← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (١٣٥)﴾ [الأعراف: الآيتان ١٣٤، ١٣٥] حتى صارحوه في آخر الأمر وقالوا له: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: الآية ١٣٢] يعني: دأب هؤلاء الكفرة من قريش ومن سار سيرهم كدأب الكفرة العتاة المتمرِّدين من الأمم الماضية آل فرعون والذين من قبلهم، كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقد قدمنا قصصهم مفصلة في سورة الأعراف وغيرها، وهذا معنى قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنفال: الآية ٥٢]. ثم فسر دأب آل فرعون ومن قبلهم وبيّن عادتهم، قال: ﴿كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ كفروا بها: جحدوا بها. وآيات الله: ما تتلوه عليهم الرسل من آياته الشرعية الدينية، وما يعاينونه من المعجزات من آياته الكونية القدرية، وهذا معنى قوله: ﴿كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: الآية ٥٢] العرب تقول: أخذه الله: إذا عَاقَبَهُ عقاباً شديداً أليماً. وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما (رحمهما الله) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي (صلوات الله وسلامه عليه) قال: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثم تلا ﷺ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: الآية ١٠٢] (١) ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: أهلكهم وعَاقَبَهُم العِقَابَ الشَّدِيد بسبب ذنوبهم. والذنب: هو الجريمة التي يستحق صاحبها النكال. وهذا معنى قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾.

стр. 2522

﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ﴾ القوة: ضد الضعف، وقد بين (جل وعلا) أن القوة ضد الضعف في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ... ﴾ الآية [الروم: الآية ٥٤]. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ لأن الله (جل وعلا) قوي، هو أقوى من كل شيء، حتى لما قال عاد ما قالوا ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال لهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: الآية ١٥]. ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ العقاب: النكال الشديد لأجل الذنب. قال بعض العلماء: سُمِّيَ عقابًا؛ لأنه يأتي عَقِبَ الذَّنْبِ مِنْ أجْلِهِ. وقد بيَّنَّا مراراً أن الله (جل وعلا) في كتابه يُنَوِّهُ بشدة عقابه ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ﴿شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: الآية ١٦٥] ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: الآية ١٧٤] ﴿عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: الآية ٢] ونحو ذلك من تشنيع عذابه وفظاعته، وإن الأمر كذلك؛ لأنه ليس يوجد عذاب هو في غايته شديد فظيع إلا عذاب الله (جل وعلا) ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ [الفجر: الآيتان ٢٥، ٢٦] لأن الناس إذا عذبوا المجرمين، والملوك الطغاة البغاة إذا أرادوا أن يعذبوا لا يستطيعون من العذاب إلا قدر ما يستوجب الموت مرة واحدة، فإذا شددوا العذاب على المعذب بقدر ما يميته مات وانتهى الأمر، أما خالق السماوات والأرض (جل وعلا) فإنه يعذبه بالآلاف مما يستوجب الموت وهو لا يموت. ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: الآية ١٧] وقال جل وعلا: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ [النساء: الآية ٥٦] ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: الآية ٣٦] ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ (٧٧)﴾

стр. 2523

[الزخرف: الآية ٧٧] فهذا العذاب الذي لا يقطعه الموت ولا غيره هو الذي يُخاف منه وُيحذر منه، وهو الشديد بمعنى الكلمة، فعلى كل عاقل أن يَتَحَفَّظ منه ويتحرز منه في دار الدنيا مع إمكان الفرصة قبل أن يفوت الأوان ويندم حيث لا ينفع الندم، وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: الآية ٥٢]. ثم قال جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: الآية ٥٣] الفعل المضارع منصوب بـ (أن) بعد (حتى)، و (حتى) حرف جر بمعنى الغاية. والأصل: إلى أن يغيروا؛ أي: إلى تغييرهم ما بأنفسهم، فهو غاية ذلك المذكور مما أنزل الله بهذه الأمم من المثلات، وما أنزل بكفار مَكَّةَ من العذاب يوم بَدْر والقتل والأسر متصلاً بِعَذَابِ الآخِرَةِ الَّذِي لَا ينقطع بسبب أن الله جل وعلا ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً﴾ (يكن) مضارع كان يكون، وحذف النون في الفِعْل المضارع معروف بقياس مطَّرِدٌ نطقت به العرب كذلك، سواء كان بعده (أل) أو لم تكن بعده (أل) كما هو معروف ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ﴾ نعمة: مفعول به لاسم الفاعل. والنعمة: مصدر بمعنى الإنعام، وهو ما ينعم الله ويتفضل به على خلقه. أنعم بها ﴿عَلَى قَوْمٍ﴾ أي: جماعة من الناس كقريش وغيرهم من الأمم ﴿حَتَّى يُغَيِّرُواْ﴾ والمعنى: أن عدم تغييره للنعمة مُغَيّا بغاية، تلك الغاية هي أن يغيروا ما بأنفسهم، فإذا غَيَّرُوا ما بأنفسهم بأن ارتكبوا سوءاً يَسْتَوْجِبُ العَذَاب والغضب غيرنا النعم بسبب تغييرهم إياهم. وهذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن يجب الاعتبار بها، وأن الإنسان لا يتسبب في تغيير نعمة الله عنه بتغييره ما في نفسه، بل يدوم

стр. 2524

على طاعة الله وتقواه؛ لأنه إذا تنكر لربه قد يغير نعمته عنه وينقله من النعمة إلى النقمة، ومن السلامة إلى العذاب. وفي هذه الآية إشكال معروف، وسؤال مشهور، وهو أن يُقال: إن هؤلاء الكفرة كل أحوالهم خبيثة وخسيسة، فما غيروا الكفر إلا إلى كفر، فهم كانوا كفرة ولم يكونوا في حالة محمودة حتى يكونوا غيروا ما بأنفسهم، فالذي كانوا فيه خبيث خسيس، والذي غيروا به خبيث خسيس، فبأي موجب كانت تتمادى عليهم النعمة الأولى، وبأي سبب كانوا يدخلون في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ وهذا الإشكال قوي، ووجهه واضح جدّاً، ولا يمكن أن يخرج من الآية لأن الآية نازلة في الكفار، فرعون ومن سار على سيره، وكفار مكة الذين شُبّه دأبهم بِدَأبِهِ، والمقرر في علم الأصول: أن صورة السبب لا يمكن أن تُخرج من العام بمخصص، وهو التحقيق إن شاء الله (١). فبان استحكام هذا الإشكال وقوته. وأجاب بعض العلماء (٢) عن هذا بأنهم كانوا في نِعْمَةٍ مِنَ الله؛ لأَنَّهُمْ لم يأتِهِمْ رسول، وكانوا معذورين بالفترة، فأرسل الله إليهم الرسل، وَبَيَّنَ لهم المعجزات، وأقام عليهم الحجج، فصاروا يحادون الله، ويكذبون رسله، ويعلمون الحق ويجحدونه عناداً وطغياناً وتكبرًا على ربهم، فانتقلوا من حال سيئة إلى حال أسْوَأ منها بأضعاف، فلما انتقلوا إلى حال أسوأ كانوا غيروا فَغَيَّر الله ما بهم لما غيروا ما بأنفسهم بانْتِقَالِهِمْ من سيئ إلى أسوأ، وهذا معنى قوله:

стр. 2525

﴿حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ يعني: ما بأنفسهم بأن ينتقلوا من خير إلى شر. ودل هذا الجواب على أنه أيضاً بأن ينتقلوا من سيئ إلى أسوأ منه وأفظع كما ذكرنا، وهذا معنى قوله: ﴿حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾. ﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عطف على ما قبله بأنه لم يك مغيراً، وبأنه سميع عليم لا يخفى عليه شيء من أقوال المغيرين المستوجِبِينَ لتَغْيِير النعمة، ولا من أفعالهم. وقد قدمنا مراراً (١) أن مثل هذا هو الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم، وأوْضَحْنَاهُ مراراً كثيرة. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٥٣]. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ (٥٤)﴾ [الأنفال: الآية ٥٤] هذا كالتوكيد لما قبله، كرره ليبين بعض ما أجمله هناك، فبين في هذه الآية الأخيرة أن مِنْ كفرهم المذكور في قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ﴾ بَيَّنَ أنَّ مِنْهُ التكذيب بآيات الله، وبين أنه عاقبهم وأغرق منهم آل فرعون. ومعنى قوله: كدأبهم ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ فرعون: تطلق على كل مَنْ مَلَك مِصْرَ. والمراد بهذه: فرعون موسى. واختلف العلماء في لفظة (فرعون) هل هو عربي أو أعجمي (٢)؟ فقال بعضهم: أعجمي. وقال بعضهم: هو عربي مُشْتَقّ مِنْ (تَفَرْعَن) الرجل إذا كان ذا دهاء ومكر، فكل من كان ذا دهاء

