← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

ويستولي عليكم الخور (١) ﴿فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ الإنسان إذا كان في عمل يديره ليُحَصِّلَ ورَاءَهُ نتيجة فإن تم له عمله ووقع ما أراد قالت العرب: نجح في أمره. وإن كان عكس ذلك قالوا: فشل في أمره، لم ينجح. وقال بعض العلماء: ﴿فَتَفْشَلُواْ﴾ يستولي عليكم الضعف والخور؛ لأن النزاع من أكبر أسباب الضعف والخور وعدم انتظام الكَلِمَة، وهذا النِّزَاع والاختلاف هو مشكلة عُظْمَى في أقطار الأرض؛ لأن من يَتَسَمَّوْن باسم المسلمين ينازع بعضهم بعضاً، ويعادي بعضهم بعضاً، وقد بَيَّنَ تَعَالَى في سورة الحشر أن اختلاف القلوب، والمنازعات الشديدة، وتشتُّت الآراء والأفكار، وعدم الاتحاد، أن سبب هذا الذي يجتلبه به إنما هو ذهاب العقل وعدم العقل؛ لأن العاقل لا يتسبب في المخالفة؛ لأنك إذا اختلفت أنت وأخوك كان تدبيره وكُلّ ما عنده من قوة يعمل ضدك، فإذا كنت عاقلاً -ولو عقلاً دنيويّاً- كان تسببك في أن يكون معك؛ لأن كون قوته وما أعطاه الله في صالحك خير لك من أن يكون في غير ذلك؛ ولذا بيّن تعالى أن سبب اختلاف القلوب هو ضعف العقول وعدمها، قال في قوم -وهم اليهود لعنهم الله- ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: الآية ١٤] أي: مختلفة مفترقة، فرق متعادية مختلفة. ثم بَيَّنَ العِلَّةَ التي أوجبت تشتت تلك القلوب قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وقد تَقَرَّرَ في علم الأصول أن العلل تعمّم معلولاتها وتخصصها كما هو معلوم في محله (٢). وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٦] الفاء

стр. 2487

سببية. والمعنى: أن التنازع سبب للفشل، والفشل: عدم النجاح والضعف والخور وعدم التمكن. والفاء سببية، والمضارع منصوب بعدها بـ (أن) المضمرة كما هو معلوم في محله. وقوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ معطوف على المنصوب بـ (أن) المضمرة قبله. وقوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ للعلماء في المراد بالريح هنا أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضاً (١): قال بعضهم: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ معناه: تذهب قوتكم. وهذا كالتوكيد لقوله: ﴿فَتَفْشَلُواْ﴾؛ لأن من فشلوا فقد ذهبت قوتهم، وحاصل الريح هذه في كلام العرب أنهم يريدون بها الدولة أعْنِي: وتذهب دولتكم ويكون الأمر إلى غيركم؛ لأن العرب تقول: «هَبَّتْ رِيحُ فُلَانٍ». أي: دالت دولته وجاء وقته الذي يتمكن به. وهذا معنى معروف في كلام العرب وفي لُغَتِهَا التي نزل بها القرآن، وهو معْنًى مشهور معروف. «هبت ريحك فاغتنم» أي: دالت دولتك وجاء الوقت الذي أنت تتمكن فيه. هذا معناه معروف في كلام العرب، وعلى هذا المعنى ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: تَنْعَدِمُ دَوْلَتُكُمْ وتضيع، ويصير الأمر إلى غيركم، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (٢): يَا صَاحِبَيَّ ألَا لَا حَيَّ بِالوَادِي ... إِلَاّ عَبِيداً قُعُوداً بَيْنَ أذْوَادِ

стр. 2488

أتَنْظُرانِ قَلِيلاً رَيْثَ غَفْلَتِهِمْ ... أمْ تَعْدُوانِ فإنَّ الرِّيحَ لِلْعَادِي فقوله: «إن الريح للعادي» أن الدولة والظفر للذي يعدو فينهب فيأخذ، هذا معنى قوله. وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الآخر (١): إذا هبَّتْ رِيَاحُكَ فاغْتَنِمْهَا ... فَإِنَّ لِكُلِّ عَاصِفةٍ سُكُون قال بعضهم: (إن) هنا اسمها ضمير الشأن، والمبتدأ وخبره خبرها، ومعنى: (هبت رياحك) أي. دالت دولتك فاغتنم الفرصة (فإن لكل عاصفة سكون) أي: لكل دولة تولٍّ ودبور، هكذا قاله بعض العلماء. وهذا معنى قوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. ﴿وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ هذه وصايا سماوية، وتعاليم من رب العالمين عظيمة، من أخذ بها ظفر، ومَنْ تَرَكَها فشل وذهبت ريحه لا شك. وقوله: ﴿وَاصْبِرُواْ﴾ الصبر في لغة العرب معناه: حبس النفس (٢). تقول العرب: فلان صبر نفسه. أي: حبسها على المكروه، وشجعها على الشيء الصعب، هذا معنى الصبر في لغة العرب، ومادته تتعدى وتلزم، تقول العرب: صبر فلان فهو صابر أي: كان متصفاً بالصبر، وصبر نفسه؛ أي: حبسها على المكروه. متعدياً للمفعول. ومن أمثلة تعديه للمفعول قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم ... ﴾ الآية [الكهف: الآية ٢٨]. وقول

стр. 2489

عنترة، أو غيره (١): فصَبَرْتِ عارفةً بذلكَ حُرَّةً ... ترسُو إذا نفسُ الجَبَانِ تطَلَّعُ يعني: حبست نفساً عارفةً بذلك على القتال. هذا أصل معنى الصبر. والصبر في الشرع يتناول أموراً كثيرة منها (٢): الصبر تحت ظلال السيوف؛ لأن الجنة تحت ظلال السيوف. ﴿وَاصْبِرُواْ﴾ أي: ويتناول ذلك الصبر صبركم تحت ظلال السيوف في الميدان، ويتناول الصبر أيضاً: الصبر عن معصية الله وإن اشتعلت نار الشهوات، والصبر على طاعة الله وإن كنت كالقابض على الجمر. يتناول الصبر الصبرَ على هذا كله، والصبر على المصائب عند الصدمة الأولى. وهذا معنى قوله: ﴿وَاصْبِرُواْ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ومعيته للصابرين معية نصر وتأييد وتوفيق؛ لأن الله ﵎ ذكر في كتابه معية خاصة للمتقين والصابرين والمحسنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: الآية ١٢٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: الآية ٤٠] فهذه المعية الخاصة هي بالنصر والتوفيق ونحو ذلك. والمعية العامة هي بالإحاطة الكاملة، ونفوذ العلم، وإحاطته -جل وعلا- بكل شيء معلومة، وهي المذكورة في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَاّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَاّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: الآية ٧]

стр. 2490

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: الآية ٤] لأن جميع الكائنات بسماواتها وأرضها في يد خالق السماوات والأرض أصغر من حبة خردل، فهو مع جميعها بالإحاطة الكاملة العظيمة وبالإحاطة العلمية ونفوذ التصرف كما لا يخفى. وهذا معنى قوله: ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٤٦]. لما أمرهم جل وعلا بالأوامر النافعة الكفيلة بالنجاة والسلامة مِنَ الفَشَلِ وذَهاب الريح نهاهم عن أضدادها المستوجبة للفشل وذهاب الريح والانهزام قال: ﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٧] النهي معطوف على الأمر، لأن قوله: ﴿فَاثْبُتُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٥] أمر. وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾ نهْي. والأمر والنهي كلاهما إِنْشَاء، يُعطف كل منهما على الآخر بلا نزاع. وإنما الخلاف بين العلماء في عطف الإنشاء على الخَبَرِ، أو الخبر على الإنشاء، فمنعه جماعة من العلماء. والتحقِيقُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القرآن العظيم واستقراء اللغة العربية: هو جَوَازُ عَطْفِ الخَبَرِ عَلَى الإنشاء، والإنشاء على الخبر (١)، وإن ظن مَنْعه جماعة من علماء البلاغة (٢) ومن النحويين. ومن عطف الإنشاء على الخبر في القرآن العظيم قوله تعالى عن أبي إبراهيم: ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ [مريم: الآية ٤٦] فقوله: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾ الآية، خبر، وقوله: ﴿وَاهْجُرْنِي﴾ إنشاء؛ لأنه أمر، فهو إنشاء معطوف على خبر، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول امرئ القيس (٣):

