لا يعلمه إلا من رآه؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: الآية ٣٠] مكرهم: هو ما أرادوا من قتل النبي ﷺ بعد ما أجمعوا عليه، وتفرّق دمه في قبائل قريش. ومكر الله: هو أن نَجَّاهُ مِنْهُمْ، وأنْقَذَهُ منهم، وأدْخَله في الغار لحكمة يعلمها (جل وعلا) مع أنه قادر على أن يهلكهم بالجنود، ومع أنه مختفٍ منهم في الغار، فجنود السماء حوله تحوطه لا يقدر أحدٌ أن يأتيه، كما سيأتي في براءة في قوله: ﴿إِلَاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: الآية ٤٠] تلك الجنود يعلمها الله ويراها، والناس لا يرونها، فالكفار لا يقدرون على شيء معها، ولكن الله أمره بهذه الأسباب، مع أن جنود الملائكة تحوطه لحكمة يعلمها هو (جل وعلا)، وهذا معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ﴾ جل وعلا ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ لأن مكره بالغ من الجمال ما لا يخفى؛ لأنه لا يوصل الشر فيه إلا لمن يستحق الشر، ولا يدفع الشر فيه إلا عمن هو أهل أن يدفع عنه الشر كما لا يخفى.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٣١)﴾ [الأنفال: الآية ٣١].
قال بعض العلماء (١): نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث بن كلدة العبدري، كان ذهب في تجارته إلى بلاد فارس، وجاء الحيرة
стр. 2382
وغيرها، واشترى كتبًا وفيها تاريخ رستم وإسفنديار، وكان إذا وجد النبي ﷺ يقرأ القرآن ويقص فيه أخبار الأمم الماضية. جلس هو يقرأ عليهم من تلك الأساطير من أخبار رستم وإسفنديار ويقول لهم: أنا آتي بمثل ما يأتي به محمد.
وقال بعض العلماء: إن قريشًا كذبوا فقالوا: نحن نقدر على أن نتكلم بمثل هذا القرآن، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا﴾ [الأنفال: الآية ٣١] سمعنا هذا الذي يتلوه لو نشاء معارضته بمثله لقلنا مثله، وقدرنا على الإتيان بمثله، وهذا كذب محض منهم، سواء قلنا: إن قائله النضر بن الحارث، وأنه يعارضه بأساطير الأولين مما أتى به من تاريخ فارس، أو قلنا: إنه قاله غيره من قريش، ومعلوم أن القرآن العظيم لا يقدر أحدٌ أن يأتي بمثله، وأن هذه الدعوى كاذبة، وأن صاحبها من أظلم الظالمين كما قدمنا إيضاحه في سورة الأنعام في تفسير قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شيء وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: الآية ٩٣] أي: لا أحد أظلم من هذا ولا هذا.
فقد ذكرنا مرارًا أن الله ﵎ تحدى الكفار بسورة من هذا القرآن العظيم، في سورة واحدة، في سورة البقرة وسورة يونس، قال في سورة البقرة: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: الآية ٢٣] ثم قال: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ [البقرة: الآية ٢٤] فصرّح بأنهم لن يفعلوا أبدًا ولا يقدرون أبدًا، وتحداهم بسورة واحدة أيضًا في سورة يونس في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: الآية ٣٨] وتحداهم في سورة هود
стр. 2383
بعشر سور، قال في هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: الآية ١٣] ثم أوضح عجزهم وأنه منزل من رب العالمين حيث قال: ﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾ [هود: الآية ١٤] ثم تحداهم في سورة الطور بالقرآن كله، وذلك في قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [بالطور: الآية ٣٤]. ثم صرّح في سورة بني إسرائيل وهي سورة (سبحان الذي أسرى) أن جميع البشر من الإنس والجن لا يقدرون على معارضة هذا القرآن، ولا الإتيان بمثله حيث قال: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: الآية ٨٨] وبذلك يُعلم كذب النضر بن الحارث وغيره من قريش في قوله: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا﴾ [الأنفال: الآية ٣١] مفعول (نشاء) محذوف- لو شئنا قولاً مثل هذا لقلناه. وقد قدمنا مرارًا (١)
أن فعل المشيئة إذا عُلق بأداة الشرط يُحذف مفعوله؛ لأن جزاء الشرط يكفي عنه، وهو الغالب في القرآن وفي لغة العرب، وربما ذكر المفعول في القرآن، ولم أجده مذكورًا في كتاب الله إلا إن كان مصدرًا منسبكًا من (أن) وصلتها، كقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ﴾ [الأنبياء: الآية ١٧] ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: الآية ٤] وربما ذُكر مثل هذا في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (٢):
وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِي دَمًا لَبَكَيْتُهُ ... عَلَيْك وَلَكِنْ سَاحة الصَّبرِ أوسَعُ
стр. 2384
وهذا معنى قوله: ﴿لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ (إن) هذه هي النافية، والإشارة في (هذا) إلى القرآن المعبَّر عنه بالآيات التي تتلى في قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ أي: تُلي عليهم هذا القرآن قالوا: كذا وكذا، وقالوا: ﴿إِنْ هَذَا﴾ ما هذا القرآن المعبَّر عنه بالآيات التي تتلى ﴿إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ الأساطير: جمع أسطورة أو إسطارة، وهي ما كتبته الأمم الماضية من تاريخ ونحوه (١)، كما كان النضر بن الحارث يأتي بالأساطير التي كانت مكتوبة عن فارس، وهذا معنى قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٣١] يزعمون أن النبي استملاها من غيره، فأملاها عليه غيره فكتبها، كما قال في سورة الفرقان: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٥)﴾ [الفرقان: الآية ٥] قبحهم الله، ما أوضح كذبهم! وهذا معنى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٣١].
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: الآيتان ٣٢، ٣٣] ثبت في صحيح مسلم والبخاري من حديث أنس بن مالك أن قائل هذه المقالة: أبو جهل -لعنه الله- عمرو بن هشام بن المغيرة (٢). والأكثرون من المفسرين
стр. 2385
يقولون (١): إن قائل هذه المقالة: النضر بن الحارث، وهذا الدعاء هو العذاب الأليم المذكور في أول سورة المعارج سورة سأل سائل (٢) ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ أي: دعا داع ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِّلْكَافِرينَ﴾ [المعارج: الآيتان ١، ٢] قالوا: هو قوله: ﴿اللهمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: الآية ٣٢]. ولن يُعْقَل أحمق من قريش حيث قالوا: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾. ولو كانوا في مرتبة أدنى العقلاء لقالوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه!! زعم بعضهم (٣): أن يهوديًّا مر بابن عباس وقال له: أنت من قريش؟! قال: نعم.
قال: إن قومك من أجهل خلق الله حيث قالوا: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ ولم يقولوا: فاهدنا إليه!! فقال له ابن عباس: وكذلك قومك أنت من أجهل خلق الله فإنهم وأرجلهم بها بلل البحر الذي أنقذهم الله منه وأهلك به عدوهم، قالوا في ذلك الوقت لنبيهم ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فقال نبيهم: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: الآية ١٣٨] فسكت
стр. 2386
اليهودي مفحمًا. وعلى كل حال من يقول مقالة قريش هذا فهو من أجهل خلق الله، وأشدهم تمردًا وعتوًّا على الله.
وقوله: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ ذكروا عن سفيان بن عيينة أنه ما جاء في القرآن العظيم المطر إلا بمعنى العذاب، أما الماء النازل قال: فإن العرب تقول له الغيث (١). كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: الآية ٢٨] واستدرك عليه بعض العلماء (٢)، قال: في سورة النساء كلمة أطلق فيها المطر على النازل من السماء وهي قوله: ﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى﴾ [النساء: الآية ١٠٢].
ومعنى: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾. معناه: أنزلها من السماء متتابعة كما ينزل المطر، وهي حجارة السجيل التي تنزل من السماء محماة بالنار في غاية الحرارة. والحجارة: جمع حجر، وجمع (فَعَل) على (فِعَالَة) موجود في أوزان قليلة، كحجر وحِجارة، وجَمَل وجِمَالة، وذَكَر وذِكَارَة. وهذا الجمع وجوده قليل، وهو من جموع الكثرة.
