قراءة ابن كثير: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ (١) والمصحف الذي أرسله عثمان إلى مكة فيه: ﴿من تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ بذكر لفظة (من) وقراءة الجمهور والمصاحف التي أرسلت إلى الشام وإلى الكوفة والبصرة فيها: ﴿تحتَها الأنهار﴾ بغير لفظة (من). فقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ -لم يشترط فيهم شيئاً، بل قال:- ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [التوبة: الآية ١٠٠]-وهذه أعظم تزكية، والذين اتبعوهم- اشترط فيهم شرطاً وهو الإحسان؛ لأن قوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ اشترطه في خصوص الذين اتبعوهم، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: الآية ١٠] ثم قال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ كلاًّ من جميع الصحابة ممن أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده وعد الله الحسنى.
ومن هذه الآية الكريمة قال ابن حزم: يجب على كل مسلم أن يعتقد أن الصحابة كلهم في الجنة؛ لأن الله صرح بذلك ولا يخلف الله الميعاد حيث قال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ -ثم صرح في الجميع بوعده الصادق الذي لا يخلفه قال:- ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (٢). وقال (جل وعلا): ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: الآية ٨] فزكَّاهم بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ثم ذكر الأنصار قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن
стр. 2627
قَبْلِهِمْ﴾ الدار: هي المدينة ﴿تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ أي: وانتهجوا الإيمان، فهو مفعول فعل محذوف دل المقام عليه (١) ﴿مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ قال جماعة من أهل العلم: إن المهاجرين أفضل من الأنصار؛ ولذا كان الأنصار لا يكون في صدورهم شيء من فضل المهاجرين عليهم، هكذا قاله غير واحد (٢). ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: الآية ٩] ثم ذكر من يأتي بعدهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: الآية ١٠] ومن هذه الآيات أخذ مالك بن أنس ﵀ إمام دار الهجرة أن الذين يسبون بعض أصحاب النبي ﷺ لا نصيب لهم في فَيْءِ المسلمين أبداً، وقال لبعضهم: هل أنتم من الفقراء المهاجرين الذين أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وأمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله؟ قالوا: لا، لسنا من هؤلاء.
قال: هل أنتم من الذين قال فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾؟ قالوا: لا، لسنا من هؤلاء. قال: وأنا أشهد أنكم لستم من الطائفة الثالثة التي قال الله فيها: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ فأنتم تسبّون الصحابة وتلعنونهم، فلستم من جملة مَنْ جَعَلَ الله لهم شيئاً من المسلمين فلا شيء لكم ألبتة (٣).
وهذه الآيات وأمثالها في القرآن تدل على أن الذين يسبون
стр. 2628
بعض أصحاب النبي ﷺ أنهم ضُلَاّل، منابذون لهدْيِ الله، مخالفون لِكتَاب الله الذي هو آخر الكتب السماوية نزولاً من عند رب العالمين (جل وعلا) وهذا معنى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: الآية ٧٤].
قال بعض العلماء: (حقّاً) مصدر (١)، أي: حق ذلك حقّاً، أي: لما حققوه به من الإيمان والهجرة والجهاد بالنفس والمال في سبيل الله، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ.
﴿لَّهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ المغفرة (مَفعلَة) من الغفران، وأصل مادة الغين والفاء والراء (غفر) أصلها معناها الستر والتغطية أيضًا كَمَادَّةِ (الكُفْرِ) لأَنَّ اللهَ يَسْتُرُ بِحِلْمِهِ وفَضْلِهِ ذنوب التائبين إليه حتى لا يظهر لها أثر يتضررون به (٢).
﴿وَرِزْقٌ﴾ هو ما يرزقهم الله في الجنة.
وقوله: ﴿كَرِيمٌ﴾ كل شيء حسن مبالغ في الحسن والجمال تسميه العرب كريماً، وإنما وصف رزقهم بأنه كريم؛ لأن ما في الجنة من الأرزاق كله كريم ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ [البقرة: الآية ٢٥] وأرزاق الجنة مبيّنة في القرآن العظيم من مآكلها ومشاربها وغير ذلك. وهذا معنى قوله: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٧٤].
стр. 2629
﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: الآية ٧٥].
للعلماء أقوال في المراد بالظرف في قوله: ﴿مِن بَعْدُ﴾ فقوله: ﴿مِن بَعْدُ﴾ ظرف منقطع من الإضافة مبني على الضم، وتقدير مضافه هذا -المحذوف- فيه للعلماء أقوال متقاربة (١):
قال بعض المحققين: أظهر الأقوال فيه أن المراد به: من بعد صلح الحديبية. وهذا القول له اتجاه لمن عرف تاريخ النبي ﷺ وأصحابه وتاريخ الهجرة وأهميتها؛ وذلك لأن النبي ﷺ كان عنده التشديد العظيم في الهجرة، فلا بد لمن آمن أن يهاجر وإلا لم تكن له ولاية عند المسلمين كما قدمناه في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٧٢] لأن البلاد كلها كانت بلاد حرب، والإيمان في المدينة، والذي أسلم إما أن يبقى في دار حرب وإما أن يروح إلى النبي ﷺ والمسلمين، فلما كان صلح الحديبية -وقد كان صلح الحديبية وقع في ذي القعدة من عام ست من الهجرة بإجماع المؤرخين- خرج النبي ﷺ معتمراً، وساق معه بعض البُدن، وذلك في ذي القعدة من عام ست، فلما بلغ الحديبية سمع به المشركون فتعرضوا له، وقالوا: والله لا يقتل أبناءنا ببدر ويدخل علينا بلدنا ويطوف ببيتنا أبدًا!! فوقع ما وقع مما هو مشهور. ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: الآية ٢٥]
стр. 2630
أي: وصدوا الهدي مَعْكُوفاً أن يَبْلُغَ مَحله، وقد نزلت في قفوله من الحديبية سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً (١)﴾ [الفتح: الآية ١] نزلت في رجوعه من الحديبية كما قاله غير واحد، وقد وقع ما وقع، ولم يزالوا يراسلونه ليردوه عنهم، أرسلوا له عروة بن مسعود سيد ثقيف، ومكرز بن حفص، وسهيل بن عمرو وأضرابهم، حتى انعقد بينه وبينهم الصلح على يد سُهَيْلِ بن عَمْرو على المهادنة عشر سنين، وأغلظوا له في الصلح بأَنَّ مَنْ جَاءَهُ مِنْ قُرَيْش مسلماً رده إليهم، والذي جاء إلى قريش مرتدّاً عن الإسلام لا يردونه، وهذا معروف.
