ونضرب لهذا مثلا (١): لأنك مثلاً أيها الإنسان إذا وجَدْتَ إناء فيه ماء زلالٌ وإناء فيه سم قاتل وأنت خارج من العمران في فلاة بعيدة شاسعة، فحالك لا يخلو من أربعة أحوال: إما أن تشرب الماء والسم معاً، وإما أن تتركهما معاً، وإما أن تشرب السم وتترك الماء، وإما أن تشرب الماء وتترك السم. فافرض مثلاً أنك وجدت ماءً زلالاً وسمّاً فاتكاً قتالاً في موضع واحد، وأنت في فلاة معطشة بعيد جدّاً من العمران، فلك مع هذا أربع حالات: إما أن تشربهما معاً، وإما أن تتركهما معاً، وإما أن تشرب السم وتترك الماء، وإما أن تشرب الماء وتترك السم، ولا خامسة البتة. وهذا تقسيم صحيح، فنرجع لهذا التقسيم الصحيح بالسبر الصحيح فنقول: إذا شربتهما معاً لم ينفعك الماء؛ لأن السم الفتاك يقتلك ويقضي عليك، وإن تركتهما معاً هلكت، ولم تبلغ العمران، ولم تلتحق بالرَّكْب، وإن أخذت السم وتركت الماء فأنت مجنون أهوج أحمق؛ حيث أخذت ما يضرك وتركت ما ينفعك!! وان كنت عاقلاً يصدق عليك مطلق اسم العاقل أخذت الماء وتركت عنك السم. وهذا مثال لما جاءت به الحضارة الغربية، فإن ما أحدثوه من القُوَّةِ المادِّيّة وأنواع التنظيمات في جميع ميادين الحياة هو ماء زلال
[٨/أ] فيحتاج له جدّاً لا بد منه/ في تطور هذه الحياة الراهنة حسب ما تطورت إليه من الأوضاع، وفيها سم قاتل فتاك لا شك فيه، وهو ما جنته من الكفر والانحطاط الخلقي، والتَّمَرُّد على نظام السَّمَاءِ، ومُعَادَاةِ خالق السماوات والأرض. فالموقف الطبيعي للمسلمين في الأوضاع الراهنة أن يتأملوا فإذا أخذوها كلها بنافعها وضارها أهلكهم ضارُّهَا ولم ينتفعوا بالأنفع،
стр. 2557
وإذا تركوها كلها -تركوا النافع منها والضار- بقوا ولم يلحقوا، وبقوا مستضعفين، وإذا أخذوا ضارها دون نافعها فهم قوم مجانين، هم حمقى لا عقول لهم، وإن أخذوا النافع وتركوا الضار فهذا هو الأمر الطبيعي لكل عاقل.
والمؤسف كل الأسف أنّ غالب من يتسمّى باسم الثقافة والحضارة والتمدُّن لا يأخذ منهم إلا القشور المهلكة، والسموم الفاتكة، من الانحطاط الخُلُقِي، والتمرُّد على نظام السماء، والتنكر لخالق هذا الكون، في الوقت الذي لا يستفيد فيه من مائها الزلال - الذي هو قوّتها- شيئاً!! وهذه مسألة مَعْكُوسَة جمع صاحبها بين الكفر والإفلاس.
مَا أحْسَنَ الدِّينَ والدُّنْيَا إِذَا اجْتَمَعَا ... وَأَقْبَحَ الكُفْرَ والإِفْلاسَ بِالرَّجُلِ (١)
وإذا كان ربنا يقول في هذا المحكم المنزّل آخر الكتب السماوية عهداً برب العالمين: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: الآية ٦٠] مهما تطوّرت القوّة، ومهما بلغت كائنة ما كانت ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ كان وقت نزولها أقوى القوة وأعظم العدة الخيل وما جرى مجراها من الرَّمْيِ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ أنه سمع رَسُول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: «﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ». كرّرها ثلاثاً (٢)؛ لأن الرَّمْيَ فِي ذَلِكَ الوقت إعداد الخيل والسّيوف هذا هو أقوى القوّة
стр. 2558
وأعظمها في ذلك الوقت، والإعداد في ذلك كان يكون بمثل هذا، حتى قال الشاعر (١):
وَأَعْدَدْتُ للحَرْبِ أوْزَارَهَا ... رِمَاحاً طُوَالاً وَخَيْلاً ذُكُوراً
وقال عمرو بن معد يكرب الزبيدي (٢):
أَعدَدْتُ للحَدَثَانِ سَا ... بِغةً وَعَدَّاءَ عَلَنْدَى
يعني: درعاً وفرساً ذكراً.
أما الآن فقد تطوّرت الحياة عن ذلك في ظروفها الرَّاهِنَة، وصارت الخيل والدروع والرِّمَاحُ لا تغني شيئاً، فَصَارَ الأمْرُ يَتَطَلّب شيئاً زائداً على ذلك يساير الأحوال، ويساير التطوّر في حالاته الراهنة، فعلى المسلمين أن يُعدّوا كل ما في الاستطاعة منه، ولكنهم -وإنا لله وإنا إليه راجعون- لا يُعدّون في أغلب أقطار المعمورة شيئاً، والكفار يتقوّون ويسلّطهم الله عليهم بذنوبهم. أما التعاليم السماوية فهي لا تشجِّع على الضعف والتواكل والتسليم للأعداء، لا، إنما تأمر بالقوّة وإعداد القوة المستطاعة، والكفاح القوي، وعدم التنازع، وعدم التفرّق، والاتصال مع هذا كله بخالق السماوات والأرض، وامتثال أوامره، واجتناب نهيه ﴿إِِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ [الأنفال: الآية ٤٥] إلى غير ذلك من الآيات. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم﴾ إعداده ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الرباط: تطلقه العرب على عين الخيل المربوطة، يقولون: هذا رباط. أي:
стр. 2559
خيل مربوطة في سبيل الله. قال بعضهم: هو جمع ربيط، فرس ربيط: مربوط في سبيل الله، قالوا: كفصيل وفصال، وربيط ورباط، فالرباط اسم لذات الخيل المربوطة في سبيل الله؛ لأن الخيل كانت من أقوى القوة وأعظم العدة التي تقهر بها الأعداء في وقتها. وهذا معنى قوله: ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ والخيل هو الحيوان المعروف. قال بعضهم: هو جمع (خايل)؛ لأن في مشيها خيلاء كمشية المتكبر المتبختر. وبعضهم يقول: هو جمع (خائل) واحده (خائل). وقد قدّمنا أن التحقيق عندنا أن (الفَاعِل) يُجمع على (فَعْل) إذا كان وصفاً. وقوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ الإرهاب: التخويف، تخوّفون به عدو الله. والعدو يُطلق على المفرد وعلى الجمع، معناه: أعداء الله، كقوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: الآية ٤] ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ﴾ [النساء: الآية ٩٢] أي: أعداء. وهذا معنى قوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ككفار مكّة وغيرهم من الكفّار.
﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ معنى ﴿مِن دُونِهِمْ﴾ آخرين غيرهم لا تعلمونهم. كان بعض العلماء يقول: هم قريظة. وبعض العلماء يقول: هم فارس والروم. وبعض العلماء يقول: هم المنافقون (١).
واستدل من قال: إنهم المنافقون؛ لأن الله قال فيهم: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:
стр. 2560
الآية ١٠١] وقال كثير من العلماء: هم مردة الجن، وزعم بعض العلماء أن الجن يخافون من الخيل، وأنهم يفرون من صهيلها!! وجاء في ذلك بعض الأحاديث.
والتحقيق أنه لم يثبت فيه شيء عن النبي ﷺ . وقال بعض العلماء: البحث عن هؤلاء الآخرين لا طائل تحته؛ لأن الله صرح بأنّا لا نعلمهم فكيف نتكلّم فيما قال ربنا إنّنا لا نعلمه، والله يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: الآية ٣٦] (١) وهذا معنى قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾.
ولما أمر الله بإعداد القوة المستطاعة كائنة ما كانت، وكان إعدادها يحتج إلى مادّة رغب المؤمنين في الإنفاق في سبيل الله، لينفقوا ويعينوا على إعداد القوة، قال: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (ما) شرطية و ﴿مِن شَيْءٍ﴾ بيان لـ (ما)، و ﴿تُنفِقُواْ﴾ معناه: [تبذلونه] (٢) لوجه الله وابتغاء مرضاته ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في طريقه التي ترضيه، ويدخل فيها دخولاً أوليّاً: ما يعين على الجهاد من إعداد القوة، ومن رباط الخيل.
﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي: يعطكم الله ثوابه يوم القيامة وافياً غير منقوص، الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله من الأضعاف.
﴿وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٦٠] لا تنقصون شيئاً من حقوقكم.
والجنوح في لغة العرب: الميل، تقول العرب: جنح فلان إلى كذا، وجنح له. أي: مال إليه، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول غيلان ذي الرمة (١):
إِذَا مَاتَ فَوْقَ الرَّحْلِ أَحْيَيْتُ رُوحَهُ ... بِذِكْرَاكِ والعِيسُ المَراسيلُ جُنَّحُ
أي مائلات الأعناق في السير.