стр. 2526

ومكر هو متفَرْعِن، وعلى أنه عربي فوزنه بالميزان الصرفي (فِعْلَوْل) فعلول بلامين لا (فعلون) بنون (١). وفرعون هو الوليد بن الريان أو غيره على ما شرحنا، وهذا معنى قوله: ﴿كَدَأْبِءَالِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنفال: الآية ٥٤] ﴿ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾ معناه: أهله وجماعته. والتحقيق في ألف (الآل) أنها مبدلة من واو؛ لأن العرب تصغره على (أُويل). وبعضهم يقول: هي مبدلة من هاء، أصله: (أهل) (٢) ولا يقال: (الآل) إلا لمن له شأن وخطب، وإنما قيل لفرعون: (آل فرعون) مع أنه خسيس خبيث وضيع لعظمته ومكانته عند قومه أيام إرسال موسى له؛ لأنه كان يقول: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ [الزخرف: الآية ٥٢] ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: الآية ٥١] ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: الآية ٢٤] ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: الآية ٣٨] فهذه العظمة الزائفة والأبهة المختلقة كأنه قيل له بها (آل). ﴿آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، ﴿كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ كذب قوم نوح بآيات الله التي أرسل بها نبيه نوحاً، وقوم هود بآيات الله التي أرسل بها نبيه صالحا إلى آخره. وهذا معنى قوله: ﴿كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾. ﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ وقد قدمنا تفصيل إهلاك هؤلاء الأمم، فبين في آيات كثيرة أنه أهلك قوم نوح بالطوفان ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا

стр. 2527

الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ [الفرقان: الآية ٣٧] وبين أنه أهلك قوم هود بالريح العقيم ﴿مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات: الآية ٤٢] وأنه أهلك قوم صالح بصيحة صاح بهم الملك ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: الآية ٦٧] وأنه أهلك قوم شعيب تارة قال: بصيحة، وتارة قال: برجفة، وتارة بظُلَّة. والتحقيق أن قوم شعيب -أهل مدين- اجتمعت لهم الصيحة والرجفة والظلة؛ لأنه صاح بهم الملك من فوق فرجفت بهم الأرض مِنْ تَحْتِهِمْ، ثم إن الله أرسل عليهم ظُلَّّة فأحرقتهم - على القول بأن أصحاب الظُّلة هم أصحاب الصيحة والرجفة، وهو أظهر الأقوال وأقربها -كما قدمنا إيضاحه في سورة الأعراف- وبينا أن قوم لوط أخذ المَلَكُ أرْضَهُمْ فَرَفَعَها وقَلَبَهَا عَالِيَهَا سافلها؛ ولذا كانت قرى قوم لوط تسمى (المؤتفكات) والمؤتفكات: مفْتعلات من الأَفْك (١)، والأَفْك في لغة العرب هو القلب. من أفَكَ الشَّيْءَ: إذا قَلَبَهُ فجعل أسْفَلَهُ أعْلَاهُ. ومنه قيل لأسوأ الكذب (إفكاً) لأنه قلب للحقائق عن مواضعها. فقال (جل وعلا) فيهم: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: الآية ٨٢] لأنها أَفَكَها الملك أي: قلبها. فالمؤتفكات: المنقلبات المجعول أسفلها عاليها، تارة عبر عنها بالمؤتفكة نظراً إلى سدوم التي هي عاصمتها، وتارة عبر عن جميع القرى، قال في موضع: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾ [النجم: الآية ٥٣] وقال في موضع: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [التوبة: الآية ٧٠] إلى غير ذلك، وهذا معنى قوله: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ﴾ بين هنا ما فعل بآل فرعون؛ لأنه أغرقهم لما أسرى موسى ببني إسرائيل

стр. 2528

وضرب بعصاه البحر فانفلق البحر وصار فيه اثني عشر طريقاً يبساً، وسلكها موسى وقومه، فجاء فرعون في قومه وأُبَّهَتِه فوجدوا الطرق يابسة، فدخلوا فيها حتى تكامل خروج بني إسرائيل على الشاطئ، ودخول القبطيين في البحر، أمر الله البحر فاضطرب عليهم، كما جاء مبيناً في سور كثيرة من كتاب الله. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ﴾. ﴿وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٤] وكل من آل فرعون ومن قبلهم من الأمم كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، والكفرة الذين كذبوا محمداً ﷺ كل هؤلاء الكفرة كانوا ظالمين، ظالمين بكفرهم. وقد قدمنا مراراً (١) أن أصل الظلم في لغة العرب التي نزل بها القرآن: هو وضع الشيء في غير محله، فَكُلّ مَنْ وَضَعَ شَيْئاً في غير محلّه فهو ظالم، هذا هو لسان العرب الذي نَزَلَ به القرآن، كلّ مَنْ وَضَعَ شَيْئاً فِي غَيْرِ مَوْضِعِه فَقَد ظَلَمَ؛ ولذا كانوا يقولون لمن يضرب لبنه قبل أن يروب: ظالم. ويقولون للسقاء المضروب قبل أن يروب: مظلوم؛ لأن الضرب وقع في غير موقعه؛ لأن ضربه قبل أن يروب يُذهب زبده ويضيعه، فكان في غير موضعه، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول الشاعر (٢): وقَائِلَةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائي ... وهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكدِ الظَّليم العكد: عصب مؤخر اللسان. والظليم: اللبن المظلوم

стр. 2529

المضروب قبل أن يروب. معناه: أن ذوق اللسان يفهم ما ضُرب منه قبل أن يروب، وما ضُرِبَ بعد أن راب، ونظيره قول الآخر (١): وَصَاحِبِ صِدْقٍ لم تردني شَكَاتُه ... ظَلَمْتُ وَفِي ظَلْمِي لَهُ عَامِداً أَجْرُ ظلمته: أي: ضربته قبل أن يَرُوبَ، وهذا المعنى المعروف في كلام العرب، ومنه قيل للأرض التي ليست محلاًّ للحفر إذا وقع بها حفر: مَظْلومة، ومنه قول نابغة ذبيان (٢): إلَاّ الأوَارِيَّ لأْياً ما أُبَيّنُها ... والنؤي كالحَوْضِ بالمظْلُومَةِ الجَلَدِ لأن حفر النؤي الذي يحول بين خيمة البدوي وبين السيل وقع في أرض ليست محلاًّ للحَفْرِ، ومنه قيل للتراب المنزوع من القبر: (الظَّلِيم)، أي: مظلوم؛ لأنه محفور في غير محل حفر عادة، ومنه قول الشاعر يصف رجلاً مقبوراً (٣): فأَصْبَحَ في غَبرَاءَ بعد إِشَاحَةٍ ... من العَيشِ مردودٍ عليها ظَلِيمُها هذا معنى الظلم في لغة العرب. وجاء في القرآن معنى الظلم: الظلم بمعنى النقص في موضع واحد، هو قوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ﴾ -يعني ولم تنقص- ﴿مِنْهُ شَيْئاً﴾ [الكهف: الآية ٣٣] وهو راجع في المعنى إلى ما ذكرناه. إذا عرفتم أن الظلم في لغة العرب: هو وضع الشيء في غير محله فاعلموا أن أعظم أنواعه وأشنعها هو وضع العبادة في غير مَنْ خَلَقَ. من خلقه الخالق ورزقه -جل وعلا- فَعَبَدَ غَيْرَهُ فَقَدْ وَضَعَ

стр. 2530

عِبَادَتَهُ وطاعته في غير موضعها فهو ظالم الظلم بمعناه الأكبر ومعنى الكلمة تمامًا؛ ولأجْلِ هَذَا المعْنَى كثر في القرآن إطلاق الظالم على الكافر المشرك، كقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: الآية ٢٥٤] وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: الآية ١٠٦] ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: الآية ١٣] وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ فسر قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: الآية ٨٢] قال: «بشرك»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: الآية ١٣] (١) وكذلك يطلق الظلم على المعصية التي لا تبلغ الكفر؛ لأن العاصي أطاع الشيطان وعصى الله، فقد وضع طاعته في غير موضعها، ووضع معصيته في غير موضعها فهو ظالم بهذا الاعتبار، فهذا معنى قوله: ﴿وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٤] والتنوين في قوله: ﴿وَكُلٌّ﴾ تنوين عوض، عوض عن كلمة المضاف إليه، أي: وكلهم كانوا ظالمين. فعوض التنوين عن المحذوف كما هو معروف في محله. ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ (٥٨) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ

стр. 2531

فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: الآيات ٥٥ - ٦١]. يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال: الآيات ٥٥ - ٥٨]. نزلت هذه الآيات في بني قريظة من اليهود (١)، كانوا تعاهدوا مع النبي ﷺ أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه عدوّاً، ثم إنهم نقضوا العهد وأعانوا كفار مكة بالسلاح، وذهب إليهم كعب بن الأشرف -قبحه الله- إلى أهل مكة يُشَجِّعُهم على قتال النبي ﷺ ويكذب عليهم ويقول لهم: أنتم أهدى طريقاً مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ كما قدمنا الكلام عليه في تفسير قوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً﴾ [النساء: الآية ٥١] نقض بنو قريظة العهد أولا فأعَانُوا قُرَيْشاً بالسلاح على النبي ﷺ والإعانة بالسلاح نقض للعهد الأول - فلما كلمهم ﷺ في نقض ذلك العهد قالوا: نسينا وأخطأنا فلا تأخذنا بها. وأكدوا معه العهد مرة أخرى، ثم نقضوا العهد ومَالَئُوا الأحزاب على النبي ﷺ يوم الخندق، وكانوا حرباً عليه مع المشركين؛ لأن حيي بن أخطب سيد بني النضير كان فتن سيد قريظة كعب بن أسد حتى نقضوا العهد وصاروا مع الأحزاب حرباً على النبي ﷺ فأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾ [الأنفال: الآية ٥٥].

