← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وقوله: ﴿مِّنَ الأَسْرَى﴾ الأسرى جمع أسير، والأسير (فَعِيل) بمعنى (مَفعُول) وهو اسم المفعول من (أَسَره) العرب تقول: أسره يأسره أسراً، فالفاعل (آسر) والمفعول (مأسور): إذا شدّه بالوثاق، وأصل هذه المادة مأخوذة من الإيسار، والإيسار: القِدّ. والقِدّ: هو جلد البعير غير المدبوغ؛ لأن جلد البعير إذا لم يُدْبَغ تسمّيه العرب قِدّاً، وكانوا يشدّون الأسِيرَ بالجلد عند سَلْخِهِ طَرِيّاً، فإذا يَبس اشتدّت قوّته ولا يقدر أحد على حلّه ولا قطعه ولا نزعه، ومن هنا قيل لكل مشدود شدّاً محكماً: إنه مأسور. وأصله من (الإيسار) وهو الشدّ بالإسار، أعني القِدّ وهو جلد البعير إذا كان غير مدبوغ. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: الآية ٢٨] المراد بقوله: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ أحْكَمْنَا شَدَّ العِظَامَ بَعْضَها إِلَى بَعْضٍ بِإِحْكَام وإِتْقَانٍ شَدِيدٍ كَمَا يُشَدُّ الشَّيْءُ شَدّاً قويّاً بالقِدّ فييبس عليه فيمسكه إمساكاً قويًّا (١). وهذا صار معنىً معروفاً في كلام العرب، مشهور في كلامهم، فكل شيء شددته شدّاً محكماً تقول العرب: أسرته. ومنه سُمّي الأسير، أي: لأنه يُشد بالإسار، وهو جلد البعير غير المدبوغ. وهذا معروف في كلامهم، ومنه: أسر مراكب النساء؛ لأن أعواده تُشدّ بالقدّ حتى يتحكّم بعضه مع بعض، ومنه قول حُمَيْدِ بن ثور الهلالي (٢): وما دخَلَتْ في الخَدْب حتى تَنَقَّضَتْ ... تآسير أعْلَى قِدّه وتحَطّمَا وهذا معنى معروف في كلام العرب. يعني: قل يا نبيّ الله لهؤلاء الذين أخذتموهم وكانوا في قبضتكم وتحت تصرّفكم:

стр. 2592

﴿إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ العبّاس بن عبد المطلب قال للنبي ﷺ : يا نبيّ الله: احسب لي العشرين أوقية التي أخذوها منّي، كانت من مالٍ معي. قال: «لَا، ذَلِكَ مَالٌ أَعْطَانَاهُ اللهُ مِنْكَ فَلَا نَحْسِبُهُ لَكَ أَبَداً» وضاعف عليه الفداء، وأمَرَهُ بِمُفَادَاةِ ابْنَيْ أَخَوَيْهِ. فقال للنبي ﷺ : يا نبي الله، لقد تركتني أَتَكَفَّفُ قُرَيْشاً إلى يوم القيامة فَقِيراً. فقال له النبي ﷺ : «أَيْنَ المَالُ الَّذِي دَفَنْتَهُ أنْتَ وأم الفَضْلِ لما أرَدْت الخُرُوجَ»؟ فقال له: وما ذلك المال؟ قال له: «الذَّهَب الذي دفنْتَهُ أنت وأمّ الفَضْلِ، وقلت لها: ما أدْرِي ما يُصِيبُنِي فِي وَجْهِي هَذَا، فَإِنْ حَدَثَ بي حَدَتٌ في سَفَرِي هذا فهذا المال لَكِ وَلِبَنِي: الفَضْل، وعبد الله، وعبيد الله، وقثم. ودفنتم المَالَ». فقال: أشهد أنك رَسُول الله، والله ما علم بهذا أحدٌ غيري وغير أمّ الفَضْل (١). وهي لُبَابة الصغرى بنت الحارث، أم أولاد العبّاس بن عبد المطلب، وهي هلالية مشهورة. لما أخذوا منهم هذا المال وكان الأسارى يأتون النبي ﷺ ويقولون: نحن مسلمون آمنّا بك وصدّقناك وشهدنا أنك رَسُول الله، ووالله لننصحنّ لك على قومنا، ولا تأخذ منّا شيئاً. فأنزل الله فيهم: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ (خيراً) هنا جاء مرتين ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ الأولى منهما ليست صيغة تفضيل، والثانية منهما صيغة تفضيل، والدليل على أنها صيغة تفضيل اقترانها بـ (من) لأَنّ صِيغَةَ التَّفْضِيل المجردة تُقترن بـ (من) دائماً لفظاً أو تقديراً. معناه: إن يعلم الله في قلوبكم إسلاماً وإيماناً صَحِيحاً وتصديقاً كما تزعمون يؤتكم خيراً، أي: شَيْئاً أخْيَرَ وأفْضَل مما أُخِذَ منكم مِنَ الفِدَاء.

стр. 2593

يعني من حطام الدنيا وعرضها، ومن نعيم الجنة، ويغفر الله لكم أيضاً. وقوله ﴿يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ يدل على أن محل نَظَرِ اللهِ من عبده إنما هو القلوب كما جاء بذلك الحديث؛ لأن القلب هو الذي ينظر الله إليه فيعلم فيه الخير والشر؛ ولذا قال: ﴿إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ والله (جل وعلا) عالمٌ بما في الضمائر وما يخطر في القلوب ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: الآية ١٦] وقد بيّن القرآن العظيم في مواضع منه أنّ علم الله الإيمان والإخلاص في قلب الإنسان تكون له فوائد عظيمة، من تلك الفوائد: ما ذكره هنا في أخريات الأنفال في قوله: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ ومنها قوله في سورة الفتح: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: الآية ١٨] فَكَنّى عما في قلوبهم بالاسم المبْهَمِ الَّذِي هُوَ الاسْمُ الموْصول. يعني أنه إيمان كما ينبغي وإخلاص كما ينبغي، ترتّب على ذلك نتائج عظيمة كثيرة كقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ﴾ [الفتح: الآية ٢٠] وكقوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح: الآية ٢١] أي: فأقدركم عليها، وكقوله جل وعلا: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَاّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: الآية ٢٢] هذا الإيمان والتسليم الذي علمه الله في قلوبهم رتّب عليه نتائج عظيمة مفيدة منها قوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: الآية ٢٥] إلى آخر الآيات. وهذه الآيات ينبغي لنا أن نعتبر بها فنطهّر قلوبنا، ويكون ربنا يعلم منها الخير، ولا يعلم منها الشر؛ لأن ذلك يُسَبِّبُ لَنَا نَتَائِجَ

стр. 2594

عَظِيمَة كصلاح الدنيا والآخرة؛ لأن هؤلاء الأسرى قال لهم: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً﴾ من المال ﴿مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ ويزيدكم على ذلك المغفرة. قال العباس بن عبد المطلب: كان يقرأ: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ قال: إن العشرين أوقية التي ضَاعَتْ لِي يَوْمَ بَدْر أبْدَلَنِي الله خيراً منها، أعطاني عشرين عبداً كلهم يتاجر بمالٍ كثير، وهم لي، وأموالهم لي (١). ولما جاء مال البحرين -أرسله ابن الحضرمي من البحرين- ذلك المال الكثير الذي ما دخل المدينة مالٌ أكثر منه في زمن النبي ﷺ ، ونثره في المسجد ووزّعه، جاء العباس وقال: يا نبيّ الله أعطني! فاديت نفسي وعقيلاً. فقال له: «احثُ من هذا المال». فحثا العباس في خميصة كانت عليه، ولم يزل يحثو فيها من المال حتى أراد أن يقوم فما قدر على أن يقوم، فقال للنبي ﷺ : مُر أحداً منهم يرفع معي المال!! فتبسّم ﷺ حتى بدا ضاحكه أو نابه وقال: «لا يُعِينُكَ عَلَيْهِ أحَدٌ». فقال له: ارفعه أنت عليّ. فقال: «لا، اردُد طائِفة من المَال حتَّى تَسْتَطِيعَ حَمْلَهُ». فحثا عنه حتى استطاع أن يحمله، وحمله على كاهله. قال بعضهم: لم يزل ﷺ ينظر إليه حتى اختفى، لشدّة حرصه على أخذ هذا المال، وقال العباس حينئذ: أما الأولى منهما فقد رأيناها: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ والله لقد أعطانا خيراً مما أُخِذَ مِنَّا، وإنا لنرجو الثانية التي هي: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (٢). وهذا معنى قوله: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ بعلمه المحيط بكل شيء ﴿فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ أي إيماناً صحيحاً وتصديقاً وإخلاصاً لله ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ أي:

стр. 2595

يعطكم خيراً، أي: مالاً في الدنيا، وثواباً في الآخرة خيراً ﴿خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ أي: أفضل وأعظم مما أُخذ منكم. والعرب استغنت بـ (خير) و (شر) عن (أخير وأشر)، فهما صيغتا تفضيل، والأخيرة منهما صيغة تفضيل، وقد قال ابن مالك في كافيته (١): وَغَالِباً أغْنَاهُمُ خَيْرٌ وَشَرّ ... عن قولهم أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرّ فالأخيرة هنا تفضيل أي: يؤتكم أخير وأفضل، أي: أكثر خيراً وأعظم منه، وذلك كما وقع في مال البحرين أعطى العباس أكثر بأضعاف مما أُخذ منه يوم بدر من الفداء، وأعطاه عشرين عبداً. وقال العباس: وأعطاني الله زمزم أيضاً ما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، فَعَوَّضَهُ اللهُ مِئَات الأضْعَاف على ما أخذ منه يوم بدر. وهذا معنى قوله: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ أي: مما أخذه المسلمون منكم كالعشرين أوقية التي أُخِذَتْ مِنَ العَبَّاسِ، وما أُخذ في فِدَائِهِمْ من المال. وحذف الفاعل هنا للعلم به ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: يغفر لكم ذنوبكم. حذف فاعل (أُخذ) ومفعول (يغفر) والمعنى: يعطيكم خيراً مما أخذه منكم المسلمون يوم بدر، ويغفر لكم ذنوبكم كلها، وشرككم المتقدم وكفركم بالله. وهذا معنى قوله: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: كثير المغفرة والرحمة لعباده المؤمنين، ولاسيما إذا علم في قلوبهم الإيمان والإخلاص له (جل وعلا). وهذا معنى قوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. ﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ

стр. 2596

حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٧١] ضمير واو الفاعل في قوله: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ﴾ راجع على الأسارى الذين في أيدي النبي ﷺ وأصحابه؛ لأنهم كانوا يقولون: آمنا بك وشهدنا أنك رَسُول الله، ووالله لننصحن لك على قومك، ولنكونن معك. ﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ﴾ بهذا الكلام، إن كان هذا الكلام أرادوا به الخيانة والمكر والخديعة فلا تهتم بشأنهم ﴿فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ ظرف مقطوع من الإضافة مبني على الضم. أي: قد خانوا الله من قبل يوم بدر بالكفر، وعبادة الأصنام، وتكذيب رسوله ﷺ فأمكن الله منهم. هذا الفعل الذي هو (أمكن) يتعدى إلى مفعول، ومفعوله محذوف، والمعنى: فأمْكَنَكُمُ الله منهم. وَحَذْفُ الفضْلة إذا دَلَّ المقام عليه شَائِعٌ مُطَّرِدٌ في القرآن وفي كلام العرب، والعرب تقول: أمكنني من كذا: إذا هَيَّأَهُ لِي وجَعَلَهُ فِي قَبْضَتِي، وهو معنى معروف في كلامها، وهو مُتَعَدٍّ إلى المفْعُول كما هو معروف، فالمفعول هنا محذوف، وليس الفعل لازماً كما لا شك فيه، ومما يدل على ذلك من كلام العرب قولُ كُثَيِّر عزَّة وهو عربي قحّ، ذكروا أنه ناداه عبد العزيز بن مروان، وأحضر عزَّة وجعل دونها سجفاً؛ أعني: ستراً. وقال لكُثَيِّر: تمنَّ، فما تتمنى فهو حاضر. فتمنَّى إِبِلاً سوداً برعائها، أو غير ذلك من الأموال. فقال للغلام: ارْفَعِ السجف يا غلام. فرفعه عن عزة فإذا هي، فقال: لو تمنيت هذه لأعطيتكها وزوجتك إياها. فندم كُثَيِّر وقال، وهو محل الشاهد (١): حَلَفْتُ بِرَبِّ الرَّاقِصَاتِ إِلَى مِنًى ... يَجُوبُ الفَيَافِي نصها وزميلها

стр. 2597

لَئِنْ عَادَ لِي عَبْدُ العَزِيزِ بِمِثْلِهَا ... وَأَمْكَنَنِي مِنْهَا إِذًا لَا أُقيلُهَا ومحل الشاهد منه قوله: وأمكنني منها؛ أي: جَعَلَها فِي قَبْضَتِي وتَحْتَ تصرُّفِي. وهذا معنى قوله: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ أي: أمْكَنَكَ اللهُ أَنْتَ وأصحابك منهم يا نَبِيَّ الله، فلا تهتم بخيانتهم. وقوله: ﴿خِيَانَتَكَ﴾ الياء فيه منقلبة عن الواو؛ لأن مادة (الخيانة) أصلها من أجوف واوي العين، أصلها مِنْ (خَوَن) ولذا يقال في المبالغة منها: (خوَّان). ولو كانت يائية لقيل: (خيان) ويقال في ماضيها: خان يخون. ولو كانت يائية لقيل: يخين. إلا أن القاعدة المقررة في التصريف أن الواو إذا تَقَدَّمَتْهَا كسرة وجاء بعدها ألف وجب إبدالها ياء، كالخيانة من الخون، والحيازة من الحوز، والصيانة من الصون، والقيامة من قام يقوم (١). قال بعض علماء العربية: على القول بجمع المصادر تُجمع الخيانة على (خيائن) اعتداداً بالياء المبدلة من الواو، والقياس أن تُجمع على (خَوَائِن) إلا أنهم فرَّقُوا بَيْنَ جمع (خيانة) وبين جمع (خَائِنَة) فجعلوا هذه بالياء وإن كان أصلها الواو. ﴿فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ خيانتهم لله هي كُفْرُهُمْ بِالله، وعبادتهم للأصنام، وتكذيبهم لنبيه ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ﴾ جل وعلا ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ (الفَعِيل) من صيغ المبالغة، وعلمه (جل وعلا) يَسْتَحِقّ أن يُبَالَغَ فِيهِ؛ لأن عِلْمَهُ محِيطٌ بكل شيء، وهو (جل وعلا) يعلم الموجودات والمعدومات والواجبات والجائزات والمستحيلات، حتى إنه من إحاطة علمه لَيَعلم المعدوم الذي سبق

стр. 2598

في علمه أنه لا يوجد، فهو يعلم أن لو وُجد كيف يكون، وإن سبق في علمه أنه لا يكون؛ لإحاطة علمه بكل شيء، فهو يعلم أن أبا لهب لم يؤمن، ويعلم لو آمن أيكون إيمانه تامّاً أو ناقصاً مثلاً، والآيات القرآنية الدالة على هذا المعنى كثيرة جدّاً، من ذلك: أن الكفار إذا عَايَنُوا القِيَامَةَ ورُفع عنهم الغِطَاء، وشاهدوا الحقائق تَمَنَّوا الرد إلى الدنيا مرة أخرى ﴿فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: الآية ٢٧] وفي القراءة الأخرى (١): ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ وهذا الرد إلى الدنيا الذي تمنوه اللهُ عالِمٌ بِعِلْمِه الأزَلِيّ أنه لا يكون، ومَعَ عِلْمِهِ بأنه لا يكون فهو عالم أن لو كان كيف يكون، كما صَرَّحَ بِهِ في قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: الآية ٢٨]. والمتخلفون عن غزوة تبوك لا يحضرونها أَبَداً؛ لأن الله خَلَّفَهم عنها لحكمة وإرادة إلهية كما قال: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ [التوبة: الآية ٤٦] ومع كون خروجهم لا يكون هو عالم أن لو كان كيف يكون، كما صرح به في قوله: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ... ﴾ الآية [التوبة: الآية ٤٧]. ونظائر هذا كثيرة في القرآن، فَعِلْمُ اللهِ مُحِيطٌ بكل شَيْء. و (الفعيل) صيغة مبالغة. وقوله: ﴿حَكِيمٌ﴾ فالعليم والحكيم من أسمائه (جل وعلا) وكلاهما تتضمن صفة من صفاته (جل وعلا)؛ لأنه حكيم عليم. قال بعض العلماء: الحكيم لأنه حَكِيم في أقواله وأفْعَالِهِ

