وقال: هؤلاء للنار ولا أُبالي، وخلق للجنة خلقًا، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» (١)
والله يقول: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: آية ٤٧] مثلاً لو قال القدري: هذه المعاصي والذنوب التي كانت سبب كونه في النار، قال البعيد: قدرها الله عليه، وسبق في علمه أنه مرتكبها، وأنه هو لو شاء لقلب العِلْم الأوَّل السابق في ذلك جهلاً لا يمكنه ذلك فما شاءه الله وعلمه وقدره في الأزل واقع لا محالة. فيقول البعيد: هو إذن مجبور. فإن السني يقول له: جميع الأسباب التي أعطاها الله للمهتدين أعطاك مثلها، فالعيون التي أبصروا بها آياته حتى آمنوا أعطاك عينين مثلها، والقلوب التي فهموا بها عن الله آياته حتى اهتدوا أعطاك مثلها، والآذان التي سمعوا بها آيات الله واتعظوا بها حتى اهتدوا أعطاك مثلها، ولكن وقع التفاوت في شيء واحد: وهو أن الله (جل وعلا) وفق هؤلاء لما يرضيه، وصرف قدرتهم ومشيئتهم بقدرته وإرادته إلى عمل أهل الجنة، وأنت لم يوفقك لما يرضيه، وهذا التوفيق ليس واجبًا لك عليه حتى تدعي عليه أنه ظلمك!! وقد ذكرنا مرارًا (٢) أن هذا
стр. 2137
أَوْضَحَتْهُ مناظرة أبي إسحاق الإسفراييني مع عبد الجبار - من كبار المعتزلة القدريين القائلين بهذا المذهب - وأن عبد الجبار جاء يتقرب بهذا المذهب فقال عند أبي إسحاق: سبحان من تَنَزَّه عن الفحشاء! يعني أنه تَنَزَّهَ عن أن تكون السرقة والزنا ونحوها بمشيئته.
فقال أبو إسحاق: كلمة حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطل. ثم قال أبو إسحاق: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء!
فقال عبد الجبار: أتراه يشاؤه ويعاقبني عليه؟
فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبرًا عليه؟ أأنت الرب وهو العبد؟
فقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني لِلْهُدَى وقَضَى عَلَيَّ بِالرَّدَى، دَعَاني وَسَدَّ الباب دوني أتراه أحْسَنَ إِلَيَّ أَمْ أسَاءَ؟
قال أبو إسحاق: أرى هذا الذي منعكه إن كان حقًّا واجبًا لك عليه فقد ظَلَمَك وقد أساء، وإن كان ملكه المحض فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل. فبُهِتَ عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله ما لهذا جواب!! ولذا قال تعالى: ﴿قُلْ فَللهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: آية ١٤٩] مَنُّهُ بالتوفيق على قوم وعدم مَنِّهِ بالتوفيق على آخرين حجته البالغة.
وذكروا أن عَمْرَو بن عبيد -كبير المعتزلة، المشهور بالعبادة والنسك، وهو من كبار أهل هذا المذهب الخبيث- جاءه بدوي أعْرَابي يقول له: إنَّ دَابَّتَهُ سُرِقَتْ. يريد أن يدعو الله ليردها عليه، فأراد عمرو بن عبيد التقرب بهذا المذهب الخبيث فقال: اللهُمَّ إِنَّهَا سُرِقَتْ وَلَمْ ترد سرقتها فارْدُدْهَا عليه. فقال له الأعرابي البَدَوِيّ
стр. 2138
الجاهل: ناشدتك اللهَ يَا هَذا إلا ما كففت عني من دُعَائِكَ الخبيث، إن كانت قد سُرقت ولم يُرد سرقتها فقد يريد ردها ولا تُرد (١)، فالذي يُفعل الشيء دونه ولا بمشيئته فأنا لست على ثقة منه أن بيده شيئًا.
فالحاصل أنهم وقعوا في شَرٍّ مما فَرّوا منه. والدليل القاطع الذي لا يترك لهم شبهة هو دليل العلم، وإيضاح ذلك أنك تقول للمعْتَزلي القدري إذا ناظرته: هل أنت مقر بأن الله (جل وعلا) يعلم ما يكون قبل أن يكون؟ فلا بد أن يقول: نعم؛ لأن كل من يقر بالإسلام يقر بهذا. فتقول له: إذن هذا العمل الذي زعمت أن العبد يخلقه بقدرته وإرادته من غير مشيئة لله آلله عالم أنه يقع من هذا العبد؟ فيقول: نعم. فقل له: لو شاء العبد أن يعمل ذلك العمل ويستقل به مخالفًا لما سبق به علم الله الأزلي [فهل يمكنه ذلك؟] (٢) فقولك إنه مستقل به يقتضي أنه يمكنه أن يعمل عملاً مستقلاً غير ما سبق به العلم، فينقلب علم الله جهلاً -سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون الفجرة علوًّا كبيرًا- فإذن لا بُدَّ أن يكون العمل مطابقًا لما سبق به علم خالق السماوات والأرض في أزَلِهِ.
فالحاصل أن الله ﵎ خلق للنار خلقًا علم أنهم من أهل النار وأنها أولى بهم، وخلق للجنة خلقًا علم في أزَلِهِ بأنَّهُمْ أهْل لها، ثم إن الله ﵎ يُيَسِّر كُلاً من الفريقين لما خلقه له، فيعمل هؤلاء بعمل أهل الجنة حتى يدخلوها، وهؤلاء بعمل أهل النار حتى يدخلوها، وقد جاءت أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي ﷺ
стр. 2139
بمثل هذا، منها حديث عمران بن حصين المتفق عليه المشهور أنهم لما سألوا النبي ﷺ وأخبرهم أن الأمر قُضي وفُرغ منه قالوا له: ففيم العمل؟ أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال لهم ﷺ : «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (١) فالله (جل وعلا) لا يقع في ملكه شيء إلا بمشيئته، يَصْرف قُدر قَوْمٍ وإراداتهم إلى ما هو أليق بهم، ويَصْرف قُدر قوم وإراداتهم إلى ما هو أليق بهم فيعمل هؤلاء بعمل أهل الجنة، وهؤلاء بعمل أهل النار، وإنما كان ذلك من حكمته (جل وعلا) لتظهر بذلك أسرار أسمائه وصفاته في خلقه؛ لأنه لو لم يصرف قدرة قوم ومشيئتهم إلى ما لا يرضيه حتى يعذبهم لم يظهر بطشه وقوته وشدة نكاله التي تستوجب الخوف منه، فخلق قومًا فَصَرَفَ قُدرهم وإراداتهم لما يستوجبون به النار ليظهر بذلك سر أسمائه وصفاته، من جبروته وقوَّتِهِ وبطشه وشدة عذابه ليخافه خلقه، وصَرَفَ قُدَرَ قوم وإراداتهم إلى ما يستوجبون به جنته ليظهر بذلك أسرار بعض أسمائه وصفاته من رحمته ولطفه وعدله (جل وعلا) وغير ذلك؛ ولذا قال: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ [الأعراف: آية ١٧٨] من أضله الله فقد ضل (والعياذ بالله)، وكل الناس ضال إلا مَنْ هَدَاهُ الله، ولا مهتد إلا مَنْ هَدَاه الله.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (٢) أن لفظ الضلال يطلق في القرآن العظيم وفي اللغة العربية إطلاقات مشهورة معروفة، من أشهرها ثلاثة إطلاقات معروفة في القرآن وفي كلام العرب:
стр. 2140
منها: إطلاق الضلال على الضلال عن طريق الهدى إلى طريق الزيغ، وعن طريق الجنة إلى طريق النار، كما في هذه الآية ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: آية ٧] وقوله: ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ [المائدة: آية ٧٧] وهذا أغلب استعمال الضلال والعياذ بالله.