стр. 2491

وإن شِفائي عَبْرةٌ إن سَفَحْتُها ... وهلْ عِنْدَ رَسْمِ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ لأن الشطر الأول خبر، والشطر الثاني إنشاء، وهو معطوف عليه. ونظيره قول الآخر (١): تُنَاغي غَزَالاً عِنْدَ بَابِ ابْنِ عَامِرٍ ... وكَحِّلْ مَآقِيكَ الحِسَانَ بِإِثْمِدِ وهو عطف إنشاء على خبر، وهذا هو الصواب. ﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٧] أيها المؤمنون كالكفرة الفجرة أصحاب الفخر والخيلاء والرياء، فإن الفَخْرَ والخيلاء والرياء أوْصَاف ليست بأوصاف المسلمين، وليست بأوصاف المُقَاتِلِينَ النَّاجِحِينَ الظَّافِرِينَ في الميدان ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم﴾ هم كفار مكة، وهم نفير الجيش الذي الْتَقوا مَعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ بِإِجْمَاعِ المُفَسِّرِينَ خرجوا من ديارهم في مكة المكرمة -حرسها الله- ﴿بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ﴾ أي: لأجل البطر ومراءاة الناس، وقال بعضهم: هو مصدر مُنكّر بمعنى الحال. خرجوا في حال كونهم متصفين بالبطر والرياء. وكونه مفعولاً لأجله أظهر (٢). البطر في لغة العرب: هو التكبر عن قبول الحق مع غَمْطِ الحقوق. وتكبرهم هذا المشار إليه هنا هو الذي بَيَّنَّا في قصة أبي جهل (٣)؛ لأن الكفار لما كانوا بالعدوة القصوى من بدر، وأرسلوا عمير بن وهب الجمحي ﵁ -وكان إذ ذاك كافرًا- وقالوا له: احزر لنا القوم. فجاء فحزرهم، فقال: القوم

стр. 2492

ثلاثمائة يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، ولكن دعوني أنظر هل لهم كمين؟ فجال في فرسه في وادي بدر حتى أبعد، قال: ليس للقوم كمين، ولكني يا قوم رأيت البلايا تحمل المنايا، رأيت نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، والله لا يُقتل رجل منهم حتى يَقتل رجلاً منكم، وإن مات منكم أعدادهم فلا خير في الحياة بعد ذلك، فرأيي أن تنصرفوا. فأيَّدَهُ حكيم بن حزام ﵁، وذهب إلى عتبة بن ربيعة وقال له: يا أبا الوليد إن عِير قريش نجت من محمد ﷺ وليس لهم لديه مطلب إلا دية ابن الحضرمي -عمرو بن الحضرمي- الذي قُتل في سرية نخلة، وهو حليفك فتحمَّل ديته وخلّ الناس يرجعون فإنه لا خير لهم في لقاء محمد ﷺ ، فاجتمع عتبة وحكيم وعمير بن وهب على هذا الرأي، ولكن قال له عتبة: يا بن حزام اذهب إلى ابن الحنظلية -يعني أبا جهل عمرو بن هشام قبحه الله- فقل له هذا، فلما جاءه قال له: انتفخ سحر عتبة -يعني انتفخت رئته من الخوف- فغضب عندها عتبة وقال: سيعلم مصفر استه غداً من الجبان!! ثم إن أبا جهل -لعنه الله- قال لابن الحضرمي: أنت ترى ثأرك فلا يردّنك هؤلاء عن ثأرك فتقدم واطلب ثأر أخيك، فتقدم عامر بن الحضرمي وقال: واعَمْرَاه، واعَمْرَاه. ينشد ثأره من أخيه عمرو الذي قتلته سرية عبد الله بن جحش ﵁ في نخلة كما هو مشهور، فلما قالوا له: ارجع بنا. قال -وهو محل الشاهد- قال: والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر -وكان بدر موسماً من مواسم العرب، وسوقاً يبيعون فيه في السنة- ونشرب الخمور، وننحر الجزور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا!! فهذا هو فخره وخيلاؤه وبطره ورئاؤه الذي بينه بقوله:

стр. 2493

تسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا ﴿وَرِئَاء النَّاسِ﴾ [الأنفال: الآية ٤٧] هو الذي يفعل الفعل لأجل أن يراه الناس فيحمدونه عليه، ويعظمونه عليه لا لوجه الله. وهذا معنى قوله: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً﴾ أي: لأجل البطر. أو: بطرين متكبرين عن الحق، متصفين بالفخر والخيلاء. وقال بعض العلماء: البطر: التكبر عن الحق مع غمط الناس حقوقهم. قال بعضهم: البطر: سوء احتمال النعمة، فمَنْ أنْعَمَ الله عليه نعمة وصار يعمل فيها عمل الإسراف فيما لا يرضي فهو مِن البَطِرِينَ. وعلى كل حال فهم بطرون؛ لأنهم تكبروا عن قبول الحق، وغمطوا الناس حقوقهم، وجاءوا في فخر وخيلاء. وفي قصة بدر أن النبي ﷺ لما رآهم متصوِّبِينَ مِنْ كَثِيب بدر قال: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ أَقْبَلَتْ تَحَادُّكَ وتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، هَذِهِ قُرَيْشٌ أَقْبَلَتْ بِفَخْرِهَا وَخُيَلائِهَا - وهو محل الشاهد - تحادّك وتكذب رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ أحْنِهِمُ الغَدَاةَ» (١) كما هو معروف في محله. وهذا معنى قوله: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ﴾ هم أبو جهل وأصحابه من النفير الذين قُتل أشرافهم، وأسروا على شفير بدر كما هو معروف. وكان بعض العلماء يقول (٢): أفخر بيت قالته العرب بيت حسان بن ثابت ﵁ في بدر حيث يقول (٣):

стр. 2494

وَفِي بِئْرِ بَدْرٍ إِذْ يَصُدُّ وجُوهَهُم ... جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا وَمُحَمَّدُ ﷺ ، وهذا معنى قوله: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هذه (صدَّ) المتعدية (١)، والمفعول محذوف لدلالة المقام عليه، أي: يصدون الناس ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والسبيل في لغة العرب (٢): الطريق، وهي تُذكّر وتُؤنَّث. وجاء في القرآن تذكير السبيل في قوله: ﴿وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف: الآية ١٤٦] ولم يقل: يتخذوها. ومن تأنيثها في القرآن قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: الآية ١٠٨] ولم يقل: هذا سبيلي، وقوله: ﴿تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿تَبْغُونَهَا﴾ [آل عمران: الآية ٩٩] يعني السبيل كما هو معروف. وسبيل الله: دين الإسلام، وإنما قيل له: سبيل الله لأنه الطريق التي شرعها الله، وأصّل أصولها، وأمر بالسير عليها، ووعد من سار عليها الجنة، ومن تَجَنَّبَهَا النار. فلذلك كانت سبيله؛ لأنه الذي شَرَعَها، وأمر بسلوكها، ووعد من سلكها الخير، ومن لم يسلكها الشر؛ ولذا أضيفت إليه فقيل لها: سبيل الله، ولذا قال: ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾، ﴿وَاللَّهُ﴾ جل وعلا بكل ما ﴿يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ لأنه (جل وعلا) محيط بكل شيء. وفيه تهديد ووعيد لهم، فقد أحاط بهم وبأعمالهم، ومكّن منهم نبيه ﷺ فقتل رؤساءهم وأَسَرَهُمْ كَمَا قَدّمْنَا إيضاحه. وهذا معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: الآية ٤٧].

стр. 2495

﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾ [الأنفال: الآية ٤٨]. ﴿وَإِذْ زَيَّنَ﴾ حين زين ﴿لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٨] وهؤلاء الذين زين لهم الشيطان أعمالهم هم الذين خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله، هؤلاء زين لهم الشيطان أعمالهم. زَيَّنَهَا لهم معناها: صَيَّرَهَا في أعينهم متصفة بالزين، والزين: ضد القبح، أي: زَيَّنَها لهُمْ، حَسَّنَهَا لهم حتى صارت حسنة عندهم بِتَزْيِينِه ووَسْوَسَتِهِ وإن كانت أقَبْحَ شَيْءٍ. والأعمال جمع عمل، وهو ما يصدر عن الإنسان. وقد عُلِمَ بِاسْتِقْرَاءِ الشَّرْعِ أن العمل الذي يزينه الشيطان ويُعاقب عليه ويُثاب عليه أنه أربعة أقسام، دل على هذا استقراء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، واللغة العربية، أن ما يصدق عليه اسم العمل الذي يزينه الشيطان وُيثاب الإنسان عليه ويُعاقب عليه أربعة أنواع لا خامس لها (١): الأول منها: فعل الجوارح كالسرقة والزنا. والثاني منها: القول؛ لأن القول فعل اللسان، وقد سَمَّى الله في سورة الأنعام القول فعلاً حيث قال جل وعلا: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: الآية ١١٢] فسَمَّاهُ فِعْلاً.