﴿مِّنَ السَّمَاءِ﴾ تكون هذه الحجارة نازلة من السماء، وذلك مفهوم من قوله: ﴿فَأَمْطِرْ﴾ إلا أن هذا النوع من التوكيد أسلوب عربي معروف كثير في القرآن وفي كلام
стр. 2387
العرب (١)، كقوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: الآية ٣٨] ومعلوم أنه لا يطير إلا بجناحيه وقوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: الآية ٧٩] ومعلوم أنه لا يكتبونه إلا بأيديهم. ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ [النساء: الآية ١٠] وهم لا يأكلون إلا في بطونهم. وكذلك قوله: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ قوله: ﴿مِّنَ السَّمَاءِ﴾ مع أنه لا مطر إلا من السماء.
وهذا معنى قوله: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قرأه بعضهم بتسهيل الهمزة الثانية، وبعضهم بتحقيقها، وبعضهم بإبدالها ياءً. وكلها قراءات معروفة (٢). وهذا معنى قوله: ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: الآية ٣٢] أي: مؤلم شديد الألم.
ثم إن الله قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: الآية ٣٣] هذه الآية الكريمة تُشكل كثيرًا على العلماء وعلى من يتعاطون التفسير (٣)، ونحن -إن شاء الله- سنوضح ما فيها من الإشكال حتى يفهمها طالب العلم فهمًا واضحًا، حاصل هذا أنه أولاً جعل لهم أمانين من العذاب:
أحد الأمانين: وجود رسول الله ﷺ بين أظهرهم، وهو قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ لأن الله (جل وعلا) لم ينزل
стр. 2388
العذاب بأمة ونبيها موجود فيها، بل إذا أراد إنزال العذاب بهم أمر نبيهم أن يخرج عنهم فينزل عليهم العذاب بعد أن فارقهم.
الأمان الثاني هو المذكور في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
ومع ذكر الأمانين قال بعده: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَاّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: آية ٣٤] أيُّ شيء ثبت لهم يمنعهم من التعذيب ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ الناس ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، ويفعلون ويفعلون؟ فيقول طالب العلم: كيف يقول: إن لهم أمانين ويصرح بأنه لا شيء يمنعهم من العذاب؟ هذا محل الإشكال الذي أشكل على كثير من المنتسبين للعلم.
والجواب عن هذا من أربعة أوجه:
أحدها: أن المعنى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، فخرج رسول الله ﷺ فبقي المستغفرون.
واعلموا أن هذا الاستغفار فيه أقوال معروفة عند العلماء متقاربة لا يكذب بعضها بعضًا، كل واحد منها مروي عن جماعة من السلف من علماء التفسير (١)، قال بعض العلماء: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ هذا من إطلاق المجموع مُرادًا به بعضه، وأن المراد بالمستغفرين خصوص المؤمنين المستضعفين. الكائنين بين أظهرهم، ومن أساليب اللغة العربية: إطلاق المجموع مرادًا بعضه (٢). كما قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: الآية ١٤] والعاقر واحد،
стр. 2389
كما قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ [القمر: الآية ٢٩] ومما يوضح هذا قراءة حمزة والكسائي (١): ﴿فإن قتلوك فاقتلوهم﴾ [البقرة: الآية ١٩١] بالفعلين من القتل بالفعل المجرد؛ لأن المقتول لا يقتل قاتله، والمعنى: فإن قتلوكم، أُسند الفعل إلى مجموعهم الصادق ببعضهم وهو المقتولين، والمراد بالقتال: الذين بقوا ولم يُقتلوا منهم. وهذا أسلوب عربي معروف، ونظيره في القرآن بأن الله بين في سورة الحديبية أن وجود أولئك المستضعفين كان سببًا مانعًا من نزول العذاب الدنيوي بالكفار، كما سيأتي إيضاحه في تفسير قوله: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: الآية ٢٥] ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: لو يتميز بعضهم عن بعض، فتميز المشركون عن ضعفاء المسلمين الكائنين فيهم لعذبناهم عذابًا شديدًا، فرفع الله عنهم العذاب لوجود ضعفاء المسلمين الكائنين بين أظهرهم. والذين قالوا هذا القول قالوا: خرج رسول الله ﷺ فبقي لهم أمان، وهو استغفار المؤمنين الكائنين فيهم، منع الله به أن ينزل العذاب؛ لأنه إذا نزل عَمَّ الصالح والطالح.
فبعد ذلك خرج المؤمنون الذين كانوا يستغفرون فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَاّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: الآية ٣٤] وقد زال عنهم الأمانان بخروج رسول الله ﷺ وخروج المستضعفين الذين كانوا يستغفرون.
واختار كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير ﵀ (٢) أنه جعل لهم أمانين: أحدهما على التعليق، والمعنى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
стр. 2390
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: الآية ٣٣] لو استغفروا. إلا أنك أنت خرجت وهم لم يستغفروا فانتفى الأمانان فحق عليهم العذاب؛ ولذا قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَاّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال: الآية ٣٤]. وهذا معنى معروف في كلام العرب؛ لأن المعنى: وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون لو استغفروا، إلا أنهم لم يستغفروا فصار لا مانع من العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود: الآية ١١٧] أي: لو كانوا مصلحين لما نزل بهم العذاب، لكنهم لم يصلحوا فنزل بهم العذاب.
وقال بعض العلماء: المستغفرون هم المشركون، وذلك أنهم كانوا إذا لبوا تلبيتهم المعروفة وقالوا: «لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك» ابتهلوا بعد ذلك يستغفرون وقالوا: «غفرانك ربنا، غفرانك ربنا، غفرانك ربنا» قال بعض العلماء: هذا الاستغفار الدنيوي دفع لله عنهم به العذاب. وهذا أضعفها وأبعدها.
القول الثاني: أن معنى ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾: يتوبون إلى الله من كفرهم ويُسلمون؛ لأن الله علم بأن في أهل مكة وقت قولهم: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: الآية ٣٢] علم بعلمه الأزلي أن فيهم ناسًا وطائفة سينيبون إلى الله ويستغفرونه ويؤمنون بالله كما آمنت خلائق منهم يوم الفتح وناس قبل ذلك. وعلى هذا القول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ﴾ في علمه ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ويتوبون من الكفر إلى الإيمان، فلذلك أخَّر عنهم العذاب.
стр. 2391
وعلى هذا القول: فقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَاّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ في الذين علم في سابق علمه أنهم لا يسلمون ولا يتوبون، وهم الذين عذبهم الله وقتلهم يوم بدر، وجعل لهم عذاب الآخرة متصلاً بعذاب الدنيا والعياذ بالله.
وهذه هي الأوجه في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٣] ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَاّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أيُّ شيء ثبت لهم يمنعهم من تعذيب الله لهم ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال: الآية ٣٤] (يصدون) تستعمل استعمالين (١): تستعمل متعدية ولازمة، فإذا استعملت متعدية فمصدرها (الصَّد) على القياس، ومضارعها (يصُد) بضم الصاد لا غير، وإذا استُعملت لازمة فمصدرها (الصدود) على الأغلب، وفعلها المضارع يجوز في عينه الكسر والضم، تقول: صَدَّ زيدٌ عَمْرًا يَصُدُّه صَدًّا، وَيصُد بالضم لا غير، وتقول: صَدَّ زيدٌ عن هذا الأمر إلى غيره، يَصِدُّ ويَصُدُّ صدودًا، وعلى ذلك القراءتان (٢) في قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: الآية ٥٧] ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ﴾ [الزخرف: الآية ٥٧] والفعل هنا متعدٍّ، والمفعول محذوف، أي: يصدون الناس عن بيت الله الحرام، عن المسجد الحرام، كما صدوا النبي ﷺ وأصحابه في غزوة الحديبية، كما سيأتي في قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: الآية ٢٥] وكما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [المائدة: الآية ٢] وإخراجهم
стр. 2392
النبي ﷺ وأصحابه من مكة من صدهم عن المسجد الحرام.
وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَاّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال: الآية ٣٤] وكانت قريش إذا صدوا بعض الناس عن المسجد الحرام قالوا: هذا البيت بيتنا، ونحن أولياؤه، فولايته لنا، فنترك من نشاء، ونصد من نشاء!! فبيّن الله كذبهم فقال: ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلَاّ الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٤] ما أولياء هذا البيت ولاية حقيقية إلا الذين يؤمنون بالله ويتقون الله، أما الكفرة الفجرة فليسوا بأوليائه، وإن زعموا أنهم أولياؤه. فهذا معنى قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلَاّ الْمُتَّقُونَ﴾.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال بعض العلماء (١): عبر هنا بالأكثر عن الجميع، والعرب تعبر بالأكثر عن الجميع، وبالقلة عن لا شيء، وهو أسلوب معروف.
وقال بعض العلماء: الأكثر على ظاهره؛ لأن بعضهم يعلم أن ولاية بيت الله لمن هو مطيع لله لا من هو عاصٍ له. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٤].
[٤/أ] / ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَاّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾ [الأنفال: الآيات ٣٥ - ٣٧].
стр. 2393
يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَاّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾ [الأنفال: الآية ٣٥].
بَيَّنَ اللهُ (جَلَّ وعلا) في هذه الآية أن كُفَّارَ مَكَّةَ الذين يزعمون أنهم أولياء البيت، ما كانوا يصلون عنده، ولا يعبدون الله عنده، يعني: ليس لهم من الصلاة فيه إلا شيء هو بعيد كل البعد عن الصلاة، يعني: ما كان صلاتهم عند البيت الذي هو أول بيت وضعه الله للناس ما كانت صلاتهم عنده إلا مكاء وتصدية والتحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه في معنى المكاء والتصدية (١): أن المكاء هو: الصفير، والتصدية هي: التصفيق. كانت قريش يجتمعون ويطوفون بالبيت عراة، يصفرون ويصفقون، يزعمون أن هذا التصفير والتصفيق والعري عند بيت الله أنه عبادة، ومن أغراضهم بالتصفير والتصفيق: ألاّ يسمع الناس ما يتلوه النبي ﷺ ؛ لأن التصفيق والتصفير أصله من إلغائهم ليمنعوا من سمع القرآن، الآتي في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ [فصلت: الآية ٢٦].
العرب تقول: مَكَا، يَمْكُو، مَكْوًا، ومُكًا، ومُكَاءً، إذا: صفر.
والصفير: هو الصوت الذي يخرجه الإنسان من فيه، المعروف، وهذا معنى معروف في كلام العرب، يُسمون التصفير: المكاء. وقد أطلقه عنترة في معلقته على صوت الطعنة العظيمة يشخب منها الدم ويُسمع لها صوت كالصفير في قوله (٢):
وَحَلِيل غَانيةٍ تركت مُجَدِّلاً ... تَمكُو فريصتُه كَشِدْق الأعْلَمِ
قال بعض العلماء: أصله كصوت المُكَّاء. والمُكَّاء: طائر
стр. 2394
أبيض معروف يصوّت تصويتًا كالصفير، وهذا الطائر معروف في كلام العرب، وفيه يقول الشنفرى (١):
ولا خَرِقٍ هَيْقٍ كَأَنَّ فُؤَادَهُ ... يَظَلُّ بِهِ المُكَّاءُ يَعْفُو وَيَسْفُلُ
وقال بعضهم (٢):
إذا غَرَّدَ المُكَّاء في غَيْرِ رَوْضَةٍ ... فَوَيلٌ لأهْلِ الشَّاءِ والحُمُراتِ
وقوله: ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ التحقيق أنه مصدر (صدَّى، يُصدِّي، تصدية) إذا صفَّق. لأن التصفيق يرتفع به صدى الصوت، هذا هو الصحيح في المعنى خلافًا لمن قال: إن أصله: تَصْدِيدَة أُبْدلت الدال الأخيرة ياء، وأنها (تَفْعِلَة) من الصَّد؛ لأنهم يصدون الناس عن المسجد الحرام (٣). والأول هو الصحيح. والمعنى: أن هؤلاء الكفار الذين يزعمون أنهم أولياء البيت الحرام كيف يكونون أولياءه، وكيف يمتنعون من نزول العذاب ولا صلاة لهم عند البيت إلا الصفير والتصفيق؟ هذه صلاتهم عند البيت!! وإذا كانوا لا صلاة لهم عند البيت إلا الصفير والتصفيق فمعنى ذلك أنهم لا صلاة لهم أصلاً عنده ألبتة. وهذا أسلوب عربي معروف، تقول العرب: «لا له كذا إلا كذا» ويكون ذلك بعيدًا منه، فيدل على الانتفاء المطلق، وهذا
стр. 2395
أسلوب عربي معروف يكثر في القرآن وفي كلام العرب، قال تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: الآية ٢٩] إن كانوا لا يُغاثون إلا بهذا الماء الذي يشوي الوجوه فلا إغاثة لهم أبدًا، وهذا كثير في كلام العرب، ومنه قول بشر بن أبي حازم (١):
غَضِبَتْ تَميمٌ أن تُقتَّل عامرٌ ... يَوْمَ النسار فأُعْتِبُوا بالصَّيْلَمِ
معناه: أُرضوا بالسيف، فإن كانوا لا عُتْبَى لهم ولا رضا إلا السيف معناه: لا عُتْبى ولا رضًا لهم أصلاً، ومنه قول الآخر يصف ناقته (٢):
شَجْعَاءَ جرتها الذميل تلوكُه ... أصلاً إذا راح المطي غراثا
يقول: إن ناقته ليس لها من الجِرَّة إلا الذميل. والذميل: ضرب من السَّيْر. والجِرَّة: هي أن الناقة -مثلاً- في النهار تأكل المرعى، فإذا كان الليل أخرجت ما في بطنها فمضغته لترققه، يعني: إن كانت لا جرة لها إلا جرر المشي فلا مأكل لها ولا جرة. وأمثال هذا كثيرة في كلام العرب، وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَاّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ أيها الكفرة الزاعمون كذبًا أنكم أولياء البيت وأنكم قُطَّان بيت الله الحرام، وأنكم أهدى من محمد ﷺ ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ الباء سببية، و (ما) مصدرية، أي: بسبب كفركم.
وهذه الآية الكريمة تدل على أن التصفيق والتصفير ليسا من العبادة في شيء، وبه يُعلم أن ما يفعله كثير من الجهلة المدعين
стр. 2396
للتصوف كذبًا من الرقص والتصفيق والصراخ، زاعمين أنه عبادة أن ذلك من الخذلان وتلبيس الشيطان، وأن ذلك لا يكون عبادة أبدًا، بل أول من رقص وصفق في شيء يظنه عبادة هم عبدة العجل، وكان ذلك من أفعال الكفار، فالنبي ﷺ وأصحابه كانوا في مجالسهم كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا رأيتم الذين يصفقون ويضربون بالمعازف، ويزعمون أن هذا دين وأحوال ووجدان، فهو غرور من الشيطان، فلا ينبغي أن يُغترَّ بهم، كما ظن قريش أن مكاءهم وتصديتهم عند بيت الله الحرام عبادة، فقد وبخهم الله على ذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَاّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾ [الأنفال: الآية ٣٥].
ثم قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٦] قال بعض العلماء (١): نزلت هذه الآية في المطعمين في بدر الذين ينحرون عشرًا أو تسعًا، وقد ذكرناهم في ذكرنا لهذه الغزوة (٢)، وبينّا أن المؤرخين يقولون: إن أول من نحر لهم: أبو جهل عشرًا من الإبل، ثم نحر لهم أمية بن خلف تسعًا بعسفان، ثم نحر لهم سهيل بن عمرو عشرًا بقديد، ثم ذهبوا إلى المياه من ناحية الساحل، وأقاموا هناك يومًا، فنحر لهم شيبة بن أبي ربيعة (٣) ذلك القدر من الإبل، ثم أصبحوا بالجحفة، فنحر لهم أخوه عتبة، ثم
стр. 2397
أصبحوا بالأبواء فنحر لهم منبه ونبيه ابنا الحجاج السهميان المشهوران الذين هم ممن قُتلوا يوم بدر، ثم نحر لهم العباس بن عبد المطلب ﵁، ونحر لهم أبو البختري بن هشام عشرًا على ماء بدر، فهذه الإبل التي ينحرون ينفقونها ليصدوا عن سبيل الله.