стр. 2599

وتشريعاته، فلا يقول إلا ما هو في غاية الإِحْكَام، ولا يَفْعَلُ إلا ما هو في غَايَةِ الإِحْكَامِ ولا يأمر إلا بالخَيْرِ، ولا ينهى إلا عَنِ الشَّرِّ، ولا يجازي بالشَّرِّ إلا الشر، ولا بالخير إلا الخير. وكان بعض العلماء يقول: الحكمة هي العلم النافذ الذي يَعْصِمُ الأقْوَالَ والأفْعَالَ أن يَعْتَرِيها الخلل. وهي في الاصطلاح: إِيقَاعُ الأمور في مَوَاقِعِهَا ووضْعُها في مواضعها (١)، ولا تتم الحكمة إلا بالعلم، فلا تتم الحكمة إلا بتمام العلم، وبقدر ما يكون في العلم مِنَ النَّقْصِ يكون في الحكمة؛ لأنَّكَ تَرَى الحاذِقَ القُلَّب البَصِير يعمل الأمر يظن أنه في غاية الإحكام، وغاية الإتقان، وأنه وضعه في موضعه، وأوْقَعَهُ فِي مَوْقِعِهِ، ثم ينكشف الغيب بعد ذلك أن فيه هلاكه أو ضرراً عظيماً عليه فيندم ويقول: ليتني لم أفعل، ولو فعلت لكان كذا، كما قال (٢): ليتَ شِعْرِي وأينَ منِّي ليتُ ... إنَّ (لواً) وإنَّ (ليتاً) عناءُ وفي الحديث: «إِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ الْباب للشَّيْطانِ» (٣). قال الشاعر (٤): أُلَامُ عَلَى (لَوٍّ) وَلَوْ كُنْتُ عَالِماً ... بِأَذْنَابِ (لَوٍ) لَمْ تَفُتْني أوَائِلُهْ والله وحده (جل وعلا) لا يجري عليه لو فعلت كذا لكان أصوب؛ لأنه عالم بخفايا الأمور، وما تنكشف عنه الغيوب، وما تجري به الأقْدَار، فلا يجري عليه شيء مِنْ ذلك، فلا يفعل فعلاً إلا وهو في غاية الإِحْكَامِ، ولا عملاً ولا تكليفاً ولا جزاءً إلا هو في غاية الحكمة، والوضع في الموضع، والإيقاع في الموقع؛ ولذا قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وهذان الوصفان من أسمائه (جل وعلا) من أعظم ما يستدعي الإنسان إلى أن يطيع ربه ولا يعصيه، وأن يَذْكُرَهُ ولا يَنْسَاهُ، فلأن كونه عليماً تعرف به أن علمه المحيط بكل شيء يقتضي أنه لا يدعوك إلا لما لك فيه الخَيْر والعواقب الحسنة الجميلة؛ لأنه يعلم عواقب الأمور، وما تؤول إليه، وما تنكشف عنه الغيوب،

стр. 2600

وما تجري به الأقْدَار، فلا يأمرك إلا بما هو خير مؤكد بلا شك وبكل يَقِينٍ، وكونه حكيماً يدل على أنه لا يَنْهَاك إلا عن شر، ولا يأمرك إلا بخير، فإن كان مبالغاً في الحكمة والعلم كان ذلك مدعاة لأن يتبع في كل ما يأمر به وكل ما ينهى عنه؛ لأنَّ عِلمه يعلم به أنه ما يدعو إليه خير، وما ينهى عنه شر، وحكمته يفهم منها أنه لا يضع الأمر إلا في موضعه، ولا يوقعه إلا في موقعه؛ ولذا قال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وقد قدمنا في هذه الدروس مراراً (١) أنك لا تكاد تنظر ورقة واحدة [من المصحف الكريم إلا وجدت فيها إشارة إلى هذا الواعظ الأعظم، والزاجر الأكبر مما يبعث العبد على الإحسان والمراقبة في جميع أحواله وأعماله، وقد بَيَّن الله (جل وعلا) أن الغاية والحكمة [٩/ب] التي] (٢) / خلق الله من أجلها الخلق هي أن يَبْتَلِيَهُمْ، أي: يَخْتَبِرَهُمْ

стр. 2601

أَيهم أحْسَن عملاً، كما قال في أول سورة هود: ﴿خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ ثم بين الحكمة فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود: الآية ٧] وقال تعالى في أول سورة الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ ثم بَيَّنَ الحِكْمَةَ فقال: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: الآية ٧] وقال في أول سورة الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ ثم بين الحكمة فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: الآية ٢] ولم يقل: أكثر عملاً، فإذا عَرَفَ العَبْدُ أنَّهُ خُلِقَ لأجل أن يُخْتَبَرَ في إحسان العمل كان حريصاً على الحالة التي ينجح بها في هذا الاختبار؛ لأن اختبار رب العالمين يوم القيامة مَنْ لَمْ يَنْجَحْ فِيهِ جُرَّ إلى النَّارِ، فَعَدَمُ النجاح فيه مهلكة، وقد أراد جبريل ﵇ أن ينبه أصحاب رَسُول الله ﷺ على عظم هذه المسألة وشدة تأكدها (١) فقال للنبي ﷺ في حديثه المشهور: يا محمد - صلوات الله وسلامه عليه - أخبرني عن الإحسان؟ أي: وهو الذي خلق الخلق من أجل الاختبار فيه، فَبَيَّن له النبي ﷺ أن طريقه الوحيدة هي هذا الواعظ الأكبر والزَّاجِر الأعْظَم، الذي هو طريق المراقبة والعلم فقال: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (٢). وقد قدمنا ضرب العلماء مراراً (٣) مثلاً لهذا بأن الحاضرين أمام ملك لا يُنتهك حماه، شديد العقاب لمن انتهك حرماته، لا يقدر أحد منهم أن يفعل شيئاً يَكْرَهه وهو ناظر إليه!! ورب السماوات والأرض

стр. 2602

مُطَّلِعٌ عَلَى ما يسره خلقه، ومع هذا فإنَّهم لا حياء عندهم ولا ماء في وجوههم، لا يستحون ممن خَلَقَهُمْ (جل وعلا) وهو معهم أيْنَمَا كانوا، مراقب على خطرات قلوبهم وجميع أعمالهم. فعلى العاقل أن يَنْتَبِهَ لهذه الآيات، ويعلم أن ربَّهُ حَكِيم عليم، يعلم خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُور. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: الآية ١٦] فيعلم أَنَّ رَبَّهُ نَاظِر إليه مطلع عليه، فلا يفعل أمام ربه إلا ما يرضي ربه (جل وعلا)، أما أن يُبَارِزَ رَبَّهُ بالمَعَاصِي بوجه لا حياء فيه ولا ماء فهذا مما لا ينبغي؛ ولذا يقول (جل وعلا) بعد كُلِّ أَمْرٍ وَنَهْي: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي بمعناها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾ [الأنفال: الآية ٧٢]. قرأ هذا الحرف عامة القراء غير حمزة وحده: ﴿مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم﴾ بفتح الواو، وقرأه من السبعة حمزة وحده: ﴿ما لكم من وِلايتِهِم مِن شَيْء﴾ بكسر الواو (١). والتحقيق أن الوَلاية والوِلاية معنيان صحيحان، ولغتان فصيحتان، وقراءتان سَبْعِيَّتَانِ، فما يذكر عن الأصمعي من أنه يقول: «إن قراءة حمزة خطأ». هو الذي أخطأ فيه (٢)، أما قراءة حمزة فهي قراءة صحيحة، ولغة معروفة فصيحة،

стр. 2603

فالوَلاية والوِلاية كالدَّلالة والدِّلالة، فهما لغتان عَرَبِيَّتَانِ وقِرَاءَتَانِ سَبْعِيَّتَانِ فَصِيحَتَانِ. وكان المسلمون في أول الإسلام يَتَوَارَثُونَ بالهِجْرَةِ والمؤاخاة دون القرابات؛ لأن النبي ﷺ لما نزل المهاجرون بالأنصار والمهاجرون فقراء آخَى بَيْنَ المُهَاجرين والأنصار، فصاروا يتوارثون بتلك الأخوة دون القرابات، فإذا مات واحد منهم ورثه أخوه الذي آخى النبي ﷺ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ دون قرابته، وكان الذين لم يهاجروا لا إِرْثَ لهم في إِخْوَانهم الذين هاجروا؛ لأنها كانت بالهجرة والمؤاخاة، ونسخ الله -تعالى- ذلك بقوله: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: الآية ٧٥] كما سيأتي إيضاحه. ومعنى الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ هذه أولاً في المهاجرين، الله (جل وعلا) كأنه قَسَّمَ المؤْمِنِينَ طَوَائِف، طائفة هم المهاجرون ذكرهم بقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ﴾ آمَنُوا بِاللهِ ورسوله وهاجروا أوطانهم وديارهم وأموالهم في سبيل الله (جل وعلا) وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم؛ لأنهم جعلوا أموالهم في مؤن الجهاد من شراء السلاح، والمراكب للقتال، ومؤن القتال، وجاهدوا بأنفسهم حيث عرّضوها للموت وللخطر في الجهاد، كل هذا في سبيل الله ﴿إِنَّ الذّينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ﴾ الهِجْرَة كانت هجرة متعددة متنوعة أولها الهجرة إلى الحبشة -وقد هاجروا إلى الحبشة مرتين- ثم الهجرة إلى المدينة، وكانت الهجرة إلى المدينة واجبة، وكان الذي أسلم ولم يهاجر كالذي يسلم ويبقى في البَوَادِي مِنَ الأعراب لا يرث من أخيه المسلم المهاجر شيئاً، وكان الذين أسلموا ولم يهاجروا لا نصيب لهم فِي الغَنَائِمِ، ولا في الخمُس، ولا في

