[الأعراف: آية ١٨٤] ليس بمجنون صلوات الله وسلامه عليه ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ما هو ﷺ إلا نذير مبين. النذير: فعيل بمعنى (مُفعِل) من الإنذار، والإنذار هو: الإعلام المقترن بتهديد خاصة، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارًا، والنذير بمعنى المُنْذِر، اسم فاعل: أنذره ينذره إذا أعلمه إعلامًا مقترنًا بتهديد وتخويف من الله (١) إذا لم يطع أوامره (جل وعلا). والتحقيق: أن (الفعيل) في لغة العرب يأتي بمعنى (المُفْعِل) وهو موجود في القرآن وفي كلام العرب، فما يحكيه بعض علماء العربية عن الأصمعي من أن (الفعيل) لا يأتي في اللغة بمعنى (المُفْعِل) إن كان ثابتًا عنه فهو غير صحيح (٢).
و (الفَعِيل) في اللغة والقرآن يأتي بمعنى (المُفْعِل) منه: النذير بمعنى المنذر، والأليم بمعنى المؤلم ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم يؤلم وقعه صاحبه -والعياذ بالله- ومنه قول ذي الرمَّة (٣):
ويَرْفَعُ من صُدور شَمَرْدَلَاتٍ ... يَصُكُّ وجُوهَهَا وهَجٌ أَلِيْم
أي: وهج مؤلم.
وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي في مطلع عينيته المشهورة (٤):
أَمِنْ رَيْحَانَة الدَّاعي السَّميع ... يُؤَرِّقُنِي وأَصْحَابي هُجُوعُ
وقوله: «السميع» معناه: المُسمع، ومنه قوله أيضًا فيها (٥):
стр. 2172
وخيلٍ قَدْ دَلَفْتُ لها بخيلٍ ... تحيَّةُ بينهم ضربٌ وَجِيع
أي: ضرب موجع. وهو معروف.
وقوله: ﴿مُّبِينٌ﴾ المبين: اسم فاعل أبان يُبين، قال بعض العلماء: هو من (أبان) المتعدية. وعليه فالمفعول محذوف لعمومه، والمعنى: مُبِين نذارته، مصرح لكم في غاية البيان بما ينذركم الله به ويحذركم منه. وأكثر العلماء على أنّ قوله: ﴿مُّبِينٌ﴾ صفة مشبهة هي الوصف من: (أبان) اللازمة، والعرب تقول: أبان الأمر يبين فهو مبين، لازمة بمعنى: وضح واتضح، وقد قدمنا هذا مرارًا أنّ (أبان) بصيغة (أَفْعَل)، و (بيَّن) بصيغة (فعَّل) كلتاهما تأتي متعدية للمفعول وتأتي لازمة (١)، فإتيان (أبان) متعدية معروف مشهور كقوله: أبان له هذا الأمر، وأبان له حقيقة أمره، كما هو معروف، والعرب تقول: أبان الشيء يبين: إذا ظهر واتضح، غير متعد للمفعول، وهو معنى معروف في كلامها، والصفة المشبهة منه (مبين)، وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي (٢):
لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فوقَ ظاهرِ جِلْدِهَا ... لأَبَانَ من آثارِهِنَّ حُدورُ
يعني: لظهر واتضح وبان من آثار النمل ورم. ومنه قول جرير (٣):
إذا آباؤُنَا وأبوكَ عُدُّوا ... أَبَانَ المُقْرِفَات من العِرَابِ
стр. 2173
أي: ظهرت واتضحت، والمُبين من هذا بمعنى: البين الواضح، ومنه قول كعب بن زهير في (بانت سعاد) (١):
قَنْواءُ في حُرَّتَيْها للبصيرِ بها ... عِتْقٌ مُبينٌ وفي الخَدَّيْنِ تَسْهيلُ
فقوله: «عتقٌ مبينٌ» أي: كرم بيّن ظاهر.
وقد قدّمنا هذا مرارًا. فعلى القول الأول (مبين): أي: مُبَيِّنٌ ما ينذركم ويحذركم به، موضح له بالتفصيل.
وعلى الثاني أنه الصفة المشبهة من: (أبان) اللازمة، فمعنى (مبين): نذير بيّن الإنذار واضحه، لا إشكال في إنذاره، وهذا معنى قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأعراف: آية ١٨٤].
ثم قال جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ... ﴾ [الأعراف: آية ١٨٥] النظر هنا هو النظر بالقلوب والتفكر والتدبر بها؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: آية ٤٦].
والملكوت: مصدر مَلَك يَمْلِك مُلْكًا ومَلَكُوتًا، والواو والتاء زيدتا للمبالغة، فالملكوت: الملك العظيم الهائل، كما دل على عظمه: زيادة الواو والتاء. ومعروف أن (الفَعَلُوت) بزيادة الواو والتاء في المصادر معروف في كلام العرب، كالرَّحَمُوت، والرَّغَبُوت، والرَّهَبُوت، والمَلَكُوت. فالملكوت معناه: المُلْك العظيم ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي: في ملك الله العظيم في السماوات والأرض؛ حيث رفع السماء بغير عمد ترونها وجَعَلَها لا تَتَشَقَّق ولا تَتَفَطَّر ولا تحتاج إلى ترميم. والكفرة الفجرة أبناء
стр. 2174
الكلاب والخنازير الذين يدَّعون أنه ليس فوقنا سماء، وإنما هو فضاء ولا سماء فيه يُكذبون خالق السماوات والأرض لجهلهم وظلام قلوبهم بالكفر، فهي سبع سماوات مبنية وصفها الله بالشدة في قوله: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ [النبأ: آية ١٢] وبيّن أنه بناها بقوّة هائلة ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ [الذاريات: آية ٤٧] وأبعد سمكها ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾ [النازعات: آية ٢٨]، ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (٦) وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ (٨)﴾ [ق: الآيات ٦ - ٨] وهذا معنى قوله: ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.
﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شيء﴾ لفظة (ما) في محل خفض معطوف على المجرور ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وينظروا في ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شيء﴾ في السماوات من النجوم والشمس والقمر، وفي الأرض من البحار والجبال والثمار والمعادن والدواب ونحو ذلك مما يدل على كمال قدرة خالقه (جل وعلا). وأنه الرب المعبود وحده.
ثم قال: وينظروا أيضًا في ﴿وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ (أنْ) هذه هي المخففة من الثقيلة، وإذا كان الفعل بعدها غير متصرف لا تحتاج إلى فصل بينها وبينه. إلى أنه -أي: الأمر والشأن- ﴿عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ وربما استُغني بالمصدر في (أن) وصلتها وصار فاعل (عسى) واستغني به عن غيره.
قوله: ﴿قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: قد دَنَا وقت موتهمْ فيبادرون إلى تدارك ما يرضي الله لئلا يهلكوا.
стр. 2175
وهذه الآية قد استدل بها علماء الأصول على أن صيغة الأمر تدل على الفور لا على التراخي (١)، كما رُوي عن الشافعي ﵀؛ لأن الله أمرهم بالنظر في ملكوته ليستدلوا على أن صانع هذا الكون واحد (جل وعلا)، وأنه المعبود وحده، وأنه يجب أن يُطاع وتُصدق رسله وتُمتثل أوامره. قال: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس: آية ١٠١] ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: آية ١٨٥] وهددهم باحتمال اقتراب آجالهم خوف أن يفاجئهم الموت قبل أن ينظروا فيصيروا إلى النار. ولا شك أن هذه الآية تدل على أن أوامر الله ينبغي أن تكون على الفور وتُمتثل بسرعة؛ لأن الإنسان عسى أن يكون قد اقترب أجله فيخترمه الموت قبل أن يمتثل، فاستدلال علماء الأصول بهذه الآية الكريمة على اقتضاء الأمر الفور استدلال صحيح وواقع موقعه، وقد دلت على ذلك اللغة أيضًا قال علماء العربية: لو قال السيد لعبده: (اسقني ماء). ثم إن العبد توانى وأبطأ فأدبه سيده فليس للعبد أن يقول: صيغة الأمر في قولك: (اسقني ماء) لا تقتضي الفور، وإنما هي على التراخي، وكنت متراخيًا في الامتثال؛ لأن الصيغة كذلك أفادت!! بل اللغة العربية تقتضي الفور كما دلت عليه هذه الآية. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن العظيم مع وضوح أدلته، واتضاح معجزته، وكرامة ما يدعو إليه من توحيد الله ومكارم الأخلاق والأفعال الحسنة، إذا كانوا لمْ يؤمنوا بهذا ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أي: بأي حديث غيره ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إذا لم يؤمنوا
стр. 2176
بأحق الأحاديث بأن يُؤْمَنَ به، وأن يُصدق، وأن يُعظم، وأن يُعمل به، إذا لم يؤمنوا به فبأي حديث آخر يؤمنون؟! والمعنى: أنَّ مَنْ تَرَكَ الإيمان بما هو أحق شيء بأن يُؤْمَن به لا يؤمن بشيء أبدًا؛ إذ لو كانوا يؤمنون بشيء لآمنوا بهذا القرآن. فهو أسلوب عربي معروف، إذا كان الشيء أولى من غيره بالمسألة يُقال: فبأي شيء بعد هذا تفعل؟ إذا لمْ تفعله بأحق شيء فبأي شيء غيره تفعل؟! كما هو معروف في كلام العرب، ومن هذا المعنى قول الأعشى (١):
صَدَّتْ هُريرةُ عنَّا ما تُكلمُنا ... جَهْلاً بأُمّ خُليدٍ حَبْلَ مَنْ تَصِلُ
يعني: إذا لم تصل حبالنا ونحن أكرم الناس وأحقها بوصل الحبال فمن تصل حبله بعدنا؟! وهذا أسلوب عربي معروف.