الاستعمال الثاني: هو إطلاق الضلال على الغَيْبَةِ والاضمحلال، تقول العرب: «ضل هذا الشيء». إذا غاب واضْمَحَلَّ ولم يبق له وجود. تقول العرب: «ضَلَّ السمن في الطَّعَام» إذا غاب فيه واضْمَحل ولم يبق له أثر. وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأخطل (١):
كُنْتَ القَذَى في مَوْجٍ أَكْدَرَ مُزْبِد ... قَذفَ الأَتِيُّ به فَضَلَّ ضَلَالاً
أي: غاب غيبوبة واضمحل اضمحلالاً. ومنه بهذا المعنى قول الآخر (٢):
أَلَمْ تسألْ فتخبركَ الديارُ ... عن الحي المُضَلَّلِ أينَ سَارُوا
ومعنى (المُضَلَّل): الذي ذهب على مرِّ العصور ولم يبق لهم أثر. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: آية ٣٠] أي: غاب واضمحل ولم يبق له أثر. ولأجل إطلاق العرب اسم الضلال على الغيبة والاضمحلال أطلقوه على الدفع في القبر، تقول العرب: أضلوا الميت في قبره. إذا دفنوه فيه؛ لأنه إذا
стр. 2141
دُفن فيه يؤول إلى أن تختلط أجزاؤه وعظامه في الأرض فيغيب فيها ويضمحل كما يغيب السمن في الطعام، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: آية ١٠] يعنون بقولهم: ﴿ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ﴾ أنه اضمحلت عظامهم ولحومهم وجلودهم فيها فأكلتها واختلطت بها. وإطلاق العرب الإضلال على الدفن مشهور في كلامهم وأشعارهم، ومنه قول المُخَبَّل السعدي يرثي قيس بن عاصم التميمي المنقري المشهور (١):
أَضَلَّت بنُو قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَمِيْدَهَا ... وفَارِسَهَا في الدهْرِ قيسَ بن عَاصِمِ
وقوله: «أضلت» يعني: دفنته في قبره. ومنه بهذا المعنى قول نابغة ذبيان يرثي بعض ملوك الغسانيين الذين كانوا بالشام، وقد مات ودُفن بالجولان، وسمع أولاً أنه مات، وجاء تكذيب موته، حتى جاء الذين دفنوه وأخبروه بموته وقال شعره المشهور فيه، الذي منه (٢):
فإنْ تَحْيا لا أملكْ حياتي وإنْ تَمُتْ ... فما في حياتي بعدَ موتِكَ طائِلُ
فآبَ مُضِلُّوهُ بعينٍ جَلِيَّة ... وغُودِرَ بالجَولانِ حَزمٌ ونَائِلُ
[٢٤/ب] / فقوله: «مضلوه» يعني دافنيه. وقوله: «بعين جلية» أي: بخبر يقين أنه مات حقًّا؛ لأنهم هم الذين أضلوه ودفنوه في قبره. وهذا معنى معروف في كلام العرب، يكثر في كلامها.
وأما الإطلاق الثالث من إطلاقات الضلال: فإنه جاء في القرآن
стр. 2142
وفي لغة العرب إطلاق الضلال على الذهاب عن علم الشيء، فكل ما لم يهتدِ إلى علم شيء تقول العرب: ضل. أي: لم يهتد إلى علم هذا الشيء بعينه. وهو بهذا المعنى يكثر في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قول أولاد يعقوب: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: آية ٨] أي: ذهاب عن علم الحقيقة حيث يُفَضِّل يوسف على هذا (١) من الرجال. وقوله: ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ [يوسف: آية ٩٥] أي: ذهابك عن حقيقة العلم بالشيء؛ لأنك تظن يوسف حيًّا، ولا يريدون الضلال في الدين؛ لأنهم لو أرادوا الضلال في الدين لكانوا كفرة لتضليلهم نبيًّا من الأنبياء. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه: آية ٥٢] أي: لا يذهب عنه علم شيء ولا ينسى شيئًا. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: آية ٢٨٢] ﴿أَن تَضِلَّ﴾ يعني: تذهب عن علم حقيقة المشهود به فتذكرها الأخرى. قال بعض العلماء: وأنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى (٧)﴾ [الضحى: آية ٧] على القول بذلك، ووجهه أن المعنى: ووجدك يا نبي الله ضالاً؛ أي: ذاهبًا عن هذه العلوم التي لا تُعلم إلا بالوحي فهداك إليها وعلمك إياها بالوحي كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف: آية ٣] فالغافلون ضالون ذاهبون عن علم حقيقة هذه العلوم، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء﴾ الآية
стр. 2143
[الشورى: آية ٥٢]. ومن إطلاق الضلال على الذهاب عن حقيقة علم الشيء قول الشاعر (١):
وتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِيْ أَبْغِيْ بِهَا ... بَدَلاً أُرَاها في الضَّلَالِ تَهِيمُ
معناه: أراها في عدم معرفة حقيقة الشيء وهذه المعاني للضلال، وبعضهم يذكر أنه يُطلق على (الحُب) وليس إطلاقًا معروفًا مشهورًا كمعرفة هذه الإطلاقات، وهذا معنى قوله: ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
والخاسرون جمع الخاسر. وبعض العلماء يقول: ﴿الْخَاسِرُونَ﴾: الهالكون. وأصل الخسران (٢): هو ذهاب مال التاجر، سواءً كان ربحًا أو رأس مال، وكل من خسر شيئًا من ماله فقد خسر. وخسران الناس: المراد به غبنهم حظوظهم من ربهم (جل وعلا) (٣)، وقد أقسم الله (جلّ وعلا) على أن هذا الخسران لا ينجو منه أحد إلاّ بتلك الصفات المقررة المعروفة في تلك السورة الكريمة، أعني قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ ﴿إِنَّ الإِنسَانَ﴾ الألف واللام للاستغراق، فهو بمعنى: إن كل إنسان كائنًا من كان لفي خسر، أي: في غبن من حظوظ ربه (جل وعلا) ونقص ﴿إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: الآيات ١ - ٣].
وخسران الناس: أي: غبنهم في حظوظهم من ربهم (جل وعلا).
стр. 2144
ذكرنا في هذه الدروس مرارًا أنه جرت عادة بعض العلماء في أن يضربوا له مثلين يبين بهما حقيقته (١):
المثل الأول: قالوا: إن كل إنسان معمر أعطاه الله (جل وعلا) رأس مال، ورأس هذا المال هو الجواهر التي لا يزنها في الدنيا شيء، ولا يقوم مقامها شيء، وهي رأس مال كل إنسان. ونعني بهذه الجواهر: ساعات العمر وأيَّامه؛ لأن رأس مال الإنسان هو ساعات عمره وأيامه، وهذا هو أنفس شيء وأعظم شيء يُعطى للإنسان، وهو رأس ماله، وكما أن الله لما جَعَلَهُ رأس ماله جعله أخا الرسول أيضًا في إقامة الحجة عليه به حيث قال: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: آية ٣٧] فإذا كان الإنسان المُعمر -سواء عُمِّر تعميرًا طويلاً أو غيره كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَاّ فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: آية ١١] فإن كان هذا المُعمر- حاذقًا لبقًا يعرف كيف يحرك رؤوس الأموال، وكيف يستفيد منها، حرك رأس هذا المال -أعني ساعات عمره وأيامه حركها- فيما يرضي الله، فراقب اللحظات والأيام والليالي والدقائق والثواني لئلا يضيع شيء منها في غير طاعة الله، فنظر الأوقات التي تتوجه فيها أوامر من ربه -كأوقات الصلاة، وأوقات الحج، وغير ذلك من المطلوبات التي لها أوقات تتوجه عند وجودها- فقام لله بذلك أحسن قيام، ثم إنه في الأوقات التي لا تتوجه بها وظائف من رب العالمين، وأوامر معينة يكفُّ شرَّه ويخاف الله (جل وعلا) ويستكثر من الخير ما استطاع، فإذا حرك هذا رأس هذا المال هذا التحريك العظيم وتَجِر مع رب العالمين هذه التجارة الرابحة ربح منها
стр. 2145
مُلكًا لا ينفذ، ربح منها الحور العين والجنات والولدان، ومجاورة رب غير غضبان، والنظر إلى وجه الله الكريم. وقد سمى الله تحريك رأس هذا المال معه (جل وعلا) على الوجه الذي ذكرنا سمّاه (بيعًا) وسَمَّاهُ (شِرَاءً)، وسَمَّاهُ (تجارة)، وسماه (قَرْضًا)؛ لأنّ صاحبه حرّك رأس ماله -وهو أيام عمره - تحريكًا حسنًا لائقًا؛ ولذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية [الصف: الآيتان ١٠، ١١].