стр. 2604

شيء مما عند المسلمين، وليس لهم على المسلمين من النصر إلا إن استنصروهم على عدو في الدين خاصة كما سيأتي إيضاحه. الطائفة الثانية: هم الأنصار، أهل المدينة، الذين كانوا قبلهم. الطائفة الثالثة: هم الذين هاجروا بعد ذلك، فهم مهاجرون وأنصار، وطائفة جاءوا بعد ذلك كما سيأتي تفاصيله وإيضاحه؛ ولذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بالله ورسوله وبكل ما يجب به الإيمان ﴿وَهَاجَرُوا﴾ هاجروا أوطانهم وأموالهم وديارهم. والمُهَاجَرَة: هَجْرُ الشَّيْءِ أصْلُهُ المُبَاعَدَةُ مِنْه. وقد هاجروا أولاً إلى الحبشة، وثانياً إلى المدينة. ثم إن هذه الهجرة التي كان بها التَّوَارُث ولا يقبل من أحد إلا أن يفعلها نُسِخَتْ بِفَتْحِ مكة، وقال فيه النبي ﷺ : «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيّةٌ» (١). والتحقيق أن الهِجْرَةَ لا تنقطع أبَداً، إلا أن الهجرة المخصوصة التي كانت إلى النَّبِي ﷺ وأصحابه بالمدينة هي التي انقطعت بفتح مكة لانتشار الإسلام في جزيرة العرب، أما الهجرة التي لا تَنْقَطِعُ فَهِيَ أنَّ كُلَّ إنسان تُعُرِّض له في دينه، وصار لا يقدر على إقامة شعائِرِ دِينِهِ في مَحل فواجب عليه بإجماع العلماء أن ينتقل من هذا المحل، ويبذل في ذلك كل مجهود حتى يَصِلّ إِلَى محل يتمكن فيه مِنْ إِقَامَةِ شَعَائِر دينه، وهذه الهجرة التي لا تَنْقَطِعُ. والمهاجر الحقيقي هو مَنْ

стр. 2605

هَجَرَ ما نَهَى اللهُ عَنْهُ ورسوله كما هو معلوم. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٧٢] مفعول (آووا) ومفعول (نصروا) كلاهما محذوف لدلالة المقام عليه، والمعنى: آوَوْا الذين هَاجَرُوا إِلَيْهِمْ وهم النبي ﷺ وأصحابه ونصروهم. وهؤلاء الذين آووا ونصروا هم الأنصار أبناء قَيْلَة، الذين كانوا من سكان المدينة، الذين هاجر إليهم النبي ﷺ وأصحابه. وقوله: ﴿ءَاوَواْ﴾ العرب تقول: آواه يؤويه إيواءً: إذا جَعَلَ لَهُ مَأْوًى يَنْضَمُّ إِلَيْهِ؛ أي: جعل له مسكناً ومَنْزِلاً يَسْكُنُ إِلَيْهِ؛ لأنهم أسكنوهم في ديارهم، وشَاطَرُوهُمْ أمْوَالَهم، وهيئوا لهم كل أسباب الرَّاحَةِ، وذلك معنى إيوائهم لهم. ونصروهم، النصر في لغة العرب: إعانة المظلوم؛ أي: أعَانُوهُمْ عَلَى أعدائهم حتى تمكن الإسلام وانْتَشَرَ وفُتحِتْ مَكَّة، وفتحت جميع جزيرة العرب، وانْتَشَرَ بَعْدَ ذلك الإسلام في أقطار الدنيا. ﴿وَالذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوا﴾ والمعنى: إن المهاجرين والأنصار بعضهم أولياء بعض. فعبَّر عن المهاجرين بلفظ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وعبّر عن الأنصار بـ ﴿وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ﴾ لأنهم آووا النبي ﷺ وأصحابه ونصروهم على أعدائهم. ﴿أُوْلَئِكَ﴾ أصل قوله: ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ مبتدأ، والمبتدأ وخبره خبر المبتدأ الأول، فلما دخلت (إن) صار المبتدأ الأول اسمها، والمبتدأ الأخير وخبره خبر (إن) كما هو معروف لا يخفى. هذا معنى ﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾. معناه: أن المهاجرين أولياء الأنصار، والأنصار أولياء المهاجرين، فبعض المهاجرين أولياء المهاجرين والأنصار، وبعض الأنصار أولياء

стр. 2606

المهاجرين والأنصار، فهم أولياء بعضهم على بعض. وكانت هذه الولاية يتوارثون بها دون غيرهم، وهذه الولاية ولاية نصر ومعاونة ومساعدة وميراث تعم ذلك كله. وهذا معنى قوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ الأولياء جمع ولي، والولي: كل مَنْ يَنْعَقِدُ بينك وبينه سبب يجعلك تُوَالِيهِ ويُوَالِيكَ تسميه العرب وليّاً (١)؛ ولذا كان الله وليّ المؤمنين ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأنهم يوالونه بالطاعة ويواليهم بالجزاء والمغفرة، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض. وهذا معنى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ والأولياء جمع الولي، وقد تقرر في فن التصريف أن (الفعيل) بمعنى اسم الفاعل يطرد جمعه على (فُعَلَاء) إلا إذا كان معتل اللام أو مُضَعَّفاً فيقاس جمع تكسيره على (أَفْعِلَاء) (٢) فمثاله في المعتل: ولي وأولياء، وتقي وأتقياء، وسَخِيّ وأسْخِيَاء، وشَقِيٌّ وأشْقِيَاء، ونَبِيّ وأنْبِيَاء. ومثاله في المضَعَّف: شديد وأشِدَّاء، وحبيب وأحِبَّاء. وما جرى مجرى ذلك. ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ التنوين في قوله ﴿بَعْضٍ﴾ تنوين عوض، عوض من الإضافة. أي: بعضهم أولياء بعضهم. فحذف المضاف إليه وعوض منه التنوين، ومعلوم أنَّ مِنْ أقْسَامِ التَّنْوِين ما يسمى «تنوين العِوَضِ» سواء كان عوضاً عن حرف، أو عن كلمة، أو عن جملة كما هو معروف في محله. هذا معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾.

стр. 2607

ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا على أقسام: منهم الذين يرجعون إلى قَبَائِلِهِمْ في البادية من الأعراب، ومنهم من يكون في أهل مكة، وهؤلاء الذين في أهل مكة منهم من يُؤْمِن ولم ينزل بين أظهر الكفار اختياراً كالذي وقع ممن ذكرنا في سورة الأنفال، وهم العاص بن نُبيه، والحارث بن زمعة بن الأسود، وعلي بن أمية، وأضرابهم الذين نزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً (٩٧)﴾. ثم إن الله استثنى منهم المستضعفين الذين لا حيلة لهم فعذرهم فقال: ﴿إِلَاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً (٩٩)﴾ [النساء: الآيات ٩٧ - ٩٩]. كان ابن عباس يقول: أنا من المستضعفين من الولدان، وأمي من المستضعفات من النساء (١). قبل هجرتهم، أما الذين أسلموا ورجعوا إلى ديارهم في البادية كأبي ذر وأمثاله ممن أسلموا، ثم رجعوا ولم يهاجروا، بل بقوا في البادية فهؤلاء لا يرثون إخوانهم المهاجرين، بل يرثهم قبلهم إخوانهم من الأنصار والمهاجرين، وليس لهم في غنيمة المسلمين ولا في خمس الغنائم شيء، إلا أنهم يحكم لهم بحكم الإيمان، وإذا استنصروا المسلمين استنصار دين خاصة فعليهم أن ينصروهم، إلا إذا استنصروهم على مَنْ بَيْنَهُمْ وبينهم مُهَادَنة وعهود كما يأتي تحريره قريباً إن شاء الله. وهذا معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْء﴾.

стр. 2608

قال بعض العلماء: الولاية المنفيَّة هُنَا هِيَ ولاية الميراث خاصة، وهو مروي عن ابن عباس (١) وجماعة من الصحابة فمَنْ بَعْدَهُمْ. وقال بعض العلماء: هي جميع الأنواع: الموالاة من الميراث والمعاونة. والتحقيق: أنها عامة إلا ما استثني منها وهو النصر الديني خاصة؛ لأن الله استثناه بقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ هذا الذي بقي من ولايتهم مع عدم هجرتهم. وهذا معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ وقد بيَّن عذر المستضعفين وعدم عذر الذين كانوا على قدرة وبقوا بين أظهر الكفار المحاربين للنبي ﷺ حتى يهاجروا. ثم قال: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الاستنصار طلب النصر، وقد تقرر في علم العربية: أن من معاني السين والتاء: الطلب. استغفر: طلب المغفرة، واستطعم: طلب الطعام، واستسقى: طلب السقيا، واستنصر: طلب النصر، ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ﴾ أي: طَلَبُوا نَصْرَكُمْ في الدين. قوله: ﴿فِي الدِّينِ﴾ يدل على أنهم لو استنصروهم نصر قَوْمِيَّة وعَصَبِيَّة أنهم ليس عليهم أن ينصروهم، وأن المناصرة إنما هي في الدين، فلا مناصرة في العصبيات، ولا في القوميات، ولا في الأراضي الفاسدة، وإنما المناصرة في الله، وفي دين الله (جل وعلا)؛ ولذا قال: ﴿فِي الدِّينِ﴾ والمراد بالدين: دين الإسلام كما قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: الآية ١٩]