والله (جل وعلا) قد سمى كتابه حديثًا؛ لأنه كلام رب العالمين ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [الزمر: آية ٢٣] ولذا قال هنا: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٨٥].
ثم قال: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ (مَنْ) شرطية، ويضلله الله: يصرف إرادته وقدرته بإرادته وقدرته إلى طريق النار عن طريق الجنة والعياذ بالله.
﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: آية ١٨٦] ليس أحد يهديه بعد الله ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شيئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: آية ٤١] ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ [النحل: آية ٣٧] ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: آية ٥٦] فَمَنْ هداه الله لا مضل له، ومن أضله الله
стр. 2177
لا هادي له. وهذا معنى قوله: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾.
في هذا الحرف ثلاث قراءات سَبْعِيَّة متواترة عن النبي ﷺ كلها صحيح لا نزاع فيها (١): قرأه نافع وابن كثير وابن عامر: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (بالنون) وصيغة الجمع يُراد بها التعظيم، عظَّم الله نفسه. وقرأه من السبعة: أبو عمرو، وعاصم في رواية حفص وشعبة: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ بياء الغيبة وضمّ الراء. وقرأه حمزة، والكسائي من الكوفيين: ﴿ويَذَرْهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وهذ الفعل المضارع معطوف على جزاء الشرط الذي هو قوله: ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ والمقرَّر في علم العربيَّة -كما هو مشهور في العربية- أنّ كل فعل عُطف على جزاء الشرط بفاء أو واو ففيه ثلاث لغات (٢): يجوز فيه: الرفع، ويجوز فيه: الجزم، ويجوز فيه: النصب. فكلّه جائز، ولغات عربيّة معروفة، وقراءات صحيحة معروفة؛ لأنّ ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ جزاء الشرط، وجزاء الشرط في محل جزم، فقراءة حمزة والكسائي جزموا ﴿ويذرْهم﴾ لأنه معطوف على جزاء الشرط وأصله مجزوم؛ والذين رفعوه لغة فصيحة وقراءة صحيحة (٣). وأما النصب: فهو لغة فصيحة، ولكنّه لم يقرأ به أحد من السبعة مع أنه لغة.
و (الطغيان) في لغة العرب (٤): مجاوزة الحدّ؛ وهو مصدر:
стр. 2178
طَغَى يَطْغَى: إذا جَاوَزَ حَدَّهُ، زيدت في مَصْدَرِهِ الألف والنون كما زيدتا في: (الكفران) و (الرّجْحَان) وطغَى الشَّيْء: إذا جَاوَزَ حَدَّهُ، ومنه قوله: ﴿إِِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ [الحاقة: آية ١١] أي: جاوز الحدود التي يبلغها الماء عادة.
وقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ قال بعض علماء العربية: (العَمَى) بالألف يُطلق على عمى العين وعمى القلب، أما (العَمَه) بالهاء فلا يُطلق إلاّ على عمى القلب خاصة (١). فمعنى ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يَتَرَدَّدُونَ حائِرِين لا يعرفون حقًّا من باطل، ولا حسنًا من قبيح، ولا ضلالاً من هدى لعمي قلوبهم -والعياذ بالله- ومن تركه الله يَتَرَدَّدُ في ضَلالته ولم يهده فهو الضال -والعياذ بالله- وهذا معنى قوله: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٨٦].
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَاّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف: آية ١٨٧].
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ الساعة: القيامة، غلب عليها ذكر هذا اللفظ مع أن الساعة أصلها تطلق على كل وقت من الزمن. والتغليب -بأن يغلب الشيء العام على بعض ما يُراد به- أسلوب عربي معروف، كإطلاق العرب النجم على الثريا، مع أنه لكل نَجْم ونحو ذلك.
والذين سألوه: قال بعض العلماء (٢): هم كفار مكة. وقال
стр. 2179
بعض العلماء: نفر من اليهود، ولا مَانِعَ مِنْ أن يكون كلٌّ منهم سألوه عنها. ولا شك أن كفار مكة كانوا يسألونه عن الساعة وينكرون مجيئها ويزعمون أنها لا تأتي، كما في قوله: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: آية ٦٣] وبيّن أَنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ يستعجلون بها إنكارًا منهم لها، كما في قوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾ [الشورى: آية ١٨] سواء قلنا: إن السائلين عنها كفار مكة أو اليهود.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (أيان): ظرف زمان بمعنى (متى) (١). قال ابن جني: وزنه (فَعلان) أصله من «أيَّ» أي وقت يكون فيه هذا؟ فزيد فيه الألف والنون وبُني على الفتح لشبهه بالحرف الشبه المعنوي، كما هو معروف في محلِّه.
وعلى كل حال فـ (أيان) سؤال عن زمن، فهي من ظروف الزمان بمعنى (متى) وربما ضُمِّنت معنى الشرط فجزمت فعلين.
وقوله: ﴿مُرْسَاهَا﴾ المُرْسَى: اسم زمان، والمعنى: في أي وقت يكون زمان رُسُوِّها، أي: وجودها وثبوتها. وقد تَقَرَّر في علم التصريف: أن كل فِعْل زاد ماضيه على ثلاثة حروف من الرباعي فصاعدًا أنه يستوي وزن مصدره الميمي، واسم مكانه، واسم زمانه، وكلها بصيغة اسم المفعول، كما هو مقرر في محله مشهور (٢).
стр. 2180
فالمُرْسى هنا وزنه: (مُفْعَل) بصيغة المفعول، والألف في آخره أصلها مبدلة من واو، والمقرَّر في علم التصريف: أن كل ألف مبدلة من واو إذا كانت متطرِّفة رابعة فصاعدًا أنها تُقلب ياءً بقياس مُطَّرِد في جميع اللغة العربية (١). فالمُرْسى وزنه: (مُفْعَل) (٢) بصيغة اسم المفعول، وهو اسم زمان، والفعل إذا زاد ماضيه على ثلاثة كان اسم زمانه واسم مكانه ومصدره الميمي كلها بوزن اسم المفعول كما هو معروف مُقَرَّرٌ في محلّه (٣).
ومعنى: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ في أي وقت يكون رُسُوّها؟ أي: ثبوتها ووجودها بالفعل قائمة. وهذا سؤال منهم عن الوقت الذي يَتَحَقَّق فيه وجود الساعة. ﴿قُلْ﴾ لهم يا نبي الله: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ قد تَقَرَّرَ في فن الأصول في مباحث دليل الخطاب (٤) -أعني مفهوم المخالفة- وفي فن المعاني -في مبحث القصر- أن (إنّما) من صيغ [الحصر، فهي كالنفي] (٥) والإثبات. وهو الصحيح -إن شاء الله- من كلام العلماء، والدليل عليه: أن (إنّما) توضع مكان النفي والإثبات، فدل ذلك على أنها صيغة حصر؛ لأن أعظم صيغ الحصر: النفي والإثبات، كقوله: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَاّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾ [الصافات: آية ٣٩] ووضع موضعه في محل آخر: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: آية ١٦] ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَاّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
стр. 2181
[المائدة: آية ٧٣] ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: آية ١٧١] وهذا يدل على أن (إنما) أداة حصر، وهو التحقيق إن شاء الله.
﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ يُحصر علمها في خالق السَّمَاوات والأرض، لا يعلم وقت مجيئها لا رسول مرسل ولا ملك مقرب، ولا يعلمه إلَاّ الله. وهذا معنى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ أي: خالقي ومدبر شؤوني استأثر به عن خلقه. وقد قدمنا أنه ثبت في صحيح البخاري وغيره تفسير النبي ﷺ قوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ﴾ [الأنعام: آية ٥٩] بأنها الخمس المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ الآية (١) [لقمان: آية ٣٤].
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ أي: علم وقت رسوها ومجيئها وثبوتها عند ربي وحده لا يعلمه أحد من خلقه؛ لأنه لم يطلع عليه أحدًا من خلقه.
﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَاّ هُوَ﴾ يجليها مضارع جلَاّها. والعرب تقول: جَلَّى الأمر يُجَلِّيه: إذا أظْهَرَهُ وأبْرَزَهُ وبَيَّنَهُ. ﴿لَا يُجَلِّيهَا﴾ أي: لا يظهرها ويبرزها ويُوجِدُها بالفعل في وقتها إلا هو (٢). قال بعض العلماء: اللام للتوقيت، فهي بمعنى الفاء. أي: لا يظهرها في وقتها المقدر لها إلا هو وحده، فلا يعلم غيره وقتها. والعرب ربما جاءت باللام بمعنى في. يقولون: وقع هذا الأمر لثلاث من الشهر الفلاني: أي: في تاريخ ثلاث.