стр. 2532

الدواب: جمع دابة، وقد جرت العادة في القرآن أن الآدميين لا يعبر عنهم بالدواب، لكنه هنا عبر عن هؤلاء الكفرة باسم الدواب، ليشير إلى أنهم كالأنعام بل هم أضل، كما قال: ﴿إِنْ هُمْ إِلَاّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان: الآية ٤٤] والدواب: جمع دابة. وأصل الدابة وزنه (فَاعِلَةٍ) (داببَة) جاء فيه الإدغام. وجمع (الفَاعِلَة) مطلقاً على (فَوَاعِل) جمع تكسير مقيس بقياس مطرد كما هو معروف في محله (١). أي: إن شر جميع ما يدب على وجه الأرض من الدواب هم الكفار؛ لأنهم شر كل ما يدب على وجه الأرض، فقوله هنا: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾ هي صيغة تفضيل، أصله: إن أشر الدواب، أي: أكثرها وأعظمها نصيباً في الشر الذين كفروا. إلا أن (خيراً) و (شرّاً) لكثرة الاستعمال فيهما حذفت العرب منهما همزة أفعل التفضيل، وهما صيغتا تفضيل، فقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾ أي: أكثر الدواب التي تدب على وجه الأرض شرّاً وأعظمها نصيباً في الشر -وهو ضد الخير- ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كبني قريظة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لأن الكفر متغلغل في أعماقهم لا يقلعون عنه، وهم أشقياء قد سبق في علم اللَّه أنهم لا يؤمنون. ثم زادهم بياناً وإيضاحاً بقوله: ﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٥٦] فـ ﴿الَّذِينَ﴾ بدل من ﴿الَّذِينَ﴾ قبله. قال بعض العلماء: قوله: ﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ﴾ إنما جيء بـ (من) لأنه مضمن معنى: أخذت منهم العهود. قال بعض العلماء: (من) تبعيضية؛ لأنهم وإن كانوا كفرة كلهم فهم كلهم شر الدواب، إلا أن العهد إنما يعقد مع رؤسائهم الذين لهم العقد والحل، وبذلك الاعتبار دخلت (من) التبعيضية.

стр. 2533

﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ﴾ المقرر في فن التصريف: أن كل فعل جاء على وزن (فَاعَل) كقوله هنا ﴿عَاهَدتَّ مِنْهُمْ﴾ أو على وزن (تفاعَل) إنه يقتضي اشتراك المصدر بين فاعلين (١). فمعنى ﴿عَاهَدتَّ﴾ أخذت عليهم العهد وأخذوا عليك العهد؛ لأن (فَاعَل) تقتضي الطرفين. والعهد: كل شيء مؤكد لا يجوز نقضه تسميه العرب عهداً. والميثاق: العهد المؤكد. ﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ﴾ وهم يهود بني قريظة ألا يحاربوك وألا يعاونوا عليك محارباً آخر ﴿ثُمَّ﴾ بعد هذا العهد المؤكد ﴿يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ قال بعض العلماء: (ثم) هنا للاستبعاد؛ لأنه يستَبعَد من العاقل الذي عنده عقله أن يجعل على نفسه العهود والمواثيق المؤكدة ثم ينقض ذلك؛ لأن هذا الفعل خسيس قبيح يستبعد من العقلاء. وقد تقرر في كلام العرب وفي القرآن أن لفظة (ثم) التي هي للانفصال والتراخي قد تأتي للاستبعاد، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: الآية ١] لأن من خلق السماوات والأرض وخلق الظلمات والنور يستبعد كل الاستبعاد أن يُجعل له عديل ونظير، ولذا قال: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: الآية ١] أي: يجعلون له عدلاً ونظيراً. تقول: عَدَلْت به إذا جعلت له عدلاً ونظيراً، ومنه قول جرير (٢): أَثَعْلَبَة الفَوَارِس أو رِيَاحاً ... عَدَلْتُ بِهِمْ طُهيَّةَ والخِشَابَا

стр. 2534

فـ (ثمَّ) للاستبعاد، ومن شواهد إتيان (ثم) للاستبعاد قول الشاعر (١): وَلَا يَكْشِفُ الغَمَّاءَ إِلَاّ ابْنُ حُرَّةٍ ... يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثمَّ يَزُورُهَا لأن زيارة غمرات الموت بعد معاينتها من الأمور المستبعدة. ﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ نقض العهد هو عدم الوفاء به ونكثه ﴿عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ كما نقضوا في المرة الأولى حيث أعانوا كفار مكة بالسلاح، ونقضوا في المرة الثانية حيث صاروا مع الأحزاب على النبي وأصحابه ﷺ ورضي عنهم. وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ لا يتقون الله (جل وعلا) فيجترئون على نقض العهود وعلى كل جريمة، ليس لهم تقوى من الله تحملهم على امتثال أمره واجتناب نهيه، وهذه -والعياذ بالله- أمور قبيحة؛ حيث كانوا شر الدواب، وكانوا كافرين، ولا يؤمنون، وينقضون العهود، ولا يتقون الله، فهذا منتهى الذم -والعياذ بالله- هذا معنى قوله: ﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٦]. وقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ [الأنفال: الآية ٥٧] ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ هذه (إن) هي الشرطية زيدت بعدها (ما) المزيدة لتوكيد الشرط. والأصل: فإن تثقفهم فشرد بهم. والفاء في قوله: ﴿فَشَرِّدْ﴾ لأن الجملة الطلبية جزاء الشرط، والمقرر في علم العربية أن جزاء الشرط إن كان لا يصلح أن يكون فعلاً للشرط وجب اقترانه بالفاء (٢)، يعني: إن تثقفهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم، والعرب تقول:

стр. 2535

ثقفه يثقفه في الحرب إذا كان له في الحرب ثقافة، أي: بصيرة وعلم قَدَرَ بها على أن يتمكن من قِرنه ويظفر به. يعني: إن كانت ثقافتك في الحرب وبصرك بها خوَّل لك أن تتمكن منهم وتقدر عليهم ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ (من) مفعول (شرِّد) ومعنى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ افعل لهم فعلاً فظيعاً وعقاباً منكراً هائلاً عظيماً يكون ذلك العقاب عظة لمن خلفهم ومن وراءهم فيتفرقوا ويَتَبَدَّدُوا عنك ويخافوا. وكان بعض الفرسان الشجعان لما سُئل: بأي طريق صار الفوارس يخافونك؟ قال: إذا ظفرت بفارس ضربته ضرباً فظيعاً منكراً ليخاف من وراؤه فلا يجترئوا عليَّ!! فمعنى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: افعل بهم عقاباً منكراً فظيعاً يكون ذلك العقاب المنكر الفظيع سبباً لتشريد مَنْ وَرَاءَهُمْ لِتَفْرِيقِهِمْ وتَبَدُّدِهِمْ عنك وخوفهم منك، وإن كان عند أحدهم عهد فإنهم يخافون مِنْ نَقْضِهِ ويفون به لئلا تَفْعَلَ بِهِمْ مَا فعلت بهم، وهذا هو التَّحْقِيق في معنى الآية، أي: شرِّد مَنْ خَلْفَهُمْ، أي: فَرِّق مَنْ خَلْفَهم وخَوِّفهم وبَدِّدْهُمْ بسبب فِعْلِكَ فيهم؛ لأنك إذا فعلت في هؤلاء الناقضين للعهد ذلك التنكيل العظيم خافَكَ غَيْرُهُمْ فتَفَرَّقُوا وتَبَدَّدُوا عَنْكَ، وخافُوا مِنْكَ، وحافظوا على العُهُودِ إن كانت لهم عهود لئلا توقع بهم مثل ما أوقعت بهؤلاء. وهذا معنى قوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾. والضمير في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ راجع لـ ﴿مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: مَنْ خَلْفَهُمْ، مَنْ وَرَاءَهُمْ ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ يَعْتَبِرُونَ ويَتَّعِظُونَ بالفِعْلِ العَظِيمِ الَّذِي فَعَلْتَ بهؤلَاءِ فَلَا يَجْتَرِئوا عليك بعدها. وهذا معنى قوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٧] ولما مكن الله النبي ﷺ من بني قريظة وَحَكَّمَ فِيهِمْ سَعْدَ