стр. 2496

الثالث: العزم المصمم؛ لأن عزم الإنسان وتصميمه على الفعل بحيث لا يمنعه منه إلا العَجْز عنه هذا الفعل الذي صَمَّمَ عليه وعزم عليه فكأنه عمله بعزمه وتصميمه، فهو عمل يزينه الشيطان ويُؤْخَذ به فيثاب ويعاقب عليه، والدليل على أن هذا العزم المصمم أنه من جملة العمل الذي يدخل صاحبه النار مثلاً: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما -أعني البخاري ومسلماً رحمهما الله- من حديث أبي بكرة ﵁: «إذا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قالوا: يا رَسُول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟! فهؤلاء الناس سألوا رَسُول الله ﷺ أن يُبرز لهم ويبين العمل الذي دخل بسببه المقتول النار؛ لأنه لم يَقتل!! فأجابهم ﷺ في هذا الحديث الصحيح المتفق عليه: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصاً عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ» (١). والجواب على طبق السؤال، فبيّن أن عمله الذي أدخله النار حرصه على قتل أخيه، وهو عزمه المصمم وإن لم يتمكن منه. أما العزم الغير المصمم بأن يخطر في ذهنه أنه يفعل كذا ثم يراقب الله فيتركه، فتلك السيئة التي همّ بها تكتب له حسنة؛ لأنه تركها خوفاً من الله. وهو معنى قوله ﷺ : «وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً» (٢) لأنه تَرَكَهَا خَوْفاً مِنْ رَبِّهِ فَكَانَ ذَلِكَ حَسَنَةً؛ ولذلك كان جابر بن عبد الله ﵁ وهو مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، وَبَنُو سَلَمَةَ وبنو حارثة -من الأنصار- هم الذين أنزل الله فيهم يوم أحد: ﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: الآية ١٢٢] قال:

стр. 2497

﴿هَمَّت طَّآئِفَتَانِ﴾ هذا الهمّ ليس بعزم مصمم؛ لأن الله قال بعده: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ فكان جابر يقول: مع أن الله ذكر أنّا هَمَمْنَا أن نفشل وهذه وصْمَةٌ فِينَا، ولكن والله ما نحب أن الله لم ينزلها لأنه قال بعدها: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ فالتي بعدها تداويها وتزيد، هذا معنى كلامه ﵁ (١). فالعزم المصمم من العمل الذي يزينه الشَّيْطَان ويدخل صاحبه بسببه النار. الرابع: التَّرْك، والتحقيق أن التروك أفعال يزينها الشيطان، ويدخل صاحبها بها النار، ويُثاب بها فيدخل بسببها الجنة. هذا هو التحقيق إن شاء الله. وقد كان ابن السبكي -تاج الدين- في بعض كتبه في علم الأصول في بحث أهل الأصول في الترك هل هو فعل أو ليس بفعل؟ قال: طالعت كتاب الله فوَجَدْتُ من كتاب الله آية في سورة الفرقان يفهم منها أن الترك فِعْلٌ (٢). ونحن نقول: إن هذه الآية التي أوردها ابن السبكي لا يظهر لنا وجه الدلالة منها كل الظهور، إِلَاّ أَنَّا اطَّلَعْنَا على آيَتَيْنِ من سورة المائدة كلهما صريحة في أن الترك من الأفعال، وأنه مِنَ الأعْمَال التي يؤاخذ بها الإنسان. وإيضاح ذلك: أنك لو تركت الصلاة حتى خرج وقتها، أنت ما فعلت شيئاً إلا أنك تركت الصلاة، فهذا الترك فعل يُقتل صاحبه بسببه، ويدخل به النار، ويكفر به عِنْدَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ. فَلَوْلَا أَنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ لَمَا كان تارك الصلاة كافراً عند من يقول بذلك، ولما وجب قتله كفراً عند أحمد في مشهور مذهبه، وحَدّاً عند مالك والشافعي في مشهوري مَذْهَبِهِمَا، وإيضاح هذا أن ابن السبكي قال:

стр. 2498

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠)﴾ [الفرقان: الآية ٣٠] قد فهمت من هذه الآية في سورة الفرقان أن التَّرْكَ فِعْلٌ؛ لأن الأخذ: هو التناول، والمهجور: المتروك، أي: تناولوه متروكاً. فدل على أن الترك فعل يُؤتى بالتناول، وهذا لا يظهر لي كل الظهور. أما الآيتان اللتان عثرنا عليهما في سورة المائدة، الدالتان على أن الترك فعل من الأفعال: فإحداهما قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ ثم قال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: الآية ٦٣] إنشاء الذم بقوله ﴿بِئْسَ﴾ هنا متوجه على ترك الربانيين والأحبار النهي، وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ أي: بئس ما يصنعه الربانيُّونَ والأحْبَار وهو تركهم. فسمّى تركهم الأمر بالمعروف صنعاً، والصُّنع أخَصّ من مُطْلَقِ الفِعْلِ، وهذا هو التحقيق في معنى الآية، وهو نص صريح في أن الترك من الأفعال. والآية الأخرى: قوله في المائدة أيضاً: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: الآية ٧٩] وهو عدم تناهيهم عن المنكر، فسمّى تركهم التناهي عن المنكر (فعلاً) وذمه أيضاً بالفعل الجامد الذي هو لإنشاء الذَّمِّ أعني: (بئس) لأن (نِعْمَ) لإنشاء المدح، و (بئس) لإنشاء الذم، كما هو معروف في محله (١).

стр. 2499

وقد أجرى العلماء على هذا الاختلاف فروعاً كثيرة في المذاهب (١)، هل الترك فعل أو لا؟ قالوا: فبناء على أن الترك فعل: إذا كان الإنسان عنده خيوط مِنْ حَرِير مثلاً، وشق بطن واحد من رفقته، وأمسك عنه خيوط الحرير تخاط بها بطنه حتى هلك. فعلى أن الترك فعل فقد أهلكه بتركه، فتلزمه ديته، وعلى أن الترك [ليس] (٢) بفعل لا غرامة عليه. وكذلك من كان عِنْدَه ماء يفضل عن سقي زرعه، وجف زَرْع جَارِهِ إذا أمسك عنه الماء الفاضل عنه، فعلى أن الترك فعل يضمنه؛ لأنه أفسده بفعله، وعلى أنه ليس بفعل فلا. ومن هذا: ناظرو الأوقاف والأوصياء على اليتامى إذا تركوا إيجار دورهم وقت الإيجار حتى فاتت الفرصة، فعلى أن الترك فعل يضمنون، وعلى أنه ليس بفعل لا يضمنون، وهي قاعدة كثيرة الفروع في مذاهب الأئِمَّةِ ﵏ بسطها وبسط فروعها مقرّر في مذاهبهم. وأصح القولين: أن الترك فعل، وأنه عمل من الأعمال التي يزينها الشيطان، وكان ﷺ أيام بنائه لهذا المسجد الشريف -يسر الله له العمارة بطاعة الله وعبادته- كان النبي ﷺ ممن يعمل فيه وبعض الصحابة جلوس، فقال بعضهم (٣): لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ ... لَذَاكَ مِنَّا العَمَلُ المُضَلَّلُ

стр. 2500

فسمى قعودهم وتركه العمل سماه «عملاً مضللاً» وهذا معروف، ويدل عليه قوله ﷺ : «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (١) فسمى ترك الأذى إسلاماً، ومعلوم أن الإسلام لا يكون بالعدم إلا بأفعال، وهذا يبين أن الأعمال التي يُزَيِّنُهَا الشيطان فيؤاخذ الإنسان بها أربعة: أعمال الجوارح (وهي الأفعال)، وأعمال اللسان (وهي الأقوال)، والعزم المُصَمِّم، والترك، كما لا يخفى، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. ﴿وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: الآية ٤٨] الله هنا في هذه الآية من سورة الأنفال صرح بأن الشيطان (قال) ولم يقل: (وسوس) فصرح بالقول ولم يذكر الوسوسة؛ لأن الشيطان تَمَثَّلَ لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي البَكْرِي ﵁؛ لأن قريشاً لما جاءهم ضَمْضَم بن عمرو الغفاري -أرسله لهم أبو سفيان- وتأَهَّبُوا للخُرُوجِ وأجمعوا عليه، وبينهم وبين بني بكر بن كنانة عداوة، فخافوا أن يأتوهم من ورائهم فيأخذوا نساءهم وذراريهم، فجاءهم إبليس في صورة سراقة بن مالك، وكان سيد بني مدلج، وهو من سادات بَنِي بَكْر بن كنانة، وقال لهم: إني جار لكم، أجيركم من كنانة فلا يصل إليكم منهم سوء، وَزَيَّنَ لهُمْ هذه الأعمال، وقال: أنتم على حق، هذا الرجل الذي سفه أحلامكم، وفَرَّقَ كَلِمَتَكُمْ، وعَابَ آلهتكم، وسفَّهَ آباءكم، فاذهبوا إليه ولا تتركوه يأخذ عِيرَكم، ونحو هذا من التَّزْيين، ولا غالب لكم