فصرح بأن ذلك تجارة مع الله، وقال جل وعلا: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: آية ٢٩] وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: آية ١١١].
وقال جل وعلا: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: آية ٢٤٥] فإذا كان صاحب رأس هذا المال المسكين رجلاً أحمق لا يعرف حقائق الأشياء، ولمْ يَتَنَوَّر باطنه بنور الوحي، لمْ يعرف قيمة رأس هذا المال، ولا قَدْرَ هَذِهِ الجواهر التي أعطاه الله فضيعها في قال وقيل، ولم يكتسب منها شيئًا حتى ينتهي الأجل المحدد له فيُجر إلى القبر وهو صفر الكفين، والآخرة أيها الإخوان دار لا تصلح للمفاليس، لا تصلح للفقراء؛ لأن ليس فيها إرفاق، ولا عارية، ولا صدقة، ولا خلة، ليس فيها للإنسان إلا ما قَدَّمَهُ مِنْ عَمَلِهِ، فَلا يَنْبَغِي للإنسان أن يقدم عليها مُفْلِسًا، فيجب على المسلمين كلاًّ أن يحترموا رأس هذا المال (١).
إذا كان رأسُ المالِ عمركَ فاحتَرِزْ ... عَلَيْهِ مِنَ الإِنْفَاقِ في غَيْرِ وَاجِبِ
стр. 2146
فلا ينبغي للمسلم أن يضيع أوقات عمره في لعب الأوراق، وفي قيل وقال، فإن هذا فعل السفهاء، ولا يدري في أيِّ وقت يموت. وأنا أؤكد لكم كل التوكيد أنه إن مات ندم غاية الندم بعد فوات الفرصة على ضياع هذه الأعلاق النفيسة، والجواهر الثمينة -التي هي أيام عمره- في قال وقيل، ولعب أوراق، وربما كان ضيعه في أشياء لا ترضي من خلقه (جل وعلا)، فهذا لا ينبغي، فعلينا معاشر المؤمنين أن نَعْرِفَ قَدْرَ رَأْسِ مَالِنَا، وأن نُقدِّر أعمارنا، ونعرف قصرها، ولا ندري في أيِّ وقت تَنْخَرِمُ كما سيأتي قوله في هذه [السورة] (١): ﴿وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: آية ١٨٥] فلا نضيعه فيما لا يعني كألعاب الأوراق، والمجون والعبث، وغير ذلك مما لا يفيد، فهذا فعل السفهاء، وسيعلم صاحبه إذا انتهى إلى ربه أنه فعل السفهاء الذي لا يُجدي، فعليه أن يكفَّ عنه، ويكون رجلاً جديًّا، ويصدق المعاملة فيما بينه وبين ربه (جل وعلا)، ولا يترك أوقاته تضيع هدرًا؛ لأن هذا تضييع لجواهر عظيمة، وأعلاق نفيسة، لا يعرف قدرها إلاّ من علمه الله ذلك.
المثل الثاني المضروب لهذا: هو ما ذكره بعض العلماء وقد جاء به حديث عن النبي ﷺ ، والظاهر أن سنده لا يقل عن درجة القبول (٢) أن الله (جل وعلا) جعل لكل إنسان مسكنًا في الجنة ومسكنًا في النار، فإذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أطلع أهل الجنة على مساكنهم في النار لو أنهم كفروا بالله وعَصَوْهُ لِتَزْدَاد غبطَتُهُم وسرورهم بما هم فيه، وعند ذلك يقول الواحد منهم: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ
стр. 2147
الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: آية ٤٣] ثم إنَّه يُري أهل النار منازلهم في الجنة لو أنهم آمنوا بالله وأطاعوه لتزداد ندامتهم وحسرتهم والعياذ بالله. وعند ذلك يقول الواحد منهم: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: آية ٥٧] ثم إن الله يجعل مساكن أهل النار في الجنة لأهل الجنة، ومساكن أهل الجنة في النار لأهل النار، ومن استبدل مسكنه في الجنة بمسكن غيره في النار فصفقته خاسرة، فهو خاسر لا محالة، وذلك طرف من هذا الخسران الذي دلت عليه آيات القرآن العظيم؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٨].
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف: آية ١٧٩] اللام موطئة لقسم محذوف، و (قد) حرف تحقيق تضمنت معنى التوكيد.
و ﴿ذَرَأْنَا﴾ معناه: خلقنا. العرب تقول: ذرأ الله الخلق؛ أي: خلقه. فصيغة الجمع في قوله: ﴿ذَرَأْنَا﴾ صيغة تعظيم؛ لأن الله خلق خلقًا للنار فقال: هؤلاء في النار ولا أُبالي.
وقوله: ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ بعض العلماء يقول: هي طبقة من طبقات جهنم، ولكنها تطلق على جميع طبقات النار، كما قال تعالى في جهنم: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر: آية ٤٤] فجهنم تطلق على جميع طبقات النار، وإن كان بعض العلماء يزعم أنها طبقة من طبقاتها السبع.
واختلف العلماء في لفظة (جهنم) هل أصلها عربية أو مُعَرَّبة (١)؟ بناء على قول من يقول: إنَّ فِي القرآن كلمات
стр. 2148
مُعَرَّبة (١). والتحقيق الذي هو الأشبة أن القرآن كله عربي إلا الأعلام. وما دمنا نقول: أخذ العرب هذه الكلمة من الجيل العجمي الفلاني فلِمَ لا نقول: إن ذلك الجيل الأعجمي أخذها عن العرب؟ الكل محتمل ولا دليل على أنه أخذها خصوص هؤلاء عن هؤلاء، فعلينا أن نتمسك بالعموم في قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: آية ١٩٥] ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: آية ٢] ولا خلاف في الأعلام أن فيه أعلامًا عجمية. هذا لا نزاع فيه؛ لأن العَلَم يُحكى بلفظه في أي لغة كان كما هو معروف.
وقال بعض العلماء الذين يقولون إن في القرآن مُعَرَّبًا: إن (جهنم) أصلها فارسية. والذين قالوا هذا القول يزعمون أن في الفارسية القديمة إطلاقًا (كَهَنَّام) على النار، وأنها عَرَّبتها العرب وأبدلت الكاف جيمًا، والله أعلم بصحة هذا.
وقال جماعة من علماء العربية (٢): أصل الكلمة عربية، ووزنها بالميزان الصرفي (فَعَنَّل) فالنون المشددة زائدة، وأصل الحروف الأصلية: الجيم في مكان الفاء، والهاء في مكان العين، والميم في مكان اللام، من: جَهَمَه يَجْهَمُه وتَجَهَّمَهُ إذا عبس في وجهه وقَطَّبَ وجهه وعقده فيه. قالوا: سُميت (جهنم) لأنها تلقى من يدخلها بوجه عابس مقطب متجهم، وأنهم تعبس وجوههم، وتَجَهَّم فيها من شدة ما يلاقون من عذابها والعياذ بالله. وهذا المعنى معروف في كلام
стр. 2149
العرب، ومنه قول عمرو بن الفضفاض الجهني (١):
لَا تَجْهَمينَا أُمَّ عَمْرٍو فَإِنَّمَا ... بِنَا دَاءُ ظَبْيٍ لمْ تخُنْهُ عوامِلُه
ومن هذا المعنى قول مسلم بن الوليد الأنصاري، وإن كان شعره يصلح مثالاً لا شاهدًا لتأخر وقته (٢):
شَكَوْتُ إِلَيْهَا حُبَّهَا فَتَبَسَّمَتْ ... ولَمْ أَرَ شَمْسًا قَبلَهَا تَتَبَسَّمُ ...