стр. 2609

﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: الآية ٨٥]. وقد بيّن النبي ﷺ في حديث جبريل أن الدين شامل للإيمان والإحسان والإسلام حيث سأله عن الإيمان وفسره له، والإسلام وبيّنه له، والإحسان كذلك. ثم قال: «هَذا جِبْرِيل أتَاكم يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» (١). فعلم من قوله: «يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» أن اسم الدين شامل لكل من الإحسان والإسلام والإيمان كما لا يخفى. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أي: فواجب عليكم نصرهم. أي: إعانتهم الإعانة الدينية لا الإعانة العصبية القومية فذلك لا يكون؛ لأن الإعانات والانتصارات إنما هي في سبيل الله، وعلى كتاب الله، لا في سبيل الشيطان، ولا على سبيل العصبيات وقضايا الجاهلية الأولى كما لا يخفى. وهذا معنى قوله: ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ﴾ الجار والمجرور في قوله: ﴿عَلَى قَوْمٍ﴾ يتعلق بمحذوف، إلا إن استنصروكم على قوم فلا تنصروهم على قوم بينكم وبينهم ميثاق. وقد قدمنا في هذه الدروس مراراً (٢) أن لفظ القوم يختص في الوضع العربي بالذكور دون الإناث، كما قال تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء﴾ [الحجرات: الآية ١١] فعطفه النساء على القوم في آية الحجرات هذه يدل على أن القوم لا يتناول النساء وضعاً، ومثل الآية الكريمة قول زهير وهو عربي جاهلي قح (٣):

стр. 2610

وما أدرِي وسَوفَ إخَال أَدْرِي ... أَقَوَمٌ آلُ حِصْنٍ أم نِسَاءُ فعطف النساء على القوم فدل على عدم دخولهن فيهم، وقد دل القرآن العظيم على أن المرأة قد تدخل في اسم القوم بحكم التبع إذا اقترن المقام بما يدل على ذلك، كقوله في ملكة سبأ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ [النمل: الآية ٤٣] وما جرى مجرى ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿إِلَاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾. المراد بالميثاق: المهادنة والمعاهدة، وأصل الميثاق في لغة العرب: العهد المؤكد (١)، فكل عهد كان مؤكداً تُسَمِّيهِ العَرَبُ مِيثَاقاً. وعلى هذا فكل مِيثَاقٍ عَهْد، وليس كل عَهْد ميثاقاً. وياء الميثاق مبدلة من واو، ووزنه بالميزان الصرفي (مِفْعَال) وفاؤه واو، وأصله: (موثاق) (٢) كميعاد من الوعد، وميزان من الوزن، وميثاق من الوثوق؛ ولذا يُصَغَّر على (مُوَيْثيق) لأن التصغير يرد العين إلى أصلها. ويُجمع جمع التكسير على (مواثيق) على القياس. وما سمع عن العرب من تكسيره على (مَيَاثِقَ) كقول عياض بن درة الطائي (٣): حِمًى لا يُحَلّ الدهر إلا بإذننَا ... ولا نسألُ الأقوامَ عقدَ المَيَاثِق فهو سماع يحفظ ولا يقاس عليه؛ لأنه اعتد بالعارض هنا على غير القياس. وهذا معنى قوله: ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾.

стр. 2611

﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يعني: لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وهذا هو الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم الذي كنا نتحدث عنه الآن ونخبر بكثرته في القرآن العظيم لشدة عظم موعظته وزجره لمن كان له قلب. وهذا معنى قوله: ﴿إِلَاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: الآية ٧٢]. ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلَاّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: الآيات ٧٣ - ٧٥]. يقول الله (جل وعلا): ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلَاّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾. هذه الآية الكريمة من الآيات العظام التي يعتبر بها؛ لأن ما ذكره الله (جل وعلا) فيها وما حذر منه من الفتنة والفساد الكبير إن لم يوال المسلمون بعضهم بعضاً، ويقطعوا موالاة الكفار، ويتركوا الكفار بعضهم يوالي بعضاً، ما حذر به من أنهم إن لم يحافظوا على صدق الموالاة بينهم ومقاطعة أعدائهم تقع في الأرض الفتنة والفساد الكبير، فهو واقع منتشر الآن، يدل على عظم هذا القرآن العظيم وأنه كلام رب العالمين، وأن تحذيره حق، وترغيبه حق، والله في هذه الآيات من أخريات سورة الأنفال بَيَّنَ أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، قال في المهاجرين والأنصار: ﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ وهم في ذلك الوقت سادات المسلمين جميعاً في أقطار الدنيا؛ لأنهم هم الأغلبية والكثرة التي فيها رَسُول الله ﷺ .

стр. 2612

ثم أتبع ذلك بأن الكفار بعضهم أولياء بعض، ويُؤخذ من هذا -من قطع الولاية أولاً بين الكفار والمؤمنين- أنه لا يرث كافر مسلماً ولا مسلم كافراً؛ لأن الميراث لا بد له من ولاية بين الوارث والموروث، وقد قطع الله الولاية بينهما، وما دل عليه ظاهر هذه الآية الكريمة جاء مصرحاً به في الحديث الصحيح عنه (صلوات الله وسلامه عليه) حيث يقول: «لا يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ وَلَا المُسْلِمُ الْكَافِرَ» (١) وهذا لا نزاع فيه بين المسلمين، دل عليه عموم هذه الآيات الكريمة، وصرح به النبي ﷺ . ومن هذه الموالاة قال بعض العلماء (٢): منها ولاية النكاح، فالمرأة المؤمنة لا يلي عقدها أبوها الكافر؛ لأن الله قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين، والله يقول: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: الآية ١٤١] وقد قدمنا أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب (٣). وكذلك قال العلماء: لو كانت كافرة ذمية وأراد مسلم تزويجها ولها ولي ابن عم أو أب من المسلمين فإنه لا يتولى عقد نكاحها ولو للمسلم، لانقطاع الولاية بين الكفار والمسلمين، وإنما يزوجها أقرباؤها من أهل دينها أو أساقفتهم. وشَذَّ في هذه المسألة أصبغ -أحد أصحاب مالك بن أنس ﵀ فقال: إن الكافرة إذا كان لها ولي مسلم يزوجها من مسلم، قال: فعقد المسلم لها خير للمسلم

стр. 2613

من عقد الكافر (١). وهذا القول ليس بصواب؛ لأنه لا ولاية بين مسلم وكافر ألبتة، والكفار بينهم ولاية الكفر، ولاية الشيطان والكفر، كما قال الله: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾. وهذه الآية تدل على أن الكفار بعضهم ولي بعض، وظاهرها أن الكافر يرث الكافر ولو اختلفت مللهما من الكفر، وبهذا الظاهر تمسك من قال يرث النصراني اليهودي واليهودي النصراني، كما يتوارث غيرهم من أهل الملل. والصواب أنه لا يتوارث أهل ملتين للحديث الوارد في ذلك عن النبي ﷺ «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ» (٢) وهو الأصْوَبُ، وهو أَخَصُّ؛ لأنه يبين المراد بعموم هذه الآية الكريمة.

стр. 2614

وقوله: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ﴾ مبتدأ، و ﴿بَعْضُهُمْ﴾ مبتدأ آخر، و ﴿أَوْلِيَاء﴾ خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول كما هو واضح. وقد قَدَّمْنَا في هَذِهِ الدروس مراراً (١) أن مادة الكاف والفاء والراء (كَفَرَ) أن معناها في لغة العرب التي نزل بها القرآن: السّتْر والتغطية، فكل شيء غطيته وسترته فقد كفرته، وهذا معنى معروف في كلام العرب مشهور مبتذل في كلامهم جدّاً، ومنه سَمَّتِ العَرَبُ اللَّيْلَ كافِراً؛ لأنه يكفر الأجرام ويغطيها عن العيون بظلامه، ومنه قول لبيد بن ربيعة ﵁ في معلقته (٢): حَتَّى إذا أَلقَتْ يَداً في كَافرٍ ... وأَجنَّ عَورَاتِ الثغُورِ ظَلَامُهَا ومن هذا المعنى قول لبيد أيضاً في معلقته هذه (٣): يعلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاترٌ ... في لَيْلَةٍ كَفَرَ النّجُومَ غَمَامُهَا يعني: ستر النجوم وغَطَّاهَا غَمَامُهَا. هذا أصل المادة، وتكفير السيئات من هذه المادة؛ لأن الله يغطيها ويسترها بحلمه حتى لا يظهر لها أثر يتضرر به صاحبها، وإنما قيل للكافر (كافر) لأنه يغطي أدِلَّة التوحيد بجحوده مع وضوحها، ويغطي نعمة الله ويسترها كأنه ليس عليه إنعام من الله حيث يأكل رزقه ويتقلب في نعيمه ويعبد غيره. وقوله (جل وعلا) في هذه الآية الكريمة: ﴿إِلَاّ تَفْعَلُوهُ﴾ هي (إن) الشرطية أُدْغِمَتْ فِي (لا) النافية. والمقرر في علم العربية: إن