стр. 2501

لشرفكم وقوتكم، وأنكم قطّان بيت الله الحرام، زين لهم هذا التزيين، وقال لهم: إنه جار لهم يجيرهم من بكر بن كنانة، وذَهَب معهم وهم يعتقدونه سراقة بن مالك (١)، فلما فَرَّ عَنْهُمْ صَارُوا يعيبون سراقة ولم يعلموا أنه الشيطان [٦/أ] حتى أسلموا وسمعوا القرآن يُتلى أنه الشيطان تمثل لهم في صورة سراقة،/ وفيه يقول حسان: سِرْنَا وَسَارُوا (٢) [إِلَى بَدْرٍ لحينِهِمُ ... لَوْ يَعْلَمُونَ يَقِينَ الأَمْرِ مَا سَارُوا ... دَلَاّهُمُ بِغُرُورٍ ثُمَّ أَسْلَمَهُمْ ... إِنَّ الخَبِيثَ لمَنْ وَالَاهُ غَرَّارُ ... وَقَالَ: إِنِّي لَكُمْ جَارٌ فَأَوْرَدَهُمْ ... شَرَّ المَوَارِدِ فِيهِ] الخِزْيُ والْعَارُ هذا معنى قوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٨] فلما صف معهم للقتال -وكان حاضراً إذ ذاك- رأى الملائكة تنزل، وكان إبليس اللعين لما رأى الملائكة عرفها، ولما عرف الملائكة خاف خوفاً شديداً؛ لأن الشياطين أخوف ما تخافه الملائكة (صلوات الله وسلامه عليهم)، فعند ذلك ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ أي: رجع القهقرى. والعقب: مؤخر الرجل؛ لأن الراجع القهقرى يمشي على عقبيه، أي: منعكساً متقهقراً. ﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ﴾ تبرأت منكم، كما هي عادة الشَّيْطَان، يورد الإنسان الهلاك حتى إذا أوْقَعَهُ فِيهِ تَبَرَّأَ منه؛ لأنه غرَّار خداع كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ﴾ [الحشر: الآية ١٦]

стр. 2502

وقد يتبرأ منهم -لعنهم الله- كما سيأتي في خطبة الشيطان خطبته الفصيحة العظيمة الصادقة التي يخطبها في أوليائه يوم القيامة، التي نص الله عليها في سورة إبراهيم الخليل؛ لأنه إذا اجتمعت الخلائق ورأى الكفار ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً﴾ [الكهف: الآية ٥٣] جاءوا لإبْلِيس اللعين وقالوا: أنت كنت سيدنا وكنا نطيعك، فإن كان عندك شيء اليوم فأت به. قال بعض العلماء: ينصب له منبر من نار (١) -والله أعلم- بمثل هذا. ونصب المنبر له من النار شبه إسرائيليات، والخطبة صحيحة ذكرها الله في سورة إبراهيم الخليل، وهو قوله لهم: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَاّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: الآية ٢٢] وهو صادق في كلامه هذا، وقد يصدق الكذوب، فعند ذلك يمقتون أنفسهم حيث اتبعوا هذا الخائن الغدار الغَرَّار، وعندما يمقتون أنفسهم في ذلك الوقت قال بعض العلماء: ينادون: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: الآية ١٠] ولذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ﴾ [الأنفال: الآية ٤٨] تراءت: (تَفَاعَلَتْ) من (رأى) البصرية. أي: كان كل من الفئتين يرى الأخرى ببصره رأي العين كما تقدم في قوله: ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: الآية ٣٣] ﴿تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ﴾ أي: فئة المسلمين وفئة الكفار، صار هؤلاء يرون هؤلاء عياناً بأعينهم، وهؤلاء كذلك. قال بعض العلماء: ونزل

стр. 2503

الملائكة لنصر المسلمين، ورأى إبليس الملائكة، ويدل على هذا قوله: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ يشير إلى الملائكة؛ لأن الكفار لم يروها وهو قد رآها، وهذا معنى قوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ قال بعض العلماء: هو الملائكة. وعَبَّرَ عَنْه بـ (ما) لأنه أبهمه عليهم ولم يبين لهم أنه من العالِم ولا العاقل. وهذا معنى قوله: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾. ﴿إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ﴾ أن ينزل بي عقابه ونكاله، فالله (جل وعلا) شديد العقاب. وقد قَدَّمْنَا في هذه الدروس مِراراً (١) أن الخوف في لغة العرب: هو الغَمّ مِنْ أمْرٍ مستقبل. والحزن في لغة العرب: الغم بسبب أمر فائت -أعاذنا الله منهما- ورُبَّمَا وضعت العرب الخوف مكان [الحزن، والحزن] (٢) مكان الخوف. وقوله: ﴿أَخَافُ﴾ الألف بعد الخاء مبدلة من واو، وأصل مادته (فَعِل) بالكسر، أصل ماضيه: (خَوِفَ) بكسر الواو (يَخْوَفُ) بفتحها، فوقع فيه الإعلال المعروف المشهور في التصريف (٣). ﴿أَخَافُ اللَّهَ﴾ يعني: أتَرَقَّبُ الغَمَّ من سبب ما يصلني منه في المستقبل. ﴿وَاللَّهُ﴾ جل وعلا ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ إذا عاقب فعقابه شديد. والعقاب: هو التنكيل بسبب الذَّنْبِ. قال بعض العلماء: سُمِّيَ عِقَاباً؛ لأنه يأتي عقبه من أجله. وقد قدمنا أنه (جل وعلا) هو وَحْدَهُ شَدِيدُ العِقَابِ؛ لأنه لا شدة عقاب يملكها غير الله (جل وعلا)؛ لأن

стр. 2504

أكبر طاغية من جبابرة أهل الأرض لا يقدر على شيء من العذاب إلا قَدْرَ ما يستوجب الموت مرة واحدة، فإذا عذب المجرم بقدر ما يستوجب الموت مات. والله وحده يعذب المجرمين بالآلاف والملايين مما يستوجب الموت ومع ذلك لا يموتون ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: الآية ١٧] ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ [النساء: الآية ٥٦] فهذا هو العذاب الشديد والنكال العظيم الذي يجب الحذر منه والخوف منه ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَاّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ [الفجر: الآيتان ٢٥، ٢٦]. ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ (٥٤)﴾ [الأنفال: الآيات ٤٩ - ٥٤]. يقول الله جل وعلا: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾ [الأنفال: الآية ٤٩]. قوله: «إذا» ظرف بدل من «إذ» قبله، أو منصوب بـ (اذكر) مقدراً. اذكر إذ يقول المنافقون.

стр. 2505

المنافقون: جمع التصحيح للمنافق، وهو المتصف بالنفاق، والنفاق: هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر. والمنافق هو المعروف في اصطلاح الفقهاء بالزنديق، فالمنافقون الذين يلقون المسلمين ويقولون: إنهم مؤمنون. وهم في باطن الأمر بخلاف ذلك. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ اختلف العلماء في المراد بالذين في قلوبهم مرض على أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضاً (١). قال بعض العلماء: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ هم نفس المنافقين، وإنما كان العطف نظراً إلى مغايرة الصفات، كأنه يقول: الجامعون بين النفاق ومرض القلوب قالوا كذا وكذا، ومعلوم في اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن عطف الشيء على نفسه مذكوراً بصفات مختلفة نظراً إلى أن تغاير الصفات كتغاير الذوات أسلوب عربي معروف في كلام العرب، وهو موجود بكثرة فِي القرآن (٢)، كقوِله في أول سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين (٣) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ثم قال: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: الآيات ٢ - ٤] والمعطوفون هم الأولون، إلا أن الصفات اختلفت فجاء العطف نظراً لتغاير الصفات. ونظيره في القرآن أيضاً قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى: الآيات ١ - ٤] فالمتعاطفات شيء واحد عُطف بعضها على بعض نظراً لتغاير