فَقُلْتُ لهَا جُودِي فأَبْدتْ تَجَهُّمًا ... لِتَقْتُلَنِي يَا حُسْنها إذ تَجَهَّمُ
وهذا معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ أي: خلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ أي: لصيرورتهم إلى النار يوم القيامة ﴿كَثِيرًا﴾ خلقًا كثيرًا ﴿مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ لأن الجن يدخلون النار بلا خلاف إذا عصوا الله كما قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ [الأحقاف: آية ٣١] ولا خلاف بين العلماء أن النبي ﷺ مرسل للإنس والجن، وأن كفار الجن يدخلون النَّار، وإنما اختلفوا في المؤمنين من الجن هل يدخلون الجنة أو لا يدخلونها (٣)؟ فشَذَّ قوم وقالوا: إن المؤمنين من الجِنِّ لا يدخلون الجنة وإنما جزاؤهم الإجارة من النار، واستدلوا لهذا بدليل لا ينهض، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قالوا: دلت الآية على أن إجابتهم داعي الله والإيمان به إنما ينالون منها غفران الذنوب والإجارة من العذاب دون دخول الجنة. والظاهر أن المؤمنين من
стр. 2150
الجن يدخلون الجنَّة كالمؤمنين من الإنس، وقد دلت على هذا آيات من كتاب الله قال تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: آية ٥٦] فَفُهم منه أن في الجنة جانًّا يطمثون النساء. ومن أصرح الأدلة -أن الجن يدخلون الجَنَّة- قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: آية ٤٦] فهذا شامل للإنس والجن يقينًا بدليل قوله بعده مخاطبًا للجن والإنس: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ [الرحمن: آية ١٣] وهذا نصٌّ قرآني لم يقم ما يعارضه فلا ينبغي العدول عنه. وهذا معنى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف: آية ١٧٩].
ثم إنه تعالى ذكر صفات الكفار الأشقياء الذين سبق في علم الله أنه خلقهم للنّار، وأنهم يعملون بعمل أهل النار، ذكر صفاتهم الكاشفة قال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾ بين أنه خلق لهم قلوبًا، وخلق لهم أعينًا، وخلق لهم آذانًا، إلا أنهم لا يفقهون بقلوبهم الحق، ولا يبصرون بأعينهم الحق، ولا يسمعون بآذانهم الحق والعياذ بالله كما قال تعالى عنهم: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْء إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآية [الأحقاف: آية ٢٦] ولذا قال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: آية ١٧٩] القلوب: جمع قلب، وهو عضو من الإنسان معروف يزعمون أنه على هيئة حَبّ الصنوبر.
وقوله: ﴿لَاّ يَفْقَهُونَ﴾ الفقه في لغة العرب معناه: الفهم والإدراك، أي: لا يفهمون بهذه القلوب عن الله؛ لأن الله لمْ ينفعهم بها (والعياذ بالله)، كما قال: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: آية ٢٦] ونفيه الفقه عن
стр. 2151
القلوب يدل كما ذكرنا مرارًا (١) على أن مركز العقل هو القلب لا الدماغ كما يقوله الإفرنج، ومما يؤسفنا أن عامة المسلمين لا يكاد في الوقت الحاضر- لجهلهم - لا يكاد يختلف من عامتهم اثنان في أن العقل في الدماغ. ويقولون: هذا ليس له مخ. يعنون: ليس له دماغ، قاطعين بأن العقل في الدماغ، والله يصرح بأن العقل في القلب. ولا شك أن الذي خلق نور العقل وجعله في العبد ونوَّره به هو أعلم بالموضع الذي وضعه فيه مِنْ كَفَرَةِ الإفْرِنْج -قبَّحهم الله- ومن فلسفتهم الكاذبة. فالذي يقول: ليس الفقه في القلوب كالذي يقول: ليس الإبصار بالعيون، وليس السماع بالآذان؛ لأن الله قال: ﴿قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ ﴿أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ ﴿آذَانٌ لَاّ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ فدل على أن الإبصار بالعين، والسماع بالأذن، والفقه بالقلب.
وهذا أمر معروف لا تكاد تحصي الآيات الدالة عليه في القرآن؛ ولذا قال تعالى: ﴿قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ الله (جل وعلا) نفى عنهم الفقه بتاتًا. أي: الفهم، ونفى عنهم الإبصار، ونفى عنهم السماع، والمراد بهذا كما دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله: أن الفقه المنفي هو الفقه عن الله النافع الذي يوصل لطاعة الله والإيمان به، والإبصار المنفي: هو إبصار الآيات النافع الذي يرشد صاحبه إلى الإيمان، والسماع المنفي: هو السماع النافع الذي يسمع صاحبه به ما ينفعه. وهذا أسلوب من أساليب اللغة العربية؛ لأن القرآن العظيم نزل بلسان عربي مبين، ومن أساليب اللغة العربية: أنهم يطلقون الصمم على السماع الذي لا جدوى فيه،
стр. 2152
فإذا كان الإنسان لا ينتفع بسمعه انتفاعًا صحيحًا يقولون: «هذا أصم» وهو يسمع. وهذا أسلوب معروف في كلامهم، ومنه قول قَعنب بن أم صاحب (١):
صُمٌّ إذا سَمعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ به ... وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عنْدهُم أذِنوا
فقال: «صُمٌّ إذا سمعوا» فصرح بأنهمْ صمٌ، وأنهمْ يسمعون؛ لأنَّ ذلك السماع الذي لمْ تترتب عليه فائدة حكمه حكم الصمم، ومنه قول الآخر (٢):
أَصَمُّ عنِ الأَمْرِ الذي لا أُرِيدُهُ ... وأسْمَعُ خَلقِ اللهِ حينَ أُريدُ
وقول الآخر (٣):
قُلْ ما بَدى لك من زورٍ ومن كَذِب ... حِلْمِيْ أَصَمّ وأُذني غير صَمَّاء
وقول الآخر (٤):
فأَصْمَمْتُ عَمْرًا وأَعْمَيْتُهُ ... عَنِ الجُودِ والفَخْرِ يومَ الفَخَارِ
وهذا أسلوب معروف مطروق في كلام العرب، نزل به القرآن؛ لأنه بلسان عربي مبين. وهذا معنى قوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَاّ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ الآذان: جمع أُذن. والأعين: جمع عين، وجمعهما على (أَفْعُلٌ) و (أفعال) ليس للقلة.
стр. 2153
والمقرر (١) في علم العربية: أن جموع القلة لا تكون إلا في النكرات؛ لأنها بالمعرفات تكتسي العموم من أداة التعريف فتكون جمع تكثير. وهنا هي مُنَكَّرات وهي جموع قلة، إلا أن محل كونها جموع قلّة ما لم يقم دليل على أنها تُراد بها الكثرة كما هنا، وكما هو معروف في محله.
وقوله: ﴿آذَانٌ﴾ أصله (أَأْذَان) جمع (أُذن) مجموعة على (أَفْعال) أُبدلت الهمزة الثانية مدًّا للأُولى على القاعدة التصريفية المجمع عليها (٢). وهذا معنى قوله: ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَاّ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾.