стр. 2182
وقال بعض العلماء: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا﴾ أي: لا يُظهر حقيقة خبرها ويكشف عن مكان وقتها بالتحقيق إلا هو وحده جل وعلا.
ثم قال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ اختلف العلماء في معنى ثقلها في السماوات والأرض على قولين (١): قال بعض العلماء: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ خفيت عليهم فثقل عليهم خفاؤها؛ لأن كل شيء خفي على الإنسان ولمْ يعلمه ثقُل عليه. وهذا الوجه وإن كان ليس قريبًا من الظاهر هو الذي اختاره كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري ﵀، واستدل على اخْتِيَارِهِ له بأن ما بَعْدَهُ مِنَ الْكَلامِ وما قبله كله في معرض علم الساعة؛ لأن قَبْلَهُ: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ وبعده: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَاّ بَغْتَةً﴾ فاختار أن المراد بقوله: ﴿ثَقُلَتْ﴾ أي: خفي علمها وثقل على الناس جَهْلُهَا.
وقال بعض العلماء: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي: كبرت الساعة وعظمت على أهل السماوات والأرض؛ لأنَّ ما فيها من الأهوال والأوجال يصعب على جميع الخلائق. وهذا أقرب.
وقال بعض العلماء: لا تطيقها السماوات والأرض؛ لأن السماوات تعجز عن حملها فتتشقق، وتتناثر النجوم، وتُلَفُّ الشمس، ويُخسف القمر، وأن الأرض تُرفع جبالها، وتُبدل الأرض غير الأرض فلا تطيقها السماوات والأرض وأنها تعظم وتثقل وتكبر على أهلها لشدة ما فيها من عظم الأهوال والأوجال. ولا شك أن الشيء الذي يدك الجبال؛ تُنزع الجبال من أماكنها، وتُسَيَّر بين السَّمَاءِ والأرْضِ، ثم تُفَتَّت وتطحن؛ لأن الله (جل وعلا) ذكر تغيير نظام هذا
стр. 2183
العالم، فبين في ذلك اليوم أَنَّ الجِبَال تُنزع من الأرض وتُطَيَّر بين السماء والأرض، وهو قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ [النبأ: آية ٢٠] وقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: آية ٤٧] وقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ أي: في ذلك اليوم بعد أن تُنزع من الأرض وتُسير بين السماء والأرض.
وما يزعمه بعض من لا علم له بأن ذلك في دار الدنيا، وأن الجبال سائرة في دورة الأرض، فهو تحريف لكتاب الله وتفسير له بغير معناه، وصاحبه سلخ آخر الآية من أولها؛ لأن أول الآية: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ﴾ ثم قال: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [النمل: الآيتان ٨٧، ٨٨] أي: ويوم ينفخ في الصور فيفزع من في السماوات والأرض ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ في ذلك اليوم ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ﴾ [النمل: آية ٨٨] ومرورها ذلك اليوم هو سيرها المعبَّر عنه بقوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ [النبأ: آية ٢٠] وقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: آية ٤٧] ثم إنّ رب السماوات والأرض يطحن تلك الجبال بقوته، فقساوة الجبال وشدتها عنده لا شيء لعظمته وكمال قدرته فيطحنها (جل وعلا) ويفتتها؛ وبعد تفتيتها مرّة شُبهت بالبسيسة - والبسيسة: دقيق ملتوت بسمن - وهو قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ [الواقعة: آية ٥] أي: فُتت حتى صارت كالبسيسة. وتارة شبهها في لينها وانتزاع القسوة منها بالعهن المنفوش، كقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [القارعة: آية ٥]. وتارة شبّهها بالرمل الليّن المتهايل في قوله: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلاً﴾ [المزمل: آية ١٤]. ثم إن الله (جل وعلا) يصيرها في آخر أمرها سرابًا كما قال: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ
стр. 2184
سَرَابًا (٢٠)﴾ والسراب يقرب معناه من الهباء المنبث، فهذا معنى قوله: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وما كان هكذا: يفتت الجبال، ويزعزع الأرض لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، وتتشقق فيه السماء، وتتناثر النجوم، ويسقط الشمس والقمر، وتفجّر البحار بعضها مع بعض فلا يخفى ثقل هذا اليوم على أهل السماوات والأرض لشدّة أهواله وأوجاله.
وقوله: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَاّ بَغْتَةً﴾ حكم الله (جل وعلا) أنّ القيامة لا تقوم على الناس إلا بغتة، أي: في حال كونها باغتة لهم، أي: مفاجئة لهم، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي ﷺ : أن الساعة تقوم على الناس وهم في أشغالهم، الرجل منصرف بلبن لقحته فتقوم الساعة قبل أن يشربه، والرجلان يتبايعان ثوبهما فتقوم الساعة قبل أن يتبايعا، والرجل يصلح حوضه ليسقي فيه فتقوم الساعة قبل أن يصلحه، وهكذا. وقد يذهب الرجل ليأتي أهله بحاجة من السوق فتقوم الساعة ولا يقدر على أن يوادعهم ولا أن يوادعوه، كما قال جل وعلا: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ [يس: آية ٥٠] فهي تفاجئ الناس وهم في أشدِّ غفلة، فتأتيهم فتهلكهم جميعًا، وهذا معنى قوله: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَاّ بَغْتَةً﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ في قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ وجهان من التفسير (١):
أحدهما: أن الحفيَّ هو من الحفاوة، والحفاوة: الكرامة، تقول: فلان حفيٌّ بي. أي: أنا كريم عليه، ولقيت منه حفاوة. أي:
стр. 2185
كرامة ولطفًا. ومنه قول إبراهيم: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: آية ٤٧] والذين ذكروا هذا القول زعموا أن كفار مكة قالوا للنبي ﷺ : ليس منا فخذ إلا بينك وبينها قرابة؛ فلأجل القرابة التي بيننا وبينك أَسِرّ لنا الوقت الذي تقوم فيه القيامة، أَسِرَّهُ إلينا عن الناس. فأنزل الله الآية (١). وعلى هذا القول ففي الآية تقديم وتأخير ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ عنها، عن وقت رُسُوِّها ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ وكأنك صديق لهم وقريب لهم لتخبرهم بما لم تخبر به الناس. هذا القول قاله جماعة من العلماء. وأظهر القولين: أن المراد بالحفيّ هنا: الذي يستحفي السؤال ويتقصيه (٢)، العرب تقول: فلان يستحفي السؤال، معناها: يبالغ في السؤال عن الأمر ويتقصاه حتى يعلم حقيقته. يعني: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ أي: مبالِغ في تقصّي أخبارها ممن عنده خبرها حتى تحققت جميع أخبارها والأمر بخلاف ذلك. والعرب تقول: فلان حفيّ: أي: كثير السؤال عن هذا الشيء، يتقصَّى السؤال عنه حتى يعرفه، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى (٣):
فإنْ تسْأَلي عَنِّي فيا رُبَّ سَائِلٍ ... حَفيٍّ عن الأَعشَى به حيثُ أَصْعَدَا
والوجهان متقاربان، والأخير أقرب. وهذا معنى قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾.
﴿قُلْ﴾ لهم يا نبي الله ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ كَرَّرَ ردَّ علمها إلى الله ليُعْلِم الخلق أنها لا يعلمها إلا الله.
стр. 2186
وقال بعض العلماء: العِلْمَان ليسا شيئًا واحدًا - أعني قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ - قال بعض العلماء (١): أحد العلمين: عِلْم عِظمها وفظاعتها، فلا يُعلمُ قدرها إلَاّ من يجليها لوقتها. [العلم] (٢) الثاني: علم وقت مجيئها بالتعيين. والظاهر أنه توكيد، والتوكيد أسلوب عربيٌّ معروف ﴿كَلَاّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَاّ سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾ [النبأ: الآيتان ٤، ٥] وما جرى مجرى ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن الله (جل وعلا) استأثر بعلمها فهو (تعالى) مستأثر بعلمها كما صرح به في آيات متعددة كقوله هنا: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ وقوله في سورة الأحزاب: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: آية ٦٣] وقوله في النازعات: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا (٤٤)﴾ [النازعات: الآيات ٤٢ - ٤٤] وقد ثبت في الصحيح في حديث جبريل لما أتى النبي ﷺ في صورة أعرابي وسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان، قال له: أخبرني عن الساعة. قال ﷺ : «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» (٣). يعني لا نعلمها أنا ولا أنت؛ لأن الله استأثر بعلمها، والله (جل وعلا) استأثر بعلمها لمْ يُطلع عليه نبيًّا مرسلاً ولا مَلَكًا مُقَرَّبًا.
[٢٥/ب] / ﴿قُل لَاّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَاّ مَا شَاء اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلَاّ نَذِيرٌ وَبَشير لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا
стр. 2187
تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ [الأعراف: الآيات ١٨٨ - ١٩٠].
يقول الله جل وعلا: ﴿قُل لَاّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَاّ مَا شَاء اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلَاّ نَذِيرٌ وَبَشير لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: آية ١٨٨].