стр. 2506

الصفات، وهذا الأسلوب معروف في كلام العرب، ومن شواهده العربية قول الشاعر (١): إلى المَلكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَام ... ولَيثِ الكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَم فهو إنسان واحد، وذُكرت العطوف نظراً لتغاير الصفات. ومما يؤيد هذا القول: أن الله وصف المنافقين بأن في قلوبهم مرضاً في قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً﴾ [البقرة: الآية ١٠] وهي في المنافقين بلا نزاع. ومرض القلوب جاء في القرآن على معنيين: أحدهما: مرض القلوب بمعنى ما يداخلها من الشرك والشك والنفاق، كقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ [البقرة: الآية ١٠]. المعنى الثاني: إطلاق مرض القلب على القلب الذي يهوى الفجور والزنا ونحو ذلك، ومنه بهذا المعنى قوله في سورة الأحزاب مخاطباً أزواج النبي ﷺ : ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: الآية ٣٢] أي: يطمع في نيل الريبة منكن الذي في قلبه مرض، مَيْل إلى الفجور وما لا ينبغي، والعرب تَعْرِفُ هذا، الذي ينطوي قَلْبُهُ عَلى أمور خَسِيسة، تقول العرب: في قلبه مرض، ومن هذا المعنى قول الأعشى - ميمون بن قيس- وهو عربي فصيح يمدح رجلاً (٢): حَافِظ للْفَرْج راضٍ بالتُّقَى ... لَيْسَ مِمَّنْ قَلْبُهُ فِيهِ مَرَضْ

стр. 2507

وقال بعض العلماء: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ المشركون؛ إذ لا مرض في القلوب أكبر من انطوائها على الشرك بالله. وذهبت جماعة من العلماء إلى أن ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ في هذه الآية من سورة الأنفال خُصَّ بها أناس معروفون هم الذين بسط الله قصتهم في سورة النساء، وهم قوم تكلموا بكلمة الإسلام فقالوا: لا إله إلا الله محمد رَسُول الله في مكة، ثم إنهم أبوا أن يهاجروا، وفي قلوبهم إسلام وإيمان ضعيف في قلوبهم على حرف هكذا وهكذا. وإذا قيل لهم: لِمَ لا تهاجرون وأنتم مسلمون؟ قالوا: نحن مستضعفون في الأرض. وهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ الآية [النساء: الآية ٩٧]. قالوا: جاءوا مع كفار قريش فلما رأوا قلة المسلمين -وكان الله قلل المسلمين في أعين الكفار، والكفار في أعين المسلمين كما أوضحناه قريبًا في قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ [الأنفال: الآية ٤٥] لما رأوا قِلَّتَهُمْ وقَلَّلَهُم الله في أعينهم جِدّاً - قالوا: هؤلاء قوم مغرورون، غرهم دينهم!! وزعموا أنهم على دين يُؤَيّد القليل المتمسك به على الكثير فاغتروا من هنا، وهؤلاء سيُغلبون ويقتلون قطعًا!! وهؤلاء المستضعفون الذين نزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ﴾ [النساء: الآية ٩٧] نَفَر من قريش معروفون، آمنوا بالله إيماناً ضعيفاً ولم يهاجروا، وجاءوا مع الكفار يوم بدر، قال بعض العلماء: وهم الذين قالوا مع المنافقين: ﴿غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٩] وهم معروفون، وهم: العاص بن منبه بن الحجاج السهمي، وعلي بن

стр. 2508

أمية بن خلف الجمحي، وأبو قيس بن الفاكه ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وابن عمه أبو قيس بن الوليد ابن المغيرة، والحارث بن زَمْعَة بن الأسود بن المطلب، هؤلاء هم النفر المعرفون الذين قالوا: إنا ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ [النساء: الآية ٩٧] وعلى كل حال فلما التقى المسلمون والمشركون يوم بدر كان الذين في قلوبهم مرض من المنافقين، أو المشركين، أو هؤلاء النفر القليلين الذين آمنوا إيماناً ضعيفاً في مكة وخرجوا مع الكفار يوم بدر وقتلوا كفاراً - والعياذ بالله - قالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ﴾ الإشارة في قوله: ﴿هَؤُلاء﴾ إلى النبي ﷺ وأصحابه و ﴿دِينُهُمْ﴾ فاعل ﴿غَرَّ﴾ يعني: غَرَّهُمْ دِينُهُمْ حيث اغتروا به وظنوا أن المتمسك بهذا الدين ولو كان قليلاً ضعيفاً يغلب القوي العظيم فاغتروا، وسيكون هذا الغرور سببا لهلاكهم!! والعرب تقول: غَرَّه يغره غروراً، على غير قياس. فالفاعل: غارّ، والمفعول: مغرور، إذا خَدَعَهُ. وهم نسبوا هنا الغرور إلى الدين زاعمين أنهم انخدعوا في دينهم حيث يظنون أن القليل المتمَسِّك به يغلب القوي غير المتمسك به، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، تقول: غرّه يغره. إذا خَدَعَهُ، ومنه سُمِّيَ الشيطان غروراً لكثرة غروره للآدميين بتزيينه ووساوسه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: الآية ٥] ومن هذا المعنى قول ابن أبي ربيعة أو غيره (١): إِنَّ امْرأً غَرَّهُ مِنْكُنَّ وَاحِدَةٌ ... بَعْدِي وَبَعْدَكِ في الدُّنْيَا لمَغْرُورُ

стр. 2509

ثم إن الله أجاب عما قاله المنافقون والذين في قلوبهم مرض قال لهم الله: لا. كأن المعنى: لا، لم يغر هؤلاء دينهم، وهم على بصيرة من أمرهم وعلى حق، ولكنهم توكلوا على الله، ومَنْ تَوَكَّلَ عَلَى الله توكل على قَوِيِّ الجَنَابِ عَزِيز منيع لا يُضام مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ؛ ولذا قال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ التوكل معناه: الثقة الكاملة، وتفويض الأمور إليه (جل وعلا). ﴿يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ يثق بالله ثقة كاملة ويُسلم إليه أموره، ويفوض له تفويضاً تامّاً توكلاً عليه. ﴿فَإِنَّ اللهَ﴾ جل وعلا ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ الضمير الرابط محذوف دلّ المقام عليه. ومن يتوكل على الله فإنه يعزه بعزته وينصره؛ لأن الله عزيز حكيم. والعزيز: هو الغالب الذي يقهر غيره ويغلبه فالله (جل وعلا) عزيز غالب على أمره. والعزة في لغة العرب: الغَلَبة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: الآية ٨] أي: ولله الغلبة ولرسوله. ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: الآية ٢٣] يعني: غَلَبَنِي في المخاصمة. والعرب تقول: من عَزّ بَزّ (١) يعنون: من غلب اسْتَلَب؛ لأنه كان الغالب ينهب مال المغلوب، ويقولون: مَنْ عَزَّ بَزَّ، وقد قالت الخنساء بنت عمرو الشريد السلمية الشاعرة (٢): كَأَنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُخْتَشَى ... إِذِ النَّاسُ إِذْ ذَاكَ مَنْ عَزَّ بَزّا تعني: مَنْ غَلَبَ اسْتَلَبَ. والحكيم (٣): هو ذو الحكمة البالغة،

стр. 2510

الذي لا يضع الأمر إلا في موضعه، ولا يوقعه إلا في موقعه. فاقتضت عزته وقهره وسلطانه ألاّ يُضام وليه المتوكل عليه المستند إليه، وألا يُقهر. واقتضت حكمته البالغة ألاّ يجعل وليه كعدوه، وألا يسوي بينهما بل ينصر وليه على عدوه. والحكمة لا تتم إلا بالعلم؛ لأن تمام الحكمة بتمام العلم؛ ولذا لا تتم الحكمة تماماً كليّاً إلا لله وحده (جل وعلا)؛ لأنه هو العالم بخفايا الأُمور وخباياها وما تؤول إليه، فالله وحده هو الذي لا يجري عليه: لو فعلت كذا لكان خيراً. أما غيره فإنه قد يفعل الأمر يظنه صواباً، وأنه في غاية الحكمة، ثم يتبين له بعد ذلك أن غيره أصوب منه، فيقول: لو فعلت كذا لكان كذا!! وليتني لم أفعل!! وفي الحديث النهي عن (لو) لأنها تفتح باب الشيطان. لو فعلت كذا لكان كذا (١). ليت شِعْرِي وأينَ مني (ليتُ) ... إن (ليتاً) وإن (لوّاً) عناءُ (٢) العناء: التعب وكثرة: ليتني فعلت، وليتني لم أفعل، ولو فعلت كذا لكان كذا. كل هذا يقع من عدم العلم بعواقب الأمور، والله (جل وعلا) وحده لا يجري عليه: لو فعلت كذا لكان أصوب. لعلمه بما تنكشف عنه الغيوب، وما تؤول إليه الأمور، فالحكمة الكاملة له، أما غيره (جل وعلا) فقد يفعل الأمر يظنّه حكمة وصواباً ثم يَنْكَشِفُ الغَيْبُ عَنْ خلاف ذلك كما قال (٣): أُلامُ على (لوٍ) ولو كنتُ عالماً ... بأذناب (لوٍ) لم تفُتني أوائله