﴿أُوْلَئِكَ﴾ المذكورون الذين ذرأهم الله للنار، ولم ينفعهم بقلوبهم، ولا بأسماعهم، ولا بأعينهم ﴿كَالأَنْعَامِ﴾ الأنعام: تقدم في سورة الأنعام أنها أصناف الإبل والبقر والغنم؛ لأن الأنعام إذا صاح بها راعيها تسمع ما يقول ولكنها لا تنتفع به؛ فلو صاح بإبله أو غنمه وقال: اذهبي إلى عُدْوَةِ الوادي الفلانية فإن فيها خصبًا، واحذري من عُدْوَتِه الفلانية فإن فيها جدبًا وسباعًا. فإنها تسمع صوته ولكن لا تفهم هذا ولا تنتفع به، كما تقدم إيضاحه في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَاّ دُعَاء وَنِدَاء﴾ [البقرة: آية ١٧١] ولذا قال هنا: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ﴾ تسمع الأصوات ولا تفهم ما فيها فهمًا ينفع، كما أن هؤلاء يسمعون الأصوات ولا يفهمون عن الله فهمًا يجرهم إلى الإيمان. ثم أضرب، قال: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ من الأنعام؛ لأن الأنعام ربما تَهْتَدِي لبعض مصالحها، تذهب إلى المحل الذي فيه المَرْعَى
стр. 2154
فتَرْعَى فيه، وتَرُوحُ عَنْ محلّ الجَدْب، وإذا رَأَتْ صَاحِبَهَا الذي يسقيها ويطعمها فرحت به وتبعته، وهؤلاء يعادون ربهم ولا يفعلون شيئًا ينفعهم -والعياذ بالله- فهم أضل من الأنعام.
﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ الذين اسْتَوْلَتْ عَلَى قلوبهم الغَفْلَة لا يفهمون عن الله شيئًا -والعياذ بالله-. وهذا معنى قوله: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٩].
﴿وَلله الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: آية ١٨٠] لله (جل وعلا) الأسماء الحسنى، والحسنى: تأنيث الأحسن، وهو صيغة تفضيل الأحسن الذي هو أحْسَن مِنْ غَيْرِهِ، والحسنى التي هي أحْسَن مِنْ غَيْرِهَا، وأفْرد نعت الأسماء في قوله: ﴿الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ لما تقرر في علم العربية من أن ثلاثة من الجُمُوعِ -أعْنِي جمع المكسر بنوعيه، وجمع التأنيث- كل منها يجري مجرى الواحدة المؤنثة المجازية التأنيث (١)، ومثله كثير، كقوله: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: آية ١٨] ﴿لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [الأنعام: آية ١٩].
قال بعض العلماء: سبب نزول هذه الآية: أن رجلاً من المسلمين قال: يا الله، يا رحمن. فقال واحد من كفار مكة: كيف يقول محمد: إن الإله واحد، ثم إنه يدعو إلهين: أحدهما: الله، والثاني: الرحمن؟! فأنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ وأنزل قوله: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: آية ١١٠] (٢).
стр. 2155
﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ أسماء الله حسنى، أي: هي أحسن شيء؛ لأن الحسنى صيغة تفضيل، هي أفضل من كل شيء في الحُسْنِ والجمال لما تدل عليه من صِفَاتِ الكمال والجلال الموصوف بها خالقنا (جل وعلا) تَقَدَّسَ وتَعَاظَمَ وتَنَزَّهَ؛ لأن أسماءه تدل على صفات كماله وجلاله جل وعلا.
﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ فادعوه بتلك الأسماء كأن تقول: يا رحمن ارحمنا، يا رحيم ارحمني. قال بعض العلماء: تقول: يا رحيم ارحمني، يا رازق ارزقني، يا حكيم احكم لي. ولا تقول: يا حكيم اغفر لي، أو: يا رزاق ارحمني. والتحقيق أن هذا كله جائز؛ لأن أسماء الله متلازمة، كل صفة في واحد منها تستلزم جميع الصفات الأخرى لعظمة صفاته (جل وعلا)، واستلزام كل واحدة منها غاية الكمال والجلال، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَاّ واحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» (١) هذا حديث صحيح معروف، وقد جاء عَدُّ أسمائه عن بعض الناس، ذكره الترمذي، وذكر غيره روايات فيها بعض الأسماء،
стр. 2156
والرواية التي ذكرها الترمذي تقريبًا مائة وواحد تزيد باثنين (١)، وهي معروفة (٢)،
وجاءت روايات في السنن وأخرج الحاكم بعضها وصححه تذكر بعض أسماء الله جل وعلا.
والمحققون من العلماء يقولون: إن أسماء الله لا تُحصر في ذلك، كما دل عليه الحديث المشهور حديث ابن مسعود الذي بيّن فيه النبي ﷺ أن كل من أصابه حزن -مثلاً- أو غم إذا دعا به أَذْهَبَ اللهُ حُزْنَهُ وأبْدَلَهُ له سرورًا، وهو حديث معروف مشهور: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِي حُكْمُكَ،
стр. 2157
عَدْلٌ فِي قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ بَصَرِي، وِشَفَاءَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي» (١). ومحل الشاهد منه: قوله ﷺ فيه: «أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» فدل أن له أسماء اسْتَأْثَرَ بِهَا فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَهُ. وهذا هو الأصح؛ لأن صفاته (جل وعلا) الحسنى لا تحصى، وأسماءَهُ لا يُحْصِيهَا غَيْرُهُ (جل وعلا). وقد جاء في رواية الترمذي (٢)
أنه لما ذكر الحديث الذي أصله في الصحيحين: «إِنَّ لله تسعة وتسْعِين اسْمًا، مائة إلا واحِدًا، مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ، وهو جلَّ وعلا وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ - أنه سردها كما يلي - هو الله الذي لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَن، الرَّحِيم، الملك، القُدُّوس، السَّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المُصَوِّر، الغفار (٣)، الوَهَّابُ، الرزَّاقُ، الفتَّاحُ، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المُعِزُّ، المُذِل، السميع، البصير، الحَكَم، العدل، اللطيف، الخبير،
وذكر بعضهم في السنن وغيره زيادات على هذا ونقصًا (١). وبعض المحققين يقولون: إن هدا مدرج في الحديث الصحيح جمعه العلماء من القرآن (٢). وكان ابن العربي يقول: إنه جمع حوالي ألف اسم من القرآن العظيم والأحاديث الصحيحة (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ﴾ [الأعراف: آية ١٨٠] (ذرواْ) معناه اتركوا: وصيغة الأمر هنا للتهديد على التحقيق، وقد تقرر في فن الأصول في مباحث الأمر، وفي فن المعاني: أنَّ من الصيغ التي تأتي لها (افْعَل) أنها تأتي للتهديد (٤). والتحقيق أن الصورة هنا للتهديد، وهو قوله: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ﴾ بدليل قوله: ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٥).
стр. 2160
والعرب تقول: أَلْحَد يُلحِدُ، ولَحَدَ يَلْحَدُ. إذا مال عن الحق، أصل (اللَّحد) في لغة العرب والإلحاد: الميل عن القصد والجور عنه، ومنه اللحد في القبر؛ لأنه حفر أُميل به عن وضعه الأول إلى جهة القبلة ولم يكن على سمت الحفر الأول.
وقرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حمزة: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ﴾ وقرأه حمزة من السبعة: ﴿وذروا الذين يَلْحَدُون في أسمائه﴾ بفتح الياء والحاء. وهما قراءتان صحيحتان (١)، ولغتان عربيتان فصيحتان.
ومعنى إلحادهم بالأسماء (٢): قال بعض العلماء: يلحدون فيها: يميلون فيها عن الحق، كاشتقاقهم اللات من اسم الله، واشتقاقهم العُزى من اسم العزيز، واشتقاقهم مناة من اسم المنان. وقال بعض العلماء: إلحادهم في أسماء الله: إنكارها، ومن أمثلة ذلك أن الله يقول: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ [الصافات: آية ٤] وهم يلحدون في اسمه الواحد، ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: آية ٥] وهذا من أعظم الإلحاد وأكبره.
وقوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ سيجزيهم الله يوم القيامة جزاء ما كانوا يعملونه في الدنيا، ويدخل في ذلك دخولاً أوليًّا إلحادهم في أسمائه (جل وعلا). وهذا معنى قوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾
стр. 2161
جاء في بعض الآثار عن النبي ﷺ أنه قرأها وقال: «هَذِهِ لَكُمْ وَقَدْ أُوتِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيدِيكُمْ مِثْلَهَا» (١) يعني قوم موسى. ثم قال: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف: آية ١٥٩] وهذه الأمة لا شك أنها أمَّة ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا﴾، وأنها تهدي بالحق وبه تعدل، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ من حديث معاوية بن أبي سفيان أنه (صلوات الله وسلامه عليه) قال: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلهُمْ أَوْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِي أَمْرُ اللهِ» (٢)
стр. 2162
أو كما قال ﷺ ، وهذا معنى قوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾.
﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ لا معناها: يهدون الناس بالحق، وهو اتباعه ﷺ والعمل بهذا القرآن ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعملون هم في أنفسهم؛ لأن من عمل به عدل وأصاب العدالة وتنحى عن طرف الإفراط والتفريط؛ لأن العدالة هي التوسط بين الأمرين، والتجافي عن طرف الإفراط وطرف التفريط. وهذا معنى قوله: ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
[٢٥/أ] / ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شيء وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَاّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ
стр. 2163
إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف: الآيات ١٨٢ - ١٨٧].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٨٢، ١٨٣].
بيّن الله (جل وعلا) في هذه الآية أنّه يستدرج الكافرين فيغدق عليهم نعمه وهم يصرون على الكفر به، حتى تبطرهم النعم وتتزايد غفلتهم، فيستمروا على ذلك حتى تنتهي آجالهم فيأخذهم الله (جل وعلا) في غفلتهم بعذابه وإهلاكه ثم يصيرون إلى النار.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾: في محل مبتدأ والخبر جملة ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ والتكذيب: الجحود والإنكار.
والآيات: جمع آية وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (١): أن للآية في لغة العرب إطلاقين عربيّين مشهورين، وأنّ لها في القرآن إطلاقين أيضًا.
قال علماء التصريف (٢): التحقيق في الآية أن أصلها: (أَيَيَة)، ووزنها: (فَعَلَة) فهمزها: فاء، وعينها: ياء، ولامها: ياء، والياءان المفتوحتان بعد الهمزة قد اجتمع فيهما موجبا إعلالٍ، والمقرر في فنِّ التصريف: أنّه إنْ اجتمع موجبا إعلال كان الإعلال في الأخير، إلا أنّه ربما وقع الإعلال في الأول كما هنا، فأعلوا الياء الأولى وأبدلوها ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ ولو جرى على الأغلب في اللغة،
стр. 2164
لكان الإعلال في الياء الأخيرة وقيل فيها: (أَيَاه)، وهنا أُعلّت الياء الأولى فأبدلت ألفًا فقيل: آية.
والآية تطلق في اللغة العربية إطلاقين، أشهر إطلاقيها: أنْ تُطلق الآية على العلامة، تقول العرب: آية كذا؛ أي: علامته، ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ أي: علامة ملكه ﴿أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة: آية ٢٤٨] فالآية: العلامة؛ وقد جاء في شعر نابغة ذبيان -وهو جاهلي- تفسير الآية بالعلامة حيث قال (١):
تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لهَا فََعَرَفْتُها ... لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وذَا العَامُ سَابِعُ
ثم بيّن أن مقصوده بالآيات: علامات الدار وآثارها حيث قال (٢):
رَمَادٌ ككُحْلِ العَيْنِ لأْيًا أُبِيْنُه ... ونُؤيٌ كجذمِ الحوضِ أَثْلَمُ خاشعُ
هذا الإطلاق في الآية المشهور.
الإطلاق الثاني: وهو أنّ العرب تطلق الآية وتريد بها الجماعة، يقولون: «جاء بنو فلان بآيتهم» أي: بجماعتهم جميعًا وهو إطلاق معروف في كلام العرب، ومنه قول برج بن مسهر (٣):
خَرَجْنَا من النَّقْبَيْن لَا حَيَّ مِثلنا ... بآيَتِنَا نُزْجِيْ اللقَاحَ المَطَافِلَا
أي: بجماعتنا. فهذان إطلاقا الآية في اللغة.
стр. 2165
والآية في القرآن تطلق إطلاقين: تطلق الآية على الآية الكونية القدريّة، وهي من الآية بمعنى: العلامة، وهي ما نصبه الله (جل وعلا) من آياته جاعلاً لها علامات على كمال قدرته، وأنّه الربُّ وحده، المعبود وحده، كقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ ... ﴾ [آل عمران: آية ١٩٠] أي: لعلامات ودلالات واضحات على أنه الرب المستحق أنْ يُعبد وحده.
الإطلاق الثاني: تطلق الآية في القرآن على الآية الشرعية الدينيّة، كآيات هذا القرآن العظيم، وهو المراد هنا.
والآية الشرعية الدينية قال بعض العلماء: هي من العلامة أيضًا؛ لأنها علامة على صدق من جاء بها، لما تضمّنته من الإعجاز، أو لأن فيها علامات تعرف بها مبادئها ومقاطعها.
وقال بعض أهل العلم: الآية الشرعية من الآية بمعنى الجماعة؛ لأنها جماعة من كلمات القرآن مشتملة على بعض ما اشتمل عليه القرآن من الإعجاز والحلال والحرام والعقائد، وهذا معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ككفار مكة وكلّ مَنْ كَذب بآيات الله ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ هذا وعيد الله. والسين حرف تنفيس، وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ أصله: (نَسْتَفْعِلُهم) ومنه: الاستدراج، والاستدراج: استفعال من الدَّرَجَة، والدرجة: واحدة طبقات السلَّم على أصح الأقوال. والمعنى: أنّه يستنزلهم درجة درجة ومرتبة مرتبة، حتى يدنيهم إلى ما يشاء من إهلاكهم. فالعرب تقول: اسْتَدْرَجَهُ: إذا أَنْزَلَهُ دَرَجَةً درجة إلى أنْ وَصَلَ إِلَى ما يقصده منه، أو استعلاه درجة درجة؛ وهذا معروف في كلام العرب أن
стр. 2166
الاستدراج هو الاستِنْزَال درجة بعد درجة حتى يَصِلَ الإنسان إلى السوء الذي يراد منه؛ لأن الكفار أراد الله (جَل وعلا) أنْ يهلكهم بعذابه المُسْتَأصل ويدخلهم النار لما كذبوا بآياته. فمعنى استدراجه لهم: أنَّهُ يُرْسِلُ عليهم هذه النعمة فيكثر خصب بلادهم وأرزاقهم وعافيتهم، وتلد نساؤهم ذكورًا، وتتزايد عليهم النعم وتتواتر، فعند ذلك يزدادون بطرًا وكفرًا فيقربون من الهلاك درجة، ثم إن الله (جل وعلا) يغدق عليهم نعمًا أخرى فتزيدهم بطرًا إلى بطرهم، وكفرًا إلى كفرهم، وغفلة إلى غفلتهم، فيقربون درجة أخرى إلى هلاكهم، حتى إذا انتهت تلك الدرجات التي يستدنيهم الله فيها لما يريد منهم: جاءهم عذاب الله فأهلكهم وصاروا منه إلى الخلود في النار، كما قال (جل وعلا): ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شيء حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: آية ٤٤] والعرب تعرف الاستدراج في لغتها وأنه تقريب الشَّيْءِ دَرَجَة درجة إلى ما يراد منه، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس (١):
لئنْ كُنتَ في جُبٍّ ثمانينَ قَامةً ... ورُقِّيتَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بسُلَّمِ ...
