﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى﴾ والعياذ بالله إذا عرض لهم عرض من حطام الدنيا. العَرَض: المراد به الشيء الزائل؛ لأنه عارض زائل مُضْمَحِل.
وقوله: ﴿هَذَا الأدْنَى﴾ إشارة إلى متاع الدنيا وحطامها الزائل القليل الذي لا جدوى فيه ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى﴾ يستعيضونه عما في كتاب الله؛ لأنهم يأكلون الرُّشَا ويغيرون الأحكام.
وبعض العلماء يقول: الخَلْف المذكورون هم اليهود الذين كانوا موجودين في زمن مبعث النبي ﷺ ، عندهم التوراة فيها صفات رسول الله ﷺ ، وأخذ العهود والمواثيق عليهم باتباعه فكتموه وغيّروا صفاته وبدّلوها، حتى إنهم يجدون في التوراة عندهم أنه (رَبْعَة) يعني: متوسط القامة، فيكتبون: طويلاً مُشذّبًا. وكل وصف يحرّفونه ويغيرونه، يأخذون قراطيس يكتبونها عندهم محرفة كما تقدّم في الأنعام في قوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: آية ٩١] يقولون: إنهم كان إذا تخاصم إليهم اثنان وأعطاهم صاحب الحق رشوة حكموا له بكتاب الله التوارة، فإذا أعطاهم المُبْطِل الرشوة تركوا التوراة وجاءوا بالكتب التي كتبوها بأيديهم، التي قال الله عنها: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: آية ٧٩] يأتون بالكتاب الذي كتبوه ويحكمون له به بدل الرشوة. ومما ذكر العلماء أنهم كتموا صفة النبي ﷺ لعرض زائل مِنْ أعْرَاضِ الدّنْيَا؛ لأنهم كانوا يأكلون بالرئاسة الدينية، فلما بُعث محمد ﷺ لو أخبروا بأنه نبي الله لزالت عنهم الرئاسة الدينية فضاع المأكل الذي كانوا
стр. 2102
يأكلون بها، فكتموا وغيّروا صفاته حرصًا على ما كانوا يتعاطونه برئاستهم الدينية -قبّحهم الله- هذا معنى قوله: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى﴾.
العرض: حطام الدنيا الزائل، سُمِّي عرضًا؛ لأنه شيء عارض لا بقاء له. والإشارة في قوله: ﴿هَذَا﴾ إلى متاع الدنيا وحطامها الزائل. و ﴿الأدْنَى﴾ لدنوه أو لدناءته ورذالته وعدم أهميته. يعني: يأخذون هذا العرض مُعْتَاضين منه العمل بكتاب الله وتحقيق ما أنزل الله، فهم يأكلون الرُّشَا ليُغَيِّرُوا أحْكَامَ الله ولا يقيموا حُكْمَه في كتابه والعياذ بالله.
وهذه الآية وإن كانت في اليهود فكُلّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ فهو أخوهم يناله من وعيدها وعذابها ما نالهم. فيجب على المسلم إذا كان في منصب يوصل فيه الحق لصاحبه بإنابة من بسط الله يده ألاّ يغير أحكام الله ويأخذ الرُّشَا بدلاً منها (١)، فإنه إن أخذ الرشوة وغيّر وبدّل فهو أخو اليهود، وهو من هذا الخلْف السيئ القبيح. وأقبح شيء يأكله الإنسان هو الرُّشَا وما جرى مجراها من أنواع السحت؛ لأن السارق خيرٌ من المرتشي، لا شك أن السارق أخف شرًّا من المرتشي؛ لأن السارق يأخذ مال الناس بغير حق مع أنه عالم أنّ فعله خسيس وأنّه خبيث، ولا يدعي أبدًا أنّ فعله طيّب، بخلاف المرتشي -قبّحه الله- فإنه يأكل مال الناس بالباطل وهو يزعم أنّ هذا دين الله وشرعه الذي أنزل به رسله -والعياذ بالله- فمن أقبح المآكل وأخسها الرُّشَا.
стр. 2103
وأعظم أنواع الرُّشَا خطرًا ارتشاء القاضي الذي هو منصوبٌ ليحكم بين الناس بما أنزل الله، فإذا ترك ما أنزل الله وتعوّض عنه عرض هذا الأدنى -والعياذ بالله- فهو أخس خلق الله، والسارق قد يكون أخف شرًّا منه؛ لأن السارق هو سارق، ولا يدعي سرقته، ولا يجعلها على الله، ولا على رسوله، ولا يقول: الله أمرني أن أسرق. بخلاف القاضي المرتشي فإنه يزعم أن الله أمره بهذا القضاء، وأن هذا حكم الله، وهو سارق شر سرقة.
وكذلك كل من كان في مصلحة -ولو غير قضاء- جعله فيها ولي أمر المسلمين، وأعطاه ماهية شهرية يتقاضاها، فإنه لا يجوز له أن يعطل حقوق الناس ويقول لهم: بُكْرة، وبعد بُكْرة، إلى ألف بُكْرة!! ليرتشي منهم، فإن هذا أمر خسيس قبيح، وفاعله أخو اليهود، لا خير فيه ألبتة، فلا دين له ولا مروءة.
فيجب على المسلمين أن يُنَزِّهُوا ضَمَائِرَهم، وأن يكونوا أمة -ناسًا- كالرجال، ولا ينحطوا أمام هذه المطامع الخسيسة المدنَّسة المُخْزِيَة، لأنه رُبَّ أكلة قبيحة أعقبت صاحبها شرًّا عظيمًا، ألا ترون إلى هؤلاء القوم من اليهود أكلوا سَمَكًا فانظروا ما أعقبتهم هذه الأكلة من الوبال، صاروا قِرَدَةً -والعياذ بالله- فهذه الآية وإن كانت في اليهود فكل من أخذ بشيء منها فهو أخو اليهود بقدر ما أخذ منها، وسيناله من الوعيد بقدر ما أخذ منه. وهذا معنى قوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى﴾ أي: هذا المتاع والحطام الزائل الأدنى القريب العاجل. أو (الأدنى) لدناءته ورذالته، ومع هذا هم يأكلون الرُّشَا ويُغَيِّرُونَ أحْكَامَ اللهِ، ويدَّعون على الله أنه يغفر لهم هذه الذنوب!! فهذا من الجراءة والجَهْلِ وطَمْسِ البَصَائِرِ لا يعلمه إلا الله.
стр. 2104
﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ سيغفر الله لنا أكلنا لهذه الرُّشَا وتبديلنا لهذه الأحكام. وهذا هو الذي جاء فيه: «والعَاجِزُ مَنْ أَتْبَع نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ» (١) أتبع نفسه هواها فأكل الرُّشَا، وتمنّى على الله أن يغفر له، والله لا يغفر للمُصِرِّين؛ ولهذا بيّن تعالى أنه يدعي أن الله يغفر له وهو مُصِرّ على أكله الرُّشَا وتَعَوُّضِه حُطَام هذه الدنيا وعَرَضها الزائل من أحكام الله؛ ولذا قال: ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: آية ١٦٩] وإن أصابوا عرضًا آخر زائلاً من الدنيا أخَذُوهُ وأكَلُوه، ومع هذا يَزْعُمون أن الله يغفر لهم!! فهم مُصِِرُّون على أكل الحرام وتغيير أحكام الله بالرُّشَا، ومع هذا هم جازمون بأن الله يغفر لهم!! وهذا هو الغرور، فإذا رأيت المسلم أو مَنْ يَدَّعِي أنَّهُ مسلم يَنْتَهِكُ حرمات الله ويصر ويثق بالمغفرة فاعلم أنه مغرور، وأنه أخو اليهود، ولا يغفر الله له (٢). هذا معنى قوله: ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾.
﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ﴾ الميثاق (٣): معناه العهد المؤكد، فكل ميثاق عهد، وليس كل عهد ميثاقًا؛ لأن العهد لا يُسمى ميثاقًا إلا
стр. 2105
إذا كان مؤكدًا خاصة. وقد قدّمنا في هذه الدروس مرارًا (١) أنّ كل فعل مضارع مجزوم بـ (لم) إذا تَقَدَّمَتْه همزة الاستفهام قبلها (لم) كقوله هنا: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ﴾ أنّ فيه وجهين معروفين من التفسير في جميع القرآن:
أحدهما: أنه تنقلب مُضَارَعَتُه مَاضَوِيَّة، وينقلب نَفْيُهُ إِثْبَاتًا، فيكون معنى هذا المضارع المنفي بـ (لم) ماضيًا مثبتًا، فيكون معنى ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ﴾: أخذ عليهم ميثاق الكتاب. ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (٨)﴾ [البلد: آية ٨]: جعلنا له عينين ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: آية ١]: شرحنا لك صدرك. وهكذا. ووجه هذا:
أما وجه قلب مُضَارَعَته مَاضَوِيَّة فلا إشكال فيه؛ لأن (لم) حرف قلب يقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى الماضي، وهذا لا إشكال فيه.