стр. 2536

الأَوْسِ سَعْدَ بن معاذ ﵁؛ لأن النبي كان ﷺ لما ظفر بيهود قينقاع جاءه عبد الله بن أُبيّ رئيس المنافقين من الخزرج، وكان بنو قينقاع حلفاء الخزرج، فقال للنبي ﷺ : شفعني في حلفائي. فشفعه فيهم، فأُجلوا إلى نواحي الشام، وطُردوا من المدينة إلى نواحي الشام، فلما نزلوا (١) على حكم النبي ﷺ وأمكن منهم جاءت الأوس -كما ذكره غير واحد من أهل السير والأخبار- فقالوا للنبي صلى الله عليه [٧/أ] وسلم:/ شَفَّعْتَ إخْوَانَنَا الخَزْرَجَ في حُلَفَائِهِمْ بَنِي قَيْنُقَاع، وهؤلاء بنو قريظة حلفاؤنا -لأن قريظة حلفاء الأوس- فَشَفِّعْنا فيهم كما شَفَّعْت إخواننا في حلفائهم، والنبي ﷺ يكره ألا يجيب دعاءهم، ويكره ألا يُشَرِّد ببني قريظة ويفعل فيهم الأفاعيل، فتخلص من هذا وقال: «أُحَكِّم فِيهِمْ رَجُلاً مِنْ خِيَارِكُمْ هُوَ سَعْدُ بن مُعَاذٍ». فقالوا: رضينا. فحَكَّم فيهم سعد بن معاذ ﵁، وكان سعد ﵁ جُرِح في غزوة الخندق، جَرَحَهُ حبان بن العَرَقَة، أصابه في أكحله -وهو العِرْق الذي في العنق- وكان لما سال الدم من عِرْقه وخاف الموت كان دعا الله وقال: اللهم إن كنت أبقيت بين نبيك وبين كفار مكة حَرْباً فَأَبْقِنِي لها؛ لأنِّي لا أحِبّ أن أقاتل قوماً مثل القوم الذين أخْرَجوا نبيك من بلده وفعلوا له وفعلوا، وإن كان في عِلْمِكَ أنه لم يَبْقَ بَيْنَهُ وبين قريش حرب فاجعل لي هذا الجرح شهادة، ولا تُمِتْنِي حتى تقرَّ عَيْنِي في بني قريظة. فلما حكَّمه النبي ﷺ فيهم فجاء على حمار -لما جاء للتَّحْكِيم- فقال لهم النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ» قال سعد ﵁: حكمت فيهم بأن يُقْتَل رجالهم، وتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ

стр. 2537

وذَرَارِيهِمْ. فأخبره ﷺ أن هذا حكم الله فيهم من فَوْقِ سَبْعِ سَماوات (١)؛ لأنهم الذين نَزَلَ فيهم؛ ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. وكان بعض العلماء يقول: كل هذه الآيات نازلة في كفار مكة؛ لأن هذه السورة كلها في وقعة بدر، والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٧]. ثم قال تعالى معلماً نبيه ﷺ ؛ لأن الله (جل وعلا) علم نبيه ﷺ في هذه السورة الكريمة تَعَالِيمَ عظيمة، وهي كلها تعاليم من أصول الجهاد، علمه الثبات والصمود أمام العدو، وعلمه فيها الاتصال بخالق السماوات والأرض عند التحام الصفوف، وعَلَّمَهُ كيف يخيف أعداءه بشدة الوقيعة فيمن قدر عليهم، وعَلَّمَهُ هُنَا كَيْفَ يُصَالحُهم، وكيف ينبذ صلحهم، كل هذه تعاليم جِهَادِيَّة عسكرية من رب العالمين (جل وعلا) للنَّبِيِّ وأصْحَابِهِ؛ لأن هذا المحكم المنزل

стр. 2538

ينير معالم الطريق في جميع ميادين الحياة كائنة ما كانت؛ ولذا قال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: الآية ٥٨] ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ كقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٥٧] فهي (إن) الشرطية زيدت بعدها (ما) لتوكيد الشرط. وبعض علماء العربية يقول: إن (إِنْ) الشرطية إذا زِيدَتْ بعدها (ما) المؤكدة وجب اقتران المضارع بنون التوكيد، وهو كذلك في القرآن، ما جاء في القرآن (إما) إلا والفعل المضارع بعدها مُؤَكَّدٌ بِنُون التَّوْكِيد الثقيلة (١)، إلا أن التحقيق أنها هي اللغة الفصحى ولا تتعين، فيجوز عدم توكيد الفعل بعد (إما) ( ... ) (٢) وكقول لبيد بن ربيعة (٣): فَإِمَّا تَرَيْنِي الْيَوْمَ أَصْبَحْتُ سَالِماً ... فَلَسْتُ بِأَحْظَى مِنْ كلاب وَجَعْفَرِ وقول الحماسي (٤): زَعَمَتْ تُمَاضِرُ أَنَّنِي إِمَّا أَمُتْ ... يَسْدُد أُبينُوها الأَصَاغِرُ خلَّتِي وهو كثير في كلام العرب. وزَعَمَ جَمَاعَةٌ مِنْ علماء العربية أنَّ حَذْفَ النون في هذه الشواهد لضرورة الشعر، وأن النون واجبة، وزعم جماعة آخرون أنها لغة فصيحة لا ضرورة شعرية.

стр. 2539

ومعنى قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾ نزلت هذه الآية الكريمة في بني قريظة، قال بعض العلماء: في هذه الآية إشكال معروف؛ لأن قوله: ﴿تَخَافَنَّ﴾ الخوف يطلق على الظن الذي لا يستلزم اليقين، والعهد شيء مؤكد مُتَيَقَّن، فكيف يَنْتَقِل عَنْ حُكْمِ يقين العهد إلى ظن نقض العهد، والقاعدة المُقَرَّرَة في الأصول: أن اليقين لا يرتفع بالشك (١)؟ وأجاب العلماء عن هذا بجوابين (٢): أحدهما: هو -ما قدمنا مراراً- أن العَرَبَ رُبَّمَا أطلقت الخوف وأرَادَتْ بِهِ العلم، كقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: الآية ٢٢٩]. علمتم من قرائن أحوالهما ألا يقيما حدود الله. ﴿إِلَاّ أَن يَخَافَا أَلاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ أي: يعلما ألا يقيما حُدُودَ الله. ولا شك أن العرب تطلق الخوف على العلم اليقين، ومن شواهده قول أبي محجَن، مالك بن حبيب الثقفي (٣): إذا مِتُّ فادفنِّي إلى جَنبِ كَرْمَةٍ ... تُرَوِّي عِظامي في المماتِ عُرُوقُها ... وَلَا تدفنني بالفَلاة فَإِنَّنِي ... أَخَافُ إِذَا مَا مِتُّ أَنْ لا أذوقُها وهو يتيقن علماً يقيناً أنه إذا مات لا يذوقها، فقد أطلق (أخاف) وأراد (أعلم) وهو عربي فصيح. وعلى هذا القول فـ ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ أي: إِمَّا تَعْلَمَنَّ مِنْ قَوْمِ خيانة. وقال أكثر العلماء: إن كان بَيْنَكَ وبين قوم عهود ومواثيق -كالعهود التي كانت بينه ﷺ وبين يهود بني قريظة-

стр. 2540

إن تَخَافَنَّ مِنْ هَؤُلاء القوم الذين كانت بينك وبينهم عهود تخافن منهم خيانة، أي: خيانة بنقض تلك العهود بأن يخونوك وينقضوا العهود. و (ياء) الخيانة مبدلة من واو؛ لأن أصل مادة الخيانة أجوف واوي العين، مِنْ: خَانَ يَخُون. أصلها: (خِوَانَة) فأبدلت الواو ياء (١)، كالحيازة من الحَوْز، والصيانة مِنَ الصَّوْنِ، والصّيَام من الصوم. إن تخف يعني مِنْ قَوْم بينك وبينهم عهود ومواثيق تخف منهم خيانة، أي: غدراً ونقضاً للعهود ﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾ يعني بأن يكون خوف الخيانة ظهرت له أمارات ومبادِئ وقرَائِن يُسْتَدَل بها عليه، كما ظهر من بني قريظة أنهم لما عاضدوا المشركين وناصروهم ولم يصرحوا بنبذ العهد كانت مناصرة المشركين ومعاضدتهم قرائن واضحة وأمارات لائحة على أنهم ناقضون للعهد. وعلى كل حال فالَّذِي دل عليه استقراء القرآن ودلت عليه الوقائع -وهو الصحيح إن شاء الله- أن الأمر له حالتان: تارة يكون الكفار الذين بيننا وبينهم عهد ومصالحة تصدر منهم أشياء تدل على نَقْضِ العَهْدِ، لِدلالة قَرَائِن على ذلك، أنهم صدرت منهم مَبَادِئ نقض العهد، ففي هذه الحالة لا ينبغي للإمام أن يَبْقَى على عهدهم وقد ظهر له منهم أمارات الخيانة؛ لئلا يصيبوا المسلمين بِغَائِلة، ففي هذه الحالة يجب على الإمام أن يصارحهم ويقول لهم: رأينا منكم ما يدل على نقضكم العهد وهو كذا وكذا وكذا، فهذا عهدنا إليكم قد طَرَحْنَاهُ إِلَيْكُمْ، ونَبَذْنَاه إليكم، وألقيناه إليكم، وأعْلَمْنَاكُمْ أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ عَهْد، خَوْفَ أنْ تَظُنّوا أنَّا نخدعكم ونكيدكم ونُحَارِبُكُمْ