وقال بعض العلماء (١): نزلت في أبي سفيان بن حرب، أنفق أربعين أوقية على جماعة من الأحابيش -والأحابيش: جمع أُحبوش، وهم جماعة متجمعون ساكنون في ظواهر مكة، أنفق عليهم- أربعين أُوقية ليذهب معه جماعة منهم إلى أُحُد.
والذي عليه جمهور العلماء من المفسرين وأصحاب المغازي والتاريخ: أن هذه الآية من سورة الأنفال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ٣٦] نزلت في قضية قريش مع عير أبي سفيان؛ لأن عير أبي سفيان لما نجت وقُتل من قُتل من أشرافهم يوم بدر اجتمع أشراف قريش وطلبوا كل من كانت له تجارة في تلك العير أن يمنحهم ذلك المال ليستعينوا به ويستعدوا على حرب النبي ﷺ طالبين منهم إدراك الثأر، فكانت إمكانيات أُحد هي من أموال تجارات تلك العير، وأن ذلك هو معنى إنفاقهم ليصدوا عن سبيل الله. هذا هو الأصوب إن شاء الله، وعليه جماهير العلماء.
﴿يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ كإنفاقهم أرباح تجارة عير أبي سفيان ليحاربوا بها النبي ﷺ ، ليصدوا الناس عن سبيل الله، في زعمهم أنهم يأخذون ثأرهم من محمد ﷺ فَيُضْعِفُون الإسلام ويُقَوُّون الكفر.
стр. 2398
هذا معنى صدهم عن سبيل الله.
وقد قدمنا مرارًا (١) أن لفظة (صد) تستعملها العرب استعمالين، تستعملها (صد) متعدية إلى المفعول ومضارع هذه (يصُد) بالضم على القياس لا غير، ويستعملون (صد) لازمة لا متعدية، ومضارع هذه فيه الضم والكسر، ومصدرها (الصدود)، تقول: «صد زيدٌ عَمْرًا، يصُده صَدًّا، وصد عمرو عن هذا الأمر، يَصِد ويصُد صدودًا». هذا معروف في كلام العرب، ومن اللازمة ولُغَتَيْها: القراءتان (٢) في قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ﴾ [الزخرف: الآية ٥٧] وهذه متعدية، والمفعول محذوف لدلالة المقام عليه، وحذف الفضلة إذا دل الدليل عليها مطرد شائع في القرآن وفي كلام العرب، أي: ليصدوا الناس عن سبيل الله، لإضعاف الإسلام في زعمهم وقوة شوكة الكفر، حتى يسيطر على الناس فلا يتركهم يسلمون. هذا معنى قوله: ﴿لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
﴿فَسَيُنفِقُونَهَا﴾ كأنه قال: إن الذين أرادوا ذلك سيفعلونه وينفذونه، ثم تكون العاقبة وخيمة ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ الحسرة: أشد الندامة، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ﴾ [البقرة: الآية ١٦٧] أي: ندامات شديدة ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: الآية ٣٠] أي: يا ندامتهم احضري فهذا وقتك، وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي: ندامة شديدة
стр. 2399
حيث أضاعوها ولم تُجْدِ عنهم شيئًا، بل كانت الدائرة منتهاها عليهم، والغلبة عليهم، وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٦] ثم يكون المآل أن يُغلبوا ويُقهروا كما كان المآل أن قُتل هؤلاء وفُتحت مكة يوم فتح مكة، وصاروا الطلقاء، وضاعت تلك الأموال، ولم تُجْدِ عنهم شيئًا، ولم تغن لهم شيئًا.
وهذه الآية الكريمة أشارت إلى ركنٍ من ركني ما يسمى (الاقتصاد)؛ لأن القرآن العظيم تنزيل رب العالمين، يوضح الله به أصول جميع الأشياء التي يحتاج لها البشر، والنبي ﷺ يبسط ذلك ويبينه، وهذا الذي يعبر الناس عنه اليوم في عرفهم بـ (الاقتصاد)، أشارت هذه الآية الكريمة إلى أحد ركنيه، وإيضاح ذلك أن ما يسمى بـ (الاقتصاد) أن جميع مسائله المتشعبة راجعة في الحقيقة إلى أصلين لا ثالث لهما:
أحد هذين الأصلين: هو حسن النظر في اكتساب المال، ومعرفة الوجوه التي يحصل بها ذلك.
والثاني منهما: حسن النظر في صرف المال في مصارفه، ولا بد لأحدهما من الآخر، فالاقتصاد إذن عمل مزدوج لا يصح أحد ركنيه دون الآخر؛ لأن الذي لا يقدر على اكتساب المال، ولا يعرف الطرق التي يكتسبه بها لا يكون صاحب اقتصاد، وكذلك الذي يعرف طرقه وهو ماهر في تحصيله، إذا كان لا يعرف صرفه بالحكمة فإنه لا يجديه شيئًا؛ لأن الإناء المخروق لو جعلت فيه البحر لما ملأه، فلا بد من حسن النظر في الاكتساب أولاً، ثم حسن النظر في الصرف ثانيًا. وهذه الآية الكريمة من سورة الأنفال أشارت إلى أحد الركنين،
стр. 2400
وهو حسن النظر في الصرف في المصرف؛ لأن الصنيعة إذا لم تطابق مصرفها فلا فائدة فيها:
إن الصَّنيعة لا تُعَدّ صنيعةً ... حتى يُصَاب بها طريق المَصْنَعِ (١)
والبذل فيما لا يجدي ليس من الاقتصاد في شيء، وإنما هو تبذير، وقد ذم بعض الأدباء من يعطي ويمنع غير مركز ذلك على الحكمة فقال (٢):
لا تَمْدَحَنَّ ابنَ عباد وإن هَطَلتْ ... يداهُ كالمُزنِ حتى تُخْجِل الدِّيَما ...
فإنها فلتات من وسَاوسه ... يعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرما
فقوله في هذه الآية: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [لأنفال: الآية ٣٦] بينت أن الصرف فيما لا يرضي الله أنه ندامة وحسرة، وأنه إخلال بأحد ركني الاقتصاد، فلا بد أن يكون الصرف واقعًا موقعه فيما يرضي من خلق هذا الكون.
وهذا الأمر - الذي هو الاقتصاد - أمر عظيم؛ لأن المال شريان الحياة، ولا سيما في هذا الزمن التي كانت طرق الاقتصاد إنما مهّدها ومهد جميع الطرق إلى اكتساب الأموال كائنة ما كانت، مهدها كفرة فجرة لا يدينون لله، ولا يأتمرون بأمره، فجعلوا أسسها مبنية على الربا وعلى الحرام، وعلى الغرر وعلى جميع المعاملات التي لا ترضي الله، ومع الأسف كان المتسمون باسم الإسلام ذَنَبًا
стр. 2401
لهم يرتكبون المحرمات في تلك المعاملات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ونحن نلم بشيء قد دلت عليه هذه الآية كأصول لهذا الأمر المهم؛ لأن هذه الآية والآيات غيرها من كتاب الله دلت على أن له أربعة أمور، إذا نظر الناس فيها وأتقنوها كان اقتصادهم على الوجه المطلوب؛ لأنا ذكرنا الآن أن جميع مسائل الاقتصاد وإن تشتتت وتشعبت راجعة في الحقيقة إلى أصلين لا ثالث لهما، هما: حسن النظر في اكتساب المال، وحسن النظر بعد أن يحصل المال في صرفه في مصارفه. وهذان الركنان لا بد لكل منهما من نظرتين مختلفتين، فتكون أربعًا من ضرب اثنين في اثنين، والنظرتان المختلفتان لا بد منهما لكل من الركنين.