أما قلب نفيه إثباتًا فهو الذي يحتاج إلى نظر. وقال بعض العلماء: وجه صيرورة نفيه إثباتًا: أنّ (لم) حرف نفي صريح، وأن الهمزة التي قبلها همزة استفهام إنكار، والإنكار مُضَمَّنٌ معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن في الهمزة على النفي الصريح في (لم) فينفيه، ونفي النفي إثبات، فيؤول إلى معنى الإثبات. هذا وجه في التفسير في جميع القرآن في كلّ ما جاء فيه «ألم».
الوجه الثاني: أن الاستفهام لا يُراد به أصل الاستفهام وإنّما يُراد به حمل المخاطب على أن يقر فيقول: بَلَى. وهو المعروف في
стр. 2106
فنّ المعاني باسْتِفْهَام التقرير (١). والمعنى: أن المراد ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ﴾ أن يقولوا: بلى أُخذ علينا ميثاق الكتاب.
وقوله: ﴿أَن لَاّ يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ﴾ أُخذ عليهم العهد المؤكد أن لا يقولوا على الله شيئًا إلا الشيء الحق، فلا يقولوا: إن الحكم هكذا. وهو باطل ليتَعَوَّضُوا الرُّشَا ويأخذوا عرض هذا الأدنى.
﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾ أي: في الكتاب الذي هو التوراة، درسوه: معناه تعلّموه وفهموا معانيه وعلموا أنه لا يجوز تغيير أحكام الله واستعاضة الرُّشَا منها.
ثم قال تعالى: ﴿وَالدَّارُ الآخِرَةُ﴾ هي دار القيامة خير من حطام الدنيا وعرض هذا الأدنى الذي أخذوه ﴿خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ يتقون الله جلّ وعلا: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ وقُرئ ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٦٩] (٢).
ثم قال جلّ وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ ولا يأكلون الرُّشَا ولا يَتَعَوَّضُون منه عرض هذا الأدنى ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ﴾ هي داخلة في التمسك بالكتاب إلا أنه خصّها، لِعِظَم شأنها؛ ولأنها أعظم دعائم الإسلام بعد الشهادتين ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٠] الأصل: إنا لا نضيع أجرهم [وقرأ العامّة: ﴿يُمسِّكُونَ﴾ بالتشديد مِنْ مَسَّك بمعنى تمسَّك، حكاه أهلُ التصريف، أي: إنَّ (فَعَّل) بمعنى (تَفَعَّل)، وعلى هذا فالباء للآلة كهي في: تمسَّكْتُ بالحبل. وقرأ أبو بكر عن عاصم -ورُوِيت عن
стр. 2107
أبي عمرو وأبي العالية: ﴿يُمْسِكُونَ﴾ بسكون الميم وتخفيف السين مِنْ أَمسَك، وهما لغتان، يقال: مَسَكْت وأمْسكت، وقد جمع كعب بن زهير بينهما في قوله:] (١).
وَمَا تَمَسَّك بالعَهْدِ الذي زَعَمت ... إلَاّ كَمَا يُمْسِكُ المَاءَ الغَرَابيلُ (٢)
وفي رواية شعبة عن عاصم (٣): ﴿وَالَّذِينَ يُمْسِكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: آية ١٧٠] أظهر في محل الإضمار، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (٣٠)﴾ [الكهف: آية ٣٠] والمصلحون: هم الذين يصلحون أعمالهم بامتثال أمر الله واجتناب نواهيه.
﴿وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾ [الأعراف: الآيات ١٧١ - ١٧٤].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾ [الأعراف: آية ١٧١].
стр. 2108
الظرف في قوله: ﴿وَإِذ﴾ يقول المفسرون: هو منصوب بـ (اذكر) مقدرًا (١). والدليل على أن العامل في هذا الظرف المحذوف هو (اذكر) كثرة ورود لفظة (اذكر) عاملة في (إذ) في القرآن، نحو قوله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ﴾ [الأحقاف: آية ٢١] ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: آية ٢٦] ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً﴾ [الأعراف: آية ٨٦] ونحو ذلك من الآيات. واذكر يا نبي الله عناد اليهود ولجاجهم القديم في أسلافهم، ومن جملة ذلك العناد واللجاج والكذب العريق في أسلافهم تكذيبهم برسالتك وإنكارهم لصفاتك الموجودة في كتبهم عندهم.
وقوله: ﴿نَتَقْنَا﴾ العرب تقول: نَتَقَ الشَّيْءَ: إذَا رَفَعَهُ. وبعض العلماء يقول: النتق أخص من مطلق الرَّفْع؛ لأن النتق رفع مع حركة قوية؛ تقول العرب: نَتَقْتُ السِّقاء: إذا رَفَعْتَهُ وَهَزَزْتَهُ هزًّا قويًّا ليخرج زُبْده (٢).
والجبل هنا هو الطور. وقد ذَكَرْنَا رَفْع الطور عليهم في سورة البقرة وفي سورة النساء. وبعض العلماء يقول (٣): كل جبلٍ طور. وبعض العلماء يقول: الطور أخص من مطلق الجبل، فالطور هو خصوص الجبل الذي تحفّ به أشْجَار مُثْمِرة. وعلى هذا القول فكل طور جبل، وليس كل جبل طورًا.
والنتق في هذه الآية من سورة الأعراف هو الرفع المصرّح به في البقرة والنساء.
стр. 2109
والجبل المذكور في الأعراف هو الطور المصرّح به في سورة البقرة وفي سورة النساء؛ لأن الله ذكر رفع هذا الجبل عليهم في سورة البقرة فقال جلّ وعَلا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة آية ٦٣] وقال في سورة النساء: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا﴾ الآية [النساء: آية ١٥٤]. ورفع الطور عليهم لأن نبي الله موسى (عليه وعلى نبيا الصلاة والسلام) لما كتب الله له كتابه التوراة بَيّنَ فيه الحلال والحرام والعَقَائِدَ وتفصيل كل شيء يُحْتَاج إليه من أمور الدنيا والآخرة، كانت فيه أوامر ونواهٍ زَعَمَ اليهود أنها شَاقَّةٌ عليهم فامتنعوا من قبولها، فلما عرض عليهم نبي الله موسى التوراة قالوا: لا نقبل هذا الكتاب، ولا نَتَحَمَّلُ هَذِهِ الأوَامِر والنواهي التي هي فيه؛ لأن فيها مشقة علينا. فأمر الله المَلَك فهزَّ الطور فاقتلعه ورفعه فوقهم قدر معسكرهم. والمؤرخون يقولون: هم قدر فرسخ في فرسخ، فصار الجبل فوقهم بقدرة الله كأنه ظُلّة، كأنه غمامة تظلهم فوق رؤوسهم، وقيل لهم: إنما هي واحدة من اثنتين: ﴿خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: آية ٦٣] التزموا ما في التوراة من الأحكام بقوة، أي: بجدٍّ واجتهادٍ بالعمل بما فيه والمحافظة عليه، وإلاّ سقط عليكم هذا الجبل. فلما نظروا الجبل فوقهم كأنه ظلّة خروا ساجدين، كل واحدٍ منهم خَرَّ ساجدًا على شِقِّ جبهته الأيسر، فسجود الواحد منهم بحاجبه الأيسر وعينه اليمنى ناظرة إلى الجبل خوفًا من سقوطه إليه، والتزموا العمل بما في التوراة، فرفع الله عنهم الجبل. وكان سجود اليهود على شِقِّ الجبهة الأيسر يقولون: هذا السجود هو الذي رفع الله عنا بسببه العقوبة، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾؛ أي: رَفَعْنَا فوقهم الطور
стр. 2110
لما امتنعوا أن يقبلوا ما في التوراة ﴿كَأَنَّهُ﴾ أي: الجبل الذي هو الطور ﴿ظُلَّةٌ﴾ كأنه غمامة أو مُزنة تظلهم من فوق رؤوسهم، فخافوا أن يسقط عليهم فالتزموا ما في التوراة.
وقوله: ﴿خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ مَحْكِيُّ قَوْلٍ محذوف، والمقرر في علم العربية: أن حذف القول وبقاء مقوله قياسي مُطَّرد معروف لا تكاد تحصيه في لغة العرب وفي القرآن العظيم، أمّا عكسه -وهو ثبوت القول وحذف المقول- فهو نادر يُحْفَظ ولا يُقَاس عليه. قال بعض علماء العربية: ومنه قول الشاعر (١):
لَنَحْنُ الأُلى قُلْتْمْ فَأَنَّى مُلِئْتُمْ ... بِرُؤْيَتِنَا قَبْلَ اهْتِمَامٍ بِكُمْ رُعْبَا
قال: (قلتم) هنا حذف مقوله، أي: قلتم: نقاتلهم فأنى ملئتم رعبًا منا قبل أن نقاتلكم. وهذا معنى قوله: ﴿خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم﴾.
