مشهور عن قتادة وطائفة من العلماء، وهو قول وإن كانت تساعده اللغة فالشَّرع والحقيقة الشرعية لا تساعده؛ لأن العَرَبَ تطلِقُ في لُغَتِهَا الفيء على جميع ما يُغنم، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التَّغْلِبي أخي كليب (١):
فَلَا وَأَبِي جليلَةَ مَا أَفَأْنَا ... مِنَ النعم المؤَبَّلِ مِنْ بَعِيرِ
وَلَكِنَّا نَهَكْنَا الْقَوْمَ ضَرْباً ... عَلَى الأَثْبَاجِ مِنْهُمْ وَالنّحُورِ
يعني: لم نشتغل بالغنائم، وإنما اشتغلنا بقتل الرجال.
وربما أُطلق الفيء في القرآن مراداً به كل غنيمة، كقول قتادة، وذلك في قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: الآية ٥٠] لأن المسبيات حكمها في هذا سواء، سواء كانت فيئاً أو غنيمة، إلا أن الاصطلاح المعروف هو التَّفْرِقَة بين ما أوجف عَلَيْهِ بالخَيْلِ والرِّكَابِ، وبَيْنَ مَا أُخِذَ عَفْواً من غير انتزاع بالقوة، كما قال هنا: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ فبيّن أنهم غَنِمُوهُ وانْتَزَعُوهُ مِنْهُمْ قَهْراً، وقال في الآخر الذي هو الفيء: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: الآية ٦] فكيف تستحقونه ولم تنتزعوه بالقوة، ولم تُوجِفُوا عليه بالخيل ولا الإبل؟!
والإيجاف: الإسراع كما هو معروف.
стр. 2417
وهذه الآيَةُ الكَرِيمَةُ دَلَّت على أن أربعة أخماس الغنيمة [أنه] (١) للمجاهدين الغانمين الذين غنموها؛ لأن قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ... ﴾ الآية، يدل على أن المعنى: وأما الأخْمَاس الأربعة فَهِيَ لِلْغَانِمِينَ المجاهدين، ويدل على ذلك إِسْنَادُهُ غَنِيمَتَه إليهم في قوله: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ وهذا هو التحقيق وعليه جماهير العلماء أن أربع أخماس الغنيمة للمسلمين المجاهدين الذين غنموها، تُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ بالسَّوَاءِ، وأن خمُس الغنيمة هو يُصرف في هذه المصارف المذكورة وسَنُوَضِّحُها -إن شاء الله- واحداً واحداً. هذا هو المذهب الحق وعليه جماهير العلماء، وخالف في هذا قوم من العلماء -منهم طائفة من علماء المالكية وغيرهم (٢) - قالوا: إن الغَنَائِمَ كلها والفيء شيء واحد، وأن التصرف فيه كله لرسول الله ﷺ يعطي الغانمين ما شاء ويمنعهم ما شاء. وهذا القول وإن قال به جماعة من المالكية وغيرهم من العلماء فهو خلاف التحقيق.
والذين قالوا هذا القول استدلوا بأدلة كلها مردودة مجاب عنها، قالوا: مِنْ أَدِلَّتِهِ أن الغَنَائِمَ هِيَ الأَنْفَالُ، وقد تَقَدَّمَ في أول السورة قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: الآية ١] فَصَرَّحَ بِأَنَّهَا لله وللرسول ﷺ ولم يجعل للغانمين فيها حقّاً مستقلاًّ إذا لَمْ يَشَأ الرَّسول ﷺ أن يعطيهم. قالوا: ويَتَأَيَّدُ هَذَا بأمور، منها: أن النبي ﷺ لم يقسم مكة حين افْتَتَحَها عنوة، وأنه (صلوات الله وسلامه عليه) في غزوة حنين لما أخذ غنائم هوازن أعطى صفوان بن أمية ما ملأ بين جبلين من الغنم، وأعطى عيينة بن حصن مائة من
стр. 2418
الإبل، والأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عطايا كثيرة، ولم يعط الأنصار منها شيئاً، حتى غضب الأنصار وقالوا: يعطي الغنائم عنا لقريش وسيوفنا تقطر من دمائهم!! فعلم النبي ﷺ بما قالوا فَأَرْسَلَ مَنْ جَمَعَهُمْ وقال: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ مُتَعَادِينَ فَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بِي؟!» قالوا: بلى. قال: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ اللهُ مِنْهَا بِي؟» قالوا: بلى يا رَسُول الله ﷺ . فلما عدَّد عليهم بعض النِّعَمِ التي أنْعَمَ الله عليهم بسبب رَسُول ﷺ اعْتَرَفُوا بذلك كله وسكتوا، قال لهم: «أَلَا تُجِيبونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ؟!» قالوا: وكيف نجيب رَسُول الله ﷺ ؟! قال: «قُولُوا: ألمْ يُكَذِّبْكَ النَّاسُ فَصَدَّقْنَاكَ؟ أَلمْ يُعادِكَ الناسُ فآوَيْنَاكَ ونَصَرْنَاك؟!» ثم قال: «يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ أَلَا تَرْضَوْنَ بأَنْ يَرْجِعَ النّاسُ إِلَى بُيُوتِهِمْ بِالشَّاةِ والبَعِيرِ، وتَرْجِعُونَ إِلَى بُيُوتِكُمْ بِرَسُولِ ﷺ ؟» قالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسمة.
وطابت نفُوسهم (١). قال قائل هذا القول من المالكية وغيرهم من العلماء كقتادة: لو كانت الغنيمة مُسْتَحَقَّة لِلْغَانِمين ولم يكن للإمام أن يفعل فيها كيف يشاء، كيف يُفَضِّل النبي ﷺ المؤلَّفَةِ قلوبهم كالأَقْرَعِ بن حابس، وعُيَيْنَةَ بن حِصْن، وصَفْوان بن أمية ويمنع الأنصار، والأنصار أحَقّ؟! وكيف يفضل الأقرع بن حابس التميمي،
стр. 2419
وعيينة بن حصن الفزارِي على العباس بن مرداس السلمي وهو حسن الإسلام جدّاً؟! وقد غار منهم العباس بن مرْدَاس حتى قال شِعْرَهُ المشهور، قاله أمام النبي ﷺ لما أعطى عُيينة مئة، والأقرع مئة، وأعطى العباس بن مرداس قليلاً، قال مخاطباً لرسول الله ﷺ (١):
أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ العُبَيْـ ... ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ ...
وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ ...
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَضَعُ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ ...
وَقَدْ كُنْتُ فِي الحَرْبِ ذَا تُدْرأ ... فَلَمْ أُعْطَ شَيْئاً وَلَمْ أُمْنَعِ ...
وَإِلَاّ أَبَاعِيرَ أُعْطِيتُهَا ... عَدِيدَ قَوَائِمِهِ الأَرْبَعِ ...
وَكَانَتْ نِهَاباً تَلَافَيْتُهَا ... بِكَرِّي عَلَى المُهْرِ في الأَجْرَعِ ...