стр. 2541

غَفْلَةً منكم. وهذا معنى قوله: ﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾ النبذ في لغة العرب: الطَّرْح. ومفعول (انبذ) محذوف، أي: فاطرح إليهم عهدهم، وألقه إليهم في حال كونك أنت وهم ﴿عَلَى سَوَاء﴾ استواء في العلم بأنك حرب لهم وهم حرب لك، ليس أحد منكما يدلس للآخر. وعلى هذا فقوله: ﴿عَلَى سَوَاء﴾ أي: في العلم؛ بأنك لست على صُلْحِكَ الأول لما رأيت مِنْ علامات غدرهم ونقضهم له. قال بعض العلماء: فانبذ إليهم عَهْدَهُم حَالَ كَوْنِ ذلك النبذ على سواء. أي: على عدالة وطريقة محمودة؛ لأن العرب تسمي العَدَالَةَ (سواء)، وتسمي الطريق العدل الواضح (سواء) و (سويّاً) ومن هذا قول الراجز (١): وَاضْرِبْ وُجُوهَ الغُدَّرِ الأَعْدَاءِ ... حَتَّى يُجيبُوكَ إِلَى السَّوَاءِ أي: إلى العدالة والإنصاف من غير مَيْلٍ وَلَا جَوْرٍ. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ أي: إِنْ خِفْتَ يَا نَبِيَّ اللهِ خِيَانَة مِنْ قوم كان بينك وبينهم عهد بأن ظهرت لك أمارات الغدر وعلاماته وأوائله منهم ﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ فاطرح إليهم، وألْقِ إليهم العهد في حال كونك وإياهم على ﴿سَوَاء﴾، أي: مستوين في العلم بالحالة الواقعة وأنه لا عهد بينك وبينهم. وقد جاء عن معاوية ﵁ أنه كان بينه وبين الروم مصالحة وعهود ثم إنه ﵁ سار إليهم وهم لا يشعرون ليقرب منهم، فإذا انقضت مدة العهد كان قريباً منهم فحمل عليهم، فإذا رجل على فرس له -وفي بعض روايات الحديث في السنن وغيرها- على دابة له، ذلك الرجل يقول: الله أكبر، الله أكبر،

стр. 2542

وفاء ولا غدر، فلما جيء معاوية به وجده عَمْرَو بن عبْسة ﵁ فقال: إني سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ يقول: «إِنْ كَانَتْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عُهُودٌ فَلَا تَشدُّوا الْعُقْدَةَ وَلَا تَحُلُّوهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ المُدَّةُ أَوْ تَنْبِذُوا إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ». قالوا: فرجع معاوية ﵁ (١). ومعنى الآية الكريمة: إن تخف الخيانة مِنْ قَوْم بينك وبينهم عهد -والخيانة هنا: الغدر ونقض العهد- ﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: فاطرح إليهم عَهْدَهُمْ ﴿عَلَى سَوَاء﴾ أَنْتَ وَهُمْ مستويان في العلم بنقض العهد، ولا تدلس لهم فيظنوا أنك على عهد حَتَّى تمكر بهم وهم في غفلة، بل أعلمهم بنقض العهد ليستعدوا للحَرْبِ ولا تحارِبْهم في غفلة. وهذا مِنْ كَمَالِ إنصاف دين الإسلام؛ لأن التعاليم السماوية والكتب الإلهية هي في غاية العدالة والإنصاف، حتى مع الكفار نهى نبيه أن يُحَارِبَهُمْ وهم في غفلة من ذلك، بل أمره أن يعلمهم وينبذ إليهم العهد علنًا حتى يستوي الجميع في العلم بالحال الواقعة ليستعدوا لِلْحَرب والقتال؛ ولئلا يُؤْخَذُوا على غِرَّة، فهذه مكارم الأخلاق والعدالة الكاملة. ولا شك أن هذا التشريع تشريع ممن هو عالم بأن أولياءه لهم النصر والظفر لا حاجة له في استعداد الكفار وعلمهم وقوتهم؛ لأنه يعلم أنهم مغلوبون مقهورون، وأن الدائرة عليهم، وهذا معنى قوله: ﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٨].

стр. 2543

أما إذا تُيقن نقض العدو للعهد بأن قتلوا المسلمين، وفعلوا الأفاعيل، وصرحوا بنقض العهد علناً فهؤلاء لا حاجة لإعلامهم؛ لأنَّ أَمْرهم واضح، وهم لا يشكون في نقضهم العهد؛ ولأجل ذلك لما عقد النبي ﷺ مَعَ كفار قريش صلح الحديبية في ذي القعدة من عام ست من الهجرة عقده بينه وبينهم على يَدِ سُهَيْل بن عمرو العامري ﵁ وكان في ذلك الوقت كافراً- وانعقد هذا الصلح، ودخل خزَاعَة في عهد النبي ﷺ ، وأعداؤهم من البَكْريين في عهد قريش، وكان صلح الحديبية وقع على المهادنة تسع سنين، فَغَدَرت قريش غدرًا علناً، وأعانوا البكريين على خُزَاعة فقتلوهم، لما كان هذا الغدر علناً ظاهراً لا إشكال فيه ولا لبس فيه لم ينبذ إليهم رَسُول الله على سواء، بل غزا قريشاً غزوة الفتح، وأهل الأخبار والسير يقولون: إنه قال: «اللَّهُمَّ خُذِ الأَخْبَارَ وَالْعُيُونَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَهَا فِي دِيَارِهَا» (١)، وما دروا إلا والمسلمون بِمَرِّ الظّهْران كل رجل يوقد نارًا؛ لأن نقضهم للعَهْدِ هُنَا لا يَتَنَاوله ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ لأنهم خانوا بالفعل وقتلوا الخزاعيين قتلاً ذَرِيعاً، كَمَا قال صاحبهم الذي اسْتَنْجَدَ لهم رَسُول الله ﷺ وهو عمرو بن سالم الخزاعي ﵁؛ لأن قريشاً لما نقضوا العَهْدَ وقتلوا خزاعة مع البكريين أرسل الخزاعيون عمرو بن سالم ﵁ فجاء إلى النبي ﷺ في المدينة -هذه حرسها الله- قام عمرو بن سالم الخزاعي وذكر رجزه المشهور الذي يصرح فيه بأنهم قَتَلُوهم، وأن نقضهم للعهد كالشمس لا شك فيه حيث قال

стр. 2544

للنبي ﷺ في رجزه المشهور: ياربِّ إني ناشدٌ محمَّداً ... حِلفَ أبينَا وأَبيهِ الأتلَدَا ثم قال (١): إِنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا ... وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ المُؤَكَّدَا ... هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا ... وقَتَلونَا رُكَّعاً وسُجَّدَا ... وزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا ... وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا ... فَادْعُ عِبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا ... فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدَا ... في فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبَدَا ... إِنْ سِيمَ خَسْفاً وَجْهُهُ تَرَبَّدَا ... فَانْصُرْ هَدَاكَ اللهُ نَصْراً أيدَا إلى آخر رَجَزِهِ المعروف. وذكر أصحاب السير والأخبار أنه ﷺ قال: «لا نَصَرَنِي اللهُ إن لمْ أنْصُرْك» (٢). ولم ينبذ إلى قريش على سواء، بل تجهز إليهم في غزوة الفتح في رمضان من عام ثمان، وأنه

стр. 2545

(صلوات الله وسلامه عليه) لم يعلموا به حتى قرُب من ديارهم، وكان ما وقع مما هو مشهور يوم الفتح. وهذا معنى قوله: ﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٨] وكل شيء لا [يحبه] (١) الله دل على أن صاحبه مرتكب جريمة وذنباً عظيماً. والخائنون: جمع خائن، وأصل الهمزة في ﴿الخَائِنِينَ﴾ مبدلة من واو؛ لأن (الفاعل) من الأجوف تبدل عينه همزة، سواء كانت واواً أو ياءً، والهمزة في محل الواو؛ لأن المادة واوية العين كما بينا (٢). فالله (جل وعلا) يبغض الخائنين، فلا ينبغي للإنسان أن يخون، وهذا مِنْ مَكَارِمِ الأخلاق، وغاية عدالة الكتب السماوية وإنصافها. وقوله جل وعلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾ [الأنفال: الآية ٥٩] في هذا الحرف ثلاث قراءات سبعية (٣): قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي: ﴿وَلَا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالتاء الفوقية وكسر السين من (تَحسِبَن). وقرأه عاصم في رواية شعبة وحده أعني أبا بكر: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء الفوقية للمخاطب وفتح سين (تَحسَبن) وقرأه ابن عامر وحمزة وعاصم في رواية حفص: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بياء الغيبة التحتية وفتح سين (يحسَبن).