أما أحدهما: فهو معرفة حكم الله (جل وعلا) في نوع ذلك الاكتساب، وفي نوع ذلك الصرف؛ لأن الله (جل وعلا) خلق الإنسان محتاجًا للنساء، ومفتقرًا للغذاء، وخلق له ما في الأرض جميعًا، ولم يتركه سدىً يتصرف فيه باختياره، بل التصرف لا بد أن يكون بإذن مالك الملك، خالق هذا الكون (جل وعلا)، فالنظرة الأولى إذا أردت أن تكتسب مالاً بوجه من أوجه الاكتساب، أو تصرف مالاً في وجه من أوجه الصرف أن تعرض هذا الاكتساب أو هذا الصرف على ضوء هذا المحكم المنزل، ونور هذا الوحي الذي جاء به محمد ﷺ ، فتنظر أيجيزه أو يمنعه؟ فإن عرفت أنه يمنعه تركته؛ لأن خالق هذا الكون المشرع لهم ما جعل عليهم تضييقًا في التشريع، وما شرع لهم إلا ما فيه السعة الكاملة لهم تكفيهم كل مهماتهم، وإذا نظرت في حكم الله، في طرق الاكتساب، وفي حكم الله في صرف المال؛ لأن
стр. 2402
بعض المصارف التي يصرف فيها المال قد تكون على صاحبها حسرة ثم يغلب، كما قال هنا: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٦] وبهذه النظرة أن تنظر في وجه اكتساب المال وفي وجه صرفه في مصرفه إذا عرضتها على ضوء القرآن، وما جاء به محمد ﷺ كفاك هذا من الفِكَر الهدامة، والمذاهب المفقرة الخسيسة -عليها وعلى من جاء بها لعائن الله- كنظرة الماركسيين، واللينيّين، وأتباعهم -دمرهم الله جميعًا- فإن هذا إذا عرضته على كتاب الله وجدت ذلك الذي يدعون إليه ويبنون عليه نحلتهم لا يجيزه الله ولا يرضاه، فاكتفيت شره بالكلية.
ثم بعد ذلك إذا عرضت وجه الاكتساب ووجه الصرف على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وعرفت أنه جائز؛ فالنظرة الثانية: هي تحقيق المناط وتطبيق هذا، فقد يكون هذا الوجه الاكتساب به حلالاً إلا أنه ما كل الناس يقدر على تحصيل هذا الوجه والاكتساب بهذه الطريق، فيُنظر له من يعرف ذلك بالخبرة الدنيوية ليقدر على تحصيل المال به في ضوء الشرع الكريم، وكذلك الصرف في المصارف يحتاج إلى من يقدر عليه؛ لأن بعض المصارف لا يقدر كل الناس أن يقوم به، ولا سيما ما يسمونه (المشاريع العامة) فإنه ما كل الناس يقدر على تنفيذها، فإن المشروع العام الذي عُرف أن الشرع يجيزه، وأن فيه مصلحة لجميع المسلمين، وأن ولي أمر المسلمين إذا بذل فيه من مال المسلمين كان ذلك البذل جائزًا، لعظم المصلحة العائدة لعامة المسلمين منه، فإنه يحتاج إلى خبراء دنيويين يعرفون كيف ينفذون ذلك الصرف على الوجه المطلوب.
стр. 2403
فهذه الأركان الأربعة أشارت إليها هذه الآية، وهي أصول الاقتصاد، ولو وفق الله المسلمين ونظروا في أصول الاقتصاد، وما جاء به من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ لأمكنهم استغلال ثرواتهم، والانتفاع بها في ضوء كتاب الله على طريق يغمرهم فيها المال، ولا يزاولون ما يسخط ربهم (جل وعلا)؛ لذا قال تعالى: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾.
ثم قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٦]، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٣٦] ومن جملتهم: الذين ينفقون المال ليصدوا بإنفاقه عن سبيل الله ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ أي: إلى النار، كما قال (جل وعلا)، في أصحاب جهنم: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر: الآية ٤٤] والعياذ بالله ﴿إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ يُجمعون يوم القيامة، وقد بين الله كيفية جمعهم إليها في آيات كثيرة من كتابه، كما قال: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: الآية ٨٦] وقال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ الآية [الزمر: الآية ٧١] وهذا معنى قوله: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ وتقديم المعمول الذي هو الجار والمجرور يؤذن بالحصر؛ أي: لا يحشرون إلى شيء غير النار والعياذ بالله جل وعلا.
وقوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: الآية ٣٧] قال بعض العلماء (١): اللام في قوله ﴿لِيَمِيزَ﴾ تتعلق بقوله:
стр. 2404
﴿إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٦].
قرأه حمزة والكسائي: ﴿ليُمَيِّزَ الله الخبيث من الطيب﴾ وقرأ باقي السبعة: ﴿لِيَمِيزَ﴾ بفتح الياء وكسر الميم (١).
كما أن حمزة والكسائي قرءا: ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: الآية ٣٥] بإشمام الصاد الزاي (٢). وقرأ غيرهم من السبعة: ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ بالصاد الخالصة غير المشمة بالزاي.
وهذا معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ حشرهم الله إلى جهنم ليميز بذلك - يزيِّل ويفرق - بين الخبيث والطيب، فالخبيث أهل النار، والطيب أهل الجنة، فالله حشر هؤلاء إلى شر دار، وحشر هؤلاء إلى خير دار ليميز ويفرق ويُزيّل بين الخبيث والطيب، وعلى هذا القول فالمَيْزُ بينهم في الآخرة، وقال بعض العلماء (٣): هي تتعلق بقوله: ﴿يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ٣٦] يعني: أقدر الله الكفار على عداوة الإسلام والصد عنه ومحاربته ليُميز للناس ويبين لهم الخبيث من الطيب. وهذا التفسير مثله قد جاء موضحًا في سورة آل عمران، حيث قال الله جل وعلا: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: الآية ١٧٩] إلى آخر القصة. وهذا معنى قوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي: يجعل كل واحد منهما متميزًا عن الآخر، منفصلاً عنه لا لبس بينهما،
стр. 2405
﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ﴾ وهو الكفار، الكفر وأهله. قال بعضهم: ويدخل فيه المال المنفق ليصد به عن سبيل الله.
وعلى هذا القول فالمال الذي ينفقه الإنسان ليصد به عن سبيل الله، يركم معه في النار، كما قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ [التوبة: الآيتان ٣٤ - ٣٥] فصرح في هذه الآية من براءة أن ذلك الذهب والفضة الذي كانوا يكتنِزونه يدخل معهم في النار ويكوون به فيها، فهذا يشابه هذا التفسير الذي قال: إن المال الخبيث الذي صرفه صاحبه في الدنيا للصد عن سبيل الله أنه يركم معه في جهنم، فيعذب به، وقد ثبتت الأحاديث عنه ﷺ أن الذي كانت عنده ماشية ولا يزكيها تُجعل لها في ضحضاح من جهنم، فتدوسه بأرجلها (١) (والعياذ بالله)، هذا معنى قوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ﴾ من أهل الكفر وما كانوا ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله ﴿بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾، العرب تقول: ركمه يركمه، إذا جعله ركامًا متراكمًا، أي: يركب بعضه بعضًا، ويعلو بعضه بعضًا، كما في قوله: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: الآية ٤٣] فيجعله كله في النار ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ هؤلاء الذين يُجمعون كلهم فيركمون في جهنم موصوفون بصفة الخبث هم الخاسرون الذين غُبنوا في حظوظهم من ربهم (جل وعلا)، وخسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين.
стр. 2406
﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ (٣٨) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ [الأنفال: الآيات ٣٨ - ٤٠].
﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [الأنفال: الآية ٣٨].
لمّا بين الله (جل وعلا) أن الكفار يُحشرون إلى جهنم، وأنهم يضم بعضهم إلى بعض فيُركم بعضهم فوق بعض فيجعلون في نار جهنم، أمر نبيه ﷺ أن يقول لهم: إنهم إن انتهوا عما هم عليه من الكفر، ورجعوا إلى ما يرضي ربهم فآمنوا به وصَدَّقُوا رَسُولَهُ، يُغْفَرْ لهُمْ جَمِيع ما سلف منهم من الكفر، ولا يكون عليهم ذَنْب من جميع ما مضى. ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يا نبي الله قل لهم ﴿إِن يَنتَهُواْ﴾ لم يقل له: خاطبهم، حتى يقول: إن تنتهوا يُغْفَر لكم ما قد سلف. كأنه أمره بتبليغهم: إن ينتهوا عما هم عليه من الكفر يُغفر لهم، وحذف الفاعل؛ لأن من المعلوم أنه لا يَغْفِرُ ما سَلَفَ إلا اللهُ وَحْدَهُ، ليس هو ذلك غيره، يحتمل أن يكون هو الفاعل؛ ولذا حَذَفَ الفَاعِلَ لِلْعِلْمِ به وعَدَمِ الحَاجَةِ إِلَى ذِكْرِهِ؛ لأنه معروف ﴿يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله: ﴿مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: ما مَضَى قبل انتهائهم من جميع ما ارتكبوه من أنواع الكفر والمعاصي، وهذا معنى قوله: ﴿إِن يَنتَهُواْ
стр. 2407
يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وَإِن يَعُودُوا﴾: اختلف العلماء في المراد بالعَود هنا (١)، فقال بعض العلماء، هذه الآيات من سورة الأنفال نزلت بعد وَقْعَةِ بدر، والمعنى ﴿وَإِن يَعُودُوا﴾ للقتال كما فعلوا يوم بدر ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ﴾ أي: طَرِيقَة الله فيما مضى بين رسله وأتباعهم وبين الكفرة (٢).
