← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

يقول الله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال: الآية ٤١] تَكَلَّمْنَا على جُمَلٍ مِنَ الأحْكَامِ الدَّاخِلَة تحت هذه الآية من أحكام المغانم، ومن جملة ما ذكَرْنَا: أن العلماء اختلفوا في خُمس الغنيمة، فقال بعضهم: يُجعل ستة أقْسَام، قسم لله، وقسم للرسول ﷺ ، وقسم لِذِي القُرْبَى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل. وكان أبو العالية ﵀ يقول: إن قسم الله (جل وعلا) يُجعل للكعبة. وزعم أن النبي ﷺ كان يضرب بيده في الخمس فيأخذ منه ويجعله للكعبة، وأن هذا هو نصيب الله (١). وأكثر العلماء على أن نصيب الله والرسول ﷺ واحد، وأن اسم الله إنما ذكر تعظيماً وإجلالاً واستفتاحاً للكلام بذكر اسمه؛ لأن كل شيء كائناً ما كان فهو له -جل وعلا- ونصيب الرسول ﷺ كان يصرفه في مصالح المسلمين كما دل عليه حديث: «مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ إِلَاّ الخُمس، والخُمس مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» (٢). وقد قدّمنا أن أصح الأقوال: في (ذي القربى) أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، وأن النبي ﷺ بيّن أنهم هم المرادون بآية الأنفال هذه؛ لأنه لما خَمَّس خيبر أَعطى خُمس الخمس لبني هاشم وبني المطلب باسم أنه سهم ذي القربى. وهذا ثابت عن النبي ﷺ في صحيح البخاري وغيره؛ لأن البخاري ﵀ أخرج الحديث هذا في صحيحه في مواضع متعددة: جاء عثمان بن عفان وجبير بن مطعم

стр. 2452

إلى النبي ﷺ لما أعطى بني هاشم وبني المطلّب خمس ذي القربى من غنائم خيبر، قال العبشميون والنوفليون: نحن من رَسُول الله ﷺ قرابتنا مثل قرابة بني المطلب، فجاء عثمان وهو من بني عبد شمس؛ لأن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ هو ابن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وعبد شمس أخو المطلب، وهاشم وجبير بن مطعم هو جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل، ونوفل هذا أخو هاشم والمطلب، فجاء جبير وعثمان يطلبون النَّبِيَّ ﷺ أن يُسَوِّيَ بَنِي نوفل وبني عبد شمس ببني المطلب، فأبى النبي ﷺ وبَيَّنَ أَنَّ بَنِي المطلب وبني هاشم هم المرادون بالقرابة، وأنهم هم المستحقون خُمس خمس الغنيمة. وهذا ثابت في الصحيح عن النبي ﷺ (١) فلا ينبغي الخلاف فيه. وإن كانت جماعة من العلماء منهم مالك وأصحابه قالوا: أن ذي القربى أنهم الهاشميون. وجماعة قالوا: إنهم قريش كلهم. فأصح الأقوال وأثبتها دليلاً أن المراد بذي القربى: بنو هاشم وبنو المطلب ابني عبد مناف دون إخوتهم الآخرين من بني عبد شمس وبني نوفل، فهذا هو الصواب -إن شاء الله-؛ لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه فعله مبيّناً به معنى هذه الآية الكريمة. وقد ذكرنا أن العلماء اختلفوا في ذي القُرْبَى، فجمهور العلماء على أن نصيبهم باق، وأنه لم يسقط بموته ﷺ خِلَافاً لأبي حنيفة، وقد قدّمنا أن أكثر العلماء على أنه يعطى منه غنيهم وفقيرهم ولا يختص بفقرائهم، وأن بعض العلماء قال: يُفضّلُ ذَكَرهُمْ على أُنْثَاهُمْ كالمِيرَاثِ. وبعضهم قال: يُسوّى فيه الذكر والأنثى.

стр. 2453

وأن المراد بنصيب اليتامى: قال بعض العلماء: يجعل خُمُس الخمس لسد خلاّت اليتامى الفقراء الذين لم يترك لهم آباؤهم مالاً. والمساكين: جمع مسكين، والمسكين إذا أُطْلِقَ وَحْدَهُ -لم يذكر معه الفقير- تناول الفقير، وعلماء التفسير يقولون: المسكين والفقير إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. يعني: إن ذُكرا معاً مجتمعين افترق حكمهما فكان أحدهما أشَدّ فقراً من الآخر، وإن افترقا -بأن ذكر المساكين دون الفقراء -أو الفقراء دون المساكين- اجتمعا. أي: شَمِلَ المسْكِينَ حكمُ الفقير، والفقيرَ حكمُ المسكين (١). ومعلوم اختلاف العلماء في الفقير والمسكين أيهما أحوج (٢)، فذهب بعض العلماء، وهو رأي مالك بن أنس وطائفة من العلماء إلى أن المسكين أشد حاجة. واستدلوا بأن الله قال: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: الآيات ١٤ - ١٦] فوصف المسكين بأنه (ذو متربة) ومعنى (ذو متربة): لاصق بالتراب ليس له شيء غير التراب، وأنه (مِفْعِيل) من السكنى؛ لأن يده سكنت عن التصرف، وجوارحه عن النشاط من الجوع والفاقة. وهو عربي فصيح (٣):

стр. 2454

أَمَّا الفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبتُهُ ... وَفْقَ العِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ فسمّاه فقيراً وعنده حلوبة قدر عياله. وقال جماعة آخرون من العلماء: إن الفقير أشد حاجة، واستدلوا بأن الفقير كأن الفاقة قصمت فقارته لشدتها. قالوا: وقد سمى الله قوماً مساكين وعندهم سفينة عاملة في البحر في قوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: الآية ٧٩] فسماهم مساكين مع أن عندهم سفينة عاملة بالإيجار، هكذا قال بعض العلماء. وابن السبيل معناه: ولد الطريق. يُعطى من خمُس الخُمس ما يبلغه أهله. وابن السبيل مصرف محتاج، ولو كان غنيّاً في محله؛ لأن ماله في محله الذي هو متغرِّب عنه لا يدفع فقره في حالته الراهنة في حال كونه متقطعاً في سبيله. وهذا معنى قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] هذه الآية الكريمة من سورة الأنفال يعظّم الله فيها شأن الخُمس، كأنه جعل أداء الخمس من الإيمان. يعني: إن كنتم آمنتم بربكم (جل وعلا) وما أنزل على نبيه فاعلموا وتيقّنوا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه، ونفِّذوا ذلك. ولذا ذكر البخاري ﵀ في كتاب الإيمان أن أداء الخُمس من الإيمان (١)؛ لأن الله لمَّا ذَكَرَ أداء الخمس قال: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] وفي حديث وفد عبد القيس الثابت في الصحيح المشهور

стр. 2455

أن النبي ﷺ لما عدّ خصال الإيمان عدّ منها أداء الخُمس (١)؛ وذلك لأن الله قال بعد ذكره أداء الخُمس: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ واعلموا أن جماعة من العلماء منهم مالك وأصحابه (٢) قالوا: إن هذه المصارف الخمسة (٣) لا تعيّن كلها، بل الأمر موكول إلى اجتهاد الإمام يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، إلا أن الله أرشد إلى أن هذه الخمسة هي المصارف التي لا ينبغي أن يتجاوزها به. وهذا رأي مالك، ونصره غير واحد، والظاهر الذي هو الاحتياط: أن يجعله خمسة أنْصِبَاء (٤)، كما قال الله (جل وعلا)؛ لأن الله شدّد في ذلك في قوله: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ ﴿عَبْدِنَا﴾: هو محمَّد ﷺ وصيغة الجمع في قوله: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا﴾ للتعظيم. وقوله: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا﴾ معطوف على اسم الجلالة، أي: إن كنتم آمنتم بالله وآمنتم بالذي أنزلنا على عبدنا مُحَمَّدٍ ﷺ من هذه الآيات القرآنية؛ لأن الله أنزلها عليكم، وَنَصَرَكُمْ عِنْدَ نزولها، وأمركم فيها بأداء الخُمس إن كنتم مؤمنين، فإن كنتم مؤمنين بما أنزل الله على نبيه