وَإِيقَاظِيَ القَوْمَ أَنْ يَرْقُدُوا ... إِذَا هَجَعَ النَّاسُ لَمْ أَهْجَعِ
إلى آخر شعره. قالوا: لو كانت الغنيمة للغانمين لما فضل الأقرع وعيينة على العباس بن مرداس وهو أحسن منهما إسلاماً، ولما
стр. 2420
فضل المؤلفة قلوبهم على الأنصار وهم أحسن منهم إسلاماً. قالوا: فعطايا النبي هذه ﷺ كما أعطى من مئات الإبل، وأعطى من الورق والرقيق، وأعطى صفوان بن أمية ما ملأ بين جبلين من الغنم، قالوا: هذا يدل على أن الغنيمة ليست استحقاقاً محضاً للغانمين، وإنما يفعل الإمام فيها ما يشاء، قالوا: وكذلك لما فتح مكة لم يغنم أموال أهل مكة، ولم يقسم دورها ولا أرضها [فلو كان قَسْمُ الأخماس الأربعة على الجيش واجباً لفعله ﷺ لما فتح مكة. قالوا: وكذلك غنائم هوازن في غزوة حنين، أعطى منها عطايا عظيمة جدّاً للمؤلفة قلوبهم. وأجاب
[٤/ب] الجمهور عن كونه ﷺ ] (١) / أعطى المؤلفة قلوبهم، وأعطى عيينة مئة، والأقرع مئة، وصفوان ما ملأ بين جبلين غنمًا ونحو ذلك من العطايا، أنه فعل ذلك بعدما استطاب نفوس الغانمين عنه، وأن الغانمين طابت له نفوسهم بذلك للمصلحة العامة، وهي تأليف قلوب الرجال الذين لهم شوكة عظيمة وأتباع كثيرون ليقوى بهم الإسلام، وقد فعل ذلك برضا الغانمين وطيب أنفسهم عن ذلك له ﷺ ، أما عدا كونه لم يقسم دور مكة ورباعها فقد أجاب عنه الشافعي ﵀ جواباً لكنه غير ناهض بالحقيقة والإنصاف (٢)؛ لأن الشافعي ﵀ مع جلالته وعلمه يرى أن مكة المكرمة -حرسها الله- أنها فتحت صلحاً لا عنوة، ويظن أن قوله ﷺ : «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ فَهُوَ
стр. 2421
آمِنٌ» (١). يظن أنها نوع صلح أو شبه صلح، والتحقيق الذي لا شك فيه: أن مكة -حرسها الله- إنما فُتِحَتْ عنوة وقهراً بالسيف لا صلحاً، وتأمين النبي ﷺ لبعض الناس لا يقتضي الصلح؛ لأن الصلح أمر عام. والدليل على أنها فتحت عنوة أمور كثيرة وأدِلَّة واضحة لا لبس فيها (٢)،
منها: ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من وقوع القتال فيها يوم فتح مكة؛ لأن النبي ﷺ جعل خالد بن الوليد يوم فتح مكة على المُجَنِّبَة اليمنى، وجعل الزُّبَيْر بن العوام على المُجَنِّبَة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على الحُسَّر (٣) وأخذوا بطن الوادي، ولم يتلقهم أحد إلا أناموه، فقتلوا من قريش قوماً كما هو معروف. وهذا ثابت في الصحيح وغيره، ورجز حماس بن قيس المشهور يدل على ذلك؛ لأن حِمَاس بن قيس هذا رجل حليف لقريش، وكان يقول لزوجته: إنه يجعل لها أزواج رَسُول الله ﷺ خدماً، وكان يقول لها: إذا جئتك فارّاً فأغلقي الباب دوني، وكان يرتجز ويقول (٤):
إنْ يُقْبِلُوا اليَومَ فما لي عِلّهْ ... هَذَا سِلَاحٌ كَامِلٌ وأَلَّهْ
وذُو غِرارَينِ سريعُ السَّلَّهْ
стр. 2422
وكان يوم فتح مكة اجتمع مع الجماعة الذين جاءهم خالد بن الوليد، فرأى القتل وجاءها منهزماً، فقالت له: أين الذي كنت تقوله أنك تُخدمني نساءهم، وأني أغلق الباب دونك؟! فقال لها رجزه المشهور، وهو معروف عند علماء التاريخ وأصحاب المغازي (١):
إنَّكِ لو شَهِدتِ يومَ الخَنْدَمَهْ ... إذ فرَّ صفوانُ وفرَّ عِكْرِمَهْ ...
واسْتَقبَلَتْنَا بالسّيوفِ المُسْلِمَهْ ... لهم نَهِيتٌ خَلفنَا وهَمْهَمَهْ ...
يَقْطَعْنَ كلَّ سَاعِدٍ وجُمجُمَهْ ... ضرباً فلا تَسْمَعُ إلا غَمْغَمَهْ ...
لَمْ تَنْطِقِي بِاللَّومِ أَدْنَى كَلِمَهْ
وهذه الأدلة وغيرها تدل على أن مَكَّةَ فُتِحَتْ عنوة لا صُلْحاً. ومن الأدلة على ذلك: ما ثبت في الصحيح أن النبي (صلوات الله وسلامه عليه) أمر بقتل مقيس بن صبابة، وابن خَطَل، وجاريتين معهما، ولو وُجدوا متعلقين بأستار الكعبة. ولو كانت مكة صلحاً لما أمر بقتل مقيس بن صبابة، وابن خَطَل، والجاريتين المذكورتين معهما (٢)، كما هو ثابت معروف، ومما يدل على أنها فتحت عنوة ما
стр. 2423
ثبت في الصحيح عن أم هانئ أنها أجارت رجلاً من أحمائها بني مخزوم؛ لأن زوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومي أجارته، وجعلت له الأمان، فجاءه عليّ بن أبي طالب ﵁ ليقتله، فَشَكَتْهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقال ﷺ : «أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» (١) فلو كانت مكة مفتوحة صلحاً لما أخذ عليٌّ السَّيْفَ ليقتل المخزوميين اللَّذَيْنِ أجَارَتْهُمَا أختُهُ أمّ هَانِئ ﵂، إلى غير ذلك من الأدلة.
ولَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الأَرْضَ المغْنُومَةَ لَهَا حُكْمٌ خاص سَنُبَيِّنُهُ الآنَ؛ لأن الغنيمة أقسام (٢)، منها: ما هو كالذَّهَبِ والفِضَّة والحيوان، وهذا لا خلاف عند من يُعْتَدُّ به من العلماء أنه يُقسم ويُخمَّس، أما أرْض العَدُو التي فَتَحَها المسلمون فَلِلْعُلَمَاءِ فيها أقوال (٣): فبعض العلماء يقول: عندما يستولي عليها المؤمنون تصير وقفاً عامّاً للمُسْلِمِينَ. وهذا مذهب مالك ﵀ وجماعة من العلماء.
стр. 2424
وبعض العلماء يقول: يجب قسم الأرض المغنومة كما قسم النبي ﷺ أرْضَ خَيْبَرَ وأرض بني قريظة.
وجماعة من العلماء قالوا: الإمام مُخَيَّرٌ في ذلك، إنْ رَأَى المصلحة في قَسْمِها قَسَمَها، وإن رأى المصلحة في إِبْقَائِهَا وَقْفاً للمسلمين تَرَكَهَا وَقْفاً للمسلمين، فإذا اقْتَضَى نَظَر الإمام أن يقسمها قَسَمَهَا وكانت مملوكة لِلْغَانِمِينَ، وكانت أرض عشورٍ لا أرض خراج، وإن رأى الإمام أن يتركها لِعَامَّةِ المسْلِمين خزانة لهم -كما هو رَأْيُ عُمَرَ بن الخطاب ﵁ - تركها وقفاً للمسلمين، وكانت أرض خراج لا أرْضَ عُشُورٍ، يؤخذ الخراج ممن هو يستغلها ويكون لِعُمُومِ المسلمين. وهذا المذهب بالتخيير هو الحق -إن شاء الله- والنبي ﷺ اخْتَارَ أنْ يقسم أرض قريظة وأرض خيبر، واختار أن يترك قسمة دور مكة. وقد فهم عمر بن الخطاب ﵁ من فعل النبي ﷺ أن الأرض التي غَنَمَهَا المسْلِمُونَ واحتلوا بلادها بالقوة أن الإمام مُخَيَّر فيها، فَهِمَ ذلك من فعل النبي ﷺ ؛ ولِذَا ثَبَتَ عنه في الصحيح أنه قال: «لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَاّ قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ» (١). وعمر لم يفعل هذا الصنيع متهجِّماً على كتاب الله في قوله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم ... ﴾ الآية [الأنفال: الآية ٤١].
وإنما فهم من فعل رَسُول الله ﷺ التخيير في ذلك، وكلامه صريح في أنه يعتقد أنّّهُ مخَيَّرٌ؛ لأنه قال: «لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَاّ قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ» وهذا فيه مصلحة عظمى؛
стр. 2425
لأن الغانمين لو قسموا الأرض عندما غنموها فإن آخر المسلمين يكونون لا غلة لهم، ويكون الإسلام وجيوش الإسلام والأموال التي يحتاج إليها لحماية بيضة الإسلام وقمع الكفار وإقامة الجهاد يكون ذلك لا يوجد له شيء، فوجود تلك الأرضين الكثيرة لها خراج كثير عظيم يستعين به المسلمون على شراء السلاح، وتهيئة الجيوش، وتعبئة الرجال للقتال في سبيل الله (جل وعلا)، أن هذا هو المصلحة؛ ولأجل تخيير الإمام لم يقسم النبي ﷺ مكة، وقد ثبت أن النبي ﷺ قسم بعض خيبر ولم يقسم بعضها، قال بعض العلماء: البعض من خيبر الذي لم يقسمه رَسُول الله ﷺ إنما ترك قسمه لهذا الاختيار؛ لأنه مخير في القسم والإبقاء. والصحيح أن الذي لم يقسمه من أرض خيبر كان فيئاً؛ لأن بعض البساتين وبعض الأطراف من خيبر كانوا لم يُفتحوا ولم يؤخذوا عنوة ولم يُوجف عليهم بالخيل والركاب، فلما أُخذت قريظة نزلوا على حكم النبي ﷺ من غير أن يُؤخذوا بالقهر فكان فيئاً، وسمع بهم أهل فدك ففعلوا كذلك، فكانت فدك فيئاً للنبي ﷺ ، هي وذلك البعض من قريظة. ومعلوم أن فدك وبعض قريظة كانا من الفيء الخالص لرسول الله ﷺ ، وقد طلبته فاطمة ﵂ أن يقطعها فدك فأبى، وأقطعها أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ لمروان بن الحكم ظنّاً منه ﵁ وأرضاه) أن مَا كَانَ للنَّبِيِّ ﷺ ينتقل الحق فيه لولي أمر المسلمين بعده، وأن ذلك انتقل إليه، وأنه غَنِيٌّ عَنْهُ بأمْوَالِهِ فَوصل به بعض قُرَبَائه، وهو ابن عمه مروان بن الحكم رضي الله عن عثمان وأرضاه وعن جميع أصحاب النبي ﷺ (١).