стр. 2546

أما على قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو والكسائي: ﴿وَلَا تَحْسِبَنَّ﴾ وقراءة شعبة: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ فالآية الكريمة لا إشكال فيها، وكلا القراءتين واضح لا إشكال فيه ولا كلام. أما قراءة ابن كثير (١) وحمزة وحفص عن عاصم: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء، فهذه القراءة أصلها مشكلة، ومعناها مشكل (٢). وتجرأ أقوام جراءة لا تليق -وإن كان فيهم معرفة وعلم وجلالة كأبي حاتم وأبي عبيد، حتى ابن جرير ﵀ وأنكروا هذه القراءة، وقالوا: إنها بعيدة من كلام العرب، وأنها لا وجه لها من الفصاحة، كما أنكر ابن جرير وغيره قراءة ابن عامر: ﴿أَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٩] بفتح همزة (أن). والتحقيق أن قراءة ابن عامر: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء، و ﴿أنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ بفتح الهمزة، وقراءة حمزة وحفص عن عاصم: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ وقراءة: ﴿إِنَّهُمْ﴾ كلها قراءات سبعيات فصيحة متواترة عن النبي ﷺ لا وَجْهَ لِلطَّعْنِ فيها. أما على قراءة من قرأ: ﴿ولا تحسِبن الذين كفروا﴾ فاعلموا أولاً أن (حَسِب) بكسر السين في مضارعها لغتان فصيحتان وقراءتان سبعيتان في جميع القرآن: (حَسِب يَحْسَب، وحَسِبتَ تَحْسَبُ). بفتح السين على القياس، و (حَسِبَ يَحسِبُ) بكسر السين على السماع لا على القياس، وهما لغتان فصيحتان مستفيضتان وقراءتان سبعيتان.

стр. 2547

فقراءة شعبة عن عاصم لا فرق بينها وبين قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو والكسائي، وإنما الفرق بين قراءة التاء وقراءة الياء. أما على القراءة بتاء الخطاب فمعنى الآية واضح لا إشكال فيه، والحُسبان في لغة العرب: الظن. والمعنى: لا تظن يا نبي الله الذين كفروا سبقوا. فـ (الذين) في محل المفعول الأول، وجملة (سبقوا) في محل المفعول الثاني، و (سبقوا) معناه: غلبوا وفاتوا، فكل شيء فاتك ولم تدركه وعَجزتَ عنه تقول العرب: سبقك. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ [الواقعة: الآيتان ٦٠، ٦١] لسنا بمغلوبين ولا معجَّزين عن أن نبدل أمثالكم. أي: لا تظنن يا نبي الله الذين كفروا سبقوا، لا تظنن الكفار فائتين سابقين يعجز عنهم ربهم (جل وعلا)، لا وكلا ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ ولا يسبقون، فهم تحت قهره وقدرته وسلطنته يفعل فيهم كيف يشاء، ولا يسبقونه ولا يفوتونه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: الآية ٤] أي: يفوتوننا ويعجزوننا، لا ﴿سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: الآية ٤]، وكذلك قراءة شعبة عن عاصم: ﴿ولا تَحْسَبن الذين كفروا﴾ هي معناها وهذه القراءة واحد. [٧/ب] / أما على القراءة الأخرى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوا﴾ فتفسير الآية مشكل؛ لأنه لا يُدرى أين مفعولا (حَسِب)، ولا يُدرى الفاعل أين هو؟! وللعلماء فيها أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضاً: قال بعض العلماء: هذه الآية الكريمة حُذفت منها (أن) المصدرية، وحذف (أن) المصدرية إذا دل المقام عليها أسلوب

стр. 2548

عربي معروف موجود في القرآن وفي كلام العرب. قالوا: من أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: الآية ٢٤] الأصل: ومن آياته أن يريكم البرق. ونظيره من كلام العرب قول طرفة بن العبد في معلقته (١): ألا أيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى ... ............................... ويُروى: ألا أيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الْوَغَى ... وأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي قالوا: الأصل: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا. قالوا: والمعنى: أنهم سبقوا. فيصير المفعولان في قوله: «أن سبقوا» لا يظنوا أنفسهم سابقين، أي: فائتين معجزين ربهم. قالوا: وغاية ما في هذا حذف (أن)، وهو موجود في القرآن وفي كلام العرب. وقال بعض العلماء: ضمير الفاعل يعود إلى النبي ﷺ ، بدلالة أن ضمير الفاعل في الخطاب واقع عليه، أي: لا تحسبن أنْتَ يَا نَبِيَّ الله، ولا يحسبن هو، أي: نبي الله، لا يحسبن الذين كفروا سبقوا. ومعلوم أنّه لا يحسب ذلك ولكنه يُنهى ليشرّع على لسانه لغيره كما قيل له: ﴿لَاّ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الإسراء: الآية ٢٢] ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ [الإسراء: الآية ٢٩] ونحو ذلك من الأشياء التي هو لا يفعلها، ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: الآية ٢٤] وعلى هذا القول فتكون قراءة التاء قرينة دالة على الفاعل؛ لأن الفاعل في قراءة التاء ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ أنت يا نبي الله. فيكون المعنى في قراءة الياء: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ هو أي: نبي الله، لا يظنن

стр. 2549

الذين كفروا سبقوا. أي: فاتوا وعَجَزَ عنهم ربهم سبحانه عن ذلك. وعلى هذا القول فـ (الذين) في محل المفعول الأول، و (سبقوا) في محل المفعول الثاني. وقال بعض العلماء: (الذين) في محل رفع على الفاعل، وأحد المفعولين محذوف. قالوا: المعنى: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا. أي: لا يظنّون أنفسهم سابقين، قالوا: وربما حُذف المفعول كما حُذف في قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ﴾ [آل عمران: الآية ١٧٥] أصله: يخوفكم أولياءه لكن (حَسِب) و (خَوَّف) ليسا من باب واحد؛ لأن (حَسِبَ) تنصب المبتدأ والخبر، و (خَوَّفَ) لا تنصب المبتدأ والخبر بل مفعولاها أصلهما ليسا بمبتدأ وخبر. وقال بعض العلماء: لا يحسبن الكفار الذين كفروا سبقوا. هذه الأقوال في هذه الآية الكريمة وفي نظيرتها في سورة النور (١) على قراءة الياء. وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ﴾. ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن عامر: ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ وقرأه ابن عامر ﴿أَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ بفتح الهمزة (٢). وكان كبير المفسرين أبو جعفر ابن جرير الطبري ﵀ يقول: إن قِرَاءَةَ ابْنِ عامر هذه لا وجه لها (٣). والكمال لله؛ لأن قراءة ابن عامر ﵀ وجهها ظاهر جداً؛ لأنها تطابق قراءة الجمهور في المعنى، إلا أن قراءة ابن عامر أظهر في المعنى وإن

стр. 2550

خفي ذلك على الإمام ابن جرير ﵀؛ لأن الكمال والعلم لله وحده. والحاصل أنه قد تقرر في الأصول في مسلك (الإيماء والتنبيه) (١) أن من الحروف الدالة على التعليل، (إنّ) المكسورة المشددة، تقول: اضربه إنه مسيء. أي: اضربه لعلة إساءته، أكرمه إنه محسن. أي: أكرمه لعلة إِحْسَانِهِ. فـ (إن) من حروف التعليل. وعلى قراءة الجمهور فـ (إنّ) المكسورة دلت على التعليل. لا تظننهم سابقين فائتين معجزين ربهم، لا وكلا ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ لا يعجزون ربهم ألبتة، فيكون النهي عن قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوا﴾ لأجل أنهم لا يعجزون أبداً، فلا يخطر في قلبك ذلك الحسبان الباطل. أما على قراءة ابن عامر: ﴿أَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ فـ (أن) قد تقرر في علم النحو أن المصدر المنسبك من (أنّ) وصلتها و (أنْ) وصلتها يجوز جره بحرف محذوف بقياس مطرد (٢). فالأصل: لا تحسبن الذين كفروا سبقوا؛ لأنهم لا يعجزون. غاية ما في الباب حذف حرف الجر قبل المصدر المنسبك من (أنّ) وصلتها، وهو واضح مطرد لا إشكال فيه، وقد عقد اطراده ابن مالك في خلاصته بقوله (٣):