وقد كان النبي ﷺ قَبِلَ لهم هذه الشروط، وكتب وثيقة الصلح بينه وبينهم، وعقدها معه سهيل بن عمرو العامِرِي ﵁ -من بني عامر بن فهر من قريش ﵃ - وكان عمر بن الخطاب ﵁ اغْتَاظَ مِنْ تَغْلِيظِ هَذِهِ الشروط، وقال: يا رَسُول الله، ألَسْنَا على الحق؟ ألَسْنَا نحن الذين على الحق؟ كيف نرضى لهم بهذه الدنية؟! وأبو بكر يقول له: استمسك بغرز رَسُول الله ﷺ فهو أعلم منك. وكان هذا الصلح أول الفتح العظيم الذي فتح الله به على المسلمين؛ لأن النبي ﷺ يعلم ما فيه من المصْلَحة؛ لأنه لما وقعت الهجرة والمهادنة، وأمن الناس بعضهم بعضاً صار الصحابة يرجعون إلى قبائلهم ويبثون فيهم الإسلام، فانتشر في الناس دين الإسلام، حتى إن الكفار مكثوا سنتين لم ينقضوا العهد، وقد نقضوا العهد الذي أبْرَمَهُ النبي ﷺ معهم في الحديبية؛ لأن بني بكر كانت بينهم وبين خزاعة دماء وحروب، ودخلت خزاعة في حلف النبي ﷺ ، وبنو بكر في عهد قريش،
стр. 2631
فَعَدَت بنو بكر على خزاعة، فأعانهم قريش عليهم بالسلاح، ونقضوا العهد بعد سنتين، وكان ذلك سبب غزوة النبي ﷺ لهم غزوة الفتح، ولم يمكثوا إلا سنتين؛ لأن صلح الحديبية وقع من ذي القعدة عام ست، وغزو النبي ﷺ لهم في فتح مكة وقع في رمضان عام ثمان، وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء والمؤرخين، فأقاموا سنتين، ونقضوا العهود، إلا أن هذا الصلح كان فتحاً عظيماً على المسلمين؛ لأن الصحابة انتشروا في قبائلهم، ووجدت الدعوة إلى الله طريقها، فاتصل المسلم بالكافر يدعوه إلى الإسلام، فكثر الإسلام في أقطار الجزيرة العربية، ومما يوضح هذا أن أهل بيعة الرضوان التي وقعت في صلح الحديبية، الذين بايعوه تحت شجرة الحديبية -لأن النبي ﷺ ذكر بعض أصحاب المغازي والمؤرخين أنه أراد أن يرسل بالهدايا إلى مكة-، وقال لعمر بن الخطاب ﵁: «اذْهَبْ بِهَا إِلَى مَكَّةَ».
فقال له عمر: إن بني عدي بن كعب -يعني قبيلة عمر من قريش- لا يستطيعون أن يحموني من قريش، ولكني أدّلك على رجل عزيز في مكة لا يقدر أحد أن يتجرأ عليه، وهو عثمان بن عفان ﵁، وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. فأرسل عثمان بالهدايا لينحرها بالحرم، فتلقى له بنو عمه من بني سعيد بن العاص، وقالوا له (١):
أَقبِلْ وأدبِرْ ولا تَخَفْ أحداً ... بَنُو سَعِيدٍ أَعِزَّةَ الحَرَمِ
وجاء، وقالوا له: إن شئت طُف بالبيت. فقال: والله لا أطوف
стр. 2632
ببيت مصدود عنه النبي ﷺ وهو محرم (١)، وكان هذا مما يدل على شرف عثمان ﵁ لأنه امتنع أن يطوف؛ لأن رَسُول الله ﷺ ممنوع من الطواف وهو محرم. ثم إن قائلاً قال: إن قريشاً قتلوا عثمان بن عفان -وهو كاذب- فسمع بها المسلمون فقالوا: قُتِلَ عثمان!! قالوا: لما قتلوا عثمان ما هنالك إلا القتال والموت!! فبايعوه بيعة الرضوان تحت سمرة الحديبية، وهي الشجرة التي قال الله فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: الآية ١٨] ومحل الشاهد من هذه القصة، وأن صلح الحديبية كان أول فتح على المسلمين، وأول انتشار للإسلام، أن أهل بيعة الرضوان كانوا ألفًا وأربعمائة تقريباً، كما ثَبَتَ ذَلِكَ صَحِيحاً عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، ولما غَزَا فتح مكة غزاه بآلاف متعددة، غزاه بعشرة آلاف مقاتل، فدل هذا على أن هذه العشرة الآلاف كانت من مزايا صلح الحديبية حيث وجدت الدعوة طريقها، واتصل المسلمون بالكفار فَدَعَوْهُمْ إلى الإسلام فانتشر الإسلام في المسلمين؛ ولذا كانت الهجرة بعد صلح الحديبية أقل عظماً وأخف وقعاً مما كانت قبل ذلك؛ لأنه في ذلك الوقت جازت مخالطة المسلم لقبيلته ليدعوهم إلى الإسلام، فخف شأن الهجرة من ذلك الوقت؛ لأنها كاد الله أن يُغني عنها، فلما غزا النبي ﷺ مكة في رمضان من سنة ثمان، وفتح مكة، قال: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (٢). وهذه الهجرة انقطعت بالفتح وخفت بالحديبية؛ ولذا قال فيه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ﴾ أي: بعد أن خف
стр. 2633
شأن الهجرة بصلح الحديبية، واتصل المسلمون بالكفار، وانتشر المسلمون في أقطار الجزيرة العربية، وهذا معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٧٥] قبل فتح مكة وبعد صلح الحديبية، كما قاله بعض العلماء.
﴿فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ﴾ معكم وينالهم الفضل العظيم، وإن كان شرف الأسبقية لا يناله من جاء بعدهم كما قال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: الآية ١٠].
﴿فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ﴾ أي: هم من جملتكم وإن كان بعضكم أفضل من بعض.
ثم قال تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ﴾ (أولوا الأرحام) معناه: أصحاب الأرحام، وهم ذوو القرابات. و (أولوا) اسم جمع لا واحد له من لفظه، هو يُعرب إعراب الجمع المذكر السالم، يرفع بالواو وينصب ويخفض بالياء، وهو من الأسماء الملازمة للإضافة. والأرحام: جمع رحم، والرحم مؤنثة، وشذ قوم هنا وقالوا: إن المراد بها أرحام العصبات خاصة، وممن نصر هذا القول: أبو عبد الله القُرْطُبِي في تفسيره (١). وهو ليس بصواب، وما استدلوا به في ذلك لا ينهض حجة؛ لأنهم قالوا: إن العرب كثيراً ما تُطلق الرحم على قرابة العصبات دون قرابات غيرهم، قالوا: تقول العرب: وصلتك رحم. يعنون به رحم العصبات لا غيرها. وقالت قتيلة بنت الحارث، أو بنت النضر بن الحارث في رجزها المشهور لما قتل
стр. 2634
النبي ﷺ النضر بن الحارث في رجوعه من بدر -كما أوضحنا قصته في أول هذه السورة الكريمة سورة الأنفال- قالت في شعرها، تقول (١):
ظَلَّتْ سُيوفُ بَنِي أَبِيهِ تَنُوشُهُ ... للهِ أَرْحَامٌ هُناكَ تشقَّقُ
فصرحت بأن مرادها بالأرحام بنو الأب، يعني مِنْ بَنِي عَمِّهِ وعَصَبَتِهِ. وهذا يجوز، ولكنه لا ينفي غَيْرَهُ مِنْ إِطْلاق ذوي الأرحام على جميع القَرَابَات (٢). وهذه الآية ثبت في الصحيح وغيره -ولا يكاد يُخْتَلَفُ فِيهِ بَيْنَ العُلَمَاءِ- أنها نسخت للموارثة التي كانت تقع بالهجرة والمؤاخاة والحلف؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة والمؤاخاة ولا يرث القريب من قريبه شيئاً إذا كان لم يهاجر، كما تقدم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: الآية ٧٢] وأن الله نسخ ذلك بالقرابات، وأن المراد: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ﴾ أي: أصحاب القرابات من قرابة الأب والأم، بعضهم أولى ببعض في الميراث؛ أي: من المهاجرين الذين آخى النبي ﷺ بينهم وبين الأنصار كما هو معروف، فنسخ الله ذلك الميراث أولاً بميراث القريب قريبه، والولي وليه.
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ أي: في الميراث.
﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ قال بعض العلماء: المراد بكتاب الله أي: في حكم الله وأمره الذي كلف به خلقه وألزمهم إياه، والعرب كل شيء
стр. 2635
مكتوب مؤكد تسميه كتاب الله.
