قبل أن يروب. والعَكَد: عصب اللسان، لا يخفى عليه اللبن المضروب قبل أن يروب من غيره. ونظيره قول الآخر (٣): وصَاحبِ صِدْقٍ لم تردني شَكَاتُه ... ظَلَمْتُ وفي ظَلْمِي له عامدًا أجْرُ يعني سقاءه ضربه قبل أن يروب. ومن هذا المعنى قيل للأرض التي حُفر فيها وليست محلاً للحَفْرِ مظلومة، ومنه قول نابغة ذبيان (٤): إلا الأَوَارِيَّ لأْيًا ما أُبَيِّنُها ... والنُؤيُ كالحَوْضِ في المظْلُومَةِ الجَلَدِ وقالوا لتراب القبر: ظليم. فعيل بمعنى مفعول؛ لأنه مظلوم؛ لأن القبر يُحْفَرُ غَالِبًا في محل ليس محتاجًا للحفر سابقًا، ومنه قول الشاعر يصف رجلاً مقبورًا (٥): فأَصْبَحَ في غَبْراءَ بعد إِشَاحَةٍ ... من العَيشِ مردودٍ عليها ظَلِيْمُها

стр. 2072

هذا معروف في كلام العرب، وإذا عرفتم أن الظلم في لغة العرب معناه: وضع الشيء في غير موضعه فاعلموا أن أعظم أنواع وضع الشيء في غير موضعه: وضع العبادة في غير من خلق، فمَنْ أكَلَ رِزْقَ اللهِ الذي خلقَهُ ورزقه وعبد غيره فقد وَضَعَ العبادة في غير موضعها فهو ظالم، ولذا كثر في القرآن إطلاق الظلم على الشرك بالله، كما قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: آية ٢٥٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: آية ١٣] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ [يونس: آية ١٠٦] وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه فسر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: آية ٨٢] قال: بشرك. ثم تلا قوله تعالى عن لقمان الحكيم: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١) [لقمان: آية ١٣] فوضع العبادة في غير مَنْ خَلَقَ هو أكبر أنواع الظلم. وكذلك وضع الطاعة في غير موضعها، كالذين يعصون الله ويطيعون الشيطان وذُرِّيَّتَهُ فقد وضعوا الطاعة في غير موضعها حيث أطاعوا عدوهم إبليس ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الكهف: آية٥٠]. وقد عصوا الله فوضعوا المعصية في غير موضعها، والطاعة في غير موضعها. ومن هنا كان الظلم ظلمان: ظلم بالكفر المخرج عن الإسلام، وظلم دون ظلم، وهو ظلم النفس بارتكاب المعاصي؛ لأن كلاً منهما وضع الشيء في غير موضعه، وقد جاء في موضع واحد من القرآن في سورة الكهف وضع الظلم بمعنى النقصان، وهو قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ

стр. 2073

شيئًا﴾ [الكهف: آية ٣٣] يعني: ولم تنقص منه شيئًا كما سيأتي. وهذا معنى قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الأعراف: آية ١٦٢] يعني وضعوا الأمر في غير موضعه حيث قابلوا نعم الله بالعصيان، وعصوا الله، وأطاعوا إبليس. بدَّل الذين ظلموا بالقول الذي قيل لهم وهو (حطة) بدلوه قولاً غير الذي قيل لهم فقالوا: حبة في شعرة، أو حنطة في شعيرة، أو غير ذلك من الألفاظ. وقد قدمنا أن كون الذي قالوه (حبة في شعرة) ثابت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة (١). وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ هو معنى: ﴿فَأَنزَلْنَا﴾ [البقرة: آية ٥٩] عليهم في سورة البقرة. ﴿رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾ الرجز بكسر الراء: العذاب. قال المفسرون: هو طاعون أنزله الله بهم فأهلك منهم سبعين ألفًا في مدة قليلة. وقوله: ﴿بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٢] الباء سببية و (ما) مصدرية. أي: بسبب كونهم ظالمين واضعين الأمر في غير موضعه حيث يعصون الله ويطيعون الشيطان، ويقابلون النعم بالمعاصي. وهذا معنى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٢]. ﴿واسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: آية ١٦٣].

стр. 2074

قصة هذه القرية كان يخفيها اليهود لأنها سُبة عليهم، وإخبار النبي ﷺ لهم بها وسؤالهم عنها مع أنه نبي أمي من معجزاته وأدلة نبوته؛ لأنه ما علمها إلا عن طريق الوحي. وسنذكرها ملخصة موجزة ثم نذكرها مفصلة في الآيات التي شَرَحَتْها. وقد ألممنا بهذه القصة في هذه الدروس في سورة البقرة (١) في الكلام على قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة: آية ٦٥] فآيات سورة الأعراف هنا بسط وشرح لقوله في البقرة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾. هذه القرية يزعم المفسرون -أغلبهم وأكثرهم- أنها قرية تسمى (أيلة) قريب من العقبة، على ذلك الشاطئ، بين الطور ومدين، وأنها في زمن داود ﵇ كان محرم عليهم الاصطياد في السبت كما تقدم في قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: آية ٧٨] وكان يشتد قرمهم إلى لحم السمك -والقَرَمُ بفتحتين: شهوة اللحم- وكان الله افتتنهم فتنة، كان إذا كان يوم السبت جاءهم السمك على وجه البحر أفواجًا أفواجًا كالكباش البيض حتى يتمكن كل إنسان من أخذ ما شاء منه في أحسن حال وأسمنها، فإذا غربت شمس يوم السبت تمنَّع في البحر فلا يقدرون على شيء منه!! وهذا ابتلاء وامتحان لهم، فمكثوا من الزمن بهذا ما شاء الله، ثم بعد ذلك اشتدت شهوتهم إلى اللحم فصاروا يحتالون على السمك يوم الجمعة -مثلاً- فيحفرون فَيُجْرُون

стр. 2075

في الماء أخاديد يسيل فيها الماء، فإذا انتهت حفروا حُفرًا عميقة، فإذا جاء الحوت مع تلك الأخاديد المائية نزل في الحفر فلا يَقْدِر على الرجوع فأخذوه يوم [الأحد]!! (١) وكان بعضهم -فيما يقولون- يجعل في ذنب الحوت خيطًا ويدُقّ وتدًا على الشَّاطِئِ، ويمسك رأس الخيط فيه، فيبقى الحوت في الماء ممسكًا بالخيط، فإذا غَرَبَتِ شَمْسُ يَوْمِ السبت جاء وأخذه، فلمَّا فعلوا هذه الحيل ولم يعاجلهم العذاب كأنهم تجرءوا وتشجعوا وقالوا: لعل حرمة صيد السمك رفعها الله؛ لأنه لم يفعل بنا بأسًا، فلم يزالوا يتدرجون في الحيل حتى صار بعضهم يصطاده علنًا ويملحونه ويبيعونه في الأسواق، وكانوا ثلاث طوائف: طائفة باشرت العدوان يوم السبت واصطياد السمك، وطائفة نهتهم عنه وقالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٤] وطائفة قالوا للذين نهتهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، والله بيّن أن الذين اعتدوا في السبت عَذَّبَهُمْ عَذَابًا بئيسًا وهو مسخهم قِرَدَة، وقيل: بعضهم خنازير، كما يأتي تفصيله، كما ذكره في قوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف: آية ١٦٦] وفي قوله: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٥]. والطائفة الذين نهت أنجاهم الله كما ذكره بقوله: ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: آية ١٦٥] وبقيت الطائفة التي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ فبعض العلماء يقول: هم مع الهالكين،