стр. 2551

................................ ... وإنْ حُذِف فالنَّصْبُ للمُنْجَرِّ ... نقلاً وفي (أنَّ) و (أنْ) يطَّرِِدُ ... مع أَمْنِ لبسٍ كَعَجِبْتُ أنْ يَدُو فقراءة ابن عامر دالة على التعليل الذي دلت عليه قراءة الجمهور بقياس عربي واضح مطرد لا إشكال فيه، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾ (يعجزون) مضارع (أعجز)، أعجزه: إذا صيَّره عاجزاً عنه، فكل شيء غلبك ولم تقدر عليه تقول العرب: أعجزك وسبقك وفاتك. بمعنى واحد ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ ربهم. أو: لأنهم لا يعجزون ربهم، بل ربهم قادر عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: الآية ٢] وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٩]. ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: الآيتان ٦٠، ٦١]. قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ﴾ [الأنفال: الآية ٦٠] أمر من الإعداد، والإعداد في لغة العرب التي نزل بها القرآن: معناه اتخاذ الشيء، وادخاره إلى وقت الحاجة إليه، فكل شيء اتخذته وجعلته عندك تنتظر به وقت الحاجة إليه فَقَدْ أعْدَدْتَهُ. والأمر في قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ﴾ للوجوب؛ لأن المقرر في الأصول: أن

стр. 2552

صيغة (افعل) تدل على الوجوب ما لم يصرف عن ذلك صارف (١) [من] (٢) كلام الله وكلام رسوله ﷺ . ونعني بصيغة (افعل): الصيغ الأربع الدالة على الأمر الذي هو اقتضاء طلب الفعل. والصيغ الدالة على الأمر أربعاً (٣): فعل الأمر، كقوله هنا: ﴿وَأَعِدُّواْ﴾ وكقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: الآية ٧٨] والفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، كقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: الآية ٢٩] واسم فعل الأمر، نحو: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ﴾ [النساء: الآية ١٠٥] والمصدر النائب عن فعله، نحو: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: الآية ٤] أي: فاضربوا رقابهم. ولعلماء الأصول اختلاف في صيغة (افعل) إذا جاءت في كلام الله أو كلام نبيه ﷺ وتجردت عن القرائن ماذا تفيده عند الإطلاق (٤)، هل هو الإيجاب المتحتم، أو الندب، أو الطلب؟ إلى غير ذلك من الأقوال. والتحقيق الذي دلت عليه الأدلة: أن النصوص الشرعية واللغة العربية التي نزل بها القرآن كلها يدل على أن صيغة (افعل) تقتضي الوجوب ما لم تقترن بدليل يصرفها عن ذلك، والدليل على ذلك من القرآن: أن الله (جل وعلا) قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن

стр. 2553

تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: الآية ٦٣] فلو كانت مخالفة الأمر غير معصية، وامتثال الأمر غير واجب لما شدد عليه هذا الوعيد العظيم في قوله: ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: الآية ١٢] والأمر بصيغة (افعل) وهو قوله: ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ [الأعراف: الآية ١١] فعنفه التعنيف الشديد الذي لا يفعل إلا لتارك الواجب على مخالفته لصيغة (افعل) التي هي: ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ وقد قال نبي الله موسى لأخيه هارون: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: الآية ٩٣] يعني قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ الآية [الأعراف: الآية ١٤٢] والمعصية لا تسمى إلا لارتكاب الحرام المستوجب للإثم، وقد وبخ الله (جل وعلا) قوماً توبيخاً شديداً لمخالفتهم لصيغة (افعل) في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: الآية ٤٨] (اركعوا) صيغة (افعل) وقد وَبَّخَ مَنْ لم يَمْتَثِلْها وعنّفه تعنيفاً شديداً في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: الآية ٣٦] وفي القراءة الأخرى: ﴿أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١) فجعل أمر الله وأمر الرسول موجباً للامتثال قاطعاً للاختيار. وقال في الملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: الآية ٦] فدل على أنهم لو لم يمتثلوا ما أمرهم لكانوا عاصين، حاشاهم من ذلك. وأما اللغة العربية: فإنك لو قلت لعبدك: اسقني ماءً. أمرته وألزمته بصيغة (افعل) ثم ترك ولم يمتثل فَأَدَّبْتَه، فقال لك العبد:

стр. 2554

تأديبك لي ليس واقعاً في موقعه؛ لأن صيغة (افعل) في قولك: «اسقني» لم تلزمني ولم توجب علي!! فَكُلّ مَنْ يَعْرِف معنى اللسان العربي يقولون له: صيغة الأمر ألزمتك وأوجبت عليك، ولكنك عصيت وخالفت. ومرادنا بهذا: أن هذا أمر خالق السماوات والأرض، أمْرُ رَبِّ العَالَمِين بإعداد القوة التي يمكن أن تحصل في الاستطاعة، هذا الأمر واجب، وتضييعه حرام لا شك فيه، وبذلك يعلم أن تواكل من يُسَمَّوْنَ باسم المسلمين في أقطار الدنيا، وعدم سَعْيِهِمْ في إعداد القوَّة الكَافِيَة لِقَمْعِ العَدُوّ أنه تَمَرُّدٌ على نظام السَّمَاءِ، وعدم عمل بإرشادات خَالِقِ هَذا الكَوْنِ -جل وعلا- وامتثال أوامره، فالله (جل وعلا) في هذه السورة الكريمة وغيرها من سور القرآن رَسَمَ الطَّرِيقَ وبَيَّنَ للنَّبِيِّ ﷺ وأصحابه الطريق التي إذا فعلوها وساروا عليها كانت كفيلة بنصرهم، وذل أعدائهم، وقمع كلمة الكفر وإذلاله؛ لأنه هنا أمر بإعداد القوة التي يمكن أن تدخل تحت الاستطاعة كائنة ما كانت، تطورت القوة مهما تطورت، وانتقلت من حال إلى أي حال، فالآية تساير التطور بدلالة مطابقتها مهما كان وما تحول الأمر؛ لأن لفظها الصريح موجب أمر إيجاب سماوي من الله إعداد كل ما يمكن أن يدخل في الاستطاعة من القوة لِقَمْعِ الكَفَرَةِ (قَبَّحَهُمُ الله)، فهذا أمْرٌ واجِب، فلو عمل الناس بهذا الأمر، وبذلوا ما عندهم من الإمكانيات والثروات في إعداد القوة الكاملة من جميع وجوهها، حتى في تعليم الأمور التي تطورت إليها الحياة الراهنة؛ لأن كل حال له مقال، وكل حالة لها مواجهات بأمور تُلَائِقُهَا. ودين الإسلام مرن غاية المرانة، كل شيء يقابله بما يصلح له، وذلك في نور السماء الذي شرعه الله

стр. 2555

على لسان محمد ﷺ ، فإن القوة التي يقوى بها عسكر المسلمين، ويحمون حوزتهم، ويردون المسلوبات منهم إذا أعدوا القوة الكافية التي تدخل تحت الاستطاعة، ثم حَوَّلَ هَذِهِ القُوَّةَ كانوا متكاتفين غير متنازعين غير متفرقين، كلمتهم واحدة، وذكروا الله كثيراً، وتعلقت أرواحهم بربهم، وطلبوا المدد مِنَ السَّمَاءِ، كانت أسباب النصر كلها متوفِّرة لَدَيْهِم لقوتهم الكَافِيَة، ولعدم فَشَلِهِمْ؛ ولأنهم إذا فشلوا وتفرقوا دَخَلَ العَدُو بَيْنَهم، ورمى بعضهم ببعض كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٤٦] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: الآية ١٠٣] لا تَتَفَرَّقُوا، هذه أوامر الله، والقرآن يوضح الطريقة التي لو سَلَكها الناس لكانت كفيلة لهم بالنَّصْرِ والظفر؛ لأن منها إعداد القوة الكافية، وكل مَنْ عِنْده مال فباستطاعته كل شيء؛ لأن المال سبب لكل شيء، وهو شريان الحياة، ويُسَخِّر الله به لمن أعطاه إياه كل الإمكانيات من تعليم حتى يتعلم ما تعلمه الكفرة ويصل إلى ما وَصَلُوا إِلَيْهِ، ويستعين به في جميع الميادين ليكتسب به القوة الكاملة. ومعلوم أن هذه أوامر الله، وأنها متروكة، وأن دين الإسلام هو هو، وصلته بالله هي هي، وأن المتسمين باسم الإسلام هم الذين تَنَكَّرُوا للدِّينِ، وفارقوا الآلة الجبارة القاهرة التي كانوا يقهرون بها أعداء الله، وهي طاعة الله وامتثال أمره واجتناب نهيه، ولا شك أنه يجب على المسلمين امتثال أوامر الله، وأن يَتَفَطَّنُوا ويَتَحَرَّزُوا، ويفرقوا بين النَّافِعِ والضَّارّ؛ لأن من طبيعة أدنى العقلاء التفريق بين ما ينفع وما يضر، ولا شك أن ما يسميه الناس (الحضارة الغربية) دل الاستقراء الصحيح اليقين أن فيها ماءً زلالاً نافعاً وسمّاً قاتلاً فاتكاً،