أمر الله (جل وعلا) نبيه في هذه الآية الكريمة أن يقول معلنًا لجميع الناس إنه (صلوات الله وسلامه عليه) وهو أفضل خلق الله وأكْرَمهم على الله أنه لا يملك لنفسه نفعًا يَجْلِبُهُ إِلَيْهَا، ولا ضرًّا يدفعه عنها. فالكلام على حذف مُضَافٍ دَلَّ المُقام عليْهِ ﴿نَفْعًا﴾ أي: جلب نفع لنفسي أَنْتَفِعُ بِهِ. وقوله: ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ أي: دَفْع ضرٍّ عن نفسي.
﴿إِلَاّ مَا شَاء اللَّهُ﴾ خالقي (جل وعلا) أن يملكني إيَّاه ويعينني عليه ويقوِّيني عليه فإني أملكه بمعونة الله وقدرته ومشيئته، وهذه عادة الرُّسُلِ الكِرَامِ (صلوات الله عليهم)، يُبَيِّنُونَ لِلْخَلْقِ أَنَّ النَّافِعَ والضَّارَّ هو خالق السماوات والأرض (جل وعلا) ليُوَجه الخلقُ إليه جميع رغباتهم ورهَباتهم، وأولى الناس بهذا الرسل (صلوات الله وسلامه عليهم) وأتباعهم فإنهم يوجهون جميع رغباتهم ورهباتهم إلى مَنْ بِيَدِهِ النَّفْع والضّر لينفعهم ويدفع عنهم الضّر، وهذا معنى قوله: ﴿قُل لَاّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَاّ مَا شَاء اللَّهُ﴾ أي: ولا أعلم الغيب أيضًا. كما أمره أن يعلن ذلك ويقوله في سورة الأنعام في قوله مخاطبًا لنبينا ﷺ : ﴿قُل لَاّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ... ﴾ الآية [الأنعام: آية ٥٠]. فأول رسول بعثه الله لأهل الأرض بعد أن كفروا هو نوح (عليه وعلى نبينا الصلاة
стр. 2188
والسلام)، أمره الله أن يقول هذا: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [هود: آية ٣١] وآخِرُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ وَخَتَم به الأنبياء: نبيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ أمره أيضًا بذلك حيث قال له في الأنعام: ﴿قُل لَاّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: آية ٥٠] وقوله هنا، كأنه قال: ولا أعلم الغيب ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ اعلموا أولاً أن قول جماعة من المفسرين أن معنى: ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ أي: من العمل الصالح قول لا شك في أنه ليس بصحيح؛ لأنه ﷺ مُسْتَكْثِرٌ مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ على كل حال، وعمله ديمة (صلوات الله عليه وسلامه).
وفي الآية للمفسرين أقوال معروفة (١)، التحقيق إن شاء الله فيها أن معنى قوله: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف: آية ١٨٨]، من المال ومن غير المال؛ لأنَّ مَنْ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ يعلم الأسباب التي تستوجب الأمراض فيتقيها فيبقى صحيحًا، ويعلم أوقات الغيب التي يأتي الله فيها بالربح والغلاء والرخص فيدخر للغلاء عدته وللرخص عدته، ويعلم الغيب فيما إذا باع هذا أنه يربح وإذا اشترى هذا أنه يخسر، إلى غير ذلك، فهو دائمًا يستكثر من الخير؛ لأن الناس إنما يُغبنون فيشترون شيئًا يخسرون فيه، أو يفعلون فعلاً يضرهم، أو يكون سببًا لمرضهم إنما ذلك من عدم علمهم بالغيب. أمَّا من يعلم الغيب ويعلم ما يكون فإنه إذا اشترى هذه السلعة هو عالم هل يربح منها أو يخسر فيها، فلا يخسر أبدًا، وكذلك يعلم إذا اشترى المواشي والرقيق أن هذا يموت بسرعة وهذا يعيش كثيرًا، وأنه إن
стр. 2189
فعل كذا أصابه المرض، فتجنب أسباب الغبن، وأسباب الأمراض، وصار لا يعمل إلَاّ ما فيه خير له لاطلاعه على عواقب الأمور، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ معطوف على جواب (لو) فهو في معنى جواب (لو) أي: ولو كنت أعلم الغيب ما مسني السوء؛ لأَنَّ مَنْ يَعْلَمُ الغَيْبَ ويعلم متى يأتيه السوء وما سببه يتجنب أسباب السوء من أوَّل، فلا يصل إليه السوء، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ فهو أعم من المال كما بيّنا.
﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلَاّ نَذِيرٌ وَبَشير﴾ يعني: ما أنا مالك لنفسي النفع ولا الضر، ولا أنا عالم بالغيب، كل ذلك إلى ربي، ولكني رسول من رب العالمين أُنذر من عصى الله بعقابه، وأُبشر من أطاع الله برضوانه وجنته، كما قال هنا: ﴿إِنْ أَنَاْ إِلَاّ نَذِيرٌ وَبَشير لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٨٨] (إن) هنا هي النافية، والمعنى: ما أنا. وهذا القصر قصر إضافي ﴿إِلَاّ نَذِيرٌ﴾ قد قَدَّمْنَا (١) أن النذير بمعنى المنذر، وأن الإِنْذَار هو الإعلام المقترن بتهديد، فكل إنذار إعلام وليس كل إعلام إنذارًا. ومعنى: (نذير) أي: منذر لمن عصى ربي وكفر به بالنار ﴿وَبَشير﴾ أي: مبشر للمؤمنين بالجنة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا (٩٧)﴾ [مريم: آية ٩٧] ونحو ذلك من الآيات.
والبشارة في لغة العرب أكثر ما تطلق على الإخبار بما يسرّ، فَبَشَّرَه وبَشَرَه معناه: أخْبَرَهُ بما يسره. قال بعض العلماء: قيل لها
стр. 2190
بشارة؛ لأن السرور تظهر به حركة الدم فيظهر على بشرة الوجه آثار السرور، وربما أطلقت العرب البشارة على الإخبار بما يسوء، والظاهر أن إطلاق العرب البشارة على الإخبار بما يسوء أسلوب عربي معروف، فما هو مقرر في علم البلاغة (١): أن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء أنَّه مِنْ نَوْعِ الاسْتِعَارَة التي يُسمونها بالعنادية (٢) -ويقسمونها إلى تهكمية وتمليحية- الظاهر أن كل ذلك لا حاجة إليه وإن أطبق عليه المتأخرون؛ لأنها أساليب عربية نَطَقَتْ بِهَا العَرَبُ ونَزَلَ بِهَا القُرْآنُ.
والعَرَبُ تطلق البشارة على الإخبار بما يسوء، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾ [الجاثية: الآيتان ٧، ٨] وإطلاق البشارة على ما يسوء إطلاق معروف، وأسلوب عربي معروفٌ تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ في لُغَتِهَا، ونزل به القُرْآن، ومنه في كلام العرب قوله (٣):
يُبَشِّرُني الغُرابُ بِبَيْنِ أَهْلِي ... فقُلت لهُ ثكِلْتُكَ مِنْ بَشِيرِ
وقول الآخر (٤):
وبَشَّرْتني يا سَعْدُ أَنَّ أَحِبَّتي ... جَفَوْنِي وقالوا: الودُّ مَوْعِدُهُ الحَشْرُ
هذا إخبار بما يسوء، وهذا معنى قوله: ﴿إِنْ أَنَاْ إِلَاّ نَذِيرٌ وَبَشير لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٨٨].
стр. 2191
الظاهر أنه (جل وعلا) في هذه الآية خص النذارة والبشارة بخصوص المؤْمِنِينَ؛ لأنهم هم المنتفعون بها، [لأن غير المنتفع بها هي في شأنه كلا شيء. ونظير الآية من القرآن: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: آية ٤٥] مع أنه تذكير للأسود والأحمر، ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: آية ١١] وهو منذر للأسود والأحمر، ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾ [فاطر: آية ١١٨] وهو منذر للأسود والأحمر. أي: بأنهم هم المنتفعون.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ فالنفس الواحدة هي آدم ﵇، وزوجها حواء. و (جعل) تأتي في كلام العرب على أربعة أنحاء، ثلاثة منها في القرآن، والرابع موجود في لغة العرب وليس في القرآن، وهذه المعاني هي:
الأول: (جعل) بمعنى اعْتَقَدَ. وهي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: آية ١٩] أي: اعتقدوا الملائكة إناثًا.
الثاني: (جعل) بمعنى (صَيَّرَ) ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ ... أي: صيرنا شياطين الإنس والجن عدوًّا لكل نبي. وهي أيضًا ... ] (١) تنصب المبتدأ والخبر أيضًا.
стр. 2192
الثالث: جعل بمعنى (خَلَقَ) (١) ومنه قوله: ﴿الْحَمْدُ لله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: آية ١] أي: خلق الظلمات والنور، بدليل قوله: ﴿خَلَقَ﴾ قبله.
والظاهر أن هذا المعنى هو الذي منه قوله: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: آية ١٨٩] أي: وخلق منها زوجها. وخير ما يُفسر به القرآن القرآن، وقد بينت آية النساء أن (جَعَل) هنا في سورة الأعراف وفي سورة الزمر معناها (خلق) لأن الله قال في أول سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء﴾ [النساء: آية ١] فقوله في النساء: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ دليل قرآنِي على أن قَوْلَهُ في الأعراف: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وقوله في الزمر: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: آية ٦] أن (جعل) فيهما بمعنى (خلق) وهذا هو الأظهر لدلالة القرآن عليه (٢).