стр. 2076

والمحققون يقولون: هم ناجون؛ لأنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا لقومهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: آية ١٦٤] وذكروا عن عكرمة أنه كان يقول: إن ابن عباس ما كان يدري هل نجوا أو هلكوا حتى أقنعه عكرمة بأنهم نجوا فكساه حُلَّة (١). ومن أظهر الأدلة في أنهم نجوا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً﴾ [البقرة: آية ٦٥] فرتب بالفاء قوله: ﴿قِرَدَةً﴾ لخصوص الذين اعتدوا، وهؤلاء لم يعتدوا بل إنما لم يُذكر عنهم أنهم نهوا. ولما كانوا يفعلون هذا، وصاروا يصطادون السمك علنًا، ونهاهم قومهم قال لهم قومهم: والله لا نساكنكم؛ لأنا نخاف أن ينالنا العذاب الذي سينزل عليكم. فيذكر المفسرون في قصتهم أنهم قسموا القرية، ويزعمون أن الذين اصطادوا قُربًا من سبعين ألفًا، وأن الذين نهوا قُربًا من اثني عشر ألفًا، والله أعلم. فهي إسرائيليات لم يثبت فيها شيء. قالوا: فجعلوا بينهم حائطًا، وقسموا القرية بينهم نصفين، لكل منهم مدخل ومخرج غير مدخل الثاني ومخرجه، فمكثوا على ذلك ما شاء الله، ثم لما كان ذات يوم فإذا قرية المعتدين لم يفتح بابها، ولم يخرج منها أحد، فتسوروا عليهم الحائط فوجدوهم -والعياذ بالله- مُسخوا قردة. يذكر المفسرون أن الواحد من القردة يعرف نسيبه من

стр. 2077

الآدميين الذين لم يُمسخوا فيجيئه ويتمسح به ويبكي، وأن الآدميين يقولون: ألم ننهكم عن انتهاك حرمات الله؟ وأنهم يشيرون برؤوسهم أن نعم -هكذا- وسيأتي هذا مفصلاً بحسب الآيات التي ذكره الله فيها من سورة الأعراف هذه. وهذا معنى قوله: ﴿واسْأَلْهُمْ﴾ يا نبي الله. قرأه أكثر السبعة: ﴿واسْأَلْهُمْ﴾ وخفف بعضهم بنقل الحركة (١) ﴿وسَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. ﴿حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ معناها: مَبْنِيَّةً على شاطئه بحضرته قريبًا منه، وهو على ما يقوله أكثر المفسرين قرية تسمى (أيلة) خلافًا لمن زعم أنها (مدين)، ومن زعم أنها (طبرية)، ومن زعم أنها تُسمى مَعَنَّى (٢)، ومن زعم أنها تُسمى (مقنات) فكل هذا إسرائيليات، ولكن أكثر الأخبار والروايات أنها (أيلة) كما ذكرنا (٣). وهذا معنى قوله: ﴿واسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: آية ١٦٣] اسألهم عنهم حين ﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾.

стр. 2078

﴿يَعْدُونَ﴾ معناه: يجاوزون حدود الله، وينتهكون أوامره باصْطِيَادِ السَّمَكِ يَوْمَ السبت ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ﴾ حين تأتيهم ﴿حِيتَانُهُمْ﴾ الحيتان: جمع حوت، وياؤه مبدلة من واو؛ لأن أصل الحوت ثلاثي واوي العين، زيدت في جمعه الألف والنون وأُبدلت الواو ياء لسكونها بعد كسرة، كما في (الميزان) من الوزن، و (الميعاد) من الوعد، و (الميقات) من الوقت، و (الحيتان) ياؤه مبدلة من واو جمع حوت (١). ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ السبت مصدر سَبَتَ اليهود سَبتًا إذا عظموا يوم السبت بالانقطاع للعبادة فيه وترك صيد السمك. وهذا معنى قوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ [الأعراف: آية ١٦٣] ﴿شُرَّعًا﴾ جمع شارع. قال بعض العلماء: تأتيهم مقبلة، تأتيهم الحيتان مقبلة ظاهرة على وجه الماء كأنها صفوف كثيرة حتى تستر وجه الماء من كثرتها، فالشُرَّع على هذا بمعنى الظاهرة المقبلة على وجه الماء، والعرب تقول: شرعت على فلان فوجدته يفعل كذا. معناه: أقبلت عليه حتى قربت منه فوجدته يفعل كذا. ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ أي يوم لا يعظمون السبت؛ لأنه يوم آخر من أيام الأسبوع ﴿لَا تَأْتِيهِمْ﴾ فتنة لهم وامتحانًا ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ البلاء العظيم ﴿نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. ﴿نَبْلُوهُم﴾ معناه: نختبرهم بسبب كونهم فاسقين، فقد ابتُلوا بالطمع ولم ينجحوا، وقد ابتُلوا بالخوف ولم ينجحوا؛ لأن الابتلاء الذي يميِّز

стр. 2079

ذهب الرجال من زائفهم هو الطمع والخوف، فإن المحن التي يظهر بها ذهب الرجال وإِبْرِيزهم إنما هي محن الخوف والطمع، وقد ابتلى الله أمة موسى بالخوف والطمع، وابتلى أمة محمد بالخوف والطمع، فنجحت أمة محمد ولم تنجح أمة موسى؛ لأن الطمع الذي ابتلى الله به بني إسرائيل هو هذه القرية التي ذكرنا، وسيأتي أنهم اصطادوا السمك في السبت فمُسخوا قردة كما يأتي في قوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً﴾ [الأعراف: آية ١٦٦] والعياذ بالله؛ لأنهم لم يصمدوا أمام الطمع، ولم تَقْوَ شكائمهم أمام الطمع، بل ذابوا وانْمَاعُوا أمام طمع شهوة اللحم. وكذلك لما ابتلاهم بالخوف في جهاد الجبارين وقال لهم: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: آية ٢١] فجبنوا ولم يشجعوا. وقال تعالى عنهم إنهم قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ [المائدة آية ٢٢] وقد قالوا لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: آية ٢٤] فلم يثبتوا أمام عواصف الطمع، ولم يثبتوا أمام عواصف الخوف، بخلاف هذه الأمة الكريمة أمة محمد ﷺ ، فقد ابتلاهم بالطمع بنفس الصيد، وذلك في غزوة الحديبية في ذي القعدة من عام ست، ابتلاهم الله وهم في سفر وشدة قَرَم -أعني شدة شهوة إلى اللحم- ابتلاهم بأن يسر لهم جميع أنواع الصيد وهم محرمون، كبير الصيد وصغيره من أنواع الوحوش والطير وغير ذلك فلم يمد رجل منهم يده إلى شيء من ذلك، فنجحوا ولم تُزعزعهم عواصف الطمع، بل ثبتوا أمامه ثبوت الرجال، وهذا قد تقدم (١) في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ

стр. 2080

لَيَبْلوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشيء مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ [المائدة: آية ٩٤] فثبتوا ولم تزعزعهم عواصف الطمع، وكذلك ابتلاهم بالخوف لما سافر النبي ﷺ سفره في غزوة بدر الكبرى كما سيأتي تفاصيله في سورة الأنفال -إن شاء الله تعالى- وقد خرج لأجل عير في ثلاثمائة رجل وثلاثة عشر رجلاً يريدون عيرًا ليأخذوها، فجاءهم جيش عرمرم، نفير مسلح، فلما علم النبي ﷺ بالجيش وذكر أمرهم لقومه -وهو أمر مخيف؛ لأنه جيش عظيم في عَدَدِه وعُدَدِه وهم قليلون كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: آية ١٢٣] هم قليل عَددهم وعُددهم بالنسبة إلى عدوهم فلما عرض ذلك عليهم- قال له المقداد بن عمرو المعروف بالمقداد بن الأسود من بني بهراء من قبائل اليمن، حليف قريش، قال له: والله لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا من دُونَهُ معك، ولو خضت بنا البحر لخضناه، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى فلما أعاد الكلام قال له سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه): كأنك تعنينا معشر الأنصار؟ قال: نعم. لأن الأنصار اشترطوا عليه ليلة العقبة أنهم يحمونه مما يحمون منه أبناءهم ونساءهم في نفس المدينة، ولم يشترطوا له الخارج عن بلادهم، فكان ﷺ يتخوف ألا يكونوا معه في الخارج عن ديارهم، فلما قال له سعد بن معاذ ﵁: كأنك تعنينا معشر الأنصار؟ قال له: نعم. قال كلامه المعروف المشهور في المغازي والتاريخ -العظيم الدال على عظيم الثبات- الذي يقول فيه: والله إنا لقوم صُبُرٌ في الحرب، صُدَّقٌ عند اللقاء، ووالله ما نكره أن تلقى بنا عدوك حتى ترى منا ما يقر عينك، والله لقد تخلف عنك

стр. 2081

بالمدينة أقوام لو علموا أنك تلقى كيدًا ما تخلف عنك منهم أحد (١). ونحو هذا من الكلام؛ فثبتوا وصمدوا عند هذا الخوف العظيم، وثبتوا أمام هذا الطمع العظيم، بخلاف الاسرائيليين -كما بيّنا وكما جاء هنا في الأعراف- من سقوطهم أمام الطمع، وكما قدمنا في سورة المائدة من سقوطهم أمام الخوف، وهذا معنى قوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٣] البلاء معناه الاختبار، وهو يقع بالخَيْرِ والشَّرِّ، كما قال: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٨]، ولم ينجحوا في هذا البلاء إلا الذين عَصَمَهُم الله جل وعلا. [٢٣/أ] / ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَاّ يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ

стр. 2082

وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: الآيات ١٦٤ - ١٧٠]. يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾ [الأعراف: آية ١٦٤]. قرأ هذا الحرف عامة القراء منهم السبعة غير عاصم في رواية حفص خاصة: ﴿معذرةٌ إلى ربكم﴾ بضم التاء، وقرأهُ عاصمٌ وحده في رواية حفص: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ بنصب التاء (١). أما على قراءة الجمهور فـ ﴿مَعْذِرَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: موعظتنا لهؤلاء معذرة عند الله. أو هذه الموعظة معذرة. أما على رواية حفص عن عاصم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ ففي إعرابه وجهان: أحدهما (٢): أنه مفعول من أجله، أي: وعظناهم لأجل المعذرة. أي: لنقيم عذرنا عند الله. الثاني: أنه مفعول مطلق، أي: نعتذر بذلك معذرة عند الله جل وعلا (٣). وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ﴾ واذكر يا نبي الله ﴿وَإِذَ قَالَتْ﴾ حين قالت أمة منهم ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ

стр. 2083

مُهْلِكُهُمْ﴾ الميم في قوله: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ هي ما الاستفهامية. والمقرر في علم العربية أنّ ما الاستفهامية إذا جُرَّت حُذف ألفها كما هو معروف، والمعنى: لأي موجب تعظون؟ (تعظون) مصدر وعظه يعظه إذا كلّمه كلامًا يلين له قلبه لينتهي عما لا يرضي الله. ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ لأي موجب وأي حكمة تعظون قومًا متمرِّدين مُتَمَادِين على العصيان وعدم الانكفاف ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ إهلاك استئصال ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ لجراءتهم عليه وانتهاكهم حرماته. وهذه الطائفة قال بعض العلماء: هي أشد الذين نَهوا، وإنما قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ لأنها جرّبت وعظهم وعلمت أنهم لا فائدة فيهم ولا ينزعون ولا يُقْلعون. وقال بعض العلماء: هذه الطائفة الثالثة التي لم تباشر الاعتداء في السبت ولم تنهَ الذين اعتدوا في السبت. وقد ذكرنا أنّ العلماء اختفلوا فيها، وأنّ أظهر القولين: أنها نجت كما أقنع به عكرمة ابن عباس ﵁، وكما يدل عليه ترتيبه بالفاء في قوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً﴾ [البقرة آية ٦٥] في سورة البقرة على خصوص الاعتداء في السبت خاصة في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً﴾ فرتب قوله: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً﴾ على خصوص الاعتداء في السبت. وهذا معنى قوله: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ إهلاكًا مستئصلاً ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ نعتذر بموعظتنا إياهم معذرة إلى ربكم. أو وَعظناهم لأجل المعذرة عند ربكم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ولرجائنا أيضًا أن تؤثر فيهم الموعظة فيتقوا الله ويكفوا عن ما هم مصرون عليه من ارتكاب هذا الذنب العظيم الذي هو صيد السمك يوم السبت.

стр. 2084

وهذه الآية الكريمة جاء فيها بيان حكمتين من حِكَم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن استقراء القرآن دل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له حِكَمٌ ثلاث تضمنت هذه الآية من سورة الأعراف من تلك الحكم الثلاث اثنتين، أمّا الحِكَم الثلاث (١): فالأُولى منها: أن يقيم الإنسان عذره أمام ربه، ويخرج بذلك الأمر من عهدة التقصير في الأمر بالمعروف؛ لئلا يدخل في قوله: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: آية ٧٩] وهذه الحكمة أشاروا لها بقوله: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾. الحكمة الثانية: هي رجاء انتفاع المذكر، كما قال هنا عنهم: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وذكر الله هذه الحكمة في قوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: آية ٥٥]. الحكمة الثالثة من حِكَم الأمر بالمعروف التي لم تذكر في هذه الآية الكريمة: هي إقامة الحجة لله على خَلْقِهِ في أرْضِهِ نيابةً عن رسله؛ لأن الله يقول: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: آية ١٦٥] فأهل العلم يقيمون حجة الله على خلقه بإقامة الحجة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نيابةً عن الرسل في ذلك، وهذا معنى قوله: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٤]. ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ [الأعراف: آية ١٦٥] يعني فترك المأمورون الموعوظون تركوا أمر الله ولم يلتفتوا إلى ذلك التذكير؛