﴿مَا آتَيْنَاكُم﴾ معناه: أعطيناكم في هذا الكتاب المشتمل على خير الدنيا والآخرة، وصيغة الجمع في قوله: ﴿آتَيْنَاكُم﴾ للتعظيم ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: بعزم وجدٍّ واجتهادٍ.
ويُفْهَم من هذه الآية أنَّه يجب على من خوطب بأوامر الله في كتبه المنزلة أن يلتزمها بقوةٍ ونشاطٍ واجتهادٍ، فلا يضعف فيها، ولا يُفَرط فيها؛ لأنها لا تُمْتَثَل على الوجه الأكمل إلا بالقوة والجد والاجتهاد -أعاننا الله على امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والقيام بما في كتابه- وهذا معنى قوله: ﴿خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ وهو هذا الذي آتيناكم؛ يعني: التوراة اذكروا ما فيه من العقائد والأوامر والنواهي، اذكروه ذِكْرَ مدارسة وعمل، فتعلموا ما فيه،
стр. 2111
واعملوا بما فيه ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: لأجل أن تتقوا بذلك سخط الله وعذابه؛ لأن ما يُتقى به سخط الله وعذابه هو معرفة أوامره ونواهيه، واجتناب النواهي وامتثال الأوامر كما هو معروف. وهذا معنى قوله: ﴿وَاذكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٧٢، ١٧٣].
واذكر يا نَبِيَّ اللهِ ﴿وَإِذْ أَخَذَ﴾ حِينَ أَخَذ ﴿رَبُّكَ﴾ جلّ وعلا ﴿رَبُّكَ﴾ معناه: خالقك وسيدك ومدبر شؤونك؛ والرب يطلق في لغة العرب على عشرة معانٍ، منها (١): السيد الذي يدبّر الشؤون ويسوس الأمور، تقول العرب: فلان رب هذه البلد؛ أي: سيدها الذي يدبر شؤونها ويسوس أمورها، ومنه قول علقمة بن عَبَدة التميمي (٢):
وَكُنْتُ امْرَأً أَفْضَتْ إِلَيْكَ رَبَابَتي ... وقَبْلَكَ رَبَّتْني فَضِعْتُ ربُوبُ
أي: سادتني سادة وساسوني.
وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ من أولاد أبينا آدم. وقوله: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من ﴿مِن بَنِي آدَمَ﴾ بدل بعضٍ من كل.
وقوله: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قرأ هذا الحرف ابن كثير والكوفيون -أعني عاصمًا، وحمزة، والكسائي-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بصيغة الإفراد، والذرية بالإفراد تعم، وقرأه نافع،
стр. 2112
وأبو عمرو، وابن عامر: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِم﴾ بجمع السلامة. وكلتاهما قراءة صحيحة متواترة ومعناها صحيح (١).
﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ اختلف العلماء في معنى هذا الأخذ -أخذ الذرية- من ظهور بني آدم على قولين (٢): فذهبت جماعة من المفسِّرِين إلى أنّ مَعْنَى أخْذِهِم من ظهور بني آدم هو وجودهم قَرْنًا بعد قَرْنٍ، وجيلاً بعد جِيل، على طريق التناسل، والمعنى: أنّ اللهَ خلق بني آدم وخلق من هؤلاء ذرية، فينقضي هذا القرن ويخلق من هذا القرن ذرية كما قال: ﴿كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: آية ١٣٣] وعلى هذا القول فالأخذ من ظهورهم: هو استخراج النُّطَف من أصلابهم على طريق التناسل قرنًا بعد قرن. وعلى هذا القول فقوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ الذين قالوا هذا القول قالوا: أشهدهم على أنفسهم بلسان الحال لا بلسان المقال؛ لأن الله نصب لهم من الأدلة الواضحة الظاهرة على كمال قدرته وأنه المعبود وحْدَه ما لا يُحْتَاج معه إلى شيء ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ يعني: أَثْبَتَ لهم ربوبيته واستحقاقه للعبادة بما ركز فيهم من الفِطْرَة والعقول، وما نصب لهم من الأدِلَّة، وعلى هذا القول فقوله: ﴿قَالُواْ بَلَى﴾ قالوا ذلك أيضًا بلسان حالهم، والعرب قد تطلق المقال على مقال لسان الحال، قال بعض العلماء: منه قوله تعالى:
стр. 2113
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: آية ١٧] أي: بلسان حالهم -على القول بذلك- ومنه قوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ [العاديات: آية ٧] أي: بلسان حاله عند من يقول ذلك.
والذين قالوا هذا القول -واختاره غير واحد من المحققين المتأخرين- قالوا: الدليل على أنّ هذا هو المراد أن الله لم يخلق أحدًا من بني آدم ذاكرًا الميثاق ليلة الميثاق وهم كالذر، وما لا يذكره الإنسان لا يكون حجة عليه، وهذا كأنه جعل حجة مستقلة عليه، كما يدل عليه قوله: ﴿شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ [الأعراف: الآيتان ١٧٢، ١٧٣] فعلى هذا القول فأخذ الذُّرِّيَّات من ظهور بني آدم هو إيجادهم منهم قرنًا بعد قرن، وجيلاً بعد جيل عن طريق التناسل المعروف. وعلى هذا القول فالإشهاد عليهم بلسان الحال بما نصب لهم من الأدلة، وما ركز فيهم من الفطرة. واختار هذا ابن كثير (١)، والزَّمَخْشَرِي (٢)، وغير واحدٍ من المتأخرين.
القول الثاني: وعليه أكثر المتقدمين من السلف، وهو الذي يدل له بعض الأحاديث الصحيحة، والقرآن قد يُرْشِدُ إليه: أنه هو الأخذ يوم الميثاق المعروف، أن الله ﵎ أخذ من ظهر آدم ومن ظهور ذرياته كل نسمةٍ سبق في عِلْمِهِ أنها مخلوقة إلى يوم القيامة فأخذهم بيده (جلّ وعلا) بعضهم للجَنَّة وبعضهم للنار، وجعل فيهم إدراكًا وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فقالوا: بلى. إلاّ أن هذا العهد لا يولد أحد إلا وهو ناسٍ له، والله (جلّ وعلا) أرسل
стр. 2114
الرسل يُذَكرون بهذا العهد، وما ثبت عن الرسل هو وما حضره الإنسان في التحقيق واحد؛ لأن ما قاله رسول الله ﷺ نحن نجزم بوقوعه أشد مما نجزم بما شاهدناه ولاحظناه وتذكرناه.
وهذا القول قال به كثير من السلف، ودلت عليه أحاديث كثيرة من أصحها وأدلها عليه ما ثبت في الصحيحين -صحيح البخاري وصحيح مسلم- من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَقُولُ اللهُ لأَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عِنْدَكَ كُلُّ شَيْءٍ أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ اللهُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ، أَخَذْتُ عَلَيْكَ فِي ظَهْرِ آدَمَ أَلَاّ تُشْرِكَ بِي فَأَبَيْتَ إِلَاّ أَنْ تُشْرِكَ بِي» (١) فهذا الحديث ثابتٌ في الصحيحين من حديث أنس، وقد ذكر فيه النبي ﷺ أن عدم الإشراك أُخِذ عليهم وهم في ظهر آدم، فدل ذلك على أن قوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أنه استخراج الله لهم، وإشهاده عليهم، ثم ردهم في ظهر أبيهم آدم. ومما يدل على هذا: أن الذين قالوا: إن معنى أخذهم من ظهورهم: هو تناسلهم قرنًا بعد قرنٍ، وجيلاً بعد جيلٍ، أنهم جعلوا ما ركب فيهم من الفطرة السليمة والعقول، وما نصب لهم من الأدلة القطعية كافيًا في قيام الحجة عليهم. والقرآن يدل على عدم صحة هذا القول؛ لأن القرآن العظيم - وهو كلام ربّ العالمين - دل على
стр. 2115
أنه لا يُقطع عذر أحد بنصب الأدلة، وتركيز الفطرة، وخلق العقول؛ بل لا ينقطع عذر بني آدم إلا بإرسال الرسل في دار الدنيا، إنذارهم مؤيَّدين بالمعجزات؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: آية ١٥] ولم يقل: حتى نخلق عقولاً ونركز أدلة وننصب فطرة. لم يقل شيئًا من هذا، وقال جل وعلا: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: آية ١٦٥] فبيّن أن حجة الناس لا يقطعها إلا إعذار الرسل وإنذارهم له.