معناها: إن مال الكفار يا نبي الله إلى السِّلم وودّوها وطلبوها فاجنح لها؛ أي: وافقهم في ذلك، وملْ إلى السلم وصالحهم وسالمهم كما طلبوا ذلك منك.
و (السلم) مؤنَّثة في اللغة الفصحى، كالحَرب فهي مؤنثة أيضاً؟ ومنه قول العبّاس بن مرداس (٢):
السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضيتَ بِهِ ... والحَرْبُ تَكْفِيكَ مِنْ أَنفَاسِهَا جُرَعُ
والمعنى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ﴾: أي الكفار ﴿إِلَى السَّلْمِ﴾ إلى الصلح، أي: مالوا إلى المصالحة، وأحبوا أن تكون معهم في صلح ﴿فَاجْنَحْ﴾ يا نبي الله إليها، أي: إلى الصلح، فَمِل إلى الصلح وسالمهم.
وكان بعض العلماء يزعم أن هذه الآية من سورة الأنفال بينها وبين آية القتال تعارُضٌ أو إشكال (٣)، والحق أنه لا تعارض بينهما؛ لأن آية الأنفال هذه قيدت أمر النبي ﷺ بجنوحه إلى السلم بأن يكون الكفار هم الذين جنحوا إليه أولاً وطلبوه ومالوا إليه. أما آية
стр. 2563
سورة القتال -سورة محمد- فهي لا تعارض هذا؛ لأن الله نهاهم فيها عن ابتداء طلب الصلح، وذلك لا ينافي إجابة الكفار إليه بعد أن طلبوه. ونعني بالآية المذكورة: قوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: الآية ٣٥] لأن آية القتال فيها النهي عن أن يكونوا هم البادئين بالدعاء إلى الصلح؛ لأن الداعي إلى الصلح يظهر من قرينة حاله أنه كأنه خائف، وأنه يحس بالغلبة فيريد الصلح. أما القوي الآمن الذي لا يظن أنه مغلوب فلا داعي له إلى طلب الصلح. فلا معارضة بين الآيتين. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ﴾ أي: إن مال الكفار إلى الصلح فاجنح لها.
أما قراءة: ﴿فَاجْنُحْ لَهَا﴾ فهي شاذة وليست من القراءات السبعية (١). أي: فَمِل إليها ووافقهم على ذلك ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ يعني: إن صالحتهم فلا تخف مما يدبّرون لك من المكر والغدر والحيل في مدّة تلك المصالحة، لا تهتم بذلك ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق إليه، وفوِّض إليه جميع أمورك، فإنه (جل وعلا) يكفيك ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: الآية ٣] وهذا معنى قوله: ﴿فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الله ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لما يقولونه من المنكر والغوائل التي يتربصونك بها في مدة الصلح ﴿الْعَلِيم﴾ بكل ما يبطنون ويضمرون من المكر والخديعة والحيل أثناء المدة التي صالحتهم فيها، فهو (جل وعلا) لا يفوته شيء مما قالوا ولا مما عملوا، فهو مطّلع عليهم وكافيكهم، لا تهتم بذلك، واجعل ثقتك بالله وتوكلك عليه، فإنه يكفيك.
стр. 2564
واعلم أن جماعة من العلماء من الصحابة فمن بعدهم زعموا أن هذه الآية من سورة الأنفال منسوخة بآية السيف النازلة في براءة (١)؛ لأنها نازلة بعدها؛ لأن براءة نزلت في رجوع النبي ﷺ من غزوة تبوك، وذلك العام عام تسع بلا خلاف، لم يعش النبي ﷺ بعده إلا سنة واحدة، وسورة الأنفال هذه نزلت في وقعة بدر، وكانت في العام الثاني من الهجرة كما أوضحناه. قالوا: فهي منسوخة بآية السيف، كقوله: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: الآية ٥].
والتحقيق أن هذه الآية ليست منسوخة، وأن المصالحة والمهادنة لم تنسخ، وأن الإمام يخير وينظر في مصالح المسلمين، فإن رأى المصلحة في الصلح حتى يتقوّى المسلمون فيجتمع شملهم ويقدروا على القتال صالح، وإن رأى المصلحة في عدم الصلح لم يصالح، فالكل واسع وجائز إن شاء الله. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: الآية ٦١].
﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ﴾ [الأنفال: الآية ٦٢] ﴿وَإِن يُرِيدُواْ﴾ أي: الكفار الجانحون للسلم الطالبون للصُّلْحِ ﴿أَن يَخْدَعُوكَ﴾ بذلك الصُّلْحِ ويَتَمَكَّنُوا في مُدَّةِ المُصَالَحَةِ مِنْ تَدْبير المكر والمكائد ليضروك بها؛ لأن بعض الكفار يصالح غدراً ومكيدة، لا محبة في المصالحة. وكانت قريظة بعد أن أعانوا كفار مكة بالسلاح وصالحوه المرة الأخرى ليس في نيتهم الدَّوَام على المصالحة، بل يتربصون به الدوائر،
стр. 2565
ويريدون أن يعينوا عليه الكفار. إذا كان قَصْدُهُمْ بِالصُّلْح الذي طلبوه وجنحوا إليه المخادعة فلا يغرّنَّكَ ذلك، ولا تَكْتَرِثْ بِقَصْدِهِمُ الخداع فإنهم لا يضروك شيئاً؛ لأن اللهَ يَكْفِيكَ ذَلِكَ كُلَّهُ؛ ولذا قال: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ﴾ الخديعة: الغُرور، وهو إبطانُ الشَّرِّ ومحاولَةُ إِيصَالِ الشرِّ بطريق خفية لا ظاهرة واضحة.
﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ حَسْبك: معناه كافيك الله (جل وعلا). العرب تقول: حَسبه كذا. معناه: كافيه كذا. وهذا معنى معروف في كلامها مشهور، ومنه قول جرير يهجو قوماً ممن كان يهجوهم (١):
وَلَقَدْ رَأَيْتُ مِنَ المَكَارِمِ حَسْبكُمْ ... أَنْ تَلْبَسُوا خَزَّ الثِّيَابِ وَتَشْبَعُوا ...
فَإِذَا تُذُوكِرَتِ المَكَارِمُ مَرَّةً ... فِي مَجْلِسٍ أَنْتُمْ بِهِ فَتَقَنَّعُوا
فقوله: حسبكم يعني: يكفيكم من المكارم أن تأكلوا وتشربوا، وهذا غاية الذم كما هجا الحطيئةُ الزبرقان بن بدر لما قال له (٢):
دَعِ المَكَارِمَ لا تَرْحَل لبُغْيَتِهَا ... وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الكَاسِي
وحبسه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.
﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ كافيك الله، يكفيك شَرَّهُمْ وشَرَّ خِدَاعِهِمْ، فَثِقْ بِهِ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ولا تكترث بإرادتهم بالصلِح الخَدَّاعِ. وهذا معنى قوله: ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ ﴿هُوَ﴾ أي: الله ﴿الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ أَيَّدَك: مَعْنَاه قوَّاكَ. فالعرب تقول: أيّده يؤيّده تأييداً. إذا قوّاه. وتقول: رجل أيِّد. إذا كان قَوِيّاً. و (الأيد) و (الآد):
стр. 2566
القوة (١). ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات: الآية ٤٧] أي: بنيناها بقوّة. وليست من (الأيدي) جمع (يد) فليست من آيات الصفات، بل معناها: القوة. هذا معنى: ﴿أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ أي: قَوَّاك وعزّزك بِنَصْرِهِ. وأصل النصر في لغة العرب: إعانة المظلوم ﴿أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوّاك أيضاً وأيّدك بالمؤمنين، ويدخل فيهم دخولاً أوّلاً: الأنصار -الأوس والخزرج- الذين آووه ونصرُوهُ وأيّدَهُ اللهُ بِهِمْ. كان الأوس والخزرج وهما بطنا الأنصار أبناء قَيْلة، أولاد حارثة الغطريف كانوا مكثوا سنين كثيرة بينهم حروب دَامِية وقتال هلك فيها أشرافهم، وقُتل فيها ساداتهم، وبينهم عداوات وإحن وأضغان مستحكمة قديمة متوارثة لا يكاد أن تزول من صدورهم أبداً، فلما أرسل الله إليهم نبيه محمداً ﷺ وآووه ونصروه، وأيده الله بنصره وبهم، أزال تلك الأضغان والعداوات الكامنة، وجعل مكانها المحبة الصادقة والمودة والإخاء الكامل؛ ولذا امتن الله عليهم بذلك هنا، وقد قدمنا نحوه في سورة آل عمران؛ لأنه قال: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: الآيتان ٦٢، ٦٣] قال بعض العلماء: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: الأنصار. وقال بعض العلماء: هي أعم مِنَ الأنْصَارِ؛ لأن العرب الذين هم أول مَنْ دَخَلَ في دينه ﷺ كانوا أمّة بينها ضَغَائِن وحروب ومقاتلات لا تكاد تجتمع على رجل واحد، فجمع الله شتاتها ولَمَّ شَعْثَهَا وألّفَ قُلُوبَهَا على الإيمان.