وقوله: ﴿زَوْجَهَا﴾ يعني: حواء، وقد قدمنا (٣) أن امرأة الرجل يُقال لها: (زوجُه) بلا تاء، وهذه هي اللغة الفصحى، وهي لغة القرآن، وشذ قَوْمٌ مِنْ عُلَمَاءِ العَرَبِيَّة فزعموا أن الزوجة بالتاء لحْن، وأنها من كلام الفقهاء المَلْحُون، والتحقيق أن (الزوجة) بالتاء -لامرأة الرجل- أنها لغة لا لحن، إلَاّ أن اللغة المشهورة الفُصْحى أن تقول لامرأة الرجل: هذه زَوجُه. ولو قلت: هذه زوجته.
стр. 2193
لكانت لغة، ولم يكن لحنًا، خلافًا لما ذكره بعض علماء العربية. ومن إطلاق الزوجة بالتاء على امرأة الرجل في كلام العرب. قول الفرزدق، وهو عربيٌ فصيح (١):
وَإِنَّ الَّذِي يَسْعَى ليُفْسِدَ زَوْجَتِي ... كَسَاعٍ إلى أُسْد الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا
وقول الحماسي (٢):
فَبَكَى بَنَاتِي شَجْوَهُنَّ وزَوجَتي ... والظَّاعنُونَ إليَّ ثم تَصَدَّعُواْ
وفي صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي ﷺ قال في صَفِيَّة: «إنها زوجَتِي» (٣) على القول بأن الحديث يُستدل بألفاظه في العَرَبِيَّة. فقوله: ﴿جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: خلق من هذه النفس الواحدة التي هي آدم زوجها، أي: امرأة آدم، التي هي الأم حواء. وقد بيّن (جل وعلا) أنه خلق حواء مِنْ آدَمَ في ثلاث آيات من كتابه: الأولى قد قَدَّمْنَاهَا في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء﴾ [النساء: آية ١] وقال هنا في الأعراف: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني حواء. وقال في الزمر: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: آية ٦] فهذه الآيات الثلاث لها شأن عظيم، وخطب
стр. 2194
جليل، وإشارات إلى أمور عظيمة، سنُلِمُّ بأطْرَافِهَا بعض الإلمام، فاعلموا أيها الإخوان أن هذا القرآن العظيم هو كَلَام رَبِّ العَالمين ونوره المبين الذي أنْزَلَهُ على خَلْقِهِ ليستضيئوا بنوره، وقد يشير إلى جميع الأشياء ولا تكون في الدنيا مشكلة إلا أشار لها، وهذه الآيات الثلاث تضمنت حِكَمًا لا بد من الإلمام بها والتنبه لها، كما على المسلمين أن يَتَفَهَّمُوا ذلك.
اعلموا أن الله في هذه الآيات الثلاث من كتابه في سورة النساء، وفي سورة الأعراف، وفي سورة الزمر بيَّن أنَّهُ خَلق المرأة الأولى -التي هي مبدأ نشأة إيجاد النساء خلقها- مِنْ ضلع الرجل الأول؛ لتعلموا بذلك أن ابتداء نشأة الأنثى ومبدأ خلقها أنها لم تُخلق مستقلة في الوجود عن الرجل، بل خُلقت في أصل نشأتها الأولى التي أنشأها الله عليها وجودها تابع لوجود الرجل، ومستندة في وجودها على وجوده. وهذا الأمر أمر كوني قدري جبل الله عليه إيجاد الأنثى حيث أوجدها، وهذا الأمر الكوني القدري تحته لوازم عظيمة من عدم مساواة الرجل والأنثى في عشرات الميادين لعدم مساواتهما في النشأة الأولى والإيجاد الأول، فالرجل وُجد ونشأ أولاً مستقِلاً بوجوده عنها، لمْ يتوقف وجوده على وجودها، وهي في نشأتها الأولى وإيجادها الأول أُنشئت جزءًا منه، وجودها تابع لوجوده مستند إليه.
ولوازم هذه المسألة الكونية القدرية لمْ يهملها رب السماوات والأرض لأنه الحكيم الخبير، فَتَحْتَ هذا الإيجاد الأول لوازم تابعة له كثيرة قد جاءت مبينة في الحس والعقل والشرع الكريم، نُلم بشيء منها، وبهذا تعلمون أن ملاحدة الإفرنج الكفرة وأتباعهم من
стр. 2195
الخفافيش الذين يزعمون أنهم مسلمون، الذين يقولون: (إن الأُنثى كالرجل في جميع الميادين) يكذبون أولاً في النشأة الأولى والإيجاد الأول، فإنهما عندما أراد الله إيجادهما لمْ يبدأ إيجادهما بالتسوية، بل جعله إيجادًا متفاوتًا متباينًا، فجعل إيجاد هذا مستقلاًّ عن هذا، وجعل إيجاد هذا تابعًا لإيجاد هذا ومستندًا إليه، وهذا التبع الذي هو منشأ الأمر وأصله له لوازم رعاها الشرع (جل وعلا) ورعاها الحسّ والعادة، وهي أمور سنبيّن أطرافًا منها ليعلم الناس أن ما قدَّره الله في كونه وأزله أنه قد يُراعه في شرعه، وأَنَّ مَنْ يُريدُ أنْ يُغالب قدر الله هو المغْلُوب؛ فَالله (جل وعلا) هو خالق هذا الكون، وهو المتصرِّف فيه بما شاء، وهو المميز بين أجْزَائِهِ، والمخالف بين أنْوَاعِه، وما خالف الله بينه منها لا يمكن أحدًا أن يماثله، ومن أراد أن يماثله فإنه مغلوب عاجز لا محالة، كما قال كعب بن مالك في قريش (١):
زعمتْ سَخِينَةُ أن ستغلب ربها ... فليُغلبنَّ مُغالب الغَلَاّبِ
فمن لوازم كون المرأة تابعٌ وجودها لوجود الرجل، ومستند عليه، ليس مستقلاً له: أنه كان الطلاق بيد الرجل لا بيد المرأة، ونسبة الأولاد إلى الرَّجُل لا إلى المرأة، والرجل يُفضل في الميراث على المرأة، والرجل يجمع بين امرأتين وثلاث وأربع، والمرأة لا تجمع بين رجلين ولا ثلاثة، إلى غير ذلك من الفوارق الشرعية، وهي حسية عقلية مستندة إلى فوارق كَوْنِيَّة قدرية جبل الله عليها
стр. 2196
الجميع عندما أراد إيجادَهُ، وَسَنُلِمّ ببعض الأطراف من هذا ليظهر للناس خِزْيُ فَلْسَفَة هؤلاء المتفلْسِفين الكفرة الفجرة ومن قَلَّدَهُم من الخفافيش التي أعمت أنوار القرآن أبصارها.
خَفَافيشُ أعماها النهارُ بضَوئِهِ ... ووافَقَهَا قِطْعٌ من الليلِ مُظْلمُ (١)
يقولون مثلاً: لِمَ كان الطلاق بيد الرجل؟ ولِمَ لمْ يؤخذ رأي المرأة فيه؟ وهذا ظلم من شرع الإسلام للمرأة؛ لأن ابتداء العقد أولاً لمْ يقع حتى أُخذ رأيها فيه وأُخذ رأيهما معًا، فمن أين أعطى الاستقالة للرجل وحده دون إذنها؟ ويُفلسفون هذه الفلسفات.
ونحن نقول: إنَّ كون الطلاق بيد الرجل هو الأمر المعقول الذي يشهد له الحس والفطرة والشرع، والنَّشْأَةُ الأولى؛ لأنَّ من خلق الرجل وخلق المرأة -هو خالق هذا الكون، وهو أعلم بحقائقه وما يُصْلِحُ كُلاً منه- صرح في محكم كتابه- الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- أن النساء حروث ومزارع، قال تعالى في محكم كتابه: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: آية ٢٢٣] ولو حاول الإفرنج ما حاولوا أن يكذبوا قوله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ لمْ يقدروا على كل حال؛ لأنه قول من خلق الجميع وفعلُه وكونُه وقدرُه لا يمكن أحد أن ينفيه؛ لأن الرجل لمْ يكن في بطنه رحم يتربى فيها الولد، والنطفة المشاهدة أن تبذر في بطن المرأة، وأن تتربى فيها كما يتربى البذر في الأرض حتى يحصد تامًّا، هذا أمر مشاهد يشهده الحس والعقل، لا يمكن المكابر أن ينكره: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ومعلوم أن الحارث المزدرع فاعل، وأن
стр. 2197
الحقل المزروع مفعول به بطبيعة الحال وحقيقة الأمر الواقع المحسوس الذي لا يمكن أن ينكره المكابر. ومما يوضح هذا: أن آلة الازدراع -آلة التناسل- هي مع الرجل، فلو قلنا كما يقوله الإفرنج: إنه لا يتركها إلَاّ برضاها، وأن ترضى مفارقته إيَّاها، وصار مكرهًا عليها لا يريدها، فهو زارع مُرْغَم على حقل لا يريد الزراعة فيه، فإنها لو أرادت أن تجامعه لتحصل منه على ولد فأنا أؤكد لكم أنها لا تقدر، ولا ينتشر ذكره، ولا يقوم إليها، ولا تقدر أن تأخذ البذر منه بحال من الأحوال، بخلاف الرجل الذي هو بطبيعة الحال فاعل، والذي هو زارع ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: آية ٢٢٣] فإنه قد يُحبلها وهي كارهة، فتكون في أشدّ التمنع والكراهة ويُرغمها ويقهرها فتحمل. وقد كان العرب يقولون: إن المرأة التي حملت وهي مكرهة على الغَشيان أن ولدها لا يطاق أبدًا، وهو أمر معروف عندهم مشاهد، ومنه قول أبي كبير الهذلي يصف رجلاً لا يطاق؛ لأن أُمَّه حملته شادَّة حزامها ونطاقها غير راضية بالمسيس (١):
ممنْ حَمَلْنَ به وهُنَّ عواقدٌ ... حُبكَ النِّطاقِ فَشَبَّ غير مُهبَّل
حملتْ به في ليلةٍ مَزْؤودَةٍ ... كَرْهًا وعَقْدُ نطاقها لم يُحْللِ
فهذا يُحبلها راغمة كارهة، وهي لا تقدر، فدل على أنه فاعل، وعلى أنها مفعول، والمباينة بين الفاعل والمفعول معروفة، ومن أراد أن يسوي بين الفاعل والمفعول فهو مطموس البصيرة يُنكر القَدَر والأمور الحقيقية المحسوسة كما هو معروف.