стр. 2615

(إن) الشرطية التي تجزم فعلين إن جاءت بعدها (لا) النافية لا تمنع عملها من الجزم، فهي (إن) الشرطية، وفعل الشرط هو قوله: ﴿إِلَاّ تَفْعَلُوهُ﴾ مجزوم بحذف النون، وجزاء الشرط هو قوله: ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾ والتحقيق: أن (تكن) أنه هنا تام، وأن (فتنة) فاعله، وليس من الأفعال الناقصة الناسخة كما هو الصواب، والضمير في قوله: ﴿تَفْعَلُوهُ﴾ أما الضمير المرفوع الذي هو الواو فهو عائد إلى النبي ﷺ وأصحابه، وهو يتناول جميع المسلمين إلى يوم القيامة. وأما الضمير المنصوب فهو ضمير الواحد الغائب -أعني الهاء في قوله: ﴿إِلَاّ تَفْعَلُوهُ﴾ - فلعلماء التفسير في مرجع هذا الضمير أقوال معروفة (١) سنذكر طرفاً منها ونبيّن الصواب فيها -إن شاء الله-: قال بعض العلماء: ﴿إِلَاّ تَفْعَلُوهُ﴾ راجع إلى الميراث المفهوم من قوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ لأنه يدخل فيها ولاية الميراث، إلا تتركوا الكافر يرث الكافر، والمسلم يرث المسلم دون الكافر تكن فتنة. وهذا مروي عن ابن عباس (٢) وغيره، ومعه أقوال شبهه. والتحقيق الذي لا شك فيه -إن شاء الله- أن الضمير -الهاء- في قوله: ﴿إِلَاّ تَفْعَلُوهُ﴾ عائد إلى ما ذكره الله (جل وعلا) من ولاية المسلمين بعضهم بعضاً ومقاطعتهم للكفار، وولاية الكفار بعضهم بعضاً، وقد جرت العادة في كلام العرب الذي نزل به القرآن، وفي القرآن العظيم، أنه يرجع الضمير أو ترجع الإشارة إلى أشياء متعددة ويرجع الضمير إليها بصيغة الإفراد (٣)، كأنه يعني بالضمير

стр. 2616

أي: ما ذكر من الأشياء المتعددة من اثنين فصاعداً، وهذا موجود في الضمائر، وفي كلام العرب، ولما أنشد رؤبة بن العجاج في رجزه (١): فيها خُطوطٌ من سَوادٍ وَبَلَقْ ... كأَنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ قال له رجل: لِمَ قلت: «كأنَّهُ» إذا كنت تعني الخطوط فالصواب أن تقول: «كأنَّهَا» وإذا كنت تعني السواد والبلق فهلا قلت: «كَأَنَّهُمَا» فأي وجه لقولك: «كأنه»؟ قال: كأنه أي: ما ذُكر. ومِنْ أَصْرَحِ الأدِلَّةِ القرآنية في ذلك هو قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُم بِهِ﴾ (به) أي: بجميع ما ذُكر من سمعكم وأبصاركم وقلوبكم كما لا نزاع فيه. وهذا معنى معروف في كلام العرب، وقد قدمنا بعض شواهده في سورة البقرة في الكلام على قوله: ﴿إنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٢) أي: بين ذلك المذكور من الفارض والبكر. ومن نظيره في الإشارة قول ابن الزبعرى السهمي (٣): إِنَّ لِلْخَيْرِ ولِلشَّرِّ مَدًى ... وكِلَا ذَلِكَ وَجْهٌ وقَبَل أي: كلا ذلك المذكور. والمعنى: إلا تفعلوا ذلك الذي ذكرنا من موالاة بعضكم لبعض موالاة صدق، ومقاطعتكم للكفار مقاطعة كاملة، وترك الكفار يوالي بعضهم بعضاً إلا تفعلوا هذا ﴿تَكُنْ﴾ أي: تقع ﴿فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ

стр. 2617

وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ وهذا المشاهد الآن، فإن مَنْ يُسَمَّوْنَ بالمسلمين تولوا الكفار وقاطعوا المسلمين، وصار هذا الكافر وهذا المسلم يزعمان أنهما أَخَوَان، وأنهما تجمعهما العصبية الفلانية، أو القومية الفلانية، وأن هذه الدولة الكافرة صديقة، وأن هذين الشعبين شقيقان وما جرى مجرى ذلك. فلم يفعلوا ما أمر الله بأن يفعلوه فكانت فتنة في الأرض وفساد كبير. ومن عِظم هذه الفتنة اختلاط الحابل بالنابل؛ لأن المسلمين إذا صادقوا الكفار أعانُوهُمْ عَلَى أَذِيَّةِ المُسْلِمِينَ وقَتْلهم وكل ما يريدونه بهم، وأطلعوهم على عوراتهم، إلى غير ذلك، فانتشر في الدنيا الفساد العريض العظيم، وانتشرت الفتنة، وهذا مشاهد يجب على المؤْمِنِينَ أنْ يَعْتَبِرُوا بهذا فيقطعوا ولايتهم من جميع الكفار، ويصدقوا ولاية بعضهم لبعض لئلا تتمادى بهم هذه الفتنة والفساد الكبير. وقد قدمنا في هذه الدروس مراراً (١) أن الفتنة جاءت في القرآن لمعانٍ معروفة، أشهر معاني الفتنة: أن أصل الفتنة هي وَضْعُ الذَّهَبِ فِي النَّارِ ليُمْتَحَن بسبكه في النار: أخالص هو أم زائف؟ تقول العرب: فتنت هذا الذهب؛ أي: جعلته في النار وأذَبْتُهُ فيها؛ لأنه إذا ذاب تبين أخالص هو أم زائف؟ ولذا صار يأتي في القرآن وفي كلام العرب إطلاق اسم الفتنة على مطلق الوضع في النار، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ [الذاريات: الآية ١٣] أي: يوضعون فيها ويحرقون. ومنه على أحد التفسيرين قوله تعالى:

стр. 2618

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: الآية ١٠] يعني: أحرقوهم بنار الأخدود. هذا معنى من معاني الفتنة. ومعناها الثاني: أن الفِتْنَةَ تُطْلَقُ عَلَى الاخْتِبَار، وهذا أَشْهَرُ مَعَانِيها، وهو في الحقيقة راجع إلى الأول؛ لأن وضع الذَّهَبِ فِي النَّارِ ليختبر بالنار أخالص هو أم زائف؟ وإطلاق الفتنة على الاختبار إطلاق مشهور مُسْتَفِيض في القرآن العظيم وفي كلام العرب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن: الآيتان ١٦، ١٧] ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: الآية ٣٥] أي: اختباراً وامتحاناً. إلى غير ذلك من الآيات. وإطلاق الفتنة الثالث: تطلق الفتنة على نتيجة الاختبار بِشَرْطِ كَوْنِهَا سَيِّئَة خاصَّة؛ لأن المختبر إذا كانت نتيجة اختباره سيئة كان ضالاًّ؛ ولذا تُطْلَقُ الفِتْنَة على الكفر والضلال، يقولون: فَتَنَه عن دينه؛ أي: أضَلَّهُ. وهذا مفتون؛ أي: ضال في دينه. ومنه بهذا المعنى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: الآية ٣٩] أي: لا يَبْقَى فِي الدنيا شرك على أصح التفسيرين؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ غاية غَيّا فيها القتال لِئَلاّ يكون في الدنيا شرك. وهذا بَيَّنَهُ النبي ﷺ بياناً صريحاً صحيحاً في قوله: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ» (١). قال بعض العلماء: جاء للفتنة إطلاق رابع في سورة الأنعام، وهو أنها أُطلقت على الحجة. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتَهُمْ إِلَاّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ وفي القراءة

стр. 2619

الأخرى (١): ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَاّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام: الآية ٢٣] فهذه الفتنة هي في الحقيقة المعنى الثاني من هذه المعاني التي ذكرنا، وهي نتيجة الاختبار إذا كانت سيئة؛ لأنه إذا اتَّصَل الكافر بالمسلم، والمسلم بالكافر صار الكافر صديق المسلم، وصار المسلم صديق الكافر، فكل هذا ضلال مخالف لما جاء من الله، تتسبب عنه المحن والبلايا كما هو معروف. وقوله: ﴿وَفَسَاد﴾ الفساد في لغة العرب هو ضد الإصلاح، فكل أمْرٍ ليس على وجهه الصحيح الذي هو إصلاح تسمية العرب فاسداً. ووصف هذا الفساد بالكبير؛ لأنه ضياع دين، وضعف إسلام، وقوة كفار، وإطلاعهم على عورات المسلمين بواسطة مَنْ يُصَادِقُهُمْ ويُوَالِيهِمْ من المسلمين، إلى غير ذلك من البلايا. وقد بَيَّنَ الله (جل وعلا) قبل هذا آيات تبيّن هذه الآية، فبيّن أن موالاة الكافر للمسلم لا يرخص منها في شيء إلا بقدر ما يدفع الضرورة عند الخوف، ويكون ذلك باللسان لتفادي الخوف فقط، كما تقدم في قوله: ﴿لَاّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَاّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: الآية ٢٨] أي: تخافوا منهم خوفاً كما قاله بعض العلماء. وقد قدمنا أنه (جل وعلا) بَيَّنَ أن الذي يتولى الكفار اختياراً رَغْبَة فيهم وفي دينهم أنه منهم، كما تقدم في قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: الآية ٥١] فهذه الآيات الكريمة في القُرْآنِ العَظِيمِ، وبالأخص هذه الآية من أخريات سورة الأنفال تُبَيِّنُ لِلْمُسْلِم أنه تجب عليه مقاطعة الكافر والمُبَاعَدَة، منه واعتقاد أنه حرب عليه، وقد