стр. 2426
وحاصل هذا أن التحقيق الذي لا شك فيه -إن شاء الله- أن الأموال المغنومة التي انْتَزَعَها المسلمون من الكُفَّارِ أنّهَا نوعان: الأرض، وغير الأرض. أما الأرض فلا يَتَعَيَّنُ قَسْمها بينهم، والإمام مُخَيَّرٌ فيها، فإن رأى مَصْلَحَة المسلمين في قَسْمِها قَسَمَها، وإن رأى مصلحة المسلمين في إبقائها وقْفاً علَيْهِمْ أبْقَاهَا وَقْفاً ينتفع بها آخر المسلمين. قال بعض العلماء: والقرآن يشير لهذا؛ لأنه لو لم يكن يقول يبقى لآخر المسلمين شيئاً لما قال الله في المستحقين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر: الآية ١٠] لأنه قال أولاً: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾ [الحشر: الآيات ٨ - ١٠] وقال بعض العلماء: لا دَلِيلَ لِلْغَنِيمَةِ فِي آية الحشر هذه؛ لأنها في الفَيْء، قد أفتى مالك بن أنس ﵀ أن الذين يسبون أصحاب رَسُول الله ﷺ أنهم لا حق لهم في فَيْءِ المسلمين، ولما نُوقِشَ في ذلك قال: هؤلاء الذين سَبُّوا أصحاب رَسُول الله ﷺ لا حَقَّ لهُمْ فِي فَيْءِ المسلمين؛ لأن الله لما ذكر الذين يُعْطَوْن فيء المسلمين من الأصناف قال: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ﴾ أهَؤُلَاءِ من الفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم؟ قالوا: لا. قال: أهم من الذين قيل فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ قالوا: لا.
قال: وأنا أشهد أنهم ليسوا من الصنف الثالث الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بل هؤلاء جاءوا يسبونهم ويعيبونهم فليسوا منهم قطعاً فتبين
стр. 2427
أنهم لا حق لهم (١).
وعلى كل حال فجميع المال المغنوم يقسم بين الغانمين، والأرض فيها للعلماء ثلاثة مذاهب معروفة كل واحد منها لصاحبه عليه أدلة (٢):
أحدها: أنها تكون غنيمة وتقسم، وهو مذهب الإمام الشافعي، واستدل بعموم قوله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] وكان مالك بن أنس ﵀ يرى أن أرض الكفار عندما يفتتحها المسلمون تصير بمجرد استيلاء المسلمين عليها وقفاً للمسلمين آخرهم يستوون فيها جميعاً لمصلحة الإسلام العامة، وللإعانة على تعبئة الجيوش، والرد عن بيضة الإسلام، والدفاع عن المؤمنين في المستقبل.
وقوم قالوا: يخير الإمام إن رأى قَسْمها مصلحة قَسمها. وهذا مذهب الإمام أحمد، ويُروى عن أبي حنيفة نحوه والله تعالى أعلم. وهذا القول بالتخيير هو أقواها دليلاً؛ لأنه تنتظم به الأقوال، وتجتمع به النصوص، والجمع واجب إذا أَمْكَنَ. أما الأخْمَاسُ الأرْبَعَةُ مِنَ
стр. 2428
الأرْضِ المقْسُومَةِ إذا اقتضى نظر الإمام أن يقسمها أو مِنْ غَيْرِ الأرض كالذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ والإِبِل ونحو ذلك، أما هذه الأخماس الأربعة فهي للغانمين تقسم بينهم.
واختلف العلماء: هل يجوز للإمام أن ينفل من هذه الأخماس الأربعة شيئًا؟ (١) فكان مالك بن أنس ﵀ -إمام دار الهجرة- يرى أن الإمام لا يجوز له أن يُنَفِّلَ شَيْئاً مِنْ هذه الأخماس الأرْبَعة، وإنما ينفل من الخمس الذي قال الله فيه أنه لله وللرسول ولذي القُرْبَى إلى آخر مصارفه.
وذهبت جماعة من العلماء إلى أن للإمام التَّنْفِيلَ مِنْهُ. وكون الإمام له التنفيل منه هو الحق -إن شاء الله- الذي قامت عليه النصوص التي لا تَكَادُ تُدْفَع.
وتنفيل الإمام من الأخْمَاسِ الأرْبَعَةِ الَّتِي هي للمجاهدين يكون على أنواع، منها: أن ينفل السرايا ويقول للسَّرِيَّةِ: اخْرجي إلى أرْضِ الكُفَّارِ، فَمَا غَنِمْتِ فَقَدْ نَفَّلْتُكِ مِنْهُ كَذا، وقد جاء حديث ثابت عن النبي ﷺ أنه نفل السرايا في البدء الرُّبْع، وفي العودة الثلث. هذا حديث ثابت رواه مكحول (٢) عن حبيب بن مسلمة (٣)، وهو صحابي،
стр. 2429
لا تابعي صغير (١)، ورواه بعضهم عن عبادة بن الصامت ﵁ (٢) - وهو ثابت، ومعنى تنفيل الربع في البدء، وتنفيل الثلث في العودة أن للإمام إذا كان المسلمون متوجهين إلى أرض الكفار أن يقول للسرية: اذهبوا إلى الكفار فما غَنِمْتُمْ مِنْهُمْ فقد نفلتكم ربُعَه. ولا ينفلهم أكثر من الرّبْع، فيكون الربع خالصاً لهم، والباقي هم والمسلمون فيه سواء. وأما تَنْفِيل الثلث في العودة: أن المسلمين إذا رجعوا من أرض الكفار -رجعوا من الغزو إلى بلادهم- فيجوز للإمام أن ينفل بعض السرايا في ذلك الوقت الثلث.
والفرق بين البدء والعودة: أن البدءة الكفار في غفلة، والمسلمون مُتَوَجِّهُون لبلادهم فخبرهم أهون، وأما في الرّجعة فالكفار في حذر ويقظة والمسلمون مُنْصَرِفُونَ عن بلادهم، فقضيتهم أصعب؛ ولذا نفل أكثر في الحالة الصعبة من الحالة التي هي أقل صعوبة (٣). هذا ثَابِتٌ ولا ينبغي أن يُخْتَلَفَ فِيهِ، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (٤).
стр. 2430
وهذا الذي ذكرنا يدل على أن الجُيُوشَ إذا خرجت للقتال في بلاد الكفر، وذهبت سرية وغنمت شيئاً، أن الجيش كله شركاء لهم في ذلك الذي غَنِمُوهُ، ولا يختص به دونهم، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء؛ لأن العلماء مجْمِعُونَ عَلَى أن جميع الجيش معهم فيما غنموا إلا ما نفلهم الإمام من ربع في البدءة أو ثلث في العودة.
ومن أنواع التَّنْفِيلِ الجَائِزَة للإمام الثابتة عن النبي ﷺ : أن يُرْسِلَ الإمام سرية ثم -مثلاً- يعطيهم أنْصِبَاءهم من الغنيمة وينفلهم ما شاء، فقد ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عن ابن عمر ﵁ أنه أرسله النبي ﷺ مع سَرِيَّةٍ قِبَلَ نَجْدٍ، فغنموا، وكانت سهمانهم اثني عشر بعيراً، اثني عشر بعيراً، ونُفِّلوا بعيراً بعيراً (١)، فنفلهم نصف السدس؛ لأن الواحد من الاثْنَيْ عَشَر نصف سدسها. وهذا ثابت عن النبي ﷺ .