وهذه الحجة التي بَيَّن في سورة النساء أنه أرسل الرسل لقطعها بقوله: ﴿لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أوضحها في أُخريات سورة طه وأشار لها في القصص، قال في سورة طه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ [طه: آية ١٣٤] ولم يقل: لولا خلقت لنا عقولاً، ونَصَبْتَ لنا أدِلَّة، ورَكَّبْتَ فِينا فطرًا، لم يقل شيئًا من هذا. وأشار لها في القصص بقوله: ﴿وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [القصص: آية ٤٧]؛ لأنه قال: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ ولم يقل: لولا خلقت لنا عقولاً، وركزت فينا فطرة، ورتبت لنا أدلة. لم يقل شيئًا من هذا. وقد صرَّح (جلّ وعلا) بأن جميع أفواج النّار الذين يدخلونها يوم القيامة أنهم جميعهم أنْذَرَتْهُمُ الرُّسُل في دار الدنيا، وقطعت أعذارهم قبل الموت، وذلك في قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شيء إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ [الملك: الآيتان ٨ - ٩]،
стр. 2116
فقوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ يدل على أن جميع الأفواج التي دخلت النار أنذرتهم الرسل في دار الدنيا.
وقد صرّح الله بذلك في سورة الزمر - التي ذكر فيها القيامة كأنك تنظر إليها- قال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ [الزمر: آية ٧١] وكذلك لما قسم الله (جل وعلا) الخلائق قسمين في سورة فاطر جعل المسلمين ثلاث طوائف في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: آية ٣٢] ثم ذكر الكفار فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: الآيتان ٣٦، ٣٧] فقوله: ﴿وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ هو محل الشاهد و ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عام لما تَقَرَّر في الأصول أنّ صيغ الموصولات أنها من صيغ العموم؛ لأن الموصول من المعلوم أنه يعم كل ما تشمله صلته كما هو معروف في محله (١).
وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ على القول الأول: بلسان [الحال] (٢)، وعلى
стр. 2117
الثاني: بلسان [المقال] (١) ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ أنت ربنا.
واعلموا أن لفظة (بلى) تأتي في القرآن وفي اللغة العربية لِمَعْنَيَيْنِ لا ثالث لهما (٢): أحد معنيي (بلى) المشهورين في كلام العرب وفي القرآن العظيم: أنّ (بلى) يُجاءُ بها لنفي نفي قبلها، فهي نقيضة (لا)؛ لأن (لا) لنفي الإثبات، و (بلى) لنفي النفي، فَيتقدم قبلها نفي فَيُؤْتَى بـ (بلى) لتنفي ذلك النفي فيصير ما بعدها إثباتًا؛ لأنّ نفي النفي إثبات، وهذا الوجه كثيرٌ في القرآن ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ [سبأ: آية ٣] نفوا إتيان الساعة فنفى الله نفيهم إياها وأثبته، قال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: آية ٣] ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: آية ٧] وهذا الوجه كثير في القرآن ﴿فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: آية ٢٨].
الوجه الثاني: أن يُؤْتَى بلفظة (بلى) جوابًا لاستفهام مُقْتَرِنٍ بالنَّفْيِ خاصَّةً، ولا يُجاب بـ (بلى) استفهامٌ إلا الاستفهام المقترن بالنفي خاصة، وإذا جاءت (بلى) أحالت ذلك الاستفهام المقترن بالنَّفْيِ إِلَى طريق الإثبات أيضًا، كقوله هنا: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: آية ١٧٢] وإذا أجَابَتِ الْعَرَبُ اسْتِفْهَامًا مقترنًا بالنفي بغير (بلى) فإنه ليس على القواعد العربية، فهو يُحفظ ولا يُقاس عليه. قال بعض علماء العربية: ربما أجابت العرب بـ (نعم) سؤالاً مقترنًا بنفي، وهو شاذ يُحفظ ولا يُقاس عليه. قالوا: ومنه قول الشاعر (٣):
стр. 2118
أَلَيْسَ الليلُ يَجْمَعُ أم عَمْرو ... وإيانَا فذاكَ لنا تَدَاني
نَعَمْ، وَتَرَى الهِلالَ كَمَا أَرَاهُ ... وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلانِي
فالقياس أن يقول هذا الشاعر: «بلى» ولا يقول: «نعم» ولما قال: «نعم» صار يُحفظ ولا يُقاس عليه. وربما أجابت العرب استفهامًا غير مقترنٍ بالنفي بـ (بلى) إذا كان ذلك الاستفهام يُقْصَدُ به الاستبعاد والنفي، وهذا معروف في كلامهم، ولذا لما قال الأخطل يُعَيّر الجَحَّاف (١):
أَلَا فاسأل الجَحَّافَ هل أنت ثائرٌ ... بقَتْلَى أُصيبَتْ من نُمير بن عامرِ
قال: «هل أنت ثائرٌ» ولكن هذا الاستفهام بـ (هل) يُضَمِّنه معنى: أنه لا يثأر بهم، ولا يقتل قَتَلَتَهم، ففهم ذلك وأجاب بـ (بلى) لأن الأخطل لما قال:
أَلَا فاسأل الجَحَّافَ هل أنت ثائرٌ ... بقَتْلَى أُصيبَتْ من نُمير بن عامرِ
أجابه الجَحَّاف بـ (بلى) لينفي النفي الذي ضَمَّنَه في (هل) بقوله (٢):
بلى سَوفَ نبكيهم بكل مُهَنَّدٍ ... ونبكي نُميرًا بالرماحِ الخَوَاطِرِ
وهذا معنى قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾.
وقوله: ﴿شَهِدْنَا﴾ اختلف العلماء هو مِنْ كلام مَنْ (٣)؟!
فقال بعض العلماء: هو مِنْ كَلام الملائِكَة.
стр. 2119
وقال بعض العلماء: من كلام الله والملائكة. وعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله: ﴿بَلى﴾ لما استخرجهم في صورة الذَّرِّ لَيْلَة الميثاق، وأخذ عليهم الميثاق، وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ أنت ربنا، قال الله والملائكة: ﴿شَهِدْنَا﴾ عليكم بهذا الإيمان وهذا الميثاق الذي التزمتم.
﴿أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ وقرأ هذا الحرف عامة القُراء غير أبي عمرو: ﴿أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ وقرأه أبو عمرو وحده من السبعة: ﴿أن يَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ يَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: الآيتان ١٧٢، ١٧٣] بالياء التحتية الدالة على الغيبة (١).
والمعنى: أن الله شهد عليهم والملائكة لئلا يقولوا بعد هذا: كنا غافلين عن هذا، أو آباؤنا هم الذين سَنّوا الكفر وجعلوه طريقةً لنا.
فإن قيل: هذا لا يُولد أحدٌ إلا وهو ناسٍ له. قلنا: بأن الرسل تُذكرهم به، وتذكير الرسل إياهم به يجعله قطعيًّا كأنهم متذكرون سماعه من الله كما ذَكَرْنَا.
وقال بعض العلماء: يشهدُ بعضهم على بعض فيقول هؤلاء: شهدنا عليكم أيها القوم لئلا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. ويقول البعض الآخر لمن شَهدَ عليهم من الآدميين: شهدنا أن تقولوا يوم القيامة.
стр. 2120
وعلى هذا القول فالشهادة من شهادة بني آدم لما استخرجوا من ظهور آبائهم ليلة الميثاق في صورة الذر يشهد بعضهم على بعض، وهذا معنى قوله: ﴿أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ لم نعلم.
﴿أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ﴾ أولادًا سرنا على ما كان عليه آباؤنا، ولم نخترع الكفر، ولم نتخذه طريقًا ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٣] قد قدّمنا مرارًا (١) أنه إذا جاءت همزة استفهام بعدها أداة عطف كالفاء، والواو، وثم أنها فيها وجهان من التفسير للعلماء:
أحدهما: أن همزة الاستفهام تتعلق بمحذوف، والفاء عاطفة عليه. وهذا الذي مال إليه ابن مالك في الخلاصة حيث قال (٢):
وَحَذْفَ مَتْبُوعٍ بَدَا هُنَا اسْتَبِحْ ... ...............................
وعلى هذا القول: أتعاملنا بغير ما فعلنا فتهلكنا بما فعل المبطلون؟
وقال بعض العلماء: همزة الاستفهام أصْلُهَا بعد الفاء، إلا أن للاستفهام صدر الكلام، فتَزَحْلَقَتِ الهمزة قبل الفاء، والفاء قبل الهمزة في الرُّتْبَة، فتكون الفاء عاطفة للجملة المصدرة بالاستفهام على ما قبلها، والأول أظهر. وهذا معنى قوله: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
стр. 2121
المبطلون: هم الذين يأتون بالباطل وهو ضِدّ الحق، الذين عبدوا غير الله (جلّ وعلا). وهذا معنى قوله: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٣].