وكذلك زعمهم أن تفضيل الرجل على الأنثى في الميراث أنه
стр. 2198
ظلم من الشرع؛ لأنَّ الرجل والمرأة يُدْلِيَان للميت بقرابة واحدة، فكيف تكون المرأة والرجل يمتان للموروث بقرابة واحدة ونصيب الرجل أكثر من نصيب الأُنثى؟! وهذا قولهم وفلسفتهم الشيطانية، والله (جل وعلا) في آية الصيف -أعني الآية الأخيرة النازلة في المواريث من آخر سورة النساء- بيّن (جل وعلا) فيها أَنَّ مَنْ سَوَّى بين الذكر والأنثى في الميراث أنه ضال ولا شك في ذلك الضلال؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: آية ١٧٦] ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ﴿أَن تَضِلُّواْ﴾ كراهة أن تضلوا عن الطريق المستقيم، أو لأجل أن لا تضلوا. فالمسوِّي بينهما ضال بنص المحكم المنزل لا شك في ذلك، وإيضاح هذا بالمحسوس المعقول الذي لا يماري فيه إلَاّ مكابر: أن الله ﵎ جعل الذكورة بطبيعتها جمالاً وكمالاً وقوة خلقية، فنفس الذكورة جمال طبيعي، وكمال خلقي، وقوة طبيعية، كما أن الله (جلَّ وعلا) أوجد الرجل - إيجاده الأول- إيجادًا مستقلاً، والأنُوثة هي بحقيقة ذاتها وطبيعتها نقص جِبِلّي خلقي، وضعف خلقي لا ينكره إلا مكابر، والله (جل وعلا) بين في كتابه أن الأنوثة أنها بطبيعة حالها ضعف جِبِلّي ونقص خِلْقي منحط عن درجة الذكورة حيث قال: ﴿أَوَمَن يَنْشَأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ [الزخرف: آية ١٨] وفي القراءة الأخرى (١): ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أي أتجعلون لله ولدًا وبعد ذلك تجعلون له أضعف الولدين وأنقصهما وأحوجهما إلى التكميل الذي يُنَشَّأُ في الحلية من مدته وهو صغير.
стр. 2199
وتنشئة الأنثى في الحلية: تُثقب آذانها، وبعضهم يثقب أنفها، ويحطون لها الخلاخيل والأسورة والدماليج والثياب الجميلة، وسائر الحلي والحلل، ولا يفعلون شيئًا من هذا للذكر.
وهذا يدل على أنها جِبَلَّة طبيعية بشرية عامة أن جمال الذكورة وكمالها أغنى عن الحلي والحلل، وأن الضعف الملموس في الأُنثى يحاول جبره بهذه الزينات ليجبر ذلك النقص، وقد صدق من قال (١):
ومَا الحَلْيُ إلا زِينَة من نَقِيصةٍ ... يُتَمِّمُ من حُسْنٍ إذا الحُسْنُ قَصّرا
وأَمَا إذَا كانَ الجمالُ مُوَفَّرًا ... كحُسْنكِ لمْ يَحتَجْ إلى أن يُزَوَّرا
كذلك قال في المرأة: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ لأنَّ أغلب طبيعة النساء أن المرأة لا تُجابه ولا تقدر على مخاصمة فحول الرجال في الميادين التي تزدحم فيها الناس؛ لضعفها الخلقي، ونقصها الجبِلِّي، ومما يدل على أن هذا أمر جِبِلِّي مركوز في طبائع العقلاء: أن ضعفَ أركان المرأة وضعف عظامها ولينها وخنوثتها جمال فيها يستوجب محبتها ويزيد الميل إليها، وكذلك عدم إبانتها في الخصام من جميع محاسنها ولين أُنوثتها الذي يجلب القلوب إليها بخلاف الرجال، وهذا كلام جاء في جِبِلَاّت العقلاء فإنهم يُشَبِّبُون ويذكرون من محاسن النساء لينها وضعف أركانها، وعدم إبانتها في الكلام، ألا ترون إلى قول جرير وهو عربي فصيح (٢):
إن العُيونَ التي في طَرْفِهَا حَوَرٌ ... قَتَّلْنَنَا ثُم لم يُحْيِيْنَ قَتْلَانَا
يَصْرَعْنَ ذَا اللّبِّ حتى لا حِرَاكَ به ... وهُنَّ أَضْعَف خَلْقِ الله أَرْكَانَا
стр. 2200
فقوله: «وهن أضعف خلق الله أركانا» مما يجر القلوب إليهن ويزيدهن محبة، وذلك يدل على أن الطبيعة كما ذكرنا، كذلك قال ابن الدمينة فى امرأة لا تقدر أن ترد عن نفسها ما رُميت به من ريبة (١):
بَنَفْسِي وأَهْلي مَنْ إذا عَرَضُوا لَهُ ... لبعضِ الأَذَى لم يَدْرِ كيفَ يُجيبُ ...
وَلمْ يَعْتَذِرْ عُذْْرَ البَريءِ ولم يزلْ ... به سَكْتَةٌ حتى يُقال مُريبُ
فشبب بها بهذا، وهذا الضعف الخلقي الجِبلّي أمر مشاهد لا ينكره العقلاء، فالإفرنج الذين يقولون: إن المرأة كالرجل في جميع الميادين الكذبة الفجرة الخاسئون يجعلون صبغ الحمرة على فم الأنثى ولا يجعلونه على فم الرجل، ألا ترون أنهم يضعون الحمرة على فم الأُنثى ولا يضعونها على فم الرجل!! ما هذا الفرق إلَاّ لفوارق طبيعة جُبل عليها عامة العقلاء حتى الإفرنج الذين عقولهم كعقول البهائم ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٧٩].
فلما كانت الأُنوثة ضعفًا خلقيًّا وعدم كمال جِبلِّي، والذكورة كمال جِبِلِّي وقوة طبيعة خلقية؛ ولذا لا ترى ذكرًا في الدنيا تُثقب آذانه ليُجعل فيها الحلي، ولا يُثقب أنفه، ولا تُجعل له الأساور والحلي ليكمل به؛ لأن شرف ذكورته وكمالها يكفيه عن التزين بالحلي. لما كان هذا النوع من أنواع الإنسان الذي خُلق في مبدأ خلقه مستقلاًّ أقوى وأكمل من هذا النوع الآخر الذي خُلق في مبدأ خلقه وجوده تابعًا لوجود هذا ومستندًا إليه كما أجرى الله عادته وقدره بذلك كان
стр. 2201
اللازم أن يكون هذا القوي في خلقته الكامل في طبيعته، قائمًا على ذلك الضعيف بجبِلَّته ليوصل له ما يعجز عن إيصاله من النفع لنفسه، ويدفع عنه ما يعجز عن دفعه من الضرّ عن نفسه، وهذا هو الأمر الكوني القدري المُعَضَّد بنور السماء ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ إنما جعل الرجال قوَّامين على النساء؛ لأن كمال الرجال بذكورتهم وقوتهم الطبيعية جعلتهم يقومون على النساء لضعفهن الخلقي الجِبِلِّي كما قال: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: آية ٣٤] فلما اقتضت طبيعة قوة الرجل وكمال ذكورته أن يكون قائمًا على الأُنثى، واقتضى ضعف الأُنثى الخلقي، وعدم استقلالها في نشأتها، وتبعية وجودها في نشأتها لوجود الرجل، وعدم استغنائها عنه اقتضى ذلك أن يكون هذا الكامل القوي قائمًا على هذا الضعيف في خلقته ليدفع عنه ما لا يقدر على دفعه من أنواع الضر، ويجلب له ما لا يقدر على جلبه من أنواع النفع وصار الرجال قوَّامين على النساء، ومن هنا صار الرجل يترقب النقص دائمًا؛ لأنه ينفق على نسائه، ويدفع لهن المهور، فهو يترقب النقصان دائمًا، والمرأة بحال طبيعتها ونقصها الجِبِلِّي تترقب الزيادة دائمًا، فإن المرأة تترقب رجلاً يدفع لها مهرًا ضخمًا ويقوم بلوازمها في الحياة من مطعم ومشرب ومأكل وملبس إلى غير ذلك، فالمرأة تَتَرَقَّبُ الزيادة والأخذ دائمًا، والرجل يَتَرَقَّبُ النقصان والغرم دائمًا، والميراث ما تَعِبَا فيه، ولا مسحا فيه عرقًا، مَلَّكَهُمَا اللهُ إيَّاه ملكًا جبريًّا بحكمته وفضله، فاقتضت حكمة الخبير الحكيم
العليم أن يُؤثر مترقب النقص دائمًا ويكثر نصيبه على مترقب الزيادة دائمًا؛ ليكون في ذلك جبرًا لبعض نقصه المترقب. ولو رأيت أحدًا قد يعطي اثنين شيئًا وأحد
стр. 2202
هذين الاثنين يترقب النقص دائمًا، وأحدهما يترقب الزيادة دائمًا، وآثر في عطائه مترقب النقص ليجبر من نقصه لقلت: أن تأثيره له حكمة واقعة موقعها على أحسن ما يكون.