ليسْتَدْرِجَنْكَ القولُ حتى تَهرَّهُ ... وتَعْلمَ أني عنكُم غير مُفْحَم ...
وتَشْرق بالأمرِ الذي قد أَذَعْتَه ... كما شَرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدَّمِ
ومحل الشاهد منه قوله: «ليستدرجنك القول» أي: لينزلنك درجة درجة حتى ترى ما تكرهه، وهذا معنى قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ أي: سنستدنيهم إلى إهلاكهم بتوافر النعم وتزايدها عليهم ليزدادوا
стр. 2167
بطرًا وغفلة حتى يهلكهم الله وهم في أشدّ الغفلة.
﴿مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وقد قدمنا (١) أنّ (حيث) كلمة تدل على المكان كما تدل (حين) على الزمان، وربما ضُمِّنت معنى الشرط، يجوز في اللغة لا في القراءة تثليث فائها وإبدال (يائها) واوًا كما هو معروف في محلِّه.
﴿مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: من المكان الذي لا يعلمون أنّا سنستدرجهم، بل هم يظنون أن تلك النعم مسابقة لهم في الخيرات، وأنهم ينالون بعد ذلك أحسن منه، كما قال جل وعلا: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: الآيتان ٥٥، ٥٦].
ثم قال جل وعلا: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف: آية ١٨٣] عبّر في الفعل الأول بصيغة الجمع للتعظيم قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ وعبّر في الثاني بهمزة المتكلم ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ ومعنى قوله جل وعلا: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: سأملي لهم، وأصل مادة (أملى): وأملى يملي أصلها من (المَلَاوَة) بالواو، فلام المادة: واو. والمَلَاوَة: الزمن. ومعنى ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾: أُؤَخِّرهم وأمهلهم مَلَاوَة، أي: زمنًا غير قليل كما هو معروف، فالعرب تقول: «أمليت له» و «أملى له»: إذا أخَّره مَلَاوَة من الزمن، فأصل الياء مبدلة من واو، والمَلَاوَة: هي الزمن، ومنه قوله تعالى عن أبي إبراهيم: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: آية ٤٦] أصل إحدى الياءين واو. أي: زمنًا غير قصير. وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول المهلهل يرثي
стр. 2168
أخاه كليبًا (١):
فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجَبَالِ لِفَقْدِهِ ... وَبَكَتْ عَلَيْهِ المُرْمِلاتُ مَلِيَّا
أي: مَلَاوَة من الزمن غير قليلة.
ومن هنا كانت العرب تقول لليل والنهار: المَلَوَانِ، ومنه قول تميم بن مقبل (٢):
أَلَا يا ديَارَ الحيِّ بالسَّبُعَان ... أملَّ عليها بالبِلَى المَلَوَان
وتقول العرب: «مَلَوُ الليل والنهار» معناه: زمن الليل والنهار، ومنه قوله (٣):
نَهارٌ ولَيْلٌ دائِمٌ مَلَواهُما ... على كُلِّ حالِ المَرءِ يَختَلِفَانِ
وتقول العرب: «تمليت العيش» و «تملى فلان العيش» أي: عاش في حياته مَلَاوَة من الزمن، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول الأعلم بن جرادة السعدي -أو شاعر آخر من شعراء تيم، أعني تيم الرباب- قوله (٤):
ألمْ ترَ ما لاقيتُ والدَّهر أعصرٌ ... ومن يَتَمَلَّ العيش يَرْأَى ويسمعُ
فقوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: أُمهلهم وأُؤخرهم ملاوة من الزمن -والملاوة مثلثة الميم- أي: زمنًا غير قصير، وأُنعم عليهم حتى يغتروا بتلك النعم فأُهلكهم وهم في أشد غفلة، هذا معنى:
стр. 2169
﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: «إن الله ليملي للظالم» يعني: يمهله ويؤخره ملاوة من الزمن «حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ (١) [هود: آية ١٠٢].
قوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي﴾ الكيد: في لغة العرب معناه: المكر، وهو أن يكون الفاعل يبطن غير ما يظهر، وسمى الله هذا الاستدراج كيدًا لأن ظاهره إنعام وإغداق نعم وباطنه استدراج يستدنيهم به ويستدرجهم إلى الموت والعذاب الدائم الذي يخلدون فيه، ولذا قال: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: استدراجي لهم بالنعم التي تبطرهم وتزيدهم غفلة وبطرًا وتكبرًا عن قبول آيات الله، حتى يهلكوا وهم في أشد حالة من الحالات كفرًا؛ هذا الكيد كيد الله (جل وعلا) ووصفه بأنه متين، والمتين من كل شيء: القوي الشديد القوة، وكيد الله (جل وعلا): متين، وكيد الله (جل وعلا) من أحسن ما يكون، واقع موقعه، تصرف حكيم خبير، حيث أغدق النعم على هذا الكافر فغفل فأخذه في غرّة وغفلة، وعامله بما يستحقه من كفره، وهذا معنى قوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: آية ١٨٤] قد تكلمنا مرارًا على الواو والفاء وثم إذا جاءت بعد همزة الاستفهام (٢) ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ﴾ يعني: يُعملوا أفكارهم، التفكر: هو أنْ يُعمل الإنسان فكره حتى يدرك حقيقة الشيء.
стр. 2170
﴿مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ﴾ المراد بـ (صاحبهم) نبينا محمد ﷺ و (الجِنَّة) معناه: إصابة الجنون، معناه: أن محمدًا ﷺ ليس بمجنون، فإنهم لو تفكروا وأعملوا أفكارهم وعقولهم علموا أنَّه (صلوات الله وسلامه عليه) بعيد غاية البعد من الجنون، وأنه تام العقل، رصين العقل، يدعو إلى أحسن الطرق وأعظمها وأبينها، فليس به جنة، وهذا معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ﴾ أولم يتفكر هؤلاء الكفار المكذبون الزاعمون أنّ رسول الله ﷺ مجنون. ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ﴾ ويُعملوا أفكارهم ويرجعوا إلى عقولهم فيتحققوا أن صاحبهم ما به من جنة، ليس به جنون، بل هو (صلوات الله وسلامه عليه) بعيد من الجنون تام العقل، رؤوف رحيم بهم، يدعوهم إلى السعادة الأبدية، وصلاح الدنيا والآخرة.
قال بعض العلماء: صعد ﷺ على الصفا ودعا قبائل قريش، فدعاهم فخذًا فخذًا، وحذرهم عذاب الله ونقم الله، وقال واحد منهم: إن هذا لمجنون. فأنزل الله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ﴾ (١). وهذا الجنون الذي رَمَوْهُ بِهِ نفاه الله عنه في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ [القلم: آية ٢] ﴿فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: آية ٢٩] ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ [سبأ: آية ٤٦] فهذا معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (١٨٤)﴾
стр. 2171
[الأعراف: آية ١٨٤] ليس بمجنون صلوات الله وسلامه عليه ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ما هو ﷺ إلا نذير مبين. النذير: فعيل بمعنى (مُفعِل) من الإنذار، والإنذار هو: الإعلام المقترن بتهديد خاصة، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارًا، والنذير بمعنى المُنْذِر، اسم فاعل: أنذره ينذره إذا أعلمه إعلامًا مقترنًا بتهديد وتخويف من الله (١) إذا لم يطع أوامره (جل وعلا). والتحقيق: أن (الفعيل) في لغة العرب يأتي بمعنى (المُفْعِل) وهو موجود في القرآن وفي كلام العرب، فما يحكيه بعض علماء العربية عن الأصمعي من أن (الفعيل) لا يأتي في اللغة بمعنى (المُفْعِل) إن كان ثابتًا عنه فهو غير صحيح (٢).