стр. 2511

وهذا سيد البشر محمد ﷺ علمه الله العلوم العظيمة كان يقول في آخر عمره في حجة الوداع: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لمَا سُقْتُ الهَدْيَ ولجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» (١) فكيف بغيره ﷺ ؟! وهذا معنى قوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللهَ﴾ - جل وعلا - ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٤٩]. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ (٥١)﴾ [الأنفال: الآيتان ٥٠، ٥١]. ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا نبي الله. (لو) حرف شرط تقلب المضارع ماضياً غالباً. ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ هنا بمعنى: لو رأيت؛ لأن (لو) من حروف الشروط التي تختص بالمعنى الماضي غالباً، وفي أغلب أحوالها إذا جاء بعدها مضارع تقلبه إلى معنى المُضِي، وقد لا تقلبه إلى معنى المُضِي فيأتي بعدها مضارع، وهو ليس بكثير، ولكنه موجود في كلامِ العرب، ومن إتيان المعنى بعدها مضارعاً ولو كان ماضياً: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً﴾ [النساء: الآية ٩] لأن تركهم للذرية مستقبل؛ لأنهم في ذلك الوقت أحياء. ومن إتيانه مستقبلاً غير مصروف إلى الماضي قول المجنون (٢): فَلَوْ تَلْتَقِي أَصْدَاؤُنا بَعْدَ مَوْتِنَا ... وَمِنْ دُونِ رمسينا مِنَ الأَرْضِ مَنْكبُ لظَلَّ صَدَى صوتي وإن كنتُ رمَّةً ... لصوت صَدَى ليلى يهشّ ويطْرَبُ

стр. 2512

﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا محمد صلوات الله وسلامه عليه ﴿تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى﴾ ترى حين يتوفى الملائكة. قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير ابن عامر: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ﴾ بالياء. وقرأه ابن عامر وحده: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ تتوفى الذين كفروا الملائكة﴾ (١). وتتوفاهم: أصل التوفِّي في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناه (٢): أخذ الشَّيْءِ وَافِياً، تقول العرب: «توفيت دَيْنِي»؛ أي: أخذته وافياً. وكان حقيقة عرفية في أخذ الروح من البدن، فَصَارَ التَّوَفِّي حقيقة عُرْفِيَّةً في أخذ الروح وافية كاملة من البدن بحيث لم يبق فيه روح ألبتة. والملائكة: جمع ملك، والتَّحْقِيقُ عند جماعة من العلماء: أن اشتقاق الملك من الألوكة، والألوكة: الرسالة (٣)؛ لأن لطالب العلم أن يقول: مفرد الملائكة ملك، وجمعه: الملائكة -بالهمزة- فَمِنْ أَيْنَ جاءت هذه الهمزة؟ وما الجالب لها؟ والجواب عن هذا: ما قاله بعض العلماء: أَنَّ أَصْلَ المَلَك: (مَأْلَك) (مَفْعَل) من الأَلُوكَة. والأَلُوكَةُ في لغة العرب: الرسالة. وألكني إليه: احمل إليه مألكتي؛ أي: رِسَالَتِي، ومنه قول أبي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِي (٤):

стр. 2513

ألِكْني إليها وخَيْرُ الرَّسُولِ ... أَعْلَمُهم بِنَواحِي الخَبَرْ فأصله: (مألك) لأنهم يحملون مآلك الله، أي: رسالات الله، منهم من يُرسل لتسخير المطر، ومنهم من يُرسل لقبض الأرواح، ومنهم من يُرسل لضبط الأعمال، ومنهم من يُرسل لحفظ بني آدم أن تخطفهم الشياطين، كما قال تعالى عنهم: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: الآية ٥] فلما كانوا يحملون المآلك، أي: الرسائل من الله في الشئون الشتى قيل فيه: (مألك). ثم وقع فيه قلب فجُعل الفاء مكان العين، والعين مكان الفاء، وهذا القلب معروف في الصرف، فقيل فيه: (ملك) ووزنه: (مألك) (مَفعَل) فقلب فصار (ملك) على وزن (مَعْفَل) ثم نُقلب حركة الهمزة للام فقيل فيه: (ملك). فكان عند جمع التكسير تظهر الهمزة التي هي في أصله في محلها الذي قُلبت فيه، قال بعض العلماء: هذا أصله (١). و ﴿الْمَلآئِكَةُ﴾ فاعل ﴿تَتَوَفَّى﴾ أي: تقبض أرواحهم من أجسادهم كاملة. والفعل المضارع في قوله: ﴿يَضْرِبُونَ﴾ جملته حالية. وأصل الفعل المضارع المثبت إذا كانت جملته حالية لا تربط بالواو بل بالضمير كما هنا ﴿يَضْرِبُونَ﴾ أي: الملائكة. يعني: يتوفونهم يأخذون أرواحهم في حال كونهم ضاربين وجوههم وأدبارهم. الوجوه: جمع الوَجْه. والأدْبَار: جمع الدبر، وقال جماعة من السلف (٢): المراد بالأدبار: الأستاه -أكرمكم الله جل وعلا- قالوا: ولكن الله (جل وعلا) حييّ كريم يكني، فكنى عن الاست بالدبر؛ ولذا قال: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾.

стр. 2514

وقوله: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ مقول قول محذوف، أي: ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق. اختلف العلماء في وقت ذوقهم عذاب الحريق (١)، قال بعض العلماء: هو عند وفاتهم عندما يأخذون أرواحهم يضربونهم بسياط من نار فتشتعل ناراً فيقولون لهم: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. وقال بعض العلماء: هي للملائكة الذين قاتلوا في بدر يضربون الكفار، ويأخذون أرواحهم، ويضربونهم بسياط النار فتشتعل في جروحهم فيقولون لهم: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. وقالت جماعة من العلماء: هذا يوم القيامة، وممن قال به: الحسن البصري، أي: يضربون وجوههم وأدبارهم الآن عند الاحتضار، ويبشرونهم يوم القيامة بما هو أدهى وأمر من ذلك، وهو عذاب الحريق. وهذا معنى قوله: توفاهم ﴿الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: الآية ٥٠]. والتحقيق أن هذا ليس خاصّاً بالذين قتلوا من الكفار يوم بدر، بل هو عام، وأن الملائكة تضرب الكفار عند احتضارهم على الوجوه والأدبار، كما جاء مصرحاً به في سورة القتال، وجاء مُشَاراً إِلَيْهِ في الأنْعَام؛ لأن الله قال في الأنعام: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: الآية ٩٣] باسطوها إليهم بالضرب -والعياذ بالله- وقال (جل وعلا) في سورة القتال: ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)﴾ وفي

стр. 2515

القراءة الأخرى (١): ﴿أَسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: الآيات ٢٥ - ٢٨] فَدَلَّتْ آيَةُ القِتَالِ هذه على أنها عامة في كل مَنْ كَرِهَ رضْوَان الله وأحَبَّ سخط الله، فَكُلّ مَنِ اتَّبَعَ ما يسخط الله يأتيه هذا الوعيد الشديد، ومن أعظم الناس نصيباً فيه هؤلاء الذين يأتون الكفرة الفجرة الذين يكرهون القرآن وما أنزل الله، ويقولون لهم: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ﴾ [محمد: الآية ٢٦] وأحرى إن أطاعوهم في كل الأمر، هؤلاء أكثر الناس نصيباً في ضرب الملائكة عند الاحتضار على الوجوه والأدبار -والعياذ بالله- وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٥٠] قال بعض العلماء: الضرب على الوجوه والأدبار أشد وقعاً. وقال بعض العلماء: على القول بأنها في أهل بدر أنهم يضربون وجه المشرك مُقْبِلاً، فإِذَا فَرَّ مُدْبِراً ضَرَبُوا دبره. وقد قَدَّمْنَا أَنَّ التَّحْقِيقَ العموم، وأنها لا تختص بمن قتل في بدر. وهذا معنى قوله: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. قال بعض العلماء: ذوق عذاب الحريق عند الاحتضار؛ لأن المقامِعَ التي يضربونهم بها تلتهب عليهم ناراً. وقال بعض العلماء: يبشرونهم بالحريق يوم القيامة. ولا مانع من وقوع الكل. هذا معنى قوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. وجواب (لو) في هذه الآية محذوف، وتقديره: لو ترى يا محمد حين يتوفى الملائكةُ الكَفَرَةَ في حال كونهم ضاربين وجوههم وأدْبَارَهم