[١٠/ب] / وقال بعض العلماء: كتاب الله: هو اللوح المحفوظ لأن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ (١) كما قال تعالى: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَاّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً ... ﴾ [الأحزاب: الآية ٦] فآية الأحزاب كأنها بَيَّنَتْ آيَةَ الأنفال هذه، وقال بعض العلماء: المراد بكتاب الله: القرآن؛ لأن الله بيّن المواريث في كتاب الله في القرآن في سورة النساء بيّنها بآية الصيف وآية الشتاء، فآية الشتاء هي: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: الآية ١١] إلى آخر الآيات، وآية الصيف هي التي في آخر السورة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: الآية ١٧٦].
وقد قدمنا (٢) أن الكتاب بمعنى المَكْتُوب، وأن إِتْيَان (الفِعَال) بمعنى (المفْعُول) مسموع في كلام العرب موجود في أوْزَان مَعْرُوفة، كَكِتَاب بمعنى مكتوب، ولباس بمعنى ملبوس، وإله بمعنى مألوه، أي: معبود، وإمام بمعنى مُؤتم به. وقد قَدَّمْنَا (٣) أن مادة الكاف والتاء والباء في لغة العرب (كَتب) أن معنى هذه المادة في اللغة التي نزل بها القرآن معنى (كتب): ضم وجمع، فالكَتْب في لغة العرب معناه: الضم والجمع، وكل شيء ضممته وجمعت بعضه إلى بعض فقد كتبته، ومنه سميت الكتيبة من الجيش؛ لأنها قطعة عظيمة ضُمَّ بعضها إلى بعض، وجُمع بعضها مع بعض،
стр. 2636
حتى صارت جملة عظيمة من الجيش، ومنه قول نابغة ذبيان (١):
ولا عَيبَ فيهم غَيرَ أن سُيُوفَهم ... بهنَّ فُلُولٌ من قِراعِ الكَتَائِبِ
ومن هذا المعنى سُمِّيَت الكتابة كتابة؛ لأنك تضم نقش حرف إلى حرف إلى حرف حتى يتألف من مجموع هذا نقوش تُقْرأ بها ألفاظ؛ ولأجل هذا قيل للخياطة (كَتْب) فالخياط يسمى كاتباً؛ لأنه يضم أطراف الأديم بعضها إلى بعض، وأطراف الثوب بعضها إلى بعض فيخيطها، فالخياطون كُتّاب، وفي لُغَز الحريري (٢):
وكَاتِبِينَ وما خَطَّتْ أَنَامِلُهم ... حرفاً ولا قرءوا ما خُطَّ في الكُتبِ
يعني: الخياطين، ومنه قيل للسير الذي تُشد به الرقعة في السقاء: كُتْبة، وقيل لنفس الرقعة كُتبة؛ لأنها تضم في السقاء يُرقع بها، ومنه قول غيلان بن عقبة ذي الرمة (٣):
ما بَالُ عَيْنَيْكَ مِنْهَا المَاءُ يَنْسَكِبُ ... كأنَّهُ مِنْ كُلَى مَفْرِيَّةٍ سَرَبُ ...
وفْرَاءَ غَرْفِيَّة أَثْأَى خَوَارِزَهَا ... مُشَلْشَلٌ ضَيَّعَتْهُ بينها الكُتَبُ
يعني: ماء يسيل ضيعته الرقع والسيور المشدودة بها الرقع في السقاء يسيل منها، شبَّه دمعه به. ومن تسمية الخياطين (كتَّابين) قول ابن دارة يهجو فزارة (٤):
стр. 2637
لا تأْمَنَنَّ فَزَاريّاً خَلوتَ به ... على قَلُوصِكَ واكْتُبها بأسْيَارِ
يعني: خِط فرجها بأسيار لئلا يزني بها. هذا أصل معنى الكتابة.
وجمهور العلماء على أن معنى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في حُكْمِ اللهِ الذي هو حكمه الذي استقر عليه أمره، أن الميراث بالرحم والقرابات لا بالهجرة والمؤاخاة، فهذا نسخ هذا كما هو الذي عليه جمهور العلماء ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ٧٥].
اختلف العلماء في المراد بـ ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ﴾ في هذه الآية (١)، فذهب جماعة من العلماء إلى أن المراد بأولي الأرحام هم خصوص الذين أعطاهم الله مواريث من عصبات، أو أصحاب فروض، وأن هذه الآية بينتها آيات المواريث، وأن من لم يبيّن الله له نصيباً في كتابه لا شيء له ولا يدخل في هذا، وهذا قال به جماعة من العلماء، وممن ذهب إليه: مالك والشافعي ﵏، قالوا: لا ميراث إلا لمن سمّى الله له شيئاً، والمراد بـ (أولوا الأرحام) هذا مجمل بيّنته آيات المواريث، فلا ميراث لمن لم يجعل الله له سهماً. ومن أصرح أدلتهم في هذا حديث: «إِنَّ اللهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (٢)
стр. 2638
قالوا: هذا الحديث فيه كلام معروف، والتحقيق أنه لا يقل عن درجة الاحتجاج، بيّن النبي فيه أن الله أعطى كل ذي حق حَقَّهُ، قالوا: نص هذا الحديث على أنَّهُ مَا بَقِيَ لصاحب حقٍّ حَقٌّ أبداً إلا أعطاه الله إيَّاهُ، فالَّذِي لم يُسَمَّ لَهُ حق فليس له شيء، وهذا معروف، وممن ذَهَب إلى هذا من الأئمة: مالك والشافعي.
وقالت جماعة آخرون: المراد بأولي الأرحام: مَنْ لا مِيرَاثَ لهم بفرض ولا تعصيب، وأنهم يرثون من لا وارث له، واستدلوا بهذه الآية الكريمة وبأحاديث أُخر، منها ما هو ثابت في ميراث الخال، ومنها بعض جاء في ميراث العَمَّة والخالة، والذين قالوا هذا قالوا: إن هؤلاء يصدق عليهم (أولو الأرحام) بالوَضْعِ العَرَبِيّ، فلا
стр. 2639
يجوز إخراجهم منه، قالوا: ولأنَّهُمْ من جملة المسلمين، وهم يزيدون بقرابة، ولو فَرَضْنَا أنه لبيت المال كان لخصوص المُسْلِمِينَ، فمن أدلى بسببين وهما الإسلام والقرابة أولى ممن يُدْلِي بسبب واحد وهو الإسلام. والذين قالوا هذا قالوا: إن المراد بأولي الأرحام مَنْ لَا فَرْضَ لهُمْ فِي كِتَابِ اللهِ ولَيْسُوا بعصبة، وهم أحد عشر حيّزا معروفة عند العلماء، وممن قال بتوريث أولي الأرحام بهذا المعنى: الإمام أبو حنيفة ﵀ وأحمد بن حنبل ﵀ وجماعة كثيرة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار.
والذين قالوا بتوريث أولي الأرحام معروف أنهم اختلفوا في كيفية توريثهم اختلافاً متشعباً يرجع إلى أمرين (١):
أحدهما: قَوْلُ مَنْ يقال لهم: أصحاب التَّنْزِيل.
والثاني: قول من يُسمون بأصحاب القرابات.
وأصحاب التنزيل: هم الذين من على مذهبهم أحمد بن حنبل وأصحابه. وأصحاب القرابات: هم الذين مشى عليهم أبو حنيفة وأصحابه، والذين قالوا بالتنزيل قالوا: إن كل واحد من أولي الأرحام يُنَزَّل منزلة من يدلي به، فيُعطى ميراث من يدلي به، فإذا كان واحداً أخذ جميع المال، وإذا كانوا جماعة وكانوا نازلين قُرّبُوا درجة درجة ثم نُظر جميع من يدلون به وعُرف ميراث كل واحد منهم فأُعْطِيَ كل واحد منهم نصيب من يدلي به، وهذا معروف، وهو مشهور مذهب الإمام أحمد.