стр. 2085

ولذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ﴾ اعلموا أن النسيان يطلق في القرآن العظيم إطلاقين (١): أحدهما: نسيان الشيء بأن ينساهُ الناسي ويزول علمه منه فيكون ناسيًا له غير ذاكر. والثاني: يطلق النسيان على ترك العمل عمدًا وهو المقصود هنا، منه قوله تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: آية ٦٧] أي: تركوه فتركهم؛ لأن الله لا ينسى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: آية ٦٤] ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَاّ يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (٥٢)﴾ [طه: آية ٥٢] فالنسيان هنا معناه الترك عمدًا، وهو أسلوبٌ عربي معروف، تقول العرب: نسي الأمر وتناساه: إذا صَدَّ عنه وأَعْرَضَ وتَرَكَهُ عَمْدًا. ومنه على أصح التفسيرين قوله عن آدم: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: آية ١١٥] أي: ترك ذلك الأمر لما قاسمه الشيطان، كما تقدّم إيضاحه، وهذا معنى قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ المراد بالسوء هنا هو معصية الله (جل وعلا) وانتهاك حرمته باصطياد السمك في السبت، وكل معصية من معاصي الله فهي من السوء؛ لأنها تسوء صاحبها إذا نظرها في صحيفته يوم القيامة. ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: ارتكبوا الجريمة وعصوا الله واصطادوا السمك في السبت. ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ في هذا الحرف أربع قراءات سَبْعِيَّات (٢): قرأ

стр. 2086

هذا الحرف ابن كثير والكوفيون -أعني عاصمًا وحمزة والكسائي-: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ على وزن (فعِيل). والعذاب البئيس: هو العذاب الشديد العظيم الذي وقْعُه شديد على صاحبه. وقرأه نافع في روايتي ورش وقالون: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بباء مكسورة بعدها ياء ولا همزة فيه. وأصل هذه القراءة كما قاله بعض العلماء: (بَئِس) على وزن (فَعِل) فخففت، كما تقول في (كَبِدٍ): (كِبْدٍ) فقيل: (بِئْس) وخففت الهمزة أيضًا فقيل: (بِيس) ومعناه عائد إلى الأَوَّل. وقرأه ابن عامر: ﴿بِعَذَابٍ بئْسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ كقراءة نافع إلا أن ابن عامر همز الياء فقال: ﴿بعذابِ بِئْسٍ بما كانوا يفسقون﴾. أما أبو بكر -أعني شعبة عن عاصم - فله روايتان: أحدهما توافق قراءة الجمهور، وهي قوله: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ وروى أبو بكر شعبةُ روايةً أخرى عن عاصم: ﴿بعذاب بَيْئَس بما كانوا يفسقون﴾ (بيْئس) على وزن (ضَيْغَم) والعذاب البيئَس: هو الشديد أيضًا، ورجل بَيْئَس: شديد البأس، ومنه قول امرئ القيس بن عابس الكندي (١): كِلاهُمَا كَانَ رَئِيسًا بَيْئَسًا ... يَضْرِبُ فِي يَوْمِ الهيَاجِ القَوْنَسَا وهذا معنى قوله: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٥] الباء سببية، و ﴿مَا﴾ مصدرية. والفسق في لغة

стр. 2087

العرب معناه: الخروج عن طاعة الله. كل من خرج عن شيء فقد فسق (١). والعرب تقول: «فسقت هذه الرواحل عن قصدها»؛ أي: جارت عن طريقها، ومنه قول رُؤْبَة بن العَجَّاجِ (٢): يَهْوَيْنَ في نَجْدٍ وغَوْرًا غَائِرًا ... فَوَاسِقًا عن قَصْدِهَا جَوَائِرا والفسق في الشرع: الخروج عن طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: آية ٥٠] أي: خرج عن طاعة ربه. هذا هو معنى الفسق. والخروج عن طاعة الله قد يكون خروجًا أعظم وهو الخروج المخرج عن دين الإسلام، وقد يكون خروجًا دون خروجٍ وهو الفسق بارتكاب كبيرة. ولأجل هذا المعنى كان الفسق يطلق في القرآن على الخروج عن طاعة الله بمعناه الأعظم وهو الكفر بالله كقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَاّ الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: آية ٢٦] وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: آية ٢٠] وقد يطلق الفسق على خروج دون خروج بارتكاب بعض الكبائر كقوله: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: آية ٤] وقوله: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: آية ٦] وهذا معنى قوله: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف: آية ١٦٦] (لمّا) هذه هي التي تربط جملة بجملة رَبْط الشرط بالجزاء. و (لما) تأتي في اللغة العربية على ثلاثة

стр. 2088

أنواع (١): فتأتي نافية نحو ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: آية ٢١٤] وتأتي مُثْبِتَة على لغة هذيل بن مدركة كقوله: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ [الطارق: آية ٤] أي: ما كل نفسٍ إلا عليها حافظ. وهاتان حرفان بلا خلاف بين علماء العربية. الثالثة: (لمَّا) هذه -التي تربط جملةً بأخرى ربط الشرط بالجزاء- يختلف فيها علماء العربية، فبعضهم يقول: هي حرف؛ لأنها لم يعد إليها عائد ولم يرجع إليها ضمير فهي حرف. وبعض علماء العربية يقول: هي اسم، وهي ظرفٌ مُضَمَّنٌ معنى الشرط، واختار هذا غير واحد. وما زعمه بعضهم مستدِلاًّ بآية من كتاب الله: أنّ (لمّا) أنها حرف لا يستقيم كل الاستقامة. والحاصل أن فيها خلافًا معروفًا بين علماء العربية: هل هي حرفٌ أو ظرف؟ وهذا معنى قوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ﴾ والعرب تقول: «عتا يعتو» إذا تمرَّدَ وتَكَبَّرَ؛ أي: فلما تمرَّدُوا وتَكَبَّرُوا. وقوله: ﴿عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ﴾ في الكلام حذفُ مضافٍ دل المقام عليه، وحذف المضاف إذا دل المقام عليه وإقامة المضاف إليه مقامه أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ مشهورٌ، وتقدير المضاف المذكور: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا﴾ أي: فلما تمردوا وتكبروا عن ترك ما نُهوا عنه وهو صيد السمك يوم السبت ﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾ صيغة الجمع للتعظيم، والقائل هو الله (جل وعلا). وصيغة الأمر في قوله: ﴿كُونُواْ﴾ هي المعروفة بأنها للتكوين.

стр. 2089

والقردة: جمع قرد، والقرد هو الحيوان المعروف الذي يعرفه كل الناس. وقوله: ﴿خَاسِئِينَ﴾ جمع تصحيح للخاسئ، والخاسئ في لغة العرب معناه: الحقير الذَّليل الخسيس؛ ولذا كانت (اخْسَأ) خطابًا للكلاب، كما قال تعالى لأهل النار مخاطبًا لهم بالخطاب الذي يؤذن بالخِسَّة والصغار: ﴿قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ [المؤمنون: آية ١٠٨]. ومعلوم أن الله إذا قال لهم: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً﴾ لا بد أن يكونوا قردة؛ لأنه يقول: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشيء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: آية ٤٠] ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: آية ٨٢] يذكرون في قصتهم (١) أنّ المعتدين في السبت لمّا تمادوا في عتوهم وظلمهم ولم يسمعوا نصيحة قومهم خاف قومهم من البلاء والهلاك الذي سينزل بهم فقسموا القرية بينهم، وجعلوا بينهم حائطًا، وصار لهؤلاء باب ولهؤلاء باب، فبينما هم ذات يوم إذ أصبحوا والمعتدون لم يخرج منهم أحد، وبابهم مقفول، فتسوروا الحائط عليهم فوجدوهم -والعياذ بالله- قردة، فلما فتحوا الباب ودخلوا عليهم يذكرون في القصة أن القردة تعرف أنسابها من الإنس، والإنس لا يعرفون أنسابهم من القردة، وأن القردة تأتي إلى أنسابها فتشمها وتبكي، وأنهم يقولون لهم: ألم ننهكم عن انتهاك حرمات الله؟ فيشيرون برؤوسهم أن نعم، والعياذ بالله تعالى.