стр. 2516

مُبَشِّرِينَ لهُمْ بالحريق، لو ترى ذلك الوقت لرأيت أمراً فظيعًا شنيعاً يَجِبُ الحذرُ منه، وجواب (لو) حَذْفُهُ إذا دَلَّ المَقَامُ عليه أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْروفٌ يكثر في القرآن العظيم وفي لسان العرب (١)، ومنه في القرآن العظيم: ﴿كَلَاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾ [التكاثر: الآية ٥] أي: لو تعلمون علم اليقين لما ألهاكم التَّكَاثُر حتى زُرْتم المقابر، ونظيره من كَلَامِ العَرَبِ في حذف جواب (لو) قول الشاعر (٢): فَأُقْسِمُ لَوْ شَيءٌ أَتَانَا رَسُولُهُ ... سِواكَ وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا أي: لو شيء سواك لرددناه. وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: الآية ٣١] ولم يذكر جواب (لو) وقال بعض العلماء: جوابه: لو أن قرآناً سُيرت به الجبال لكان هذا القرآن على حد قوله (٣): وَلَوْ طَارَ ذُو حَافِرٍ قَبْلَهَا ... لَطَارَتْ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَطِرْ وقال بعض العلماء: جواب (لو) المحذوف في آية الرعد ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ لو سيرنا الجبال بالقرآن وقطعنا به الأرض لكفرتم بالرحمن. ويدل على هذا التقدير الأخير قوله قبله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ [الرعد: الآية ٣٠]. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلائِكَةُ

стр. 2517

يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: الآيتان ٥٠، ٥١]. قال بعض العلماء: هذا مما يقول لهم الملائكة عند توفيهم إياهم وضربهم وجوههم وأدبارهم، يقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق. ويقولون لهم: ذلك العذاب الفظيع الشديد بسبب ما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ. وقال بعض العلماء: هو كلام مُؤْتَنَف، أي: ذلك العذاب الكائن الواقع لكم بسبب ما قدمت أيديكم. جرت العادة في لسان العرب الذي نزل به القرآن أن يُضاف جميع الأعمال إلى الأيدي وإن كان بعضها ليس بأيدي، فإن الشرك الذي يُعذبون عليه محله القلب واللسان واليد، والزنا محله الفرج، وأكل الربا محله البطن، ولكن كل هذا يُنسب إلى الأيدي على الأسلوب العربي المعْرُوف؛ لأنَّ أكْثَرَ ما يزاول الإنسان أعماله بيده فنسب إليه على التغليب ومراعاة الأغلب (١). والمراد ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ما كسبتم من المعاصي والكفر، سواء كان الذي اجترمته القلوب، أو الألسنة، أو الأيدي، أو غير ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ (٥١)﴾ [الأنفال: الآية ٥١]. قال بعض العلماء: المصدر المنسبك من (أن) وصلتها في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ في محل خفض معطوف على الموصول المجرور (بما) أي: ذلك بسبب الذي قدمته أيديكم،

стр. 2518

وبسبب أن الله لا يَظْلِم، فبِكُفْرِكُمْ وبِعَدَالَةِ رَبِّكُمْ وكَمَالِ إِنْصَافِهِ جاءكم العذاب؛ لأن بهذين السببين يتوجه إليكم العذاب، كونكم اقترفتموه واكْتَسَبْتُمُوهُ بأيديكم، وكون ربكم (جل وعلا) حكماً عدلاً منصفاً، فتعذيبه ومؤاخذته للعاصي، كما أنه يثيب المطيع، فظلمكم وعداوة ربكم كل ذلك اقتضى لكم ما وقع لكم من العذاب والعياذ بالله جل وعلا ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ فيه في هذه الآية الكريمة والآيات المماثلة لها من القرآن إشكال عربي معروف يدور فيه سؤال مشهور على ألسنة العلماء وطلبة العلم، وهو أن يُقال: الله (جل وعلا) في هذه الآية الكريمة نفى المبالغة؛ لأنه قال: ﴿لَيْسَ بِظَلَاّمٍ﴾ و (ظلاّم) (فَعَّال) و (الفعَّال) صيغة مبالغة، والمقرر في اللغة العربية التي بها نزل القرآن أن نفي المبالغة لا يقتضي نفي أَصْلِ الفِعْلِ من حيث هو (١)، فلو قلت: زيد ليس بقَتَّال للرجال، نفيت عنه المبالغة في القتل، ولا ينافي أنه ربما قتل رجلاً أو رجلين، ولو قلت: زيد -مثلاً- ليس بضرّاب لنسائه. يدل على انتفاء كثرة الضرب عنه، ولا ينافي أنه ربما وقع منه ضرب قليل كما هو معروف، فنفي المبالغة هنا لا يقتضي نفي أصل الفعل من حيث هو، والمقام مقام تنْزِيه، ونفي الأدنى أبلغ مِنْ نَفْيِ الأَعْلَى، فلِمَ عُبّر هنا بصيغة المبالغة ولَم يقل: ليس بظالم. أَو ليس بذي ظلم للعبيد؟! أجاب العلماء على ذا بأجوبة (٢): قالوا: جرت العادة في القرآن

стр. 2519

أن بعض الآيات قد يكون فيها شبه إجمال وتبينه آيات أُخر، وقد أوضحت آيات أخر أن الله لا يظلم شيئاً، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: الآية ٤٠] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ [يونس: الآية ٤٤] فالآيات الواضحات بينت هذا وأوضحته غاية الإيضاح. وقال بعض العلماء: المبالغة هنا لا يقصد بها أصل المبالغة؛ لأن التكثير نظراً إلى كثرة العبيد؛ لأن الظّلم لمّا تَعَلَّقَ بالعبيد وكان العبيد في كثرة هائلة كان الظلم كثيراً جدّاً لكثرة من هو منفي عنهم؛ ولذا كان نفيه نفيه من أصله؛ لأن الكثرة فيه والمبالغة بحسب العبيد الذين يقع عليهم الظلم. وقال بعض العلماء: - وهي نكتة حسنة - أن هذا العذاب الذي يعذبهم الله به هو عذاب فظيع هائل لا يُقَادر قدره ولا يُماثل مثله، فلو وقع منه ظلماً لكان مبالغاً في غاية الظلم مبالغة عظيمة، فنفى المبالغة بهذا الاعتبار، ومعناها نفي الفعل من أصله. وهذا الوجه حسن جدّاً، إلا أن فيه دقة. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: الآية ٥١]. وقوله (جل وعلا) في هذه الآيات الكريمة: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)﴾ [الأنفال: الآية ٥٢] الكاف في قوله: ﴿كَدَأْبِِ﴾ في محل رفع خبر مبتدأ محذوف. أي: دأبهم دأب كفار مكة، أبي جهل وأصحابه. دأبهم؛ أي: عادَتهم، ودينهم، وديْدَنهُم كدأب آل فرعون؛ لأن فر عون وقومه كان دأبهم الكفر، وتكذيب الرسل، والتمرد على الله، والكفر بالآيات، وجحودها بعد الاستيقان؛ لأن

стр. 2520

فرعون -لعنه الله- متيقن كل اليقين أن نبي الله موسى صادق، وقد أوضح الله يقينه بذلك في موضعين: أحدهما قوله فيه [في سورة النمل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً﴾ الثاني: قوله تعالى إخباراً عن قول موسى لفرعون في سورة الإسراء: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلَاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُوراً﴾ وهذا كان دأب المكذِّبِين مِنَ الأقْوَام الذين بُعث فيهم الرسل كقوم نوح] (١). [٦/ب] / وقوم صالح وقوم شعيب وقوم لوط، كل هؤلاء كانوا في غاية التمرّد والعتو وتكذيب الرسل بعد قيام المعجزات ووضوح الحق. بين الله (جل وعلا) أن كفار قريش دأبهم كدأب أولئك. والدأب في لغة العرب: العادة. فكل من يجري على سنَن مطرد وعادة ووتيرة تقول العرب: هذا دأبه. أي: عادته وديْدَنُهُ الذي يسير عليه دائماً. ومنه قول امْرِئ القيس في إحدى روايتي بيته (٢): كدَأبكَ من أمَّ الحُويرث قَبْلَها ... وَجَارَتَها أمَّ الرَّبابِ بمأْسلِ وقرأ هذا الحرف عامة القراء غير أبي عمرو في رواية السوسي: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ بتحقيق الهمزة، وقرأه أبو عمرو في رواية السوسي عنه خاصة: ﴿كَدَابِ ءالِ فِرْعَوْنَ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً في الموضعين. والمعنى: دأب هؤلاء الكفرة دأبهم وديدنهم ودينهم مثل دأب آل فرعون في تكذيب الرسل؛ لأن فرعون كلما جاءته آية يقول: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا

стр. 2521

كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (١٣٥)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٣٤، ١٣٥] حتى صارحوه في آخر الأمر وقالوا له: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: الآية ١٣٢] يعني: دأب هؤلاء الكفرة من قريش ومن سار سيرهم كدأب الكفرة العتاة المتمرِّدين من الأمم الماضية آل فرعون والذين من قبلهم، كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقد قدمنا قصصهم مفصلة في سورة الأعراف وغيرها، وهذا معنى قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنفال: الآية ٥٢]. ثم فسر دأب آل فرعون ومن قبلهم وبيّن عادتهم، قال: ﴿كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ كفروا بها: جحدوا بها. وآيات الله: ما تتلوه عليهم الرسل من آياته الشرعية الدينية، وما يعاينونه من المعجزات من آياته الكونية القدرية، وهذا معنى قوله: ﴿كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: الآية ٥٢] العرب تقول: أخذه الله: إذا عَاقَبَهُ عقاباً شديداً أليماً. وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما (رحمهما الله) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي (صلوات الله وسلامه عليه) قال: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثم تلا ﷺ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: الآية ١٠٢] (١) ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: أهلكهم وعَاقَبَهُم العِقَابَ الشَّدِيد بسبب ذنوبهم. والذنب: هو الجريمة التي يستحق صاحبها النكال. وهذا معنى قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾.