واعلموا أن الله ﵎ خلق المرأة -لما جبلها عليه من الطبيعة- مستعدة للمشاركة في بناء المجتمع الإنساني على أكمل الوجوه وأبدعها وأحسنها، ولا تَقِلُّ خدمتها عن خدمة الرجل، إلَاّ أن الله جعل تلك الخدمة التي تقوم بها المرأة لمجتمعها جعلها في داخل بيتها في عفاف وصيانة وستر، ومحافظة على الشرف ومكارم الأخلاق، فيذهب الرجل يكدح في الحياة يبيع ويشتري، أو يناجز الأقران في ميدان القتال، والمرأة في بيتها عاطفة على الصغير من أولادها، عاطفة على المريض، عينها من وراء جميع ما في البيت، ترضع الرضيع، وتعالج المريض، وتفعل كل شيء، فإذا جاء قرينها الآخر من عمله وكدِّه في الحياة وجد كل شيء حاضرًا، وجد أولاده الصغار مرضعين، والمرضى ممرضين، وكل شيء جاهز، فهذه الخدمة التي قامت بها في داخل بيتها لا تقل عن خدمته هو في الخارج في ميدان الحياة، ومع هذا هي في صيانة وستر، ومحافظة على الشرف والفضيلة، ومرضاة لخالق السماوات والأرض (جل وعلا) ولا شك أن هذا التعاون بين الرجل والمرأة أنه تعاون كريم نزيه بمقتضى جبلتهما وما طبعهما الله عليه، وأنه يغيظ الشيطان ولا يرضي إبليس، فإبليس يحب أن يكون الأمر لا ينبغي، وأنه على حالة خبيثة، فيقرأ فلسفته في آذان أوليائه فيفلسفون في أذن المسكينة فيضللونها بالشعارات الزائفة والكلمات الكاذبة السخيفة من اسم الحضرية، والتمدن، والحضارة، والتقدم، ويقولون للمرأة التي
стр. 2203
كانت في بيتها تخدم زوجها وأولادها ومجتمعها على أكمل الوجوه وأتمها، في صيانة وستر، ومحافظة على الشرف والفضائل، ومرضاة لخالق هذا الكون، يحسدهم الشيطان على هذا، ويغضبه هذا التعاون الكريم النزيه، فيقول لأوليائه أن يقولوا للمرأة: أنت محبوسة في البيت، أنت مجرمة، أنت دجاجة، فلك أن تخرجي وتشمِّي الهواء، وتفعلي كما يفعل الرجل!! وهذا خديعة لها وغرور للمسكينة الجاهلة؛ لأنها تخرج من حيائها وسترها وخدمة بيتها، فإذا خرجت تكدح في الحياة مع الرجل عَرَّضت جمالها لأعين الخائنين؛ لأن المرأة هي أعظم شيء يَتَعَرَّضُ لخيانة الخائنين؛ لأن العين الفاجرة الخائنة إذا نظرت في جمالها استغلَّتْ ذَلِكَ الجَمَالَ والنِّعْمَة الإلهية مَكْرًا
وغَدْرًا وجناية على الشرف والفضيلة وعلى الإنسانية، وإذا مَسَّهَا وَاحِد -مس بدنها في الزحام- بدعوى أنها تخرج باسم التقدم والحضارة والمدنية. وما هذه إلا ألفاظ جوفاء خبيثة كلبة خنزيرة يراد بها ضياع الشرف والفضيلة -والعياذ بالله- فإذا خرجت بَقِيَتْ جميع خدمات البيت ضائعة، بقي الرضيع من الأولاد ليس عنده من يرضعه، والمريض ليس عنده من يمرِّضُه، وليس هناك مَنْ يُهَيِّئ طعامًا لهم إذا جاءوا، فلو قدرنا أنهم أجَّرُوا إنسانًا ليجلس مكان المرأة كان هذا الإنسان الأجير هو الذي يأكل عَلْقَة الدجاج والحبس، صار هو المحبوس في البيت ولا ذنب له، وإنما حُبس هذا لتخرج المرأة وتضيع شرفها وفضيلتها وكرامتها، والمرأة إذا ضَاعَ شَرَفُهَا وفضيلتها وكرامتها وصارت مائدة لعيون الخونة فإنها لا خَيْرَ لها في الحياة، فبطن الأرض خير لها من ظهرها ولا شك في ذلك.
стр. 2204
فهذه الفلسفات الكاذبة تُضَلّلُ بها المسكينة باسم الحضارة، واسم التقدم، واسم التمدن، وأنها ليست بدجاجة ولا مجرمة محبوسة بالبيت؛ لتُخرج من حيائها وتُجعل مائدة لخونة الأعين الخائنة (والعياذ بالله) ويضيع شرفها، وتضيع دنياها وآخرتها، والعياذ بالله.
فعلينا -معاشر المؤمنين- أن نعلم أن بَيْنَ الأنثى والذكر فوارق طبيعية جَبَلَهُمَا الله عليها لا يمكن لأحد أن يَجْهَلَها ولا يتجاهلها، ومن أراد أن يكسر هذه الحواجز التي بين الذكر والأنثى لبعدها وقوتها فهو ملعون في كتاب الله وعلى لسان رسول الله ﷺ ؛ لأنه قد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» (١) فالتي تترجَّل تحاول التشبُّه بالرجل في جميع الميادين هي ملعونة على لسان رسول الله ﷺ ؛ لأنها أرادت أن تحطم فوارق وحواجز وَضَعَها خالق السماوات والأرض كونًا وقدرًا وشرعًا لا يمكن لأحد أن يحطمها بوجه من الوجوه.
والعجب كل العجب أن المرأة إذا ضُلِّلت وسُفِّه عقلها بالشعارات الزائفة، والفلسفات المضلة باسم التقدم، والحضارة، والتمدن، وأنها ليست بدجاجة، ولا مجرمة محبوسة في البيت؛ ليُضَيَّع شرفها وتُعَرض للرذائل وضياع الشرف وسخط رب العالمين، فهي مع هذا تحاول أن تترجل، وأن تكون كالرجل في كل شيء، ولو
стр. 2205
كشفت ثيابها وكشف الرجل ثيابه لعُلم أن هنالك مغايرة محسوسة طبيعية لا يمكن الإفرنج ولا أذناب الإفرنج أن يكسروها ولا يحطموها؛ لأنه قَدَرُ خَالِقِ السَّمَاوات والأرْضِ وأفعال رب العالمين لا يمكن أن تُكْسَر، ومع هذا فالمؤسف كل المؤسف أن الرجال يَتَأَنَّثُون وينماعون، ويترك الواحد حرمه -امرأته وبناته- ذاهبة في هذه التيارات المخزية الكافرة الفاجرة الملحدة!! ووالله لقد صدق المتأخر في قوله (١):
وَمَا عَجَبٌ أَنَّ النِّسَاءَ تَرَجّلَتْ ... وَلَكِنَّ تَأْنِيثَ الرِّجَالِ عُجَابُ
فالعجب كل العجب أين ضاعت رجولة الرجال، وغيرة الرجال، وضمائر الرجال، أين ضاع هذا وتلاشى وانماع؟! فالرجل إذا كانت حرمه تخرج مائدة لأعين الفجرة، متجرِّدة من الدين والشرف وأخلاق الإسلام على فلسفات كاذبة خسيسة ملعونة جاء بها الإفرنج، كلها شعارات زائفة كاذبة: تمدن، حضارة، تقدم؛ ليضيع الشرف.
ومعلوم عند الناس أن كل البلاد الإسلامية التي كانت متمسكة غاية التمسك، ورجالها فيهم غيرة على بناتهم، لما دخل عليها هذا التيار، وجاءتها هذه الشعارات: تمدن، حضارة، تقدم، أن نساءهم - والعياذ بالله - صاروا فيما لا يُعَبَّر عنه، ولا يحتاج أحد أن يُنَوِّه عنه لشهرته مِنَ المجُون والفِسْق، وضياع الشرف والفضيلة، وانعدام الحياء رأسًا، والمرْأة إذا ضاع شرفها وفضيلتها فبطن الأرض خيرٌ لها مِنْ ظَهْرِهَا.