وأكثر المفسرين على أن المُرَادَ بهم الأنصار (٢)، كانوا في
стр. 2567
العداوات الشديدة، ومكثوا سنين كثيرة في حروب دامية، واستحكمت بينهم العداوات والإِحَنُ والأَضْغَان، فألَّف الله بين قُلُوبهم بنبيه ﷺ كما قال هنا: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ التأليف في لغة العرب معناه: الجَمْع. أي: جمع بين قلوبهم فَصَارَتْ على قلب رجل واحد، نِيَّتُها إعلاء كلمة الله، ونصر دينه، ونصر نبيّه، ومحبة كل للآخر بعد أن كانت قلوبهم غير مجتمعة ولا متألِّفَة، بل هذا يريد قتل هذا، وهذا يريد قتل هذا، بقلوب شتى لا تَتَأَلّف؛ ولذا قال: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ يعني: لو صرفت ما في الأرض جميعًا لِتُؤَلّف بين قلوبهم ما أمْكَن ذلك أبداً. ومِنْ أعظم الأسباب الدنيوية لكل شيء: المال، فإنه يؤلِّف القُلُوبَ ويُزِيلُ العَدَاوَةَ. يعني: لَوْ أنْفَقْتَ جَمِيعَ ما في الأرض ما قدرْتَ على أن توفق بين قلوبهم ولا أن تُوَحِّدَها، ولكن الله العظيم بقدرته وجلاله أَلَّفَ بَيْنَ قلوبهم؛ لأنه تعالى وحده هو الذي يملك القلوب ويصرّفها كيف يشاء؛ إذ كل إنسان قلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبه كيف يشاء، كما قدّمنا بَسْطَه في تفسير قوله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ الآية [الأنفال: الآية ٢٤]. الذي بيده القلوب يُصَرِّفُها كيف يشاء، ويقلبها كيف يشاء هو وحْدَهُ الذي يقدر على تأليف قلوبهم، وجمع كلمتهم، ولمّ شَعْثِهم، وإزالة ما كان بينهم كما تَقَدَّمَ في قوله: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾ [آل عمران: الآية ١٠٣] وهذا معنى قوله: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٦٣].
стр. 2568
وقد قَدَّمْنَا مراراً أن العزيز هو الغالب الذي لا يغلبه شيء، والعِزَّة: الغَلَبَةُ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: الآية ٨] أي: وللهِ الغَلَبَةُ ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: الآية ٢٣] غلبني في الخصام. ومِنْ كَلَامِ العَرَبِ: (مَنْ عزَّ بزَّ) (١) يعنون: من غلب استلب، وقد نظمته لخنساء السلمية الشاعرة في قولها (٢):
كَأَنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُخْتَشَى ... إِذْ النَّاسُ إِذْ ذَاكَ مَنْ عَزَّ بَزَّا
أي: مَنْ غَلَبَ اسْتَلَبَ. والحَكِيم: هو الذي يَضَعُ الأمُورَ فِي مَوَاضِعِها ويوقعها في مواقعها (٣). فاقتضت عزّته وغَلَبَتُهُ أن يَقْهَرَ أعداءك، وأن لا يضرّوك بِخِدَاعِهِمْ ونِيَّتِهم المكر والخِدَاع؛ لأن رَبَّكَ غَالِبٌ قَاهِرٌ لا يغلبه شيء، واقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أن يؤلف بين قلوب أنصارك الذين نصروك، ويوحِّدَ كَلِمَتَهُمْ، ويجعلهم كرجل واحد، هذا اقْتَضَتْهُ عِزَّته وحكمته، وإن كانت حكمته تَقْتَضِي العَدْلَ الكَامِل، وكمال التَّمَام في كل ما يُدَبِّرُه في شرعه وقدره وغير ذلك. وعزّته تقتضي أنَّه غَالِبٌ لكل شيء، ويدخل في ذلك قَهْرُهُ لِلْكفار الجانحين للسّلم الذين يريدون بذلك الخِداع، ويدخل في حكمته جمعه بين قلوب أصحابك ليجتمعوا على نصرة دين الله وإعلاء كلمته. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٦٣].
ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: الآية ٦٤] قرأ هذا الحرف عامّة القراء غير نافع:
стр. 2569
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ وقرأه نافع وحده من السبعة: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيء حَسْبُكَ اللهُ﴾ بالهمزة (١).
أما على قراءة نافع فهو من النبأ بلا خلاف. وقد قدمنا مراراً (٢) أن النبأ في لغة العرب: الخبر الذي له خطب وشأن، فكل نبأٍ خبراً وليس كل خبر نبأً؛ لأن النَّبَأَ أخَصّ مِنْ مُطْلَقِ الخَبَرِ؛ إِذْ لَا تَكَادُ العَرَبُ تُطْلِق النبأ إلا على الإخبار بما فيه أهَمِّيَّة وله خطب وشأن، فلو قلت: جاءنا اليوم نَبَأُ الأَمِيرِ، أو نبأ الجيوش. كان هذا من كلام العرب؛ لأنه خَبَرٌ لَهُ خَطْبٌ وشأن، ولو قلت: بلغني اليوم نَبَأٌ عَنْ حِمَار الحجَّام. لما كان هذا من كلام العرب؛ لأن خبر حمار الحجام لا أهمية له ولا شأن ولا خَطْبَ لَهُ.
أما على قراءة الجمهور: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ فقال بعض العلماء: معناه كمعنى قراءة نافع، إلا أن الهمزة أُبْدِلَتْ يَاءً كَمَا أبدلت همزة (النسيء) في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: الآية ٣٧] أُبدلت ياءً في قراءة سَبْعِيَّة صحيحة (٣) ﴿إِنَّمَا النَّسِيُّ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ وبها قرأ ورش عن نافع وغيره، وعلى هذا القول فالقراءتان معناهما واحد.
وقال بعض العلماء: (النبي) على قراءة الجمهور ليس من النبأ الذي هو الخبر وإنما هو من (النَّبْوَة) بمعنى الارتفاع؛ لأن النبي يوحى إليه وحيٌ، وهو خبرٌ له شأن وخطب؛ ولأن له مكانة رفيعة،
стр. 2570
والشيء المرتفع تسمّيه العرب (نبيّاً) والنّبْوة: الارتفاع، ومنه قيل لكثيب الرمل: (نبي) أي: لأنه مرتفع، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (١):
إِلَى السَّيِّدِ الصَّعْبِ لَوْ أَنَّهُ ... يَقُومُ عَلَى ذرْوَةِ الصَّاقِبِ ...
لأَصْبَحَ رَتماً دُقاقُ الحَصَى ... مَكَانَ النَّبِيِّ مِنَ الكَاثِبِ
يعني بالنبي: كثيِب رمل مرتفع. وهذا معنى قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ أي: كافيك الله من أمور الدنيا والآخرة فإنه يكفيك أعداءك، ويعينك على من نَاوَأَكَ منهم.
وقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فيه وجهان من التفسير معروفان (٢): قال قومٌ من علماء التفسير: إن قوله: ﴿وَمَنِ﴾ في محل رفع، وأنه معطوف على لفظ الجلالة، أي: حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين، يعينك الله ويؤيدك الله بالمؤمنين. وهذا مروي عن الحسن البصري. والذين قالوا هذا القول قالوا: هذه الآية مكية جُعلت في سورة الأنفال وهي مدنية بأمر من النبي ﷺ ، وزعموا أنها نزلت عندما أسلم عمر بن الخطّاب ﵁ والنبي وأصحابه مختفون في دار الأرقم ابن أبي الأرقم في مَكَّةَ، وأن عمر أظهر إسلامه حتى صلوا في المسجد، وما كانوا يقدرون، وأن الله
стр. 2571
أنزلها في مكة، وأن النبي ﷺ أمر بجعلها في هذه السورة المدنيَّة أعْنِي سُورَةَ الأَنْفَالِ.
والتحقيق الذي دَلَّ عَلَيْهِ اسْتِقْراء القُرْآن العَظِيم، وَبِهِ قَال أكثر علماء التفسير المشهورين: أن قَوْلَهَا ﴿وَمِنَ﴾ عطف على الضمير في قوله: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ معناه: كافيك الله وكافي معك من اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فالله يكفيك المُؤَنَ وشُرُورَ الأَعْدَاءِ وكُلَّ بَلِيّة، كما أنه يكفي أتباعك من الصحابة فَمَنْ بَعْدَهُمْ ﵃. وهذا القول هو التحقيق، وقد دل استقراء القرآن عليه؛ لأن الحسْب -الذي هو الكفاية- من خصائص رَبِّ العَالمين، ولم يسنده لأحد مِنْ خَلْقِهِ حَيْثُ قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: الآية ٥٩] فجعل الإيتاء لله والرسول، والحسب لله وحده. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٦٤] فجعل الحسب له وَحْدَهُ، والتأييد بنصر الله وبالمؤمنين. وقد أثْنَى الله (جل وعلا) على قوم أفردوه بالحسب -وهو الكفاية- كما في قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: الآية ١٧٣] اللهُ وَحْدَهُ وَلَمْ يذكر معه غيره، فأثْنَى عليهم بإفراد الخالق بهذا الحسب الذي هو الكفاية. ونظيره قوله في خاتمة براءة: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ [التوبة: الآية ١٢٩]
стр. 2572
هذا هو التحقيق - إن شاء الله - أن المعنى: يكفيك الله ويكفي جميع أتباعك.