стр. 2620

جاءت أحاديث كثيرة تُؤَيِّدُ هذا المعنى، ففي بعض الأحاديث في رجل أخذ النبيُّ ﷺ عند إيمانه قال: «وأن لَا تَرَى نَارَ مُشْرِكٍ إلَاّ وأنْتَ حَرْبٌ علَيْهِ» (١) وفي الحديث الآخر: «لا تَتَرَاءَى نَارُ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ» (٢) فالعداوة يلزم أن تكون بين المسلمين [١٠/أ] والكفار/ [كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾] (٣) ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: الآية ٤] هذا الذي ينبغي أن يسير عليه المسلمون ويَتَجَنَّبُوا هَذِهِ الفِتَن والفَساد الكبير والبلايا التي طبَّقت الدنيا بسبب مُوَالَاةِ المُسْلِم للكافر ومجافَاة المسلم للمسلم؛ ولذا قال تعالى: ﴿إِلَاّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِير﴾ [الأنفال: الآية ٧٣] والله ما فعلوه اليوم، والله إن في الدنيا اليوم لفتنة وفساداً كبيراً منتشراً.

стр. 2621

وقد تكون الفتنة والفساد الكبير بأسباب أُخَر غير هذا، وقد تَقَرَّرَ فِي فَنِّ الأصُول أن جزاء الشرط يجوز أن يكون أعَمّ مِنْ شَرْطِهِ، لا مانع من ذلك، فلا يلزم أنه لا تكون فتنة وفساد كبير إلا مِنْ هَذَا، فقد تكون فتنة وفساد كبير لأسباب أخر، فإنك لو قلت مثلاً: إن بلت انتقض وضُوؤك. لا يلزم من هذا أنه لا ينتقض وضوؤك إلا مِنَ الْبَوْلِ، فَقَدْ تَكُون نواقض أخر غير هذا؛ ولذا قد يوجد الفتنة والفساد الكبير لأسْبَابٍ أُخَر غير هذا المذكور؛ ولذا جاء في السنن وغيرها من حديث أبي حاتم المُزَنِيّ ﵁ وحديث أبي هريرة أن النبي (صلوات الله وسلامه عليه) قال: «إذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» في بعض روايات الحديث: «وفَسَاد عَرِيض» وفي بعضها. «وفَسَاد كَبِير». قالوا: يا رَسُول الله وإن كان فيه؟ قال ﷺ : «إذا أتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وخُلُقَهُ فأنْكِحُوه إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وفَسَادٌ عَرِيضٌ» أو «فَسَادٌ كَبِيرٌ» (١).

стр. 2622

وهذا أيضاً يدل على أن الفتنة والفساد الكبير تتعدد أسبابها وهو كذلك، فإن للافتتان والفساد الكبير المنتشر في الدنيا أسباباً كثيرة، ومن أعظم تلك الأسباب وأبرزها: مقاطعة المسلم للمسلم وموالاته للكافر، فهذا مما لا ينبغي، وهو من الأسباب العظيمة؛ لأن الله يقول لنبيه: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: الآية ٩] فاللين للكفار والمحبة والمؤاخاة لهم ليست من شأن المسلمين، ولا مِنْ خُلُقِ النَّبِيِّ وأصحابه، فالله (جل وعلا) أثنى على محمد ﷺ وعلى أصحابه بأنهم لا يضعون اللين إلا في موضع اللين، ولا يضعون القسوة إلا في موضع القسوة، قال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ﴾ ليسوا بأصدقاء لهم ولا محبين ولا أولياء ﴿رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: الآية ٢٩] هذه عادة المسلم أن يكون شديداً عظيماً على الكافر، رحيماً رفيقاً ذليلاً على المسلم، هذه عادة المسلمين وصفات المسلمين، وقد مدح الله بها قوماً في سورة المائدة حيث قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ -يعني لا يهتم بهم المسلمون لعدم صعوبتهم وذلهم وتواضعهم للمسلمين- ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: الآية ٥٤] أشداء، وقد صدق من قال (١): فَمَا حَمَلَتْ مِن ناقَةٍ فَوْقَ رَحْلِها ... أشَدّ عَلَى أعْدَائِهِ مِنْ مُحَمَّدِ (صلوات الله وسلامه عليه)، فهو لا يوالي الكفار، بل هو ولي المسلمين ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: الآية ٦]

стр. 2623

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية [المائدة: الآية ٥٥] إلى غير ذلك من الآيات، فيجب علينا الاقتداء بالنبي ﷺ فنوالي المؤمنين ونلين لهم، ونرفق بهم، ونعَادي الكفار ونكون أشداء عليهم؛ لأن الشدة في محل اللين خرق وحمق، واللين في محل الشدة خور وضعف، والصحيح أن يكون كل شيء في محله، وهذا في موضعه، وهذا في موضعه، كما لا يخفى، وهذا معنى قوله: ﴿إِلَاّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: الآية ٧٣]. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: الآية ٧٤] [شرع] (١) الله (جل وعلا) وبيّن للمؤمنين أن يكونوا أولياء للمؤمنين، والكفار بيّن أنهم أولياء الكفار، وأثنى على المهاجرين والأنصار؛ لأن بعضهم أولياء بعض، مدح المهاجرين والأنصار وزكاهم وهو المطلع على ضمائرهم وخبايا ما يضمرون، بيّن أن إيمانهم أنه إيمان حق لا شك فيه لا نفاق ولا ضعف، فأثنى عليهم ومدحهم مدحاً عظيماً من رب العالمين، قال: ﴿والَّذِينَءَامَنُواْ﴾ -بالله ورسوله وكل ما يجب به الإيمان- ﴿وَهَاجَرُوا﴾ -أوطانهم وأموالهم وديارهم- ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فسرناه. وهذه الصفات كلها يُقصد بها المهاجرون الذين هاجروا إلى المدينة هذه، وهم النبي ﷺ وأصحابه الذين هاجروا معه ﵃.

стр. 2624

﴿وَالَّذِينَ آوَوا﴾ يعني: آووهم، قد قدمنا أن العرب تقول: آواهُ يؤويه إيواء: إذا ضَمَّهُ إلَيْهِ وجَعَلَ لَهُ مأْوًى يَأْوِي إِلَيْهِ، والمَأْوَى: المَسْكَنُ والمَنْزِلُ؛ لأن الأنْصَار هَيَّئُوا لِلْمُسْلِمِينَ أمكنة ينزلون فيها وهيَّئُوا لهم كل ما يَسْتَعِينُونَ بِهِ، وآخَى النَّبِيّ ﷺ بينهم، كان يقول: «فلان أخُو فلان» فيتوارثان بذلك الإخاء، وكان الأنصار يشاطرونهم أموالهم، وقد آخى ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف الزهري ﵁ وسعد بن الربيع الأنصاري ﵁، ذكر بعض أهل المغازي والأخبار أن النبي لما آخى بينهما جاء سعد إلى عبد الرحمن وقال: أرخص ما عندي نعلاي، فهذه إحداهما، وأعظم ما عندي زوجتاي أنزل لك عن إحداهما، فإن تمت عدتها تزوجتَها!! -وقد كان عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأغلب المهاجرين تعففوا واتجروا- فقال له عبد الرحمن بن عوف: أقرضني درهماً. فأقرضه درهماً فاتّجر به، فراح وعنده درهمان، ردّ إليه درهمه واتجر بالثاني، فراح عنده درهمان، ولم يزل يتجر حتى انتشر عليه المال وكان من أغنياء الصحابة (١) ﵃. فهم آووهم حيث هيئوا لهم المساكن والأموال، وشاطروهم أموالهم، وأحسنوا إليهم كل الإحسان، كما في قوله: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة﴾