стр. 2090

واعلموا أنّ العلماء اختلفوا في الممسوخين هل يمكن أن يكون لهم نسل وعقب (١)؟ اختلف العلماء في هذا، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا مانع من أن يكون الممسوخون لهم نسلٌ وأعقاب، وأن يكون بعض الحيوانات من نسلهم. وممّن انتصر لهذا القول: ابن العربي المالكي. واستدل أهل هذا القول ببعض الأحاديث الثابتة في الصحيح، منها حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما (رحمهما الله) أن النبي ﷺ قال: «فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ». وفي رواية: «ولَا أُرَى إِلَاّ أنَّهَا الفَأْرُ، أَلَا تَرَوْنَ أَنَّهَا إِذَا وُضِعَتْ لهَا أَلْبَانُ الإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْ، وَإِذَا وُضِعَتْ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْ» (٢) هذا حديث متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ ذكر فيه النبي ﷺ أن أمة من بني إسرائيل فُقدت، وأنه يظن أنَّهَا الفأر. والفأر هو الحيوان المعروف. واستدل على ذلك بأن أصل الإسرائيليين لا يشربون ألبان الإبل، ولا يأكلون لحومها، كما قدّمنا إيضاحه في سورة آل عمران في تفسير قوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَاّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: آية ٩٣] فقد ذكرنا سابقًا في تفسير هذه الآية أن المفسرين يقولون: إن نبي الله يعقوب -وهو إسرائيل- أصابه

стр. 2091

مرض عرق النَّسَا فنذر لله إن شفاه الله ليتركن لله أحب الطعام والشراب إليه، فكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها، فحرمهما على نفسه. ويقولون: إن هذا النوع من النذر كان جائزًا في شرعه، وأن اليهود صارت لا تشرب ألبان الإبل ولا تأكل لحومها. وأن الفأر لا يشرب لبن الإبل ولكنه يشرب لبن الشاء، أي: الغنم!! فكان النبي ﷺ ظن أنه مُسخ. وعلى أن الفأر مَسْخٌ فالفأر يتناسل. ومما استدل به أهل هذا القول: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ أُتي بِضَب فأبَى أنْ يَأْكُلَهُ وقال: «لَعَلَّهُ مِنَ القُرُونِ الأولَى الَّتِي مُسِخَتْ» (١) وهذا الحديث الذي رواه مسلم عن جابر روى مسلم أيضًا نحوه عن أبي سعيد الخدري ﵃ (٢). فهذا الحديث المتفق عليه، وحديث مسلم هذا كان النبي ﷺ جوّز فيه أن يتناسل الممسوخ. وذهب آخرون من العلماء إلى أن الممسوخ لا يعيش فوق ثلاثة أيام، ولا يشرب ولا يأكل، ولا يكون له نسل ولا عقب. واستدل أهل هذا القول بما أخرجه مسلم في صحيحه من رواية عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ لمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلاً وَلَا عَقِبًا» (٣) هذا لفظ النبي ﷺ في صحيح مسلم من حديث

стр. 2092

ابن مسعود، نفى عنه النسل والعقب، وكان أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسير سورة البقرة (١) في الكلام على قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: آية ٦٥] يقول: إن الصحيح أن التحقيق أن الممسوخ لا يولد له، ولا يكون له نسل ولا عقب، ولا يعيش، وأن هذا الحديث الثابت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود، الذي أخرجه مسلم في كتاب القدر يدل على أنّ النبي ﷺ كان في أول الأمر يظن بعض الشيء، وأن الله علّمه فجزم بأنه لا يكون له نسل ولا عقب. وهذا أظهر وأقرب، وقد بيّن النبي ﷺ في حديث مسلم هذا الأخير المذكور من حديث ابن مسعود أن القِرَدَة والخنازير كانوا موجودين قبل مَسْخِ بَنِي إِسْرَائِيل، وهذا هو الأقرب، والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف: آية ١٦٦]. القردة: جمع القرد، وهو الحيوان المعروف، وهو مِنْ أَخَسّ الحيوانات، والدليل على أنه من أخس الحيوانات أن الله مسخ في صورته من أراد إذلالهم وإهانتهم وصَغَارَهم، وهذا معروف أن القرد من أخس الحيوانات. وقد قال الشاعر (٢): قَدْ يُكْرَمُ القِرْدُ إِعْجَابًا بِخَسَّتِهِ ... وَقَدْ يُهانُ لِفَرطِ النخوةِ الأَسَدُ ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٦٧)﴾ [الأعراف: آية ١٦٧].

стр. 2093

(تأذن) تفعَّل من الأذان، والأذان في لغة العرب: الإعلام، ومنه أذان الصلاة؛ لأنه الإعلام بدخول وقتها مع الدعاء لها، وقد قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: آية ٣] والعرب تقول: آذنني: أعلمني. ومنه قول الحارث بن حِلِّزَة اليشكري (١): آذَنَتْنَا بِبَيْنِها أسماءُ ... ربَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثواءُ فتأذن معناه تَفَعَّل من الأذان بمعنى الإعلام، أي: أعلم الله الخلق. وقال بعض العلماء (٢): (تأذن) بناء هذا الفعل على (تفعّل) يجعله كأفعال القسم. ولذا جاء اللام في قوله: ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾ معناه أعلم الله جل وعلا. وهذا الإعلام في معنى القسم، أو كأنه مؤكد بالقسم بدليل اللام في قوله: ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾. ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ليسلطن عليهم، أي: اليهود ﴿مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ يسومهم معناه: يُذيقهم سوء العذاب. العرب تقول: سامه العذاب: إذا أذاقَهُ إِيَّاهُ وعَذَّبَهُ به، وهو معنىً معروف في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلَّقَتِه (٣): إذا مَا المَلْكُ سَامَ الناسَ خَسْفًا ... أبيْنا أن نُقِرَّ الذُّلَّ فينَا ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يوم القيامة إنما سُمي يوم القيامة؛ لأن الناس يقومون فيه لخالق السماوات والأرض، كما قال جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: آية ٦] وقيل له (القيامة) كما قيل