وفي هذين ترغيب عظيم في الإسلام؛ لأَنَّ مَنِ اتَّبَع النَّبِيَّ ﷺ كَفَاهُ الله كما كفى نبيّه ﷺ .
وهذا التفسير هو الذي عليه جُمْهُور عُلَماء المفَسِّرِين، وهو الذي دل عليه استقراء القرآن كما بيّنّا، إلا أنه يَرِدُ عليه سؤال عربي نحوي: وهو أن يقول طالب العلم: قررتم أن التحقيق أن (من) من قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوفة على الكاف في قوله: ﴿حَسْبُكَ﴾ (١) أي: حَسْبُكَ اللهُ وَحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. والمقرَّر عند جماعة من علماء العربية أن الضمير المخْفُوض لا يجوز العطف عليه إلا بإعادة الخَافِض، وهنا لم يُعد الخافض.
وأُجيب عن هذا السؤال من أربعة أوْجُه (٢):
أحدها: أن هذه القضية غير مسلَّمة (٣)، وأن جماعة من علماء العربية أصحاب علم وتحقيق قالوا: لا مانع مِنَ العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض. وهو رأي ابن مالك ﵀ لأنه لما ذكر المذهب الأول بقوله في خلاصته (٤):
وعَوْدُ خَافضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى ... ضَميرِ خَفْضٍ لَازِماً قد جُعِلَا
قال بعده:
وَلَيْسَ عندي لازماً إذْ قَدْ أَتَى ... فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا
стр. 2573
ومراده بالنثر الصحيح: قراءة حمزة ﵀ ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ﴾ [النساء: الآية ١] بخفض ميم الأرحام معطوفة على الضمير المجرور في قوله: (به) من غير إعادة الخافض، وهي قراءة سَبْعِيَّة صحيحة (١)، فمعلوم أن اللغة التي جاءت بها لا بد أن تكون لغة عَرَبِيَّة صَحِيحة، وهو كذلك. وقد اشتهر في أشعار العرب العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، وأنْشَدَ له الشيخ سيبويه في كتابه (٢):
فَاليومَ قرَّبْتَ تَهْجُونَا وتَشْتِمُنَا ... فَاذْهَبْ فما بِكَ والأيَّامِ منْ عَجَبِ
فعطف الأيام على الضَّمِيرِ المجرور بالباء مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الخَافض، وهو كثير في أشعار العرب، ومِنْهُ قَوْلُ الآخر (٣):
نُعَلِّقُ في مثْلِ السَّوارِي سُيُوفَنَا ... وَمَا بَيْنَهَا والكَعْبِ مَهْوَى النَّفَانِفِ
فقوله: «والكعب» معطوف على الضَّمِير المجرور من غير إعادة الخافض. ونظيره قول الآخر (٤):
لَقَدْ رَامَ آفَاقَ السَّمَاءَ فَلَمْ يَجِدْ ... لَهُ مَصْعَداً فِيهَا وَلَا الأَرْضَ مَقْعَدَا
فعطف الأرض على الضَّمِيرِ المَخْفُوضِ مِنْ غَيْرِ إِعَادة الخافض، ونظيره قول الآخر (٥):
أَمُرُّ مَعَ الكَتِيبَةِ لَا أُبَالِي ... أَحَتْفي كَانَ فِيهَا أَمْ سِوَاهَا
стр. 2574
فعطف (سواها) بـ (أم) على الضمير المخفوض، وهو كثير في كلام العرب.
الوجه الثاني: أن قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ في محل نصب معطوف على المحل؛ لأن الكاف من قوله ﴿حَسْبُكَ﴾ وإن كان في محلِّ خَفْض مضاف إليه ما قبله فأصْلُهُ مفعول؛ لأن الحسب بمعنى الكفاية، والأصل: يكفيك. فالكاف في محلّ المفعول، والمعروف في علم العربية أن المخفوض بالإضافة الذي أصْلُهُ النَّصْب يجوز العطف عليه مخفُوضاً، وتجوز مراعاة محلِّه فينصب المعطوف عليه وهو معروف في محلّه.
الوجه الثالث: وهو أظهرها وأبينها وأقلها تكلفاً: أن قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في محل نصب على أنه مفعول معه، بناء على القول بأن العطف ضعيف، وهو العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض فيتعيّن حينئذٍ النصب على المفعول معه (حسبك الله مع من اتبعك من المؤمنين) وهذا واضح لا إشكال فيه، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر (١):
إِذَا كَانَتِ الهَيْجَاءُ وانْشَقَّتِ العَصَا ... فَحَسْبُكَ وَالضَّحَاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
فنصب (والضحاك) مفعولاً معه. أي: حَسْبُكَ مع الضحاكِ.
الوجه الرابع: أن قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ في محل رَفْع على أنه مبتدأ خَبَرُهُ مَحْذُوف دلّ ما قبله عَلَيْهِ. أي: ومَنِ اتَّبَعَك من المؤمنين
стр. 2575
فحسْبُهُم الله أيضاً. وهذا معنى قوله: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٦٤].
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: الآية ٦٥] التحريض: هو الحَضُّ على الشَّيْءِ والحَثّ عَلَيْهِ بشدّة. حرّضهم على القتال، أي: حَثَّهُمْ وحرّصَهم عليه بشدّة؛ لأنّ القتال فيه خير الدنيا والآخرة، ثم إنه كان في أول الأمر يجب على المسلمين لقلّتهم أن يصابر الرجل الواحد منهم عشرة من الكفار، كان الرجل الواحد من المسلمين يجب عليه أن يصبر أمام عشرة مقاتلين من الكفار، فلذا قال: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفال: الآية ٦٥] فإذا قابلت العشرين بالمائتين كان كل رجل مقابل لعشرة كاملة ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ صابرون محتسبون لله في ميدان الحرب.
ثم قال: ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ قرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر: ﴿وإن تكن منكم مائة﴾ بالتاء الفوقية. وقرأه العراقيون، أعني: أبا عمرو البصري والكوفيين الثلاثة -عاصماً وحمزة والكسائي- قرؤوه كلهم: ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً﴾ بالياء التحتية كما قبله (١)؛ لأن المائة إذا قابلت ألفاً فكل واحد بعشرة.
وكأن قائلاً قال: لِمَ كان الواحد من المسلمين يغلب العشرة من الكفار، ويجب عليه أن يصبر لها، والله لم يوجب عليه ذلك إلا لعلمه بأنه قِرْنٌ لها وكُفْؤٌ لها عند الضرورة قبل أن يكثر المُسْلِمُون،
стр. 2576
فما موجب هذا حيث يكون الواحد من هؤلاء يقاوم العشرة من هؤلاء؟
[٨/ب] فبيّن الله (جل وعلا) الحكمة في ذلك،/ وهذه الحكمة التي بيّن الله بهذه الآية من سورة الأنفال حكمة سماويّة عَظِيمَة تحتها أسرار هائلة يجب على كل مسلم أن يَتَصَفَّحَهَا ويَتَعَقّلَهَا ويتَدَبَّرَ مَعَانِيَهَا، وخصوصاً كل الخصوص تحتّمها على العسكريين من المسلمين، يجب عليهم كل الوجوب أن يتأملوا هذه الآية من سورة الأنفال، وأَنْ يَتَصَفَّحُوا مَعْنَاهَا؛ فإن فيها سرّاً عظيماً لو تعقّله المسلمون لفهموا الحقائق، ولما ساروا في الظلام؛ لأن الله لما قال: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بيّن علّة ذلك وأوضحها فقال: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَفْقَهُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ وهو كون الواحد يغلب عشرة منهم ويصابرها بسبب أنهم قوم لا يفقهون. أي: لا فقه عندهم ولا فهم عن الله، والذي لا يفقه عن الله ولا يفهم ما عنده فهو كالبهيمة ليس له مبدأ يقاتل عليه، والذي يتقدم إلى الميدان في خطوط النار الأمامية ليس عنده مبدأ نبيل يقاتل عليه فهو مائع، هزيمته قريبة سريعة، لا يقاوم أبداً.