ومن أنواع التَّنْفِيل التي تجوز للإمام: أن ينفل بعض الجيش المقاتلين، ويعطيه شيئاً خاصّاً لقوته وشدته على المشركين (٢)، وقد قدمنا حديث سعد بن أبي وقاص الدال على هذا في أول سورة الأنفال؛ لأن سعد بن أبي وقاص قُتل أخوه عمير بن أبي وقاص يوم بدر، قتله عمرو بن عبد ود العامري، ثم إن سعداً ﵁
стр. 2431
حمل [على] (١) المشركين، وقتل العاص بن هشام (٢)، وأخذ سيفه، وكان مِنْ أجْوَدِ السُّيُوفِ، فطلب النبي ﷺ أن ينفله إياه. وفي بعض روايات حديثه الثابتة أنه قال: ربما أعطاه النبي ﷺ لرجل لم يُبل بلائي. والنبي ﷺ منعه أولاً ثم أعطاه إياه آخراً، وقد ثبت في صحيح مسلم والبخاري أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يأكلون جالسين في بعض مغازيهم، حتى جاءهم أعرابي على بعير، فقيد بعيره وجلس يأكل معهم، ونظر إليهم حتى اطلع على علاتهم وعوراتهم، وهو جاسوس للعدو من المشركين، ثم ذهب يشتد، فجلس على بعيره وأثاره، فسار بعيره سيراً حثيثاً، فكاد أن يفوت الصحابة، فجرى عليه رجل بناقة فلم تدركه، فجرى عليه سلمة بن الأكوع ﵁ وكان من السابقين على أرجلهم، وقد ضرب له النبي ﷺ سهمين في غزوة (ذي قرد) كما هو معروف، فذهب سلمة يشتد في أثره حتى جاوز الناقة، ثم كان عند ورك البعير، ثم تقدم فأخذ بخطامه وأناخه، واخترط سيفه وضرب الأعرابي على الرأس فقتله، فقال النبي ﷺ : «مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟» قالوا: سلمة بن الأكوع. قال: «لَهُ سَلَبُهُ أجْمَعُ» (٣) فنفله إياه لأنه أدركه وهو في غاية الخفّة والسرعة، أدركه على رجليه فنفله سلبه.
стр. 2432
ومن أنواع التنفيل الجائزة (١): قول النبي ﷺ : «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» (٢). وهذا قاله النبي ﷺ فثبت عنه في الصحيح يوم حنين. وذكر بعض العلماء أنه قاله يوم بدر أيضاً.
وكان مالك بن أنس ﵀ يقول: ليس للإمام أن يقول هذا إلا بعد أن تنتهي المعركة، أما قبل انتهاء المعركة فلا يجوز للإمام أن يقول هذا؛ لأنه إن قال هذا قبل انتهاء المعركة أفسد نيات المجاهدين؛ لأن المجاهد يكون يقاتل الرجل ليأخذ سلبه فيكون يقاتل للدنيا لا لإعلاء كلمة الله، أما بعد أن تنتهي المعركة ويزول هذا المحذور فلا بأس أن يقول الإمام: مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ؛ لأنه في ذلك الوقت لا محذور فيه من إفساد النية (٣). وجماهير العلماء على أنّه لا مانع من أن يقول ذلك ابتداءً؛ لأن المسلمين وإن كان لهم رغبة في الغنيمة فكل مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَة الله هي العليا فهو في سبيل الله كما قاله ﷺ . وقد قال النبي ﷺ يوم حنين: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ» (٤). والذي قتل هذا القتيل يكون له سلبه.
واختلف العلماء: هل يكون له سلبه دون تنفيذ الإمام، أو لا يملك السلب إلا إذا نفذه له الإمام (٥)؟ قولان معروفان بين
стр. 2433
العلماء، يستدل قائل كل من القولين عليه بأدلة كثيرة، وقد كان أبو قتادة ﵁ يوم حنين رأى رجلاً من المشركين يُرِيدُ أَنْ يقتل رجلاً من المسلمين، فجاءه من خلفه فضربه على حبل عاتقه بالسيف، قال: فرجع إليَّ فَضَمَّنِي ضَمَّة شممت منها رِيح الموت، ثم أدْرَكَهُ المَوْتُ فأرسلني. ثم لما جلس النبي ﷺ بعد انتهاء المعركة وقال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ». قلت: من يشهد لي -بعد مرات- فقال رجل: صدق يا رَسُول الله سلبه عندي، أرضه منه. وقال له أبو بكر ﵁: لا ها الله لا يعمد إلى أسد من أسود الله يقاتل عن الله ورسوله ويعطيك سَلَبه. فقال النبي ﷺ : «صَدَقَ، أَعْطِهِ سَلَبَهُ» قال أبو قتادة ﵁: فاشتريت به مخرفاً -يعني حائطاً يُخْرف منه الثمار- وكان أول مال تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلَام (١). هكذا قال أبو قتادة ﵁.
واعلموا أن بعض العلماء قال: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذا قال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ». هل يملك القاتل سلب القتيل بمجرَّدِ قَتْلِهِ، أو لا بد أن ينفذه له الإمام؟ فقال بعض العلماء: يملكه؛ لأن ذلك هو مقتضى كلامه ﷺ .
وقال بعض العلماء: لا يملكه إلا بتنفيذ الإمام. واستدلوا لهذا بأدلة منها: ما ثبت أن أبا جهل -لعنه الله- يوم بدر ابْتَدَرَهُ مُعَاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء ﵄ فأطارا قدمه بنصف ساقه، ثم جاءا النبي ﷺ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته.
стр. 2434
فقال: «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟» قالا: لا. فنظر في السيفين وقال: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ» (١). وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. قالوا: لو لم يتوقف هذا على تَنْفِيذ الإمام لكان معاذ بن عفراء شريكاً لمعاذ بن الجموح؛ لأن النبي ﷺ صرّح بأنهما قتلاه، في أدلة أُخرى غير هذا.
قال علماء الأصول: منشأ هذا الخلاف: خلاف العلماء في قول النبي ﷺ : «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ» هل يملكه دون تنفيل الإمام أو لا بد من تنفيل الإمام؟ منشأ الخلاف: هل قوله ﷺ : «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ» حكماً منه، أو فتوى (٢)؟ فعلى أنه حكم يختص بمن قيل له ولا يعم، وعلى أنه فتوى يعم. وذكروا عن أبي طلحة ﵁ أنه في يوم حنين قتل عشرين رجلاً. وفي بعض الروايات: واحداً وعشرين رجلاً، وأخذ أسلابهم كلهم (٣). وكان يقول في يوم حنين (٤):
أَنَا أَبُو طَلْحَةَ وَاسْمِي زَيْد ... وكل يوم في سِلَاحِي صَيْدُ
стр. 2435
رضي الله عنه وأرضاه.
قال بعض العلماء: من قتل قتيلاً له سلبه مطلقاً.
وقال بعضهم: لا يكون له سلبه إلا بتنفيذ الإمام. وتوسط قوم فقالوا مذهباً ثالثاً، قالوا: إن كان السلب قليلاً استحقه دون تنفيذ الإمام، وإن كان كثيراً توقف على تنفيذ الإمام، واستدلوا لهذا بما جاء في رواية صحيحة في السنن وغيرها أن مددياً من حمير كان مع خالد بن الوليد يقاتل يوم مؤتة، وإذا رجل عظيم من الروم يقتل المسلمين، فجلس له المددي الحميري وراء صخرة حتى مضى عليه فعقر به فرسه وعلاه بالسيف فقتله وأخذ سلاحه. وكان سلاحه كله مذهّباً، وكان ثميناً جدّاً، فلما جاء خالد بن الوليد ﵁ أرسل إليه وأخذه منه، وسمعها عوف بن مالك ﵁ فقال لخالد: لأعرفنكها عند رَسُول الله ﷺ ثم لما جاء قصّ الخبر على رَسُول الله ﷺ ، فقال: «مَا لَكَ لَا تُعْطِيهِ سَلَبَهُ؟ أَعْطِهِ سَلَبَهُ». ثم لما قال ذلك قال له عوف بن مالك: يا خالد، أما قلت لك: إني مُعَرِّفكَها عند رَسُول الله؟ فسمعها ﷺ فأغضبته وقال: «أَلَا تَتْرُكُونَ لِي أَصْحَابِي؟ لا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، لَا تُعْطِهِ يَا خَالِد» (١). قالوا: هذا يدل على أنه إن كان كثيراً لا يعطي؛ لأنه لما سأل خالداً قال: «لِمَ لا تعطيه؟» قال: استكثرته يا رَسُول الله؛ لأنه مالٌ كثيرٌ جدّاً؛ لأن سلاح الرجل فيه ذَهَبٌ كَثِيرٌ وسِلَاحُهُ كله مذهّب.