стр. 2456

فاعلموا أنما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فأن لله خُمُسَهُ؛ لأن ذلك من جملة ما أنزل الله في هذه الآيات النازلة يوم بدر. وقال بعض العلماء: المراد بقوله: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ أي: إن كنتم آمنتم بالذي أنزلنا على عبدنا قالوا هو قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: الآية ١] وقد أمر الرسول ﷺ أن يخرج خمُسها ويصرفه في هذه المصارف المذكورة ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] بذلك المنزّل فاعْلَموا أنما غنمتم من شيء فخمسه لله. وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ لأن العبد من أشْرَف الصفات؛ لأن أَشرف الصفات: العبودية له (جل وعلا)؛ ولذا إذا أراد الله أن يرفع من شأن نبيّه ويعظّم الموقف الذي هو فيه عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ العَبْدِ؛ لأنها أعْظَم صفة وأكرمها كما قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: الآية ١] وقال هنا: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقوله ﴿عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ يوم الفرقان هو يوم بَدْر، لم يكد يُختلف في ذلك، وإنما قيل لبدر يوم الفرقان؛ لأنه يوم فَرَّقَ اللهُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، أوْضَحَ حجَّة الإسلام أنه الحَق، وأن الكفر باطل إيضاحاً يشاهده الجاهل والعالم والغَبِيّ؛ لأنه الْتَقَتْ فِئَتَانِ: فئة كافرة تقاتل في سبيل الشيطان، وهي فئة قويَّة في عَدَدِهَا وعُدَدِهَا، وفئة مؤْمِنَة تقاتل في سبيل الله، هي ضعيفة في عَدَدِهَا وعُدَدِهَا، فنصر الله [الضعيفة على القوية] (١) وغَلَبَتْهَا وقَتَلَتْ صَنَادِيدَهَا وأشرافها وأسَرَتْهم، فتبيَّن بهذا بياناً واضحاً شافياً يَرَاهُ الناس بحواسهم أن

стр. 2457

الإسلام دين الحق، وأن الله فرَّقَ بين الحق والباطل بوقعة بدر؛ إذ ليس من المعقول أن تكون الفئة الضعيفة القليلة في عددها وعُددها هي الغالبة القاهرة إلا بتأييد من خالق السماوات والأرض (جل وعلا)، وهذا التأييد لا يكون منه إلا لأنها هي المحقّة؛ ولذا سمّى الله بدراً (فرقاناً) وسماه (بيّنة) وسمّاه (آية). سمّاه (فرقاناً) في قوله هنا: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] وسماه (بيّنة) في قوله في هذه الآية ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: الآية ٤٢]؛ لأنه سيأتي تفسيره، أي: ليبقى على كُفْرِه مَنْ كَفَرَ عَلَى وضوح مِنْ أمْرِهِ أنَّ الكُفْرَ بَاطِل، ﴿وَيَحْيَى﴾ بالإيمان ﴿مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ وضوح ظاهر لا شك فيه أن الإسلام حق لنصر الفئة القَلِيلَةِ الضَّعِيفَة على الفئة الكافرة القويَّة. وسمّاه (آية) في سورة آل عمران في قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: الآية ١٣] آية؛ أي: علامة على أن دين الإسلام هو الحق الذي لا شك فيه. وهذه الآية القرآنية تدل على أنَّ مِنْ عَلامات دين الإسلام وأنه الدين الحق الذي لا يقبل الله غَيْرَهُ كما قال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: الآية ٨٥] وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: الآية ١٩] وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً﴾ [المائدة: الآية ٣] تبيّن أَنَّ مِنْ خَصَائِصِ هذا الدين ومن علاماته: أن الفئة القليلة المتمَسِّكَة به تغلب الفئة القوية الكافرة التي لم تتمسك به، وقد جاءت لهذا أمثلة عديدة في القرآن سنذكر لكم بعضها ليتضّح معنى الآية (١)؛ من ذلك ما قصّه الله (جل وعلا) علينا في سورة

стр. 2458

الأحزاب في غزوة الخندق لما جاء الكفار في عَددهم وعُددهم وحاصروا النبي ﷺ وأصحابه بالمدينة -هذه حرسها الله- وحاصروهم ذلك الحصار العَسْكَرِي التاريخي العَظِيم الذي نَوَّه اللهُ بِشَأْنِهِ، وبَيَّنَ شِدَّتَهُ وعظمه في سورة الأحزاب في قوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (١١)﴾ [الأحزاب: الآيتان ١٠ - ١١] هذا الحصار العظيم جاء وعدد الكفار ضخم، وعُددهم قوة، وأصحاب النبي ﷺ في ضعف وقلة من المال والسلاح، وفي جوع، حتى إن في غزوة الخندق وسيد الخلق (صلوات الله وسلامه عليه) كما يذكره المؤرخون والأخباريون وغيرهم يشد حزامه على الحجارة مِنْ شِدَّةِ الجُوعِ، وهم في ذلك الوقت الناس جميعاً مقاطعوهم سياسيّاً واقتصاديّاً، ليس بينهم وبين أحد من أهل الأرض علاقات اقتصادية، ولا علاقات سياسية، آخر قوم كانت بينهم وبينهم عهود: يهود بني قريظة، فلما نزل الأحزاب من فوقهم ومن أسفل منهم وحاصَرُوهم هذا الحصار العسكري التاريخي العظيم المنوَّه عنه في القرآن، في ذلك الوقت غدر بنو قريظة ونبذوا العهود وصاروا مع الكفار، فلم يَبْقَ لهم تحت أديم السماء صديق ولا مُعِين إلا الله (جل وعلا) وحده، ولما أرسل النبي ﷺ سعد بن عبادة وسعد بن معاذ ﵄ إلى بني قريظة يعرف خبرهما هل هما على عهودهما أو نقضوا العهود وصاروا مع المشركين؟ قال لهم (صلوات الله وسلامه عليه): «إِنْ وَجَدْتُمُ الْقَوْمَ نَقَضُوا العُهُودَ فَكُنُّوا لِي وَلَا تُصَرِّحُوا بِإِشَارَةٍ نَفْهَمُهَا وَلَا يَفْهَمُهَا غَيْرِي»؛ لأن النبي ﷺ يخاف أن يداخل الناس شدة الجبن والجزع؛

стр. 2459

لأنهم ما كان لهم من الأصدقاء إلا القرظيون من اليهود، فإذا غدروا وصاروا مع الكفار في هذا الوقت الضنك وهذا الموقف الحرج كان الأمر أعظم واشتد على غير أقوياء القلوب من المسلمين، فجاء سعد وسعد إلى بني قريظة فوجدوا سيّدهم كعب بن أسد -قاتله الله- فَتَنَه اللعين حيي بن أخطب سيد بني النضير، ونقضوا العهود، وغدروا، وصاروا مع المشركين على رَسُول الله ﷺ ، فجاءوا إلى النبي ﷺ وقالوا: هم عضل. ليفهمها رَسُول الله ﷺ ولا يفهمها غيره. وعضل: يعني هم وبنو القارة من الذين غدروا ببعث الرجيع. فأشاروا له بأنهم في الغدر كبني عضل وبني القارة، ففهمها رَسُول الله ﷺ (١)، ففي هذا الموقف الضنك الحرج كان الذي واجه المسلمون به هذا الموقف الضنك العظيم والحصار العسكري العظيم [هو الإيمان والتسليم كما أخبر الله -تعالى- عنهم بقوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾] (٢) ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَاّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: الآية ٢٢] وكان من نتائج هذا الإيمان العظيم والتسليم الكبير ما قصّه الله علينا في مُحْكَمِ كِتَابِهِ في سورة الأحزاب في قوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ [الأحزاب: الآية ٢٥] يقول: إن كنتم أذلاء -لستم بأعزاء ولا أقوياء- فهو (جل وعلا) قويٌّ عزيز لا يُغْلب من استند إليه، فالفئة القليلة المستندة إليه يقويها بقوته ويعزّها بعزّته، فلن تُغْلب، إلى أن قال: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ

стр. 2460

وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢٧)﴾ [الأحزاب: الآية ٢٧] يعني: إن كانت قدرتكم ناقصة وأنتم عاجزون فهو (جل وعلا) على كل شيء قدير، فالفئة المستندة عليه يجعل لها القدرة والتمكين بقدرته، ومن أمثلة هذا أن النبي (صلوات الله وسلامه عليه) لما صدَّه المشركون مع أصحابه في غزوة الحديبية وهم محرمون كما سيأتي في قوله: ﴿همُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: الآية ٢٥] وأرسل عُثمان بن عفان ﵁ بالهدايا لينحرها في الحرم، وتلقّاه بنو عمه؛ لأنه أراد أولاً أن يرسل عمر بن الخطاب ﵁، فقال له عمر: إن بني عدي لا يقدرون أن يحموني من قريش، ولكن أدلك على رجل أعزّ مني في قريش هو عثمان بن عفان ﵁: فأرسل عثمان ﵁ بالهدايا وتلقّاه بنو عمه يقولون (١): أَقبِلْ وأَدْبِِرْ لا تَخَفْ أَحَدَا ... بنُو سعيدٍ أَعزَّة الحرمِ فأُخبر النبي ﷺ بخبر كاذب أن الكفار قتلوه، فبايعه أصحابه تحت سمرة من شجر الحديبية بيعة الرضوان، وعندما بايعوه علم الله في ذلك الوقت من قلوبهم الإخلاص الكامل والإيمان كما ينبغي بالله (جل وعلا)، فكان من نتائج ذلك الإيمان الكامل والإخلاص الذي اطّلع الله عليه في قلوبهم أنه بيّن لهم أنه يجعلهم قادرين على من هم عاجزون عنه كما أوضح هذا في سورة الفتح في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾

стр. 2461

[الفتح: الآية ١٨] أي: علم الله ما في قلوبهم من قوة الإيمان والإخلاص لله، فنوّه عنه بالاسم المبهم الذي هو الموصول، فكان من نتائج هذا الإيمان والإخلاص كما ينبغي ما قصّ الله علينا في سورة الفتح حيث قال: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ [الفتح: الآية ٢١] فصرّح بأن إمكانياتهم العددية والعُددية لا تُقدرُهم عليها، ثم قال: ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ أي: فأقدركم عليها ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ [الفتح: الآية ٢١] إن كانت قدرتكم ناقصة فقدرته (جل وعلا) كاملة، والطائفة الضعيفة القليلة المستندة إليه يقويها بقوته، ويعزّها بعزّته، ويُقدرها بقدرته. وهذه أمثلة تدل المسلم على أن دين الإسلام حق، وأنه هو هو، وأن صلته بالله هي هي، وأن المتمسّك به لا يُغلب ولا يُقهر (١)، ولكن المسلمين تنكروا لدينهم فتركوه ولم يعملوا به، فتركوا الآلة القاهرة التي يُقهر بها العدو، فبقوا لقمة سائغة يضطهدهم الكفرة في أقطار الدنيا، ويبتزون ثروات بلادهم؛ لأنهم تركوا السلاح الأعظم لقهر العدو وهو دين الإسلام كما بينّا؛ ولذا قال هنا: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] يعني: جمع المسلمين وجمع المشركين يوم بدر. وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: الآية ٤١]. جرت العادة بذكره قدرته عند نصره الضعاف من عباده المتمسّكين بدينه كما قال هنا: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقال في الأحزاب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ [الأحزاب: الآية ٢٧]. وقال في الحديبية: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ [الفتح: الآية ٢١] كل هذه الآيات على وتيرةٍ واحدة، معناها: إن كنتم ضعافاً

стр. 2462

عاجزين فهو (جل وعلا) قادر قوي لا يعجز عن شيء، فإنه ينصر أولياءه ويقوّيهم ويقدرهم على مَنْ هُوَ أقْوَى مِنْهُمْ. وهذا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فالله (جل وعلا) قادر على كل شيء، فهو قادر على ما شاءه، وقادر على ما لم يشأه، فهو قادر على هداية أبي بكر، وقد شاء هذا المقدور، وقادر على هداية أبي جهل كما قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: الآية ١٣] ولكنه لم يشأ هذا المقدور، فتبيّن أنه قادر على ما شاء، وقادر على ما لم يَشَأْ. وقوله: ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: الآية ٤٢] قال بعض العلماء (١): هو بدل من ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: الآية ٤١] لأن يوم الفرقان يوم التقاء الجمعان هو الظرف المُعبَّر عنه بكينونتهم في العدوة الدنيا وأعداؤهم في العدوة القصوى، وهذا ظاهر. وقرأ هذا الحرف من السبعة: ابن كثير وأبو عمرو: ﴿إذ أنتم بالعِدوةِ الدنيا وهم بالعِدْوَةِ القصوى﴾ بكسر العين في الموضعين. وقرأه باقي السبعة: ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ بضم العين في الموضعين (٢). والعِدوة والعُدوة معناهما واحد. وأصل العِدوة والعُدوة: شاطئ الوادي وجانبه، فكل ما صاحب شاطئ الوادي وجانبه من الفضاء تسميه العرب: عُدوة وعِدوة، وهو عدوة الوادي (٣).

стр. 2463

وقوله ﴿بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي: عدوة وادي بدر ﴿وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾. و (الدنيا) تأنيث الأدنى، أي: العدوة الدنيا التي هي أدنى للآتي من المدينة ﴿وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ و (القصوى) تأنيث الأقصى، و (الدنيا) تأنيث الأدنى. أي: لأن العدوة التي فيها الكفار هي التي هي أشد قُصُوّاً وبعداً من الآتي من المدينة، والتي فيها النبي ﷺ وأصحابه هي الأقرب للآتي من المدينة. ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ المراد بالركب: الجماعة الذين هم في عِير أبي سفيان بإجماع المفسّرين. والمؤرخون يذكرون أنهم أربعون رجلاً في تلك العِير، سمّاهم ركباً. وأكثر علماء العربية يزعمون أن الركب اسم جمع، وأنه ليس بجمع؛ ولذا لم يجعل علماء العربية من جموع التكسير صيغة (فعْل) فأهملوها بالكلية. والذي يظهر من استقراء القرآن العظيم واللغة العربية أن (فَعْل) بفتح فسكون من صيغ جموع التكسير للكثرة في (فَاعِل) إذا كان وصفاً، وإنما قلنا: إن هذا هو الأظهر لكثرة وروده باستقراء اللغة العربية -في العربية وفي القرآن- فالركبُ هنا على أظهر القولين -وإن لم تكد ترى أحداً يقول به من علماء الصرف- أن الركب جمع راكب، والعرب تطلق الرَّكْب تريد به جمع راكب، فقولهم: إنه اسم جمع لا دليل عليه، والأظهر أنه جمع؛ ولذا فإنَّ العَرَبَ يكثر في كلامها إطلاق اسم الركب مراداً به الركبان، جمع راكب، كما قال (١): بزينبَ أَلْمِم قبل أنْ يَظْعَنَ الرَّكْبُ ... وقُلْ إن تَمَلِّينَا فما مَلَّكِ القَلبُ ويُرجعون إليه ضمائر الجموع كما قال غيلان ذو الرمة (٢):

стр. 2464

اسْتَحْدَثَ الرَّكْبُ عَنْ أشْيَاعِهِمْ خَبَرا ... أَمْ رَاجِعُ القلب من أَطرابِهِ طَرَبُ ومن إتيان (فَعْل) جمعاً لـ (فَاعِل) قولهم: «صَاحِبٌ وصَحْب». ومنه: «آلُه وصَحْبُه» ومنه قول امرئ القيس (١): وقُوفاً بها صَحْبي عَليَّ مَطِيّهم ... يقُولون: لا تَهْلِك أسًى وتَجَمَّلِ فالصحب جمع صاحب، ومن هذا المعنى: جمع (شَارِب) على (شَرْب) بفتح فسكون، ومنه قول نابغة ذبيان (٢): كأَنَّهُ خارجاً من جنبِ صَفْحَتِهِ ... سَفُّودُ شَرْبٍ نسوهُ عند مُفتَأَدِ فرد عليهم ضمير الجماعة في قوله: «سفُّودُ شَرْبٍ نَسوهُ عند مُفْتَأَدٍ» ومنه السّفْر جمع السافر، وفي الحديث: «أتمّوا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْر» (٣)، ومنه قول الشنفرى (٤):

стр. 2465

كَأَنَّ وغَاهَا حُجْرَتَيْهِ وجَالَهُ ... أضَاميم مِنْ سَفْرِ القَبَائل نُزَّلِ ومنه: طائر وطير ﴿إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ﴾ [النحل: الآية ٧٩] فجعل (مسخّرات) جمعاً نظراً إلى الطير. وهذا يكثر في كلام العرب، والأظهر أن (الفَعْل) هنا جمع (الفَاعِلْ) وصفاً. وعامة علماء العربية ممن تكلموا في جموع التكسير لم يجعلوا (فَعْلا) من صيغ الجموع، ويزعمون أن هذه الذي ذكرنا أن الأظهر جموع أنها أسماء جموع. هكذا يقولون. والمراد بالركب هنا: الجماعة الذين هم في عِير أبي سفيان. وقوله: ﴿أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ ظرف والخبر واقع في هذا الظرف. وقراءة: ﴿أسفلُ منكم﴾ (١) شاذة وقراءة الجمهور: ﴿أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ هو في مكان، وهذا المكان أسفل، ومعنى كونه أسفل: أن وادي بدر ذاهب إلى جهة البحر، فكل ما قَرُب من البحر منه فهو أسفل، وما بَعُد منه فهو أعلى. قال بعض العلماء: في هذه الآية الكريمة سؤال، وهو أن يُقال: ما الفائدة في تعيين أن النبي ﷺ وأصحابه في عُدوة وادي بدر الدنيا، وأن المشركين في عُدوة وادي بدر القصوى، وأن الركب أسفل من الجميع، ما الحكمة في هذا؟ وأي فائدة في معرفة مواضع القوم كلهم (٢)؟ أجاب بعض العلماء عن هذا بأن فيه سرّاً لطيفاً، قالوا: المعنى نَصركم الله وفَرَّقَ بَيْن الحق والباطل بأن نصركم عليهم وظروفكم