فإذا الْتَقَى مَنْ لا فقه عنده بمن عنده فقه عن الله فالمسلم القائم في الميدان للعشرة يفقه عن الله ويفهم، ويقول: إن ربي اشترى مني هذه الحياة القصيرة في هذه الأيام المعدودة، وهي حياة مكدّرة بالأمراض والأسقام والمصائب والبلايا والأحزان، اشتراها مني بحياة سرمدية أَبَدِيَّة لا انقطاع فيها ولا كدر ولا ألم ولا حزن، وهذا المال القليل اشتراه مني بالحور العين والولدان وغُرَفِ الجِنَان ومجاورة رَبٍّ غير غضبان، فهو ينتظر ما عند الله، فاهمٌ عن الله، يفقه عن الله، فهو متقدّمٌ في الميدان، لا يُهزم أبداً، ولو قُتل
стр. 2577
لكانت هي أمنيته، فهذا الذي يقاتل على هذا المبدأ النبيل، وهذا الغرض الصحيح، فاهماً عن الله، يفقه عن الله، هذا لا يقاومه الأهْوَج الجَاهِل الذي لا يفقه شيئاً، ولا يقاتل على مبدأ، فحياته أهم عنده مما يقاتل عليه، فالذين لا يفقهون عن الله من الجنود العسكريين لا يمكن أن يردّوا سليباً، ولا أن يُعلوا كلمة الله؛ لأنهم لا مبدأ لهم، وهم قومٌ لا فقه لهم، فلا يقاتلون على شيء ترخص بسببه نفوسهم عندهم ويرغبون فيما عند الله.
وهذا سِرٌّ لطيف عظيم، وتعليمٌ سماوي هائل، يفهم به المُسْلِمُون أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ من الأساسيات للاستعداد للميدان هو الفِقْه والفَهْم عن الله، فيَجِبُ كُلّ الوجُوب أن يُعلَّم العَسْكَرِيُّونَ عَنِ اللهِ حَتَّى يَفْقَهُوا؛ لأنهم إذا كانوا فَاهِمِين عَنِ الله، عارفين بِنُبْلِ المَبْدَأ الذي يقاتلون عليه، كانوا شجعاناً وصابرين، لا يَرْجِعُونَ القَهْقَرَى ولا يُهزمون، كما سَجَّلَهُ التاريخ لأوائل هذه الأمة. وإن كانوا لا يفقهون عن الله شيئاً، جَهَلةٌ كالأنعام لا مبدأ لهم يقاتلون عليه، فهم ليسوا بأساس ولا معوَّل عليهم، يُهزمون مع كل ناعق كما بيّنته هذه الآية العظيمة الكريمة من سورة الأنفال. وهذا معنى قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٦٥].
الفقه في لغة العرب: معناه الفهم ﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ﴾ [هود: الآية ٩١] أي: ما نفهمه؛ لأنهم لا يفهمون عن الله شيئاً. وهذا معنى قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَفْقَهُونَ﴾.
فلما انتشر الإسلام وكثر المسلمون خفف الله (جل وعلا) عن المؤمنين وجوب مصابرة واحد لعشرة إلى مصابرة واحد لاثنين قال: ﴿الآنَ﴾ (الآن) يعبّر بها عن الوقت الحاضر الذي أنت فيه،
стр. 2578
﴿خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٦٦] تكليفه الأول وهو مصابرة الواحد للعشرة، وجاءكم بتخفيف بدله وهو مصابرة الواحد للاثنين.
﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ قرأه جماهير القرّاء منهم عامة السبعة غير عاصم وحمزة: ﴿وعلم أن فيكم ضُعفاً﴾ بضمّ الضاد. وقرأه عاصم وحمزة: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ (١) والضَّعف والضُّعف لغتان فصيحتان، وقراءتان سَبْعِيَّتَان صَحِيحَتَانِ ﴿خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعْفاً﴾.
﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ﴾ هذا الحرف الأخير الذي هو قوله: ﴿فََإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ﴾ لم يقرأه بالياء من السبعة إلا الكوفيون الثلاثة -وهم عاصم وحمزة والكسائي- أما أبو عمرو البصري هذا فقد وافق غَيْرَهُ، فَصَارَ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو يقرؤون: ﴿فإن تكن﴾ بالتاء، وعاصم وحمزة والكسائي يقرؤون: ﴿فَإِن يَكُن﴾ بالياء (٢). وهما لغتان فصيحتان، وقراءتان سَبْعِيَّتَان صَحِيحتَانِ ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ الواحد لاثنين ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ﴾ الواحد لاثنين ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ جل وعلا ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ معيّة نصر وتوفيق وتأييد. وهذا معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٦٩)﴾ [الأنفال: الآيات ٦٧ - ٦٩].
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ
стр. 2579
الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾ [الأنفال: الآية ٦٧].
لما انهزم المشركون يَوْم بَدْرٍ كان سَعْد بن معاذ ﵁ قائماً متوشّحاً سيفه على العريش الَّذِي فيه رَسُول الله ﷺ ، رآه النبي ﷺ ينظر كأنه ينظر إلى شيء يَكْرَهُهُ فقال: «كَأَنَّكَ تَنْظُرُ إِلَى شَيْءٍ تَكْرُهُه!!» قال: نَعَمْ، رأيتهم يأسرون الكفار ورَغْبَتِي أن يُقتلوا؛ لأن قتل الكفار أقوى للإسلام وأشدّ مناعة لشوكته، ويحصل به ضعف المشركين وانكسار شوكة الكفر، فقتلهم هنا أحبّ إليّ (١).
ولما اجتمع الأسارى عند رَسُول الله ﷺ استشار أصحابه، فجاءت روايات متعدّدة أن ممن أشار عليه أبو بكر وعمر وعبد الله بن رواحة، ومن أكثرها إشارة أبي بكر وعمر، وأن أبا بكر قال له: يا رَسُول الله، إنهم قَوْمُكَ وعشيرَتُكَ فلا تَعْجَلْ عليهم وهم كفار، فاسْتَبْقِهِمْ وأمْهِلْهُمْ لَعَلَّ اللهَ أنْ يهديهم، وخُذْ مِنْ فِدَائِهِمْ ما يَتَقَوَّى به المسلمون على الجهاد في سبيل الله. وقال له عمر: هؤلاء قوم كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ وهم رؤساء الكفر فاقتلهم، فَأَعْطِ عقيل بن أبي طالب لأخيه علي -وعقيل من الأسارى ذلك اليوم- يقتله، وادفع العباس لحمزة ليقتله، وأعطني فلاناً -رجلٌ كان بينه وبين عمر نسب- ليعلم الله أن لا هوادة بيننا وبين الكفار، فإن قتل رؤساء الكفر هو الذي يكسر شوكة الكفر ويذلّه، ويعزّ دين الإسلام ويُعلي كلمة الله. فكأن النبي ﷺ كان أمْيَل إلى ما قاله أبو بكر ﵁. وذكروا في هذه الروايات أنه قال لأبي بكر: «قُلْتَ كَمَا قَالَ عِيسَى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية
стр. 2580
[المائدة: الآية: ١١٨]. وفي رواية أنه قال له: «قُلْتَ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾» [إبراهيم: الآية ٣٦] وفي بعض الروايات قال لعمر: «قُلْتَ كَمَا قَالَ مُوسَى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: الآية ٨٨] وفي بعضها أنه قال له: «قُلْتَ كَمَا قَالَ نُوحٌ: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ الآيات [نوح: الآية ٢٦]. وفي بعض الروايات أن معهم عبد الله بن رواحة (رضي الله عن الجميع)، وأنه قال له: أنت في وادٍ كثير الحطب فأضرم عليهم النار (١).
وعلى كل حال فلما أَخَذُوا الأُسارى أَخَذَهُم الذين أسروهم أولاً ولم يأمرهم رَسُول الله ﷺ بأسرهم، وكانوا يرغبون في الفداء ليتَقَوَّوْا بالمال، فَلَمَّا اسْتَقَرّوا تحت أيديهم كان ذلك الرَّأْي لَيْسَ مُسْتَبْعِداً عنده ﷺ ، ولم ينزل فيه وَحْي، فبَعْد أنْ أخذوا الأسارَى جَاءَهُمْ هَذَا اللَّوْم من الله، وهذا الأمر العظيم، وقرب العذاب منهم لولا الكتاب السابق. ولما كان مِنَ الغد جاء عمر ﵁ ووجد رَسُول الله ﷺ وأبا بكر يبكيان، فقال: ما يبكيكما، أخبراني بما يبكيكما؟ فإن وجدت بكاءً بكيت معكما، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما. فقال له رَسُول الله ﷺ : «عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُ أَصْحَابِكَ كَهَذِهِ الشَّجَرَةِ -لشجرة قريبة منه (٢) ﷺ لأن الله قال لهم: ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: الآية ٦٨]»، ثم إن الله بعد ذلك أحل لهم ذلك المغنم وطَيَّبَه
стр. 2581
لهم في قوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّباً﴾ [الأنفال: الآية ٦٩] ويدخل فيه فداء الأُسارى.