стр. 2206
ومعلوم أن الله ﵎ فَرَّقَ بَيْنَ الذَّكَرِ والأنْثَى جِبلَّةً وكونًا وقدرًا وشرعًا، فمن يقول: إن المرأة كالرجل في جميع الميادين، وأنها تزايل ما يزايله الرجل فهو مجنون كاذب مغلوب؛ لأنه يعاند القدر، ومن أراد أن يعاند قدر الله فهو المغلوب، مع أن المرأة التي يقولون: إنها كالرجل في جميع الميادين بطبيعة حالها تمر عليها أوقات وهي لا تقدر على عمل، فهي في أوقات الحمل إذا صارت لها ستة أشهر ونحوها فإنها يُثْقِلها الحمل، ولا تقدر على فعل شيء وفي بطنها إنسان، فأين هذه من الذكر؟! الذكر لا يمكن أن يكون في بطنه إنسان، ولا يعجزه هذا الإنسان الذي في جوفه عن العمل، فأين الاتحاد، وأين المماثلة؟! وكذلك إذا نُفِسَت فإن النفاس يمرضها ويضعفها، والرجل لا يُنفس، فأين هذه المساواة، وأين هذا من هذا؟! فهذه فوارق قدرية كونية، تترتب عليها فوارق شرعية وحسِّية، وهذا من المعلوم. فقد بيّنا في هذه الآية أن الحواجز والفوارق بين الرجل والمرأة أنها موجودة عند نشأة الرجل الأول، وعند نشأة المرأة الأنثى؛ لأن المرأة الأنثى الأولى ما نشأت ولا وُجدت وجودًا مستقلاً عن الرجل، بل خُلِقَتْ من ضلع الرجل، فهي جزء منه، وجودها تابع لوجوده، مستندة في وجودها إليه، وهذا الأمر الكوني القدري الطبيعي الذي فعله خالق السماوات والأرض الحكيم الخبير لوازمه سارية في جميع ميادين الحياة، والإفرنج يحاولون أن يحطموا هذه الفوارق كلها وأتباعهم من الخفافيش!! والغريب كل الغريب أنوثة الرجال وميوعة ضمائرهم!! فإنا لله وإنّا إليه راجعون.
وَمَا عَجَبٌ أنَّ النِّسَاءَ تَرَجّلَتْ ... وَلَكِنَّ تَأْنِيثَ الرِّجَالِ عُجَابُ (١)
أين غَيْرَةُ الرِّجَالِ، وأيْنَ شَهَامة الذّكور؟!
стр. 2207
[٢٦/أ] / ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (١٩٢) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾ [الأعراف: الآيات ١٨٩ - ١٩٤].
يقول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٨٩، ١٩٠].
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قد ذكرنا أن التحقيق أن المراد بهذه النفس الواحدة آدم، وأن زوجها التي خلق منها أنها حواء، وتكلمنا بهذه المناسبة على أن الرجل الأول والمرأة الأولى اللذان هما سبب إيجاد الرجال والنساء جميعًا كما تقدم في قوله في صدر سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء﴾ [النساء: آية ١] أن نشأة -بدء- هذا الرجل وهذه المرأة كانت المرأة وجودها تابع وجود الرجل، ومستندة في وجودها إليه، وأن هذا الأمر اختلاف أساسي من أصل الوجود والمبدأ، وأن ذلك الاختلاف قد ترتب عليه لوازم من المخالفة الضرورية بين الرجل والمرأة، وذكرنا بعض الأشياء التي
стр. 2208
يشنع الملحدون فيها على دين الإسلام، ويزعمون أنه لم ينصف المرأة فيها، كجعل الطلاق بيد الرجل، وتفضيله على المرأة في الميراث، وجواز تعدد الزوجات.
وقد بيّنا حكمة كون الطلاق بيد الرجل، وحكمة تفضيل الرجل في الميراث، وبيّنا أن الرجل يترقب النقص دائمًا؛ لأنه ينفق الأموال في مهور النساء ونفقاتهن ونوائب الدهر، والمرأة تتَرَقَّبُ الزِّيَادَة دائمًا، تترقب رجلاً يدفع لها مهرًا ويقوم بإِنْفَاقِهَا ولوازِمها في الحياة، فمن أعطى اثنين وآثر مترقب النقص منهما على مترقب الزيادة كان إيثاره واقعًا موقعه، مطابقًا للحكمة، ولا سيما إن كان ذلك من العظيم الخبير العالم بخبايا الأمور، الذي بيّن في كتابه أَنَّ مَنْ زَعَمَ اسْتِوَاءَ الرَّجُل والأنثى في الميراث أنه ضال؛ لأن الله لما قال: ﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ أتبع قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ بقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شيء عَلِيمٌ﴾ [النساء: آية ١٧٦] يعني: هذا الذي فضل الذكر على الأنثى في الميراث عليم بكل شيء، فهو أعلم بخفايا الأمور وخباياها، وبدقائق المصالح وجلائلها، بيّن لكم هذا البيان ﴿أَن تَضِلُّواْ﴾ كراهة أن تضلوا، أي: لأجل أن لا تضلوا فتسوّوا بينهما في الميراث.
وأردنا الآن أن نتكلم على بقية قليلة من ذلك، فنبين حكمة تعدد الزوجات، وأن الذين أنكروا ذلك وعابوه على دين الإسلام كفرة ملاحدة طمس الله بصائرهم بظلام الكفر -والعياذ بالله- فالله (جل وعلا) أباح للرجل أن يجمع أربع زوجات بشرط أن يقدر على العدل بينهن، وقد بيّن القرآن أن العدل بينهن قسمان: عدل ممكن، وعدل غير ممكن. أما العدل الممكن بين الزوجات: فهو تَسْوِيَتُهُنَّ
стр. 2209
في الحقوق، وإنصاف بعضهن من بعض في اللوازم اللازمة، فهذا ممكن يَقْدِرُ كلّ أحَدٍ عَلَيْهِ، وهذا الذي نهى الله عن الميل فيه، قال: ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: آية ١٢٩]. وعدلٌ بينهن ليس تحت طاقة البشر ولا يُقدر عليه، وهو المساواة بينهن في المحبَّةِ الطبيعية والميل النفساني؛ لأن المحبة ليست من الأفعال الاختيارية، وإنما هي من الانفعالات والتأثرات النفسانية التي لا تدخل تحت قدرة العبد. وهذا العدل في المحبة والميل الطبيعي النفساني لا يُقدر عليه، وهو الذي قال الله فيه: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: آية ١٢٩] وكان ﷺ يقسم بين أزواجه فيعدل، ثم يقول مبيّنًا هذين القسمين: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» (١).
يعني الميل الطبيعي والمحبة؛ لأن هذا ليس تحت قدرة البشر، فالله (جل وعلا) أباح للرجل أربع زوجات بشرط قدرته على العدل بينهن في الحقوق الشرعية، وإن كان الميل الطبيعي والمحبة النفسانية ليس بيده، إلا أن المساواة بالحقوق الشرعية هي في مقدوره، فإن كانت هذه أحب إليه طبيعة، وهو أميل إليها بالمحبة؛ فإنه يمكنه أن يسوّي بينها وبين الأخرى، وينصف بينهما في الحقوق الشرعية كمال الإنصاف كما
стр. 2210
لا يخفى. فإذا كان الإنسان لا يقدر على العدل بينهن يلزمه الاقتصار على واحدة؛ لأن غير العدل جور والجور لا يُؤذن فيه في الشرع الكريم، أو ما ملكت يمينه من الإماء، وقد نص الله على هذا بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَاّ تَعُولُواْ (٣)﴾ [النساء: آية ٣] أي: لا تجوروا في الحقوق. وكونه (جل وعلا) أباح للرجل جمع أربعة وحرم عليه الخامسة فما فوقها، وجعل ذلك بشرط العدل، هذا تشريع الحكيم الخبير، تشريع خالق السماوات والأرض، الذي هو أعلم بالمصالح، وأعلم من خلقه؛ لأن الأربع وسط بين القلة والكثرة، فهي دون الكثرة التي هي مَظِنَّة عدم القدرة على القيام بلوازم الجميع، وهي فوق القلة التي هي مَظِنَّة تعطل بعض حقوق الرجل كما سيأتي إيضاحه.
والله (جل وعلا) أباح تعدد الزوجات لمصلحة نفس المرأة، ومصلحة نفس الرجل، ومصلحة نفس أمتهما، فتحت ذلك مصالح عظيمة لا ينكرها إلا من طمس الله بصيرته. ففيه مصلحة المرأة من جهات عديدة منها: أن الله (جل وعلا) أجرى عادته أن عدد النساء في أقطار الدنيا على مر العصور أكثر من الرجال؛ لأن الرجال أقل من النساء، وأكثر تعرضًا لأسباب الموت، فلا تجد محلاً إلا ونساؤه أكثر من رجاله، كما أجرى الله العادة بذلك، وقد جاءت الأحاديث عنه ﷺ أن النساء سيكثرن جدًّا، وأن الرجال سيقلون جدًّا (١)، ولما كانت عادة الله أن جعل عَدَد الرِّجَالَ في أقطار الدنيا