стр. 2640
وأما أصحاب القرابات الذين ذهب إلى مذهبهم أبو حنيفة ﵀ فهم يعملون بالأقرب فالأقرب، قالوا: ما دام أبو الإنسان يوجد شيء من أولاده كأولاد بناته وأبناء بناتهم ونحو ذلك لا يعطى شيء يدلي بجده ويعطى بنو جد دنيه قبل الجد الذي فوقه وهكذا، ولم يزل يُعطى من يدلي بمن هو أقرب ثم من هو أقرب حتى ينتهي الأمر في ذلك. وتفاصيل مذاهبهم معروفة في فروعهم، رحم الله الجميع.
стр. 2641
تفسير سورة التوبة
[١/أ] / يقول الله (جل وعلا): ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ [التوبة: الآيات ١ - ٤].
نزلت هذه السورة الكريمة عام تسع، رجوع النبي ﷺ من غزوة تبوك، وكان بعض الصحابة يقول: آخر سورة نزلت بتمامها من القرآن براءة (١).
واعلم أن الصحابة ﵃ لم يكتبوا في المصاحف العثمانية سطر ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قبل هذه السورة الكريمة، مع أنهم كتبوه في كل سورة من سور القرآن غير
стр. 2642
سورة التوبة هذه، والعلماء لهم أقوال معروفة في سبب [عدم] (١) كتب ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢).
قال بعض العلماء: كانت سورة براءة طويلة قدر سورة البقرة، فنسخ الله أولها، فلما سقط أولها وكانت فيه البسملة سقطت البسملة مع المنسوخ الساقط منها.
وقال بعض العلماء: البسملة رحمة وأمان، وبراءة نزلت بالسيف والقتال ونقض العهود؛ فلذا لم تكتب فيها ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾.
وقال بعض العلماء: لما أرادوا كتب المصاحف العثمانية اختلفوا في براءة، فقال بعضهم: هي والأنفال سورة واحدة، وقال بعضهم: كلتاهما سورة مستقلة، فلما اختلفوا جعلوا بياضاً بين السورتين ليدل على قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنهما سورتان، وتركوا سطر ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ليدل على قول من قال: هما سورة واحدة، فرضي الفريقان، وقامت حجة كل منهما في المصحف الكريم.
وأظهر الأقوال هو ما روي عن عثمان بن عفان ﵁ رواه بعض أصحاب السنن وغيرهم عن ابن عباس ﵄ أنه قال: سألت عثمان بن عفان ﵁ لمَ عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ وجعلتموها في السبع الطوال؟!
стр. 2643
فأجابه عثمان ﵁ بما معناه: أن النبي ﷺ كان ينزل عليه القرآن، تنزل عليه السور والآيات ذوات العدد فيأمر بعض من يكتب له ويقول: ضعوا هذا في السورة التي يُذكر فيها كذا، وضعوا كذا في محل كذا، وكانت [«الأنفال من أوائل ما أنزل بالمدينة» وبراءة من آخر القرآن، فكانت قصتها شبيهة بقصتها، فقُبض رَسُول الله ﷺ ولم يبيّن لنا أنها منها، وظنت أنها منها ... ] (١) كأنهما سورة واحدة، فمن ثم واليت بينهما وجعلت بينهما فصلاً، ولم أكتب بينهما ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢). وهذه السورة الكريمة نزلت عام تسع [وكان النبي ﷺ قد بعث أبا بكر ﵁ ليقيم للناس الحج] (٣) وأرسل في أثره علي بن
стр. 2644
أبي طالب ﵁ على ناقته العضباء، وأمره أن يكون هو المتولي للأذان ببراءة في موسم الحج، وأن يقول للناس: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. فكان علي بن أبي طالب ذهب في أثر أبي بكر فأدركه، قال بعض العلماء: أدركه بالجحفة، فقال له: أأمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور.
وأخبره أن النبي ﷺ أرسله بصدر هذه السورة الكريمة يُنادي به في الموسم (١) -في موسم الحج- عام تسع من الهجرة، فكان أبو بكر هو أمير الحج الذي يُقيم للناس حجهم، وكان علي بن أبي طالب ﵁ يؤذن في الناس بأول هذه السورة الكريمة؟ بعضهم يقول: بأربعين آية منها.
стр. 2645
وبعضهم ينقص، وبعضهم يزيد، والروايات متفقة على أنه أرسله بهذه السورة الكريمة، بشيء منها يؤذن بها في المواسم.
ومضمون ما كان يؤذن به عليٌّ ﵁ راجع إلى أربع جمل: إحداها: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ومن كان له عهد فعهده إلى مُدَّتِهِ.
وكان يؤذن في الناس بهذا. فعلم الكفار أنه لا عهود بينهم وبين النبي ﷺ ، ومن العام القابل وهو عام عشر لم يحج البيت كافر، ولم يطف بعدها عريان، فحجّ النبي ﷺ ، ومعنى قوله: ﴿بَرَاءةٌ﴾ البراءة مصدر كالشناءة والدناءة. وإعرابه (١): قال بعض العلماء: هو مبتدأ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: هَذِهِ بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ.
وقال بعض العلماء: لا مانع من كون قوله: ﴿بَرَاءةٌ﴾ مبتدأ، وسوَّغَ الابتداء بالنكرة لأنها وُصفت بقوله: ﴿مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ كما قال (٢):
........................... ... ورَجُلٌ من الكِرَامِ عندنَا
وأن قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم﴾ خبر المبتدأ، والوجهان من الإعراب كلاهما صحيح، والمعنى: هذه براءة من الله. أو براءة من الله واصلة إلى الذين عاهدتم من المشركين. ولفظة (من) في قوله:
стр. 2646
﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ هي المعروفة بابتداء الغاية، أي: ابتداء هذه الغاية ومنشؤها كائن من الله. ومعنى براءة الله منهم: أنه (جلّ وعلا) برئت ذمته من عهودهم فلا يلتزم لهم عهداً ولا ذمة؛ لأنهم نقضوا العهود أو كادوا.
واعلم أن النَّبِيَّ ﷺ لما غَزَا غَزْوَةَ تبوك كان المنافقون يرجفون أراجيف كثيرة، فسمع بها الكفار فأرادوا نقض العهود وتَغَيَّرُوا؛ لأن النبي ﷺ كانت بَيْنَهُ وبَيْنَ بَعْضِ القبائل عهود ومواثيق، مصالحات ومهادنات، فلما سمع الكفار بأراجيف المنافقين نقض بعضهم، وبعضهم خيف منه النقض، فأنزل الله براءته من جميع الكفار إلا ما سيأتي استثناؤه إن شاء الله.
واعلم أن الكفار أقسام (١): منهم من كان له عهد مؤجل بأجل، وهؤلاء قسمان: من عهده أقل من أربعة أشهر، ومن عهده أكثر من أربعة أشهر. ومنهم من لا عهد له أصلاً، ومن له عهد مطلق لم يُقَيَّد بِزَمَنٍ مُعَيَّن، فهذه فرق الكفار، وهذه الآية تَضَمَّنَتْ نَقْضَ العهود في هذه كلها إلا في صورة واحدة على التحقيق.
أما من كان له عهد إلى مدة أقَلّ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فالتَّحْقِيقُ عند جمهور العلماء أنه يرفع عهده إلى أربعة أشهر ثم بعد الأربعة أشهر هو حرب لله ولرسوله، ومن كان له عهد مطلق فله أربعة أشهر يسيح فيها ويذهب في الأرض مقبلاً ومدبراً آمناً، ثم بعد انتهاء تلك الأربعة الأشهر هو حرب لله ولرسوله.