ومعنى قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: الآية ٦٧] أن يأسر الرجال ويستعين بالمال بفدائهم حتى يثخن في الأرض. الإثخان: معناه الإيجاع في الأرض قتلاً، حتى يوجع في الأرض قتلاً، ويقتل الصناديد الكفرة والرؤساء العظام التي تضعف بهم شوكة الكفر وأهله. والإثخان: أصل الإثخان شدة الإيجاع في الأرض بالقتل (١). وقالوا: أثخنوهم أي: أوجعوا فيهم قتلاً شديداً ذريعاً، وأثخنته الجراحة: اشتدت عليه حتى أثبتته. وهذا الذي لامهم عليه هنا وبيّن لهم أنه ما كان هو الصواب، ولا هو الأولى أوضحه وشرحه في سورة القتال في قوله: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ﴾ [محمد: الآية ٤] أي: أوجعتموهم قتلاً، قتلاً يضعف شوكة الكفر ويذل أهله، بعد ذلك ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ وهو الأسر ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾ ولذا قال هنا: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ يعني ما كان ينبغي لكم ولا يصح منكم أولاً أن تلتزموا أول وقعة نصركم الله فيها بالأسرى تريدون المال، لا ينبغي هذا منكم، وما كان هو الأولى لكم، كان الأولى لكم قتلهم وحصدهم حتى يذل الكفر ويستكين أهله، وتقوى شوكة الإسلام ويعز أهله. وهذا معنى قوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ أي: يوجع فيها قتلاً؛ لأن ذلك القتل الوجيع هو الذي يذل الكفر ويكسر شوكته، ويعز الإسلام ويرفع كلمة الله (جل وعلا). وهذا معنى قوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾.
стр. 2582
ثم لامهم لوماً شديداً عظيماً من الله قال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ يعني: حطام الدنيا الزائل، فسماه عرضاً؛ لأنه عارض الوجود يعروه الزوال عن قريب، كما قدمنا في قوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى﴾ [الأعراف: الآية ١٦٩] والله (جل وعلا) لا يريد عرض الدنيا بل يريد الآخرة، يريد لكم الآخرة بأن تقتلوا الكفرة، وتكسروا شوكة الكفر، وتذلوا أهله وأهلها، وتُعِزّوا كَلِمَةَ الله وتُعْلُوا دِينَ اللهِ فِي أرْضِهِ وهذه هي الآخرة التي يريدها لكم، وهذه الإرادة إرادة شرعية دينية، ولو كانت إرادة قدرية كونية لنفذت على كل حال؛ لأن اللهَ إذا أراد بإرادته الكونية القدرية شَيْئاً لا بد أن ينفذ كائناً ما كان ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: الآية ٨٢] فَهَذِهِ إرادَتُهُ الشَّرْعِيَّةُ الدِّينِيَّة لكم كان الأولى لكم شَرْعاً ودِيناً أن تقتلوهم فتُعْلوا كلمة الله، وتذلوا كلمة الكفر، وهذا معنى قوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾. ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ أي: حطامها الزَّائِلَ؛ لأنه عارض ينقضي ويزول ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أي: الدار الآخرة. ومِنْ أَعْظَمِ أسْبَابِ الخُلُود في جناتها إعلاء كلمة الله، إذلال كلمة الكفر، وأكبر أسباب ذلك قتل الرؤساء قادَة الكفار وساداتهم. وهذا معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قَدَّمْنَا الكَلامَ عَلَيْهِ قَرِيباً.
وقوله: ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: الآية ٦٨] (لولا) في علم العربية هي حرف امتناع لوجود، والمعنى: امتنع أن يَمَسَّكُمْ عذاب الله بسبب [الكتاب السابق في الأزل] (١) ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
عبد المطلب ﵁ (١). والتحقيق أنها نزلت في جميع أسارى بدر، ولو فرضنا أنها نزلت في العباس فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، وإنما قالوا: إنها نزلت في خصوص العباس مع أنها نازلة في جميع أسارى بدر؛ لأن العباس بن عبد المطلب ﵁ هو أكثرهم نصيباً وأوفرهم حظّاً فيها؛ لأنه أُخذ منه في الفداء ما لم يؤخذ من غيره، فصار كأنه أخَصّ منهم بهذه الآية؛ ذلك لأن العباس بن عبد المطلب ﵁ كان مِنْ أَشْرافِ قُرَيْشٍ الذين ضمنوا لهم الإطعام في غزوة بدر، وكان يوم بدر هو اليوم الذي عليه هو أن يطعم -كما قاله أصحاب المغازي والسير- فاشتغل الناس بالقتال عن الإطعام، وكان جعل معه عشرين أوقية مِنْ ذَهَبٍ ليطعم بها الناس، فلمَّا أَسَرَهُ المسْلِمُون أخذوا العشرين معه. وذكر بعض أصحاب المغَازي أنَّهُ كان رجلاً موسراً فأمرهم النبي أن يُضعِّفُوا الفداء عليه (٢)، فأخذوا منه ثمانين أوقية، وضاعت له عشرون أوقية، فكان المجموع: مائة أوقية. وأمره النبي ﷺ أَنْ يُفْدِي ابْنَيْ أخَوَيْهِ وهما عقيل بن أبي طالب ونَوْفَل بن الحارث بن عبد المطلب كانا أسيرين معه، أُسِرَا يَوْمَ بَدْر. وذكر بعضهم أنه ﷺ أَمَرَ العَبَّاسَ أَيْضاً أن يُفْدِي حَلِيفَهُ وهو عُتْبَة بن عمرو ﵁، أخو بني الحارث بن فهر، كان حليفاً للعبَّاس بن عبد المطلب (٣)، وكان النبي ﷺ في يوم بدر كما ذكره أصحاب المغازي قال: «إِنَّ
стр. 2585
بَعْضَ مَنْ يلقُونَكم في هذا الجَيْش خرجُوا مُسْتَكْرَهِين، فَمَنْ لقَي منكم العبَّاسَ فلا يَقْتُلْهُ؛ لأنَّهُ أَكْرَهَهُ قَوْمُهُ على الخُرُوج، ومَنْ لَقِيَ أبَا البَخْتَرِيِّ فلا يَقْتُلْهُ».
وكان أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ﵁ وقعت منه زلّة يوم بدر، وكان يقول: منذ سقطت مني تلك الكلمة وأنا أخافها لا آمن منها أبداً حتى يكفّرها الله عني بالشهادة. فقُتل شهيداً أيام اليمامة ﵁. وذلك أن النبي ﷺ لما قال: «مَنْ لَقِيَ مِنْكُم العَبَّاسَ فَلا يقْتُلْهُ فإنَّهُ خَرَج مُسْتَكْرَهاً». قال أبو حذيفة بن عتبه ﵁: أنقتل آباءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس؟! والله إن لقيته لألجمنَّه السيف. فسمع بها رَسُول الله ﷺ ، فذكروا أنه قال لعمر بن الخطاب ﵁: «يا أبا حفص» - قال عمر: ما كنّاني أبا حفص قبل ذلك اليوم - «أيُضْرَبُ وَجْهُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ »؟ فقال: إنه نافق دعني أقتله (١).
وكان أبو حذيفة ﵁ يتخوّف من كلمته هذه حتى رَزَقَهُ اللهُ المَوْتَ شهيداً أيام اليمامة. وكذلك نهى عن أبي البختري؛ لأنه كان يُحْسِن إلى بَنِي هاشم أيام كونهم في الشِّعب لما قاطعهم قريش، وكان يعاملهم معاملة حسنة ولم يؤْذِهِمْ، فجاءه المُجَذَّر بن زياد البلوي ﵁ فقال: أما أنت فقد نهانا عنك رَسُول الله ﷺ . وكان له زميل، فقال له: وزميلي؟ فقال: أما زميلك فلم ينهنا عنه رَسُول الله ﷺ . وأراد المجذّر أن يقتل زميله، فتعرّض دونه وقال (٢):
стр. 2586
لا يُسْلِمُ ابْنُ حُرَّةٍ زَمِيلَهُ ... حتَّى يمُوتَ أوْ يَرَى سَبِيلَهُ ...
لَا يُفارِقْ جَزَعاً أكِيلَهُ
وتراجز هو والمجذّر ﵁ وكان ذلك يقول (١):
أَنَا الَّذِي أَزْعُمُ أَصْلِي مِنْ بَلِي ... أَضرِبُ بالحربة حتى تَنْثَني
فقتله المجذر لما جاء دون زميله. وكان العباس ﵁ أسَرَهُ رَجُلٌ قَصِير ليس بالقوي من الأنصار هو كعب بن عمرو ﵁ وهو المشهور بكنيته أبي اليسر، وهو أخو بني سلمة. ذكر بعض أصْحَابِ المَغَازِي (٢) أن العباس كان يَئِنّ أنيناً في الأسر، فسمع رَسُول الله ﷺ أنينه فلم يَسْتَطِعْ أَنْ يَنَام حتى خففوا عليه الوثاق فَسَكَت، فلما سكت نام ﷺ . وعلى كل حال فالعباس بن عبد المطلب ﵁ لما أرسل قريش في فداء أسراهم كان الأسير يُفْدَى بأربعين أوقية، قال أصحاب المغازي: أمرهم النبي ﷺ أن يُضعفوا الفداء على العبّاس فأخذوا منه ثمانين أوقية، وضاعت له عشرون أوقية أخذوها منه لما أسروه، وفدى ابني أخويه عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وفدى حليفه عتبة بن عمرو أخا بني الحارث بن فهر، فصار دفع مالاً كثيراً لم يدفعه غيره، فمن هنا قالوا: نزلت فيه هذه الآية الكريمة مع أنها نازلة في جميع أسرى بدر، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فلَفْظُ الآية عام، وهذه القاعدة قاعدة معروفة قويَّة يستدل بها علماء الأصول على أنَّ الآيَات النازلة في أسباب خاصة أحكامها
стр. 2587
عامة، ولا تخصّص بأسبابها (١)، ومن المشهور في أمثلتها: المثال لها بهذه الآية من أخريات سورة الأنفال، أنها نزلت في العباس بن عبد المطلب وحكمها عام.