стр. 2436
واختلف العلماء في حقيقة السَّلَب (١)، قال بعض العلماء: هو يقتصر على ما يأخذه لِلأْمَةِ الحرب، كالسيف والدرع والرُّمْح ونحو ذلك، والثياب تدخل فيه إجماعاً.
أما إذا وُجد في هميانه أي: في مِنْطَقَتِه التي يُشدّ بها وسطه إذا وجدت فيها دنانير، أو دراهم، أو جواهر، فإنها ليست مِنْ سَلَبِهِ إِجْمَاعاً.
واختلفوا في فرسه الذي يقاتل عليه هل هو مِنْ سَلَبِهِ أَوْ لا؟ فقال جماعة: هو مِنْ سَلَبِهِ يَسْتَحِقّهُ القَاتِل. وقال قوم: لا. كما هو خلاف معروف بينهم.
واعلموا أن التحقيق أن الرجل الذي يقاتل على فرس أن له في الغنيمة ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه وسهم للرجل، هذا هو التحقيق الذي لا شك فيه -إن شاء الله- وعليه جماهير العلماء، منهم الأئمة الثلاثة (٢)، وهو ثابت في الصحيح ثبوتاً لا مطعن فيه. وخالف في هذا الجمهور الإمامُ أبو حنيفة ﵀ وقال: إن له سهمين فقط: سهم للفرس، وسهم لصاحبه. والتحقيق أن له ثلاثة أسهم: سهمين للفرس، وسهم للراكب. وقد استدلّ الإمام أبو حنيفة ﵀ بظاهر حديث جاء في ذلك، إلا أن غيره أصح منه وأصرح دلالة في محل النِّزَاعِ.
واختلف العلماء في البراذين والهجن هل يقسم لها كما يقسم للخيل العرَاب، أو لا يقسم
стр. 2437
لها (١)؟ فسئل عن هذا مالك بن أنس ﵀ فقال: ما أرى أن الهجن والبراذين إلا هي من الخيل؛ لأن الله قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: الآية ٨] أترون أن الهجن من البغال؟ قالوا: لا. أترون أنها من الحمير؟ قالوا: لا. قال: هي من الخيل، فتتناولها النصوص الواردة في الخيل (٢).
وقال بعض العلماء في الهجين: والهجين: هو ما أحد أبويه من الخيل رديء من البراذين أبوه أو أمه، فإذا كانت أمّه من العِرَاب الحرائر وأبوه ليس كذلك فهو المعروف بالمُقْرِف (٣)، ومنه قول هند بنت النعمان بن بشير (٤):
وَمَا هِنْدُ إِلَاّ مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ ... سَلِيلَةُ أَفْرَاسٍ تَجَلَّلَها بَغْلُ
فَإِنْ وَلَدتْ مُهْراً كَرِيمًا فَبِالحَرَى ... وَإِنْ يَكُ إِقْرَافٌ فما أنجَب َالفَحْلُ
فالمقرف: هو الذي أمه من الخيل العِرَاب الجياد وأبوه ليس كذلك، ومن هذا المعنى قول جرير (٥):
стр. 2438
إِذَا آباؤُنا وأَبُوكَ عُدُّوا ... أَبَانَ المُقْرِفَات من العِرَابِ
فالحاصل أن الهجن والبراذين قال بعض العلماء: يقسم لها كما يقسم لِلْخَيْلِ الجِيَادِ العِرَاب. وقال بعض العلماء: يقسم لها سهم واحد، نصف ما يقسم للخيل العِرَاب الجِيَاد. وقال بعض العلماء: إن كان لها غَنَاء يقرب من غَنَاء الخيل الجياد قُسِمَ لها مثل قَسْمِها وإلا فنصف قَسْمِها، وشذّ بعض العلماء فقال: لا يُقسَم لها شيء؛ لأنه حيوان لا يقوم مقام الخيل فأشبه الحمير والبغال. وقد كان رجل من حمير من بني وادعة من بطون حِمْيَر أميراً على جيش فسبق الخيل الجياد وتأخر البراذين والهجن فقيل له: اقسم للبراذين والهجن، فلم يعطها إلا نصف ما أعطى لِلْخَيْلِ الجِيَادِ، وقال: لا يمكنني أبداً أن نَجْعَلَ مَا لم يُدْرَكْ كَالَّذِي يُدْرَكُ. فسمعها عمر بن الخطاب فاستحسنها جدّاً، وقال: هبلت الوادعي أمه، لقد ذكَّرنيها (١). وكان الشاعر الحميري يفتخر بمقالة الوادعي الحميري هذه فيقول (٢):
وَمِنَّا الَّذِي قَدْ سَنَّ فِي الخَيْلِ سُنَّةً ... وَكَانَتْ سَوَاءً قَبْلَ ذَاكَ سِهَامُهَا
أما إذا كانت عنده خيول كثيرة (٣) فبعض العلماء يقول: لا يأخذ إلا نصيب فرس واحد. وهذا قال به جماعة من العلماء؛ لأنه لا يركب إلا على واحد. وقال جماعة من العلماء: يعطى خمسة أسهم، نصيب فرسين فقط، أما الفرسان فلهما أربعة أسهم، والسهم
стр. 2439
الخامس له، ولا يُزَادُ على ذلك (١). ولا خلاف بَيْنَ العُلَمَاءِ أنه لا يُعْطَى أكْثَر مِنْ نَصِيبِ فَرَسَيْنِ ألْبَتَّةَ، ولو كان عنده خيل كثيرة. ومن قال: يعطى نصيب فرسين قال: لأنه قد يحتاج إلى فرسين ولا يحتاج إلى الثالث غالباً؛ لأن الفرس إذا طال ركوبه قد يضعفه ذلك عن الْكَرِّ والفَرِّ، فيكون عنده فرس آخر جَنيب فيه قوة ونشاط يُزَاوِلُ به في الميدان؛ ولِذَا قال بعض العلماء: يعطى نصيب فَرَسَيْن ولا يزاد عليهما، ولم يقل أحد: إنه يعطى أكثر من نصيب فرسين.
فإن كان مقاتلاً على بعير (٢) فقال بعض العلماء: لَيْسَ لِلإِبِلِ نصيب ألبتّة (٣)، وعليه جماهير العلماء، وذهب بعض العلماء إلى أن البعير إذا لم يجد غَيْرَهُ كان له نصيب نصف نصيب سَهْمِ الفَرَسِ، وهذا رواية عن الإمام أحمد (٤)، ومن قال به قليل، واستدل قائل هذا القول بأن الله لما ذكر الموجب الذي استحقوا به الغنيمة ذكر منه الرِّكاب مع الخيل، والرِّكاب: هي الإبل، قال: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: الآية ٦] وله وجه من النظر، إلا أن جماهير العلماء أن الإبل لا يقسم لها، وقد كان عندهم يوم بدر سبعون بعيراً فلم يقسموا لها، ولم تخل غَزَوَاته من الإبل، ولم يقل أحد إنه ﷺ قسم لبعير شيئاً.
стр. 2440
أما إذا كان يقاتل على الفيلة (١) كما كانت الأعاجم تقاتل فلم يختلف اثنان من العلماء أن الفِيلَ لا يقسم له شيء إذا قاتل عليه صاحبه. قالوا: ليس كالبعير؛ لأن البعير حيوان يُسَابَقُ عليه ويجوز المسابقة عليه بالسبق، وهو إعطاء العِوَضِ لمَنْ غَلَبَ، كمَا في حديث: «لَا سَبَقَ إِلَاّ فِي خُفٍّ أَوْ نَصْلٍ أَوْ حَافِرٍ» (٢).أما الفيل فلم يقل أحد من العلماء: إنه يستحق نصيباً إذا قوتل عليه، أما كونه يسابق عليه فقد قاله بعض العلماء، وهو مَبْنِيٌّ عَلَى الخِلاف في قاعدة أصولية معروفة، وهي: هل إذا جاءت عن الله (جل وعلا) أو عن رسوله ﷺ نصوص عامة هل تدخل فيها الصور النادرة أو لا تدخل (٣)؟ قال بعض العلماء: تدخل الصور النادرة. وقال بعض العلماء: لا تدخل الصور النادرة. وهذه القاعدة الأصولية تحتها فروع اختلف فيها العلماء، من هذه الفروع: مَنْ خَرَجَ منه المَنِيُّ بغير لذة، كالذي ينزل في ماء حار فينزل منه المَنِي، أو تلدغه عقرب في ذكره فينزل منه المَنِي، أو تهزّه دابَّة فينزل منه المني، فنزول المني من غير لذة كبرى صورة نادرة، فعلى أن الصور النادرة تدخل في عمومات النصوص يدخل في عموم قوله: «إنَّمَا المَاءُ مِنَ
стр. 2441
المَاءِ» (١) فيجب عليه الغُسل، وعلى أنها لا تدخل في النصوص فلا يجب عليه الغسل. قالوا: ومن فروع هذه القاعدة المسابقة بِسَبَقٍ على الفيل؛ لأن الفيل ذو خفٍّ، فَرِجْلُ الفِيلِ كَرِجْلِ البَعِيرِ، فهو مِنْ ذَوَاتِ الخِفَافِ.