стр. 2466

الرَّاهِنَة تساعدهم على أن يغلبوكم؛ لأن العُدوة الدنيا كانت أرضها خباراً (١)، أرضاً رخوة تسوخ فيها الأقدام، ولا يَتَيَسَّر فيها المشي، ولا ماء فيها، فمن فيها عطاش. والعُدوة القصوى كانت بخلاف ذلك يسهل المشي عليها، فهم في هذا كانوا أوْلَى بأَنْ يسبقوكم على الماء ويمنعوكم منه فيقتلوكم، وأنه في ذلك الوقت عيرهم نَجَتْ، وتمَّت نعمتهم، وأموالهم متكاثرة، وهم في الموضع الذي هو أحسن من موضعكم، ومع هذا كله فقد نصركم الله عليهم؛ لأن الله لما أرسل المطر المتقدّم في قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ [الأنفال: الآية ١١] كانت العدوة القصوى طيناً ووحلاً، وكانت العدوة الدنيا رَمْلها متلبِّد تمشي عليه الأقدام بخفة، فكان هذا أنسب، ولذا قال: ﴿أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٢] ثم قال في حكمته وقع هذا ونزل هذا الفرقان وأنتم على هذه الحالة تكادون أن تجتمعوا على غير ميعاد؛ لأنه لو تواعدتم وضرب بعضكم لبعض أجلاً وميعاداً لاختلفتم في الميعاد لو كنتم في هذا العدد من الضعف وكان بينكم وبينهم موعد سابق لجبنتم ولفشلتم عنهم، ولما تجرأتم على الإقدام عليهم، ولو كنتم مستعدّين وعندكم جَمْعٌ قَوِيّ لفشلوا وجبنوا ولم يَتَجَرَّءُوا عليكم، فجمعكم الله بغير ميعاد لحكمته (جل وعلا)؛ لأن غزوة بدر شيء جعله الله (جل وعلا) بقدرته لم تَتَسَنَّ أسبابه، إلا أن الله (جل وعلا) سبّبها، ولذا قال: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ﴾ أي: واعد بعضكم بعضاً في الموضع الذي تلتقون فيه والمكان الذي تلتقون فيه، ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي

стр. 2467

الْمِيعَادِ﴾ أي: لخاف بعضكم من بعض، وجَبُن بعضكم عن بعض، ولما اتفقتم ليحصل ما حصل، ولكن الله جمعكم على غير ميعاد بحكمته (جل وعلا)؛ ولذا قال: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ ولكن الله جمعكم على غير ميعاد فخرجتم أيها المسلمون إلى عِير أبي سفيان، وخرج الكفار إلى إنقاذ عِيرهم، وشاء الله أن تجتمعوا ويوقع الله ما أوقع. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً﴾ هو إعزاز دين الإسلام، وبيان برهانه ودليله، وفرق الحق من الباطل بإعزاز الدين، وإعلاء كلمة الله، وإذلال الكفر، وقتل رؤسائه وصناديده، كان هذا أمراً مفعولاً لا محالة، شاءه الله وقدَّره وهو واقع لا محالة إذا جاء وقته المحدّد له في مكانه المحدّد له في علمه جل وعلا. وهذا معنى قوله: ﴿لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾. قوله: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣)﴾ [الأنفال: الآيتان ٤٢، ٤٣]. ﴿ليَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: الآية ٤٢] قرأ هذا الحرف نافع، وابن كثير في رواية البزي، وعاصم في رواية شعبة أبي بكر: ﴿ويحيى من حيي عن بينةٍ﴾ بفك الإدغام في (حَييَ) وقرأه بقية السبعة: ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ بإدغام الياء في الياء (١). وهذه الكلمة إنما كتبت في المصاحف العثمانية بحاء

стр. 2468

وياء واحدة، ولكنه عند الضبط الذين يقرؤون (حيي) بياءين بفك الإدغام يكتبون ياءً حمراء يبيّنون بها أنها لم تكن في رسم المصحف العثماني. فهما قراءتان سبعيتان، ولغتان فصيحتان ﴿ويحيى من حيِيَ عن بينة﴾، ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾. وقوله: ﴿لِّيَهْلِكَ﴾ إنما أوقع الله ما أوقع في بدر من الفرق بين الحق والباطل المبيّن في قوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ هذه (لام كي) المضارع بعدها منصوب بـ (أن) مضمرة. والمعنى: فرق بين الحق والباطل بإيضاح أن دين الإسلام حق، وأن عبادة الأوثان باطل؛ لأجل أن يهلك من هلك؛ لأجل أن يهلك بكفره المتمادي على الكفر بعد وضوح بطلانه عن بينة، أي: عن دليل واضح وبرهان قاطع لا يُشك في الحق معه؛ لأن البراهين المحسوسة يدركها الغبي ولا تختص بالعالِم. ﴿وَيَحْيَى﴾ بدين الإسلام ﴿ومَنْ حَيَّ﴾ به ﴿عَن بَيِّنَةٍ﴾ أي: عن دليل واضح؛ لأن ذلك الفرقان جعله الله بوقعة بدر ليؤمن المؤمنون على برهان وبصيرة وبيان قاطع، ويكفر الكافرون على وضوح أيضاً وبيان وبرهان قاطع. والبينة (١): كل دليل لا يترك في الحق لبساً تُسَمِّيهِ العرب (بيّنَة) ومنه قيل للشهود الشَّاهِدِين على الحق: (بيّنة)؛ لأنهم يبيّنون ويوضّحون من له الحق ومن عليه الحق. وهذا هو التحقيق في معنى قوله: ﴿لِِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يسمع كل ما يقوله خلقه، ويعلم كل ما يفعله خلقه.

стр. 2469

وكونه (جل وعلا) سميعاً عليماً هذا هو البرهان الأكبر والزَّاجِر الأعْظَم الذي لا تكاد تقلب ورقة واحدة من المصحف الكريم إلا وجدته فيه؛ لأن المصحف الكريم لا تكاد تنظر في موضع منه إلا وتجد فيه: ﴿إنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: الآية ٢٣١] ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: الآية ١٥٣] ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: الآية ١٥٤] ﴿لَا يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: الآية ٥] لا تكاد تحصي هذا؛ لأن هذا أكبر واعظ وأعظم زاجر أنْزَلَهُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ إِلى الأرض، وأنه هو الذي يحصل به النَّجَاح في محكّ الاختبار الإنساني بِأَسْرِهِ. وإيضاح هذا الكلام: أن الله (جل وعلا) بَيَّنَ في آياتٍ مِنْ كِتَابِهِ أن الحكمة التي خلق السماوات والأرض والخلائق من أَجْلِهَا هي أن يبتلي خَلْقَهُ فِي نقطة واحدة هي: إحسان العمل (١)، وليست بكثرة العمل، قال في أول سورة هود: ﴿خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ ثم بَيَّنَ الحِكْمَةَ فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود: الآية ٧] ولم يقل: أكثر عملاً، وقال في أوَّلِ سورة الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ ثم بيّن الحكمة فقال: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: الآية ٧] ولم يقل: أكثر عملاً. وقال في أول سورة الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ ثم بيّن الحكمة فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: الآية ٢] ولم يقل: أكثر عملاً. فدلّت هذه الآيات على أن محكّ الاختبار هو إحسان العمل؛ ولذا كل الناس يقول: «ليتني أدركت ما أنجح به في هذا الاختبار، وعرفت الطريق الذي يُتوصّل بها إلى أن أكون أحسن

стр. 2470

عملاً». وكان جبريل ﵊ لاحَظَ شِدَّة الحاجة إلى هذه النقطة الحسّاسَة فأراد أن يبينها لأصحاب رَسُول الله ﷺ ليعلِّمَهُمْ هذا العلم العظيم، فجاء في صورة أعرابي في حديثه الصحيح المشهور، وقال للنبي ﷺ في جملة ما سأله عنه: يا محمد -صلوات الله وسلامه عليه- أخبرني عن الإحسان. يعني: وهو الذي خلق الخلق للإخبار فيه، فبيّن له النبي ﷺ أن طريق الإحسان ووسيلته الوحيدة هي هذا الواعظ الأكبر والزاجر الأعْظَم الذي هو مُرَاقَبَةُ خالق هذا الكون (جل وعلا). فقال له: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (١). ولأجل تأكد هذا العلم وإحضاره في ذهن كل مسلم كنت لا تقلب ورقة من المصحف الكريم إلا ووجدت فيها هذا الزاجر الأكبر والواعظ الأعظم: أن ربّك مطّلعٌ على كل ما تقول وكل ما تفعل. ولو علم أهل بلد أن أمير ذلك البلد يعلم كل ما يفعلونه بالليل من الخَسَائِسِ لَبَاتُوا متأدّبِين لا يفعلون إلا ما لا يجر لهم ضرّاً، وهذا خالق السماوات والأرض (جل وعلا) يعلم خَطَرَات القلوب، ومع هذا لا يبالون بهذه الزَّوَاجِر العِظَام والمواعظ الكبار. وقد ضرب العلماء لهذا مثلاً (٢) قالوا: ولو فرضنا -ولله المثل الأعلى- أن في هذا البراح من الأرض ملكاً عظيماً شديد البأس والبطش إذا انْتُهِكَتْ حُرُمَاتُه، وحوله نساؤه وجواريه وبناته، وحوله جلوس، هل يخطر في ذهن أحد أن أحداً من أولئك الجلوس يهتم بريبة، أو غمزة عين، أو إشارة؟ لا وكلا، كلهم خاضع خاشع