قال بعض العلماء: ﴿الأَوَّلِينَ﴾ يعني الذين هلكوا منكم فقتلوا وأُسروا يوم بدر، مضت سنة الله فيهم، فأَظْهَرَ علَيْهِمْ نَبِيَّهُ، ونصره عليهم، فإن عدتم إلى القتال أجرى عليكم تلك السنة؛ لأنه لا تجد لسنة الله تبديلاً. وقال بعض العلماء: المراد بالأولين الأمم الماضية ممن قبلنا؛ لأَنَّ كُلَّ أمَّةٍ كَذَّبَتْ رسولَها وتمرَّدَتْ عَلَى رَبِّهَا أهلكها الله (جل وعلا)، يعني: وإن تعودوا إلى ذلك الكفر والطغيان أهلككم كما فعل بجميع الأمم قبلكم ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾ [المؤمنون: الآية ٤٤]، وهذان الوجهان في قوله ﴿سُنَّتُ الأَوَّلِينَ﴾ أي: سنة الله فيهم، وأصل السنة: الطريقة والشريعة، والشريعة في اللغة: الطريق، والشرائع: الطرق، وكون السنة هي الطريق الذي يمشي عليه أمر معروف في كلام العرب، ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته (٣):
مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّتْ لهُمْ آبَاؤُهُمْ ... وَلِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمَامُهَا
أي: طريقة متبعة، وطريقة الله مع الكفرة أنهم إن كذبوا رسله
стр. 2408
وتمردوا عليه أهلكهم، كما نطقت به الآيات القرآنية بكثرة، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ﴾.
وقال بعض العلماء: المراد بالعَوْد هنا: الاستمرار، أي: وإن يستمروا على ما هم عليه من الكفر فقد مضت سنة الأولين. وربما أطلقت العرب ابتداء الفعل على دوامه، مثل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: الآية ١]، أي: اسْتَمِرّ ودُم على تقواه. هذان الوجهان في قوله: ﴿وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٣٨].
وأمر الله النبي ﷺ وأصحابه قال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: الآية ٣٩] (لا تكون) مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة بعد (حتى)، و (لا) النافية لا تمنع من ذلك النصب ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قال أكثر العلماء (١): المراد بالفتنة هنا: الشرك؛ أي: حتى لا يَبْقَى شِرْكٌ على وَجْهِ الأرض، ويدل لهذا المعنى قوله بعده -يليه-: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ لأن الدين لا يكون كله لله إلا إذا لم يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ شِرْكٌ، فعندئذٍ يكون الدين كله لله. ويؤيد هذا المعنى وهذا التفسير الذي دلت عليه القرينة القرآنية قوله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا منعُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَاّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» (٢) هذا هو الأظهر. وجاء في صحيح البخاري في تفسير هذه الآية عن عبد الله بن عمر ﵄ ما يدل على أن المراد بالفتنة: فتنة الرجل عن دينه، كالمستضعف الذي إذا آمن حَبَسُوه وأوثقوه، أو قتلوه حتى يترك
стр. 2409
دينه (١)، يعني: قاتلوهم حتى ينتشر الإسلام، وتنكسر شوكة الكفر، بحيث لا يقدرون على رد إنسان عن دينه، ولا قتل إنسان ولا ضربه ولا إيثاقه بسبب الإسلام؛ لأنهم كانوا في أول الإسلام يفتنون الضعفاء عن دينهم، فكان أمية بن خلف -قبحه الله- يعذب بلالاً فيُضْجعه في نهار الصيف في رمضاء مكة، فيضع الحجارة على صدره ويعذبه ليكفر بمحمد ﷺ ، وهو يقول: أحد أحد.
وكذلك أوذوا كثيراً، فقُتل في ذلك أبو عمار بن ياسر وأمه، وأما هو فلما أرادوا أن يفعلوا به ذلك وخاف القتل قال كل ما يريدون منه، فَسَبَّ رسولَ الله ﷺ ، وسيأتي -إن شاء الله- إيضاح قصته في الآية النازلة به في سورة النحل في قوله: ﴿إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ الآية [النحل: الآية ١٠٦]. وهذا معنى قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: الآية ٣٩] والقول الأول يدخل فيه هذا؛ لأنه إذا انتفى الشرك لا يكون هناك كافر يَفْتِنُ المسْلِمِينَ عَنْ دينهم، وهذا معنى قوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.
﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾ عن كُفْرِهِم وأسْلَمُوا: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فهو بصير بعملهم يجازيهم عليه، ﴿وَإِن تَوَلَّوْا﴾ [الأنفال: الآية ٤٠] أعرضوا ولم يرجعوا عن كفرهم ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿مَوْلَاكُمْ﴾ ناصركم عليهم، لا يحزنكم توليهم وإعراضهم وإصرارهم على الكفر، فالله مولاكم ناصركم
стр. 2410
عليهم، و (المولى) وزنه في الميزان الصرفي (مَفْعَل) من الولاية، والمولى في لغة العرب (١): هو كُلّ مَنْ يَنْعَقِدُ بينك وبينه سبب يجعلك تُوَاليه ويُوَالِيكَ؛ ولذا كثر إطلاق الموْلَى على ابن العم؛ لأن عصبية العُمُومة تجعله ينتصر لك وتنتصر له. وقد أطلق الموالي على العصبة في قوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: الآية ٣٣] العصبة الوارثون. ومنه قول الفضل بن العباس من ذرية أبي لهب (٢):
مَهْلاً بني عَمِّنَا مَهْلاً مَوَالينا ... لَا تُظْهِرُوا لَنَا مَا كَانَ مَدْفُونَا
ومن هذا المعنى قول طرفة بن العبد (٣):
وأَعْلمُ عِلْماً لَيْسَ بالظنِّ أَنَّهُ ... إِذَا ذَلَّ مَوْلَى المَرءِ فَهْوَ ذَلِيلُ
ولكون المولى في لغة العرب يطلق على كل مَنْ بَيْنَكَ وبينه سبب موالاة يُوَالِيكَ بِهَا وتوالِيهِ بها، وكثرت معانيه فأُطلق على بني العم، وعلى العصبة، وعلى المعتَقِين، والمُعْتِقِين بالفتح والكسر، وعلى الناصر، وعلى الصاحب. لأن كلاًّ ينعقد بينك وبينه سبب، فلما انعقد بين الكفار وبين النار سبب تجعلهم يدخلونها، ويخلدون فيها، وهي تؤذيهم بِحَرِّهَا قال تعالى: ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ [الحديد: الآية ١٥] فجعل النار مولاهم لانعقاد السبب بَيْنَهُمْ وبينها بكفرهم،
стр. 2411
وكونها دار الله التي يُعذب بها أعداءه، فهذا معنى قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٠] وهذه ولاية نصر.
وقد أُطلقت الولاية في القرآن بالنسبة إلى الله (جل وعلا) إطلاقين: أطلق المولى بمعنى الولاية الخاصة، وهي: النصر والتمكين والتوفيق، كقوله هنا: ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ [التحريم: الآية ٤] وهذا كثير في القرآن؛ ولذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾ [محمد: الآية ١١] أي: لا مولى لهم ولاية نصر وتمكين. وأطلق المولى صادقاً بالكفار؛ لأنها ولاية خلق وقدرة وربوبية وملك، وهو في قوله: ﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ﴾ [الأنعام: الآية ٦٢] وهي في الكفار؛ لأنه مولى الكفار ولاية ملك وتصرّف ونفوذ وقدرة، ومولى المؤمنين ولاية نصر وتمكين وثواب. فهذا معنى قوله: ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾.
﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (نعم) فعل جامد لإنشاء [المدح] (١). والتحقيق أنه فعل ماض جامد (٢)؛ لأن تاء التأنيث تدخل عليه:
نِعْمتْ جَزَاءُ المتقين الجنَّهْ ... دارُ الأمَانِي والمُنَى والمنّهْ (٣)
خلافًا لمن زعم أن (نِعْم) اسم. قالوا: لأن أعرابيّاً قيل له: ولدت امرأتك بنتاً. فقال: ما هي بنعم الولد (٤)، فأدخل عليها حرف
стр. 2412
الجر الذي هو الباء، ودخول حرف الجر من علامات الاسم. والمحققون من علماء العربية: أن (نِعْم وبئس) فعلان ماضيان جامدان لإنشاء [المدح أو] (١) الذم. قالوا: وقول الأعرابي: ما هي بِنِعْم الولد. وقول الآخر: نِعْمَ السَّير على بِئس العَير (٢) محكي قول محذوف، أي: ما هي بولد مقول في جنسه نِعْمَ الولد.
وقوله: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (المولى) فسرناه الآن، و (النصير): (فَعِيلٌ) بمعنى (فَاعِل)، بمعنى الناصر، وأصل النصر في لغة العرب: إعانة المظلوم، وتخليصه بالإعانة من الظلم، فإنه (جل وعلا)، كأنه في هذه الآية بيَّن الثناء على نفسه، الثناء الكامل الذي يستحقه في ولايته لأوليائه، ونصره لهم.
قال بعض العلماء: بين (المولى) و (النصير) عموم وخصوص من وجه، يجتمع (المولى) و (النصير) في بني عمك وعصبتك إذا كانت لهم قدرة على نصرك، وإعانتك على عدوك، فإذا جاء دونك بنو عمك وعصبتك ومنعوك من أعدائك، اجتمع فيهم أن كل واحد منهم مولى، وأنه نصير، وينفرد (المولى) عن (النصير) في قرابتك وعصبتك إذا كانوا ضعفاء، لا يقدرون على نصرتك، فالواحد منهم مولى وليس بنصير؛ إذ لا طاقة له على النصر، وينفرد (النصير) عن (المولى) بالأجنبي الذي ليس بينك وبينه سبب ولاية إذا نصرك وأعانك ومنعك من عدوك، فهو نصير وليس بمولى. وهذا واضح.
قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ
стр. 2413
وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾ [الأنفال: الآيتان ٤١، ٤٢].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال: الآية ٤١].
(واعلموا) معناه: تيقنوا؛ لأن العلم إذا أُطلق في القرآن معناه اليقين في جميع القرآن، وقد جاء في حرف في سورة الممتحنة إطلاق العلم مراداً به الظن الغالب، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: الآية ١٠] ﴿عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: الآية ١٠] أي غلب على ظنكم، ظنّاً قويّاً مزاحماً لليقين، ولا يكاد العلم في غير هذا الموضع يُطلق في القرآن إلا مراداً به اليقين الجازم، الذي لا يخالجه ظن ولا وَهْمٌ ولا شك.
﴿أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ (ما) موصولة، و (أن) مصدرية، أن الذي غنمتم من شيء، وصيغ الموصول قد تقرر في علم الأصول أنها من صيغ العموم (١)؛ لأن الموصول يعم كل ما تشمله صلته،
стр. 2414
و ﴿مِّن شَيْءٍ﴾ بيان للموصول، من شيء كائناً ما كان، إلا ما سنذكره مما أخرجه دليل مُخصِّص.
﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قراءة جماهير القراء، منهم السبعة: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وفي بعض الروايات الضعيفة عن بعض السبعة: ﴿فإن لله خمسه﴾ وقد رواه الجعفي عن أبي عمرو (١)، أما الرواية التي عليها جمهور القراء، وهي رواية السبعة الصحيحة عنهم: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وهنا محذوف دل عليه المقام: فحقه أن لله خمسه، أو: فواجب حتم أن لله خمسه. والخُمس معروف، ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهذه الآية الكريمة من سورة الأنفال قد تضمنت أحكاماً كثيرة من أحكام الجهاد، ومن أحكام الغنائم (٢)، وقد يحتاج لها المسلمون؛ لأنا نرجو الله (جل وعلا) أن يرفع علم الجهاد، ويقوي كلمة لا إله إلا الله، وأن تخفق رايات المسلمين في أقطار الدنيا، فيحتاجون إلى تعلم ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أحكام الجهاد، ولما كان القرآن العظيم هو مصدر جميع العلوم؛ لأنه الكتاب الذي حوى جميع العلوم، وكانت أصول جميع الأشياء كلها فيه، أردنا هنا أن نبين جُملاً من الأحكام التي أشارت إليها هذه الآية الكريمة، ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ معناه: الذي غنمتم، وهي الغنائم التي يحُوزها المسلمون من أموال الكفار إذا انتصروا عليهم فقهروهم، وأموال الكفار على قسمين (٣):
قسم: ينتزعه المسلمون منهم بالقوة والغلبة.
стр. 2415
وقسم: يصل إلى المسلمين من غير انتزاع بالقوة من أهله الكفار.
والاصطلاح المشهور عند الفقهاء أن بينهما فرقاً، أن الغنيمة هي ما ينتزعه المسلمون بالقوة من الكفار، أما ما ييسرُهُ الله للمسلمين بلا قتال فهو المُسَمَّى بـ (الفيء) وحكمهما مختلف على التحقيق الذي عليه جماهير العلماء ودل عليه القرآن؛ لأن الفيء هو المال الذي ينالُهُ المسلمون من الكفرة من غير أن ينتزعوه بالقوة، ولا أن يوجِفوا عليه بخيل ولا ركاب، كأموال بني النضير، فإنهم نَزَلُوا على حُكْمِ النبي ﷺ ، ومَكَّنَهُ اللهُ مِنْ أموالهم مِنْ غَيْرِ أن تُنْتَزَعَ منهم بالقوة، وقد سَمَحَ لهم النبيّ ﷺ أن يَحْمِلُوا على الإبل ما قدروا أن يحملوه، واستثنى السلاح كما ستأتي تفاصيله في سورة الحشر؛ لأنها كلها نزلت في قصة بني النضير، هذا هو الفيء، وهو المذكور في سورة الحشر، وقد نص الله في سورة الحشر على أن مَصَارِفَهُ هِيَ مَصَارِف خُمس الغَنِيمَة؛ لأنه قال هنا: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] وقال هناك: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ فبيّن بقوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: الآية ٦] الفرق بين الفيء والغنيمة؛ لأنه مال لم تنتزعوه بالقوة والسلاح من أهله، ولم تسرعوا في انتزاعه على الخيل والركاب التي هي الإبل، ثم قال مبيناً مصارفه وأنها هي مصارف الخُمس: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: الآية ٧] مثل ما ذكر هنا في مصارف الخُمس سواء بسواء، وشذّ بعض العلماء فقال: إن الفيء والغنيمة سواء.
وهذا القول
стр. 2416
مشهور عن قتادة وطائفة من العلماء، وهو قول وإن كانت تساعده اللغة فالشَّرع والحقيقة الشرعية لا تساعده؛ لأن العَرَبَ تطلِقُ في لُغَتِهَا الفيء على جميع ما يُغنم، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التَّغْلِبي أخي كليب (١):
فَلَا وَأَبِي جليلَةَ مَا أَفَأْنَا ... مِنَ النعم المؤَبَّلِ مِنْ بَعِيرِ
وَلَكِنَّا نَهَكْنَا الْقَوْمَ ضَرْباً ... عَلَى الأَثْبَاجِ مِنْهُمْ وَالنّحُورِ
يعني: لم نشتغل بالغنائم، وإنما اشتغلنا بقتل الرجال.