والفيل صورة نَادِرَة قد لا تَخْطُرُ في ذِهْنِ المُتَكَلِّم، فعلى أن الصور النادرة تدخل في عمومات النصوص تجوز المسابقة على الفيل، وعلى هذا القول لا يبعد أن يكون فيه مثل القول الذي في الإبل، وعلى أن الصور النادرة لا تدخل في النصوص لا تجوز المسابقة على الفيل. هذا من حكم الغنائم.
وقد ذكرنا الآن أن الغَنِيمَةَ إن كانت أرضاً فللإمام فيها ثلاثة أقوال (٢)، وإن كانت غير أرض فإنها تقسم على التحقيق بين المجاهدين، وأن التحقيق أن للإمام أن ينفّل منها في الصور التي ذكرنا (٣) كتنفيله الربع في البدء، والثلث في العودة، وتنفيل بعض الرجال لشدة شكيمته وغَنَائه، وتنفيله من أَخَذَ السَّلْبَ كما قال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ» (٤). واختلاف العلماء فيه هل هو فتوى فيعم، أو حكم فيخص؟ ولأجل هذا اختلفوا في قول النبي ﷺ لهند بِنْت عُتْبَةَ بن رَبِيعَة لما قالت له: أبو سفيان رجل يمسك ولا يعطيني ما يكفيني وولدي. فقال: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (٥).
стр. 2442
فعلى أنه فتوى فهو يعم جميع النساء (١)، فتكون كل امرأة بَخِلَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا بالإنْفَاقِ اللازم جاز لها أخذه بغير إذنه. أو هو حكم فيكون خاصّاً كقضيَّةِ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ».
واعلم أن من أحكام الغنيمة: حرمة الغلول (٢)، والغلول في الشرع (٣): هو أن يسرق الإنسان من الغنيمة، فإذا سرق الإنسان من الغنيمة قبل أن تقسم، أو زنا ببعض المسبيات في الغنيمة قبل أن تقسم، فجماهير العلماء -منهم الأئمة الثلاثة- أنه لا يجلد حد الزنا، وأنه لا يُقطع يده في السرقة (٤)؛ لأن له شبهة في الغنيمة؛ لأنه من المستحقين لها وهو مشارك فيها. ومذهب مالك بن أنس ﵀ في هذه المسألة مشكل غاية الإشكال؛ لأن مالكاً ﵀ يرى أنه إن سرق من الغنيمة قبل القسم، أو وطئ جارية من المغنم قبل القسم أنه يُحدُّ حدّ السرقة وحد الزنا (٥)، مع أنه يرى أنه لو مات في ذلك الوقت لورث عنه وارثه نصيبه من الغنيمة! كيف يكون فيه نصيب يُورث عنه ولا يكون شبهة تدرأ عنه الحد؟ ففي هذا المذهب إشكال، وإن قال به هذا الإمام العظيم الجليل المعروف.
стр. 2443
واعلموا أن الوقت الذي يستحق فيه الغانم نصيبه من المغنم اختلف فيه العلماء (١): فقال بعض العلماء: إذا أخذوا في الدرب، والدروب هي: الطرق الموصلة إلى بلاد الكفار من العَجَمِ ونحْوِهِمْ إذا أخذوا فيها فَكُلّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لَهُ نَصِيبُهُ من الغنيمة، ولو مات قبل أن تُحاز الغنيمة. وهذا قائله قليل وليس بوجيه.
وقال بعض العلماء: لا يُورَثُ عَنْهُ نَصيبُهُ ويَسْتَحِقُّهُ حتى يحوز المسلمون الغنيمة، ويخرجون بها من ديار الحرب إلى بلاد الإسلام، فعند ذلك الوقت يَسْتَقِرُّ مُلْكهم لها، ويورث عنه نصيبه، وُيرْوَى نَحو هذا عن أبي حنيفة ﵀.
وأظهر الأقوال: أنه إِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ حَازَ المُسْلِمُونَ الغَنِيمَةَ وأخَذُوهَا مِنَ الكُفَّارِ يورث نصيبه عنه، وإن مات قَبْلَ أَنْ تُحَازَ لم يُورَثْ عَنْهُ شَيْء (٢)؛ لأنه مات قبل أن يحصل شيء يكون ملكاً له حتى يورث عنه، هذا هو الأظهر. هذه أحكام من أحكام الغنيمة.
واعلموا أن العلماء اختلفوا في الغال هل يُحرق رحله أو لا (٣)؟ فقد جاءت عن النبي ﷺ أحاديث تدل على أن الغَالَّ -السارق من الغنيمة- يُحْرَقُ رَحْلُهُ ومَتَاعُهُ، وهذا جاء عن النبي ﷺ والخُلَفَاءِ وغَيْرِهِمْ ربما حرقوا متاع الغالِّ وربما تركوا حَرْقَهُ. وأظْهَر الأقوال في هذه المسالة أنها من التَّعْزِيرَاتِ المالية الموكُولة إلى نظر الإمام إن رأى المصلحة في حَرْقِ مَتَاعِهِ حَرَقَهَ وَلَهُ ذَلك، وإن رأى إِبْقَاءَهُ أَبْقَاهُ،
стр. 2444
وإن كان فيه مصحف فإنَّهُ لَا يَحْرِقُهُ، وقد غلّ رجل في بعض الغزوات فيها بعض المسلمين فحرقوا متاعه ووجدوا فيه مصحفاً فباعوا المصحف وتصدقوا بِثَمَنِهِ (١) كذا قال بعضهم، والله أعلم.
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] قال بعض العلماء (٢): الخمس ستة أنصباء: نصيب لله، ونصيب للرسول ﷺ ، ونصيب لذي القرابة، ونصيب لليتامى، ونصيب للمساكين، ونصيب لابن السبيل. ومن قال: إنها ستة أنصباء، لم أعلم أحداً اشتهر عنه هذا القول إلا أبا العالية ﵀ فإنه قال: الخمس يُجعل ستة أنصباء، قال: ونَصِيبُ اللهِ هُوَ أنَّهُ إِذا جاء المال يأخذ الإمام ويملأ يده منه ويجعلها في رِتَاج (٣) الكعبة. فعنده: نصيب الله يُصرف في مصالح الكعبة. وهذا القول لا يَخْفَى ضَعْفُهُ؛ لأنه لا دليل عليه. والتحقيق -إن شاء الله- الذي عليه جماهير العلماء: أن نصيب الله ونصيب الرسول ﷺ واحد، وأن اسم الله ذُكر للاستفتاح والتعظيم لشأنه (جل وعلا) (٤)؛ لأن كل شيء له جل وعلا ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: الآية ٩١] فنصيب الله هو نصيب الرسول ﷺ ،
стр. 2445
والتحقيق: أن نصيب رَسُول الله ﷺ من الخُمُس كان يردُّه على مصالح المسلمين لا يأخذ منه شيئاً؛ لأنه كان يأخذ خلته الضرورية مِنْ فَيْء بني النضير، وربما أخذ منه بعضاً من فَيْءِ قُرَيْظَةَ، وأن نصيبه إنما يجعله في مصالح المسلمين، كما جاء عنه ﷺ في حديث ثابت رواه بعض أصحاب السنن والإمام أحمد وغيرهم أنه (صلوات الله وسلامه عليه) قال: «مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ إِلَاّ الخُمُس، والخُمُس مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» (١)،
فصرّح بهذا الحديث بأن الخمس مردود عليهم.
واختلف العلماء في نصيب النبي ﷺ بعد موته (٢): فجماهير العلماء على أن نصيبه ثابت بعد مَوْتِهِ ولا يسقط بموته، وكذلك نصيب قرابته، وأن الإمام بعده يصرفه في مصالح المسلمين كما كان يصرفه رَسُول الله ﷺ فيها، وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر يصرفان نصيبه ﷺ في مصالح المسلمين العامة من الكراع والسلاح وغيره كما كان ﷺ يفعله. وخالف في هذا الإمام أبو حنيفة ﵀ فقال: بعد موته ﷺ يسقط نصيبه ونصيب قرابته، فما يبقى إلا ثلاثة أنصباء،
стр. 2446
وهي نصيب اليتامى والمساكين وابن السبيل. وجماهير العلماء على خلاف هذا.
وقوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: الآية ٤١] اختلف العلماء في المراد بـ (ذي القربى) (١) فقال بعضهم: بنو هاشم. وقال بعضهم: قريش. والتحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه: أن المراد بـ (ذي القربى) بنو هاشم وبنو المطلب خاصة، وقد ثبت هذا في الصحيح عن النبي ﷺ فلا ينبغي العدول عنه. هذا هو المذهب الحق الذي لا شك فيه، وهو مذهب الإمام الشافعي وأحمد (رحمهما الله)، وُيروى عن أبي حنيفة. أما ما ذهب إليه مالك من أنهم خصوص بني هاشم. وما قاله بعض القرشيين من أنهم قريش كلهم فهو خلاف التحقيق. والدليل على هذا القول: هو ما ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي ﷺ لما قسم أموال خيبر وأخرج خُمُسَهَا أعْطَى نَصِيبَ القَرَابَةِ مِنْ خُمس خيبر لخصوص بني هاشم وبني المطلب، ولم يُعْطِ لإخوانهم الآخرين -أعني بني عبد شمس وبني نوفل- فجاء عُثْمَان بن عَفَّان وهو مِنْ بَنِي عبد شمس، وجبير بن مطعم وهو مِنْ بَنِي نوفل، فقالوا: يا رَسُول الله ﷺ أعطيت إخواننا مِنْ بَنِي المُطَّلِبِ ونحن وهم بالنسبة إليك سواء، فلِمَ تُعْطِهِمْ وتَمْنَعنا؟ فأعْطِنَا كما أعطيتهم. فقال ﷺ : «إنّا وَبَنو المُطَّلِب شَيْءٌ وَاحِدٌ»، وفي بعض رواياته: «لَمْ نَفْتَرِقْ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ» (٢)؛ لأن هؤلاء الأربعة إخوة؛ لأن عبد مناف
стр. 2447
أولاده أربعة: وهم هاشم جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ ، والمطلّب، وعبد شمس، ونوفل (١).
أما الثلاثة الأوّلون منهم أشقَّاء، وأمهم عاتكة بنت مرة، إحدى عواتك النبي ﷺ ؛ لأن بعض أصحاب المغازي والأخباريين ذكروا عنه ﷺ أنه قال في بعض مغازيه: «أَنَا ابْنُ العَوَاتِكِ مِنْ سُلَيْمٍ» (٢). وعواتك سليم هذه التي انتسب إليها النبي ﷺ ثلاث عواتك معروفة (٣): الكبرى منها عمّة الوسطى، والوسطى عمّة الصغرى كما هو معروف. وسُليم بن منصور من قبائل قيس عيلان بن مضر، وسليم أخو هوازن. والعواتك هذه: صغراهن: عاتكة بنت الأوقص بن مرّة بن هلال، وعمتها: عاتكة بنت مرة، وعمّة هذه: عاتكة بنت هلال. أما الصغرى منهما -وهي عاتكة بنت الأوقص- فَهِيَ والِدَةُ وَهْبٍ والدة آمِنَة بِنْت وهب أُمّ النبي ﷺ ، فهي جَدَّتُه من قبيل والد أُمّه، وأما عمتها وهي: عاتِكَة بِنْت مُرَّةَ: فهي أم هاشم جده ﷺ وأخويه الشقيقين: المطلب وعبد شمس، أما أخوهما نوفل فهو ليس بشقيقهما، وأمه تُسمى واقدة بنت أبي عدي، واسم أبي عدي: نوفل. سمّت عليه ولدها نوفل هذا، والحاصل أن النبي ﷺ لما عاداه المشركون، وقاطعوا بني هاشم، واضطروهم إلى
стр. 2448
أن يرحلوا إلى الشِّعْب كان بنو المطلب معهم في كل بلية، ولم يفارقوهم في شيء، وكان إخوانهم الآخرون بنو عبد شمس وبنو نوفل كانوا مُعَادِينَ لهُمْ قريش ولم ينصروهم عليهم، وكان أبو طالب يقول لهم في لامِيَّتِهِ المشهورة (١):
جَزَى اللَّهُ عَنَّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلاً ... عُقُوبةَ شَرٍّ عَاجلاً غير آجلِ ...
بِمِيزَانِ قِسْطٍ لَا يَخِيسُ شَعِيرَةً ... له شاهدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلِ ...
لَقَدْ سفهتْ أَحْلَامُ قَوْمٍ تَبَدَّلوا ... بني خَلَفٍ قيضاً بنا والغَيَاطِلِ ...
ونحن الصَّميمُ مِنْ ذُؤَابةِ هَاشِمٍ ... وآلِ قصيّ في الخُطُوبِ الأوَائِلِ
فعرف النبي ﷺ لبني المطلب انسجامهم معهم في كل البلايا وصبرهم عليهم في الشدائد فجعلهم من القرابة، وأعطاهم من خُمس خيبر سهم ذي القرابة، ولم يعط إخوانهم الآخرين -أعني بني عبد شمس وبني نوفل- شيئاً. وهذا هو التحقيق في ذي القرابة.
واختلف العلماء في القرابة هل يُفَضَّلُ ذَكَرُهُمْ عَلَى أُنْثَاهُم (٢)؟ فذهب الشَّافِعِيّ وأحْمَدُ أنهم يُعطون للذكر مثل حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، قالوا: نالوه بالنبي ﷺ ، وهم عصبته، والمعروف أن المال المستحق لِلْعَصَبة يكون فيه الذَّكَرُ له حَظّ الأنثيين.
وقال بعض العلماء: ذكرهم وأنثاهم سواء. وهذا أقربها؛ لأن تفضيل الذكر على الأنثى يحتاج إلى دليل، ولم يرو أحد أنه فضّل ذكرهم على أنثاهم. ولا يُشترط فيهم على التحقيق الفقر (٣)، فيعطى بنو هاشم والمطلب غنيّهم وفقيرهم.
стр. 2449
أما نصيب اليتامى والمساكين فلا يعطى إلا لفقرائهم، فلا يُعْطَى يَتِيمٌ غنيٌّ ولا مسكين غني.
واليتيم من بني آدم: هو من مات أبوه (١). وغلط قوم فقالوا: اليتيم من الآدميين: من مات أبوه وأمه، قالوا: قال مجنون ليلى (٢):
إِلى اللهِ أشْكو فَقْدَ لَيْلَى كَمَا شَكَا ... إِلى اللهِ فَقْدَ الْوَالِدَيْنِ يَتِيمُ
فسمّاه يتيماً بفقد الوالدين. والصواب: فقد الأب وَحْدَهُ يَكْفِي في يُتْمِهِ.
وابن السبيل: هو المنقطع عن بلاده. والسبيل: الطريق. وإنما قال له: ابن السبيل كأنه يقول: ولد الطريق. وتسميته ولد الطريق فيه للعلماء وجهان:
أحدهما: أنه كثر سلوكه لها، والعرب إذا كثرت ملازمة الشيء للشيء قالوا ابنه، ومنه قول غيلان ذي الرمة (٣):
وردتُ اعتِسَافاً والثُّريا كأنَّها ... على قمةِ الرأسِ ابن ماء مُحَلَّقِ
فسمى طير الماء الملازم له: ابن الماء، فلما كان المسافر ملازماً للطريق قيل له: ابن الطريق.
وقال بعض العلماء: كأن الفلاة تمخّضت عنه كما تتمخّض النتوج عن ولدها فرمتنا به كما ترمي الحامل بما في بطنها. وهذا
стр. 2450
المعنى أوضحه مسلم بن الوليد الأنصاري صريع الغواني إيضاحًا كاملاً -وإن كان الشعر هنا لا يصلح شاهداً لتأخُّرِ زَمَنِهِ ولَكِنْ يَصْلح مثالاً للإيضاح- فإنه قال في رجل يزعم أن بيداء -وهو الفلاة الواسعة- ولدته وتمخّضت عنه وصار ابنها كما تتمخّض النتوج عن ولدها قال (١):
تمخَّضتْ عنه تِمّاً بعد مَحْمله ... شهرينِ بَيْداءُ لم تُضرب ولم تَلدِ ...