стр. 2471

الجوارح، أمنيته السلامة. والله (جل وعلا) -وله المثل الأعلى في السماوات والأرض- أعظم بطشاً وأشَدّ نكالاً، وأعظم اطلاعاً، وحِمَاه في أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، فالمسلمون إذا ذكروا هذا الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم حاسبوا، ولم يفعلوا ما يخجلهم أمام رَبِّهِمْ (جل وعلا)؛ ولذا كثر في القرآن هذا الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم بعد كل أوامر وكل نواهٍ، ومنه قوله هنا: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾ [الأنفال: الآية ٤٢]. ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾ [الأنفال: الآية ٤٣] قال بعض العلماء: (إذ) بدل من الظروف قَبْلَهُ. وقال بعضهم: منصوب بـ (اذكر) مقدراً (١). ومعنى الآية الكريمة: أن النبي ﷺ رَأَى على التحقيق فيما يرى النائم -ومعلوم أن رؤيا الأنبياء وَحْيٌ لا شك فيها- أراه الله في نومه أن المشركين قليل جدّاً. وبعض العلماء أنكر معناها الواضح المتبادر للذّهن؛ لأنه لم يفهم الحقيقة. قالوا: كيف يُريهم قليلاً في مَنَامِهِ ورؤيا الأنبياء حَقّ، والنبي ﷺ يعلم أنهم حوالي ألف، كيف يعلم أنهم قريبون من الألف ويَرَى في المنام خلاف ما هو يعلم مع أن رؤيا الأنبياء حق (٢)؟ وغفل مَنْ قال هذا القول وإن قال به جماعة من أجِلاّء العلماء؛ لأن رؤيا النبي ﷺ حق، وتأويلها حق، كما قال يوسف: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾ [يوسف: الآية ١٠٠] لأن معنى رؤياه هو ما سيأتي في قوله: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٤]. لأن الله قلّل كلاًّ من الطائفتين في عين الأخرى في اليقظة

стр. 2472

حتى إنهم لما تصوبوا من عقنقل بدر قال ابن مسعود ﵁: قلت لصاحبي: أتراهم يبلغون السبعين؟ قال: أظنّهم يبلغون المائة (١). مِنْ شِدَّةِ تقليل الله لهم في عيون الصحابة، والله قَلَّلَ الصحابة في عيون المشركين حتى قال أبو جهل: إنهم أَكَلَةُ جَزُور. يعني: الجزور قد يأكلها ناس قليلون. فقلّل الله هؤلاء في أعْيُنِ هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، فَبَعْدَ أَنِ الْتَحَمَ القِتَالُ والْتَقَى الصفّان أكثر الله المؤمنين في أعين الكافرين حتى صاروا يظنونهم ضعْفَيْهِمْ، كما تقدّم في قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: الآية ١٣]؛ لأن الكفار بعيونهم يَرَوْنَ أن المسلمين أكثر منهم بالضِّعْف؛ لأن الله فعل كل ذلك لحكمة قبل أن يتلاقى هؤلاء وهؤلاء، جعل هؤلاء قليلاً في أعين هؤلاء، وهؤلاء قليلاً في أعين هؤلاء، ثم لما الْتَحَمَ القتال والتقى الصفان أَكْثَر المسلمين في أعين الكافرين فظنوا أنهم أكثر منهم مرتين؛ ولذا قال هنا: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾ [الأنفال: الآية ٤٣] لأن النبي ﷺ أراه الله الكفار في النوم قليلاً وأخْبَرَ بها أصحابه ففَرِحُوا بذلك وقويت قلوبهم وتهيئوا للقتال، والله (جل وعلا) صدّق تلك الرؤيا بأن قلَّلَهُم في أعينهم يوم بدر، كما يأتي الآن، ثم قال: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ﴾ لو أراك في النوم أنهم عدد ضخم كثير كالألف وأخبرتهم بذلك لخافوا وقالوا: لم نستعد لهؤلاء، وإنما خرجنا للعير!! كما تقدم في قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: الآيتان ٥، ٦] وهذا معنى

стр. 2473

قوله: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ﴾ الفشل ضد النجاح، وهو الجبن والخور؛ أي: لأصابكم الخور والجبن وتنازعتم في هذا الأمر، هذا معنى قوله: ﴿لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ﴾ بأن قال قوم: نذهب إليهم وإن كانوا كثيراً. وقال آخرون: ما ذهبنا إلا للعير، وما ذهبنا مستعدِّين لنفير كثير. وحصل فيكم الفشل والتنازع في الأمر ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿سَلَّمَ﴾ من هذا الفشل ومن هذا التَّنَازُع بأن أرى رسوله ﷺ في المنام أنهم قليلون لتتجرءوا عليهم، وقَلَّلكم في أعينهم فعلاً يقظة رأْيَ العين، وقللهم في أعينكم تصديقاً لرؤيا الرسول ﷺ ، هذا معنى قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ﴾. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ المراد بذات الصدور: ما يُصَاحِبُ الصدور ويَكْمُنُ فيها من الخواطر والهواجس، وقد علم أنه لو أراه إياهم كثيراً لتنازعتم في ذلك الأمر ولفشلتم، فهو يعلم بما يهجس في الصدور، وما يخطر فيها، وما توسوس به النفوس، وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: الآية ٤٣]. ثم قال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾ [الأنفال: الآية ٤٤] فهذا رأي في العين تصديقاً لرؤياه ﷺ واذكر حين يريكموهم الله في منامك قليلاً. الصحيح أن (قليلاً) هنا و (كثيراً) أنهما حالان، وأنها (رأى) البصرية عُدِّيَتْ بالهمزة فَتَعَدَّتْ إلى مفعول آخر، وأن (قليلاً) ليس مفعولاً ثالثاً، خلافاً لمن قال من بعض العلماء: إنها عُدِّيَتْ هُنَا إلى المفعول الثالث. والأصوب: أن (قليلاً) هنا حال، وأنها ليست بمفعول ثالث؛

стр. 2474

لأن (رأى) هذه بصرية لا علمية على التحقيق (١). وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾ يعني ترونهم كأنهم شيء قليل لتتجرءوا عليهم وتشجعوا وتقوى نفوسكم عليهم، وقد جاء عن ابن مسعود ﵁ أنهم لما تصوبوا من كثيب بدر قال لرجل معه: أتظنّهم يبلغون سبعين - وهم ألف - فقال الرجل: أرى أنهم يبلغون المئة (٢). هذا من شدة تقليلهم في أعينهم ليتجرءوا عليهم، كذلك ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ لما رأوهم قالوا: هؤلاء أكَلَةُ جزور ليسوا بشيء. وقال أبو جهل: لا تقتلوهم بل خذوهم واربطوهم لِنَذْهَب بهم حيث نشاء. من شدة استقلاله لهم، وظنه أنهم لا شيء!! وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ ليتجرأ هؤلاء على هؤلاء، وهؤلاء على هؤلاء؛ لأجل أن يقضي الله أمره، وينفذ إرادته ومشيئته بتهيئته أسباب ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ﴾ بذلك ﴿أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ في علمه، وأزله، منفذاً في وقته لا محالة؛ لأن الله (جل وعلا) يقضي ويقدّر، فيقدر كل ما شاء ثم يقضيه مُنْجَزاً في أوْقَاتِهِ في أماكنه على هيئته وصوره التي سبق بها علمه (جل وعلا) ولذا قال: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾. ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ جل وعلا وحده ﴿تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ قرأ هذا

стр. 2475

الحرف ابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو (١): ﴿وَإِلَى اللهِ تَرْجِعُ الأمُورُ﴾ ببناء الفعل للفاعل. وقرأه بقية السبعة: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ ببناء الفعل للمفعول. فـ (الأمور) على الأول فاعل (ترجع) وعلى القراءة الثانية: نائب فاعل (تُرجع) (٢). و (الأمور) جمع أمر، ويعم كل الشئون. والمعنى: مدار الأمور ومصيرها إليه (جل وعلا) كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ [الشورى: الآية ٥٣] وقد صار إليه هذا الأمر وآل إليه فنفذ فيه مشيئته وقدرته، وهيأ الأسباب حتى هزم الكفرة وقتل صناديدهم ورؤساءهم وكسر شوكتهم على أيدي أوليائه المسلمين، ونصر نبيه ﷺ وأصحابه وأيّدهم بنصره، وهذا قضاؤه وقدره (جل وعلا)، والله يهيئ الأسباب، ولو شاء فعل بلا سبب، إلا أنه اقتضت حكمته أن يرتب المسبّبات على أسباب، ويسبب للأشياء (جل وعلا) . [٥/ب] / ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ

стр. 2476

فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾ [الأنفال: الآيات ٤٥ - ٤٨]. يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ (٤٥)﴾ [الأنفال: الآية ٤٥]. هذه الآية الكريمة تضمنت تعليم الله لنبيِّه وأصحابه بعض الخطط العسكرية، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ناداهم باسم الإيمان ليكون ذلك مدعاة للقبول: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ أي: طائفة. أي: جيشاً من جيوش الكفار يقاتلونكم إذا لقيتموهم في ميدان القتال والتحمتم أنتم وهم ﴿فَاثْبُتُواْ﴾ يعني: لا تنهزموا، ولا تولوهم الأدبار، فاصمدوا أمامهم واثبتوا، ولا تتزعزعوا، ولا تنهزموا، ولا ترجعوا القهقرى. وهذا تعليم من خالق السماوات والأرض للمسلمين إذا الْتَحَم القتال أن يثبتوا ويصمدوا صمود الرجال، ولا ينهزموا ولا يرجعوا القهقرى. ثم إنه عَلَّمَهُم التعليم الأكبر الذي هو سبب للنصر والظفر في جميع الميادين، قال: ﴿وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً﴾ (كثيراً): نعت لمصدر محذوف؛ أي: ذكراً كثيراً ﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ أي: لأجل أن تفلحوا (١). وهذا هو التعليم السماوي للخطط الميدانية التي يحصل بها انهزام الكفر وانكسار شوكته، كأنه يقول لهم: في هذا الوقت الضنك الحرج الذي الْتَحَمْتُمْ فيه مع جيوش الكفار في هذا الوقت قووا صلتكم بمن خلقكم -جل وعلا- واذكروه ذكراً كثيراً. والمعنى: أنكم عند هذه الشدائد، وعند التحام القتال والمفروض أن