ومن الأدلّة الدالة على هذه القاعدة الأصولية المهِمَّة المُعِينَة في التفسير -وهي أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب- دلّ عليها الحديث الصحيح واللغة، أما ما دلّ على ذلك من الأحاديث فهو ما سيأتي في سورة هود -إن شاء الله- من أن سورة هود نزلت فيها آيات مَدَنِيَّة وهي سورة مكية كما قال غير واحد من العلماء أن قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: الآية ١١٤] نزلت في الأنصاري الذي جاءته المرأة تبتاع تمراً فأعجب بجمالها، وكان زوجها غائباً في الجهاد، فقال لها: إن في البيت تمراً أحسن من هذا. فلما دخلت البيت كان بينه وبينها بعض ما لا يليق من صغائر الذنوب، ثم إنّه ندم وأخبر النبي ﷺ بذلك، فأنزل الله فيه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ تعني: فصلواتك الخمس تذهب عنك هذه السيئة التي اقترفت من هذه المرأة. فقال الرجل -كما في صحيح البخاري وغيره- ألي هذا وحدي يا رَسُول الله؟ وسؤال هذا الأنصاري هو سؤال عن هذه النازلة، كأنه يقول: آلعبرة بي لأنني سبب النزول، أو العبرة بعموم لفظ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فأجابه ﷺ : «بَلْ لأُمَّتِي كُلِّهِمْ» (٢). فَدَلّ على أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ومن النصوص الدالة على هذه القاعدة: هو ما ثبت عن النبي ﷺ في
стр. 2588
الصحيح أنه أيقظ فاطمة وعليّاً ﵄ ليصليا بالليل، فقال له علي ﵁: إن أرواحنا بيد الله إنْ شَاءَ بَعَثَنَا. فَوَلّى ﷺ يَضْرِبُ فَخِذَهُ ويقول: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف: الآية ٥٤] (١).
مع أن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ نزلت في الكفار الذين يجادلون في كتاب الله، فاعتبر النبي عمومها حتى جعله شاملاً لخصام علي له ومجادلته له؛ بأن أرواحهم بيد الله؛ لأن الله قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ﴾ الكافر مع وضوح القرآن وأدلته وتصريف أساليبه ﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف: الآية ٥٤] وخصاماً بالباطل.
ومما يدل على هذا مِنَ اللّغة: إِجْمَاعُ أهْلِ اللِّسَان العربي أن الرَّجُلَ لو كان له أربع زوجات فَقَامَتْ إِحْدَاهُنَّ وَسَبَّتْ هذا الرجل وأغضبته فقال: أنتن كلكن طوالق. فإنهن كلهنّ يطلقن بحسب المدلول العربي ولا يختص بالمرأة التي أغضبته فاستوجبت الطلاق كما لا يخفى. وهذه الآية الكريمة نزلت في العباس بن عبد المطلب، وحكمها عام لمن معه، وظاهرها يشمل جميع الأسرى؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى﴾ [الأنفال: الآية ٧٠] قرأ هذا الحرف عامّة القراء غير نافع: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم﴾ بالإدغام.
وقرأه نافع وحده من السبعة: ﴿يا أيها النبيء﴾ بالهمزة من غير إدغام، ونافع قرأ لفظ النبيء والأنبئاء في جميع القرآن بالهمزة
стр. 2589
المحقّقة في رواية ورش في جميع القرآن، وفي رواية قالون عنه في جميع القرآن إلا في حرفين من سورة الأحزاب فقط، وهما قوله: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ [الأحزاب: الآية ٥٠] وقوله: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَاّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: الآية ٥٣] فهذان الحرفان قرأهما عنه قالون كقراءة الجمهور، وقرأهما عنه ورش بالهمزة المحققة كغيرهما في سائر القرآن (١).
وقوله ﴿قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى﴾ قرأه عامّة السبعة غير أبي عمرو: ﴿قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى﴾ وقرأه أبو عمرو وحده من السبعة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسارَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً﴾ (٢) ومعنى الآية الكريمة: أن الله (جلّ وعلا) أمر نبيّه أن يقول لمن في أيدي المسلمين من أسارى بدر يقول لهم هذا الكلام.
(الأسارى) جمع أسير، و (الأسرى) جمع أسير، إلاّ أنّ (الأسير) يُجمع على (أسرى) قياساً مطّرداً، وقاعدة معروفة؛ لأن (الفَعِيل) المتّصف بما يُرثى له به يطرد جمعه تكسيراً على (فَعْلَى) (٣) كمريض ومرضى، وقتيل وقتلى، وجريح وجرحى، وصريع وصرعى، وأسير وأسرى (٤).
أما على قراءة ﴿أُسَارَى﴾ فهو جمعٌ مسموع، وإتيان الجموع على (فُعَالى) أو (فَعَالى) مسموع ولا يطرد منه شيء قياساً، ككسالى،
стр. 2590
وأُسارى، ويتامى، وحيارى، وما جرى مجرى ذلك (١).
وقوله: ﴿قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم﴾ المراد بـ ﴿قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم﴾ من كانوا تحت أيديكم من الأسارى، وكل شيء كان في قبضة الإنسان وتحت قدرته وتصرّفِهِ تقول العرب: هو في يده؛ لأن اليد هي التي تُزَاوَلُ بِهَا الأعمال وتُؤخذ بها الأشياء عادة (٢).
والأيدي جمع (يد)، واليد من الألفاظ التي حَذَفَتِ العرب لامَهَا ولم تعوِّض منها شيئاً، وأعربتها على العين، فدال اليد في محل العين، وهي مُعربةٌ على عينها وهو الدال، نُزِّل منزلة لامها، وحذفت لامها، وتنوسيت، وهي إحدى ألفاظ معروفة كذلك، كيدٍ، ودَمٌ، وغذٍ، وددٍ، وهنٍ، وما جرى مجرى ذلك (٣). وأصل لامها المحذوفة ياء، أصلها (يدي) فاؤها ياء، وعينها دال، ولامها ياء. ولامها المحذوفة إنما تُرَدّ عند التصغير وجمع التكسير، ففي تصغيرها تقول: (يُدَيَّه) وفي جمعها تقول: فاقطعوا أيديهما. وأصله: (أيْدُيهما) على وزن (أفعُل) لأن الأيدي أصل وزنه (أفعُل) (فَعَل) محذوف اللام مجموعٌ على (أفعُل) إلاّ أن ضمة العين تجعل كسرة لمجانسة الياء، وربما نطقت العرب باليد مثبتة لامها إثبات المقصور على الألف كالفتى. سُمع هذا عنهم قليلاً، ومنه قول الراجز (٤):
يا رُبَّ سَارٍ باتَ ما تَوَسَّدَا ... إلا ذِرَاعَ العِيسِ أَوْ كَفَّ الْيَدَا
فردّ اللام كما هي في (الفتى) وهذا نادر.