ألقتْه كالنَّصْلِ معطوفاً على هِمَم ... يعمدن منتجعَاتٍ خيرَ مُعتمِدِ
وابن السبيل: هو المحتاج الآن، وهو منقطع عن بلده، ولو كان غنيّاً في بَلَدِهِ، فيعطى من الخُمُسِ ما يُوَصِّلُهُ إلى بَلَدِهِ حتى يرجع إلى محله. هذا معنى: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١].
[٥/أ] / ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (٤٤)﴾ [الأنفال: ٤١ - ٤٤].
стр. 2451
يقول الله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال: الآية ٤١] تَكَلَّمْنَا على جُمَلٍ مِنَ الأحْكَامِ الدَّاخِلَة تحت هذه الآية من أحكام المغانم، ومن جملة ما ذكَرْنَا: أن العلماء اختلفوا في خُمس الغنيمة، فقال بعضهم: يُجعل ستة أقْسَام، قسم لله، وقسم للرسول ﷺ ، وقسم لِذِي القُرْبَى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل. وكان أبو العالية ﵀ يقول: إن قسم الله (جل وعلا) يُجعل للكعبة. وزعم أن النبي ﷺ كان يضرب بيده في الخمس فيأخذ منه ويجعله للكعبة، وأن هذا هو نصيب الله (١). وأكثر العلماء على أن نصيب الله والرسول ﷺ واحد، وأن اسم الله إنما ذكر تعظيماً وإجلالاً واستفتاحاً للكلام بذكر اسمه؛ لأن كل شيء كائناً ما كان فهو له -جل وعلا- ونصيب الرسول ﷺ كان يصرفه في مصالح المسلمين كما دل عليه حديث: «مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ إِلَاّ الخُمس، والخُمس مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» (٢).
وقد قدّمنا أن أصح الأقوال: في (ذي القربى) أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، وأن النبي ﷺ بيّن أنهم هم المرادون بآية الأنفال هذه؛ لأنه لما خَمَّس خيبر أَعطى خُمس الخمس لبني هاشم وبني المطلب باسم أنه سهم ذي القربى. وهذا ثابت عن النبي ﷺ في صحيح البخاري وغيره؛ لأن البخاري ﵀ أخرج الحديث هذا في صحيحه في مواضع متعددة: جاء عثمان بن عفان وجبير بن مطعم
стр. 2452
إلى النبي ﷺ لما أعطى بني هاشم وبني المطلّب خمس ذي القربى من غنائم خيبر، قال العبشميون والنوفليون: نحن من رَسُول الله ﷺ قرابتنا مثل قرابة بني المطلب، فجاء عثمان وهو من بني عبد شمس؛ لأن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ هو ابن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وعبد شمس أخو المطلب، وهاشم وجبير بن مطعم هو جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل، ونوفل هذا أخو هاشم والمطلب، فجاء جبير وعثمان يطلبون النَّبِيَّ ﷺ أن يُسَوِّيَ بَنِي نوفل وبني عبد شمس ببني المطلب، فأبى النبي ﷺ وبَيَّنَ أَنَّ بَنِي المطلب وبني هاشم هم المرادون بالقرابة، وأنهم هم المستحقون خُمس خمس الغنيمة. وهذا ثابت في الصحيح عن النبي ﷺ (١) فلا ينبغي الخلاف فيه. وإن كانت جماعة من العلماء منهم مالك وأصحابه قالوا: أن ذي القربى أنهم الهاشميون. وجماعة قالوا: إنهم قريش كلهم. فأصح الأقوال وأثبتها دليلاً أن المراد بذي القربى: بنو هاشم وبنو المطلب ابني عبد مناف دون إخوتهم الآخرين من بني عبد شمس وبني نوفل، فهذا هو الصواب -إن شاء الله-؛ لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه فعله مبيّناً به معنى هذه الآية الكريمة.
وقد ذكرنا أن العلماء اختلفوا في ذي القُرْبَى، فجمهور العلماء على أن نصيبهم باق، وأنه لم يسقط بموته ﷺ خِلَافاً لأبي حنيفة، وقد قدّمنا أن أكثر العلماء على أنه يعطى منه غنيهم وفقيرهم ولا يختص بفقرائهم، وأن بعض العلماء قال: يُفضّلُ ذَكَرهُمْ على أُنْثَاهُمْ كالمِيرَاثِ. وبعضهم قال: يُسوّى فيه الذكر والأنثى.
стр. 2453
وأن المراد بنصيب اليتامى: قال بعض العلماء: يجعل خُمُس الخمس لسد خلاّت اليتامى الفقراء الذين لم يترك لهم آباؤهم مالاً.
والمساكين: جمع مسكين، والمسكين إذا أُطْلِقَ وَحْدَهُ -لم يذكر معه الفقير- تناول الفقير، وعلماء التفسير يقولون: المسكين والفقير إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. يعني: إن ذُكرا معاً مجتمعين افترق حكمهما فكان أحدهما أشَدّ فقراً من الآخر، وإن افترقا -بأن ذكر المساكين دون الفقراء -أو الفقراء دون المساكين- اجتمعا. أي: شَمِلَ المسْكِينَ حكمُ الفقير، والفقيرَ حكمُ المسكين (١). ومعلوم اختلاف العلماء في الفقير والمسكين أيهما أحوج (٢)، فذهب بعض العلماء، وهو رأي مالك بن أنس وطائفة من العلماء إلى أن المسكين أشد حاجة. واستدلوا بأن الله قال: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: الآيات ١٤ - ١٦] فوصف المسكين بأنه (ذو متربة) ومعنى (ذو متربة): لاصق بالتراب ليس له شيء غير التراب، وأنه (مِفْعِيل) من السكنى؛ لأن يده سكنت عن التصرف، وجوارحه عن النشاط من الجوع والفاقة.
وهو عربي فصيح (٣):
стр. 2454
أَمَّا الفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبتُهُ ... وَفْقَ العِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ
فسمّاه فقيراً وعنده حلوبة قدر عياله.
وقال جماعة آخرون من العلماء: إن الفقير أشد حاجة، واستدلوا بأن الفقير كأن الفاقة قصمت فقارته لشدتها. قالوا: وقد سمى الله قوماً مساكين وعندهم سفينة عاملة في البحر في قوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: الآية ٧٩] فسماهم مساكين مع أن عندهم سفينة عاملة بالإيجار، هكذا قال بعض العلماء.
وابن السبيل معناه: ولد الطريق. يُعطى من خمُس الخُمس ما يبلغه أهله. وابن السبيل مصرف محتاج، ولو كان غنيّاً في محله؛ لأن ماله في محله الذي هو متغرِّب عنه لا يدفع فقره في حالته الراهنة في حال كونه متقطعاً في سبيله.
وهذا معنى قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] هذه الآية الكريمة من سورة الأنفال يعظّم الله فيها شأن الخُمس، كأنه جعل أداء الخمس من الإيمان. يعني: إن كنتم آمنتم بربكم (جل وعلا) وما أنزل على نبيه فاعلموا وتيقّنوا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه، ونفِّذوا ذلك. ولذا ذكر البخاري ﵀ في كتاب الإيمان أن أداء الخُمس من الإيمان (١)؛ لأن الله لمَّا ذَكَرَ أداء الخمس قال: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] وفي حديث وفد عبد القيس الثابت في الصحيح المشهور
стр. 2455
أن النبي ﷺ لما عدّ خصال الإيمان عدّ منها أداء الخُمس (١)؛
وذلك لأن الله قال بعد ذكره أداء الخُمس: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ واعلموا أن جماعة من العلماء منهم مالك وأصحابه (٢) قالوا: إن هذه المصارف الخمسة (٣) لا تعيّن كلها، بل الأمر موكول إلى اجتهاد الإمام يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، إلا أن الله أرشد إلى أن هذه الخمسة هي المصارف التي لا ينبغي أن يتجاوزها به. وهذا رأي مالك، ونصره غير واحد، والظاهر الذي هو الاحتياط: أن يجعله خمسة أنْصِبَاء (٤)، كما قال الله (جل وعلا)؛ لأن الله شدّد في ذلك في قوله: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ ﴿عَبْدِنَا﴾: هو محمَّد ﷺ وصيغة الجمع في قوله: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا﴾ للتعظيم. وقوله: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا﴾ معطوف على اسم الجلالة، أي: إن كنتم آمنتم بالله وآمنتم بالذي أنزلنا على عبدنا مُحَمَّدٍ ﷺ من هذه الآيات القرآنية؛ لأن الله أنزلها عليكم، وَنَصَرَكُمْ عِنْدَ نزولها، وأمركم فيها بأداء الخُمس إن كنتم مؤمنين، فإن كنتم مؤمنين بما أنزل الله على نبيه