و (الفَعِيل) في اللغة والقرآن يأتي بمعنى (المُفْعِل) منه: النذير بمعنى المنذر، والأليم بمعنى المؤلم ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم يؤلم وقعه صاحبه -والعياذ بالله- ومنه قول ذي الرمَّة (٣):
ويَرْفَعُ من صُدور شَمَرْدَلَاتٍ ... يَصُكُّ وجُوهَهَا وهَجٌ أَلِيْم
أي: وهج مؤلم.
وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي في مطلع عينيته المشهورة (٤):
أَمِنْ رَيْحَانَة الدَّاعي السَّميع ... يُؤَرِّقُنِي وأَصْحَابي هُجُوعُ
وقوله: «السميع» معناه: المُسمع، ومنه قوله أيضًا فيها (٥):
стр. 2172
وخيلٍ قَدْ دَلَفْتُ لها بخيلٍ ... تحيَّةُ بينهم ضربٌ وَجِيع
أي: ضرب موجع. وهو معروف.
وقوله: ﴿مُّبِينٌ﴾ المبين: اسم فاعل أبان يُبين، قال بعض العلماء: هو من (أبان) المتعدية. وعليه فالمفعول محذوف لعمومه، والمعنى: مُبِين نذارته، مصرح لكم في غاية البيان بما ينذركم الله به ويحذركم منه. وأكثر العلماء على أنّ قوله: ﴿مُّبِينٌ﴾ صفة مشبهة هي الوصف من: (أبان) اللازمة، والعرب تقول: أبان الأمر يبين فهو مبين، لازمة بمعنى: وضح واتضح، وقد قدمنا هذا مرارًا أنّ (أبان) بصيغة (أَفْعَل)، و (بيَّن) بصيغة (فعَّل) كلتاهما تأتي متعدية للمفعول وتأتي لازمة (١)، فإتيان (أبان) متعدية معروف مشهور كقوله: أبان له هذا الأمر، وأبان له حقيقة أمره، كما هو معروف، والعرب تقول: أبان الشيء يبين: إذا ظهر واتضح، غير متعد للمفعول، وهو معنى معروف في كلامها، والصفة المشبهة منه (مبين)، وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي (٢):
لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فوقَ ظاهرِ جِلْدِهَا ... لأَبَانَ من آثارِهِنَّ حُدورُ
يعني: لظهر واتضح وبان من آثار النمل ورم. ومنه قول جرير (٣):
إذا آباؤُنَا وأبوكَ عُدُّوا ... أَبَانَ المُقْرِفَات من العِرَابِ
стр. 2173
أي: ظهرت واتضحت، والمُبين من هذا بمعنى: البين الواضح، ومنه قول كعب بن زهير في (بانت سعاد) (١):
قَنْواءُ في حُرَّتَيْها للبصيرِ بها ... عِتْقٌ مُبينٌ وفي الخَدَّيْنِ تَسْهيلُ
فقوله: «عتقٌ مبينٌ» أي: كرم بيّن ظاهر.
وقد قدّمنا هذا مرارًا. فعلى القول الأول (مبين): أي: مُبَيِّنٌ ما ينذركم ويحذركم به، موضح له بالتفصيل.
وعلى الثاني أنه الصفة المشبهة من: (أبان) اللازمة، فمعنى (مبين): نذير بيّن الإنذار واضحه، لا إشكال في إنذاره، وهذا معنى قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأعراف: آية ١٨٤].
ثم قال جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ... ﴾ [الأعراف: آية ١٨٥] النظر هنا هو النظر بالقلوب والتفكر والتدبر بها؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: آية ٤٦].
والملكوت: مصدر مَلَك يَمْلِك مُلْكًا ومَلَكُوتًا، والواو والتاء زيدتا للمبالغة، فالملكوت: الملك العظيم الهائل، كما دل على عظمه: زيادة الواو والتاء. ومعروف أن (الفَعَلُوت) بزيادة الواو والتاء في المصادر معروف في كلام العرب، كالرَّحَمُوت، والرَّغَبُوت، والرَّهَبُوت، والمَلَكُوت. فالملكوت معناه: المُلْك العظيم ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي: في ملك الله العظيم في السماوات والأرض؛ حيث رفع السماء بغير عمد ترونها وجَعَلَها لا تَتَشَقَّق ولا تَتَفَطَّر ولا تحتاج إلى ترميم. والكفرة الفجرة أبناء
стр. 2174
الكلاب والخنازير الذين يدَّعون أنه ليس فوقنا سماء، وإنما هو فضاء ولا سماء فيه يُكذبون خالق السماوات والأرض لجهلهم وظلام قلوبهم بالكفر، فهي سبع سماوات مبنية وصفها الله بالشدة في قوله: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ [النبأ: آية ١٢] وبيّن أنه بناها بقوّة هائلة ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ [الذاريات: آية ٤٧] وأبعد سمكها ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾ [النازعات: آية ٢٨]، ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (٦) وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ (٨)﴾ [ق: الآيات ٦ - ٨] وهذا معنى قوله: ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.
﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شيء﴾ لفظة (ما) في محل خفض معطوف على المجرور ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وينظروا في ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شيء﴾ في السماوات من النجوم والشمس والقمر، وفي الأرض من البحار والجبال والثمار والمعادن والدواب ونحو ذلك مما يدل على كمال قدرة خالقه (جل وعلا). وأنه الرب المعبود وحده.
ثم قال: وينظروا أيضًا في ﴿وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ (أنْ) هذه هي المخففة من الثقيلة، وإذا كان الفعل بعدها غير متصرف لا تحتاج إلى فصل بينها وبينه. إلى أنه -أي: الأمر والشأن- ﴿عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ وربما استُغني بالمصدر في (أن) وصلتها وصار فاعل (عسى) واستغني به عن غيره.
قوله: ﴿قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: قد دَنَا وقت موتهمْ فيبادرون إلى تدارك ما يرضي الله لئلا يهلكوا.
стр. 2175
وهذه الآية قد استدل بها علماء الأصول على أن صيغة الأمر تدل على الفور لا على التراخي (١)، كما رُوي عن الشافعي ﵀؛ لأن الله أمرهم بالنظر في ملكوته ليستدلوا على أن صانع هذا الكون واحد (جل وعلا)، وأنه المعبود وحده، وأنه يجب أن يُطاع وتُصدق رسله وتُمتثل أوامره. قال: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس: آية ١٠١] ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: آية ١٨٥] وهددهم باحتمال اقتراب آجالهم خوف أن يفاجئهم الموت قبل أن ينظروا فيصيروا إلى النار. ولا شك أن هذه الآية تدل على أن أوامر الله ينبغي أن تكون على الفور وتُمتثل بسرعة؛ لأن الإنسان عسى أن يكون قد اقترب أجله فيخترمه الموت قبل أن يمتثل، فاستدلال علماء الأصول بهذه الآية الكريمة على اقتضاء الأمر الفور استدلال صحيح وواقع موقعه، وقد دلت على ذلك اللغة أيضًا قال علماء العربية: لو قال السيد لعبده: (اسقني ماء). ثم إن العبد توانى وأبطأ فأدبه سيده فليس للعبد أن يقول: صيغة الأمر في قولك: (اسقني ماء) لا تقتضي الفور، وإنما هي على التراخي، وكنت متراخيًا في الامتثال؛ لأن الصيغة كذلك أفادت!! بل اللغة العربية تقتضي الفور كما دلت عليه هذه الآية. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن العظيم مع وضوح أدلته، واتضاح معجزته، وكرامة ما يدعو إليه من توحيد الله ومكارم الأخلاق والأفعال الحسنة، إذا كانوا لمْ يؤمنوا بهذا ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أي: بأي حديث غيره ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إذا لم يؤمنوا