стр. 2477

الرِّجَالَ تنْزِل رؤوسهم عن أعناقهم، في هذا الوقت الضنك الحرج وثّقوا صلتكم بالله، واذكروا ربكم ذكراً كثيراً، فبذلك ينزل عليكم المَدَدُ مِنَ السَّمَاءِ، ويَتَسَنَّى لكم النصر، وتقهرُونَ الكُفَّار، وتَنْكَسِرُ شوكة الكفر. هذه عادة التعاليم السماوية، تجمع للناس بين ما تنتعش به أرواحهم، وبين ما تتقوى به أجسامهم (١)، فالتعاليم السماوية تُعْطِي الإنسان نصيب جُزْئَيْهِ، أعني: نصيب جسمه ونصيب روحه، وإذا أهمل أحد النصيبين تحقَّقَ الفَشَلُ والخور والهزيمة؛ لأن هذا الإنسان هو حيوان مركب من عنصرين مختلفين اختلافاً أساسياً جوهريّاً؛ أحدهما: يُسَمَّى الجِسْم، والثاني: يُسمى الروح، فالإنسان جسم وروح، فأحد عنصريه اللذين هما أساساه: الروح، والثاني: الجسم. والروح والجسم مختلفان اختلافاً أساسيًّا جوهريّاً، وبحسب اختلافهما الأساسي تختلف متطلباتهما في هذه الحياة، فللجسم متطلبات لا بد له منها، وللروح متطلبات لا بد له منها، ولا تغني متطلبات هذا عن متطلبات هذا. والقرآن العظيم يعطي كلاًّ من العنصرين حقه كما ينبغي. يقول: أعطوا الأجسام حقها بالثبوت والصمود، وأعطوا الأرواح حقها بتغذيتها بصلتها بخالقها وتقويتها، وانتظار المدد من السماء. ونظير هذه الآيات: إذا قرأتم آيتين من سورة النساء فَهِمْتُمْ هذا المعنى كما ينبغي، وهما الآيتان اللتان أنزلهما الله في صلاة الخوف، فإنه يقول لنبيه: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ﴾ [النساء: الآية ١٠٢] هذا وقت الْتِحَام

стр. 2478

الكفاح المُسَلَّح، فالمفروض أن الرجال تَنْزِل رؤوسهم عن أعناقهم في هذا الوقت الضنك الحرج، فالقرآن الذي هو تنزيل رَبّ العالمين يوضح الخطة العسكرية كما ينبغي (١)، على الوجه الذي يردون فيه العدو، وليتسنى لهم في ذلك الوقت الاتصال بخالق السماوات والأرض وأداءُ أدَبٍ من الآداب الروحية الذي هو الصلاة في الجماعة في ذلك الوقت، فالصلاة في الجماعة وقت الْتِحَام ذلك الكِفَاح المُسَلَّح هي من ذكر الله المأمور به هنا في سورة الأنفال في قوله: ﴿وَاذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ فالمؤمنون إن ساروا في ضوء هذه التعاليم السماوية، وكانوا في طاعة الله، وفي ذكر الله، وتقدموا صابرين في الميدان فإنهم لا يقوم أمامهم شيء، كما هو مشاهد في التاريخ لأن هؤلاء الرجال الذين عُلِّموا هذا التعليم في آية الأنفال هذه ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ وفي سورة النساء: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ [النساء: الآية ١٠٢] ليصلّوا الجماعة في ذلك الوقت الحرج، ويقوّون صلتهم بالله، هؤلاء الذين أخذوا بهذه التعاليم هم الذين أخذوا كنوز قيصر وكسرى، وحملوا نور الإسلام في مشارق الدنيا، ودان لهم جميع الأمم، ورفعوا رايات الإسلام في جميع أقطار الدنيا. أما هؤلاء الذين يَبِيتُون يَشْرَبُون الخمور، وتعزف عليهم القيان، وهم في المجالس الماجنة الخليعة، ثم بعد ذلك يصبحون في الميدان فهؤلاء ليسوا برجال ميدان، ولا يُرجى منهم تحقق شيء، ولا رد مسلوب من بلاد، ولا مِنْ مَجْد، ولا من شيء!! فما دام الذين يتقدمون في خطوط النار الأمامية فجرة، شَرَبَة للخمور، أصحاب معازف وغوانٍ وملاهٍ، فهؤلاء من يريد النصر

стр. 2479

ويُؤمّله من ورائهم فهو مُغفَّل؛ لأن هؤلاء ليسوا برجال ميدان، فلا يمكن أن يَرُدُّوا مسلوباً مِنْ مَجْدٍ وَلَا مِنْ بِلاد، ولا أن ينتصفوا من أحد كائناً ما كان؛ لأنهم تركوا التعاليم السماوية والخُطَط العسكرية التي هي كَفِيلَة بقمع الكفار، وإيقافهم عند حَدِّهِمْ، وكسر شوكة الكفر، وإعلاء كلمة الله جل وعلا. فالحاصل أن السلاح الأكبر في ميادين القتال هو ذكر الله -جل وعلا- وطاعته وامتثال أمره؛ لأنه هو الذي منه النَّصْر والمَدَد. والله كذلك يأمر خلقه ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ أما الذين إذا لقوا فِئَة فلا يذكرون الله، وليس في قلوبهم خشية من الله، ولا عمل بدينه، فهؤلاء لا يُؤمّل من ورائهم فائدة إلا مغفل مثلهم لا يفهم شيئاً. وهذا معنى قوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيراً﴾ ذكرًا كثيرًا؛ لأن ذكركم لله كثيرًا تتقوى به أرواحكم، وتتصلون به بربكم، وينزل لكم بسببه المدد من خالق السماوات والأرض. والصحابة ﵃ كذلك كانوا يفعلون، يذكرون الله ويخافونه في الميدان فيأتيهم النصر؛ ولذا قهروا الدنيا بأسرها، وأخذوا كنوز قَيْصَرَ وكِسْرَى كما هو معلوم. وهذا معنى قوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً﴾. ﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ قال بعض العلماء (١): (لعل) في القرآن كلها مشمة معنى التعليل، فهي تفيد معنى التعليل، إلا التي في الشعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ [الشعراء: الآية ١٢٩]

стр. 2480

قالوا: فهي بمعنى: كأنكم. والتحقيق أن لفظة (لعَلَّ) تأتي في اللغة العربية مُرادًا بها التعليل، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (١): فقُلتمُ لنا كُفُّوا الحُروبَ لعَلنَّا ... نكُفُّ ووثَّقْتمُ لنا كُلَّ مَوْثقِ ... فَلَمَّا كَفَفْنَا الحَرْبَ كَانَتْ عُهودُكمُ ... كشِبْهِ سَرَابٍ بالفَلا مُتألِّقِ فقوله: «كفوا الحروب لَعَلَّنَا نَكُف» أي: لأجل أن نكفّ عنكم. وقوله: ﴿تُفْلَحُونَ﴾ هو مضارع (أفلح الرجل، يفلح، فهو مُفلح): إذا نال الفَلَاح. والفلاح يُطلق في لغة العرب إطلاقين معروفين مشهورين (٢): أحدهما: تطلق العرب الفلاح بمعنى الفوز بالمطلوب الأكبر، فَكُلُّ مَنْ فَازَ بالمطلوب الذي كان يهتم به جدّاً، وهو مِنْ أَكْبَرِ مَطَالِبِه، تقول العرب: أفلح هذا. أي: فاز بما كان يطلب، وهذا معْنًى معروف في كلامها، ومنه قول لبيد بن ربيعة (٣): فَاعْقِلي إِنْ كُنْتِ لمَّا تَعْقِلي ... ولَقَد أَفْلَحَ مَنْ كانَ عَقَلْ أي: مَنْ رَزَقَهُ الله العقل ففاز بالمطلوب الأكبر في الدنيا. الإطلاق الثاني: هو إطلاق العرب الفلاح على البقَاء السرمدي في النعيم، فالعرب تقول: أفلح هذا: إذا كان باقياً خالداً في نعيم سَرْمَدِيّ، وهذا المعنى معروف مشهور في كلام العرب أيضاً، ومنه