стр. 2094

الحِيَازَة والصِيَانَة وغير ذلك من الحَوز والصَّون، وهذا معنى قوله: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: آية ١٦٧]. وهذه الآية الكريمة من سورة الأعراف فيها التنصيص الصريح مِنْ رَبِّ العالمين أنه يُسلّط على اليهود في دار الدنيا حتى تقوم الساعة من يذيقهم سوء العذاب، ويعذبهم أشد التعذيب وأتمّه، وهذا قد بيّنا بعضه مرارًا؛ لأن الله سلّط عليهم سابقًا بختنصر وأهانهم تلك الإهانة الشديدة، وملك الرومان، وسلّط عليهم نبيه محمدًا ﷺ بعد ذلك لما كفروا وتمردوا، فأجلى بني النضير وبني قينقاع، وذبح مقاتلة بني قريظة، وأجلى خيبر، وربنا يقول: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: آية ٨] وقد بيّنا في سورة بني إسرائيل (١) طرفًا من هذا؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: الآيتان ٤، ٥] يعني: أنهم يجوسون -يمشون- في الأزقة خلال ديارهم محتليها يهينونهم ويعذبونهم، ثم قال في الثانية: ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: آية ٧] المفسرون والمؤرخون يقولون (٢): إن إحدى المرتين تسليط بختنصر عليهم، والثانية: تسليط ملك الرومان، وأن كلاًّ منهما قتلهم

стр. 2095

وسبى نساءهم وذراريهم. والله بعد ذلك قال: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: آية ٨] فعادوا لأكبر الفساد والمنكر زمان النبي ﷺ فعاد الله لقهرهم وإذلالهم بأن سلّط عليهم رسوله ومَنَعَ إقامتهم في جزيرة العرب، فكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا جاء منهم تاجر أجَّل له ثلاثة أيام يبيع ويشتري ثم يخرج، ولا يرضى بجلوسهم في جزيرة العرب. وفي هذه الآية من سورة الأعراف تأذن الله وأعلم أنه سلّط عليهم من يسومهم سوء العذاب، إلا أنهم يَرُدّ اللهُ لهُمُ الكَرَّةَ حتى يجتمعوا ويكونوا أمَّة؛ لأنهم لو بقوا مقطعين في الأرض لن تقوم لهم قائمة -كما قال: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: آية ١٦٨]- ولم يكن العذاب والهلاك، ولم يجد موقعًا يقع عليه، فصار من عادة الله أن يَردّ لهم الكَرَّةَ ويجعلهم أمة حتى يكونوا أمة فيسلّط عليهم من يعذبهم ليكون العذاب واقعًا موقعه، والله (جلّ وعلا) أصدق من يقول، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ السرعة ضد البطء؛ لأنه سريع العقاب؛ لأنه يقول للشيء: (كن) فيكون، وما أمره إلا واحدة كلمح بالبصر. والعقاب: هو التنكيل بسبب الذنب؛ لأنه يأتي عقب الذنب، والعرب تقول: «عَاقَبَه معاقبة وعقابًا» إذا نكَّلَه بسبب ذنب ارتكبه، وهو معنىً مشهور في كلامهم، ومنه قول نابغة ذبيان (١): وَمَنْ عصاكَ فَعَاقبهُ مُعَاقَبَةً ... تَنهى الظَّلُومَ ولا تَقْعُدْ عَلَى ضَمَدِ

стр. 2096

﴿وَإِنَّهُ﴾ جل وعلا ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: كثير المغفرة لعباده المؤمنين التائبين؛ الرحيم بهم. وقد جرت العادة في القرآن أن الله (تعالى) يجمع فيه بين الوعد والوعيد؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين: هما جلب المصلحة، ودفع المضرة، والله (جل وعلا) يأتي بالوعد والوعيد ليستحث الناس بذلك إلى طاعته كما قال هنا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ لمن عصاه ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لمن أطاعه. فهذا الوعد يطمعنا فيما عنده، وهذا الوعيد يخوّفنا مما عنده، كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: الآيتان ٤٩، ٥٠] وكما قال تعالى: ﴿حم (١) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ [غافر: الآيات ١ - ٣] والآيات في مثل هذا كثيرة، وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأعراف: آية ١٦٧]. ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾ [الأعراف: آية ١٦٨]. ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ﴾ معناه: جعلناهم قطعًا متفرقين في أرض الله لا تكاد تجد أرضًا إلا وفيها شِرذِمَةٌ منهم. أجرى الله العادة بتفريقه اليهود في أقطار الدنيا لحكمة يعلمها هو (جلّ وعلا)؛ ولذا قال: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا﴾ أي: طوائف متفرقة في أنحاء الدنيا. ثم قال: ﴿مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ منهم قوم صالحون مطيعون لله، وهم الذين كانوا على شرع موسى بن عمران، لم يغيروا ولم يُبَدِّلُوا حتى ماتوا على ذلك، أو أدركوا محمدًا ﷺ فآمنوا به، كعبد الله بن سلام.

стр. 2097

وبعض العلماء يقول: من هؤلاء الأمم الصالحين: السبط الذين خرجوا من بين أظْهُرِ بَنِي إِسْرَائِيل. وجَرَتْ عَادَةُ المُفَسِّرِينَ أَنْ يذكروا قصة غريبة عنهم في آية ذكرناها قبل هذا من سورة الأعراف (١) وهي قوله تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف: آية ١٥٩] لأن هذه الآية من سورة الأعراف يذكر المفسرون عندها قصة غريبة: يزعمون أن واحدًا من أسباط بني إسرائيل لما عصى الإسرائيليون، وقتلوا الأنبياء، وارتكبوا المناكر تبرؤوا منهم، وطلبوا من الله أن يُفَرِّق بينهم وبينهم، ويزعمون أن الله فتح لهم نفقًا في الأرض فدخلوا فيه وساروا فيه سنة ونصف السنة، حتى خرجوا من وراء الصين، وأنهم كانوا وراء الصين على دينٍ صحيح يعبدون الله. هكذا يقولون. وتكثر هذه القصة -يكثر ذكرها- في كلام المفسرين عند هذه الآية الكريمة، وقد ألممنا بالآية ولم نذكرها؛ لأنها لم يثبت عندنا فيها شيء. وبعضهم يقول: من هؤلاء الأمم الصالحة ذلك السبط الذين ساروا في النفق في الأرض سنة ونصف السنة حتى خرجوا من وراء الصين. وعلى كل حال فقد كان في اليهود قوم هم على دين موسى حتى ماتوا على ذلك، وقوم كانوا على دين موسى وآمنوا بمحمد ﷺ . وهؤلاء الذين كانوا على دين موسى وأدركوا محمدًا ﷺ فآمنوا به هم الذين ذكر الله في سورة القصص أنّ لهم أجرهم مرتين: أجر إيمانهم الأول، وأجر إيمانهم الثاني، كما نص الله على ذلك في قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ

стр. 2098

مُسْلِمِينَ (٥٣) أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: الآيات ٥١ - ٥٤]. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: ومنهم أمة وناسٌ آخرون دون ذلك الصلاح؛ أي: منحطون عن مرتبة الصلاح، قاصرون عنها؛ لارتطامهم في المعاصي أو الكفر بالله جلّ وعلا. وهذا الحرف قرأه عامة القراء: ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ بفتح النون ظرفًا غير متصرف، ولم يقرأه أحدٌ اسمًا. وكونه اسمًا يجوز لغة لا قراءة؛ لأن العرب تطلق (دون) إطلاقين (١): تطلقها ظرفًا جامدًا غير متصرف، وتطلقها اسمًا بمعنى الشيء الردي، ومن إطلاقها اسمًا: قول الشاعر (٢): إِذَا مَا عَلَا المَرْءُ رامَ العَلَاء ... ويقْنَعُ بالدونِ من كان دُونَا فالرواية في قوله: «من كان دونا» أصله: «من كان دونًا» بالتنوين، أي: حقيرًا. وهذه الآية لم يُقْرأ فيها بجعله اسمًا متصرفًا. هذا معنى قوله: ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: ومنهم أمة، كقوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ (١٦٤)﴾ [الصافات: آية ١٦٤] أي: وما منا أحد إلا له مقام معلوم؛ أي: ومنهم طائفة ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: منحطون عن رتبة الصلاح لكفرهم أو معاصيهم. وقوله: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ﴾ البلاء: الاختبار. والحسنات جمع الحسنة، والحسنة المراد بها هنا الخصلة الطيبة كالخصب والعافية؛ لأن الله يبتلي بالطيبات ويبتلي بالبلايا. يبتلي الناس بأن يُغدق عليهم نعمه ويرزقهم العافية والأموال والأمطار ليبتليهم أيشكروا نعمة الله؟ وكذلك يبتلي بالسيئات كالجدب والمرض وغير ذلك من البلايا هل

стр. 2099

ينيبوا إلى الله؟ فالله (جل وعلا) ذكر هنا أنه ابتلى اليهود بالحسنات كسعة الرزق والخصب والصحة والعافية، والسيئات؛ كالأمراض والجدب والزلازل والبلايا ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: لأجل أن يرجعوا فينيبوا عند [٢٣/ب] أحد الابتلاءين. ودلت الآية على أنّ منهم طائفة كانوا صالحين كما بيّناه مرارًا./ كقوله: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ [آل عمران: آية ١١٣] وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [آل عمران: آية ١٩٩]. وهذا معنى قوله: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. السيئات: جمع سيئة، وعلماء العربية يقولون: إن أصل السيئة: (سَيْوِئَة)، فهي على وزن: (فَيْعِلَة)، ووزنها بالميزان الصرفي: (فَيْعِلَة)، والزائد فيها: ياء (الفَيْعِلَة)، وحروفها الأصلية هي: السين في مكان الفاء، والواو في مكان العين، والهمزة في مكان اللام. أصل حروفها الصحيحة: (سَوَء) بسين، وواو، وهمزة. وياء (الفَيْعِلَة) زائدة، أصلها: (سَيْوِئَة) فاجتمعت الياء والواو، وسكنت أولاهما غير عارضة ولا عارضة السكون، فوجب قلب الواو ياء، وإدغام الياء في الياء، على القاعدة التصريفية المشهورة (١). فقوله: (السيئة) هذه الياء المشددة فيها حرفان: أولاهما: ياء (الفَيْعِلَة) الزائدة، والثانية: الواو الواقعة عين الكلمة المبدلة ياء. وإنما سُميت السيئة (سيئة) لأنها تسوء صاحبها يوم القيامة إذا نظر إليها في صحيفته. وهذا معنى قوله: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ

стр. 2100

لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٨]، أي: يرجعون إلى ما يرضي ربهم من طاعته جلّ وعلا. ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٩] كان بعض العلماء يقول (١): (الخَلَف) بفتح اللام هم من يخلفون من قبلهم خلافة حسنة. و (الخَلْف) بسكون اللام هم الذين يخلفون من كان قبلهم بسوء. وهذا اصطلاح أغلبي؛ لأن (الخَلَف) ربما أُطلق في خَلَف سيئ. و (الخَلْف) بالسكون ربما أُطلق في خَلَفٍ صالحٍ، ومنه قول حسّان (٢): لنَا القَدَمُ الأولَى إِلَيْكَ وَخَلْفُنَا ... لأَوَّلِنَا في طاعَةِ اللهِ تَابِعُ وقوله: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد هؤلاء الذين قطّعناهم وجعلنا منهم الصالحين خلف ﴿مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ من ذرياتهم من اليهود ﴿وَرِثُواْ الْكِتَابَ﴾ معنى وراثتهم للكتاب: أن التوراة بقيت عندهم ورثوها عن أسلافهم فصارت التوراة لديهم، وصاروا عياذًا بالله يغيرون أحكامها. ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ﴾ يعني: خلف من بعد أولئك خلف من ذرياتهم من اليهود ورثوا الكتاب، معناها: بقي كتاب الله التوراة في أيديهم وراثة عن أسلافهم. وكان هذا الخَلْف خلفًا خبيثًا يأكلون الرُّشَا ويبيعون حكم الله بأعراض الدنيا -والعياذ بالله- فعابهم الله هنا بذلك؛ ولذا قال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ﴾ معنى ﴿وَرِثُواْ الْكِتَابَ﴾ ورثوا التوراة عن أسلافهم فبقي عندهم، وهو كتاب الله الذي كتب فيه العقائد والحلال والحرام وتفصيل كل شيء يُحتاجُ إليه.

стр. 2101

﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى﴾ والعياذ بالله إذا عرض لهم عرض من حطام الدنيا. العَرَض: المراد به الشيء الزائل؛ لأنه عارض زائل مُضْمَحِل. وقوله: ﴿هَذَا الأدْنَى﴾ إشارة إلى متاع الدنيا وحطامها الزائل القليل الذي لا جدوى فيه ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى﴾ يستعيضونه عما في كتاب الله؛ لأنهم يأكلون الرُّشَا ويغيرون الأحكام. وبعض العلماء يقول: الخَلْف المذكورون هم اليهود الذين كانوا موجودين في زمن مبعث النبي ﷺ ، عندهم التوراة فيها صفات رسول الله ﷺ ، وأخذ العهود والمواثيق عليهم باتباعه فكتموه وغيّروا صفاته وبدّلوها، حتى إنهم يجدون في التوراة عندهم أنه (رَبْعَة) يعني: متوسط القامة، فيكتبون: طويلاً مُشذّبًا. وكل وصف يحرّفونه ويغيرونه، يأخذون قراطيس يكتبونها عندهم محرفة كما تقدّم في الأنعام في قوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: آية ٩١] يقولون: إنهم كان إذا تخاصم إليهم اثنان وأعطاهم صاحب الحق رشوة حكموا له بكتاب الله التوارة، فإذا أعطاهم المُبْطِل الرشوة تركوا التوراة وجاءوا بالكتب التي كتبوها بأيديهم، التي قال الله عنها: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: آية ٧٩] يأتون بالكتاب الذي كتبوه ويحكمون له به بدل الرشوة. ومما ذكر العلماء أنهم كتموا صفة النبي ﷺ لعرض زائل مِنْ أعْرَاضِ الدّنْيَا؛ لأنهم كانوا يأكلون بالرئاسة الدينية، فلما بُعث محمد ﷺ لو أخبروا بأنه نبي الله لزالت عنهم الرئاسة الدينية فضاع المأكل الذي كانوا