ومن لم يكن عنده عهد أصلاً فقال بعض العلماء: له هذه الأربعة الأشهر. وهذا أظهر القولين، بناء على أن قوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ
стр. 2647
الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: آية ٥] أنها أشهر الإمهال هذه الأربعة، لا الأشهر الحُرُم الأربعة.
وقال بعض العلماء: هي الأشهر الحرم الأربعة، وعلى ذلك لم يبقَ من عهده إلا خمسون يوماً، عشرون من ذي الحجة، والشهر الذي بعده الذي هو المحرم، فتنقضي عهودهم على خمسين يوماً على هذا القول.
فقوله: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ هذه البراءة كائنة من الله ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم﴾ يعني النبي وأصحابه. وإنما خاطبهم جميعاً وإن كان النبي ﷺ هو الذي يتولى عقد العهود لأنهم أتباعه وأعوانه، وهم معه في كل شيء من حَلّ وعقد، فكل حلّ وعقد فعله النبي ﷺ فهم أصحابه وأعوانه وأتباعه، فهم معه فيه؛ ولذا قال: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الكفار الذين يعبدون الأصنام ويشركون بالله (جل وعلا).
والتحقيق: أن هذه ما نزلت إلا في غزوة تبوك، وما زعمه ابن إسحاق ومقاتل وغيرهما من أن صدر هذه السورة نزل قبل عام الفتح، بعد نقض قريش وبني بكر لمعاهدة صلح الحديبية؛ فهو خلاف الظاهر، مع أنه قال به ابن إسحاق ومقاتل وغيرهما (١). قالوا: كان أول هذه السورة نزل قبل هذا؛ لأن النبي ﷺ لما عقد صلح الحديبية بينه وبين كفار قريش بواسطة سهيل بن عمرو العامري ﵁ كان خزاعة دخلوا في حلف النبي ﷺ ، ودخلت بنو بكر في حلف قريش، وكان ذلك الصلح دخلت فيه قبائل من بني
стр. 2648
كنانة منهم بنو الديل ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وبنو جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، وبنو مدلج بن بكر بن كنانة، وبنو ضمرة بن بكر بن كنانة، فهي أربع قبائل من كنانة دخلوا في ذلك الصلح مع النبي ﷺ ، وكان قبل ذلك بين كنانة وخزاعة دم، وكان الدم في خصوص بني الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة من قبائل كنانة، فانتهزوا الفرصة وعدوا على خزاعة، وأعانهم قريش على خزاعة الإعانة المشهورة التي هي سبب غزوة الفتح؛ لأن بني الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة لما عدوا على خزاعة ونقضوا عهد النبي ﷺ وصلحه الذي أبرمه معهم في الحديبية، وأعانتهم قريش على ذلك بالسلاح، بل بعض رجال قريش دخل معهم في قتالهم، كما قاله بعض العلماء، وأرسل خزاعة عمرو بن سالم ﵁ إلى النبي ﷺ بالمدينة يستنصره، وجاءه هنا في المدينة - حرسها الله - وأنشده رجزه المشهور (١):
يا رَبِّ إني ناشِدٌ مُحَمَّدَا ... حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا
كُنْتَ لَنَا أَباً وَكُنَّا وَلَدَا (٢) ... ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا وَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا
إِنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا ... وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ المُؤَكَّدَا
وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تُنْجِي أَحَدَا ... وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا
فَادْعُ عِبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا ... فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدَا
أَبْيَض مِثْل الشَّمْسِ يَجري صُعدَا ... في فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يجري مُزْبدا
стр. 2649
إن سِيمَ خسْفاً وجْهُهُ تربَّدَا ... هُمْ بَيَّتُونا بالوَتِيرِ هُجَّدَا ...
وقَتَلُونَا رُكَّعاً وَسُجَّدَا ... فَانْصُرْ هَدَاكَ اللهُ نَصْراً أَيَّدَا
فقال ﷺ : «لَا نُصِرْتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرْكُمْ» (١).
وكان ذلك سبب غزوة [الفتح] (٢). هكذا قالوا إن هذا هو الذي جاءت فيه هذه الآيات، وأن قريشاً وبني الديل من بني بكر بن كنانة نقضوا وبَقِيَتْ قَبَائِل كِنَانَة الآخرين، وهم: بنو جذيمة بن عامر بن عبد مناة، وبنو مُدْلِج، وبنو ضمرة لم ينقضوا العهود كما سيأتي في قوله: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾ [التوبة: آية ٧] هكذا قالوا أنها نزلت قبل غزوة الفتح.
والتحقيق أنها ما نزلت إلا بعد غزوة تبوك، وأرسل النبي بها أبا بكر ﵁ ينادي في الناس بها، ثم أتبعه علي بن أبي طالب ﵁.
ومعنى الآية الكريمة: هذه براءة من الله، أو براءة من الله إلى الذين عاهدتم من المشركين جميعاً. يعني: من كان له منهم عهد أقل من أربعة أشهر، ومن لا عهد له أصلاً، ومن كان له عهد مطلق، ومن له عهد مؤقت إلا أنه خيف منه أن ينقض؛ لأن المُعاهَد من المشركين إذا خيف منه النقض وظهرت منه علامات ذلك وبوادره وجب إعلامه بنبذ العهد إليه ونقض عهده، كما قدمناه في سورة الأنفال في قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال: آية ٥٨] فعرفنا أن قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ
стр. 2650
الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: آية ١] صادق بمن لهم عهد غير مؤقت، وعهد مؤقت بأقل من أربعة أشهر، وعهد مؤقت بأكثر منها إن خيفت منهم الخيانة، بقي قسم واحد هو الآتي استثناؤه مرتين وهو من كان له عهد مؤقت معين محدد بوقت معين أكثر من أربعة أشهر، وهو ثابت على عهده لم ينقض ولم يخف منه نقض لثبوته على عهده، فهؤلاء باقون على عهدهم على التحقيق الذي لا شك فيه. وما قاله بعض العلماء من نقض عهودهم جميعاً؛ خلاف التحقيق؛ لأن الله يقول: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: آية ٤] ويقول: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ [التوبة: آية ٧] كما سيأتي إيضاحه؛ لأن المراد بالذين عاهدوه عند المسجد الحرام عند الحديبية وأُطلق عليها: «المسجد الحرام» قال بعض العلماء: لأن بعضها الذي وقعت فيه المعاهدة كان من الحرم، والمسجد يطلق غالباً على جميع الحرم، وسيأتي هناك -إن شاء الله- أن هؤلاء الذين عاهدوا دخل فيهم قبائل من كنانة مع قريش، وأن الذي غدر: بنو الديل من كنانة فقط وقريش، وبقية قبائل كنانة الأخرى ثابتة على عهدها. وهذا معنى قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: آية ١].
ثم هنا التفات من الغيبة إلى الخطاب، أي فقولوا للذين عاهدتم من المشركين: سيحوا في الأرض أربعة أشهر (سيحوا في الأرض) معناه: اذهبوا في أرض الله مقبلين ومدبرين حيث ما أردتم، وأين أحببتم أن تتوجهوا، آمنين لا خوف عليكم، لا ينالكم منا سوء؛ لأنها أشهر أمان وإمهال لا ينالكم منا فيها سوء.
стр. 2651
والحكمة في أن الله (جل وعلا) أجَّلهم هذه الأشهر الأربعة ليروا رأيهم، ويتأملوا في شأنهم لعل الله أن يهديهم إلى صوابهم. وهذا معنى قوله: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ﴾؛ أي: اذهبوا في جوانب أرض الله مقبلين ومدبرين آمنين، لا خوف عليكم في مدة هذه الأشهر الأربعة.