стр. 2481

قول لبيد بن ربيعة أيضاً (١): لو أنَّ حيّاً مُدْرِكَ الفَلَاحِ ... لنَالَهُ مُلاعِبُ الرِّمَاحِ يعني بقوله: «مدرك الفلاح»، أي: مدرك البقاء بلا موت، ونظيره من كلام العرب: قول كعب بن زهير، أو الأضبط بن قريع، كما قيل بكل منهما (٢): لكلِّ هَمٍّ من الهُمُوم سَعَهْ ... والمُُسْيُ والصُّبحُ لا فَلاحَ مَعَهْ أي: لا بقاء في الدنيا مع تكرر اللَّيْلِ والنهار. إذا عرفتم معنيي الفلاح فمن أطاع الله (جل وعلا) وذكره كثيراً نال الفلاح بمعنييه، ففاز بمطلوبه الأكبر وهو الجنة ورضا الله، ونال البقاء السرمدي الأبدي في نعيم الجنات. وهذه الآية الكريمة تدل على أن الذين إذا لقوا فئة من فئات الكفار في ميدان القتال ولم يثبتوا أو لم يذكروا الله كثيراً، أنهم لا يفلحون. وهو كذلك؛ لأن النصر من الله. كما قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ١٠] قال في بدر: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ مع أنه أنزل ملائكة السماء ناصرين، يعني: لا تظنوا أن الملائكة ينصرونكم، الناصر هو الله وحده (جل وعلا)؛ ولذا قال: ﴿وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٤٥]. ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: الآية ٤٦] هذه التعاليم السماوية الكفيلة بالنصر والظفر وقمع القردة الكفرة وإيقافهم عند

стр. 2482

حدهم ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ﴾ فيما يأمركم به على لسان رسوله ﷺ ، وأطيعوا رسوله ﷺ فيما يبلّغكم عن ربكم ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: الآيتان ٣ - ٤]. والياء في قوله: ﴿أَطِيعُواْ﴾ الياء التي بين الطاء والعين أصلها (واو) لأن المادة من (الطَّوع) فهو أجوف واوي العين، أصلها: «أَطْوِعُوا» من «الطَّوع» لا يائي من (الطَّيْع) (١). ومعنى إطاعة الله: هي الانقياد لامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، في النيات والأفعال وكل شيء، وهذا معنى: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. ﴿وَلَا تَنَازَعُواْ﴾ أصله: لا تتنازعوا، لا ينازع بعضكم بعضاً وتختلفوا؛ لأن الناس غالباً تختلف نحلُهُم ووجهات نظرهم. يعني: إذا اختلفت وجهات نظركم لا تتنازعوا وكل منكم ينصر ما رآه فيخالف أخاه، بل كونوا متفقين دائمًا؛ لأن الله (جل وعلا) شرع لكم طريقة تتفقون عليها وهي اقتفاء نبيكم ﷺ والسير في ضوء الكتاب الذي أنزله عليه والسنة التي تركها ﷺ . وما دام هو ﷺ موجوداً بين أظهرهم فمعلوم أن المصير إلى ما يقوله ﷺ ، وهذا معنى: ﴿وَلَا تَنَازَعُواْ﴾ فإنه نهاهم عن النزاع؛ لأن التنازع أكبر أسباب الفشل. والتنازع غالبا يكون بسبب الأغراض الشخصية، وتقديم الأغراض الشخصية الدنيوية على المصالح العامة، فهذه البلية سوسة في الدنيا، وهي أضَرّ أدْوَاء هذا العالم، وهي تقديم المصالح

стр. 2483

الشخصية على المصالح العامة، وقد نزلت بسببها بليّة يتضمنها إشكال أزاله الله بفتوى سماوية من عنده؛ لأن الله (جل وعلا) ربما سَلَّطَ بعض الكفار على بعض المسلمين، وهي مشكلة واقعة الآن، يقول هؤلاء الشباب -الذين هم خفافيش أعماهم نور الإسلام، فصاروا يتطلبون النور في ظلام آراء الكفرة الفجرة- يقولون: كيف نكون على الحق وديننا دين حق ونحن مستضعفون مضطهدون في أقطار الدنيا، والكفار الذين تقولون: إنهم على باطل وليسوا على حق هم الذين معهم القوة والسيطرة، يبتزّون ثَرَوَاتِنا، ويضطهدوننا في أقطار الدنيا؟! وهذه المشكلة إنما يسببها التنازع والفَشَل، والأغراض الشخصية، وتقديمها على المصالح العامة. وهذا الإشكال بعينه قد اسْتَشْكَلَهُ أصْحَاب رَسُول الله ﷺ والنبي ﷺ موجود بين أظْهُرِهِمْ، والمَلَك يروح ويغدو بالوحي، فأفتى الله فيه فتوى سماوية هي قرآن يُتْلَى في سورة آل عمران، وذلك أن النبي ﷺ يَوْمَ أحُد لما صفَّ الصفوف، والتحم القتال بين المسلمين والمشركين، وكان المسلمون سبعمائة مقاتل، والمشركون ثلاثة آلاف مقاتل، أخذ عبد الله بن جبير -أخا خوّات بن جبير- ﵃ وأمّره على طائفة الرماة، وقال له: «كُونُوا عِنْدَ سَفْحِ هَذَا الجَبَلِ -يعني جبل أُحد- وَلَا تَأْتُونَا أَبَداً، إِنْ غَلَبَنَا الْقَوْمُ فَلَا تَأْتُونَا، وَإِنْ غَلَبْنَاهُمْ فَلَا تَأْتُونَا» (١)، وأمرهم بأن يثبتوا عِنْدَ سَفْحِ الجَبَلِ لِئَلاّ يأتيهم القوم من الوراء من بينهم وبين

стр. 2484

الجبل، فلما الْتَحَمَ القِتَالُ في المرة الأولى، وهلك حملة اللواء مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وانهزم المشركون هزيمة منكرة، ترك الرماة أمر رَسُول الله ﷺ لمصالحهم الشخصية، وهي الانتفاع بمال الغنيمة، فقال لهم رئيسهم عبد الله بن جبير ﵁: أما أنا فلا أخالف قول رَسُول الله ﷺ . وبقي معه نَفَرٌ قَلِيل. والآخرون راحوا يطلبون الأغراض الشخصية الدنيوية، وتَرَكُوا أمْرَ الرَّسُول. فنَظَرَ المُشْرِكُونَ فَإِذا الجَبَلُ ليس دونه رجال، فجاءوا مِنْ سَفْحِ الجَبَلِ وأتوهم مِنْ وَرَاءِ ظهورهم، ودارت عليهم رَحَى الحرب، وأوقع الله ما أوقع بالمسلمين، كما قَصَّهُ في سورة آل عمران في يوم أحد، قُتل مِنْ خِيَارِ الأنْصَار سبعون رجلاً، وقُتل عَمّ رَسُول الله ﷺ أسَد الله حمزة بن عبد المطلب، وقُطِعَ أنْفُهُ وأذُناه، وأُخذ بعض كبده لهِنْد بِنْت عُتْبة، وقُتِلَ ابْنُ عمته عبد الله بن جحش، وقتل حامل رايته مُصْعَب بن عمير العَبْدَرِي ﵁. وشَمَّاس بن عثمان المخْزُومِيّ، وأوقع الله ما أوْقَع بسبب تلك الأغراض الشخْصيَّة وتقديمها على أمر الرسول ﷺ ، وجُرح ﷺ وشُقَّت شَفَتُهُ السُّفْلَى اليُمْنَى، وكُسِرَتْ رَبَاعيَّته، وشُجَّ حتى غَاص في جَبْهَتِهِ بعض حِلَق المغفر الذي هو على رأسه، وانْتَزَعَهُ أبو عبيدة بن الجراح ﵁ فسقطت معه ثنيتاه العلييان لقوته، فكان أثرم ﵁، أي: ساقط الثنيتين. لما وقع هذا استشكله أصحاب رَسُول الله ﷺ هذا الاستشكال، وقالوا: كيف يُدال منا المُشْرِكُون، وتكون لهم دولة عَلَيْنَا، ويقتلوننا ويجْرَحُونَنا وفِينَا رَسُول الله ﷺ ومعنا الحَق؟ فهذا هو وجه الإشكال. فأفْتَى اللهُ بِإِزَالة هذا الإشكال فتوى سماويَّة، قرآناً يُتْلَى في آل عمران، قال:

стр. 2485

﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ﴾ [آل عمران: الآية ١٦٥] يعني بقتل السَّبْعِين الذين قُتلوا منكم يوم أُحُد ﴿قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا﴾ سابقاً يوم بدر بأن قتلتم سبعين وأسَرْتُمْ سَبْعِين على أصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ وأكثرهما قائلاً، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ وهو محل الشاهد، هذا استشكال الصحابة ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ مِنْ أَيْنَ جَاءَنَا هَذا، وكيف يُدالون مِنَّا، ونحن على حق، وهم على باطل، وفينا رَسُول الله ﷺ ، وعلينا ينزل القرآن؟ كيف يُدالون منا؟ هذا الاستشكال نص عليه الله في قوله: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ فأجاب الله بفتواه الإلهية السماوية قال لرسوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ من قِبَلكم جاءت البَلِيَّة، وأنْتُم الَّذِين جنيتموها على أنفسكم، وقوله: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ فيه إجمال أوْضَحَهُ الله في آية سورة آل عمران هذه، أوْضَحه بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: الآية ١٥٢] يعني: بالنصر على الأعداء ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ يعني تقتلونهم قتلاً ذَرِيعاً يُطفأ معه الحس، ويزول الحس بعده ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ من هذه البلايا جاءت البلية ووقع ما وقع؛ ولذا نهى الله عن هذا قال: ﴿وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٦] وأكبر أسباب النِّزَاع: تقديم المصالح الشخصية والأغراض الدنيوية على المصالح العامة. وهذه أكبر البلايا التي يَأْتِي من قِبَلِها الشر للمسلمين؛ لأنه قد يخالف بعض المسلمين فتكون العقوبة عامة للجَمِيع. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٦]. الفشل: ضد النجاح. قال بعض العلماء: معناه تضعفوا