стр. 2102

يأكلون بها، فكتموا وغيّروا صفاته حرصًا على ما كانوا يتعاطونه برئاستهم الدينية -قبّحهم الله- هذا معنى قوله: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى﴾. العرض: حطام الدنيا الزائل، سُمِّي عرضًا؛ لأنه شيء عارض لا بقاء له. والإشارة في قوله: ﴿هَذَا﴾ إلى متاع الدنيا وحطامها الزائل. و ﴿الأدْنَى﴾ لدنوه أو لدناءته ورذالته وعدم أهميته. يعني: يأخذون هذا العرض مُعْتَاضين منه العمل بكتاب الله وتحقيق ما أنزل الله، فهم يأكلون الرُّشَا ليُغَيِّرُوا أحْكَامَ الله ولا يقيموا حُكْمَه في كتابه والعياذ بالله. وهذه الآية وإن كانت في اليهود فكُلّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ فهو أخوهم يناله من وعيدها وعذابها ما نالهم. فيجب على المسلم إذا كان في منصب يوصل فيه الحق لصاحبه بإنابة من بسط الله يده ألاّ يغير أحكام الله ويأخذ الرُّشَا بدلاً منها (١)، فإنه إن أخذ الرشوة وغيّر وبدّل فهو أخو اليهود، وهو من هذا الخلْف السيئ القبيح. وأقبح شيء يأكله الإنسان هو الرُّشَا وما جرى مجراها من أنواع السحت؛ لأن السارق خيرٌ من المرتشي، لا شك أن السارق أخف شرًّا من المرتشي؛ لأن السارق يأخذ مال الناس بغير حق مع أنه عالم أنّ فعله خسيس وأنّه خبيث، ولا يدعي أبدًا أنّ فعله طيّب، بخلاف المرتشي -قبّحه الله- فإنه يأكل مال الناس بالباطل وهو يزعم أنّ هذا دين الله وشرعه الذي أنزل به رسله -والعياذ بالله- فمن أقبح المآكل وأخسها الرُّشَا.

стр. 2103

وأعظم أنواع الرُّشَا خطرًا ارتشاء القاضي الذي هو منصوبٌ ليحكم بين الناس بما أنزل الله، فإذا ترك ما أنزل الله وتعوّض عنه عرض هذا الأدنى -والعياذ بالله- فهو أخس خلق الله، والسارق قد يكون أخف شرًّا منه؛ لأن السارق هو سارق، ولا يدعي سرقته، ولا يجعلها على الله، ولا على رسوله، ولا يقول: الله أمرني أن أسرق. بخلاف القاضي المرتشي فإنه يزعم أن الله أمره بهذا القضاء، وأن هذا حكم الله، وهو سارق شر سرقة. وكذلك كل من كان في مصلحة -ولو غير قضاء- جعله فيها ولي أمر المسلمين، وأعطاه ماهية شهرية يتقاضاها، فإنه لا يجوز له أن يعطل حقوق الناس ويقول لهم: بُكْرة، وبعد بُكْرة، إلى ألف بُكْرة!! ليرتشي منهم، فإن هذا أمر خسيس قبيح، وفاعله أخو اليهود، لا خير فيه ألبتة، فلا دين له ولا مروءة. فيجب على المسلمين أن يُنَزِّهُوا ضَمَائِرَهم، وأن يكونوا أمة -ناسًا- كالرجال، ولا ينحطوا أمام هذه المطامع الخسيسة المدنَّسة المُخْزِيَة، لأنه رُبَّ أكلة قبيحة أعقبت صاحبها شرًّا عظيمًا، ألا ترون إلى هؤلاء القوم من اليهود أكلوا سَمَكًا فانظروا ما أعقبتهم هذه الأكلة من الوبال، صاروا قِرَدَةً -والعياذ بالله- فهذه الآية وإن كانت في اليهود فكل من أخذ بشيء منها فهو أخو اليهود بقدر ما أخذ منها، وسيناله من الوعيد بقدر ما أخذ منه. وهذا معنى قوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى﴾ أي: هذا المتاع والحطام الزائل الأدنى القريب العاجل. أو (الأدنى) لدناءته ورذالته، ومع هذا هم يأكلون الرُّشَا ويُغَيِّرُونَ أحْكَامَ اللهِ، ويدَّعون على الله أنه يغفر لهم هذه الذنوب!! فهذا من الجراءة والجَهْلِ وطَمْسِ البَصَائِرِ لا يعلمه إلا الله.

стр. 2104

﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ سيغفر الله لنا أكلنا لهذه الرُّشَا وتبديلنا لهذه الأحكام. وهذا هو الذي جاء فيه: «والعَاجِزُ مَنْ أَتْبَع نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ» (١) أتبع نفسه هواها فأكل الرُّشَا، وتمنّى على الله أن يغفر له، والله لا يغفر للمُصِرِّين؛ ولهذا بيّن تعالى أنه يدعي أن الله يغفر له وهو مُصِرّ على أكله الرُّشَا وتَعَوُّضِه حُطَام هذه الدنيا وعَرَضها الزائل من أحكام الله؛ ولذا قال: ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: آية ١٦٩] وإن أصابوا عرضًا آخر زائلاً من الدنيا أخَذُوهُ وأكَلُوه، ومع هذا يَزْعُمون أن الله يغفر لهم!! فهم مُصِِرُّون على أكل الحرام وتغيير أحكام الله بالرُّشَا، ومع هذا هم جازمون بأن الله يغفر لهم!! وهذا هو الغرور، فإذا رأيت المسلم أو مَنْ يَدَّعِي أنَّهُ مسلم يَنْتَهِكُ حرمات الله ويصر ويثق بالمغفرة فاعلم أنه مغرور، وأنه أخو اليهود، ولا يغفر الله له (٢). هذا معنى قوله: ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾. ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ﴾ الميثاق (٣): معناه العهد المؤكد، فكل ميثاق عهد، وليس كل عهد ميثاقًا؛ لأن العهد لا يُسمى ميثاقًا إلا

стр. 2105

إذا كان مؤكدًا خاصة. وقد قدّمنا في هذه الدروس مرارًا (١) أنّ كل فعل مضارع مجزوم بـ (لم) إذا تَقَدَّمَتْه همزة الاستفهام قبلها (لم) كقوله هنا: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ﴾ أنّ فيه وجهين معروفين من التفسير في جميع القرآن: أحدهما: أنه تنقلب مُضَارَعَتُه مَاضَوِيَّة، وينقلب نَفْيُهُ إِثْبَاتًا، فيكون معنى هذا المضارع المنفي بـ (لم) ماضيًا مثبتًا، فيكون معنى ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ﴾: أخذ عليهم ميثاق الكتاب. ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (٨)﴾ [البلد: آية ٨]: جعلنا له عينين ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: آية ١]: شرحنا لك صدرك. وهكذا. ووجه هذا: أما وجه قلب مُضَارَعَته مَاضَوِيَّة فلا إشكال فيه؛ لأن (لم) حرف قلب يقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى الماضي، وهذا لا إشكال فيه. أما قلب نفيه إثباتًا فهو الذي يحتاج إلى نظر. وقال بعض العلماء: وجه صيرورة نفيه إثباتًا: أنّ (لم) حرف نفي صريح، وأن الهمزة التي قبلها همزة استفهام إنكار، والإنكار مُضَمَّنٌ معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن في الهمزة على النفي الصريح في (لم) فينفيه، ونفي النفي إثبات، فيؤول إلى معنى الإثبات. هذا وجه في التفسير في جميع القرآن في كلّ ما جاء فيه «ألم». الوجه الثاني: أن الاستفهام لا يُراد به أصل الاستفهام وإنّما يُراد به حمل المخاطب على أن يقر فيقول: بَلَى. وهو المعروف في
следующие страницы →