стр. 2625

[الحشر: الآية ٩] هذا ثناء الله ومدحه للمهاجرين والأنصار، ثم قال ﴿أُوْلَئِكَ﴾ شاملة للمهاجرين والأنصار معاً، فالمهاجرون هم المعبّر عنهم بـ ﴿آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والأنصار هم المعبّر عنهم بقوله: ﴿آوَواْ وَّنَصَرُواْ﴾ أي: آووا النبي وأصحابه ونصرهم على أعدائهم، هؤلاء جميعاً ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ حق إيمانهم حقّاً؛ لأنهم صدقوا إيمانهم بهجرتهم وجهادهم في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وبإيمانهم، وأولئك حققوه بإيوائهم ونصرتهم لله؛ لأن الأنصار قامت موقفاً عظيماً حيث تحملت عداوة جميع أهل الدنيا في نصرة النبي ﷺ وأصحابه، ولذا قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ﴾ -هؤلاء- ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ بمعنى الكلمة الإيمان الذي هو لا قيل فيه ولا قال، بل هو الإيمان كما ينبغي. وهذه من الآيات الدالة على تزكية الصحابة لاسيما المهاجرين والأنصار، ووصفهم بالعدالة وصحة الإيمان، فإذا روى لنا مهاجري أو أنصاري حديثاً فلا نقول: هل هذا عدل أو غير عدل؟ لأنه لا مزكّى أعظم تزكية من الله، ولا تزكية أعظم من قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: الآية ٤] والله (جل وعلا) نوّه بشأن المُهَاجِرِين والأنْصَار الذين اتبعوهم، ونوَّهَ بشأن جميع الصحابة وَزَكَّاهُمْ فِي غَيْرِ ما آية، فمن الآيات التي أثْنَى بها على المهاجرين والأنصار قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: الآية ١٠٠] وفي

стр. 2626

قراءة ابن كثير: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ (١) والمصحف الذي أرسله عثمان إلى مكة فيه: ﴿من تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ بذكر لفظة (من) وقراءة الجمهور والمصاحف التي أرسلت إلى الشام وإلى الكوفة والبصرة فيها: ﴿تحتَها الأنهار﴾ بغير لفظة (من). فقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ -لم يشترط فيهم شيئاً، بل قال:- ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [التوبة: الآية ١٠٠]-وهذه أعظم تزكية، والذين اتبعوهم- اشترط فيهم شرطاً وهو الإحسان؛ لأن قوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ اشترطه في خصوص الذين اتبعوهم، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: الآية ١٠] ثم قال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ كلاًّ من جميع الصحابة ممن أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده وعد الله الحسنى. ومن هذه الآية الكريمة قال ابن حزم: يجب على كل مسلم أن يعتقد أن الصحابة كلهم في الجنة؛ لأن الله صرح بذلك ولا يخلف الله الميعاد حيث قال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ -ثم صرح في الجميع بوعده الصادق الذي لا يخلفه قال:- ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (٢). وقال (جل وعلا): ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: الآية ٨] فزكَّاهم بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ثم ذكر الأنصار قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن

стр. 2627

قَبْلِهِمْ﴾ الدار: هي المدينة ﴿تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ أي: وانتهجوا الإيمان، فهو مفعول فعل محذوف دل المقام عليه (١) ﴿مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ قال جماعة من أهل العلم: إن المهاجرين أفضل من الأنصار؛ ولذا كان الأنصار لا يكون في صدورهم شيء من فضل المهاجرين عليهم، هكذا قاله غير واحد (٢). ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: الآية ٩] ثم ذكر من يأتي بعدهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: الآية ١٠] ومن هذه الآيات أخذ مالك بن أنس ﵀ إمام دار الهجرة أن الذين يسبون بعض أصحاب النبي ﷺ لا نصيب لهم في فَيْءِ المسلمين أبداً، وقال لبعضهم: هل أنتم من الفقراء المهاجرين الذين أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وأمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله؟ قالوا: لا، لسنا من هؤلاء. قال: هل أنتم من الذين قال فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾؟ قالوا: لا، لسنا من هؤلاء. قال: وأنا أشهد أنكم لستم من الطائفة الثالثة التي قال الله فيها: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ فأنتم تسبّون الصحابة وتلعنونهم، فلستم من جملة مَنْ جَعَلَ الله لهم شيئاً من المسلمين فلا شيء لكم ألبتة (٣). وهذه الآيات وأمثالها في القرآن تدل على أن الذين يسبون

стр. 2628

بعض أصحاب النبي ﷺ أنهم ضُلَاّل، منابذون لهدْيِ الله، مخالفون لِكتَاب الله الذي هو آخر الكتب السماوية نزولاً من عند رب العالمين (جل وعلا) وهذا معنى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: الآية ٧٤]. قال بعض العلماء: (حقّاً) مصدر (١)، أي: حق ذلك حقّاً، أي: لما حققوه به من الإيمان والهجرة والجهاد بالنفس والمال في سبيل الله، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ. ﴿لَّهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ المغفرة (مَفعلَة) من الغفران، وأصل مادة الغين والفاء والراء (غفر) أصلها معناها الستر والتغطية أيضًا كَمَادَّةِ (الكُفْرِ) لأَنَّ اللهَ يَسْتُرُ بِحِلْمِهِ وفَضْلِهِ ذنوب التائبين إليه حتى لا يظهر لها أثر يتضررون به (٢). ﴿وَرِزْقٌ﴾ هو ما يرزقهم الله في الجنة. وقوله: ﴿كَرِيمٌ﴾ كل شيء حسن مبالغ في الحسن والجمال تسميه العرب كريماً، وإنما وصف رزقهم بأنه كريم؛ لأن ما في الجنة من الأرزاق كله كريم ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ [البقرة: الآية ٢٥] وأرزاق الجنة مبيّنة في القرآن العظيم من مآكلها ومشاربها وغير ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٧٤].

стр. 2629

﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: الآية ٧٥]. للعلماء أقوال في المراد بالظرف في قوله: ﴿مِن بَعْدُ﴾ فقوله: ﴿مِن بَعْدُ﴾ ظرف منقطع من الإضافة مبني على الضم، وتقدير مضافه هذا -المحذوف- فيه للعلماء أقوال متقاربة (١): قال بعض المحققين: أظهر الأقوال فيه أن المراد به: من بعد صلح الحديبية. وهذا القول له اتجاه لمن عرف تاريخ النبي ﷺ وأصحابه وتاريخ الهجرة وأهميتها؛ وذلك لأن النبي ﷺ كان عنده التشديد العظيم في الهجرة، فلا بد لمن آمن أن يهاجر وإلا لم تكن له ولاية عند المسلمين كما قدمناه في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٧٢] لأن البلاد كلها كانت بلاد حرب، والإيمان في المدينة، والذي أسلم إما أن يبقى في دار حرب وإما أن يروح إلى النبي ﷺ والمسلمين، فلما كان صلح الحديبية -وقد كان صلح الحديبية وقع في ذي القعدة من عام ست من الهجرة بإجماع المؤرخين- خرج النبي ﷺ معتمراً، وساق معه بعض البُدن، وذلك في ذي القعدة من عام ست، فلما بلغ الحديبية سمع به المشركون فتعرضوا له، وقالوا: والله لا يقتل أبناءنا ببدر ويدخل علينا بلدنا ويطوف ببيتنا أبدًا!! فوقع ما وقع مما هو مشهور. ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: الآية ٢٥]

стр. 2630

أي: وصدوا الهدي مَعْكُوفاً أن يَبْلُغَ مَحله، وقد نزلت في قفوله من الحديبية سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً (١)﴾ [الفتح: الآية ١] نزلت في رجوعه من الحديبية كما قاله غير واحد، وقد وقع ما وقع، ولم يزالوا يراسلونه ليردوه عنهم، أرسلوا له عروة بن مسعود سيد ثقيف، ومكرز بن حفص، وسهيل بن عمرو وأضرابهم، حتى انعقد بينه وبينهم الصلح على يد سُهَيْلِ بن عَمْرو على المهادنة عشر سنين، وأغلظوا له في الصلح بأَنَّ مَنْ جَاءَهُ مِنْ قُرَيْش مسلماً رده إليهم، والذي جاء إلى قريش مرتدّاً عن الإسلام لا يردونه، وهذا معروف. وقد كان النبي ﷺ قَبِلَ لهم هذه الشروط، وكتب وثيقة الصلح بينه وبينهم، وعقدها معه سهيل بن عمرو العامِرِي ﵁ -من بني عامر بن فهر من قريش ﵃ - وكان عمر بن الخطاب ﵁ اغْتَاظَ مِنْ تَغْلِيظِ هَذِهِ الشروط، وقال: يا رَسُول الله، ألَسْنَا على الحق؟ ألَسْنَا نحن الذين على الحق؟ كيف نرضى لهم بهذه الدنية؟! وأبو بكر يقول له: استمسك بغرز رَسُول الله ﷺ فهو أعلم منك. وكان هذا الصلح أول الفتح العظيم الذي فتح الله به على المسلمين؛ لأن النبي ﷺ يعلم ما فيه من المصْلَحة؛ لأنه لما وقعت الهجرة والمهادنة، وأمن الناس بعضهم بعضاً صار الصحابة يرجعون إلى قبائلهم ويبثون فيهم الإسلام، فانتشر في الناس دين الإسلام، حتى إن الكفار مكثوا سنتين لم ينقضوا العهد، وقد نقضوا العهد الذي أبْرَمَهُ النبي ﷺ معهم في الحديبية؛ لأن بني بكر كانت بينهم وبين خزاعة دماء وحروب، ودخلت خزاعة في حلف النبي ﷺ ، وبنو بكر في عهد قريش،
следующие страницы →