стр. 2591
وقوله: ﴿مِّنَ الأَسْرَى﴾ الأسرى جمع أسير، والأسير (فَعِيل) بمعنى (مَفعُول) وهو اسم المفعول من (أَسَره) العرب تقول: أسره يأسره أسراً، فالفاعل (آسر) والمفعول (مأسور): إذا شدّه بالوثاق، وأصل هذه المادة مأخوذة من الإيسار، والإيسار: القِدّ. والقِدّ: هو جلد البعير غير المدبوغ؛ لأن جلد البعير إذا لم يُدْبَغ تسمّيه العرب قِدّاً، وكانوا يشدّون الأسِيرَ بالجلد عند سَلْخِهِ طَرِيّاً، فإذا يَبس اشتدّت قوّته ولا يقدر أحد على حلّه ولا قطعه ولا نزعه، ومن هنا قيل لكل مشدود شدّاً محكماً: إنه مأسور. وأصله من (الإيسار) وهو الشدّ بالإسار، أعني القِدّ وهو جلد البعير إذا كان غير مدبوغ. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: الآية ٢٨] المراد بقوله: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ أحْكَمْنَا شَدَّ العِظَامَ بَعْضَها إِلَى بَعْضٍ بِإِحْكَام وإِتْقَانٍ شَدِيدٍ كَمَا يُشَدُّ الشَّيْءُ شَدّاً قويّاً بالقِدّ فييبس عليه فيمسكه إمساكاً قويًّا (١). وهذا صار معنىً معروفاً في كلام العرب، مشهور في كلامهم، فكل شيء شددته شدّاً محكماً تقول العرب: أسرته. ومنه سُمّي الأسير، أي: لأنه يُشد بالإسار، وهو جلد البعير غير المدبوغ. وهذا معروف في كلامهم، ومنه: أسر مراكب النساء؛ لأن أعواده تُشدّ بالقدّ حتى يتحكّم بعضه مع بعض، ومنه قول حُمَيْدِ بن ثور الهلالي (٢):
وما دخَلَتْ في الخَدْب حتى تَنَقَّضَتْ ... تآسير أعْلَى قِدّه وتحَطّمَا
وهذا معنى معروف في كلام العرب. يعني: قل يا نبيّ الله لهؤلاء الذين أخذتموهم وكانوا في قبضتكم وتحت تصرّفكم:
стр. 2592
﴿إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ العبّاس بن عبد المطلب قال للنبي ﷺ : يا نبيّ الله: احسب لي العشرين أوقية التي أخذوها منّي، كانت من مالٍ معي. قال: «لَا، ذَلِكَ مَالٌ أَعْطَانَاهُ اللهُ مِنْكَ فَلَا نَحْسِبُهُ لَكَ أَبَداً» وضاعف عليه الفداء، وأمَرَهُ بِمُفَادَاةِ ابْنَيْ أَخَوَيْهِ. فقال للنبي ﷺ : يا نبي الله، لقد تركتني أَتَكَفَّفُ قُرَيْشاً إلى يوم القيامة فَقِيراً. فقال له النبي ﷺ : «أَيْنَ المَالُ الَّذِي دَفَنْتَهُ أنْتَ وأم الفَضْلِ لما أرَدْت الخُرُوجَ»؟ فقال له: وما ذلك المال؟ قال له: «الذَّهَب الذي دفنْتَهُ أنت وأمّ الفَضْلِ، وقلت لها: ما أدْرِي ما يُصِيبُنِي فِي وَجْهِي هَذَا، فَإِنْ حَدَثَ بي حَدَتٌ في سَفَرِي هذا فهذا المال لَكِ وَلِبَنِي: الفَضْل، وعبد الله، وعبيد الله، وقثم. ودفنتم المَالَ». فقال: أشهد أنك رَسُول الله، والله ما علم بهذا أحدٌ غيري وغير أمّ الفَضْل (١). وهي لُبَابة الصغرى بنت الحارث، أم أولاد العبّاس بن عبد المطلب، وهي هلالية مشهورة. لما أخذوا منهم هذا المال وكان الأسارى يأتون النبي ﷺ ويقولون: نحن مسلمون آمنّا بك وصدّقناك وشهدنا أنك رَسُول الله، ووالله لننصحنّ لك على قومنا، ولا تأخذ منّا شيئاً. فأنزل الله فيهم: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ (خيراً) هنا جاء مرتين ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ الأولى منهما ليست صيغة تفضيل، والثانية منهما صيغة تفضيل، والدليل على أنها صيغة تفضيل اقترانها بـ (من) لأَنّ صِيغَةَ التَّفْضِيل المجردة تُقترن بـ (من) دائماً لفظاً أو تقديراً.
معناه: إن يعلم الله في قلوبكم إسلاماً وإيماناً صَحِيحاً وتصديقاً كما تزعمون يؤتكم خيراً، أي: شَيْئاً أخْيَرَ وأفْضَل مما أُخِذَ منكم مِنَ الفِدَاء.
стр. 2593
يعني من حطام الدنيا وعرضها، ومن نعيم الجنة، ويغفر الله لكم أيضاً.
وقوله ﴿يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ يدل على أن محل نَظَرِ اللهِ من عبده إنما هو القلوب كما جاء بذلك الحديث؛ لأن القلب هو الذي ينظر الله إليه فيعلم فيه الخير والشر؛ ولذا قال: ﴿إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ والله (جل وعلا) عالمٌ بما في الضمائر وما يخطر في القلوب ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: الآية ١٦] وقد بيّن القرآن العظيم في مواضع منه أنّ علم الله الإيمان والإخلاص في قلب الإنسان تكون له فوائد عظيمة، من تلك الفوائد: ما ذكره هنا في أخريات الأنفال في قوله: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ ومنها قوله في سورة الفتح: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: الآية ١٨] فَكَنّى عما في قلوبهم بالاسم المبْهَمِ الَّذِي هُوَ الاسْمُ الموْصول. يعني أنه إيمان كما ينبغي وإخلاص كما ينبغي، ترتّب على ذلك نتائج عظيمة كثيرة كقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ﴾ [الفتح: الآية ٢٠] وكقوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح: الآية ٢١] أي: فأقدركم عليها، وكقوله جل وعلا: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَاّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: الآية ٢٢] هذا الإيمان والتسليم الذي علمه الله في قلوبهم رتّب عليه نتائج عظيمة مفيدة منها قوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: الآية ٢٥] إلى آخر الآيات.
وهذه الآيات ينبغي لنا أن نعتبر بها فنطهّر قلوبنا، ويكون ربنا يعلم منها الخير، ولا يعلم منها الشر؛ لأن ذلك يُسَبِّبُ لَنَا نَتَائِجَ
стр. 2594
عَظِيمَة كصلاح الدنيا والآخرة؛ لأن هؤلاء الأسرى قال لهم: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً﴾ من المال ﴿مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ ويزيدكم على ذلك المغفرة. قال العباس بن عبد المطلب: كان يقرأ: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ قال: إن العشرين أوقية التي ضَاعَتْ لِي يَوْمَ بَدْر أبْدَلَنِي الله خيراً منها، أعطاني عشرين عبداً كلهم يتاجر بمالٍ كثير، وهم لي، وأموالهم لي (١). ولما جاء مال البحرين -أرسله ابن الحضرمي من البحرين- ذلك المال الكثير الذي ما دخل المدينة مالٌ أكثر منه في زمن النبي ﷺ ، ونثره في المسجد ووزّعه، جاء العباس وقال: يا نبيّ الله أعطني! فاديت نفسي وعقيلاً. فقال له: «احثُ من هذا المال». فحثا العباس في خميصة كانت عليه، ولم يزل يحثو فيها من المال حتى أراد أن يقوم فما قدر على أن يقوم، فقال للنبي ﷺ : مُر أحداً منهم يرفع معي المال!! فتبسّم ﷺ حتى بدا ضاحكه أو نابه وقال: «لا يُعِينُكَ عَلَيْهِ أحَدٌ». فقال له: ارفعه أنت عليّ. فقال: «لا، اردُد طائِفة من المَال حتَّى تَسْتَطِيعَ حَمْلَهُ». فحثا عنه حتى استطاع أن يحمله، وحمله على كاهله. قال بعضهم: لم يزل ﷺ ينظر إليه حتى اختفى، لشدّة حرصه على أخذ هذا المال، وقال العباس حينئذ: أما الأولى منهما فقد رأيناها: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ والله لقد أعطانا خيراً مما أُخِذَ مِنَّا، وإنا لنرجو الثانية التي هي: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (٢). وهذا معنى قوله: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ بعلمه المحيط بكل شيء ﴿فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ أي إيماناً صحيحاً وتصديقاً وإخلاصاً لله ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ أي:
стр. 2595
يعطكم خيراً، أي: مالاً في الدنيا، وثواباً في الآخرة خيراً ﴿خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ أي: أفضل وأعظم مما أُخذ منكم.
والعرب استغنت بـ (خير) و (شر) عن (أخير وأشر)، فهما صيغتا تفضيل، والأخيرة منهما صيغة تفضيل، وقد قال ابن مالك في كافيته (١):
وَغَالِباً أغْنَاهُمُ خَيْرٌ وَشَرّ ... عن قولهم أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرّ
فالأخيرة هنا تفضيل أي: يؤتكم أخير وأفضل، أي: أكثر خيراً وأعظم منه، وذلك كما وقع في مال البحرين أعطى العباس أكثر بأضعاف مما أُخذ منه يوم بدر من الفداء، وأعطاه عشرين عبداً. وقال العباس: وأعطاني الله زمزم أيضاً ما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، فَعَوَّضَهُ اللهُ مِئَات الأضْعَاف على ما أخذ منه يوم بدر. وهذا معنى قوله: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ أي: مما أخذه المسلمون منكم كالعشرين أوقية التي أُخِذَتْ مِنَ العَبَّاسِ، وما أُخذ في فِدَائِهِمْ من المال. وحذف الفاعل هنا للعلم به ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: يغفر لكم ذنوبكم. حذف فاعل (أُخذ) ومفعول (يغفر) والمعنى: يعطيكم خيراً مما أخذه منكم المسلمون يوم بدر، ويغفر لكم ذنوبكم كلها، وشرككم المتقدم وكفركم بالله. وهذا معنى قوله: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: كثير المغفرة والرحمة لعباده المؤمنين، ولاسيما إذا علم في قلوبهم الإيمان والإخلاص له (جل وعلا). وهذا معنى قوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