ثم قال: ﴿وَاعْلَمُواْ﴾ أي: أيقنوا علماً يقيناً لا يتطرق إليه الشك ﴿أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ ﴿مُعْجِزِي﴾ أصله: معجزين بالنون، فحذفت النون للإضافة. والمعجزون جمع المعجز، وهو اسم فاعل (أعْجَزه) العرب تقول: «أعجزه يُعجزه» إذا صار غير قادر عليه. أنكم لا تفوتونه ولا تتعذرون عليه، بل أنتم في قبضته وتحت سلطانه وقهره، هو قادر عليكم واعلموا أيضاً ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ جل وعلا ﴿مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: آية ٢] المخزي: اسم فاعل أخزى، ومعنى إخزائه للكافرين: أنه مذلهم ومهينهم، يذلهم في الدنيا بالقتل والأسر، ويهينهم بذلك وفي الآخرة بعذاب الله، كما سيأتي في قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (١٤)﴾ الآية [التوبة: آية ١٤] وهذا معنى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: آية ٢].
ثم قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ﴾ جملة معطوفة على جملة؛ لأن جملة: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ﴾ [التوبة: آية ٣] معطوفة على قوله: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾ [التوبة: آية ١] ويجوز في قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ من
стр. 2652
الإعراب الوجهان الجائزان في (براءة) (١) يجوز أن يكون (أذان) خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا أذان من الله. ويجوز أن يكون (أذان) مبتدأ سوغ الابتداء فيه بالنكرة كونها وُصفت بقوله: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
والأذان معناه: الإعلام، وهو اسم مصدر (أذَّن) (يؤذّن) (أذاناً)، (وآذن) (يوذن) (أذاناً) والعَرَب ربما جعلت (الفَعَال) قائماً مقام «التفعيل»؛ لأن العرب تقول: آذنته أعلمته، وأذنت أعلمت. ومعروف في علم التصريف أن (فعّل) بالتضعيف ينقاس مصدرها على (التفعيل)، ولكنه يُسمع كثيراً إتيان المصدر منها على (الفَعَال) كما قالوا: سلَّّم عليه سلاماً، أي: تسليماً. وكلّّمه كلاماً، أي: تكليماً. وطلَّقها طلاقاً، وبيَّنَهُ بياناً. إلى غير ذلك من الأوزان. وكذلك ربما جاء (الفعَال) في موضع (الإفعال) كقول العرب: آمنته أؤمِنه إيماناً: إذا جعلته في أمان. فإنهم يقولون: آمنه أماناً، وآذنه أذاناً، أي: أعْلَمَهُ إِعْلَاماً. والأذان في لغة العرب: الإعلام. قال بعض العلماء: هو الإعلام المقترن بنداء؛ لأن اشتقاقه من الأذن، لأن النداء يقع في الآذان فيحصل بذلك الفهم والإعلام، ومنه الأذان للصلاة؛ لأنه إعلام بها بنداء. وكون الأذان بمعنى الإعلام معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الحارث بن حِلّزة (٢):
آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ
يعني أَعْلَمَتْنَا بِبَيْنِهَا.
стр. 2653
﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ هذا الأذان كائن مبدؤه من الله ورسوله ﴿إِلَى﴾ جميع ﴿النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: آية ٣] أصل الحج في لغة العرب جرى على ألسنة العلماء أنهم يقولون: الحج في اللغة القصد (١). والحج في لغة العرب أخص من مطلق القصد؛ لأن الحج في اللغة لا يكاد تطلقه العرب إلا على قصد مُتَكَرِّر لأهمِّيَّة فِي المقْصُود. فَكُلّ حَجٍّ قَصْدٌ، ولَيْسَ كل قَصْدِ حَجّاً؛ لأن الحَجّ هو القَصْدُ المُتَكرر لأجل الأهمية الكائنة في المقصود. هذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول المخبَّل السعدي؛ حيث قال (٢):
ألَمْ تَعْلَمِي يَا أُمَّ أَسْعَدَ أَنَّمَا ... تَخَطَّّاني ريْبُ المَنُونِ الأَكْبَرَا
وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولاً كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَان المُزَعْفَرا
«سِبَّه» يعني به عمامته، أي: يقصدون عمامته -عبر بها عن شَخْصِهِ- قَصْداً كثيراً متكرراً لأهمية ما يرونه عنده من النوال، هذا أصل الحج.
ومعروف أن الحج في اصْطِلَاح الشَّرْعِ (٣): هو الأفعال والأقوال التي تُقَالُ في المنسك المعروف.
قال بعض العلماء: وإنما قال له الأكبر؛ لأن العرب ربما كانوا
стр. 2654
يقولون: حج أصغر، وحج أكبر، يعنون بالأصغر: العمرة لنقصان أعمالها عن أعمال الحج (١).
واختلف العلماء في يوم الحج الأكبر (٢) فذهبت جماعة من العلماء إلى أن المراد به يوم عرفة. وعليه فَمَبْدَأُ النِّدَاءِ بالأربعة الأشهر كائن ابتداء تأجيله من يوم عَرَفَة. وقالت جماعة آخرون: هو يوم النحر. وخلاف العلماء في يوم الحج الأكبر هل هو يوم عرفة أو يوم النحر مشهور معروف، وكان بعض المحققين يختار أنه يوم النحر لأمور، منها: أنه جاءت بذلك روايات صحيحة، كرواية أبي هريرة في صحيح البخاري (٣). وقالوا: ولأن أكثر أفعال الحج إنما تكون يوم النحر؛ لأنه هو اليوم الذي يطاف فيه طواف الإفاضة، وينحر فيه، ويحلق فيه، ويقضى فيه التفث، وأن يوم عرفة لا يختص
стр. 2655
بشيء خاص من مناسك الحج؛ لأن الوقوف وإن كان ركناً من أركان الحج فنفس اليوم لا يختص به عن الليلة لإجماع العلماء على أن من وقف بعرفة ليلة النحر أن ذلك يجزئه، بعضهم يقول: يلزمه دم لفوات النهار، وبعضهم يقول: حجه كامل -كمالك وأصحابه- ولا دم عليه. وقولهم: «الحج عرفة»، قالوا: لا يُرَدّ عَلَى هَذَا؛ لأن عَرَفَةَ شَامِلٌ للَّيْلِ والنَّهَارِ، فالوقوف الذي هو الركن الأعظم في الحج يكون في الليل، ولا يشترط أن يكون في النهار، والكلام في خصوص اليوم.
وقال بعض العلماء: يوم الحج الأكبر هو جميع أيام الحج، لأن العرب تقول: يوم صفين، ويوم الجمل، ويوم بُعَاث، وهو زمن يتناول أياماً معدودة متعددة، وأنه يشمل الجميع. وهذا أيضًا لا بأس به.
وجمهور العلماء على أن ابتداء تأجيل هذه الأشهر الأربعة هي من يوم النحر، وأن انقضاءها في العاشر من ربيع الثاني؛ لأن هذه الأشهر الأربعة عشرون منها من ذي الحجة من يوم الحج الأكبر، ثم منها المحرم كاملاً، وصفر كاملاً، وربيع الأول كاملاً، وعشر من ربيع الثاني، فتتم هنالك الأشهر الأربعة، وعلى هذا جماهير العلماء.