стр. 2522

﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ﴾ القوة: ضد الضعف، وقد بين (جل وعلا) أن القوة ضد الضعف في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ... ﴾ الآية [الروم: الآية ٥٤]. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ لأن الله (جل وعلا) قوي، هو أقوى من كل شيء، حتى لما قال عاد ما قالوا ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال لهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: الآية ١٥]. ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ العقاب: النكال الشديد لأجل الذنب. قال بعض العلماء: سُمِّيَ عقابًا؛ لأنه يأتي عَقِبَ الذَّنْبِ مِنْ أجْلِهِ. وقد بيَّنَّا مراراً أن الله (جل وعلا) في كتابه يُنَوِّهُ بشدة عقابه ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ﴿شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: الآية ١٦٥] ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: الآية ١٧٤] ﴿عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: الآية ٢] ونحو ذلك من تشنيع عذابه وفظاعته، وإن الأمر كذلك؛ لأنه ليس يوجد عذاب هو في غايته شديد فظيع إلا عذاب الله (جل وعلا) ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ [الفجر: الآيتان ٢٥، ٢٦] لأن الناس إذا عذبوا المجرمين، والملوك الطغاة البغاة إذا أرادوا أن يعذبوا لا يستطيعون من العذاب إلا قدر ما يستوجب الموت مرة واحدة، فإذا شددوا العذاب على المعذب بقدر ما يميته مات وانتهى الأمر، أما خالق السماوات والأرض (جل وعلا) فإنه يعذبه بالآلاف مما يستوجب الموت وهو لا يموت. ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: الآية ١٧] وقال جل وعلا: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ [النساء: الآية ٥٦] ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: الآية ٣٦] ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ (٧٧)﴾

стр. 2523

[الزخرف: الآية ٧٧] فهذا العذاب الذي لا يقطعه الموت ولا غيره هو الذي يُخاف منه وُيحذر منه، وهو الشديد بمعنى الكلمة، فعلى كل عاقل أن يَتَحَفَّظ منه ويتحرز منه في دار الدنيا مع إمكان الفرصة قبل أن يفوت الأوان ويندم حيث لا ينفع الندم، وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: الآية ٥٢]. ثم قال جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: الآية ٥٣] الفعل المضارع منصوب بـ (أن) بعد (حتى)، و (حتى) حرف جر بمعنى الغاية. والأصل: إلى أن يغيروا؛ أي: إلى تغييرهم ما بأنفسهم، فهو غاية ذلك المذكور مما أنزل الله بهذه الأمم من المثلات، وما أنزل بكفار مَكَّةَ من العذاب يوم بَدْر والقتل والأسر متصلاً بِعَذَابِ الآخِرَةِ الَّذِي لَا ينقطع بسبب أن الله جل وعلا ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً﴾ (يكن) مضارع كان يكون، وحذف النون في الفِعْل المضارع معروف بقياس مطَّرِدٌ نطقت به العرب كذلك، سواء كان بعده (أل) أو لم تكن بعده (أل) كما هو معروف ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ﴾ نعمة: مفعول به لاسم الفاعل. والنعمة: مصدر بمعنى الإنعام، وهو ما ينعم الله ويتفضل به على خلقه. أنعم بها ﴿عَلَى قَوْمٍ﴾ أي: جماعة من الناس كقريش وغيرهم من الأمم ﴿حَتَّى يُغَيِّرُواْ﴾ والمعنى: أن عدم تغييره للنعمة مُغَيّا بغاية، تلك الغاية هي أن يغيروا ما بأنفسهم، فإذا غَيَّرُوا ما بأنفسهم بأن ارتكبوا سوءاً يَسْتَوْجِبُ العَذَاب والغضب غيرنا النعم بسبب تغييرهم إياهم. وهذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن يجب الاعتبار بها، وأن الإنسان لا يتسبب في تغيير نعمة الله عنه بتغييره ما في نفسه، بل يدوم

стр. 2524

على طاعة الله وتقواه؛ لأنه إذا تنكر لربه قد يغير نعمته عنه وينقله من النعمة إلى النقمة، ومن السلامة إلى العذاب. وفي هذه الآية إشكال معروف، وسؤال مشهور، وهو أن يُقال: إن هؤلاء الكفرة كل أحوالهم خبيثة وخسيسة، فما غيروا الكفر إلا إلى كفر، فهم كانوا كفرة ولم يكونوا في حالة محمودة حتى يكونوا غيروا ما بأنفسهم، فالذي كانوا فيه خبيث خسيس، والذي غيروا به خبيث خسيس، فبأي موجب كانت تتمادى عليهم النعمة الأولى، وبأي سبب كانوا يدخلون في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ وهذا الإشكال قوي، ووجهه واضح جدّاً، ولا يمكن أن يخرج من الآية لأن الآية نازلة في الكفار، فرعون ومن سار على سيره، وكفار مكة الذين شُبّه دأبهم بِدَأبِهِ، والمقرر في علم الأصول: أن صورة السبب لا يمكن أن تُخرج من العام بمخصص، وهو التحقيق إن شاء الله (١). فبان استحكام هذا الإشكال وقوته. وأجاب بعض العلماء (٢) عن هذا بأنهم كانوا في نِعْمَةٍ مِنَ الله؛ لأَنَّهُمْ لم يأتِهِمْ رسول، وكانوا معذورين بالفترة، فأرسل الله إليهم الرسل، وَبَيَّنَ لهم المعجزات، وأقام عليهم الحجج، فصاروا يحادون الله، ويكذبون رسله، ويعلمون الحق ويجحدونه عناداً وطغياناً وتكبرًا على ربهم، فانتقلوا من حال سيئة إلى حال أسْوَأ منها بأضعاف، فلما انتقلوا إلى حال أسوأ كانوا غيروا فَغَيَّر الله ما بهم لما غيروا ما بأنفسهم بانْتِقَالِهِمْ من سيئ إلى أسوأ، وهذا معنى قوله:

стр. 2525

﴿حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ يعني: ما بأنفسهم بأن ينتقلوا من خير إلى شر. ودل هذا الجواب على أنه أيضاً بأن ينتقلوا من سيئ إلى أسوأ منه وأفظع كما ذكرنا، وهذا معنى قوله: ﴿حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾. ﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عطف على ما قبله بأنه لم يك مغيراً، وبأنه سميع عليم لا يخفى عليه شيء من أقوال المغيرين المستوجِبِينَ لتَغْيِير النعمة، ولا من أفعالهم. وقد قدمنا مراراً (١) أن مثل هذا هو الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم، وأوْضَحْنَاهُ مراراً كثيرة. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٥٣]. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ (٥٤)﴾ [الأنفال: الآية ٥٤] هذا كالتوكيد لما قبله، كرره ليبين بعض ما أجمله هناك، فبين في هذه الآية الأخيرة أن مِنْ كفرهم المذكور في قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ﴾ بَيَّنَ أنَّ مِنْهُ التكذيب بآيات الله، وبين أنه عاقبهم وأغرق منهم آل فرعون. ومعنى قوله: كدأبهم ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ فرعون: تطلق على كل مَنْ مَلَك مِصْرَ. والمراد بهذه: فرعون موسى. واختلف العلماء في لفظة (فرعون) هل هو عربي أو أعجمي (٢)؟ فقال بعضهم: أعجمي. وقال بعضهم: هو عربي مُشْتَقّ مِنْ (تَفَرْعَن) الرجل إذا كان ذا دهاء ومكر، فكل من كان ذا دهاء
следующие страницы →