стр. 2486

ويستولي عليكم الخور (١) ﴿فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ الإنسان إذا كان في عمل يديره ليُحَصِّلَ ورَاءَهُ نتيجة فإن تم له عمله ووقع ما أراد قالت العرب: نجح في أمره. وإن كان عكس ذلك قالوا: فشل في أمره، لم ينجح. وقال بعض العلماء: ﴿فَتَفْشَلُواْ﴾ يستولي عليكم الضعف والخور؛ لأن النزاع من أكبر أسباب الضعف والخور وعدم انتظام الكَلِمَة، وهذا النِّزَاع والاختلاف هو مشكلة عُظْمَى في أقطار الأرض؛ لأن من يَتَسَمَّوْن باسم المسلمين ينازع بعضهم بعضاً، ويعادي بعضهم بعضاً، وقد بَيَّنَ تَعَالَى في سورة الحشر أن اختلاف القلوب، والمنازعات الشديدة، وتشتُّت الآراء والأفكار، وعدم الاتحاد، أن سبب هذا الذي يجتلبه به إنما هو ذهاب العقل وعدم العقل؛ لأن العاقل لا يتسبب في المخالفة؛ لأنك إذا اختلفت أنت وأخوك كان تدبيره وكُلّ ما عنده من قوة يعمل ضدك، فإذا كنت عاقلاً -ولو عقلاً دنيويّاً- كان تسببك في أن يكون معك؛ لأن كون قوته وما أعطاه الله في صالحك خير لك من أن يكون في غير ذلك؛ ولذا بيّن تعالى أن سبب اختلاف القلوب هو ضعف العقول وعدمها، قال في قوم -وهم اليهود لعنهم الله- ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: الآية ١٤] أي: مختلفة مفترقة، فرق متعادية مختلفة. ثم بَيَّنَ العِلَّةَ التي أوجبت تشتت تلك القلوب قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وقد تَقَرَّرَ في علم الأصول أن العلل تعمّم معلولاتها وتخصصها كما هو معلوم في محله (٢). وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٦] الفاء

стр. 2487

سببية. والمعنى: أن التنازع سبب للفشل، والفشل: عدم النجاح والضعف والخور وعدم التمكن. والفاء سببية، والمضارع منصوب بعدها بـ (أن) المضمرة كما هو معلوم في محله. وقوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ معطوف على المنصوب بـ (أن) المضمرة قبله. وقوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ للعلماء في المراد بالريح هنا أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضاً (١): قال بعضهم: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ معناه: تذهب قوتكم. وهذا كالتوكيد لقوله: ﴿فَتَفْشَلُواْ﴾؛ لأن من فشلوا فقد ذهبت قوتهم، وحاصل الريح هذه في كلام العرب أنهم يريدون بها الدولة أعْنِي: وتذهب دولتكم ويكون الأمر إلى غيركم؛ لأن العرب تقول: «هَبَّتْ رِيحُ فُلَانٍ». أي: دالت دولته وجاء وقته الذي يتمكن به. وهذا معنى معروف في كلام العرب وفي لُغَتِهَا التي نزل بها القرآن، وهو معْنًى مشهور معروف. «هبت ريحك فاغتنم» أي: دالت دولتك وجاء الوقت الذي أنت تتمكن فيه. هذا معناه معروف في كلام العرب، وعلى هذا المعنى ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: تَنْعَدِمُ دَوْلَتُكُمْ وتضيع، ويصير الأمر إلى غيركم، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (٢): يَا صَاحِبَيَّ ألَا لَا حَيَّ بِالوَادِي ... إِلَاّ عَبِيداً قُعُوداً بَيْنَ أذْوَادِ

стр. 2488

أتَنْظُرانِ قَلِيلاً رَيْثَ غَفْلَتِهِمْ ... أمْ تَعْدُوانِ فإنَّ الرِّيحَ لِلْعَادِي فقوله: «إن الريح للعادي» أن الدولة والظفر للذي يعدو فينهب فيأخذ، هذا معنى قوله. وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الآخر (١): إذا هبَّتْ رِيَاحُكَ فاغْتَنِمْهَا ... فَإِنَّ لِكُلِّ عَاصِفةٍ سُكُون قال بعضهم: (إن) هنا اسمها ضمير الشأن، والمبتدأ وخبره خبرها، ومعنى: (هبت رياحك) أي. دالت دولتك فاغتنم الفرصة (فإن لكل عاصفة سكون) أي: لكل دولة تولٍّ ودبور، هكذا قاله بعض العلماء. وهذا معنى قوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. ﴿وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ هذه وصايا سماوية، وتعاليم من رب العالمين عظيمة، من أخذ بها ظفر، ومَنْ تَرَكَها فشل وذهبت ريحه لا شك. وقوله: ﴿وَاصْبِرُواْ﴾ الصبر في لغة العرب معناه: حبس النفس (٢). تقول العرب: فلان صبر نفسه. أي: حبسها على المكروه، وشجعها على الشيء الصعب، هذا معنى الصبر في لغة العرب، ومادته تتعدى وتلزم، تقول العرب: صبر فلان فهو صابر أي: كان متصفاً بالصبر، وصبر نفسه؛ أي: حبسها على المكروه. متعدياً للمفعول. ومن أمثلة تعديه للمفعول قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم ... ﴾ الآية [الكهف: الآية ٢٨]. وقول

стр. 2489

عنترة، أو غيره (١): فصَبَرْتِ عارفةً بذلكَ حُرَّةً ... ترسُو إذا نفسُ الجَبَانِ تطَلَّعُ يعني: حبست نفساً عارفةً بذلك على القتال. هذا أصل معنى الصبر. والصبر في الشرع يتناول أموراً كثيرة منها (٢): الصبر تحت ظلال السيوف؛ لأن الجنة تحت ظلال السيوف. ﴿وَاصْبِرُواْ﴾ أي: ويتناول ذلك الصبر صبركم تحت ظلال السيوف في الميدان، ويتناول الصبر أيضاً: الصبر عن معصية الله وإن اشتعلت نار الشهوات، والصبر على طاعة الله وإن كنت كالقابض على الجمر. يتناول الصبر الصبرَ على هذا كله، والصبر على المصائب عند الصدمة الأولى. وهذا معنى قوله: ﴿وَاصْبِرُواْ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ومعيته للصابرين معية نصر وتأييد وتوفيق؛ لأن الله ﵎ ذكر في كتابه معية خاصة للمتقين والصابرين والمحسنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: الآية ١٢٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: الآية ٤٠] فهذه المعية الخاصة هي بالنصر والتوفيق ونحو ذلك. والمعية العامة هي بالإحاطة الكاملة، ونفوذ العلم، وإحاطته -جل وعلا- بكل شيء معلومة، وهي المذكورة في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَاّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَاّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: الآية ٧]

стр. 2490

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: الآية ٤] لأن جميع الكائنات بسماواتها وأرضها في يد خالق السماوات والأرض أصغر من حبة خردل، فهو مع جميعها بالإحاطة الكاملة العظيمة وبالإحاطة العلمية ونفوذ التصرف كما لا يخفى. وهذا معنى قوله: ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٤٦]. لما أمرهم جل وعلا بالأوامر النافعة الكفيلة بالنجاة والسلامة مِنَ الفَشَلِ وذَهاب الريح نهاهم عن أضدادها المستوجبة للفشل وذهاب الريح والانهزام قال: ﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٧] النهي معطوف على الأمر، لأن قوله: ﴿فَاثْبُتُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٥] أمر. وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾ نهْي. والأمر والنهي كلاهما إِنْشَاء، يُعطف كل منهما على الآخر بلا نزاع. وإنما الخلاف بين العلماء في عطف الإنشاء على الخَبَرِ، أو الخبر على الإنشاء، فمنعه جماعة من العلماء. والتحقِيقُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القرآن العظيم واستقراء اللغة العربية: هو جَوَازُ عَطْفِ الخَبَرِ عَلَى الإنشاء، والإنشاء على الخبر (١)، وإن ظن مَنْعه جماعة من علماء البلاغة (٢) ومن النحويين. ومن عطف الإنشاء على الخبر في القرآن العظيم قوله تعالى عن أبي إبراهيم: ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ [مريم: الآية ٤٦] فقوله: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾ الآية، خبر، وقوله: ﴿وَاهْجُرْنِي﴾ إنشاء؛ لأنه أمر، فهو إنشاء معطوف على خبر، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول امرئ القيس (٣):
следующие страницы →