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾ وكذلك التفصيل الواضح. الكاف في محل وصفٍ لمصدر، أي: نُفَصِّل الآيات تفصيلاً كذلك التفصيل الواضح، كما بَيَّنَّا أخبار هذه الأمم، وما جَرَى عليها، وسبب إهلاك مَنْ هَلَكَ منها، ونجاة مَنْ نَجا منها. والتفصيل ضِدّ الإجْمَالِ ﴿نُفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ ونُوَضِّحُهَا كذلك التفصيل ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ولأجل أن يرجعوا إلى طريق الهدى فَصَّلنَاهَا ذلك التفصيل. فالظاهر أنّ متعلق الجملة محذوف، أي: ولأجل أن يرجعوا فَصَّلْنَاها ذلك التفصيل ليعتبروا به ويهتدوا به فينيبوا. وهذا معنى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾ [الأعراف: آية ١٧٤].
[٢٤/أ] / قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ [الأعراف: الآيات ١٧٥ - ١٧٧].
﴿اتل﴾ معناه: اقرأ عليهم يا نَبِيَّ الله. نبأ: أي خَبَرَ هَذَا الذي آتيناه آيَاتِنَا فانْسَلَخَ منها. وهذا الذي آتاه الله آياته أكثر المفسرين يقولون (١): إنه رَجُل مِنْ بَنِي إسرائيل. وبعض العلماء يقول: هو
стр. 2122
رجل من الكنْعَانيِّين الجبارين الذين أُمر الإسرائيليون بقتالهم.
واعلموا أن قول من قال من العلماء إن معنى: ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾: آتيناه النبوة. أنه قول باطل لا يُشك في بطلانه، كما أوْضَحه الماوردي وغيره (١)؛ لأن الأنبياء لا يفعلون هذه الأفعال ولا يَنْسَلِخُون من آيات الله؛ لأن الله لم يجعل نبوّته إلا في مَنْ يَعْلَم أنَّه أهل لها، كما قدمنا إيضاحه في الأنْعَام في الكلام على قوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالاته﴾ [الأنعام: آية ١٢٤] على إحدى القراءتين (٢)، وهي أخبار إسرائيلية لم يدل شيء على صحة تعيين هذا ﴿الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ وأكثر المفسرين والمؤرخين يقولون: إنّه رجل من بني إسرائيل يُقال له: بلعام بن باعوراء. وبعضهم يقول: بلعم بن باعر، وفيه غير ذلك.
ومعنى ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ لا يقتضي النبوة، فكل من أُعطي شيئًا مِنْ كِتَابِ الله بواسطة نبي من الأنبياء فقد أُوتي الكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: آية ٤] وهم ليسوا أنبياء، وقال في هذه الأمّة: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: آية ٣٢] ﴿خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: آية ٦٣] فإنّ إيتاء الآيات قد يكون بالأخذ عن الرسل. والمفسرون يقولون: إن هذا الرجل الذي هو بلعام بن باعوراء -قبّحه الله- ويقال: بلعم بن باعوراء، أو ابن باعر، أو غير ذلك أنه أعطاه الله الاسم الأعظم، وبعضهم يقول: علمه الله شيئًا من كتبه المنزّلة، فكان يعلم
стр. 2123
بعض كتب الله التي أنزلها. وهذا معنى ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ سواء قلنا: إن الله علّمه بعض الكتب المنزلة، أو أنه علّمه الاسم الأعظم.
﴿فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾ -والعياذ بالله- انسلخ منها: خرج منها -والعياذ بالله- ولم يعلق به شيء منها.
والمفسرون يقولون: إنه بلعام بن باعوراء، وأنه أغراه الكنعانيون الجبارون بالمال فقالوا له: ادع على نبيّ الله موسى وقومه -مع أنّ نبيّ الله موسى الذي يذكر المفسرون أنه مات في التيه، وأنّ الذي دَخَلَ القرية وفتح الله على يَدَيْهِ يوشع بن نون وهم يزعمون في قصته أنهم أمروه أنْ يدعو على موسى- فقال: كيف أدعو على مَنْ مَعَهُ الملائكة؟ ولم يزالوا به يغرونه بالمال حتى دعا على موسى.
وبعض العلماء يقول: إنه دعا على موسى كان ذلك سبب التيه، وهذا بعيد جدًّا.
فعلى كل حال يقولون: إنه دعا على نبيّ الله موسى، فلما أراد أنْ يدعو عليه حوّل الله دُعَاءَهُ على القوم الذين يريدونه أنْ يدعو على موسى، فقالوا: دَعَوْتَ عَلَيْنَا. فقال: ما أقدر على غير هذا.
وقال بعض العلماء: إنه كان له ثلاث دعوات مُجَابَة أعطاه الله إياها، وأنه كان يعلم الاسم الأعظم فأعطاه الله ثلاث دعوات -وكل هذه إسرائيليات- يزعمون أن هذه الدعوات الثلاث المجابة أنه ضيّعها في امرأته كانت من أقبح نساء بني إسرائيل فلم تزل به حتى دعا الله أنْ يجعلها أجمل امرأة، فدعا الله فصارت أجمل امرأة، فلما بلغت هذا الجمال تكبَّرَتْ عنه وطلبت غيره، فدعا الله عليها فصارت كلبة نبّاحة، فآذى ذلك أولادها، ولم يزالوا به حتى دعا الله عليها أنْ
стр. 2124
يرجعها إلى حالتها الأولى، فذهبت الدعوات كلها. وهذه إسرائيليات لا معوَّل عليها، يذكرها المفسرون.
وقال بعض العلماء: أغروا امرأته بالمال فلم تزل به حتى دعا على نبيّ الله موسى، وأنه لما دعا عليه اندلع لسانه فصار على صدره، وصار يلهث كما يلهث الكلب، وأنه قال لهم: إنه - والعياذ بالله خسر الدنيا والآخرة قال لهم-: لم يبق إلا المكر والحيلة؛ إن الله يبغض الزنا، فأرسلوا النساء متزينات إلى بني إسرائيل فإنْ زنوا أهلكهم الله. فأرسلوا لهم النساء فيما يزعمون فوقع منهم الزنا، فأرسل الله عليهم الطاعون. وغير هذا من روايات كثيرة إسرائيلية يحكيها المفسرون في تفسير هذه الآية من سورة الأعراف لا طائل تحتها ولا دليل على شيء منها (١).
وكان بعض العلماء يقول (٢): هذه الآية الكريمة تدل على أنّه لا ينبغي للإنسان أن يقلّد غير معصوم ويثق به كل الثقة؛ لأن هذا الإنسان ذكر الله أنه آتاه آياته وبعد ذلك صار مآله إلى أخس مآل وأقبحه -والعياذ بالله- حيث قال: ﴿فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾.
وقال بعض العلماء: هذه الآية نزلت في أميّة بن أبي الصلت الثَّقَفِي، وكان يقرأ الكتاب الأوّل، ويتعلم من الكتب الأولى، وكان يعلم عن الله بعض كتبه، وكان يعلم بأن جزيرة العرب سيُبعث فيها نبيّ، وكان يرجو أن يكون هو ذلك النبي، فلما بَعَثَ اللهُ نَبِيَّنَا ﷺ حسده وكفر. وقصة استنشاد النبيّ أخته الفارعة لشعره مشهورة في
стр. 2125
التاريخ معروفة، ويذكر المؤرخون أنّ النبيّ لما حَكَت عليه شِعْرَهُ قال: آمَنَ شِعْرُهُ وَكَفَرَ قَلْبُهُ (١).
والله تعالى أعلم.
وبعض العلماء يقول: نزلت هذه الآية في أبي عامر الراهب ابن صيفيّ (قبّحَهُ اللهُ). وأبو عامر هذا رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ هو: والد حَنْظَلَةَ الغِسِّيل ﵁ وأرْضَاه)، الذي يذكر الإخباريّون وأصحاب المغازي أنّ الملائكة غَسَّلَتْهُ يَوْمَ أُحُدٍ؛ لأنه كان قَرِيب عرس بتزوج جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، وأنّه كان يغتسل فاستخفّه القتال فلم يكمل غسله، فمات شهيدًا يوم أُحد، وأن الملائكة غسلته (٢). هكذا يقول أصحاب المغازي والأخباريون.