وربما أُطلق الفيء في القرآن مراداً به كل غنيمة، كقول قتادة، وذلك في قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: الآية ٥٠] لأن المسبيات حكمها في هذا سواء، سواء كانت فيئاً أو غنيمة، إلا أن الاصطلاح المعروف هو التَّفْرِقَة بين ما أوجف عَلَيْهِ بالخَيْلِ والرِّكَابِ، وبَيْنَ مَا أُخِذَ عَفْواً من غير انتزاع بالقوة، كما قال هنا: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ فبيّن أنهم غَنِمُوهُ وانْتَزَعُوهُ مِنْهُمْ قَهْراً، وقال في الآخر الذي هو الفيء: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: الآية ٦] فكيف تستحقونه ولم تنتزعوه بالقوة، ولم تُوجِفُوا عليه بالخيل ولا الإبل؟!
والإيجاف: الإسراع كما هو معروف.
стр. 2417
وهذه الآيَةُ الكَرِيمَةُ دَلَّت على أن أربعة أخماس الغنيمة [أنه] (١) للمجاهدين الغانمين الذين غنموها؛ لأن قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ... ﴾ الآية، يدل على أن المعنى: وأما الأخْمَاس الأربعة فَهِيَ لِلْغَانِمِينَ المجاهدين، ويدل على ذلك إِسْنَادُهُ غَنِيمَتَه إليهم في قوله: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ وهذا هو التحقيق وعليه جماهير العلماء أن أربع أخماس الغنيمة للمسلمين المجاهدين الذين غنموها، تُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ بالسَّوَاءِ، وأن خمُس الغنيمة هو يُصرف في هذه المصارف المذكورة وسَنُوَضِّحُها -إن شاء الله- واحداً واحداً. هذا هو المذهب الحق وعليه جماهير العلماء، وخالف في هذا قوم من العلماء -منهم طائفة من علماء المالكية وغيرهم (٢) - قالوا: إن الغَنَائِمَ كلها والفيء شيء واحد، وأن التصرف فيه كله لرسول الله ﷺ يعطي الغانمين ما شاء ويمنعهم ما شاء. وهذا القول وإن قال به جماعة من المالكية وغيرهم من العلماء فهو خلاف التحقيق.
والذين قالوا هذا القول استدلوا بأدلة كلها مردودة مجاب عنها، قالوا: مِنْ أَدِلَّتِهِ أن الغَنَائِمَ هِيَ الأَنْفَالُ، وقد تَقَدَّمَ في أول السورة قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: الآية ١] فَصَرَّحَ بِأَنَّهَا لله وللرسول ﷺ ولم يجعل للغانمين فيها حقّاً مستقلاًّ إذا لَمْ يَشَأ الرَّسول ﷺ أن يعطيهم. قالوا: ويَتَأَيَّدُ هَذَا بأمور، منها: أن النبي ﷺ لم يقسم مكة حين افْتَتَحَها عنوة، وأنه (صلوات الله وسلامه عليه) في غزوة حنين لما أخذ غنائم هوازن أعطى صفوان بن أمية ما ملأ بين جبلين من الغنم، وأعطى عيينة بن حصن مائة من
стр. 2418
الإبل، والأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عطايا كثيرة، ولم يعط الأنصار منها شيئاً، حتى غضب الأنصار وقالوا: يعطي الغنائم عنا لقريش وسيوفنا تقطر من دمائهم!! فعلم النبي ﷺ بما قالوا فَأَرْسَلَ مَنْ جَمَعَهُمْ وقال: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ مُتَعَادِينَ فَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بِي؟!» قالوا: بلى. قال: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ اللهُ مِنْهَا بِي؟» قالوا: بلى يا رَسُول الله ﷺ . فلما عدَّد عليهم بعض النِّعَمِ التي أنْعَمَ الله عليهم بسبب رَسُول ﷺ اعْتَرَفُوا بذلك كله وسكتوا، قال لهم: «أَلَا تُجِيبونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ؟!» قالوا: وكيف نجيب رَسُول الله ﷺ ؟! قال: «قُولُوا: ألمْ يُكَذِّبْكَ النَّاسُ فَصَدَّقْنَاكَ؟ أَلمْ يُعادِكَ الناسُ فآوَيْنَاكَ ونَصَرْنَاك؟!» ثم قال: «يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ أَلَا تَرْضَوْنَ بأَنْ يَرْجِعَ النّاسُ إِلَى بُيُوتِهِمْ بِالشَّاةِ والبَعِيرِ، وتَرْجِعُونَ إِلَى بُيُوتِكُمْ بِرَسُولِ ﷺ ؟» قالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسمة.
وطابت نفُوسهم (١). قال قائل هذا القول من المالكية وغيرهم من العلماء كقتادة: لو كانت الغنيمة مُسْتَحَقَّة لِلْغَانِمين ولم يكن للإمام أن يفعل فيها كيف يشاء، كيف يُفَضِّل النبي ﷺ المؤلَّفَةِ قلوبهم كالأَقْرَعِ بن حابس، وعُيَيْنَةَ بن حِصْن، وصَفْوان بن أمية ويمنع الأنصار، والأنصار أحَقّ؟! وكيف يفضل الأقرع بن حابس التميمي،
стр. 2419
وعيينة بن حصن الفزارِي على العباس بن مرداس السلمي وهو حسن الإسلام جدّاً؟! وقد غار منهم العباس بن مرْدَاس حتى قال شِعْرَهُ المشهور، قاله أمام النبي ﷺ لما أعطى عُيينة مئة، والأقرع مئة، وأعطى العباس بن مرداس قليلاً، قال مخاطباً لرسول الله ﷺ (١):
أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ العُبَيْـ ... ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ ...
وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ ...
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَضَعُ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ ...
وَقَدْ كُنْتُ فِي الحَرْبِ ذَا تُدْرأ ... فَلَمْ أُعْطَ شَيْئاً وَلَمْ أُمْنَعِ ...
وَإِلَاّ أَبَاعِيرَ أُعْطِيتُهَا ... عَدِيدَ قَوَائِمِهِ الأَرْبَعِ ...
وَكَانَتْ نِهَاباً تَلَافَيْتُهَا ... بِكَرِّي عَلَى المُهْرِ في الأَجْرَعِ ...
وَإِيقَاظِيَ القَوْمَ أَنْ يَرْقُدُوا ... إِذَا هَجَعَ النَّاسُ لَمْ أَهْجَعِ
إلى آخر شعره. قالوا: لو كانت الغنيمة للغانمين لما فضل الأقرع وعيينة على العباس بن مرداس وهو أحسن منهما إسلاماً، ولما
стр. 2420
فضل المؤلفة قلوبهم على الأنصار وهم أحسن منهم إسلاماً. قالوا: فعطايا النبي هذه ﷺ كما أعطى من مئات الإبل، وأعطى من الورق والرقيق، وأعطى صفوان بن أمية ما ملأ بين جبلين من الغنم، قالوا: هذا يدل على أن الغنيمة ليست استحقاقاً محضاً للغانمين، وإنما يفعل الإمام فيها ما يشاء، قالوا: وكذلك لما فتح مكة لم يغنم أموال أهل مكة، ولم يقسم دورها ولا أرضها [فلو كان قَسْمُ الأخماس الأربعة على الجيش واجباً لفعله ﷺ لما فتح مكة. قالوا: وكذلك غنائم هوازن في غزوة حنين، أعطى منها عطايا عظيمة جدّاً للمؤلفة قلوبهم. وأجاب
[٤/ب] الجمهور عن كونه ﷺ ] (١) / أعطى المؤلفة قلوبهم، وأعطى عيينة مئة، والأقرع مئة، وصفوان ما ملأ بين جبلين غنمًا ونحو ذلك من العطايا، أنه فعل ذلك بعدما استطاب نفوس الغانمين عنه، وأن الغانمين طابت له نفوسهم بذلك للمصلحة العامة، وهي تأليف قلوب الرجال الذين لهم شوكة عظيمة وأتباع كثيرون ليقوى بهم الإسلام، وقد فعل ذلك برضا الغانمين وطيب أنفسهم عن ذلك له ﷺ ، أما عدا كونه لم يقسم دور مكة ورباعها فقد أجاب عنه الشافعي ﵀ جواباً لكنه غير ناهض بالحقيقة والإنصاف (٢)؛ لأن الشافعي ﵀ مع جلالته وعلمه يرى أن مكة المكرمة -حرسها الله- أنها فتحت صلحاً لا عنوة، ويظن أن قوله ﷺ : «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ فَهُوَ