стр. 2556

ونضرب لهذا مثلا (١): لأنك مثلاً أيها الإنسان إذا وجَدْتَ إناء فيه ماء زلالٌ وإناء فيه سم قاتل وأنت خارج من العمران في فلاة بعيدة شاسعة، فحالك لا يخلو من أربعة أحوال: إما أن تشرب الماء والسم معاً، وإما أن تتركهما معاً، وإما أن تشرب السم وتترك الماء، وإما أن تشرب الماء وتترك السم. فافرض مثلاً أنك وجدت ماءً زلالاً وسمّاً فاتكاً قتالاً في موضع واحد، وأنت في فلاة معطشة بعيد جدّاً من العمران، فلك مع هذا أربع حالات: إما أن تشربهما معاً، وإما أن تتركهما معاً، وإما أن تشرب السم وتترك الماء، وإما أن تشرب الماء وتترك السم، ولا خامسة البتة. وهذا تقسيم صحيح، فنرجع لهذا التقسيم الصحيح بالسبر الصحيح فنقول: إذا شربتهما معاً لم ينفعك الماء؛ لأن السم الفتاك يقتلك ويقضي عليك، وإن تركتهما معاً هلكت، ولم تبلغ العمران، ولم تلتحق بالرَّكْب، وإن أخذت السم وتركت الماء فأنت مجنون أهوج أحمق؛ حيث أخذت ما يضرك وتركت ما ينفعك!! وان كنت عاقلاً يصدق عليك مطلق اسم العاقل أخذت الماء وتركت عنك السم. وهذا مثال لما جاءت به الحضارة الغربية، فإن ما أحدثوه من القُوَّةِ المادِّيّة وأنواع التنظيمات في جميع ميادين الحياة هو ماء زلال [٨/أ] فيحتاج له جدّاً لا بد منه/ في تطور هذه الحياة الراهنة حسب ما تطورت إليه من الأوضاع، وفيها سم قاتل فتاك لا شك فيه، وهو ما جنته من الكفر والانحطاط الخلقي، والتَّمَرُّد على نظام السَّمَاءِ، ومُعَادَاةِ خالق السماوات والأرض. فالموقف الطبيعي للمسلمين في الأوضاع الراهنة أن يتأملوا فإذا أخذوها كلها بنافعها وضارها أهلكهم ضارُّهَا ولم ينتفعوا بالأنفع،

стр. 2557

وإذا تركوها كلها -تركوا النافع منها والضار- بقوا ولم يلحقوا، وبقوا مستضعفين، وإذا أخذوا ضارها دون نافعها فهم قوم مجانين، هم حمقى لا عقول لهم، وإن أخذوا النافع وتركوا الضار فهذا هو الأمر الطبيعي لكل عاقل. والمؤسف كل الأسف أنّ غالب من يتسمّى باسم الثقافة والحضارة والتمدُّن لا يأخذ منهم إلا القشور المهلكة، والسموم الفاتكة، من الانحطاط الخُلُقِي، والتمرُّد على نظام السماء، والتنكر لخالق هذا الكون، في الوقت الذي لا يستفيد فيه من مائها الزلال - الذي هو قوّتها- شيئاً!! وهذه مسألة مَعْكُوسَة جمع صاحبها بين الكفر والإفلاس. مَا أحْسَنَ الدِّينَ والدُّنْيَا إِذَا اجْتَمَعَا ... وَأَقْبَحَ الكُفْرَ والإِفْلاسَ بِالرَّجُلِ (١) وإذا كان ربنا يقول في هذا المحكم المنزّل آخر الكتب السماوية عهداً برب العالمين: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: الآية ٦٠] مهما تطوّرت القوّة، ومهما بلغت كائنة ما كانت ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ كان وقت نزولها أقوى القوة وأعظم العدة الخيل وما جرى مجراها من الرَّمْيِ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ أنه سمع رَسُول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: «﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ». كرّرها ثلاثاً (٢)؛ لأن الرَّمْيَ فِي ذَلِكَ الوقت إعداد الخيل والسّيوف هذا هو أقوى القوّة

стр. 2558

وأعظمها في ذلك الوقت، والإعداد في ذلك كان يكون بمثل هذا، حتى قال الشاعر (١): وَأَعْدَدْتُ للحَرْبِ أوْزَارَهَا ... رِمَاحاً طُوَالاً وَخَيْلاً ذُكُوراً وقال عمرو بن معد يكرب الزبيدي (٢): أَعدَدْتُ للحَدَثَانِ سَا ... بِغةً وَعَدَّاءَ عَلَنْدَى يعني: درعاً وفرساً ذكراً. أما الآن فقد تطوّرت الحياة عن ذلك في ظروفها الرَّاهِنَة، وصارت الخيل والدروع والرِّمَاحُ لا تغني شيئاً، فَصَارَ الأمْرُ يَتَطَلّب شيئاً زائداً على ذلك يساير الأحوال، ويساير التطوّر في حالاته الراهنة، فعلى المسلمين أن يُعدّوا كل ما في الاستطاعة منه، ولكنهم -وإنا لله وإنا إليه راجعون- لا يُعدّون في أغلب أقطار المعمورة شيئاً، والكفار يتقوّون ويسلّطهم الله عليهم بذنوبهم. أما التعاليم السماوية فهي لا تشجِّع على الضعف والتواكل والتسليم للأعداء، لا، إنما تأمر بالقوّة وإعداد القوة المستطاعة، والكفاح القوي، وعدم التنازع، وعدم التفرّق، والاتصال مع هذا كله بخالق السماوات والأرض، وامتثال أوامره، واجتناب نهيه ﴿إِِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ [الأنفال: الآية ٤٥] إلى غير ذلك من الآيات. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم﴾ إعداده ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الرباط: تطلقه العرب على عين الخيل المربوطة، يقولون: هذا رباط. أي:

стр. 2559

خيل مربوطة في سبيل الله. قال بعضهم: هو جمع ربيط، فرس ربيط: مربوط في سبيل الله، قالوا: كفصيل وفصال، وربيط ورباط، فالرباط اسم لذات الخيل المربوطة في سبيل الله؛ لأن الخيل كانت من أقوى القوة وأعظم العدة التي تقهر بها الأعداء في وقتها. وهذا معنى قوله: ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ والخيل هو الحيوان المعروف. قال بعضهم: هو جمع (خايل)؛ لأن في مشيها خيلاء كمشية المتكبر المتبختر. وبعضهم يقول: هو جمع (خائل) واحده (خائل). وقد قدّمنا أن التحقيق عندنا أن (الفَاعِل) يُجمع على (فَعْل) إذا كان وصفاً. وقوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ الإرهاب: التخويف، تخوّفون به عدو الله. والعدو يُطلق على المفرد وعلى الجمع، معناه: أعداء الله، كقوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: الآية ٤] ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ﴾ [النساء: الآية ٩٢] أي: أعداء. وهذا معنى قوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ككفار مكّة وغيرهم من الكفّار. ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ معنى ﴿مِن دُونِهِمْ﴾ آخرين غيرهم لا تعلمونهم. كان بعض العلماء يقول: هم قريظة. وبعض العلماء يقول: هم فارس والروم. وبعض العلماء يقول: هم المنافقون (١). واستدل من قال: إنهم المنافقون؛ لأن الله قال فيهم: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:

стр. 2560

الآية ١٠١] وقال كثير من العلماء: هم مردة الجن، وزعم بعض العلماء أن الجن يخافون من الخيل، وأنهم يفرون من صهيلها!! وجاء في ذلك بعض الأحاديث. والتحقيق أنه لم يثبت فيه شيء عن النبي ﷺ . وقال بعض العلماء: البحث عن هؤلاء الآخرين لا طائل تحته؛ لأن الله صرح بأنّا لا نعلمهم فكيف نتكلّم فيما قال ربنا إنّنا لا نعلمه، والله يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: الآية ٣٦] (١) وهذا معنى قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾. ولما أمر الله بإعداد القوة المستطاعة كائنة ما كانت، وكان إعدادها يحتج إلى مادّة رغب المؤمنين في الإنفاق في سبيل الله، لينفقوا ويعينوا على إعداد القوة، قال: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (ما) شرطية و ﴿مِن شَيْءٍ﴾ بيان لـ (ما)، و ﴿تُنفِقُواْ﴾ معناه: [تبذلونه] (٢) لوجه الله وابتغاء مرضاته ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في طريقه التي ترضيه، ويدخل فيها دخولاً أوليّاً: ما يعين على الجهاد من إعداد القوة، ومن رباط الخيل. ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي: يعطكم الله ثوابه يوم القيامة وافياً غير منقوص، الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله من الأضعاف. ﴿وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٦٠] لا تنقصون شيئاً من حقوقكم.
следующие страницы →