стр. 2126
فوالده هو أبو عامر هذا الخبيث الذي يُقال له: أبو عامر الراهب، وهو الذي حفر الحفر في الميدان يوم أُحد التي جاء النبي في واحدة منها وانتشله منها عَلِيّ بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله، كما هو مذكور في المغازي في غزوة أحد (١). كان هذا الخبيث أبو عامر يقول للنبي ﷺ : إنّه على دين إبراهيم. فبيّن له النبي -فيما يذكرون- أنّه على الحنيفية بعد التغيير. وأنّه قال للنبي ﷺ : أمات الكاذب منا وحيدًا طريدًا (٢). وسافر إلى الشام، وراح إلى بعض الملوك يريد جيشًا يُخرج به النبي ﷺ من المدينة، وهو الذي أوعز للمنافقين أنْ يبنوا له مسجد الضرار بقباء ليدبروا الشؤون فيه. وهو المذكور في قوله: ﴿وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾ [التوبة: آية ١٠٧] هو أبو عامر هذا (٣).
وقول من قال: إنّ آية الأعراف هذه في أمية بن أبي الصلت أو أبي عامر الراهب كله لا دليل عليه، وأكثر المفسرين يقولون: إنها في رجل علَّمه الله علم الكتاب من بني إسرائيل. وشذ قوم فقالوا: من الكنعانيين. وهذا معنى قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾.
стр. 2127
﴿آيَاتِنَا﴾ هنا: آيات كتابه الشرعية.
﴿فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾: خرج منها والعياذ بالله كما تنسلخ الحيّة من ثَوْبِهَا، ولم يعلق به منها شيء.
﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ العرب تقول: «أَتْبعه وتبعه واتَّبعه» بمعنى واحد ومعنى: (أتبعه الشيطان): اتّبعه الشيطان حتى لحق به وأدركه وجعله قرينًا له يذهب معه حيث يذهب. هذا معنى قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾.
والشيطان في لغة العرب (١): هو كل عات متمرِّد، فكل من كان عاتيًا متمردًا فهو شيطان في لسان العرب، سواء كان من الجن أو من الإنس، أو من غيرهما. وجاء في القرآن العظيم: إطلاق الشياطين على العتاة المتمردين من الإنس والجنّ، كما قال جل وعلا: ﴿شياطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: آية ١١٢] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شياطِينِهِمْ﴾ [البقرة: آية ١٤] أي: رؤسائهم وعتاتهم المتمردين، وفي الحديث: «الكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» (٢) وقد قال جرير وهو عربي قحّ (٣):
أَيَّامَ يَدعُونني الشَّيْطَانَ مِنْ غَزَلٍ ... وَكُنَّ يَهْوَيْنَني إِذْ كُنْتُ شَيْطَانًا
يعني: عاتيًا مُتَمَرِّدًا. واختلف العلماء في وزن الشَّيْطَان بالميزان الصرفي على قولين (٤) أشار إلى كل واحد منهما سيبويه في كتابه، فقال المحققون: وزن الشيطان: (فَيْعَال) بالميزان الصرفي،
стр. 2128
فالزائد فيه: الياء والألف. وحروفه الصحيحة: الشين في مكان الفاء، والطاء في مكان العين، والنون في مكان اللام (شَطَن) وأنّ هذا أصله، وأن اشتقاق المادة من البُعد؛ لأنّه بعيد من رحمة الله تعالى غاية البُعد، والعرب تقول: نوىً شطون. أي: بعيد، وبئر شطون: بعيدة القعر، ومن هذا المعنى قول الشاعر (١):
نَأتْ بِسُعَادَ عنكَ نَوىً شَطُون ... فبانتْ والفؤادُ بها حَزِينِ
ويؤيد هذا القول - أن وزن الشيطان بالميزان الصرفي (فَيعَال) وأنه من (شَطَنَ) - قول أمية بن أبي الصلت، وهو عربي قح فصيح (٢):
أيُّما شَاطِنٍ عَصَاهُ عَكَاهُ ... ثم يُلقَى في السِّجْنِ والأَكْبالِ
فصرح عن الشيطان بالشاطن، وهو اسم فاعل (شطَن) من غير نزاع.
وقال قوم آخرون -وأشار له الشيخ عمرو أعني سيبويه في موضع من كتابه (٣) - بأن وزن الشيطان (فَعْلَان) وأن الألف والنون زائدتان، وعلى هذا فأصله من (شَاطَ) فعلى هذا القول ففاء المادة شين، وعينها ياء، ولامها طاء. من (شاط) وأصله: (شيط) والعرب تقول: «شاط يشيط». إذا هلك؛ لأن الشيطان هالك لبعده عن رحمة الله. ومِن شاط بمعنى هلك قول الأعشى في شعره (٤):
стр. 2129
قَدْ نُخْضِبُ العِيرَ من مَكنُونِ فَائِلِهِ ... وقد يَشِيطُ على أَرْمَاحِنَا البَطَلُ
أي: يهلك. وهذا معنى قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٥].
الظاهر أن (كان) هنا بمعنى (صار) وقد تَقَرَّرَ في علم العربية: أن (كان) تطلق ويراد بها صار. ومعنى قوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ صار من الكافرين. وإطلاق (كان) بمعنى (صار) إطلاق معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (١):
بتَيْهَاءَ قَفْرٍ والمُطي كأنَّها ... قَطَا الحَزْنِ قد كانت فِرَاخًا بُيوضُهَا
يعني: قد صارت فراخًا بيوضها. و ﴿الْغَاوِينَ﴾ جمع الغاوي، والغاوي: صاحب الغي، والغي: الضلال (والعياذ بالله) فكان من الضالين أشد الضلال.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف: آية ١٧٦] القاعدة المقررة في علم العربية: أن فعل المشيئة إذا قُرن بالشرط حذف مفعوله؛ لأن جزاء الشرط يغني عن المفعول، فالمفعول محذوف، والأصل: ولو شئنا رفعه بها لرفعناه بها. ولا تكاد العرب تنطق بالمفعول -مفعول فعل الإرادة مع ربطه بالجزاء- وقد يذكر نادرًا، وجاء ذكر المفعول في مواضع من القرآن مع أنه مصدر منسبك من (أن) وصلتها في آيات غير كثيرة، كقوله جل وعلا: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى﴾ [الزمر: آية ٤] فجملة ﴿أَنْ يَتَّخِذَ﴾ في محل مفعول (أراد) ولم يَكْتَف هنا بجزاء الشرط، ونحو ذلك من الآيات.
стр. 2130
وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ رفعه بها ﴿لَرَفَعْنَاهُ﴾ لو شئنا رفع هذا الذي آتيناه آياتنا بتلك الآيات لوفقناه للعمل بها فعمل بها حتى مات عليها فكان مرفوع الدرجة رفيع الذكر في الدنيا والآخرة.
﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ معناه: ركن ومال إلى لَذَّاتِ الدّنْيَا وحطامها وشهواتها فآثَرَها على آيات الله فسَلَخَهُ الله من آياته (والعياذ بالله). والعرب تقول: أخلد إلى الشيء: إذا رَكَنَ ومَالَ إلَيْهِ، وأصل الإخلاد: هو ملازمة الشيء والدوام فيه. فالعرب تقول: أخلد بهذا المكان: إذا لازَمَهُ ودَامَ فِيه، وهو معنى معروف في كلامها (١)، ومنه قول زهير بن أبي سُلمى (٢):
لِمَنِ الدِّيَارُ غَشَيْتُهَا بِالْفَدْفَدِ ... كَالْوَحْي في حَجَرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ
أي: اللازم محله. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ الهوى بفتحتين: مَيلُ النفس، ولا يكاد يطلق إلا على ميلها لما لا ينبغي، وقد يُطلق في غير ذلك (٣). واتباع الهوى (والعياذ بالله) هو أعظم الآفات.
ثم إن الله ضربه مثلاً قال: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي: فصفته (والعياذ بالله) في خساسته وقبحه وملازمته الخساسة في جميع الأحوال ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ وهو الحيوان المعروف. وجملة: ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ جملة شرطية، وهي في محل نصب في موضع الحال على ما حَقَّقَهُ بَعْض علماء العربية مِنْ أَنَّهُ لا مَانِعَ مِنْ
стр. 2131
أَنْ تَأْتِيَ الجُمَل الشَّرْطِية أحوالاً (١). المعنى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ في حال كون الكلب مُتَّصِفًا بأخس حالاته وهو مُدَاوَمَتُهُ اللَّهْث في جميع حالاته.
﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ معنى ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ إن تشد عليه وتطرده وتُجْهِده يلهث وإن ﴿تَتْرُكْهُ﴾ في رخاء ودَعة ﴿يَلْهَثْ﴾ والعرب تقول: لَهَثَ الكلب -بفتح الهاء- يَلْهَث -بفتحها؛ لأنه حَلْقِي العين- لَهْثًا ولُهاثًا: إذا فتح فاه ومَدَّ لسانه وصار يلهث، يطلع النَّفَسَ ويردها بقوة كفعل الذي أصابه إعياء وتَعَبٌ شَدِيد. وجميع الحيوانات لا يلهث شيء منها إلا إذا أصابه إِعْيَاء شديد، أو تعب شديد، أو عطش شديد، إلا الكلب وحده فإنه يلهث دائمًا، في حالة الرِّيّ يَلْهَث، وفي حالة العطش يلهث، وفي حالة الشد عليه والطرد والتعب يلهث، وفي حالة الرَّخَاءِ يَلْهَث، فهو يلازم اللهْث في جميع حالاته (٢). واللهث مِنْ أخَسّ حالاته؛ لأنه فاتِحٌ فاه، مادٌّ لِسَانَهُ، يُطْلعِ النَّفَس وينزلها بقوة، وهذه مِنْ أخسّ الحالات وأقبحها، فضربه الله مثلاً لهذا الكافر، إن وَعَظْتَهُ وذَكَّرْتَهُ بآيات الله فهو كافر لا محالَةَ، لا يسمع ولا يتَّعِظ، كلهث ذلك الكلب في حالة الرخاء وعدم العطش. ﴿تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ إن وعظته لم يَتَّعِظْ، وإن تَرَكْتَهُ لم يَتَّعِظْ، فهو ملازم -والعياذ بالله- كفرانه وعصيانه على جميع الحالات. وهو في أخس تلك الحالات كالْكَلْبِ الذي يلازم لهثَهُ في جميع الأحوال، وهي حالة من أخس حالاته والعرب تُسَمِّي الذي أصابه شيء حتى بَهَظَه تقول: هذا لاهث، وتقول: فلان ملجأ
стр. 2132
للاهث. معناه: ملجأ للمحزوب المحْزُون الذي فَدَحَه الأمر، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول الشاعر وهو بعض الأزْدِيّين (١):
فنِعْمَ فتى الجُلَّى ومُسْتَنْبَط النَّدى ... ومَلْجَأ محْزُوبٍ ومَفْزَع لاهِثِ.
عِيَاذُ بْنُ عَمْرِو بن الحُلَيْس بن جَابِر ... ابْن زَيْدِ بْنِ مَنْظُور بن زيد بنِ وَارِثِ
وهذا من تتابع الأعلام، ويسميه البلاغيون في البديع: اطرادًا. وشاهده المشهور عندهم قول الشاعر (٢):
إنْ يقتلوكَ فقد ثَلَلْتُ عروشَهُم ... بعتيبةَ بن الحارثِ بن شهابِ
والمعنى: أن هذا الخبيث الكافر ضُرب له المثل بالكلب في أخس حالاته، فكما أن الكلب لا يفارق هذه الحالة الخسيسة مِنْ فَتْحِ فِيهِ وَمَدّ لِسَانِهِ وإِخْرَاج النفس بقوة فكذلك هذا الكافر لا يفارق هذه الحالة الخسيسة من الكفر وعدم الاتعاظ في جميع أحواله، إن وَعَظْتَه لا يَتَّعِظُ، وإِنْ تَرَكْتَهُ فكذلك، كما أن الكَلْبَ إذا شددت عليه وطردته وأتعبته -وهو معنى: ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ - لهث، وإن تركته في رخاء ودعة لهث، فهو مُتَّصِفٌ بهذه الحالة القبيحة على كل حال. وكذلك هذا الخبيث متصف بتلك الحال القبيحة على كل حال. هذا معنى قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾.
وأما قول من قال: إن بلعام بن باعوراء لما دعا على نبي الله
стр. 2133
موسى اندلع لسانه فصار على صدره، فصار لسانه متدليًا - كلسان الكلب - يلهث كلهاث الكلب، وأن هذا معنى قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ ... ﴾ الآية. هذا التفسير غير صحيح، بل الصحيح أنه مثل مضروب كما بيّنَّا، ويدل عليه قوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ﴿مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ وصفتهم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ في ملازمتهم حالة الكفر والتكذيب القبيحة كمثل هذا الكلب في ملازمته حالة اللهث القبيحة في جميع أحواله.
﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ ﴿فَاقْصُصِ﴾ معناه: اقصص عليهم يا نبي الله ﴿الْقَصَصَ﴾ أي: هذا الخبر كخبر بلعام بن باعوراء وغيره ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: لأجل أن يتفكروا ويُعملوا أفكارهم فيتعظوا بمثلات الله وما أوقعه بالذين عصوه في الزمن الماضي لينزجروا وينكفوا. وهذا معنى قوله: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٦].
وقوله: ﴿سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ﴾ (ساء) بمعنى: بئس. و (مثلاً) مُمَيِّز. و (القوم) فاعل بئس (١) ﴿مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ساء مثلهم والعياذ بالله؛ لأنه مثل السوء ﴿سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ (٢) كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٧].
يقول الله (جل وعلا): ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَاّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ
стр. 2134
الْغَافِلُونَ (١٧٩) وَلله الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شيء وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ [الأعراف: الآيات ١٧٨ - ١٨٦].
﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ [الأعراف: آية ١٧٨] لما ذكر (جل وعلا) قصة الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها -والعياذ بالله- وبيّن أنه لو شاء رفعه بتلك الآيات وهداه إلى العمل بها في قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ صرَّح بأن المهتدي هو من هداه الله، والضال هو مَنْ أضَلَّه الله ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ الأصل: من يهده الله. فحذف المفعول لدلالة المقام عليه.
﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ والمهتدي هو السالك طريق الهدى التي تستلزم رضا الله ونيل ما عنده من الرضوان والجنات.
﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾ حذف المفعول أيضًا و «مَن» شرطية في الموضعين، أي: ومن يضلله الله. مضارع أَضَلَّه يَضِلُّه إضلالاً. ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وهذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن بكثرة حجة على القدرية الزاعمين أن الله لا يضل أحدًا، فقد تكلمنا في هذه الدروس مرارًا على مسألة القدر (١)، وأن التحقيق أنه لا تقع في الكون تسكينة
стр. 2135
ولا تحريكة إلا بمشيئة خالق السماوات والأرض -جل وعلا- والعباد لا يخلقون أعمالهم بل ما يشاءون إلا أن يشاء الله، كما صرح الله به، والقدرية على كثرتهم وكثرة حججهم وجدالهم يأتون بشبه فلسفية يزعمون أنهم ينزهون الله بها، وهم يقعون في أعظم مما فروا منه بأضعاف، يقولون: إن الله أعظم وأنزه وأَجَلّ وأكرم من أن يريد الإضلال والقبائح والمعاصي. قالوا: فهو أَجَلُّ وأعظم وأكرم وأنْزَهُ من أن يكون الزنا بمشيئته، وأن تكون السرقة بمشيئته ونحو ذلك. فأرادوا أن ينزهوه عن أن يشاء السرقة والزنا والإضلال والقبائح، ووقعوا في الداهية الكبرى والطامة العظمى، هو أنهم جعلوا بعض خلق الله إلى غيره من خلقه، وجعلوا أن المكلف يخلق أعمال نفسه، فصارت عندهم أعمال المكلفين ليست بمشيئة الله، فسلبوه ملكه وقَدَره ومشيئته وكل شيء، قبحهم الله!