وقد اشتهر قول هنا عن الزهري لا شَكَّ فِي غَلَطِهِ، وإن كان قائله جَلِيلاً؛ لأنهم ذكروا عن الزهري ﵀ أن أول هذه الأشهر الأربع أنه من ابتداء شوال، وأنها شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وتنتهي بانتهاء المحرم (١). وهذا لا يتمشى مع أن ابتداء
стр. 2656
الأذان صرح الله بأنه يوم الحج أكبر. فالتحقيق هو ما قاله الجمهور لا ما قاله الزهري ﵀، إن صح عنه فهو غلط منه. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ﴾ عامة ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ هذا الإعلام هو إعلام بأن الله بريء من المشركين، ورسوله بريء منهم أيضاً، فالله بريء من المشركين بريء من ذمتهم وعهدهم، لا عهد لهم عليه يأمر به، ولم يلتزم لهم بشيء، وكذلك رسوله ﷺ .
ثم قال لهم: ﴿فَإِن تُبْتُمْ﴾ عن ذنوبكم وكفركم وشرككم ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ وصيغة التفضيل هنا ليست على بابها؛ لأن الكفر بالله لا خير فيه أصلاً، فلا معنى للتفضيل فيه ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: ثَبَتُّمْ على كفركم وما أنتم عليه من الشرك.
﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ فسرناه الآن.
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ اعلم أن التحقيق أن (البشارة) في لغة العرب هي الإخبار بما يسر، والإخبار بما يسوء أيضاً. فمن أخبرته بما يسره فقد بشرته، ومن أخبرته بما يسوؤه فقد بشرته (١)؛ ولذا قال: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: آية ٢١] والقرآن في غاية الفصاحة والإعجاز، وإطلاق البشارة على الإخبار بما يسر معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (٢):
أَبَشَّرْتَنِي يَا سَعْدُ أَنَّ أَحِبَّتِي ... جَفَوْنِي وَقَالوا الْودُّ مَوْعِدُهُ الحَشْرُ
стр. 2657
وقول الثاني (١):
يُبَشِّرُنِي الغُرَابُ بِبَيْنِ أَهْلِي ... فَقُلْتُ لَهُ ثَكِلْتُكَ مِنْ بَشِيرِ
هذا هو التحقيق أنها أساليب عربية، وأن البشارة تغلب للإخبار بما يسر، وأنها تطلق على الإخبار بما يسوء، هذا هو الظاهر، ومعلوم أن علماء البلاغة يقولون: إن البشارة حقيقة في الإخبار بما يسر، وأما البشارة بما يسوء فهي مما يسمونه الاستعارة (العِنَادِيَّة) المعروفة عندهم، وهي منقسمة إلى تهكُّمِيَّة وتمليحية كما هو معروف مُقَرَّر في علم البيان عند أهله (٢).
ونحن نقول دائماً: إن مثل هذا أساليب عربية نَطَقَت بها العرب، وكلها أسلوب عربي فصيح في محله، وهذا معنى قوله: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: آية ٢١] الظاهر أن تَنْكِيرَ العَذَابِ هنا للتفخيم والتعظيم، ومن المعاني التي يستجلب لها التنكير: التفخيم والتعظيم، ويدل على هذا قوله: ﴿أَلِيمٍ﴾ والأليم: (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل) أي: مؤلم. واعلم أن إتيان (الفَعِيل) بمعنى (المُفْعِل) واقع في القرآن وفي كلام العرب، فما ذكروا عن الأصمعي أن (الفعيل) لا يكون في اللغة بمعنى (المُفعل) فهو خلاف التحقيق (٣). فمعنى أليم: مؤلم، أي: شديد الألم، وإتيان (الفعيل) بمعنى: (المُفْعِل) أسلوب عربي معروف يكثر في كتاب الله وفي لُغَةِ العَرَبِ، ومِنْ إِتْيَانِهِ في القرآن قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: آية ٤٦] وقوله: ﴿نَذِيرٌ﴾ أي: منذر فهو (فعيل)
стр. 2658
بمعنى (مُفْعِل) ﴿أَلِيمٍ﴾. بمعنى مُؤلم. وقوله: ضرب وجيع. بمعنى: مُوجِع، وهذا معنى معروف في كلام العرب، وله أمثلة في القرآن كقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ [البقرة: آية ١١٧] أي: مبدعهما ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ﴾ أي: منذر، ومن نظائره من كلام العرب قول غيلان بن عقبة ذي الرمة (١):
وَيَرْفَعُ مِنْ صَدْر شَمَرْدَلَاتٍ ... يصُكُّ وُجُوهَهَا وَهَجٌ أَلِيمُ
وقول عمرو بن معد يكرب الزبيدي ﵁ (٢):
أَمِنْ ريحانةِ الدَّاعي السَّميعِ ... يُؤَرِّقُني وأَصْحَابِي هُجُوعُ
فقوله: «السميع» يعني: المسمع. وقوله في قصيدته هذه (٣):
وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لهَا بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ
أي: ضرب موجع. وهذا معنى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: آية ٣].
وقوله تعالى: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: آية ٤].
قوله: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ﴾ استثناء من قوله: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: الآيتان ١، ٢] هذه البراءة والتأجيل بخصوص أربعة أشهر لجميع الكفار المعاهدين وغيرهم ﴿إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم﴾ [التوبة: آية ٤] ثم وفوا لكم بالعهود ولم
стр. 2659
ينقصوكم شيئاً، وكان بعض العلماء يقولون (١): هؤلاء أهل مكة، ومعلوم أن أهل مكة نقضوا. والتحقيق أنها في قبائل من كنانة بقوا على عهدهم ولم ينكثوا فأُمر النبي ﷺ بأن يفي لهم بعهدهم حتى تنتهي مدتهم، ومعلوم أن صلح الحديبية قد عاهد النبيّ فيه قبائل من كنانة، ذكرنا أن منهم بني الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وبني ضمرة، وبني مدلج، وبني جذيمة بن عامر، وقد قَدَّمْنَا في تفسير سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (٨٩) إِلَاّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾ [النساء: الآيتان ٨٩، ٩٠] إن هؤلاء القوم الذين بينكم وبينهم ميثاق الذين شرطوا أن من وصل إليهم فحكمه كحكمهم، منهم هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بن جعشم حيث عقد العهد لبني مدلج مع النبي ﷺ ، وبنو جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فهؤلاء القبائل كانت أربع قبائل من كنانة، وكان غيرهم عقد ذلك، كبني أسلم عقد لهم الصلح هلال بن عويمر الأسلمي، فهؤلاء لم ينقضوا.
وجرى على ألسنة علماء التفسير (٢) أنه في هذه الآية الكريمة وهي قوله: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: آية ٤] وفي الآية الآتية: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ [التوبة: آية ٧] يقولون: هؤلاء الذين ثبتوا وأُمر النبي أن يفي لهم بعهدهم حتى تَنْقَضِيَ مدتهم هم خصوص بَنِي ضَمْرَة
стр. 2660
من قبائل بكر بن عبد مناة بن كنانة، ومنهم عمرو بن أمية الضمري المشهور. والتحقيق أن قبائل كنانة لم يُعرف أنه نقض منهم العهد إلا بنو الديل هم وقريش، أما قبائلهم الأخرى كَبَنِي جذيمة بن عامر وبني مدلج وبني ضمرة فلا يعلم أنهم نقضوا عَهْدَ رَسُول الله ﷺ وإن جرى على ألسنة العلماء أنها في خصوص بني ضمرة دون غيرهم من قبائل كنانة، ومعنى الآية الكريمة: هذا الحكم الذي ذكرنا من نقض العهود وتأجيلهم أربعة أشهر فقط، كل هذا في جميع المعاهدين ﴿إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾ ﴿لَمْ يَنقُصُوكُمْ﴾ من الشروط التي اشترطتم عليهم شيئاً، ولم يخيسوا بشيء من عهدكم، ولم ينقصوكم مالاً ولا نفساً ولا دماً، بل ثَبَتُوا على عهدهم ولم ينقضوا، ولم يظاهروا عليكم أحداً، ولم يعينوا عليكم أحداً كقريش الذين أعانوا بني الديل بن بكر على خزاعة ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ ولا تعدوا عليهم حتى ينتهي عهدهم كاملاً إلى مدتهم التي اتفقتم أنتم وهم عليها أنها مدة الصلح والمهادنة بينكم حتى تنقضي.