والتحقيق في هذه المسألة: أن الله (جل وعلا) سبق في علمه وسابق أزله أن بعض من يخلقهم مجبولون على الخبث، وأنه سيشاء منهم أن يشاءوا أعمال أهل النار حتى يدخلوها، وأن قومًا آخرين قوم طيبون، وأنه يشاء منهم أن يعملوا أعمال أهل الجنة فيدخلوها، ثم إن الله (جل وعلا) يصرف بقدرته ومشيئته مشيئة العبد وقدرته حتى يأتي العبد ما سبق له في كتابه من شقاوة أو سعادة يأتيه طائعًا مختارًا ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَاّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: آية ٣٠] فلو فرضنا أن قدريًّا قال لسنّي: هذه الأعمال كتبها الله في سابق الأزل وجفت الأقلام وطُويت الصحف، أو هو شيء مُستأنف؟ فمذهب أهل السنة والجماعة -وهو الحق- هو إثبات القدر، وأن كل شيء قضاه الله وقدَّره، وأن الكائنات صائرة إلى ما شاءه الله وقدَّرَه (جل وعلا)، وأنه خلق خلقًا
стр. 2136
وقال: هؤلاء للنار ولا أُبالي، وخلق للجنة خلقًا، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» (١)
والله يقول: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: آية ٤٧] مثلاً لو قال القدري: هذه المعاصي والذنوب التي كانت سبب كونه في النار، قال البعيد: قدرها الله عليه، وسبق في علمه أنه مرتكبها، وأنه هو لو شاء لقلب العِلْم الأوَّل السابق في ذلك جهلاً لا يمكنه ذلك فما شاءه الله وعلمه وقدره في الأزل واقع لا محالة. فيقول البعيد: هو إذن مجبور. فإن السني يقول له: جميع الأسباب التي أعطاها الله للمهتدين أعطاك مثلها، فالعيون التي أبصروا بها آياته حتى آمنوا أعطاك عينين مثلها، والقلوب التي فهموا بها عن الله آياته حتى اهتدوا أعطاك مثلها، والآذان التي سمعوا بها آيات الله واتعظوا بها حتى اهتدوا أعطاك مثلها، ولكن وقع التفاوت في شيء واحد: وهو أن الله (جل وعلا) وفق هؤلاء لما يرضيه، وصرف قدرتهم ومشيئتهم بقدرته وإرادته إلى عمل أهل الجنة، وأنت لم يوفقك لما يرضيه، وهذا التوفيق ليس واجبًا لك عليه حتى تدعي عليه أنه ظلمك!! وقد ذكرنا مرارًا (٢) أن هذا
стр. 2137
أَوْضَحَتْهُ مناظرة أبي إسحاق الإسفراييني مع عبد الجبار - من كبار المعتزلة القدريين القائلين بهذا المذهب - وأن عبد الجبار جاء يتقرب بهذا المذهب فقال عند أبي إسحاق: سبحان من تَنَزَّه عن الفحشاء! يعني أنه تَنَزَّهَ عن أن تكون السرقة والزنا ونحوها بمشيئته.
فقال أبو إسحاق: كلمة حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطل. ثم قال أبو إسحاق: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء!
فقال عبد الجبار: أتراه يشاؤه ويعاقبني عليه؟
فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبرًا عليه؟ أأنت الرب وهو العبد؟
فقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني لِلْهُدَى وقَضَى عَلَيَّ بِالرَّدَى، دَعَاني وَسَدَّ الباب دوني أتراه أحْسَنَ إِلَيَّ أَمْ أسَاءَ؟
قال أبو إسحاق: أرى هذا الذي منعكه إن كان حقًّا واجبًا لك عليه فقد ظَلَمَك وقد أساء، وإن كان ملكه المحض فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل. فبُهِتَ عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله ما لهذا جواب!! ولذا قال تعالى: ﴿قُلْ فَللهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: آية ١٤٩] مَنُّهُ بالتوفيق على قوم وعدم مَنِّهِ بالتوفيق على آخرين حجته البالغة.
وذكروا أن عَمْرَو بن عبيد -كبير المعتزلة، المشهور بالعبادة والنسك، وهو من كبار أهل هذا المذهب الخبيث- جاءه بدوي أعْرَابي يقول له: إنَّ دَابَّتَهُ سُرِقَتْ. يريد أن يدعو الله ليردها عليه، فأراد عمرو بن عبيد التقرب بهذا المذهب الخبيث فقال: اللهُمَّ إِنَّهَا سُرِقَتْ وَلَمْ ترد سرقتها فارْدُدْهَا عليه. فقال له الأعرابي البَدَوِيّ
стр. 2138
الجاهل: ناشدتك اللهَ يَا هَذا إلا ما كففت عني من دُعَائِكَ الخبيث، إن كانت قد سُرقت ولم يُرد سرقتها فقد يريد ردها ولا تُرد (١)، فالذي يُفعل الشيء دونه ولا بمشيئته فأنا لست على ثقة منه أن بيده شيئًا.
فالحاصل أنهم وقعوا في شَرٍّ مما فَرّوا منه. والدليل القاطع الذي لا يترك لهم شبهة هو دليل العلم، وإيضاح ذلك أنك تقول للمعْتَزلي القدري إذا ناظرته: هل أنت مقر بأن الله (جل وعلا) يعلم ما يكون قبل أن يكون؟ فلا بد أن يقول: نعم؛ لأن كل من يقر بالإسلام يقر بهذا. فتقول له: إذن هذا العمل الذي زعمت أن العبد يخلقه بقدرته وإرادته من غير مشيئة لله آلله عالم أنه يقع من هذا العبد؟ فيقول: نعم. فقل له: لو شاء العبد أن يعمل ذلك العمل ويستقل به مخالفًا لما سبق به علم الله الأزلي [فهل يمكنه ذلك؟] (٢) فقولك إنه مستقل به يقتضي أنه يمكنه أن يعمل عملاً مستقلاً غير ما سبق به العلم، فينقلب علم الله جهلاً -سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون الفجرة علوًّا كبيرًا- فإذن لا بُدَّ أن يكون العمل مطابقًا لما سبق به علم خالق السماوات والأرض في أزَلِهِ.
فالحاصل أن الله ﵎ خلق للنار خلقًا علم أنهم من أهل النار وأنها أولى بهم، وخلق للجنة خلقًا علم في أزَلِهِ بأنَّهُمْ أهْل لها، ثم إن الله ﵎ يُيَسِّر كُلاً من الفريقين لما خلقه له، فيعمل هؤلاء بعمل أهل الجنة حتى يدخلوها، وهؤلاء بعمل أهل النار حتى يدخلوها، وقد جاءت أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي ﷺ
стр. 2139
بمثل هذا، منها حديث عمران بن حصين المتفق عليه المشهور أنهم لما سألوا النبي ﷺ وأخبرهم أن الأمر قُضي وفُرغ منه قالوا له: ففيم العمل؟ أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال لهم ﷺ : «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (١) فالله (جل وعلا) لا يقع في ملكه شيء إلا بمشيئته، يَصْرف قُدر قَوْمٍ وإراداتهم إلى ما هو أليق بهم، ويَصْرف قُدر قوم وإراداتهم إلى ما هو أليق بهم فيعمل هؤلاء بعمل أهل الجنة، وهؤلاء بعمل أهل النار، وإنما كان ذلك من حكمته (جل وعلا) لتظهر بذلك أسرار أسمائه وصفاته في خلقه؛ لأنه لو لم يصرف قدرة قوم ومشيئتهم إلى ما لا يرضيه حتى يعذبهم لم يظهر بطشه وقوته وشدة نكاله التي تستوجب الخوف منه، فخلق قومًا فَصَرَفَ قُدرهم وإراداتهم لما يستوجبون به النار ليظهر بذلك سر أسمائه وصفاته، من جبروته وقوَّتِهِ وبطشه وشدة عذابه ليخافه خلقه، وصَرَفَ قُدَرَ قوم وإراداتهم إلى ما يستوجبون به جنته ليظهر بذلك أسرار بعض أسمائه وصفاته من رحمته ولطفه وعدله (جل وعلا) وغير ذلك؛ ولذا قال: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ [الأعراف: آية ١٧٨] من أضله الله فقد ضل (والعياذ بالله)، وكل الناس ضال إلا مَنْ هَدَاهُ الله، ولا مهتد إلا مَنْ هَدَاه الله.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (٢) أن لفظ الضلال يطلق في القرآن العظيم وفي اللغة العربية إطلاقات مشهورة معروفة، من أشهرها ثلاثة إطلاقات معروفة في القرآن وفي كلام العرب:
стр. 2140
منها: إطلاق الضلال على الضلال عن طريق الهدى إلى طريق الزيغ، وعن طريق الجنة إلى طريق النار، كما في هذه الآية ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: آية ٧] وقوله: ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ [المائدة: آية ٧٧] وهذا أغلب استعمال الضلال والعياذ بالله.
الاستعمال الثاني: هو إطلاق الضلال على الغَيْبَةِ والاضمحلال، تقول العرب: «ضل هذا الشيء». إذا غاب واضْمَحَلَّ ولم يبق له وجود. تقول العرب: «ضَلَّ السمن في الطَّعَام» إذا غاب فيه واضْمَحل ولم يبق له أثر. وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأخطل (١):
كُنْتَ القَذَى في مَوْجٍ أَكْدَرَ مُزْبِد ... قَذفَ الأَتِيُّ به فَضَلَّ ضَلَالاً
أي: غاب غيبوبة واضمحل اضمحلالاً. ومنه بهذا المعنى قول الآخر (٢):
أَلَمْ تسألْ فتخبركَ الديارُ ... عن الحي المُضَلَّلِ أينَ سَارُوا
ومعنى (المُضَلَّل): الذي ذهب على مرِّ العصور ولم يبق لهم أثر. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: آية ٣٠] أي: غاب واضمحل ولم يبق له أثر. ولأجل إطلاق العرب اسم الضلال على الغيبة والاضمحلال أطلقوه على الدفع في القبر، تقول العرب: أضلوا الميت في قبره. إذا دفنوه فيه؛ لأنه إذا