قال بعض العلماء: كان وقت نزول هذه البراءة بقي من عهد هؤلاء تسعة أشهر، فأمر النبي ﷺ أن يفي لهم بها (١). وهذا معنى قوله: ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: آية ٤] ومن المتقين الذين يوفون بعهدهم ولا ينقضونه، فَدَلَّتِ الآيَةُ على أن الوفاء بالعهود وعدم النكث والنقض أنه من تقوى الله (جل وعلا) وهو كذلك.
стр. 2661
وقد قدمنا في هذه الدروس مراراً (١) أن المتقين جمع تصحيح للمتقي، وأن أصل هذه المادة من (وقى)، ففاء هذه المادة واو، وعينها قاف ولامها ياء. مادة التقوى فاؤها واو، وعينها قاف، ولامها ياء، فهي مما يسميه الصرفيون «اللفيف المفروق» هذا أصلها، إلا أنها دخلها تاء الافتعال كما تقول في قرب: اقترب، وفي كسب: اكتسب، وفي قطع: اقتطع، وفي «وقى» اوتقى.
والقاعدة المقرَّرَة في التصريف: أن كل فعل (مثال) -أعني معتل الفاء بالواو- إذا دخله تاء الافتعال وجب إبدال الواو تاء، وإدغام التاء في التاء، فقيل فيها: «اتقى» هكذا (٢).
وأصل الاتِّقَاء في لغة العرب (٣): هو أن تتخذ وقاية تكون بينك وبين ما تَكْرَهُهُ فَتَقِيكَ منه. تقول العرب: اتقيت الرمضاء بنعلي، واتقيت السيوف بمجني، ومنه قول نابغة ذبيان (٤):
سَقَطَ النَّصِيْفُ ولم تُرِدْ إسْقَاطَهُ ... فَتَنَاولتْهُ وَاتَّقَتْنَا بِالْيَدِ
أي: جَعَلَتْ يَدَهَا وقايَةً بَيْنَنَا وبَيْنَ وَجْهِهَا. وتفسير من قال: (اتقتنا: استقبلتنا) تفسير بالمعنى الإجمالي لا بالحقيقة. وهذا أصله معنى التقوى.
وهي في اصطلاح الشَّرْعِ: أن يجعل العبد وقاية بينه وبين عذاب رَبِّه، هذه الوقاية مركبة من شيئين هما: امتثال أمر الله، واجتناب نهي الله (٥)، والوفاء بالعهود من ذلك؛ لأن الوفاء بالعهود امتثال لأمر الله،
стр. 2662
وترك النقض انتهاء عما نهى الله عنه. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: آية ٤].
قال تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨)﴾ [التوبة: الآيات ٥ - ٨].
يقول الله (جل وعلا): ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: آية ٥].
اختلف العلماء في المراد بهذه الأشهر الحرم (١): فقال بعض العلماء: المراد بها الأشهر الحرم المعروفة الآتي ذكرها في قوله في هذه السورة الكريمة: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: آية ٣٦] وهذه الأشهر الأربعة الحرم ثلاثة منها سرد وواحد منها فرد،
стр. 2663
فثلاثتها المتتابعة هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وآخَر: رجب الفرد. هذه هي الأشهر الحرم.
وقال بعض العلماء: هذه هي المراد هنا في قوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وعلى هذا القول فالباقي عن انسلاخ الأشهر الحرم من يوم النداء بهذه الآيات من أول براءة في موسم الحج عام تسع، الباقي منها خمسون يوماً فقط، وهي العشرون الباقية من ذي الحجة [١/ب] وتمام المحرم، فبانقضاء الخمسين تنتهي على هذا القول./ وهذا القول قاله بعض العلماء، وهو مبني على أن تحريم الأشهر الحرم لم ينسخ، ومعلوم أن العلماء مختلفون في تحريم الأشهر الأربعة المذكورة هل هو باق إلى الآن أو نسخ (١)؟ فكانت جماعة كثيرة من العلماء يقولون: إنه منسوخ. واستدلوا على ذلك بأن النبي ﷺ حاصر ثقيفاً في غزوة الطائف في ذي القعدة من عام ثمان، وهذا ثابت أن النبي ﷺ بعض الزمن الذي حاصر فيه ثقيفاً في غزوة الطائف كان من ذي القعدة (٢). قالوا: فلو لم ينسخ تحريم الأشهر الحرم لكف وانصرف عنهم بإهلال ذي القعدة. وكنا نرى هذا القول أَصْوَبَ، مكثنا كثيراً من الزمن ونحن ننصر هذا القول ونقرر أنه
стр. 2664
الأصوب، ثم ظهر لنا بعد ذلك أن أصوب القولين وأولاهما بالصواب أن تَحْرِيم الأشهر الحرم باق لم ينسخ. ومن أصْرَحِ الأدِلَّة في ذلك: أنه دَلَّت عليه الأحاديث الصحاح في حجة الوداع في آخر حياة النبي ﷺ ؛ لأن قوله (صلوات الله وسلامه عليه) في حجة الوداع قبل موته بنحو ثمانين يوماً قوله: «إن اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» (١)
نص دال على أَنَّ تَحْرِيمَ الأشهر الحُرُمِ بَاقٍ لم يُنْسَخْ، وهَذا هو الأظْهَر، والله أعلم.
стр. 2665
القول الثاني في هذه الآية الكريمة: أن المراد بقوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ أنها أشهر الإمهال الأربعة التي قدمنا أن التحقيق أن أولها من يوم النحر من ذي الحجة عام تسع، وأنها تنقضي بالعشر من ربيع الثاني من ذلك العام، وإنما قيل لها «حُرُم» لأن الله حرّم فيها قتال المشركين، وقال لهم فيها: سيحوا في الأرض أربعة أشهر، أي: آمِنِينَ مُدْبِرِينَ ومقبلين، قتالكم والتَّعَرُّضُ لَكُمْ حَرَامٌ. وهذا أظهر القَوْلَيْنِ هنا؛ لأن اللام في قوله: ﴿الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: آية ٥] الألف واللام فيها للعهد، والأشهر الحُرم المذكورة لم تكن معهودة هنا، والمعهود هنا هي الأربعة المذكورة في قوله: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: آية ٢] وعلى هذا فانسلاخها هو ما قدمنا بعد انتهاء العشر الأول من ربيع الثاني كما لا يخفى. وقد بيّنا أن قول الزهري ﵀ أن ابتداء أشهر الإمهال من شوال (١) [أنه إن صح عنه فهو غلط منه. والصحيح قول الجمهور، وهو أن ابتداء تأجيل هذه الأشهر الأربعة من يوم النحر، وتَنْقَضِي في اليوم العاشر من ربيع الثاني].
وانسلاخ الأشهر: معناه انْقِضَاء مُدَّتِهَا. تقول العَرَبُ: انْسَلَخَ الشَّهْرُ، وانْسَلَخَ العَامُ: إذا مَضَى زَمَانُهُ، وسلخته: إذا كنت في آخر يوم من أيامه وقد مضى علي. وهذا معروف في كلام العرب (٢)، ومنه قول لبيد في مُعَلَّقَتِهِ (٣):